تحريرات في الأصول‏ - ج4

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
408 /
1

-

2

[تتمة المقصد الثاني في الأوامر]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الفصل الثامن التعرض لبعض أنحاء الوجوب‏

3

كان ينبغي أن نذكر سائر أقسام الوجوب في مقدمات بحث مقدمة الواجب استطرادا، و لكن التبعية للأعلام اقتضت التأخير، و لا بأس به.

النحو الأول في التعييني و التخييري‏

و يتم الكلام حوله في بحوث:

البحث الأول: أقسام التخيير

لا كلام في التعييني، و إنما البحث حول التخييري.

اعلم: أن التخيير ينقسم إلى التخيير العقلي، و التخيير العقلائي، و التخيير الشرعي.

و المراد من الأول: هو إدراك العقل أن العبد مخير بين الفعل و الترك، أو مخير بين فعل كذا و فعل كذا. و هذا أمر واضح لا غبار عليه.

و المخالف في هذه المسألة القائل بالجبر؛ و بأن العبد غير مختار، فهو كما ينكر ذلك ينكر التخيير في الشرع و العرف أيضا، و إن كان لا ينكر التخيير التوهمي و التخيلي؛ و يقول: بأن هذا الاختيار و التخيير توهمي لا واقعي. و المتكفل لهذه‏

4

المسألة بعض العلوم العالية، و قد تصدينا لمباحثها في «قواعدنا الحكمية» (1).

و المراد من الثاني: هو إدراك العرف و العقلاء في معاشهم و معادهم أنهم مخيرون، و هكذا في أخذهم بالحجج و الطرق و الأمارات. و يتكفل البحث عن هذه المسألة، مسائل التعادل و الترجيح، و الاجتهاد و التقليد.

و ربما تأتي بعض الشبهات الآتية على هذا النحو من التخيير؛ لأنه من قبيل حكم العرف بالتخيير، و لو امتنع الحكم بالتخيير شرعا، فربما يلزم الامتناع في هذه المرحلة أيضا؛ لاتحاد المناط، و اشتراك الملاك. مع أن الظاهر اتفاقهم على الحكم التخييري في هذه المسألة، و بقائه على حاله.

و المراد من «التخيير الشرعي»: هو حكم الشرع بوجوب هذا، أو وجوب ذاك، كما في الخصال.

و هذا تارة: يكون في مورد المتباينين.

و أخرى: في مورد الأقل و الأكثر.

و على الأول تارة: يكون في مورد يمكن الجمع بينهما عرضا، كما في الخصال نوعا.

و أخرى: في مورد لا يمكن الجمع بينهما عرضا، كما في أماكن التخيير؛ فإن الجمع بين القصر و الإتمام لا يمكن عرضا و إن أمكن طولا.

و أيضا تارة: يكون بين الأفراد جامع ذاتي قريب، كالصلاة فإنها جامعة القصر و الإتمام.

و أخرى: لا يكون بينها ذلك الجامع، كما في خصال كفارة رمضان مثلا، و في نوع الكفارات.

و على الثاني تارة: يكون الأقل و الأكثر من التدريجيات.

____________

(1) القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

5

و أخرى: من الدفعيّات.

و على الأول تارة: يكون التدريجي من الأنواع المشككة.

و أخرى: من الأنواع المتواطئة.

و غير خفي: أن التخيير الشرعي تارة: يثبت بالدليل الخاصّ الشرعي؛ من إجماع، أو سنة و كتاب.

و أخرى: يستكشف من العقل، كما في موارد التزاحم، و في مسألة دوران الأمر بين المحذورين؛ بناء على بعض المسالك‏ (1).

البحث الثاني: مقتضى الأصل العقلائي في الوجوب التخييري‏

لا شبهة في أن المتبادر العرفي و المتفاهم العقلائي من الأدلة المتكفلة لإثبات الواجب التخييري: أن كل واحد من الطرفين أو الأطراف، موصوف بنوع من الوجوب المعبر عنه ب «الوجوب التخييري» و أن كل واحد من الأطراف بخصوصيته متعلق الإيجاب، لا أمرا آخر؛ سواء كان ذلك الأمر الآخر عنوانا انتزاعيا، أو عنوانا ذاتيا و جامعا قريبا، و من غير فرق بين كيفية الأداء؛ بأن يخلل كلمة «أو» مع تكرار الصيغة، أو لم يكرر صيغة الأمر أو ما يقوم مقامها.

بل الدعوى: أن المتفاهم العرفي من قوله: «يجب عليك إكرام واحد من العلماء» أو «أحدهم» أن الوجوب موضوعه عنوان «العالم» و يكون تخييريا، لا تعيينيا كسائر الواجبات التعيينية.

و بعبارة أخرى: العناوين المأخوذة تحت الهيئة و ما في حكمها، إذا كانت من قبيل العناوين الذاتيّة، فهي ظاهرة في الوجوب التعييني، فإذا قال: «صلوا و زكوا»

____________

(1) كمسلك المؤلف و والده المحقق (قدس سرهما)، راجع الجزء الثالث: 515.

6

تكون الصلاة واجبة تعيينية، بخلاف ما إذا كانت من قبيل العناوين الانتزاعية، أو بعض منها من قبيل عنوان «الأحد» و «الواحد» فإن ذهن العرف ينصرف منها إلى أن الواجب؛ هو منشأ الانتزاع، و يكون في قوله: «تجب إحدى هذه الخصال الثلاث» الواجب عنوان ذاتي الخصال، كالعتق و الصوم و الإطعام تخييرا.

و من الغريب دعوى بعض الفضلاء المعاصرين: ظهور الأدلة الشرعية في أن الواجب هو عنوان «الأحد» و «الواحد» مطلقا (1)، فينكر على هذا الواجبات التخييرية!! ضرورة أن معنى ذلك أن ما هو الواجب، هو العنوان الانتزاعي تعيينا، إلا أن تطبيقه بيد المكلفين في نطاق اعتبره الشرع، فلا تغفل، و لا تخلط.

و لا حاجة في إبطاله إلى شي‏ء غير الإحالة إلى الوجدان و الذوق. نعم، لا بأس بذلك إذا اقتضت الضرورة، كما يأتي.

فبالجملة: هذا هو الأصل العقلائي في المسألة، و حيث إن الوجوب التخييري الشرعي يستتبع شبهات؛ بين ما تتوجه إلى مطلق الأقسام المزبورة، و بين ما تتوجه إلى صنف خاص منه، و لأجل تلك الشبهات بنوا على العدول عما هو الظاهر الابتدائي إلى المسالك المختلفة في تفسير «الواجب التخييري» فلا بدّ أولا من النّظر إلى الشبهات العامة، و ثانيا إلى الشبهات الخاصة، فإن كانت هي تامة فنأخذ بما هو الأقرب إلى تلك الأدلة، و إلا فيتبع الأصل المزبور.

و غير خفي: أن كثيرا من الأعلام و الأفاضل غفلوا عن هذه النكتة، و ظنوا أن الأصحاب اختلفوا في معنى «الواجب التخييري» (2) غافلين عن أن هذا الاختلاف ناشئ من الإشكالات العقلية، و إلا فلا خلاف فيما هو الأصل، كما عرفت و تحرر.

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه 4: 40.

(2) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 88، معالم الدين: 74، قوانين الأصول 1: 116- السطر 14.

7

البحث الثالث: في شبهات المسألة

الشبهة الأولى:

ما أفاده «الكفاية» بتوضيح منا: و هو أن غرض المولى من الإيجاب التخييري؛ إما يكون واحدا بالذات و الحقيقة، فعليه يستكشف وجود جامع بين الفعلين أو الأفعال؛ لأجل أن الأمور المختلفة المتباينة، لا يمكن أن يصدر منها الواحد، و لأجل اعتبار نحو من السنخية بين المعلول و علته، فلا بدّ من كون ذلك الجامع هو الواجب الشرعي و إن كان مقتضى ظاهر الأدلة خلافه، فلا معنى للوجوب التخييري رأسا.

أو يكون غرض المولى متعددا، و يكون كل واحد منها قائما بفعل من تلك الأفعال الثلاثة، و لكنه لا يمكن تحصيلها معا؛ للمضادة بينها، و عندئذ لا بد من الالتزام بوجوب كل واحد منها؛ بنحو يجوز تركه إلى بدل، لا مطلقا، و على هذا يكون التخيير شرعيا؛ إذ لا نعني من «التخيير الشرعي» إلا ذلك‏ (1)، انتهى.

ثم أردف كلامه بما لا يرجع إلى محصل، بل يناقض مسلكه.

و لنا تتميم هذه الشبهة بأن نقول: و إذا كان في الشرع الجمع بين الأطراف جائزا، بل راجحا، فيعلم منه أن لا مضادة بينهما، و يستكشف بذلك أن ما هو الواجب حقيقة هو الجامع، فلا تخيير شرعي مطلقا، فافهم و اغتنم.

أقول أولا: لا داعي إلى إرجاع الأدلة إلى أن الواجب حقيقة هو الجامع؛ لأن من المحتمل كون المولى ذا غرض متعدد؛ لعين الأغراض المتعددة في الواجبات‏

____________

(1) كفاية الأصول: 174- 175.

8

المتعينة، إلا أنه- تسهيلا على العباد، و عدم إيقاعهم في الكلفة و الشقة، حفاظا على بعض الأغراض السياسية العالية- يرتضي بواحد منها، و يخير المكلفين في ذلك، و لأجله يشتهي الجمع، أو يأمر بذلك أمرا ندبيا.

و هذا الاحتمال قريب جدا؛ ضرورة أننا في الخصال نجد أن الشرع يحب كل واحدة، لأنها الخيرات، و لكن لا يأمر إيجابا بالنسبة إلى الكل و إلى جميع الأطراف؛ لتلك النكتة و العلة، فلو تم البرهان المزبور فلا يتم مقصوده.

و ثانيا: أن غرض المولى من الواجب التخييري، بمنزلة حرارة الماء بالنسبة إلى النار و الحركة و الشمس و الكهرباء، فإن الحرارة كما تحصل بكل واحد من الأطراف، كذلك غرض المولى يحصل من كل واحد من الأفعال الواجبة تخييرا.

إن قلت: فما معنى عدم صدور الواحد من الكثير؟

قلت: كان ينبغي للكفاية و لأصحابنا الأصوليين أن لا يدخلوا البيوت إلا من بابها، و من كان له حظ من الفلسفة العليا، ما كان ينبغي له أن يتمسك بتلك القاعدة في هذه المقامات؛ فإن مصبها و موردها الواحد المتوحد بالوحدة الحقة الحقيقية الأصلية، و في جريانها في سائر الوحدات البسيطة إشكال، فضلا عن العلل و المعاليل المركبة، و لا سيما الطبيعية منها.

إن قلت: فما معنى حديث السنخية بين العلة و المعلول؟

قلت: نعم، لو كان غرض المولى الحرارة التي توجدها النار، فلا يأمر إلا بإيجاد النار، و أما إذا كانت الغاية و الغرض مطلق الحرارة، فلا يأمر إلا بواحد منها على سبيل التخيير، و حيث نجد الأدلة متكفلة للتخيير، فيعلم أن الغرض واحد بالوحدة النوعية، دون الشخصية.

و غير خفي: أن برهانه (قدس سره) لو كان تاما، يستلزم الامتناع الآخر العقلي: و هو وجود الجامع في الخارج؛ ضرورة أن الحرارة الخارجية متقومة بالعلة الخارجية،

9

و تلك العلة إما النار، أو الكهرباء، أو الجامع بينهما، لا سبيل إلا إلى الثالث، فلا بدّ من خارجيته، و هو واضح البطلان، فيعلم من هنا: أن مصب تلك القاعدة مقام آخر، فافهم و تدبر.

و هنا (إن قلت فلتات) خارجة عن أفهام طلاب الأصول، و غير راجعة إلى محصل في الفن، و كفى بذلك شهيدا.

الشبهة الثانية

أن التخيير مقابل التعيين و التعين، و التعين يساوق التشخص، و التشخص يساوق الوجود، و الوجود يقابل العدم، فيكون التخيير معنى راجعا إلى العدم، و ما كان حقيقته (الليس) أي لا حقيقة له رأسا، كيف يمكن أن يكون متحققا؟! فالتخيير غير متحقق، فالوجوب التخييري مستحيل؛ لأن العدم المحض لا شي‏ء محض، و لا يتعلق به الإرادة، و لا البعث و الإيجاب، و لا التصور و الشوق و هكذا.

و إن شئت قلت: في التخيير تردد، و هذا التردد يباين الوجود؛ لأنه عين التعين، فكيف يعقل تحقق التردد؟! من غير فرق بين وعاء من الأوعية؛ ذهنا كان، أو خارجا، أو كان من قبيل وعاء الاعتبار؛ ضرورة أن الاعتباريات كلها، وجودات لحاظية اعتبارية لأغراض عقلائية، و ما هو حقيقته التردد لا يمكن الإشارة إليه، و لا لحاظه.

و من العجيب، توهم العلامة النائيني (قدس سره) حيث قال: بإمكان تعلق الإرادة التشريعية و الآمرية بشي‏ء غير معين، أو بكل واحد من الأطراف على سبيل البدلية، مستدلا بالفرق بين التكوينية الفاعلية، و بين التشريعية الآمرية؛ ضرورة أن التكوينية لا يمكن تعلقها بالكلي، بخلاف الآمرية، فإنها لا تتعلق إلا بما هو الكلي‏ (1)!!

____________

(1) فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235.

10

و أنت خبير: بأن حقيقة الإرادة التشريعية ليست إلا إرادة البعث، و هي تكوينية كسائر الإرادات، و سبب عدها تشريعية أنها تعلقت بالبعث و التشريع و التقنين، فإذن كيف يعقل تعلقها بما هو اللاتعين؟! و بعبارة أخرى: تشخص الإرادة بالمراد، و هذا يرجع إلى أن وجودها به على حذو سائر الأوصاف الإضافية، و كما لا يعقل تعلق الإرادة الفاعلية إلا بالمعين، كذلك لا يعقل الأمر في جانب تلك الإرادة؛ لأنها بالمراد تتشخص و توجد.

و توهم: أن المراد في الإرادة الفاعلية جزئي، و في الآمرية، كلي‏ (1)، غير تام؛ فإن المراد في الآمرية هو البعث نحو الكلي، و هذا أمر جزئي يوجد بالإشارة و بالشفتين، و يكون من قبيل أفعال النّفس، و إن كان لكل واحد من مبادئ هذا البعث أيضا إرادة خاصة، كسائر الأفعال التي تتعلق بها الإرادة، و تكون متقومة بمقدمات و خطوات، فلاحظ جدا.

فما هو المراد هو بعث الناس إلى المادة، و هو إذا تحقق يكون جزئيا، حذو سائر أفعاله، و ما هو الكلي هو متعلق ذلك البعث؛ حسب المفهوم المعلوم منه للمخاطب، و هو ليس مورد الإرادة.

و إن شئت قلت: الإرادة في أفق النّفس تعلقت بما هي موجودة في النّفس، و تكون من صفاتها، فتكون جزئية خارجية، و أما كليتها فباعتبار نفس طبيعة المراد، مع قطع النّظر عن هذا اللحاظ النوراني الساطع عليه.

أقول: و في ختام هذه الشبهة تقريب آخر ينشعب منها: و هو أن كل موجود إذا صح اتصافه بشي‏ء، فذلك الشي‏ء إما يكون بنفسه خارجيا، أو و إن لم يكن خارجيا، و لكنه ذهني، و الاتصاف به خارجي، كما في المعقولات الثانية على مصطلحات أرباب الحكمة مثل الوجوب و الإمكان.

____________

(1) فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، أجود التقريرات 1: 183.

11

و من القسم الثاني جميع الأمور الاعتبارية، فإنها عناوين ذهنية، إلا أن للاعتبار عرضا عريضا، و لأجله يعتبر الشي‏ء في الخارج من غير اشتغال الخارج به تكوينا، و ذلك مثل الملكية و الحرية و الرقية و غيرها، و مثل الوجوب و الندب التعينيين، فإن الشي‏ء يوصف بالبياض معينا، و بالوجوب و الإمكان معينا، و بالوجوب و الندب معينا، و لكن لا يوصف بالبياض التخييري، أو بالملكية التخييرية، أو الإمكان و الوجوب التخييريين، فكيف يوصف بالوجوب التخييري، و كيف يصح أن يقال: «هذا واجب و موصوف بالوجوب التخييري»؟! و لو صح في الاعتباريات ذلك، لصح أن يقال: «هذا موصوف بالملك التخييري» أي مردد بين كونه لزيد أو لعمر بالترديد الواقعي، و إلا ففي موارد العلم الإجمالي يتردد المعلوم بالإجمال بين الأطراف، و لكنه ليس ترددا واقعا، بل هو متعين واقعا، و مجهولة بعض خصوصياته، مثل خصوصية مقولة الأين في الخمر، و التردد بين كونها في هذا الإناء، أو الإناء الآخر، فلعدم الاطلاع على بعض الخصوصيات، مع الاطلاع على أصل وجوده في البين، يقال: «إن المعلوم مردد بين كذا و كذا».

و لأجل مثل هذا قيل: «إن في الواجب التخييري يكون الواجب أحد الأطراف معينا» (1). و لعل من يقول بذلك يعتقد بعدم وجوب الموافقة القطعية هنا، و يكفي الموافقة الاحتمالية، فلاحظ و تدبر.

أقول:

اعلم أولا: أن الأغراض في الواجبات التخييرية- بنحو كلي- تكون مختلفة:

فتارة: يمكن أن يكون للمولى أغراض إلزامية، إلا أن مصلحة التسهيل‏

____________

(1) لاحظ هداية المسترشدين 249- السطر 22.

12

تقتضي عدم إيجاب الكل، كما تقدم‏ (1).

و أخرى: تكون الأغراض متضادة غير قابلة للجمع، و كلها إلزامية.

و ثالثة: أن يكون له غرض وحداني، و لكنه يحصل بالمحصلات المتعددة، إلا أن لعدم إمكان الإشارة إليه، أو للأغراض الاخر، أوجب تلك الأسباب و المحصلات، و لا بد من إيجابها تخييرا أيضا، كما هو الواضح، أو لعدم وجود الجامع أحيانا بين المحصلات، و إن كان الغرض الوحدانيّ نفسه الجامع، كما ترى.

و ثانيا: أن مفهوم «التخيير» من جملة المفاهيم الانتزاعية التي لها المنشأ الخاصّ الخارجي، و يستعار للاستعمال في الموارد المشابهة لذلك المنشأ، أو يدعى تشابهها معه.

مثلا: مفهوم الربط و النسبة من المفاهيم الاسمية، المنتزعة من المعاني الاسمية؛ لعدم إمكان انتزاع المفهوم الاسمي من الحقيقة الحرفية، و لكنه يستعار لإفادة تلك الحقيقة؛ لمشابهتها مع منشأ انتزاع مفهوم «الربط و النسبة» ضرورة أن المعنى الحرفي غير قابل لأن يخبر عنه، أو يعبر عنه مستقلا؛ لأنه غيره، كما تقرر تفصيل المسألة في مباحث المعاني الحرفية (2).

فعلى هذا تبين: أن مفهوم «التخيير و الاختيار» من المفاهيم الانتزاعية عن صفة الاختيار الموجودة لكل إنسان، بل و حيوان، و يستعار لإفادة أن المكلف بالنسبة إلى الأطراف بالاختيار، بخلاف الواجب التعييني، فإنه كأنه ليس مورد الاختيار، بل هو بالنسبة إليه خارج عن الاختيار توهما.

فعند ذلك نقول: إن المولى في تلك الحالات من الأغراض، يتصور كل طرف، و يشتاق إلى كل طرف، و يريد كل واحد من الأطراف بالإرادة المستقلة، و يبعث إلى‏

____________

(1) تقدم في الصفحة 7- 8.

(2) تقدم في الجزء الأول: 87- 88.

13

كل واحد من الأطراف تعيينا في عالم البعث و الإرادة، فلا تكون إرادة واحدة بالنسبة إلى المردد، بل هناك إرادتان، أو إرادات متعددة، فيريد بها بعث الناس إلى كل طرف، و لكنه لمكان أن الأغراض كانت على النحو المزبور، فلا بدّ له من إفادة أن العبد مختار بالنسبة إلى كل واحد من الأطراف، و إن كان بالنسبة إلى ترك الكل غير مختار، و عند ذلك يأتي بكلمة تفيد ذلك الاختيار؛ سواء كانت من الحروف، أو كانت من الأسماء.

بل ربما يتمكن المولى من إفادة الاختيار بعد إيجاب الكل تعيينا؛ فإنه إذا بعث إلى الكل، ثم توجه إلى لزوم مراعاة السهولة و التسهيل، أو توجه إلى أن الغرض ليس من قبيل الأغراض في التعييني، فيأتي بالقرينة المنفصلة لإفادة ذلك بجعل العبد بالخيرة.

و إذا أمر بالاختيار فيكون كل طرف مورد الاختيار و الخيرة؛ بلحاظ الاختيار الثابت للإنسان، و في مقابل الوجوب التعييني المخرج عن الاختيار في عالم الادعاء و التخيل، لا في الواقع؛ انما قراءة القرآن‏ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (1) مع أن التكليف فرع الاختيار، فهذا النفي بلحاظ الوجوب المنافي للاختيار توهما، و لذلك إذا قضى بنحو الواجب التخييري أيضا ما يكون لهم الخيرة بالنسبة إلى ترك الكل.

و بالجملة: تحصل حتى الآن، أن التردد ليس في جميع المبادئ، و لا في التوصيف، بل معنى «أن هذه الشي‏ء موصوف بالوجوب التخييري» أنه موصوف بالوجوب غير المنافي للاختيار في عالم الاعتبار و الادعاء، فتوصيف الوجوب ب «التخييري» لإفادة أن العبد بالخيرة بالنسبة إلى ترك هذا الطرف بخصوصه، فافهم و اغتنم.

____________

(1) الأحزاب (33): 36.

14

الشبهة الثالثة

في كثير من الواجبات التخييرية، ينتقل ذهن العرف إلى الجامع القريب، و يؤيد ذلك ببعض القرائن الموجودة في الأدلة الخاصة.

مثلا: في الخصال ينتقل الناس إلى أن المولى يريد تكفير الذنب، و حط الخطيئة، فإذن يتوجه إلى أن ما هو الواجب هو الجامع القريب.

بل المتبادر من الواجبات التخييرية: أن المولى ذو غرض وحداني يحصل بتلك المحصلات، فما هو الواجب و المطلوب بالذات، هو الجامع و لو كان بعيدا.

و أما إفادة مرامه بنحو التخيير؛ فهو إما لأجل عدم وجود اللفظ الواقعي لفهم المرام منه، أو لأجل أن إيجاب الجامع غير كاف؛ لأنه لا يحصل بمطلق السبب، بل سببه خاص بين الثلاثة و الأربعة مثلا، فلا بدّ من إفادة ذلك السبب الخاصّ، فعليه تكون الأدلة في باب إفادة الواجب التخييري، ناظرة إلى ذلك عرفا و إن لا يلزم عقلا.

بل ربما يمكن دعوى عقليته؛ لأن ما هو الواجب النفسيّ التعييني هو الغرض، دون الأسباب المنتهية إليه.

قلت: قد فرغنا من هذه الشبهة في تقسيم الواجب إلى النفسيّ و الغيري، و ذكرنا هناك: أنه لا يجوز للعاقل البصير الخلط بين مصب الإيجاب، و بين الأغراض، و إلا يلزم انحصار الوجوب النفسيّ بالشي‏ء الواحد البسيط، فلا بدّ من المحافظة على الأدلة و ظواهرها، كما يحافظ في الواجبات النفسيّة التعيينية؛ من غير فرق بين كونها من ذوات الجوامع القريبة، أو لم تكن منها (1).

نعم، ربما تكون الأدلة لأجل اقترانها بالقرائن، ظاهرة في إفادة ذلك الجامع القريب، و لا سيما في غير الواجبات التكليفية، كالتخيير في القصر بين خفاء

____________

(1) تقدم في الجزء الثالث: 129- 137.

15

الجدران و الأذان، فإنه- حسب ما قربناه في محله‏ (1)- يكون دليله ناظرا إلى إفادة بعد معين، و مقدار خاص من البعد عن البلد، و يكون هو السبب للانقلاب، دون الخصوصيات المأخوذة في الدليل.

الشبهة الرابعة

ما مر من الشبهات كان راجعا إلى مقام الجعل و التشريع، و هنا شبهة في مقام الامتثال المستلزمة للإشكال في مقام الجعل:

و هي أن مقتضى بناء الفقهاء في الواجبات التخييرية، جواز الجمع بين الأطراف في زمان واحد بالضرورة، و على هذا يتوجه السؤال عما به يتحقق الامتثال؟ و لا يعقل الإهمال الثبوتي، و لا يمكن تعيين أحدها، و لا كلها:

أما الأول: فللزوم الترجيح بلا مرجح.

و أما الثاني: فلأن الوجوب الواحد يسقط بالواحد.

و أما توهم: أن الجامع هو المسقط، فهو ممتنع؛ لعدم كونه مورد الأمر، و لا موجودا آخر وراءهما.

فعليه لا بد من دعوى: أن الجامع هو مورد الأمر، و يكون الإتيان بهما موجبا لسقوط الأمر، كما إذا جمع بين المصداقين من الصدقة فيما كانت الصدقة مورد الأمر، فيثبت انتفاء الوجوب التخييري مطلقا، إلا فيما لا يمكن جمعهما عرضا.

أقول: قد مضى فيما سبق، أنه في الواجب التخييري تكون الإرادة و الإيجاب و البعث متعددة؛ حسب تعدد الأطراف‏ (2)، و المفروض جواز اجتماع الأطراف أيضا، فيعلم منه أن الأغراض ليست متضادة، فعليه يكون الجمع بينها موجبا لتحصيل‏

____________

(1) يأتي في الجزء الخامس: 66- 69.

(2) تقدم في الصفحة 12- 13.

16

جميع مقاصد المولى المقاصد الإلزامية، و لا إهمال ثبوتي.

نعم، إذا كان ذا غرض واحد، و كان واحدا مركبا، فيمكن أن يحصل بعض الغرض ببعض منه، و لكن الامتثال حصل في كل طرف؛ لأن في كل ناحية أمرا قد أتى بمتعلقه العبد و المكلف، و يكون ذلك سببا لسقوط ذلك الأمر و إن كان بسيطا و واحدا بالشخص، فتصير الأطراف متعاضدة في إيجاده، و متداخلة في العلية، كما إذا زهق روح المقتول بضربتين من الشخصين، فإن الإزهاق يستند إلى المعنى الجامع الحاصل من ضربتيهما خارجا.

فبالجملة تحصل: أنه من اجتماع الأطراف، لا يلزم كون الواجب التخييري واجبا تعيينيا.

و غير خفي: أن ما هو المتعارف الواقع في الواجبات التخييرية، هو الفرض الأول؛ و هو تعدد الأغراض حسب تعدد الأطراف، مع وحدة الغرض الأعلى الحاصل بكل طرف، و لا يكون واحدا شخصيا، و إذا تعدد الأمر و الإيجاب و الإرادة يكون الجمع مسقطا بالنسبة إلى الكل، و العبد ممتثلا امتثالا راقيا.

فبالجملة: تبين لحد الآن؛ أن شبهات الواجب التخييري، لا تورث صرف الأدلة عن ظاهرها، و عما هو مقتضى الأصل العقلائي.

نعم، ربما يتوجه بعض شبهات بالنسبة إلى صنف خاص من الوجوب التخييري.

تذييل: حول إمكان التخييري بين الأقل و الأكثر و امتناعه‏

بعد الفراغ من تلك الشبهات الراجعة إلى تصوير الوجوب التخييري مطلقا، يبقى الإشكال في التخيير بين الأقل و الأكثر؛ و أنه هل يعقل ذلك مطلقا أو لا يعقل مطلقا؟

17

أو يعقل التخيير العقلي دون الشرعي؟

أم لا يتصور التخيير إذا كان الأقل لا بشرط، و يتصور إذا كان بشرط لا؟

أو يمكن في الأقل و الأكثر الدفعيين، دون التدريجيين؟

أم يفصل بين الكم المتصل، و لكم المنفصل، فلا يجوز في الأول، و يجوز في الثاني؟

وجوه بل أقوال.

و الّذي هو التحقيق: أن التخيير العقلي- بمعنى إدراك العقل أن الإنسان مختار في ذلك- مما لا إشكال فيه، كما يدرك اختياره في دوران الأمر بين المحذورين.

اللهم إلا أن يقال: بأنه ليس من إدراك التخيير بين الأقل و الأكثر، بل العقل يدرك أن الإنسان مختار في فعل التسبيحة الواحدة و الثلاث و الخمس و هكذا، و أما المقابلة بين الواحدة و الثلاث فلا معنى له؛ لأن معنى المقابلة هو إمكان ترك أحد المتقابلين، و إتيان الآخر، و هو في الأقل و الأكثر غير معقول حتى في الدفعيّات، فضلا عن التدريجيات.

و أما التخيير الشرعي، فبين الأقل بشرط لا و الأكثر فهو بمكان من الإمكان، بل هو واضح؛ لأنه يرجع إلى التخيير بين المتباينين.

و العجب من «الكفاية» (قدس سره) حيث اعتقد جواز التخيير بين الأقل و الأكثر، و استدل بإمكانه بين الأقل بشرط لا و الأكثر (1)!! و بالجملة: اختار إمكانه أكثر الأفاضل، قائلين بخروجه عن محط النزاع‏ (2)،

____________

(1) كفاية الأصول: 175- 176.

(2) الفصول الغروية: 103- 35، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، أجود التقريرات 1: 186، نهاية الأفكار 1: 393- 394، مناهج الوصول 2: 88.

18

و ذاكرين أن التخيير بين القصر و الإتمام من التخيير بين المتباينين‏ (1).

اللهم إلا أن يقال: بأن الأقل بشرط لا، غير ممكن أن يكون مورد الأمر، حتى يمكن التخيير بينه و بين الأكثر؛ و ذلك لأن الحد أمر عدمي لا واقعية له، و لا يعقل كونه داخلا في الغرض، أو مؤثرا في شي‏ء، و الّذي يقوم به الغرض هو نفس المحدود بوجوده الواقعي. نعم ربما يكون الزائد مضرا و مانعا، أو غير لازم، فلا يأمر به أو ينهى عنه.

و أما التخيير بين القصر و التمام في أماكن التخيير، فهو ليس من التخيير في التكليف الشرعي؛ ضرورة أن القصر و الإتمام ليسا من الواجبات النفسيّة؛ بمعنى أنه يجب عليه إما القصر، أو الإتمام، بل يجب عليه صلاة الظهر، و إذا كان في أماكن التخيير يجوز له أن يأتي بالسلام في التشهد الأول، و يجوز له أن يأتي به في الثاني، فلا يكون هناك تكليف نفسي تخييري بالضرورة، حتى يكون من التخيير بين المتباينين، أو الأقل و الأكثر.

و مما يؤيد أن هذا الأقل بشرط لا لا يكون مورد الأمر، عدم وجود مثال له في الفقه، بل في الفقه يتعين الأقل، و يستحب الأكثر، فالأقل بشرط لا لا تقوم به المصلحة حتى يتوجه إليه الأمر، فافهم و تدبر.

نعم، يمكن المناقشة في ذلك: بأن قيود المأمور به يمكن أن تكون عدمية، بل لا بد منها؛ لأن المانعية لا تتصور في الاعتباريات، كما تحرر مرارا (2)، و تفصيله في مقام آخر (3).

____________

(1) الحاشية على كفاية الأصول، المحقق البروجردي 1: 327، محاضرات في أصول الفقه 4: 46- 47.

(2) تقدم في الجزء الثالث: 506.

(3) يأتي في الجزء الثامن: 56- 58، 82- 83.

19

و أما المثال المزبور، فلا يكون من التخيير بين الأقل و الأكثر مطلقا، إلا على القول: بأن القصر و الإتمام من قيود الطبيعة، و تصير الطبيعة متنوعة بهما، كما تتنوع بالظهرية و العصرية، و نتيجة ذلك كونها من العناوين القصدية (1)، إلا على ما سلكناه في محله‏ (2)، فليتدبر جيدا.

هل يجوز التخيير الشرعي بين الأقل اللابشرط و بين الأكثر؟

و أما التخيير الشرعي بين الأقل اللابشرط و الأكثر، فالمعروف عنهم امتناعه في التدريجيات في الكم المنفصل، كالتسبيحة و التسبيحات، و ظاهرهم أن الامتناع ناشئ من أن النوبة في مقام الامتثال لا تصل إلى الأكثر؛ لأن بوجود الأقل يحصل الامتثال دائما في المرحلة السابقة، و ما كان حاله كذلك لا يعقل تصوير التخيير فيه إلا برجوعه إلى وجوب الأقل تعيينيا، و جواز الأكثر أو استحبابه.

و بعبارة أخرى: الامتثال قهري و إذا أتى بالتسبيحة فقد أتى بأحد الأطراف، فلا معنى لكون الأكثر موجبا للامتثال‏ (3).

و لك دعوى الامتناع في مقام الجعل و التشريع بالذات؛ و ذلك لأن إيجاب الشي‏ء الواحد لا يعقل مرتين تأسيسا، و إذا كان الأقل واجبا، و مورد البعث التخييري على النحو المزبور في الواجب التخييري، فكيف يعقل البعث الآخر إلى الأكثر الّذي فيه الأقل؟! لأن معنى كون الأقل لا بشرط؛ هو أن الأكثر عبارة عن ذلك الأقل مع إضافة، فيلزم تعين الأقل، و يكون مورد البعث الثاني مرتين.

و هذا محذور ناشئ من أصل الجعل، و يورث امتناع تعلق الإرادة الثانية في‏

____________

(1) الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الآملي 2: 5.

(2) تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 43.

(3) نهاية الدراية 2: 273، نهاية الأفكار 1: 393، مناهج الوصول 2: 88- 90.

20

البعث الثاني التخييري بالأقل، و يلزم تعلقها بالزائد، و يكون الزائد مورد الرخصة من غير كونه واجبا.

فبالجملة: إذا راجعنا وجداننا نجد فيما إذا نأمر عبدنا بإعطاء زيد دينارا، أو دينارا و نصفا، أن ما هو مورد البعث تعيينا هو الدينار، و الزائد مورد الرخصة، و مطلوب استحبابي.

و هنا دقيقة أخرى: و هي أن الأقل و الأكثر أيضا يتصوران على نحوين:

أحدهما: ما كان عنوان الأكثر عين عنوان الأقل مع الزيادة، كما في المثال المزبور، و في مثل التسبيحة و التسبيحات.

ثانيهما: ما كان الأقل و الأكثر متحدين عنوانا، و مختلفين حسب كثرة الأجزاء و قلتها، كما في الأقل و الأكثر الارتباطيين في الصلاة و سائر المركبات الفانية فيها الأجزاء، فإن الأكثر هي الصلاة، و هكذا الأقل، و لكن الاختلاف بينهما بحسب أن الصلاة في الأكثر ذات عشرة أجزاء، و في الأقل تسعة أجزاء.

و إذا كان الأمر هكذا، فالإيجاب التخييري المتعلق بالصلاة الكذائية، أو الصلاة الكذائية، ممكن بحسب مقام الجعل؛ لأن بين العنوانين في عالم العنوان تباينا، و لا يلزم أن تتعلق الإرادة الثانية بعين ما تعلق به الإرادة الأولى، و لكن في مقام الامتثال يقدم الأقل دائما في مرحلة الإسقاط، فلا تصل النوبة إلى الثانية، و عند ذلك لا يمكن أن تترشح الإرادة المسانخة مع الإرادة الأولى في الكفية من المولى، و يمتنع ذلك امتناعا بالغير، لا بالذات، فافهم و تدبر جيدا.

أقول: قد فرغنا من إمكان تصوير كون الامتثال اختياريا، و أنه ليس من الأمور القهرية- و تعرضنا لذلك في مباحث الإجزاء (1) و عرفت هناك: أن الامتثال عقيب الامتثال بمكان من الإمكان، و ذكرنا هناك طريقين:

____________

(1) تقدم في الجزء الثاني: 268- 271.

21

أحدهما: أن سقوط الأمر معناه سقوطه عن الباعثية الإلزامية، و بقاؤه على باعثيته الندبية حسب القرائن الخارجية، و تفصيله في محله.

ثانيهما: أن للشرع اعتبار عدم سقوط الأمر؛ بداعي قيام العبد نحو المصداق الأتم، و يعتبر للمكلف اختيار كون المصداق المأتي به فردا ممتثلا به الأمر، أو عدم كونه كذلك.

فإذا اعتبر المصداق المزبور عدما أو مستحبيا- كما في أخبار الصلاة المعادة:

أنه إن شاء جعلها مستحبيا، و إن شاء جعلها فريضة- فإذا كان هو بالخيار في وعاء الاعتبار و الادعاء لأغراض اخر، فلا بدّ أن يكون الامتثال تحت اختياره، فإن اختار امتثال الأمر التخييري بالأقل فهو، و إن اختار امتثاله بالأكثر فهو مصداق الممتثل به، و يترتب عليه الآثار، و لا نقصد من «اعتبار التخيير بين الأقل و الأكثر» إلا ذلك‏ (1).

فبالجملة: إذا حاسبنا حساب الأغراض و التكوين، و حصول الغرض تكوينا بحصول علته و سببه، فلا تخيير بين الأقل و الأكثر، و أما إذا حاسبنا هذا النحو من الحساب، و تذكرنا أن المسألة من الاعتبار القابل للتوسعة و التضييق؛ حسب الأغراض الاخر، فلا بدّ من الالتزام بصحته، و ترتب الآثار عليه.

نعم، نحتاج إلى القرينة القائمة عليه؛ و هي تكفل نفس الدليل للتخيير ظاهرا، فإنه ربما يشهد على أن المولى في هذا الموقف من الاعتبار، فتدبر و اغتنم، و كن من الشاكرين.

و مما أومأنا إليه تبين: أن للمكلف اعتبار إفناء الأقل بعد الإتيان به، فيأتي بالزائد وجوبا، و يكون المأتي به جزء المأمور به و الطرف الآخر، و كما صح تبديل الامتثال عقيب الامتثال بوجه، كذلك التخيير هنا ممكن بهذا المعنى، و نتيجة ذلك لزوم الإتيان بالطرف الآخر وجوبا؛ بناء على اعتباره، أو جواز ذلك.

____________

(1) نفس المصدر.

22

هل يجوز التخيير الشرعي بين الأقل و الأكثر في الكم المتصل؟

و أما التخيير الشرعي بين الأقل و الأكثر في الكم المتصل كالخط، فقد أجازه سيدنا الأستاذ البروجردي (قدس سره) مستدلا: بأن التخيير إن كان بين طبيعي الخطّ و الذراعين، فلا يعقل؛ لأن بمجرد تحقق بعض الخطّ يتحقق الطبيعي، فلا يمكن الامتثال بالذراعين.

و إن كان التخيير بين الذراع و الذراعين، فلا يتحقق الذراع بطبيعي الخطّ الممدود السيال حين سيلانه؛ لأن السيلان ينافيه، و هو قبل الانقطاع و في حال الحركة بلا تشخص من ناحية، و يكون مهملا، فلا تحقق للفرد و مصداق الخطّ إلا بعد القطع و السكون.

فعليه إذا وصل العبد في المثال المزبور إلى الذراع الأول التوهمي، فهو ليس امتثالا؛ لأنه ليس ذراعا واقعا، فلا استحالة في التخيير بين الأقل و الأكثر (1). و بهذا البيان و التقريب يندفع ما أورد عليه الوالد المحقق- مد ظله‏ (2)-.

و بالجملة: هو يتمكن من امتثال الطرف الآخر؛ باستمرار الخطّ إلى الذراعين.

أقول: هنا سؤال؛ و هو أن المأمور به إما يكون الذراع الأعم من الواحد الواقعي المحدود خارجا، أو يكون الذراع الخارجي المحدود بالحد، فإن كان الأول فقد امتثل به، و إن كان الثاني فهو تخيير بين المتباينين.

و إن شئت قلت: يصير التخيير بين الذراع على الفرض الأول، و بين الذراعين؛ من التخيير بين الطبيعي و المصداق الخاصّ، و إذا تحقق الخطّ خارجا، فهو تشخص بعد تحققه في الخارج بالضرورة، و إهماله من ناحية لا يضر بوجوده و تشخصه، كما

____________

(1) لاحظ مناهج الوصول 2: 89- 90، تهذيب الأصول 1: 363.

(2) مناهج الوصول 2: 90، تهذيب الأصول 1: 364.

23

في الحركة في الكم المتصل بالتنمية؛ فإن النماء الزائد لا يضر بعد وجود الحركة الكمية بالمتشخص و المتحرك في الكم، كما هو الظاهر.

ثم إنه من العجب توهمه أن التخيير بين القصر و الإتمام من الأقل و الأكثر (1)!! و قد عرفت بما لا مزيد عليه: أنه لا يكون منه، و لا من المتباينين‏ (2).

هل يجوز التخيير الشرعي بين الأقل و الأكثر في الدفعيّات؟

و أما التخيير الشرعي بين الأقل و الأكثر في الدفعيّات، ففي جوازه‏ (3)، و عدمه‏ (4)، و التفصيل بين أنحاء الأغراض؛ فيجوز إذا كان الغرضان قابلين للاجتماع، و لا يكون اجتماعهما مبغوضا للمولى و إن لم يكن مرادا له؛ فإنه إذا أوجد العبد الأكثر دفعة وجد متعلق الغرضين، و لا يجوز في سائر الصور، و هذا هو خيار الوالد المحقق- مد ظله- (5)، أقوال.

أقول: نظرنا إلى أن الأخذ بظاهر الدليل ما دام يمكن واجب. و غير خفي أن من الممكن أحيانا؛ أن لا يكون للمولى غرض وراء ما هو مورد الأمر، و يكون الغرض نفس المأمور به، لا الأمر الآخر الحاصل به.

إذا تبين ذلك فاعلم: أنه تارة: يرد في ظاهر الدليل «أكرم واحد من العلماء، أو مائة» فمن المحتمل أن يكون نظر المولى إلى عدم تحقق إكرام الحد المتوسط،

____________

(1) مناهج الوصول 2: 89، تهذيب الأصول 1: 363.

(2) تقدم في الصفحة 18- 19.

(3) قوانين الأصول 1: 117- السطر 15- 18، حقائق الأصول 1: 337.

(4) فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، محاضرات في أصول الفقه 4:

46- 47.

(5) مناهج الوصول 2: 90- 91.

24

فلا يجوز التخطي عن الظاهر، و منه يعلم أن الغرض الحاصل من الواحد، غير الغرض الحاصل من المائة، و لو كان يكفي الواحد في المائة، لما كان يأمر بهذه الصورة و الشكل من التخيير، فيعلم من ظاهر الدليل: أنه للمولى ربما تكون أغراض، و منها غرض التسهيل على المكلفين، فعند ذلك يكون الأقل بالنسبة إلى الحدود المتوسطة بشرط لا، و بالنسبة إلى الأكثر لا بشرط، و يترتب عند الإتيان بالأكثر الأغراض الملزمة، و يكون مورد الإرادة.

و أخرى: يرد الأمر بضيافة واحد أو اثنين، فيشكل الأمر؛ لأجل أن النّظر لا يمكن أن يكون لنفي الحدود المتوسطة، و حيث إن المفروض كون الأقل لا بشرط، و يكون الغرض يحصل منه- و إلا فهو خارج عن محط النزاع، و مصب النفي و الإثبات- فلا بدّ من الإقرار بالامتناع؛ ضرورة أن أخذ الزائد من اللغو، لحصوله بذلك الأقل؛ و بضيافة الواحد، فلا يمكن تمشي القصد و إرادة البعث إلى الأكثر.

و بعبارة أخرى: إن الزائد على الواجب يجوز تركه لا إلى البدل، و لا شي‏ء من الواجب كذلك.

اللهم إلا أن يقال: إن له البدل، و لكن البدل دائما يتقدم على المبدل منه، فلا معنى لإيجابه كما لا يخفى. فما أفاده من التقريب، العلامة الأصفهاني (قدس سره)(1) في غير محله.

أقول أولا: الأمر بالمقدار الزائد ربما يكون لأجل غرض؛ و هو أن العبد في مقام الامتثال، ربما لا يتمكن إلا من الإتيان بالأقل في ضمن الأكثر، و لو كان الأقل واجبا فلا يقوم بالامتثال؛ لما يجد في ذلك حرجا على نفسه، أو ضررا.

مثلا: إذا أمر المولى بإعطاء زيد تخييرا بين نصف الدينار و الدينار، و لا يوجد

____________

(1) نهاية الدراية 2: 273- 276.

25

في الخارج إلا الدينار، فإنه يماطل في ذلك، و لأجل عدم ابتلائه بالمماطلة يأمر المولى بنحو التخيير، و يكون الأكثر واجبا، فلا يكون البعث إلى الأكثر لغوا و عبثا.

و ثانيا: أن الغرض ليس إلا نفس إعطاء الدينار، أو الدينارين، و ليس وراء ذلك أمر يعد هو الغرض، حتى يقال: بأنه في صورة الوحدة لا يعقل الأمر بالزائد، و في صورة المضادة لا يعقل الأمر مطلقا، كما أفاده مد ظله، بل لا غرض للمولى إلا نفس المأمور به.

نعم، بناء على ما قربناه- من الامتناع الذاتي بحسب مقام الجعل؛ و أن تعلق الإرادتين بشي‏ء واحد محال، و هكذا بالكل و ببعض أجزائه؛ بحيث لا يرجع إلى التباين في الاعتبار- (1) فيستحيل التخيير؛ للزوم تعلق الإرادة الموجودة في طرف بعين ما تعلقت به الإرادة الأخرى، فإن الدينار المشترك بين الأطراف واحد، و مع وحدته لا تتعدد الإرادة التأسيسية، حسبما برهنا عليه في المواضع العديدة (2).

تذنيب: فيما إذا كان الأقل اللا بشرط القائم به الغرض، لا يوجد دائما إلا مع الأكثر، كالقيراط من الألماس، فإنه لا يوجد مثلا ألماس إلا هو أكثر من القيراط، فإن التخيير- لإفادة أن الغرض يحصل بالأقل- ممكن؛ و أن العبد لو تمكن من إعطاء القيراط كان يكفي.

و هنا دائما يكون الامتثال بالأكثر و الأقل، و لا يجب كون الأقل مورد الأمر التعييني، إلا إذا كان الأكثر في عالم العنوانية و الجعل عين الأقل مع الزيادة، فإنه عندئذ يشكل كما مر (3)، فتدبر.

____________

(1) تقدم في الصفحة 19.

(2) تقدم في الجزء الثاني: 257- 258 و الجزء الثالث: 12 و 16- 17.

(3) تقدم في الصفحة 20.

26

تنبيهات‏

أحدها: في بيان متعلق الواجب التخييري‏

عن العلامة الأراكي (قدس سره): أن الواجب التخييري هو أن يتعلق بكل واحد من الأطراف إرادة ناقصة، و لا توجب هذه الإرادات الناقصة سد جميع أبواب العدم، بل تسد جميع الأبواب إلا باب عدمه في ظرف وجود الطرف الآخر.

و بعبارة أخرى: هو من قبيل الواجبين أو الواجبات التعليقية، فيجب هذا حين ترك الآخر، و بالعكس‏ (1)، انتهى مرامه.

و قد فرغنا نحن بحمد اللَّه عن بطلان هذا المسلك في المتزاحمين‏ (2)، و يلزم عليه تعدد العقاب أيضا.

و ما ذكرناه هناك: هو أن حين الترك لا يعقل أن يكون مطلقا، و إذا كان موقتا فبمضي وقت طرف يمضي وقت الطرف الآخر أيضا، كما هو الواضح الظاهر. هذا مع لزوم كون الجمع بين الأطراف، مضرا بالوجوب.

و عن آخر: أن كل واحد من الطرفين أو الأطراف، واجب مشروط بعدم الآخر (3).

و أنت خبير بما فيه من تعدد العقاب أولا، و لا يمكن دفعه كما توهم‏ (4). مع أن عدم الآخر لا يمكن أن يلاحظ مطلقا، و إلا لا يحصل شرط وجوب الآخر، و إذا لوحظ الآخر في زمان خاص، فبمضيه يمضي ظرف الزمان للطرف الآخر، فتدبر جيدا تعرف حقيقة المطلب.

____________

(1) نهاية الأفكار 1: 368- 369 و 391- 392.

(2) تقدم في الجزء الثالث: 485- 487.

(3) بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 390- السطر 5.

(4) منتهى الأصول 1: 218.

27

هذا مع أن الإشكال الأخير يتوجه إليه أيضا؛ ضرورة أن قضية الاشتراط عدم اتصاف كل طرف بالوجوب عند الجمع بينها.

و عن ثالث: أن كل طرف واجب تعيينا، إلا أنه يسقط بالإتيان بأحد الأطراف؛ لانتفاء موضوعه. و هذا نظير الواجب التعييني على الولي، فإن ذلك يسقط بالتبرع، و هكذا في مثل الدين و أمثاله‏ (1).

و فيه: لزوم تعدد العقاب عند الترك، و هو غير مرضي في الواجبات التخييرية عند كافة ذوي العقول. و هذا أقل محذورا من سائر المقالات المشار إليها.

و توهم: أنه إذا كان هكذا، فلا بدّ من أن تتعلق الإرادة بواحد من الأطراف‏ (2)، في غير محله؛ لأن المدعى توهم امتناع التخييري، فإذا كان كذلك فعلى المولى أن يريد الأطراف تعيينا حتى يصل إلى مرامه، و بكلمة «أو» أفاد سقوط موضوع التكليف بإتيان الطرف الآخر. و بهذا يمكن دفع شبهة تعدد العقاب أيضا، فتأمل.

و عن رابع: أن في التخييري واجبا تعينيا معلوما عند اللَّه، و هو مجهول لنا، و في تجهيل ذلك علينا مصلحة مخفية عنا (3)، و هو من قبيل إمضاء الأمارات المؤدية إلى خلاف مصالح المولى؛ لمصالح اخر أعلى. فما توهم من الإشكالات على هذا المسلك‏ (4)، غفلة و ذهول عن هذه الدقيقة.

و أنت قد أحطت خبرا: بأنه لا داعي إلى اختيار هذه المسالك أو ما سبق في‏

____________

(1) لاحظ شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 1: 86- السطر 21، قوانين الأصول 1:

116- السطر 16.

(2) محاضرات في أصول الفقه 4: 29 و 31.

(3) نقل هذا القول في كثير من كتب القوم و نسب إلى الأشاعرة و المعتزلة كليهما لكنهما تحاشيا عنه و نسبه كل منهما إلى صاحبه، المحصول في علم أصول الفقه 1: 274، شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 1: 86- السطر 22، معالم الدين: 74- السطر 15، قوانين الأصول 1: 116- السطر 17، الفصول الغروية: 102- السطر 12.

(4) المحصول في علم أصول الفقه 1: 274، منتهى الأصول 1: 224.

28

أصل البحث: إلا لزوم الامتناع العقلي على القول بالواجب التخييري الّذي هو ظاهر دليله، و حيث قد تبين إمكانه، أو لم يتم دليل على امتناعه، فيتبع ذلك الظاهر، و تسقط هذه المسالك مع ما فيها من المفاسد.

ثانيها: في أن التفصيل هل يقطع الشركة أم لا؟

في موارد التخيير، هل الظاهر من الدليل هي القضية المنفصلة الحقيقية، أم المنفصلة المانعة الخلو، أو تختلف الموارد؛ لاختلاف القرائن و الموضوعات و الشواهد الخارجية؟

و بعبارة أخرى: هل التفصيل بشكل التخيير و إن لم يكن من التخيير، قاطع للشركة، أم لا؟

و المراد من «القاطعية للشركة» أحد الأمرين على سبيل منع الخلو:

إما أن يقطع الشركة بين الأطراف، فيكون كل واحد موضوعا مستقلا؛ بحيث لا يجوز الاشتراك بينهما، فلو اجتمعا فلا يثبت الحكم.

أو يقطع شركة الأجنبي و ما هو ليس من الأطراف، فيكون الحكم ثابتا لأحد المذكورين في الدليل دون غيره؛ بحيث يستظهر منه المفهوم عرفا، فينفي الثالث.

مثلا: قوله تعالى في سورة المؤمنون: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* (1) ظاهر في أن التحليل يحصل بأحد الأمرين: الزوجية، و الملكية، فهل يستفاد منه عدم جواز زواج المملوكة؛ لما فيه زائدا على الملكية آثار اخر؟

أم يستفاد منه حصر سبب الحلية بهما على سبيل منع الخلو، فلا تصح المتعة؛

____________

(1) المؤمنون (23): 5- 6.

29

بناء على كونها غير زوجة عرفا «فإنهن مستأجرات» (1) كما عن أبناء العامة (2)، فيكون للآية مثلا مفهوم ناف للغير و السبب الثالث، مع قطع النّظر عما في ذيلها من قوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ* (3)؟

فبالجملة: هل التفصيل الأعم من التخيير في الواجبات النفسيّة، يقطع الشركة، أم لا؟

أقول: لا شبهة أولا: في أن المسألة بحسب الثبوت، يمكن أن تكون بحيث لا تجتمع الأغراض، و لو جمع العبد في مقام الامتثال لأخل بما هو غرض المولى، و يمكن أن تجتمع الأغراض، و لكن الشرع اعتبر التخيير تسهيلا. و قد مر تفصيله فيما سبق‏ (4).

و ثانيا: في أن الموارد تختلف حسب فهم العقلاء و العرف، مثلا في مورد تحريم إبداء الزينة في سورة النور (5)، لا شبهة في أن عند اجتماع أحد العناوين مع عنوان‏ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ* يثبت الحكم، فلو كان المملوك بني أخواتهن، أو بني إخوانهن و هكذا، يجوز أن يبدين زينتهن بالضرورة.

و هكذا في مورد نفي الحرج عن الأكل من بيوتهم، أو بيوت آبائهم، أو ما ملكت أيمانهم، أو صديقهم‏ (6)، فعند الاجتماع يجوز بالضرورة؛ لأن العرف لا يجد

____________

(1) الكافي 5: 452- 7، وسائل الشيعة 21: 18، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 4، الحديث 2.

(2) أحكام القرآن، للجصاص 3: 253، التفسير الكبير 23: 80، الجامع لأحكام القرآن 12:

106، الآية 6.

(3) المؤمنون (23): 7.

(4) تقدم في الصفحة 11- 12.

(5) النور (24): 31.

(6) النور (24): 61.

30

و لا يفهم من هذا التفصيل تباين الأغراض، كما هو الظاهر.

إذا تبين ذلك، فالبحث يقع فيما إذا لم يكن قرينة واضحة، كالآية السابقة بالنسبة إلى حال اجتماع العنوانين؛ و أنه يستفاد منها جواز ذلك أم لا، و هكذا بالنسبة إلى نفي الشريك و الأجنبي.

و الحق: أن نفي الأجنبي بها مع قيام الدليل الآخر المثبت له مشكل، بل لو كان يستفاد منها ذلك فهو عند عدم قيام الدليل، و إلا فمعه لا تقاومه. و هذا يرجع إلى إنكار المفهوم عرفا بمثله جدا.

و هكذا في الناحية الأولى، فلا تدل الآية على عدم جواز نكاح الأمة لسيدها؛ إذا كان مورد غرض عقلائي أو شرعي.

و الّذي هو المهم: أن الأدلة في كل مورد وردت، تكون طبعا محفوفة بالقرائن و الخصوصيات، منها يظهر المقصود، و مرام المولى و المتكلم، فعلى هذا لا يمكن استنباط القانون الكلي. فما اشتهر: «من أن التفصيل قاطع للشركة» (1) غير راجع إلى محصل جدا.

و يشهد على ذلك: أن الآية الشريفة المتضمنة لتحريم إبداء الزينة، خالية في مقام التفصيل عن ذكر الأخوال و الأعمام، مع أنها مورد الاستثناء بالضرورة.

ثالثها: مقتضي الأصول العملية عند الدوران بين التعيين و التخيير

هل أن قضية الأصول العملية في دوران الأمر بين التعيين و التخيير، هي البراءة، أم الاشتغال، أو المسالك في ذلك مختلفة؟ و قد مر بعض الكلام في مباحث‏

____________

(1) فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367، منتهى الأصول 1: 352، محاضرات في أصول الفقه 3: 96.

31

الترتب‏ (1)، و سيظهر تحقيقه في مباحث الاشتغال و البراءة (2).

و إجمال الكلام في المقام: أنه إن قلنا بأن الوجوب التخييري نوع وجوب يوصف به الشي‏ء خارجا، فالقاعدة تقتضي الاشتغال؛ لرجوع الشك إلى الشك في السقوط.

و إن قلنا: بأنه من قبيل الوجوب التعليقي، أو المشروط، أو يرجع إلى الوجوب التعييني و وجوب الجامع الذاتي، فالقاعدة تقتضي البراءة، كما هو الظاهر.

و إن قلنا: بأن الواجب هو عنوان انتزاعي و هو «الواحد منهما» فربما يشكل إجراء البراءة، فتأمل.

ثم إذا شك في أن الجمع بين الأطراف يجزئ، أم لا بد من الاكتفاء بأحد لأطراف، لاحتمال التضاد بين الأغراض، فعلى مسلكنا في الواجب التخييري.

لا بد من الاقتصار على إتيان أحد الأطراف؛ لأنه معلوم وجوبه، و أنه واضح كونه مورد الإرادة، و يحتمل عدم سقوط تلك الإرادة و ذلك الوجوب بالانضمام، و لا أصل يحرز به عدم المضادة و المانعية.

اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى حديث الرفع رفع المانعية عن الموجود، فتدبر.

أو يقال: بأن المانعية لا تتصور إلا برجوعها إلى اشتراط عدم كل طرف بالنسبة إلى الطرف الآخر، و عندئذ تجري البراءة عن القيد الزائد.

و أما على القول بالوجوب المشروط، فلا بدّ من الالتزام بعدم جواز الجمع كلا؛ لأن ترك كل طرف شرط لوجوب الطرف الآخر.

و هذه هي ثمرة هذا القول و المسلك في الواجب التخييري، و لا يلتزم به من اختار قطعا جواز الجمع في بعض الموارد، أو في كل مورد، بل و رجحانه.

____________

(1) تقدم في 2 لجزء الثالث: 421- 425.

(2) يأتي في الجزء الثامن: 238 و ما بعدها.

32

هذا، و القول بالوجوب المعلق أيضا مثله؛ لأنه عند الجمع بينهما لم يتمثل الأمرين، لأن كل واحد واجب عند ترك الآخر، فليتدبر.

و أما على القول: بأن الواجب هو الجامع الذاتي، و الأطراف أسباب و محصلات شرعية، فجريان البراءة أو الاشتغال مورد الخلاف، و تفصيله في محله و قد قوينا هناك إمكان التمسك بالبراءة في المحصلات الشرعية (1).

و أما إذا كان الواجب هو الجامع الانتزاعي، فالجمع لا يضر بعنوان «الواحد منهما» لأنه أمر ينتزع عند الاجتماع أيضا، و كون الآخر مضرا و مضادا لا معنى له، فتأمل.

رابعها: في تصوير التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين‏

هل يمكن تصوير التخيير شرعا أو عقلا في دوران الأمر بين المحذورين، أو لا؟ و جهان:

أما التخيير العقلي، فإن كان معناه درك العقل أن العبد و المكلف مختار في المسألة، فهو واضح إمكانه و وقوعه.

و إن كان معناه حكمه بذلك، فإن أريد من «الحكم بذلك» أنه مولد الحكم بكون التخلف جائزا فلا معنى له، و إلا فلا منع من ذلك. إلا أن المبنى- و هو أن العقل حاكم به- غير صحيح؛ ضرورة أن حقيقة العقل هي القوة المدركة، و لا سلطنة له حتى يتكفل بالحكم على شي‏ء، و تفصيله في مقام آخر.

و أما التخيير الشرعي، فهو ممكن و إن كان لازم الحكم عرفا؛ هو أنه لو لا الحكم يجوز التخلف عن مورده؛ و ذلك لأن دليل إيجاب التخيير، قانون كلي شامل‏

____________

(1) يأتي في الجزء الثامن: 66- 68.

33

لجميع الموارد، و منها مورد دوران الأمر بين المحذورين، و لا بأس بشمول إطلاق القانون لهذا المورد و إن لم يمكن ذلك اللازم.

و بعبارة أخرى: جعل التخيير شرعا بدليل مستقل في هذه المسألة غير معقول؛ لامتناع ترشح الإرادة الجاعلية، و أما إذا كان بدليل عام فلا منع من ترشح تلك الإرادة؛ على ما تحرر في محله، و تبين لأهله‏ (1).

و أما إن لم يكن لازم الحكم ذاك، فالأمر واضح لا غبار عليه، و سيأتي مزيد تفصيل في مباحث البراءة و الاشتغال إن شاء اللَّه تعالى‏ (2)، و في بحث التعادل و الترجيح‏ (3).

خامسها: في تصوير الحرام التخييري و وقوعه‏

في إمكان تصوير الحرام التخييري، و وقوعه في الشريعة، و عدمه، و جهان، بل قولان:

فربما يقال: إنه في صوم المعين من غير رمضان يحرم- بنحو التخيير- المفطرات على الصائم؛ ضرورة أنه بإتيان أحدها يفسد الصوم، و لا يجب عليه الإمساك بعد ذلك، و يحرم عليه إما الأكل، أو الشرب، أو الجماع، أو القي‏ء، و يكون بعضها من المحرم التخييري على سبيل المنفصلة الحقيقية؛ لعدم إمكان الجمع بينها، كالأكل و القي‏ء، و يكون بعضها من الحرام التخييري على سبيل منع الخلو؛ لإمكان الجمع بين الشرب و الجماع.

أقول: هذا ما توهمه بعض فضلاء العصر، و لكنه واضح المنع؛ ضرورة أنه في‏

____________

(1) تقدم في الجزء الثالث: 450- 456.

(2) يأتي في الجزء السابع: 280- 284.

(3) مما يؤسف له خلو الكتاب من تلكم المباحث.

34

هذه الواقعة يجب الصوم شرعا، و يجب عقلا الامتناع عن مفسداته؛ حتى لا يخل بما هو الواجب عليه، و لو كان يحرم المفسد يلزم تعدد العقاب: عقاب على ترك الواجب، و الآخر على إتيان المحرم.

هذا مع أنه في صورة إمكان الجمع، تكون الأطراف محرمة كلا، و إذا لم تكن محرمة فيعلم منه: أن المفطرات ليست محرمة مطلقا حراما تكليفا.

نعم، على القول: بأن الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده الخاصّ، فإذا كان له الأضداد فكل واحد مورد النهي مستقلا، و يكون ذلك النهي مولويا، فهو من الحرام التخييري إذا كانت الأضداد غير قابلة للجمع عقلا.

و لكن في كل واحد من القيود المزبورة إشكال؛ ضرورة أن الأمر بالشي‏ء لا اقتضاء له، و أنه لو اقتضى فمقتضاه هو النهي عن العنوان الكلي و هو الضد، دون العناوين الذاتيّة، فيكون التخيير عقليا. مع أن مولوية النهي ممنوعة، أو مورد المناقشة، فتدبر.

و من الممكن دعوى: أنه في مواقع الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، مع كون الأطراف مختلفة النوع تحريما- كمال الغير و الميتة- يجوز مع الاضطرار العرفي ارتكاب أحدهما، و يحرم عليه ارتكاب واحد منهما، و مع الاضطرار العقلي يجب المبادرة إلى ارتكاب أحدهما عقلا، و يحرم عليه ارتكاب واحد منهما.

و توهم: أن المحرم هو المجموع باطل؛ لأن المجموع ليس مورد تحريم الشرع بالضرورة، بل المحرم هو أكل مال الغير، و أكل الميتة، و لا معنى لكون المجموع مورد التحريم الشرعي مطلقا، و إلا يلزم جواز ارتكاب بعض الأطراف حتى في غير حال الاضطرار. و كون المجموع محرما حال الاضطرار بلا وجه و بلا دليل.

فكل واحد من الأطراف حرام مع قطع النّظر عن الاضطرار الطارئ، و بلحاظه‏

35

يجوز أو يجب واحد منهما، و يحرم واحد منهما، و هذا هو التخيير الشرعي.

و بعبارة أخرى: مقتضى دليل كل طرف حرمته الذاتيّة، و إذا قيس إلى دليلهما دليل رفع الاضطرار (1)، و إباحة ما اضطروا إليه‏ (2)، تصير النتيجة الحرام التخييري، و هو حرمة هذا، أو ذاك.

و غير خفي: أن المحرم التخييري يتصور على نحوين:

أحدهما: كون المصداق الأول حراما، و المصداق و الطرف الآخر بعد ارتكاب الطرف الأول حلالا، كما في المثال الأول.

ثانيهما: كون المصداق الثاني محرما. و هذا الأخير أولى بكونه مثالا من هذه الجهة، فيكون ارتكاب المجموع محرما أيضا، فتدبر.

أقول: جريان حديث الرفع و أدلة إباحة ما اضطر إليه ابن آدم في هذه الصورة، محل الإشكال؛ ضرورة أن ما اضطر إليه هو الواحد منهما، و هو ليس موضوعا لحكم قابل للرفع، و ما هو موضوع الحكم الشرعي ليس مورد الاضطرار؛ و هو الواحد بعينه، فلا يمكن استفادة التخيير من الشرع، و إن كان هو بالخيار عند الاضطرار العقلي، و يكون الاضطرار عذرا فيما ارتكبه من الحرام الفعلي؛ حسب ما تقرر في محله‏ (3).

نعم، ربما يمكن توهم جريان الأدلة الشرعية بالنسبة إلى ما يختاره لرفع اضطراره في علم اللَّه و هذا- على تقدير صحته- يستلزم كون المباح أيضا و المحرم أيضا معينا فلا يلزم التخيير. و الأمر بعد ذلك كله سهل.

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، الباب 56، الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر و النهي، أبواب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 2.

(3) يأتي في الجزء السابع: 482- 492.

36

النحو الثاني في العيني و الكفائي‏

و المراد من «العيني» ما كان يجب على كل مكلف صدور الطبيعة منه، أو تجب الطبيعة على أن تصدر من كل فرد، و من جميع الآحاد، من غير ارتباط في مقام الجعل، و لا في مقام الامتثال، فعلى كل واحد منهم وجوب، و على كل واحد امتثال، من غير سقوط الوجوب بامتثال الآخر، و من غير كون موضوع الواجب غير كل فرد فرد.

و في مقابله الكفائي، و هو يعلم من انتفاء كل واحد من القيدين؛ أي إذا كان موضوع الوجوب واحدا منهم مرددا منتشرا، أو مفهوم «الواحد» أو «الواحد المعين عند اللَّه» أو «المجموع» و «الجميع» أو على سبيل التخيير، أو الاشتراط و التعليق، أو كان معروض الوجوب صرف الوجود، و مقابل العدم و ناقضه، أو غير ذلك، فهو كفائي.

أو كان موضوع الوجوب كل واحد من الأفراد على سبيل العام الاستغراقي أيضا، و لكن كان متعلق الوجوب نفس الطبيعة و وجودها، من غير تقييد بصدورها من هذا أو ذاك، بل بالصدور من أي فرد اتفق يتحقق تمام الواجب؛ و هو وجود الطبيعة و نفسها، لا الطبيعة المتقيدة بكونها صادرة من كل أحد، فإنه عند ذلك يحصل الوجوب الكفائي.

و بالجملة: على التقدير الأول يحصل الفرق من ناحية الموضوع، و على الثاني من ناحية المتعلق، و على التقديرين تصير النتيجة سقوط التكليف بإتيان‏

37

واحد منهم، و إذا انتفى القيدان فيحصل أيضا الوجوب الكفائي.

فما يتراءى من النزاع بين الأفاضل و الأعلام في معنى «الكفائي» من أن الاختلاف بينه و بين العيني، هل هو من الناحية الأولى، أو الثانية (1)؟ في غير محله؛ لإمكان الالتزام بكونه من الناحيتين، على تقدير صحة كل واحد منهما في حد نفسه.

إذا عرفت هذه المقدمة، فلنشر إلى بعض أمور لا بد من التوجه إليها:

الأمر الأول: في عدم تقوم الكفائي بالمبعوث إليه‏

قد اشتهر: «أن التكليف و البعث كما يتقوم بالمبعوث و الباعث، يتقوم بالمبعوث إليه، و لا يعقل البعث بدون المبعوث إليه، ففي الكفائي- كالعيني- باعث، و مبعوث، و مبعوث إليه، من غير فرق بين المسالك في حقيقة البعث» (2).

أقول: هذا ما أفاده العلامة المحشي (قدس سره)(3) و للمناقشة فيه مجال؛ ضرورة أن البعث بالهيئة يكون هكذا؛ لتقوم الخطاب بالمخاطب حتى تصورا، و أما إذا اعتبر الشرع مفهوم الوجوب لازم ماهية طبيعة، و أعلم بذلك بصورة الإخبار، فقال:

«الصلاة لازمة و واجبة» غافلا عما وراء ذلك، فهو بمكان من الإمكان.

بل ربما تقتضي حشمة المولى أن يأتي مطلوبه بصيغة المجهول، فيعلن «أن زيدا لا بد و أن يقتل» قاصدا بذلك الإعلان أن له مقاما منيعا بين الأمة؛ بحيث لو اطلعوا على مرامه تسابقوا إليه، حتى يقع الزحام و القتال بينهم في إيفاء مراده، و لأجل هذا لا يصح أن يدعي أحد: «أن المولى طلب مني ذلك».

____________

(1) أجود التقريرات 1: 187، نهاية الأصول 1: 229، منتهى الأصول 1: 226- 227.

(2) نهاية الدراية 2: 277، نهاية الأصول 1: 229، محاضرات في أصول الفقه 4: 50- 51.

(3) نهاية الدراية 2: 277.

38

فبالجملة: إذا كانت الأدلة الشرعية موافقة في مورد لمثله، فلا نمنع من الالتزام بأنه من الواجب الكفائي نتيجة، و لا موضوع له شرعا و في الاعتبار، و إن كان بحسب اللب و الثبوت- لمكان التوقف- نحتاج إليه.

و إن شئت قلت: هذا من قبيل مقدمة الواجب التي لا بد منها عقلا، و لكنها ليست مورد الإيجاب شرعا.

و يصحح هذا إمكان غفلة المولى العرفي عند ما يريد إظهار حشمته عن الموضوع رأسا، و يعتبر وجوب الطبيعة، لا إيجابها حتى يتقوم بمن يجب عليه كما لا يخفى، فليتأمل جيدا.

و حيث إن الأدلة في بعض الأحيان ناظرة إلى الموضوع، فلا بدّ و أن نفحص عن موضوعها فما يتراءى منه (قدس سره) من أنه مع إنكار الموضوع في الواجب تنحل مشكلة الوجوب الكفائي‏ (1)، في غير محله؛ ضرورة أنه مع ظهور الرواية إثباتا في اعتبار الوجوب على المكلف، لا بد من حل مشكلته.

نعم، إذا ورد في لسان دليل «يغسل الميت» بصيغة المجهول، فإنه ظاهر في أن الشارع في مقام عدم اعتبار الموضوع، فلا تتوجه المشكلة رأسا حتى نحتاج إلى الحل.

الأمر الثاني: فيما يتصور من أقسام الواجب الكفائي‏

لا شبهة في أن الطبائع الممكن وقوعها تحت الأمر و الإيجاب الكفائي مختلفة:

فمنها: ما لا تتكرر، كقتل زيد.

و منها: ما تتكرر.

____________

(1) نفس المصدر.

39

و على الثاني: إما يكون مورد الأمر نفس الطبيعة، أو يكون المطلوب فردا منها.

و على الثاني: إما يكون الفرد الآخر مبغوضا، أو يكون متساوي النسبة معه.

و أيضا: غرض المولى بحسب التصور، إما أن يكون أصل الوجود و صرفه، أو نفس الطبيعة، كما أشير إليها، و إما يكون متعددا، و لكن لغرض التسهيل اكتفى بالواحد منها؛ و بفرد من الطبيعة.

مثال الأول واضح.

و مثال الثاني وجوب كون البيت مطافا مثلا، فإنه يمكن أن يكون المطلوب عاما استغراقيا، إلا أنه اكتفى بجماعة عن السائرين؛ تسهيلا على العباد.

و بالجملة: فيما إذا كان من قبيل غسل الميت و كفنه و دفنه- مما للحكم متعلق المتعلق- لا معنى لتعدد الأغراض؛ لما أنها مضادة مع غرضه الآخر، بخلاف ما إذا لم يكن للحكم متعلق المتعلق، كالمثال المزبور. هذا كله حسب الثبوت و التصور.

الأمر الثالث: في أنحاء موضوع الوجوب الكفائي‏

يمكن أن يكون موضوع الوجوب الكفائي و موضوع الوجوب العيني، واحدا بحسب الثبوت، و هكذا يمكن أن يكون عنوان «الواحد من المكلفين» أو طبيعي المكلف موضوعا.

و أما جواز كون الموضوع صرف وجود المكلف، فهو محل المناقشة، و سيظهر تحقيقه.

و إجماله: أن الصرف ليس قابلا للتكرار عرضا، و لا طولا، و هذا هنا غير

40

متصور، و إمكان اعتباره لا يخلو من مناقشة تأتي إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

و أما عنوان «المجموع» أو «الجميع» أو عنوان آخر شبيه ذلك، فهو غير ممكن. و هكذا لا يعقل كون الوجوب بنحو المشروط و المعلق، كما مر في الوجوب التخييري‏ (2).

نعم، يعقل كونه بنحو الواجب التخييري؛ بمعنى أن يعتبر وجوب الغسل على زيد، أو على عمرو، فيلزم- بحسب العقل- قيام الآحاد لأداء الفريضة؛ حتى لا يخل بمطلوب المولى، و إلا فيستحق الكل العقاب.

فبالجملة: هناك دعاو ثلاث:

الدعوى الأولى: أما إمكانها؛ فلأن الإيجاب على الكل بنحو العموم الاستغراقي تارة: يقع بغرض صدور الطبيعة من كل واحد، و هذا محال، مع عدم إمكانه ثبوتا أو عدم كونه مطلوبه إثباتا، و هكذا مع فرض مبغوضيته.

و أخرى: يقع لأجل أن المولى يرى إمكان تخلف العباد عن مرامه و طلبه، و لأجل مثله يتمكن من ترشيح الإرادة الجدية بالنسبة إلى بعث الناس عموما. و هذا مع مراجعة الوجدان من الواضحات.

نعم، فيما إذا كان الفرد الثاني مبغوضا، فلا بدّ من إعلام ذلك بإحدى الدلالات الممكنة، و لا يلزم منه كون الإيجاب العمومي غير ممكن، كما ترى. فما يظهر من المتأخرين‏ (3)، حتى الوالد المحقق- مد ظله- (4) من إنكار إمكان ذلك، غير موافق للتحصيل جدا.

____________

(1) تأتي في الصفحة 44.

(2) تقدم في الصفحة 26- 27.

(3) مناهج الأحكام و الأصول: 71- السطر 17- 21، نهاية الأصول: 228- 229، محاضرات في أصول الفقه 4: 54.

(4) مناهج الوصول 2: 94، تهذيب الأصول 1: 366.

41

و بعبارة أخرى: صدور القتل من كل واحد مع قطع النّظر عن الآخر، ممكن مقدور، و على هذا يصح إيجابه على كل واحد مع قطع النّظر عن الآخر؛ بداعي وصوله إلى مرامه و مطلوبه. و مجرد إمكان التوصل إلى مرامه بإيجابه على الواحد، لا يصحح امتناع الإيجاب على العموم استغراقا، كما هو الظاهر.

و توهم: أن امتناع صدور القتل مثلا من كل واحد في عرض الآخر، يستلزم امتناع إيجابه عرضا، فلا بدّ من إيجابه على البدل؛ لإمكانه على البدل، لا يفيد شيئا؛ لأن الصدور من كل واحد مع قطع النّظر عن الآخر، يصحح الإيجاب العمومي الاستغراقي.

نعم، لا يعقل أن يطلب المولى من المجموع التصدي للقتل؛ بحيث يصدر القتل من كل واحد اعتبر في المجموع، لا بنحو يكون كل واحد جزء من العلة التامة. و بالجملة ما نسب إلى المشهور (1) متين جدا.

و أما إمكانه على عنوان «الواحد» فهو أيضا معلوم.

و توهم: أن العنوان الانتزاعي، لا يكون قابلا للبعث و الإيجاب‏ (2)، في محله جدا. إلا أن يقال: قابلية منشأ الانتزاع تكفي لكونه مورد الإنشاء و الإيجاب، فتأمل جدا.

و أما إمكانه على عنوان طبيعي المكلف، فهو أيضا معلوم.

و توهم: أن ذلك يرجع إلى الاستغراقي‏ (3) خال عن التحصيل؛ ضرورة أن الطبيعة تتحقق بأول مصداق، و سريانها إذا كان مطلوبا يحتاج إلى اللحاظ الزائد.

الدعوى الثانية: أن كون الموضوع عنوان «المجموع» و «الجميع» لا منع فيه‏

____________

(1) مفاتيح الأصول: 313- السطر 5، هداية المسترشدين: 268- السطر 18.

(2) نهاية الأصول 1: 228.

(3) بحوث في الأصول (الأصول على نهج الحديث): 66.

42

ذاتا، إلا أنه لا محصل له؛ ضرورة أنه يرجع إلى لزوم اشتراك الكل في الإصدار و الإيجاد، و هذا واضح بطلانه في الكفائي، و لا يكون من الكفائي رأسا؛ لعدم سقوط التكليف بفعل البعض، فعد مثله من المحتملات- كما في كلماتهم- (1) من التخيل الناشئ عن الغفلة.

الدعوى الثالثة: قد مضى أن إيجاب شي‏ء مشروطا بترك الآخر من غير توقيت، يؤدي إلى إهمال التكليف؛ لأنه لا يتحقق الشرط (2).

نعم، إذا كان يكفي الترك آنا ما، يلزم وجوبه الفعلي المنجز على الكل، و هذا واضح المنع؛ لامتناع صدور صرف الطبيعة من الكثير، أو المبغوضية الفرد الآخر و هكذا. اللهم إلا برجوع المسألة إلى الإيجاب الاستغراقي على الوجه المزبور، و هو صحيح، إلا أنه لا حاجة إلى تبعيد المسافة، كما ترى.

و هكذا إذا اعتبر بنحو الوجوب المعلق؛ أي يجب على زيد عند ترك عمرو و هكذا، فليتأمل جيدا.

نعم، يصح التخيير الشرعي؛ فإن الواجب التخييري بهذا النحو و إن لا يستدعى التكليف بعث المجموع نحو العمل، إلا أن المكلف الملتفت إذا توجه إلى مثله يبادر؛ حتى لا يلزم الإخلال بالغرض. و الإشكال في الوجوب التخييري، مندفع بما مر في الواجب التخييري بتفصيل لا مزيد عليه‏ (3).

فبالجملة تحصل: أن تعيين الموضوع للوجوب الكفائي، أو أصل الحاجة إليه فيه، غير مرضي، بل المسألة تدور مدار الأدلة إثباتا. نعم لو اقتضى أحيانا دليل‏

____________

(1) هداية المسترشدين: 268- السطر 37، الفصول الغروية: 107- السطر 11، نهاية الدراية 2: 277، نهاية الأصول: 228.

(2) تقدم في الصفحة 26- 27.

(3) تقدم في الصفحة 6- 17.

43

بعض الصور الممتنعة، فلا بدّ من الأخذ بما هو الأقرب إليه.

فما ترى في كتب القوم؛ من ذهاب بعض إلى أن الموضوع «أحد المكلفين» أو أنه طبيعي المكلف، أو كذا و كذا، فهو نزاع باطل؛ لإمكان الالتزام بالكل ثبوتا، فلا بدّ من المراجعة إلى الأدلة.

و أما توهم: أن الموضوع واحد معين عند اللَّه، و يسقط الفعل بإتيان المتبرعين، فهو غير ممنوع ثبوتا، كما في قضاء الولي عن الوالد، إلا أنه معناه عدم صحة عقاب الآخرين، و هو خلف؛ ضرورة أن المقصود تصوير الوجوب الكفائي الملازم للآثار الخاصة؛ من تعدد العقاب، و سقوط التكليف بفعل واحد من المكلفين.

و لعمري، إن من اعتبر أن موضوعه هو «الواحد» فإنه قد أنكر الكفائي من غير استشعار؛ لأنه مع كون الموضوع عنوان «الواحد» فهو من العيني، لا الكفائي كما لا يخفى، فتأمل.

و إن شئت قلت: الكفائية حقيقة من خصوصيات مقام الامتثال، دون الجعل؛ فإن العيني و الكفائي بحسب الجعل متحدان، و بحسب الامتثال مختلفان، و إذا كان مورد التكليف على نحو ينعدم موضوعه بإتيان بعض، فيسقط التكليف قهرا و طبعا، و يعد هذا كفائيا،- فتأمل [1]- نظير الإتيان بالتمام في موضع القصر، فإن التكليف متوجه بالنسبة إلى القصر واقعا، و لكن في مقام الامتثال ينتفي موضوعه بإيجاد التمام في موضعه.

إعادة و إفادة

قد مر في ابتداء المسألة: أن التكليف إذا كان مورده نفس الطبيعة، فهو يسقط

____________

[1]- فإنه من المحتمل أن يتم فيما إذا كان الغرض متعددا، و اعتبر كفائيا؛ لأجل التسهيل على العباد [منه (قدس سره)‏].

44

عن الكل بإتيانها؛ لأنه مقتضى كون المكلف به نفس الطبيعة، بخلاف ما إذا كان المكلف به صدور الطبيعة من كل أحد، فإنه من العموم الاستغراقي المستتبع للوجوب العيني‏ (1).

أقول: هذا ما أفاده سيدنا الأستاذ البروجردي (قدس سره)(2) و نظره إلى أن متعلق الوجوب إذا كان نفس الطبيعة، فلا بدّ و أن يسقط التكليف عن الكل؛ لما أنه في إتيان واحد بها قد حصل تمام ما هو مورد الأمر، و لا يبقى الموضوع حتى يبقى سائر الأوامر الانحلالية.

و يتوجه إليه من الإشكالات؛ ما مر حلها في إمكان توجيه التكليف العمومي الاستغراقي، مع كون المأمور به غير قابل للتكرار طولا (3).

و الفرق بينه و بين كون المأمور به صرف الوجود؛ يحصل في مسألة جواز الإتيان بالأفراد الكثيرة عرضا، فإنه على الأول يصح، و على الثاني لا يصح؛ لأن الصرف لا يقبل التكرار مطلقا.

و ربما يشكل تصوير كون الموضوع صرف الوجود؛ لأنه بحسب التكوين قابل للتكرار، و بحسب الاعتبار يكون عنوان صرف الوجود، من الطبيعة القابلة للتكرار عرضا، كسائر المفاهيم، فما هو ليس بقابل للتكرار، حقيقة خارجية تكون صرف الوجود، و أما مفهوم صرف الوجود، فهو يصدق على كل واحد من الأفراد العرضية؛ لأن الفرد الخارجي لا يكون صرفا واقعا، و الصرفية الاعتبارية تجتمع مع كل واحد من الأفراد العرضية.

اللهم إلا أن يقال: إن هذا المفهوم أريد منه إفادة هذا المعنى و المقصود؛ و هو

____________

(1) تقدم في الصفحة 36- 37.

(2) نهاية الأصول: 229- 230.

(3) تقدم في الصفحة 40- 42.

45

أن يكون الشي‏ء واجبا على الكل، و ساقطا عنهم بأحد من المصاديق من غير اصطحابه بغيره عرضا، مقابل الطبيعي، فليتأمل جيدا.

إن قلت: جميع العمومات الواردة تكون متعلقة بالطبائع، من غير دال فيها على تكثير الطبيعة بحسب صدورها من كل واحد، فيلزم كون الأصل عند الإطلاق كفائيا (1)، مع أن المعروف عنهم أن الأصل عند الإطلاق هو العيني‏ (2).

قلت: إن الأمر كذلك، إلا أن توجيه الخطاب إلى المكلف يقتضي صدوره منه.

و بعبارة أخرى: الفرق بين العيني و الكفائي- بحسب الثبوت- في كيفية لحاظ المتعلق، و بحسب الإثبات عند الإطلاق إحدى الكيفيتين؛ و هو العيني، لا الكفائي.

فذلكة الكلام‏

إن ما تعارف بين المتأخرين من الخلاف في موضوع الوجوب الكفائي‏ (3)، غير موافق للتحصيل؛ لأن كثيرا من المتصورات يمكن كونها موضوعا له. كما قد مضى إمكان إنكار الموضوع للكفائي‏ (4).

و لكن لا بد من مراجعة الأدلة، و ما يساعده ظواهرها، و لعل ما نسب إلى المشهور: من إيجابه على الكل استغراقا (5)، أقرب إلى الظواهر؛ لأن بناء الشهرة على الأخذ بظواهر الأدلة، من غير الغور و الإمعان في هذه الدقائق الرائجة بين المتأخرين، و اللَّه ولي الحمد و التوفيق.

____________

(1) نهاية أصول: 230.

(2) كفاية الأصول: 99، نهاية الأفكار 1: 209، مناهج الوصول 1: 282.

(3) أجود التقريرات 1: 187- 188، نهاية الدراية 2: 277- 280، نهاية الأصول: 228- 229، محاضرات في أصول الفقه 4: 52- 55.

(4) تقدم في الصفحة 36- 38.

(5) تقدم في الصفحة 40- 42.

46

نعم، إيجابه على الكل استغراقا مع تعدد الغرض، و سقوط التكليف بإتيان البعض تسهيلا على العباد، أوضح من سائر المحتملات التي مضت في الأمر الثاني.

و غير خفي: أن ثمرة الاختلاف في كيفية الوجوب الكفائي، تظهر في مسألة دوران الأمر بين العينية و الكفائية؛ حسب جريان الأصول العملية. و مما ذكرناه في الواجب التخييري‏ (1) يظهر الأمر هنا، و يأتي تفصيله في مباحث البراءة و الاشتغال إن شاء اللَّه تعالى‏ (2).

تذنيب: في إمكان صيرورة العيني كفائيا

هل يمكن أن يصير الواجب العيني كفائيا، أم لا؟ و جهان:

من أن العيني هو أن يكون المطلوب صدور الطبيعة من كل واحد، فيكون الغرض متعددا.

و من إمكان كون الكفائي في مرحلة الجعل، متعددا غرض المولى فيه، و لكن يكون بحيث إذا أتى به واحد ينتفي الموضوع، كما في موردين:

أحدهما: إذا وجد جماعة محدثون، ماء لا يكفي إلا لبعض منهم.

ثانيهما: إذا وجدوا و هم على تيمم، ماء لا يكفي إلا لبعض منهم.

فإنه في هاتين الصورتين، يكون التكليف على نعت العموم الاستغراقي، و لكن يسقط بفعل بعضهم؛ لانتفاء الموضوع خارجا، أي متعلق المتعلق، كما في الواجبات الكفائية.

و بعبارة أخرى: إن قلنا بأن لا اختلاف بينهما في مرحلة الجعل و الثبوت، فلا منع من الانقلاب بحسب مقام الامتثال؛ للتزاحم المنتهي إلى انتفاء الموضوع.

____________

(1) تقدم في الصفحة 30- 32.

(2) يأتي في الجزء السابع: 266 و ما بعدها.

47

و إن كان بينهما الاختلاف في مرحلة الجعل- سواء كان في ناحية الموضوع، أو في ناحية المتعلق، أو في الناحيتين- فلا يعقل الانقلاب إلا بدليل خارجي شرعي، و هو ليس من انقلاب العيني كفائيا، بل هو كاشف عن جعل آخر كفائي في مورده؛ ضرورة أن المجعولات الشرعية، لا تتبدل حسب الاختلافات في مقام الامتثال، على ما تحرر و تقرر (1)، فكما أن الواجب المشروط لا يصير مطلقا إلا فيما كان الشرط واسطة في الثبوت، و كذا النفسيّ لا يصير غيريا، كذلك الأمر في سائر الواجبات المختلفة جعلا و إنشاء، كالتعييني، و التخييري، و المضيق و الموسع.

و من هنا يظهر: أن ما سلكه القوم هنا من ذكر بعض الفروع‏ (2)، لا يخلو من غرابة؛ ضرورة أن هاهنا مقام المسائل الأصولية الكلية، دون الفروع الفقهية الجزئية؛ فإن لها مقاما آخر.

و غير خفي: أن القائلين بالترتب، التزموا بأن الوجوب في المتساويين المتزاحمين تخييري شرعا، و هذا غير صحيح على ما سلكناه: من كون الخطابات قانونية؛ فإن التخيير عقلي، و الوجوب التعييني باق على حاله، و هذا في نفسه من الشواهد على كذب الترتب، كما أشرنا إليه في أوائل المسألة، فليتدبر جيدا.

وهم و دفع: حول إتيان جماعة للواجب الكفائي عرضا

لو تكفل جماعة عرضا لأداء الواجب الكفائي، كالصلاة على الميت، فهل لا يسقط، أو يسقط؟

و على الثاني: يكون كل واحد مسقطا، أو أحدها اللابعينه، أو أحدها المعين؟

____________

(1) تقدم في الجزء الثالث: 91.

(2) أجود التقريرات 1: 189، منتهى الأصول 1: 228- 229، محاضرات في أصول الفقه 4:

57- 58.

48

و في الكل محذور.

و هكذا إذا كان يعد المجموع مصداقا واحدا، أو يكون المسقط فردا منتشرا.

أقول: جواز ذلك مبني على كون الموضوع و المتعلق، قابلين للتكرار عرضا، فلا يجوز إذا كانا صرف وجود المكلف، أو صرف الطبيعة، على ما عرفت من تقريبه‏ (1)، فإذا جاز ذلك فلا بأس بتعدد الأمر؛ لتعدد المصداق، فيكون كل واحد واجبا و مسقطا لأمره، و يكون كفائيا بالنسبة إلى الأفراد الطولية، فتأمل.

نعم، جعل الموضوع عنوان «الواحد» الانتزاعي الطبيعي القابل للصدق على الكثير (2) مشكل؛ لما مضى: من أن الموضوع هو «المكلف» و هذا العنوان الانتزاعي غير قابل لأن يكون مورد التكليف و العقاب‏ (3). و مع رجوعه إلى الخارج يعد من الفرد المنتشر، و هو غير معقول كما تقرر في محله‏ (4).

و مع إرجاعه إلى الواجب التخييري يلزم الخلف؛ و هو كون الواحد الانتزاعي مورد التكليف، فتأمل جيدا.

و غير خفي: أن ما في «الكفاية» من: «استحقاقهم للمثوبة، كما هو قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد» (5) انتهى، غير صحيح؛ لأن كل واحد يستحق تمام الثواب و الجعل لو كان استحقاق و جعل، و القاعدة المذكورة توجب الشركة في الجعل الواحد، كما إذا كان ما أتوا به من قبيل غسل الميت و دفنه و تكفينه. و يمكن دعوى عدم استحقاقهم كلا كما لا يخفى، و الأمر سهل.

و بالجملة: هنا أسئلة:

____________

(1) تقدم في الجزء الأول: 331- 332.

(2) محاضرات في أصول الفقه 4: 55- 56.

(3) تقدم في الصفحة 41.

(4) لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 3: 285.

(5) كفاية الأصول: 177.

49

أحدها: هل يجوز أن يتصدى جماعة لامتثال الواجب الكفائي، أم لا؟

و الجواب: أن المفروغ عنه جوازه‏ (1)؛ لأن الواجب ليس عنوان صرف الوجود بلحاظ نفي التكرر و الكثرة العرضية و الطولية، لما أن معنى «صرف الشي‏ء» أنه لا يتكرر لا طولا، و لا عرضا، و هذا المعنى هو المرعي في هذه المواقف.

و غير خفي: أن تصدي جماعة للدفن و الكفن، ليس من صغريات هذه المسألة؛ لعدم تكرر الأمر بتعدد الأفراد، كما هو الظاهر، بل هو من قبيل رفع الحجر بتوسط جماعة؛ فإنه من قبيل توارد العلل على معلول واحد عرفا، لا عقلا.

ثانيها: بعد الفراغ عن الجواز، فما هو المطلوب في الكفائي حتى يمكن التكرار عرضا، و لا يمكن طولا؟ ضرورة أنه مع وحدة الغرض فلا يعقل، و مع تعدده فلا يكون من الكفائي.

و إن شئت قلت: إن كان الموضوع أو المتعلق الطبيعي أو الطبيعة، فهو كما يتكرر عرضا، يتكرر طولا، و لا يكفي ذلك لاعتبار سقوط الأمر بالنسبة إلى الأفراد الطولية، و لكثرة الأمر بالنسبة إلى الأفراد العرضية، فكيف يعقل أن يوصف كل فرد من أفراد صلاة الميت العرضية بالوجوب، و لا يبقى الوجوب بالنسبة إلى الأفراد الطولية؟! فلو كانت صلاة الميت كدفنه في اجتماع الناس على إتيانها بمصداق واحد فهو، و أما مع تكرر المصداق المستلزم لكون الغرض متعددا و الأمر متعددا- لأن هذا هو قضية تكرر الامتثال- فكيف يعقل؟! و ما قيل جوابا: بأن الطبيعة إذا كانت من حيث هي هي مطلوبة، فإن أتى بها واحد فقد امتثل الأمر، و إن أتى بها جماعة عرضا فقد أتوا أيضا بنفس الطبيعة، كما

____________

(1) كفاية الأصول: 177، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 236، نهاية الأفكار 1: 395، نهاية الأصول: 230.

50

عن العلامة الأستاذ البروجردي (قدس سره)(1) فهو غير واف؛ لأنه مع تعدد الصلاة خارجا، و تعدد الاتصاف بالوجوب، لا بد من تعدد الأمر، و تعدد الغرض، و هذا على خلاف طبع الكفائي، فهل إلى حل هذه المعضلة من سبيل؟

أقول: لعمري، إن هذه المعضلة لا تنحل إلا على ما أشرنا إليه في مطاوي بحوثنا السابقة: و هو أن العيني و الكفائي ربما لا يختلفان في مرحلة الجعل و الطلب و تعدد الغرض، و يختلفان في أنه للمولى في العيني لا يكون غرض وراء تلك الأغراض الملزمة في العيني، و لكن في الكفائي يكون له الغرض الآخر؛ و هو تسهيل الأمر أحيانا، أو ملاحظة الجهة الأخرى، فعند ذلك- بدليل منفصل- يؤدي ذلك الغرض، و تصير النتيجة الكفائية (2).

مثلا: يأمر كل واحد بالصلاة على الميت، أو بالطواف حول البيت، و إذا قام جماعة بذلك الواجب، يجد أنه حكم ربما ينتهي إلى الصعوبة المنتفية في أصل الديانة الإسلامية، فيرتضي بترك الآخرين بعد إتيان الأولين.

و هذا معنى سقوط التكليف، و إلا ففي الواقع و نفس الأمر لا يكون التكليف ثابتا؛ حتى يلزم المحذور العقلي بالنسبة إلى ناحية المولى الحقيقي.

و بالجملة: في مرحلة الجعل و الإنشاء قبل قيام الناس بالوظيفة، يكون الكل مورد الأمر، و تكون الطبيعة مورد الإيجاب، و لكن بعد قيامهم بها يسقط عن الآخرين. و هذا معناه أن الدليل المنفصل قام على أنه إذا أتى بها واحد أو جماعة، يسقط عن الآخرين طولا، فافهم و اغتنم.

ثالثها: بعد الفراغ من هذا و ذاك فلا إشكال في تعدد الثواب بالنسبة إلى الفرض الثاني، و إنما الإشكال في الفرض الأول؛ و أنه- حسب التحقيق-

____________

(1) نهاية الأصول: 230- 231.

(2) تقدم في الصفحة 42 و ما بعدها.