جمهرة اللغة - ج1

- ابن دريد المزيد...
623 /
7

الجزء الأول‏

مقدمة التحقيق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

ابن دريد

ترجم لابن دريد كثير من المؤلفين القدماء، كما عني بعض المحدثين بأخباره و مكانته و مؤلفاته.

و لسنا نقصد هنا إلى وضع ترجمة له مطوّلة منقولة عن المصادر؛ فأحسن من ذلك أن نذكر مصادر ترجمته، ثم نعرض بإيجاز شديد إلى ملامح من حياته العلمية مع حصر مؤلفاته المطبوعة و غير المطبوعة، قبل أن نفرغ إلى الكلام على الجمهرة نفسها.

و فيما يلي ثبت لأهمّ المصادر التي ترجمت لابن دريد مرتّبة ترتيبا تاريخيا بحسب وفيات مؤلفيها (انظر تفاصيل الطبعات في ثبت مصادر التحقيق في آخر الكتاب) :

1-مروج الذهب للمسعودي (346) ، 4/320-321.

2-مراتب النحويين لأبي الطيّب اللغوي (351) ، 135-136.

3-تهذيب اللغة للأزهري (370) ، 1/31.

4-طبقات النحويين و اللغويين للزبيدي (379) ، 183-184.

5-الفهرست لابن النديم (380) ، 67.

6-معجم الشعراء للمرزباني (384) ، 425-426.

7-نور القبس المختصر من المقتبس للمرزباني (384) باختصار اليغموري (673) ، 342-344.

8-تاريخ العلماء النحويين للمفضّل بن محمد التنوخي (442) ، 225-226.

9-جمهرة أنساب العرب لابن حزم (456) ، 381.

10-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (463) ، 2/195-197.

11-الإكمال لابن ماكولا (475) ، 3/388.

12-الأنساب للسمعاني (562) ، 5/342-344.

13-نزهة الألبّاء لابن الأنباري (577) ، 191-194.

10

14-المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم لابن الجوزي (597) ، 6/261-262.

15-معجم الأدباء لياقوت (626) ، 18/127-143.

16-الكامل في التاريخ لعزّ الدين بن الأثير (630) ، 6/234.

17-اللباب في تهذيب الأنساب لعزّ الدين بن الأثير (630) ، 1/499-500.

18-إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي (646) ، 3/92-100.

19-المحمدون من الشعراء و أشعارهم للقفطي (646) ، 279-283.

20-وفيات الأعيان لابن خلّكان (681) ، 4/323-329.

21-تاريخ الإسلام للذهبي (748) ، وفيات 321.

22-تذكرة الحفّاظ للذهبي (748) ، 3/810.

23-العبر في خبر من غبر للذهبي (748) ، 2/187.

24-ميزان الاعتدال للذهبي (748) ، 3/520.

25-الوافي بالوفيات للصفدي (764) ، 2/339-343.

26-مرآة الجنان لليافعي (768) ، 2/282-284.

27-طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (771) ، 3/138-142.

28-البداية و النهاية لابن كثير (774) ، 11/176.

29-البلغة في تاريخ أئمة اللغة للفيروزابادي (817) ، 216.

30-الفلاكة و المفلوكون للدلجي (838) ، 73.

31-طبقات النحاة و اللغويين لابن قاضي شهبة (851) ، 73-86.

32-النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (874) ، 3/240-242.

33-بغية الوعاة للسيوطي (911) ، 1/76-81.

34-طبقات المفسّرين للداودي (945) ، 2/119-123.

35-شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1089) ، 2/289-291.

36-خزانة الأدب للبغدادي (1093) ، 1/490-491.

37-روضات الجنّات للخوانساري (1313) ، 7/303-308.

ولد ابن دريد بالبصرة في سكّة صالح سنة 223 (838 م) ، «و نشأ بعمان و تنقّل في الجزائر البحرية ما بين البصرة و فارس» (1) ، و كانت وفاته في بغداد سنة 321 (933 م) ، كما أجمعت المصادر.

حدّث ابن دريد عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، و أبي حاتم السجستاني، و أبي الفضل الرياشي، و أبي عثمان الأشنانداني، و غيرهم. و قد أحصى محقّق الاشتقاق تسعة عشر شيخا من شيوخه‏ (2) .

____________

(1) إنباه الرواة 3/93.

(2) مقدمة الاشتقاق 5-6.

11

أما تلاميذه فكثر، و قد أحصى منهم محقق الاشتقاق خمسة و أربعين تلميذا (1) ، من أشهرهم أبو سعيد السيرافي، و أبو علي القالي، و أبو الفرج الإصبهاني، و أبو الحسن الرمّاني، و ابن خالويه، و أبو القاسم الزجّاجي، و أبو عبيد الله المرزباني، و أبو علي محمد بن علي بن مقلة، و أبو القاسم الآمدي، و أبو الحسن المسعودي، و مبرمان، و أبو بكر بن السرّاج.

و قد قدّم ابن دريد للمكتبة العربية مؤلفات حسنة في اللغة و الأدب، و قد طبع منها ما يلي:

1-الاشتقاق، أو كتاب اشتقاق أسماء القبائل، كما سمّاه ياقوت‏ (2) . و قد نشره و ستنفلد (جوتا، 1854) ، ثم حققه عبد السلام هارون (القاهرة، 1958) .

2-الجمهرة، و سيأتي الكلام عليه مفصّلا.

3-ديوان شعره، و قد نشره محمد بدر الدين العلوي (القاهرة، 1964) ، ثم نشره عمر بن سالم (تونس، 1973) .

4-روّاد العرب، و هو منشور بعنوان «صفة السحاب و الغيث و أخبار الروّاد و ما حمدوا من الكلأ» ضمن مجموعة «جزرة الحاطب و تحفة الطالب» بتحقيق وليام رايت (ليدن، 1859) . و كذلك نشره عز الدين التنوخي (دمشق، 1963) بعنوان «كتاب وصف المطر و السحاب و ما نعتته العرب الروّاد من البقاع» .

5-السّرج و اللجام، أو صفة السّرج و اللجام كما في نشره رايت المذكورة أعلاه (ليدن، 1859) .

6-المجتنى، و قد نشره كرنكو (حيدر أباد، 1342) . و هو يشتمل، كما جاء في مقدّمته على «فنون شتى من الأخبار المونقة و الألفاظ المسترشقة، و الأشعار الرائعة، و المعاني الفخمة، و الحكم المتناهية، و الأحاديث المنتخبة» .

7-المقصورة، و هي قصيدة من حوالي 250 بيتا نظمها في مديح ابني ميكال. و قد ذكر ياقوت و السيوطي من بين مؤلفات ابن دريد: المقصور و الممدود، و لعل الإشارة إلى المقصورة نفسها. و قد طارت للمقصورة شهرة يعزّ نظيرها. و انظر ما وضع لها من شروح و معارضات و تخميسات و ترجمات في مقدّمة أحمد عبد الغفور عطّار على شرح ابن هشام على المقصورة (بيروت، 1980) .

8-الملاحن، و قد نشره رايت (ليدن، 1859) ، ثم ثوربكه (جوتا، 1882) ، ثم أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري (القاهرة، 1347) . و في مقدمة ابن دريد على الملاحن: «هذا كتاب ألّفناه ليفزع إليه المجبر المضطهد على اليمين المكره عليها فيعارض بما رسمناه و يضمر خلاف ما يظهر ليسلم من عادية الظالم و يتخلّص من حيف الغاشم» (3) . و من ذلك ما جاء في موضع آخر: «و تقول: و اللّه ما رأيت فلانا قطّ و لا كلمته؛ فمعنى ما رأيته، أي ما ضربت رئته، و معنى كلمته: جرحته» (4) .

____________

(1) نفسه 6-8.

(2) معجم الأدباء 18/136.

(3) الملاحن 3.

(4) نفسه 8.

12

و من كتب ابن دريد المذكورة في مصادر ترجمته ما يلي:

1-أدب الكاتب، و أول من ذكره ابن النديم.

2-الأمالي، ذكره ياقوت و السيوطي (و في فهارس المزهر (1) أنه ذكر فيه عشر مرّات) . و في الأعلام‏ (2) أنه في خزانة الرباط، و هو مكتوب في دمشق سنة 641 بخط علي بن أبي طالب الحسيني.

3-الأنباز، و له ذكر في الجمهرة (دعو) .

4-الأنواء، و أول من ذكره ابن النديم.

5-البنين و البنات، و قد أشار إليه العلوي في مقدمة ديوان ابن دريد (3) ، و نقله عنه محقق الاشتقاق‏ (4) ، و سندهما في ذلك ما جاء في المزهر للسيوطي 1/518-528. و الذي في ذلك الموضع من المزهر نقول عن الجمهرة و غيرها، و فيه فصلان: «في الأبناء» ، و «في البنات» ، و لا دليل على أن لابن دريد كتابا بهذا العنوان، كما أن السيوطي نفسه لم يذكره بين مؤلفات ابن دريد في ترجمته له في البغية.

6-تقويم اللسان، و هو «على مثال كتاب ابن قتيبة[في أدب الكاتب‏]و لم يجرّده من المسوّدة فلم يخرج منه شي‏ء يعوّل عليه» ، كما جاء في الفهرست و معجم الأدباء (5) .

7-التوسّط، و أول من ذكره ابن النديم. و يبدو أن أبا حفص عمر بن حفص المعروف بابن شاهين هو الذي جمعه و ترجمه بهذا الاسم، من تعليقات ابن دريد على ردّ المفضّل بن سلمة على الخليل في العين.

8-الخيل الصغير.

9-الخيل الكبير. و في أواخر الجمهرة باب عنوانه: «باب ما وصفوا به الخيل في السرعة» .

10-السلاح.

11-غريب القرآن. و في الفهرست: «لم يتمّه» .

12-فعلت و أفعلت، و أول من ذكره ابن النديم.

13-لغات القرآن، و قد ذكره ابن دريد نفسه في الجمهرة ص 785 و 888 و في الجمهرة ص 1064 كتاب القرآن، و لعله هو. و الذي في الاشتقاق 80: اللغات في القرآن.

14-ما سئل عنه لفظا فأجاب حفظا، و قد ذكره ابن النديم و قال: «جمعه علي بن إسماعيل بن حرب عنه» . و في الإنباه: فأجاب عنه حفظا.

____________

(1) ص 639.

(2) الأعلام 6/80.

(3) ص 26.

(4) مقدمة الاشتقاق 16.

(5) الفهرست 67، و معجم الأدباء 18/136.

13

15-المتناهي في اللغة، و قد ذكره القالي مرة واحدة في أماليه 2/44.

16-المطر، و قد ذكره ياقوت و السيوطي. و قد يكون عنوانا آخر لكتاب السحاب و الغيث الذي سبق ذكره‏ (1) .

17-المقتبس، و أول من ذكره ابن النديم.

18-المقتنى، ذكره ابن النديم أيضا. و ليس اللفظ تحريفا للمجتنى، فقد ذكرهما معا ابن النديم.

19-الوشاح، ذكره ابن النديم أيضا، و قال عنه ياقوت إنه «على حذو المحبّر لابن حبيب» (2) .

____________

(1) انظر مقدمة المحقّق على الاشتقاق 17 و 20.

(2) معجم الأدباء 18/136.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

كتاب الجمهرة

وضع الخليل أساسا متينا للتأليف المعجمي العربي و خطّ نهجا لا يمكن أن يغفله من يتصدّى بعده لوضع معجم. و لعل أهمّ ما عمل الخليل أنه ابتدع، في العربية، طريقة تحصر اللغة و تستوعبها جميعا.

فمعجمات المعاني، القائمة على موضوعات مستقلّة، أي المؤلفات التي يقول عنها ابن سيدة إنها مبوّبة لا مجنّسة (1) ، لا يمكنها أن تحيط باللغة و تنتظمها مهما سعت إلى ذلك لأنها غير قائمة على خطة صوتية محكمة تجمع بين النظري و المستعمل من موادّ اللغة. و لأنّ بين هذين النوعين المعجميين فرقا في الفائدة -فالباحث في معجمات الألفاظ يعرف اللفظ و يبحث عن معناه و شواهده و مواطن استعماله، و الباحث في معجمات المعاني يعرف المعنى العامّ أو الباب و يطلب مفرداته و تراكيبه-فإن النوعين استمرّا في الوجود جنبا إلى جنب؛ غير أن المعجم اللفظي، الذي أرساه الخليل، كان هو الغالب، و عليه وحده يجب أن يطلق مصطلح «معجم» حقيقة لا مجازا.

و لنبيّين صنيع ابن دريد في الجمهرة و إسهامه في التأليف المعجمي العربي، يحسن بنا أن نقف عند صنيع الخليل في العين، لنحدّد بعد ذلك، المواطن التي اتّبع فيها ابن دريد الخليل، و المواطن التي فارقه فيها، في التبويب و المادّة و الشرح الخ...

تقوم خطّة الخليل في حصر اللغة على مبادئ ثلاثة، أولها أن الحروف محدودة، و قد جعلها تسعة و عشرين‏ (2) إذ عدّ الألف اللينة و الهمزة كلاّ على حدة فزاد على الثمانية و العشرين المعهودة (3) . و المبدأ الثاني أن الحروف و الأفعال و الأسماء إنما تكون من أصول محدودة، فأقلّها ثنائي و أكثرها خماسي، كما زعم‏ (4) . و على ذلك قسم الخليل الأبنية كما يلي:

(أ) الثنائي الصحيح، أي ما كان على حرفين صحيحين، نحو قد، و كذلك ما شدّد ثانيه، نحو

____________

(1) المخصّص 1/10.

(2) العين 1/57.

(3) نفسه 1/48.

(4) نفسه 1/48-49.

16

عزّ، و ما كرّر أوله و ثانيه، نحو زعزع، و كذلك الثنائي المضاعف الفاء و اللام، نحو كعك.

(ب) الثلاثي الصحيح، أي ما كان على ثلاثة أحرف صحيحة.

(ج) الثلاثي المعتلّ، و يشمل ما يعرف بالمثال و الأجوف و الناقص.

(د) الثلاثي اللفيف، أي ما كان فيه حرفا علّة في أي موضع منه.

(هـ) الرباعي الصحيح، أي ما كان على أربعة أحرف صحيحة.

(و) الخماسي الصحيح، أي ما كان على خمسة أحرف صحيحة.

(ز) الرباعي و الخماسي المعتلاّن، أي ما كان فيهما حرف معتلّ أو أكثر.

أما المبدأ الثالث الذي استند إليه الخليل في حصر اللغة فهو المكمّل لما سبق تكميلا يصل به إلى الغاية. فقد حصر الخليل التقليبات التي بها ينكشف عدد الأصول الممكنة في كل باب، المستعمل و المهمل منها سواء. يقول: «اعلم أن الكلمة الثنائية تتصرّف على وجهين نحو: قد، دق، شد، دش.

و الكلمة الثلاثية تتصرّف على ستة أوجه، و تسمّى مسدوسة، و هي نحو: ضرب ضبر، برض بضر، رضب ربض. و الكلمة الرباعية تتصرّف على أربعة و عشرين وجها... و الكلمة الخماسية تتصرّف على مئة و عشرين وجها... يستعمل أقلّه و يلغى أكثره» (1) . و يمكن رسم هذه التقاليب على شكل خط في الثنائي، و مثلّث في الثلاثي، و مربّع في الرباعي، و مخمّس في الخماسي:

اسكن أما تقسيم الخليل للحروف فهو كالتالي‏ (2) :

(أ) خمسة أحرف حلقية لأن مبدأها من الحلق: ع ح هـ خ غ.

(ب) حرفان لهويّان لأن مبدأهما من اللهاة: ق ك.

(ج) ثلاثة أحرف شجرية لأن مبدأها من شجر الفم أي مفرج الفم: ج ش ض.

(د) ثلاثة أحرف أسلية لأن مبدأها من أسلة اللسان أي مستدقّ طرفه: ص س ز.

(هـ) ثلاثة أحرف نطعية لأن مبدأها من نطع الغار الأعلى: ط ت د (3) .

(و) ثلاثة أحرف لثوية لأن مبدأها من اللثة: ظ ذ ث‏ (4) .

(ز) ثلاثة أحرف ذلقية لأن مبدأها من ذلق اللسان و هو تحديد طرفي ذلق اللسان: ر ل ن.

____________

(1) نفسه 1/59.

(2) نفسه 1/57-58.

(3) ط د ت في 1/48.

(4) ظ ث ذ في 1/48.

17

(ح) ثلاثة أحرف شفوية لأن مبدأها من الشفة: ف ب م.

(ط) أربعة أحرف هوائية لأنها لا يتعلّق بها شي‏ء: واي‏ء.

بعد وضع هذا المنهج الذي يستوعب اللغة جميعا، أضحى كل ما يقع تحته لا يخرج عن أن يكون فرعيا و ثانويا، و فيه كان التمايز بين المعجميين. و لعل في قول ابن دريد في مقدّمته إن الخليل «ألّف كتابه مشاكلا لثقوب فهمه و ذكاء فطنته و حدّة أذهان أهل دهره» (ص 40) إشارة إلى ما اجترحه الخليل، إذ إن كلّ من ألّف معجما بعده إنما على نهجه العامّ يسير، و لا يفارقه إلا فيما هو فرعي و ثانوي. فمهما بلغ التفريع على الخليل، و مهما أدخل على المعجم من تغيير و ترتيب، فالأصل له و الفرع لغيره.

و أبرز ما خالف به ابن دريد الخليل تأليفه الجمهرة على الحروف المعجمة، «إذ كانت بالقلوب أعبق و في الأسماع أنفذ، و كان علم العامّة بها كعلم الخاصّة، و طالبها من هذه الجهة بعيدا من الحيرة مشفيا على المراد» (ص 40) . و كأن هذا نقد مهذّب لطريقة الخليل، فهي طريقة متعبة لا يتمّ بها الاهتداء إلى مظانّ الألفاظ إلا بعد جهد. و لئن كان ابن دريد قد اتّبع طريقة أسهل في ترتيب الحروف، فإن في تقسيمه موادّ معجمه على النحو الذي سنبيّنه ما يفوّت علينا الاستفادة من التسهيل الحاصل بهذا الترتيب. فالأبواب الرئيسية التي يتألف منها الكتاب هي التالية:

(أ) الثنائي الصحيح، و هو «لا يكون حرفين البتة إلا و الثاني ثقيل، حتى يصير ثلاثة أحرف؛ اللفظ ثنائي و المعنى ثلاثي. و إنما سمّي ثنائيا للفظه و صورته، فإذا صرت إلى المعنى و الحقيقة كان الحرف الأول أحد الحروف المعجمة، و الثاني حرفين مثلين أحدهما مدغم في الآخر نحو بتّ يبتّ بتّا» (ص 53) .

(ب) الثنائي الملحق ببناء الرباعي المكرّر (ص 173) ، نحو بجبج و بحبح. و أفرد بعده ابن دريد بابا صغيرا للرباعي المكرّر المهموز (ص 226) ، نحو بأبأ و تأتأ.

(ج) الثنائي المعتلّ و ما تشعّب منه (ص 229) ، نحو توى و أتى، و معه ذكر ابن دريد ما كان منتهيا بالهمز، نحو بوأ و وثأ.

(د) الثلاثي الصحيح و ما تشعّب منه (ص 252) ، و هو يشغل ما يقرب من ثلثي المعجم.

(هـ) الثلاثي يجتمع فيه حرفان مثلان في موضع الفاء و العين أو العين و اللام أو الفاء و اللام (ص 999) ، نحو بلل و لبب.

(و) الثلاثي الذي عين الفعل منه أحد حروف اللين (ص 1015) ، نحو باب وبيب وسوس، و منه ما هو مهموز أيضا نحو خبأ و أبد.

(ز) باب النوادر في الهمز (ص 1086) ، و ألحق به باب اللفيف في الهمز، و المقصور في الهمز (ص 1106) . غ

18

(ح) الرباعي الصحيح (ص 1110) .

(ط) الرباعي المعتلّ (ص 1162) ، و ذكر تحته أشياء غير معتلّة من الرباعي، كالرباعي الذي فيه حرفان مثلان، نحو دردق و كركم، و الثلاثي المضعّف الآخر، نحو عكبّ و خدبّ.

(ي) الخماسي، و ما لحق به من الحروف الزوائد (ص 1184) .

(ك) أبواب لغوية متفرّقة، منها ألفاظ يجمعها وزن ما، و ألفاظ يجمعها موضوع ما، و ألفاظ تمثّل ظاهرة لغوية ما، كالإتباع و الاستعارة (من ص 1247 حتى آخر الكتاب) .

و لئن كان الخليل قد بوّب معجمه على الحروف بدءا بالعين، فجعل لكل حرف بابا يقع تحته الثنائي فالثلاثي فالرباعي فالخماسي، فإن ابن دريد بنى معجمه على أساس من الأبنية يقع تحت كل منها الحروف على الألفباء، على أن تجي‏ء كل مادة مع تقليباتها المستعملة. و قد أفضى هذا المنهج إلى شي‏ء من التعقيد زاده أن المؤلف أملى كتابه إملاء و لم يسلم من التكرار، كما سنبيّن. و قد اقتضى نظام التقاليب ابن دريد أن يبدأ في كل باب بالحرف الذي يلي الحرف المخصّص له الباب؛ ففي حرف الخاء مثلا، يبدأ بالخاء و الدال، فالخاء و الذال، فالخاء و الراء، الخ لأن الخاء و الأحرف التي تسبقها كان قد مرّ ذكرها في الأبواب السابقة، و هكذا يجب على طالب المادة أن ينظر في أول حروفها ترتيبا، سواء أكان ذلك الحرف في أول المادة أم في وسطها أم في آخرها. فمادة «ر ج ع» تطلب في الجيم لأن الجيم أسبق من الراء في الترتيب الألفبائي.

و لا يخفى أن المنهج الذي اتّبعه ابن دريد أكثر تعقيدا من منهج الخليل، غير أن في هذا دليلا واضحا على تفرّد ابن دريد و عدم التزامه التزام تسليم بصنيع الخليل. و لظنّنا أن ابن دريد صدر في كتابه عن خطّة متقنة إجمالا من أجل ضبط الأبواب و تمايزها، فإننا نعزو ما وقع فيه من اضطراب إلى أنه إملاء.

فقد ذكر ابن دريد في المقدمة أن الكتاب أملي إملاء (و أملينا هذا الكتاب و النقص في الناس فاش...

ص 40) ، كما قال في آخر الثلاثي: «و إنما أملينا هذا الكتاب ارتجالا لا عن نسخة و لا تخليد في كتاب قبله، فمن نظر فيه فليخاصم نفسه بذلك فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير إن شاء اللّه» (ص 1085) .

و كأنه استشعر بأكثر من ذلك في خاتمة الكتاب فقال: «فإن كنّا أغفلنا من ذلك شيئا لم يُنكر علينا إغفاله لأنّا أمليناه حفظا، و الشذوذ مع الإملاء لا يدفع» (ص 1339) . فمن مظاهر الاضطراب في الأبواب أنه خلط بين المعتلّ الواوي و المعتلّ اليائي في المثنى، و أنه خلط بين الثلاثي الصحيح و المعتلّ ثم أفرد بابا للمعتلّ و المهموز من الثلاثي، و أنه لم يلتزم ترتيبا دقيقا في إيراد التقاليب، و لا سيما في الرباعي.

غير أن كثيرا مما قيل إنه من مظاهر اضطراب الجمهرة له ما يسوّغه، و لا نراه إلا ناشئا عن قصد.

من ذلك ذكره بعض الألفاظ الثلاثية المختومة بتاء التأنيث في الرباعي، فإنّا لا نخاله لبعد واضعه عن معرفة هذا الأمر كما زعم ابن جني في قوله في «باب في سقطات العلماء» : «و أما كتاب الجمهرة ففيه أيضا من اضطراب التصنيف و فساد التصريف ما أعذر واضعه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر. و لمّا كتبته وقّعت في متونه و حواشيه جميعا من التنبيه على هذه المواضع ما استحييت من كثرته، ثم إنه لمّا طال عليّ‏

19

أومأت إلى بعضه و أضربت البتّة عن بعضه» (1) . و أن تكون التاء زائدة أمر لا يخفى على المبتدى‏ء، فكيف يخفى على لغوي كابن دريد؟لقد نبّه ابن دريد نفسه على هذا الأمر فأغنانا عن التنقيب و الاعتذار، فهو يورد هذه الألفاظ في الرباعي لأن التاء لازمة فيها لا تفارقها، إذ ليس لهذه الألفاظ من مذكّر. و دليل ذلك الشواهد المختارة التالية:

(أ) «و القربة: معروفة، و ليس لها ذكر، و لذلك أدخلناها في الرباعي مع هاء التأنيث» (ص 1124) .

(ب) «و الجحمة: العين، لغة يمانية. قال أبو بكر: و إنما أدخلناها في هذا الباب لأنه لا مذكر لها، فالهاء كالحرف اللازم» (ص 1135) .

(ج) «و حردة: اسم موضع، و هذه هاء التأنيث و ليس له مذكر في معناه فاستجزنا إدخاله في هذا الباب» (ص 1140) .

(د) «و الحسكة و الحسيكة: الحقد في القلب؛ و أدخلناه في هذا الباب لأنه لا مذكر له من لفظه، إلاّ أن تقول حسك، تريد جمع حسكة» (ص 1142) .

و يؤيّد هذا أن الأمر غير مقصور على الرباعي؛ فقد ذكر ابن دريد في الثلاثي الصحيح ألفاظا ثنائية مضعّفة منتهية بتاء التأنيث، نحو «الغصّة: اسم الغصص» و نبّه أنه مرّ في الثنائي (ص 890) . و في مثل هذا أيضا ذكر ابن دريد السبب ذكرا صريحا فقال: «الصّفّة: صفّة البيت و صفّة السّرج. قال أبو بكر:

و إنما أدخلناها في هذا الباب لأنه لا مذكر لها، و الهاء تقوم مقام حرف ثالث» (ص 893) . و لذلك نرى أن رأي كرنكو قريب من الصواب إن يقول إن ابن دريد أدرج الثلاثيّ المنتهي بتاء التأنيث في باب الرباعي عن قصد، و كأنه يفعل ذلك ليسعف طالب المادة الذي لا يتقن التصريف‏ (2) .

و أما إفراده بابا للثلاثي يجتمع فيه حرفان مثلان في موضع الفاء و العين أو العين و اللام أو الفاء و اللام من الأسماء و المصادر (ص 999) و إلحاقه إيّاه بالثلاثي الصحيح، و إن كان ثنائيا، نحو التّبب و البجج و الحباب، فلأن الألفاظ التي اقتصر عليها فيه غير مدغمة، في حين أنه ذكر المدغم في الثنائي.

و لذلك نراه يذكر (جوو) في الثنائي ثم يهمله في باب الملحق بالثلاثي لأنه مدغم، و كذلك (خمم) فقد ذكرها في الثنائي و أهملها في الموضع الآخر للسبب عينه، و كذلك (ودد) فقد ذكرها في الثنائي و لم يذكر من تقاليبها في الملحق بالثلاثي إلا الدود لأنه غير مدغم. و هنا أيضا لا ننسب هذه التفرقة إلى جهل بمثل هذا الأمر البسيط، بل ننسبها إلى خطّة ابن دريد نفسها، و إلى ما ذكرناه عن الاضطراب الذي أورثه الإملاء. و قد أدرك أحمد فارس الشدياق أن الإملاء لا يحسن في اللغة لما يؤول إليه من تداخل

____________

(1) الخصائص 3/288. و قارن شرح السيوطي لهذه العبارة في المزهر 1/93: «يعني أن ابن دريد قصير الباع في التصريف و إن كان طويل الباع في اللغة. و كان ابن جني في التصريف إماما لا يشقّ غباره، فلذا قال ذلك» . و قد عثر محقّق الاشتقاق على مواضع جانب فيها ابن دريد صواب التصريف، و بعضها مذكور في ص 14 من مقدّمة التحقيق.

(2) انظر: fokroW eht toecnerefeR laicepS hitw ,irahuag fo emiT eht llityhpargoixel cibarA fo sgninnigeB ehT» . ff254. pp,1924 ,. ppuS. tneC ,SARJni «,diaruD nbI

20

و اضطراب فقال: «و ربما يعتذر لابن دريد بأن يقال إنه أملى كتاب الجمهرة إملاء من حفظه، غير أن الإملاء إنما يحسن في نوادر الأدب لا في اللغة» (1) . و إلى ذلك فالإملاء، كما ذكر السيوطي، أفضى إلى اختلاف نسخ الجمهرة: «و قال بعضهم: أملى ابن دريد الجمهرة في فارس، ثم أملاها بالبصرة و ببغداد من حفظه، و لم يستعن عليها بالنظر في شي‏ء من الكتب إلاّ في الهمزة و اللفيف، فلذلك تختلف النسخ» (2) . و رغم ذلك كله تبقى الجمهرة في إملائها شاهدا على سعة مؤلّفها و صحّة علمه، حتى إننا نجد تطابقا في الشروح و الشواهد في المواطن المكرّرة و لا نكاد نقع على تضارب أو تناقض. فمادة (ش أ و ي) بتقاليبها المحتملة جاءت ص 239 و 883 و في الموضعين تطابق عجيب في الشروح و الشواهد، و كذلك في سائر المعتلّ و المهموز مما كرّر في الثنائي و الثلاثي. و لا عجب لهذا أن نرى ياقوت الحمويّ‏ (3) يجعل إملاء ابن دريد دون الاستعانة بالكتب إلا في باب الهمزة و اللفيف شاهدا على أن الرجل متمكن «من علمه كلّ التمكن» (4) .

و مع هذا التمكن، لم يسلم ابن دريد من الألسن كما لاحظ ياقوت، و لا سيما في هجاء نفطويه له إذ قال‏ (5) :

ابن دريد بَقَرَهْ # و فيه عِيٌّ و شَرَهْ

و يدّعي من حُمْقه # وَضْعَ كتاب الجمهرهْ

و هو كتاب العين إلا # أنه قد غيّرهْ‏

و هذا الكلام لا يمكن حمله إلا على المنافرة بين الرجلين، فلابن دريد فيه هجاء إذ يقول‏ (6) :

لو أنزلَ الوحيُ على نِفطويه # لكان ذاك الوحي سُخطا عليه

و شاعرٍ يُدعى بنصف اسمه # مستأهلٌ للصفع في أخدعيه

أحرقه اللّه بنصف اسمه # و صيَّر الباقي صُراخا عليه‏

و قد نبّه السيوطي على أنه «قد تقرّر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح» . غير أن التهمة التي تضمّنها هجاء نفطويه ابن دريد ظلّت تلاحقه حتى عصرنا هذا، فقد وهم بعض المحدثين أن مقولة نفطويه صحيحة. ففي إحدى حواشي المعرّب بتحقيق أحمد محمد شاكر: «و العبارة الآتية ذكرها ابن دريد بنصّها في الجمهرة و نسبها للخليل. و كتاب الجمهرة مقتبس من كتاب العين، أو هو كما قال بعضهم: و هو كتاب العين إلا/أنه قد غيّره» (7) . و يقول آخر في كلام له عن التقليد في تصنيف المعاجم

____________

(1) الجاسوس على القاموس 521.

(2) المزهر 1/94.

(3) معجم الأدباء 18/138؛ و هو النص الذي أخذ عنه السيوطي.

(4) يذكر أيضا أن ما ينقله ابن دريد عن أبي عبيدة في مجاز القرآن-و هو معتمده في التفسير-يطابق إجمالا ما في المجاز، و في هذا دليل على ما نحن فيه. و قد نبّهنا في هوامش التحقيق على جميع المواضع التي أخذ منها ابن دريد عن مجاز أبي عبيدة.

(5) معجم الأدباء 18/138، و المزهر 1/94.

(6) المزهر 1/93-94.

(7) المعرّب 288، الحاشية الأولى.

21

العربية: «و عند ما أراد أحد علماء اللغة في عصره، و هو نفطويه، أن يهجوه لمنافرة بينهما أثبت عليه أن كتاب الجمهرة معتمد على كتاب العين... » (1) . و لعل طبيعة العلاقة بين العين و الجمهرة إنما يحسن أن تنكشف من خلال الجمهرة نفسها لا اعتمادا على آراء القدماء أو المحدثين، و لذلك يتعيّن البحث عن هذه العلاقة في شواهد بعينها، كما سنبيّن. و سنقسم هذه المسألة ثلاثة أقسام كالتالي:

(أ) مقدّمة الكتابين.

(ب) مواضع ذكر الخليل في الجمهرة.

(ج) الشروح و الشواهد.

لعل الموضع الذي تأثر فيه ابن دريد بالخليل تأثرا أوضح من سائر المواضع هو مقدمة الجمهرة.

فهذه المقدمة، إذا استثنينا بعض جزئياتها و لا سيّما أوائلها المسجّعة و إهداءها، لا تتعدى الموضوعات التي ذكرها الخليل في مقدمة العين، كالأصوات العربية و مخارجها، و أقسامها، و ائتلافها، و التفرقة بين العربي و الأعجمي، و الأبنية الناشئة عن الأصوات و مبلغ أصولها في الصيغ، و معرفة الزوائد و مواقعها. و مع هذا نجد أن ترتيب ابن دريد لمخارج الأصوات يخالف ما ذكره الخليل في مقدمة العين‏ (2) . فقد ذكر ابن دريد نوعين من الترتيب أولهما التالي:

(أ) المصمتة :

1-حروف الحلق: الهمزة و الهاء و الحاء و العين و الخاء و الغين.

2-حروف أقصى الفم من أسفل اللسان: القاف و الكاف و الجيم و الشين.

3-حروف وسط اللسان مما هو منخفض: السين و الزاي و الصاد.

4-حروف أدنى الفم: التاء و الطاء و الدال.

5-حروف أدنى من سابقتها، مما هو شاخص إلى الغار الأعلى: الظاء و الثاء و الذال و الضاد.

(ب) المذلقة: 1-حروف الشفة: الفاء و الميم و الباء.

2-حروف مما بين أسفل أسلة اللسان إلى مقدّم الغار الأعلى: الراء و النون و اللام.

أما الترتيب الآخر الذي يذكره ابن دريد فعن قوم من النحويين، و فيه ستة عشر مخرجا تقسيمها كالتالي:

1-الهاء و الهمزة و الألف.

2-العين و الحاء.

3-الغين و الخاء.

4-القاف و الكاف.

____________

(1) المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث لمحمد أحمد أبو الفرج، 27.

(2) راجع ما سبق ص 17.

22

5-الجيم و الشين.

6-الياء.

7-السين و الصاد و الزاي.

8-النون.

9-اللام.

10-الراء.

11-التاء و الدال و الطاء.

12-الفاء.

13-الواو و الباء و الميم.

14-النون الخفيفة (الخيشومية) .

15-الظاء و الذال و الثاء.

16-الضاد.

و هكذا يظهر الفرق بين المقدمتين من حيث ترتيب المخارج. و يحسن التنبيه إلى أن لترتيب المخارج علاقة وثيقة بترتيب كتاب العين، فذكرها في مقدمة العين كالتمهيد للكتاب. أما في الجمهرة فالأمر مختلف إذ لا علاقة البتّة بين ترتيب المخارج و خطّة الكتاب القائمة على الترتيب الألفبائي. و يبدو أن ابن دريد ذكر المخارج في مقدمته على نحو اتّباعي، أو أنه جعلها جزءا مما يجب معرفته للتمييز بين ما هو عربي و ما ليس بعربي.

الأمر الثاني في مسألة العلاقة بين العين و الجمهرة هو البحث في المواضع التي يذكر فيها ابن دريد الخليل. إن الفهارس التي أعددناها تبيّن هذه المواضع، غير أننا لا نريد النظر هنا في المواضع التي ينقل ابن دريد فيها عن الخليل نقولا نجدها في العين (و قد التزمنا في الهوامش أن نذكر هذه المواضع من كتاب العين) ، أو المواضع التي ينصّ فيها ابن دريد على أن الخليل أهمل ذكر لفظ ما، و لا نقع عليه في العين‏ (1) ، بل إننا سننظر في مظاهر أخرى من ذكر الخليل في الجمهرة، و نقسمها كما يلي:

(أ) أن ابن دريد قد ينصّ على ذكر الخليل لفظة ما، و هذه اللفظة ليست في العين، أو قل إنها ليست في النسخ التي وصلتنا من العين. من ذلك قوله: «و عرف الخليل ندلت يده تندل ندلا، إذا غمرت، و منه اشتقاق المنديل، زعم أنه مفعيل من ذلك» (ص 682) ؛ و ليس في العين (ندل) 8/41 شي‏ء من هذا. و منه أيضا قوله: «و المشع: لغة يمانية جاء بها الخليل» (ص 870) ؛ و لم نجد في العين (مشع) 1/267 ذكرا لهذا. و منه أيضا قوله: «و الطَّعْس: كلمة يكنى بها عن النّكاح، أحسب الخليل قد ذكرها و تقلب فيقال: الطَّسع، و ربما قلبت السين زايا فقيل: الطَّعز» (ص 834) ؛ و ليس في العين شي‏ء

____________

(1) من ذلك قول-ابن دريد (3/126) إن الخليل لم يذكر الفكع؛ و هذا اللفظ غير مذكور في تقاليب العين و الكاف و الفاء في كتاب العين 1/205.

غ

23

من هذا، فالطعس مهمل في العين (1/319) ، و أما الطسع‏ (1) و الطّزع فقد ذكر الخليل أنه «الرجل الذى لا غيرة له» (1/321 و 1/351) . و كأن ابن دريد في الشاهد الأخير قد أخطأ في الرواية أو حرّفها فتغيّر المعنى و بقي منه أنه في علاقة بين رجل و امرأة و أن اللفظ يحتمل الإبدال. و إن صح هذا التفسير فهو دليل آخر على ما أورثه الإملاء هذا المؤلّف‏

(ب) أن ابن دريد قد يهمل قولا للخليل، و هو موجود في العين. من ذلك ما جاء في (ص 365) : «و الكبع ذكر الخليل أنه المنع؛ كبعته عن كذا و كذا أكبعه كبعا، إذا منعته عنه» ، و ليس في (كبع) في كتاب العين (1/208) ذكر لهذا المعنى، بل فيه أن الكبع «نقد الدراهم و وزنها» ، و هذا المعنى لم يذكره ابن دريد!و شبيه بهذا من وجه أن ابن دريد قد ينكر معرفته بلفظ ما، و أنت تجده في العين؛ كأن يقول: «فأما الفقّاع المشروب فلا أدري ممّا اشتقاقه و ما صحته» (ص 936) ، في حين أن اللفظ مذكور و مشروح في العين 1/176: «و الفقّاع: شراب يتّخذ من الشعير سمّي به للزّبد الذي يعلوه» .

(ج) أن ابن دريد قد ينقل عن الخليل رأيا نقع على نقيضه، أو على ما يخالفه، في العين. فمما جاء نقيضه في العين قول ابن دريد إن الخليل زعم أن الشعوذة عربية (ص 696) ، و تعقيبه بالقول: «و لا أدري ما صحّتها» . و الذي في العين: «و الشّعوذيّ: كلمة ليست من كلام العرب، و هي كلمة عالية» (1/244) . و مما نقع على خلافه قول ابن دريد: «قال الخليل و أبو مالك؛ شواء معلوس، إذا أكل بالسّمن» (ص 841) ، و قوله: «و العلس» : شواء مسمون، و هو الذي يؤكل بالسّمن؛ هكذا يقول الخليل، رحمه اللّه» (ص 1270) . و في العين 1/333: «و العلس‏[بالتسكين‏]: الشواء السّمين» . و لسنا ندري أهذا الخلاف ناتج عن خطأ في حفظ ابن دريد، فجعل السّمن سمنا، أم عن غير ذلك.

(د) أن ابن دريد قد يشكّ في صحّة ما ذكره الخليل. فهو يذكر في مادة (عدس) أن الخليل كان «يزعم أن عدسا كان رجلا عنيفا بالبغال في أيام سليمان بن داود عليهما السلام، فالبغال إذا قيل لها:

عدس، انزعجت؛ و هذا ما لا تعرف حقيقته في اللغة» (ص 645) . و في العين 1/321 ما يشبه هذا كثيرا: «عدس: زجر للبغال، و ناس يقولون: حدس. و يقال: إن حدسا كانوا بغّالين على عهد سليمان... » الخ. و مثل هذا قول ابن دريد: «و العمص ذكره الخليل فزعم أنه ضرب من الطعام، و لا أقف على حقيقته» (ص 887) . و في العين 1/315: «عمصت العامص، و أمصت الآمص، أي الخاميز، معرّبة» ، و الخاميز ضرب من الطعام.

(هـ) أن ابن دريد قد ينسب الخطأ في العين إلى الليث فينزّه الخليل عنه. و هذا أمر درج عليه الأقدمون عند طعنهم على العين، و هو أمر مرتبط بنسبة الكتاب إلى الخليل فهل وضعه برمّته أم وضع أوله فأكمله الليث أم وضع رسمه فحشاه الليث. و لسنا في مجال هذا البحث‏ (2) ، و حسبنا أن نلاحظ هنا أن ابن

____________

(1) بلا ضبط في النصّ المحقّق!

(2) راجع ما نقله السيوطي عن المصادر في هذا الموضوع، في المزهر 1/77 و ما بعدها.

24

دريد كان قد امتدح في مقدمته الخليل و اعترف بفضله و فطنته، و هذا يوافق نهجه في نسبة الخطأ إلى الليث لا إلى الخليل نفسه. و من الأمثلة على ذلك قول ابن دريد: «و لا تنظرنّ إلى ما جاء به الليث عن الخليل في كتاب العين في باب السين فقال: سدف في معنى شدف، فإنما ذلك غلط من الليث على الخليل» (ص 651؛ و ليس في العين، شدف، 6/244، و لا سدف، 7/230، شي‏ء من هذا) . و من هذه الظاهرة أيضا قول ابن دريد (ص 260) أن ليس صحيحا عن الخليل ما ذكر من قوله؛ يوم بغاث، بالغين المعجمة، و المعروف يوم بعاث، بالمهملة. و بغاث مذكور في العين (4/402) ، و يبدو أن ابن دريد يعني الليث دون أن يسمّيه؛ و يقوي هذا الاحتمال قول ابن منظور في اللسان (بعث) : «و ذكر ابن المظفّر هذا في كتاب العين، فجعله يوم بغاث و صحّفه، و ما كان الخليل، رحمه اللّه، ليخفى عليه يوم بعاث، لأنه من مشاهير أيام العرب، و إنما صحّفه الليث و عزاه إلى الخليل نفسه، و هو لسانه» .

هذا في المواضع التي ذكر فيها ابن دريد الخليل. أما موضوع القسم الثالث من العلاقة بين العين و الجمهرة فأوسع من ذلك، و نعني به مجمل الشروح و الشواهد لا مواطن محدّدة بعينها. فالناظر في الكتابين يرى فرقا أساسيا في التنظيم الداخلي للشرح. و قد كشف حسين نصار عن هذا الفرق حيث يقول: «فالخليل يجمع كل الصيغ التي تشتقّ من مادة واحدة تحت مادّتها، و يميل إلى نوع من الانتظام في معالجة هذه الصيغ، فإذا كانت اسما ذكر مفرده و جمعه، و إن كانت فعلا قدّم ماضيه فمضارعه فمصدره، ثم الصفة منه في كثير من الأحيان، و قدّم الثلاثي اللازم منه ثم المتعدي ثم الصيغ غير الثلاثية على قدر الإمكان، و يميل إلى الربط بين الصيغ الأصلية و الفرعية... أما ابن دريد فيوزّع صيغ المادة الواحدة على أبواب متباعدة، و يحاول أحيانا أن يربط بين الصيغ الفرعية و الأصلية فيخلط بينها، و لا نجد عنده الانتظام الداخلي في الموادّ أو الميل إلى الانتظام الذي عند الخليل» (1) . أما قول نصّار بعد ذلك إن الجمهرة لا يصل في تفسيراته إلى الدقة التي وصل إليها سابقه، فدعوى تحتاج إلى بيّنة و دليل؛ و نحن نجد ابن دريد في مجمل كتابه دقيق الشرح حسن التفصيل منبّها في مواطن كثيرة على الفروق الدقيقة في المعاني. و أما أن يقول: معروف، أو: لا أدري ما صحّته، فأمر مألوف في المعجمات كلها، و ليس وقفا على الجمهرة.

و فيما يتعلّق بالشواهد نجد خلافا كبيرا بين الكتابين، فمعظم شواهد كلّ ليس من شواهد الآخر.

و قد حرصنا على استقصاء الشواهد المشتركة فنبّهنا إلى مواضع ورودها جميعا في كتاب العين في تخريج الأبيات. و الناظر في التخريج يجد أن شواهد الجمهرة التي في العين قليلة نسبيا و أنه قد تمرّ موادّ بأسرها ليس بين الكتابين فيها شاهد واحد مشترك. و يذكر لنا القفطي و السيوطي‏ (2) أن الإمام أبا غالب تمّام بن غالب المعروف بابن التّيّاني المتوفى عام 436 هـ وضع كتابا اسمه الموعب أتى فيه بما في العين من صحيح اللغة و طرح فيه من الشواهد المختلفة، و زاد ما زاده ابن دريد في الجمهرة. و من جهة أخرى نجد

____________

(1) المعجم العربي: نشأته و تطوّره 427.

(2) الإنباه 1/259، و المزهر 1/88.

25

أن في العين كثيرا من الشواهد التي لم يذكرها ابن دريد، و بالتالي لم يجد كثير منها طريقه إلى المعجمات المتأخرة.

و من مظاهر تفرّد الجمهرة عن العين أن ابن دريد أورد موادّ أهملها الخليل-مثل مادة «معس» (ص 843) ، و هي من المهمل في العين (1/346) -كما أن موعب ابن التّيّاني المذكور فيه زيادات من ابن دريد، و لم تحدّد المصادر أنها زيادات في الشواهد فقط، فالأرجح أنها في الشواهد و الشروح و الموادّ جميعا: و إلى ذلك تجد لابن دريد آراء في منع أشياء نجد الخيل قد أجازها؛ من ذلك قول ابن دريد:

«و يقال: مرّ الفرس يركض، و لا يقال: يركض» (ص 750) ، في حين أن الخليل يقول: «و فلان يركض دابّته يضرب جنبيها برجليه، ثم استعملوه في الدوابّ لكثرته على ألسنتهم، فقالوا: هي تركض، كأن الركض منها» (5/301) .

و لعل في الشواهد السابقة دليلا قويا و واضحا على أن ابن دريد، و إن أفاد الخطّة من الخليل و اعترف بفضله، ألّف كتابا متفرّدا له «شخصية» خاصة به، و أنه جاء بشواهد و آراء و شروح لا نجدها في العين. و أحسن ما يستدلّ به على ذلك أخيرا قول تلميذه المسعودي عنه: «و كان ممن قد برع في زمننا هذا في الشعر، و انتهى في اللغة، و قام مقام الخليل بن أحمد فيها، و أورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين» (1) .

و لم يسلم ابن دريد، بعد التّهمة التي جاء بها نفطويه، من تهم أخرى أشدّ قسوة و أدهى مضمونا؛ و نعني التّهم التي صدّر بها الأزهري تهذيبه، حيث يقول: «و ممّن ألّف في عصرنا الكتب فوسم بافتعال العربية و توليد الألفاظ التي ليس لها أصول، و إدخال ما ليس من كلام العرب في كلامهم أبو بكر محمد ابن الحسن بن دريد الأزدي صاحب كتاب الجمهرة، و كتاب اشتقاق الأسماء، و كتاب الملاحن» (2) . و كذلك رماه الأزهري بالتصحيف: «و تصفّحت كتاب الجمهرة فلم أره دالاّ على معرفة ثاقبة، و عثرت منه على حروف كثيرة أزالها عن «وجوهها» (3) . و يقول الأزهري في بعض الرباعي مما أورده ابن دريد: «هذه حروف لا أثق بها لأني لم أحفظها لغيره، و هو غير ثقة، و جمعتها في موضع واحد لأفتّش عنها فما صحّ منها لإمام ثقة أو في شعر يحتجّ به فهو صحيح، و ما لم يصحّ توقّف عنه إن شاء اللّه‏ (4) .

و في كلام الأزهري كثير من التجنّي و التحامل، و يكفي أن نعلم، كما صرّح هو في مقدّمته، أنه سأل نفطويه عنه فاستخفّ به لم يوثّقه في روايته!و كأن نفطويه شاهد عدل في هذه المسألة!أما شرب ابن دريد للخمر فيما صرّح الأزهري‏ (5) و فيما روي عنه‏ (6) ، فمبلغ الظن فيه «أنه كان يشرب النبيذ على

____________

(1) مروج الذهب 4/320.

(2) تهذيب اللغة 1/31.

(3) نفسه 1/31.

(4) نفسه 5/334-335.

(5) في التهذيب 1/31: «و دخلت عليه يوما فوجدته سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام، من غلبة السكر عليه» .

(6) في معجم الأدباء 18/131: «و قال أبو ذرّ الهروي: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: دخلت على ابن دريد فرأيته سكران فلم-

26

مذهب أهل العراق» ، كما يقول هارون‏ (1) ، و في المصادر القديمة روايات كثيرة تدلّ على صحة رواية ابن دريد و سعة حفظه، و هذا لا يتفق و ما ذكر عن سكره‏ (2) . و قد روى الخطيب البغدادي عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق قوله: «و كان أبو بكر واسع الحفظ جدا ما رأيت أحفظ منه؛ كان يقرأ عليه دواوين العرب كلّها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها و يحفظها، و ما رأيته قطّ قرى‏ء عليه ديوان شاعر إلاّ و هو يسابق إلى روايته لحفظه له» (3) . و نحن أميل إلى أن نردّ ما انفرد به ابن دريد من الألفاظ الرباعية و غيرها إلى سعة الحفظ و كثرة الأخذ عن العرب، و هذا يفسّر أيضا ما انفرد به من نقل للغات أزدية و يمانية. و إلى سعة الحفظ، نرى أن في تكرار ابن دريد في الجمهرة لعبارات من مثل: «لا أدري ما حقيقته» ، و «ليس بثبت» ، و «لا أحقّه» ، و «كذا زعموا» دليلا على تحرّي الضبط و تقصّي الصحّة. و من المواضع اللافتة في هذا الأمر قوله: «و لا تلتفتنّ إلى قول الراجز:

بصريةٍ تزوّجت بصريّا # يُطعمها المالح و الطريّا

فإنه مولّد لا يؤخذ بلغته» (ص 568) ؛ و قوله معلّقا على من ادّعى أن اشتقاق منشم من «من شمّ» : «و هذا هذيان» (ص 754) ؛ و عدم أخذه باشتقاق الظليم، أي الذّكر من النعام، من ظلم الأرض لأنه يدحّي في غير موضع يدحّى به (ص 934) !

و غاية القول إن الطعن على من وضع معجما كالجمهرة أمر له أكثر من داع، و لذلك لا ينبغي الأخذ به أخذ تسليم لما في المؤلّف نفسه من دلائل تنفي المطاعن، و لأنّ بإزاء من طعن شهادات لعلماء مدقّقين أنصفوا ابن دريد دون أن يكون لهم غرض في شهادتهم. يقول أبو الطيب: «فهو الذي انتهى إليه علم لغة البصريين، و كان أحفظ الناس و أوسعهم علما، و أقدرهم على شعر؛ و ما ازدحم العلم و الشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر و أبي بكر بن دريد» (4) .

و قد كان للجمهرة أثر بارز في التأليف المعجمي و اللغوي، و نستطيع أن نحدّد ثلاثة معالم لهذا الأثر، أولها ما تناقله عنه المصنّفون من الغريب (و إن كان صرّح في مقدمته بأنه اختار الجمهور من

____________

ق-أعد إليه» . و مثله في معجم الأدباء 18/130: «و قال أبو ذرّ عبد الله بن أحمد الهروي: سمعت ابن شاهين يقول: كنّا ندخل على ابن دريد و نستحيي منه لما نرى من العيدان المعلّقة، و الشراب المصفّى موضوع، و قد جاوز التسعين سنة» .

(1) مقدمة الاشتقاق 14.

(2) إلى هذا نجد في ابن دريد ورعا شديدا عندما تصادفه كلمة قرآنية أو معنى ديني. ففي اللات يقول إنه لا يحبّ الكلام على اشتقاقها (82؛ و قارن الاشتقاق 11 لاسم الجلالة) ؛ و في لفظة الخليل يقول: «و لا أزيد فيه شيئا لأنه في القرآن» (108) ؛ و في قوله تعالى: سُجِّرَتْ يقول: «و زعموا أنه من الأضداد، و لا أحبّ أن أتكلم فيه» (457) ؛ و في الرحيق يقول: «و خلّط فيه أبو عبيدة فلا أحبّ أن أتكلم فيه» (519) ؛ و في الرّوح يقول: «و أما الرّوح فلا ينبغي لأحد أن يقدم على تفسيره» (526) ؛ و في اللوح المحفوظ يقول: «فهذا ما لا نقف على كنه صفته و لا نستجيز الكلام فيه إلاّ التسليم للقرآن و اللغة. و الألواح في قصة موسى عليه السلام، و لا أقدم على القول فيه، و اللّه أعلم ما هي» (571) . و كذلك لا يحبّ أن يتكلم في الإثم (1036) ، و معنى المسيح (353) ، الخ.

(3) تاريخ بغداد 2/196.

(4) مراتب النحويين 136.

27

كلام العرب، لا الوحشيّ المستنكر) ؛ و ثانيها ما أخذوه عنه من عنايته بالمعرّب، حتى ليكاد يكون الجواليقي و من جاء بعده عالة عليه في جلّ ما صنّفوا؛ و ثالثها ما قبسوه عنه من اشتقاق الأعلام، و في الجمهرة عناية كبيرة بإيرادها و شرحها (1) . و كثير من كلام ابن دريد و شروحه منقول عنه مباشرة أو بالواسطة في المعجمات اللاحقة كلّها؛ فهذا ابن فارس مثلا يعدّه من الكتب الخمسة التي اعتمدها فيما استنبطه من مقاييس اللغة، «و ما بعد هذه الكتب فمحمول عليها و راجع إليها» (2) . و ليس أدلّ على أن مادة الجمهرة مبثوثة في المعجمات اللاحقة من أن ابن حجر العسقلاني أخطأ في عدّ المصادر التي اعتمد عليها ابن منظور، فقال: جمع فيه بين التهذيب و المحكم و الصحاح و الجمهرة» (3) ، فجعل الجمهرة واحدا منها. و نحن نعلم أنه ليس كذلك؛ غير أن كثرة النقول عن ابن دريد في مراجع ابن منظور أوحت لابن حجر بأن الجمهرة من مراجعه. و أعجب من هذا أن الزّبيدي، صاحب التاج، عدّ مصادر ابن منظور الخمسة و سدسها بذكر الجمهرة: «و لسان العرب... التزم فيه الصحاح و التهذيب و المحكم و النهاية و حواشي ابن برّي و الجمهرة لابن دريد» (4) .

____________

(1) و يبدو أن ابن دريد كان يؤلف الاشتقاق و الجمهرة في وقت واحد، لأن في كلّ إشارة إلى الآخر (انظر مقدّمة الاشتقاق 34 -35) . و من الملاحظ أن بعض إشارات ابن دريد في الجمهرة إلى الاشتقاق غير موجود في الاشتقاق، نحو المرض (752) ، و أروى (809) ، و مغازلة النساء (819) ، و زيفن (821) ، و العيبة (1025) . و مما لم يذكر هارون ما يقابله في الاشتقاق: النديم و الندمان (684) ، و القفيز (844) ، فقد ذكر ابن دريد الكلمتين الأوليين عرضا في الاشتقاق 58: «قال أبو عبيدة: رحمان فعلان من الرحمة، و رحيم فعيل منها، مثل ندمان و نديم» ، و ذكر القفيز عرضا أيضا في الاشتقاق 151: «فنظر إلى قفيزهم الذي يسمّى القنقل فقال: إنه لقباع، فلقّب بذلك» .

(2) مقدّمة المقاييس 1/5.

(3) الدرر الكامنة 4/263.

(4) مقدّمة التاج 1/3.

غ

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

تحقيق الكتاب‏

عند ما أقدمت على تحقيق جمهرة ابن دريد كنت أعلم أن التصدّي لمثل هذا المؤلّف عمل صعب، و إن كان قد فاتني تقدير مبلغ الصعوبة حقّ التقدير، و لا سيّما لأنني ألزمت نفسي بمنهج صارم في التحقيق و تخريج الشواهد و مقارنة المواد بنظائرها في المعجمات.

و قد طبعت الجمهرة في حيدر أباد الدّكن 1344-1351 في ثلاثة أجزاء بعناية الشيخ محمد السورتي و المستشرق الألماني فريتس كرنكو (سالم الكرنكوي) ، و ذيّلت بجزء رابع معظمه فهارس للألفاظ. و إن مجرّد نشر الجمهرة عمل جدير بالثناء و التقدير، غير أنه لا يخفى أن تلك النشرة لا تستكمل شروط التحقيق العلمي الدقيق، و أنها ليست لائقة بمكانة هذا المؤلّف في تاريخ التأليف المعجمي العربي. فنصّ المطبوعة ملي‏ء بالتحريف و أخطاء الضبط (و قد نبّه الدكتور حسين نصار إلى شي‏ء من هذا في كتابه) (1) ، و لا يغني عن ذلك شيئا ثبت الأخطاء في آخر الجزء الثاني. و إلى ذلك تكاد تلك النشرة تخلو خلوّا تامّا من تخريج الشواهد، و هذا عيبها الأكبر. ثم إن المحقق زاد في مواضع كثيرة أسماء الشعراء قبل الشاهد مباشرة فالتبس الأصل بالزيادة حتى ليظنّ القارى‏ء أن ابن دريد نصّ على نسبتها، و هو خلاف ما في النسخ. و لا يكفي لرفع اللبس هذا أن يضع المحقق خطا فاصلا ليدل على أنه مزيد (2) ! و الدليل أنك تجد في هوامش كتب التراث المحققة إشارات إلى نسبة ابن دريد لشواهده، و لا وجود للنسبة في النسخ في كثير من الأحيان.

أما فهارس المطبوعة، و إن كانت تيسّر الرجوع إلى الكتاب إلا أن القسم المتعلّق بالألفاظ منها مضخّم إلى أبعد الحدود، و ذلك أن صانعها لم يكتف بالإشارة إلى موضع ورود المادّة، بل ذكر موضع مشتقّاتها جميعا فأفضى ذلك إلى زيادة غير ذات فائدة لأن هذه المشتقّات، بغالبيتها العظمى، تأتي في موضع ورود الجذر، أو مواضع وروده، لا في موادّ أخرى. فمادة (عبر) مثلا جاءت في موضعين من

____________

(1) المعجم العربي: نشأته و تطوره، 433 مثلا.

(2) مقدمة المطبوعة 1/19.

30

المطبوعة هما 1/266 و 3/466، و كان يكفي القارى‏ء أن يذكر الموضعان في الفهارس، إذ لا حاجة إلى إثبات موضع كل لفظة (في حوالى 20 مدخلا) و كلها محصورة في هذين الموضعين. و إلى ذلك، فإن العيب الكبير الثاني في الفهارس عدم تضمّنها قسما للشواهد، و لا سيما الشعرية منها، علما أن حواشي الأجزاء الثلاثة الأولى تخلو تماما من أي تحويل إلى مواضع الشواهد المكررة، و ما أكثرها.

لهذا أيقنت أن من الواجب إعادة تحقيق يليق بها. و قد حاولت أن أستدرك كل العيوب التي وقعت في النشرة الأولى فأعفيت المتن من أسماء الشعراء إلاّ ما ورد منها في الأصول، خلافا للنشرة السابقة، و ضبطت النصّ ضبطا دقيقا ضمن قواعد ألزمت نفسي بها لتجي‏ء متّسقة إلى الغاية.

و أفرغت جهدي الأكبر في تخريج الشواهد الشعرية في مظانّها ليكون في الهوامش التي صنعتها غناء للباحث المدقّق، كما ذكرت في الحواشي المصادر التي استقى منها ابن دريد (كالعين للخليل، و مجاز القرآن لأبي عبيدة، و فعل و أفعل للأصمعي الخ) ، و أشرت إلى مظانّ كثير من المسائل الصوتية و الصرفية و النحوية و الأمثال و الأضداد الخ، كما علّقت على أصول بعض الكلمات التي ذكر ابن دريد أنها معرّبة و بيّنت صوابها. و إلى ذلك أثبتّ الخلافات بين النّسخ المعتمدة في التحقيق، و كنت أعتزم إفرادها بهامش خاصّ في كل صفحة، إلا أنني أدمجتها بالهوامش الأخرى لئلا ينشأ هامشان فاضطرّ إلى ترقيم السطور في جانبي الصفحة لتكون أساسا لأحد الهامشين، لأني أفدت من جانبي كل صفحة لأضع جذر المادة المشروحة في كل موضع.

و قد نحوت في الهوامش منحيين اثنين؛ ففي حين استوفيت ذكر مصادر التخريج، عمدت إلى التخفيف عن الهوامش بالاكتفاء بالضروري من خلافات النسخ دون النصّ على التقديم و التأخير بالنسبة للأصل، و إلا لاستغرق ذلك وحده هامشا برأسه. و رغم استيفاء مصادر التخريج، فقد خفّفت عن الهوامش باعتماد أربعة معجمات فحسب ألزمت نفسي بالإشارة إليها في جميع الحالات، و هي العين و المقاييس و الصحاح و اللسان، و لم أشر في التخريج إلى معجمات أخرى إلا نادرا و لضرورة ما، كأن يكون فيها تعليق مفيد، أو نسبة الشاهد إلى قائل آخر، أو أن تكون مصادر الشاهد الأخرى قليلة جدّا فاستحسنت النصّ على تلك المعجمات في تلك المواضع دون غيرها. و كذلك خفّفت عن الهوامش بالاكتفاء في تخريج الأبيات المأخوذة من المعلّقات بذكر موقعها في الديوان أو شرح المعلقات فحسب، و ذلك لشهرة هذه الأبيات. و رتّبت مصادر الشواهد ترتيبا تاريخيا، غير أني أخّرت ذكر المعجمات إلى ما بعد المصادر الأخرى لتكون على حدة، و فصلت بين المجموعتين بعلامة (؛ ) في حين أن العلامة (، ) تفصل بين المصادر في كل مجموعة. و كذلك التزمت بذكر المواضع التي ترد فيها الشواهد المكرّرة في الكتاب ليسهل بذلك الرجوع إليها، و لا سيما لأن هذه الشواهد تكون غالبا مكرّرة مع الموادّ التي ذكرت فيها فيكون ذكرها أوجب. و إلى ذلك أضفت أوزان الأبيات جميعا و وضعتها بين أقواس، كما أضفت إلى جانبي الصفحة جذر المادّة المشروحة (باستثناء الجذر الذي تقع تحته التقاليب، لأنه مذكور في رأس المادّة) ، ليسهل على القارى‏ء وجدان ضالّته، فإن كان في المادّة ذكر لما ليس من جذرها (كأن يذكر ابن دريد «آس» في «أسس» ، و «طحا» في «حطط» ) لم نلتزم ذكره في جانبي الصفحة، و اكتفينا

31

بالإشارة إليه في الهامش، فإن لم نشر إليه لشدّة جلائه، فهو في جميع الأحوال مذكور في فهارس الموادّ اللغويّة. و ننبّه إلى أننا لم نلتزم، في جانبي الصفحة، ذكر الرباعي في الموادّ الثلاثية (نحو «صنبر» في «صبر» ) ، ففي الفهارس ما يغني عن إثقال جانبي الصفحة بمثل هذا.

أما الفهارس فقد انتهجت فيها خطّة تجمع بين الاستيعاب و عدم التكرار، فباينت في ذلك فهارس المطبوعة، و ذلك أني اعتمدت أمرين، أولهما الاكتفاء في فهارس الألفاظ بمواضع ورود الموادّ لا مشتقّاتها، إلا إذا وردت إحدى مشتقاتها في غير بابها. و الواقع أن التحويلات الكثيرة في الهوامش على المتن أغنتني عن كثير من التكرار؛ و بذلك تحقّق لي (في الفهارس الخاصّة بالألفاظ) ألاّ تندّ عني لفظة واحدة دون أن يصل عدد صفحات فهارس الألفاظ وحدها إلى 734 كما في المطبوعة!و الأمر الثاني أني أضفت أنماطا جديدة من الفهارس الفنيّة، على رأسها فهارس الشعر و الرجز، و غيرها كثير. ثم زوّدت الفهارس بمقابلة بين صفحات تحقيقنا و صفحات النشرة الأولى.

أما النّسخ المعتمدة في هذا التحقيق فهي التالية:

1-النسخة المحفوظة في مكتبة ليدن تحت رقم Or 123a. و هذه النسخة في ثلاثة أجزاء، و هي التي جعلناها أصلا للتحقيق لأنها في غاية الصحة و تكاد تخلو من التحريف، و هي نسخة قديمة و كاملة، كما جاء في مقدمة المصحّح الثاني للمطبوعة، كرنكو (1) . و القسمان الثاني و الثالث من هذه النسخة برواية أبي سعيد السيرافي المتوفى سنة 368، و له تعليقات أثبتناها في الحواشي. و قد وصف كرنكو هذه النسخة، فأثبتنا صورة لما كتب بخطّه تجدها مع نماذج المخطوطة. و القسم الأخير من الجزء الأول لهذه النسخة (من الورقة 247 حتى الورقة 326؛ أي من مادة «تغف» حتى آخر حرف الجيم) مكتوب بخطّ مغاير لما قبله، و فيه بعض الخطأ. إلا أن سائر النسخة في غاية الصحة و الضبط. و في آخر النسخة:

«و فرغ من كتبه الفقير إلى اللّه تعالى محمد بن ميكائيل أحمد الموصلي رحمه اللّه، و ذلك في يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الآخرة من سنة أربع و أربعين و ستمائة» . و قد رمزنا لهذه النسخة بالحرف (ل) .

2-النسخة المحفوظة في المتحف البريطاني في لندن تحت رقم Or 1185. و هي ناقصة تنتهي في وسط مادة (خرس) ، فهي جزءان من السبعة الأجزاء الكاملة. و تقسم هذه النسخة، من حيث الخطّ، ثلاثة أقسام أولها مغربي قديم ينتهي في الورقة 166 (مادة رعرع) ، و الثاني عراقي ينتهي في الورقة 322 (مادة تعي) ، و الثالث يعود إلى القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس كما قدّره المصحّح الثاني للمطبوعة (ص 17) . و القسم الأول هو من رواية أبي علي القالي المتوفى سنة 356، و هو تلميذ ابن دريد، و أما القسم الثاني فأقل صحّة من القسمين الآخرين. و تمتاز هذه المخطوطة بأن روايتها أقصر من غيرها، و لا سيما في الشواهد الشعرية، و لكن فيها زيادات قليلة في بعض المواضع، و روايات مختلفة أفدنا منها و نبّهنا عليها. و رمز هذه النسخة (م) .

____________

(1) المقدمة 1/17.

32

3-قطعة صغيرة في المتحف البريطاني أيضا خطّها قديم، و قد وصفه المحقق الثاني للمطبوعة (1) بأنه «من عهد المؤلف» ، أي من القرن الرابع، و هذا ممكن. و على حواشي هذه القطعة تعليقات لغلام ثعلب، أبي عمر الزاهد المتوفى سنة 345. و قد أثبتنا هذه التعليقات في الهوامش. و تقع هذه القطعة في أواخر الكتاب، من «باب ما جاء على فعلّى» حتى أواسط «باب من النوادر في صفة النعل» (الصفحات 1227-1282) . و رمز هذه النسخة (ع) .

4-نسخة المكتبة الآصفية، و هي النسخة التي اعتمدت أصلا للمطبوعة. و هي من نسخة قرئت على ابن خالويه و أبي العلاء المعرّي، و لهما حواش عليها. و في هذه النسخة زيادات على سائر النسخ، و لا سيما في الشواهد الشعرية؛ فأنت تجد البيت الشاهد في ل م و تجد قبله أو بعده بيتا أو أكثر في هذه النسخة، و كأنها زيادات لاحقة من النسّاخ، و يرجع زمن الفراغ من كتابتها إلى 1078. و قد رمزنا إلى هذه النسخة بالحرف (ط) ، أي المطبوعة لأنها أصلها، و أثبتنا ما فيها من زيادات شعرية على النسخ الأخرى بين الحاصرتين‏[]لأنها قد تكون مزيدة على الأصل كما ألمحنا.

و بعد فإني أسجّل شكري لكل من أعانني على إنجاز هذا التحقيق، و لا سيما والدي، الأستاذ منير البعلبكي، الذي قرأ النصّ و أبدى عليه ملاحظات مفيدة و أعانني على حلّ كثير مما استغلق و أشكل.

و أشكر للدكتور K. Versteegh مساعدته لي في الحصول على نسخة الأصل، كما أشكر للأستاذ. J Kinnier-Wilson تلطّفه في الحصول على نسخة المعهد البريطاني. و لا يفوتني أن أشكر كذلك كلية الآداب و العلوم في الجامعة الأميركية ببيروت لدعمها هذا المشروع بمنحة سخيّة أعانت على تغطية بعض جوانب المرحلة السابقة على طبع الكتاب.

و اللّه المسؤول أن يتقبّل هذا العمل لوجهه خالصا رمزي منير بعلبكي الجامعة الأميركية في بيروت 17 حزيران 1987

____________

(1) المقدمة 1/18.

33

طريقة الكشف عن الكلمات‏

ذكرنا في المقدمة الأبواب التي ينقسم إليها الكتاب؛ و تسهيلا، نجعلها هنا أقلّ عددا و ذلك بذكر ملحقات كل باب مع ذلك الباب نفسه. فالكتاب يقع في خمسة أبواب رئيسية الأربعة الأولى منها للأبنية من الثنائي إلى الخماسي، و الخامس فصول في النوادر و الموضوعات المتفرقة؛ و قد وضعنا بعد ذلك فهارس مفصّلة.

على طالب الكلمة أن يحصر بحثه في الأبواب الأربعة الأولى لأن الباب الخامس من صنف معجم المعاني لا معجم الألفاظ، و بعد تحديد الباب تنظر الكلمة تحت الحرف الأسبق من جذرها ألفبائيا (مثلا: «سلب» تنظر في الباء، و «علم» في العين، و هكذا) لأن الكتاب قائم على نظام التقاليب.

و نضع هنا الهيكل العام للكتاب مع صفحات كل باب منه ليقتدى به عند الحاجة.

1-الثنائي الصحيح (53-172) ، و يلحق به الثنائي المكرّر، نحو بجبج (173 -225) ، فالمهموز و المعتلّ (226-251) .

2-الثلاثي الصحيح (252-998) ، و يلحق به ما كان فيه حرفان مثلان، نحو بلل و لبب (999-1014) ، و المعتلّ الوسط فالمهموز (1015-1109) .

3-الرباعي الصحيح (1110-1161) ، و يلحق به المعتلّ (1162-1183) .

4-الخماسي و ما لحق به (1184-1247) .

و الألفاظ الواردة في هذه الأبواب جميعا، مع الألفاظ الواردة في الباب الخامس، مفهرسة جميعا في آخر الكتاب فليرجع إلى ذلك القسم من الفهارس عند الحاجة؛ كما أن في هوامش التحقيق نفسها إحالات كثيرة إلى نصّ الجمهرة في مواضع تكرار اللفظ أو الشاهد أو المثل الخ.

34

اسكن

35

اسكن

36

اسكن

37

اسكن

38

اسكن

39

مقدّمة المؤلّف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* و به نستعين و صلواته على سيّدنا محمد و آله و سلامه قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد رحمه اللّه تعالى: الحمد للّه الحكيم بلا رويّة، الخبير بلا استفادة، الأول القديم بلا ابتداء، الباقي الدائم بلا انتهاء، منشى‏ء خلقه على إرادته، و مجريهم على مشيئته بلا استعانة إلى مؤزر و لا عوز إلى مؤيد، و لا اختلال إلى مدبّر و لا تكلفة (1) لغوب، و لا فترة كلال، و لا تفاوت صنعة، و لا تناقض فطرة، و لا إجالة فكرة، بل بالإتقان المحكم، و الأمر المبرم؛ حكمة جاوزت نهاية العقول البارعة، و قدرة لطفت عن إدراك الفطن الثاقبة. أحمده على آلائه، و هو الموفّق للحمد الموجب به المزيد، و أستوهبه رشدا إلى الصواب، و قصدا إلى السّداد، و عصمة من الزّيغ، و إيثارا للحكمة، و أعوذ به من العيّ و الحصر، و العجب و البطر، و أسأله أن يصلّي على محمد بشير رحمته و نذير عقابه.

قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد: إني لما رأيت زهد أهل هذا العصر في الأدب، و تثاقلهم عن الطلب، و عداوتهم لما يجهلون، و تضييعهم لما يعلّمون، و رأيت أكرم مواهب اللّه لعبده سعة في الفهم و سلطانا يملك به نفسه و لبّا يقمع به هواه، و رأيت ذا السنّ من أهل دهرنا لغلبة الغباوة عليه و ملكة الجهل لقياده‏ (2) ، مضيّعا لما استودعته الأيام مقصّرا في النظر فيما يجب عليه حتى كأنه ابن يومه و نتيج ساعته، و رأيت الناشى‏ء المستقبل ذا الكفاية و الجدّة مؤثرا للشهوات صادفا عن سبل الخيرات، حبوت العلم خزنا على معرفتي بفضل إذاعته و جلّلته سترا مع فرط بصيرتي بما في إظهاره من حسن الأحدوثة الباقية على الدهر، فعاشرت‏ (3) العقلاء كالمسترشد، و دامجت الجهّال كالغبيّ، نفاسة في العلم‏ (4) أن أبثّه في غير أهله أو أضعه حيث‏ (5) لا يعرف كنه قدره، حتى تناهت بي الحال إلى صحبة (6) أبي العبّاس

____________

(1) م: «و لا كلفة» .

(2) م: «و ملكة الجهل في يديه» .

(3) م: «و مارست» .

(4) م ط: «بالعلم» .

(5) ط: «و أضعه بحيث» .

(6) «صحبة» : سقط من ط.

غ

40

إسمعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال‏ (1) ، أيّده اللّه بتوفيقه، فعاشرت منه شهابا ذاكيا و سبّاقا (2) مبرّزا و حكيما متناهيا و عالما متقنا، يستنبط الحكمة بتعظيم أهلها، و يرتبط العلم بتقريب حملته، و يستجرّ الأدب بالبحث عن مظانّه، لم تطمح به خيلاء الملك و لم تستفزّه شرّة الشباب، فبذلت له مصون ما أكننت، و أبديت مستور ما أخفيت، و سمحت بما كنت به ضنينا، و مذلت بما كنت عليه شحيحا، إذ رأيت لسوق العلم عنده نفاقا و لأهله لديه مزيّة، و إنما يدّخر النفيس في أحرز أماكنه، و يودع الزرع أخيل البقاع للنفع، فارتجلت الكتاب المنسوب إلى جمهرة اللغة، و ابتدأت فيه بذكر الحروف المعجمة التي هي أصل تفرّع منه جميع كلام العرب، و عليها مدار تأليفه و إليها مآل أبنيته، و بها معرفة متقاربه من متباينه و منقاده من جامحه‏ (3) . و لم أجر في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا و لا الطعن على‏ (4) أسلافنا، و أنّى يكون ذلك؟و إنما على مثالهم نحتذي، و بسبلهم نقتدي، و على ما أصّلوا نبتني. و قد (5) ألّف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي، رضوان اللّه عليه، كتاب العين، فأتعب من تصدّى لغايته، و عنّى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، و المعاند متكلّف، و كلّ من بعده له تبع أقرّ بذلك أم جحد، و لكنه رحمه اللّه ألّف كتابه مشاكلا (6) لثقوب فهمه و ذكاء فطنته و حدّة أذهان أهل دهره.

و أملينا هذا الكتاب و النقص في الناس فاش و العجز لهم شامل، إلا خصائص كدراريّ النجوم في أطراف الأفق، فسهّلنا وعره‏ (7) و وطّأنا شأزه، و أجريناه على تأليف الحروف المعجمة إذ كانت بالقلوب أعبق‏ (8) و في الأسماع أنفذ، و كان علم العامّة بها كعلم الخاصة، و طالبها من هذه الجهة بعيدا من الحيرة مشفيا على المراد.

فمن نظر في كتابنا هذا فآثر التماس حرف ثنائيّ فليبدأ بالهمزة و الباء إن كان الثاني باء ثقيلة، أو الهمزة و التاء إن كان الثاني تاء، و كذلك إلى آخر الحروف. و أما الثلاثي فإنّا بدأنا بالسالم، فمن أحبّ أن يعرف حرفا من أبنيته مما جاء على فعل و فعل و فعل و فعل و فعل و فعل و فعل و فعل و فعل و فعل فليبغ ذلك في جمهور أبواب الثلاثي السالم. و من أراد بناء يلحق بالثلاثي بحرف من الحروف الزوائد فإنّا قد أفردنا له بابا في آخر الثلاثي تقف عليه إن شاء اللّه مع المعتلّ. فأما الرباعي فإن أبوابه مجمهرة على حدتها، نحو فعلل مثل جعفر، و فعلل مثل برثن، و فعلل مثل عظلم، و فعلل مثل هجرع، و فعلّ مثل سبطر (9) . ثم جعلنا ما لحق بالرباعي بحرف من الزوائد (10) أبوابا مثل فوعل نحو كوثر، و فعول نحو جهور، و فيعل نحو خيعل و بيطر، و فعيل‏ (11) نحو حذيم. و ليس في كلامهم فعيل إلا مصنوعا، كذا قال

____________

(1) ترجمته في معجم الأدباء 7/5، و الوافي بالوفيات 9/148. و في عبد اللّه و ابنه أبي العبّاس قال ابن دريد مقصورته.

(2) م ط: «و سابقا» .

(3) م: «متوحّشه» .

(4) م ط: «في» .

(5) من هنا ما نقله في المزهر 1/92.

(6) م ط: «مشكلا» .

(7) م: «فسهّلنا و عرفنا» ؛ و هو تحريف.

(8) م: «أعلق» .

(9) م: «قمطر» .

(10) ط: «من حروف الزوائد» .

(11) ط: «فيعل» !

41

الخليل‏ (1) ؛ فهذا سبيل الرباعي في الأسماء و الصفات. و أما الخماسي فنبوّب له أبوابا لم نحوج فيه إلى طلب لقرب تناولها، و كذلك الملحق بالسداسي بحرف من الزوائد. فإن عسر مطلب حرف من هذا فليطلب في اللفيف، فإنه يوجد إن شاء اللّه تعالى. و جمعنا النوادر في باب اشتمل عليها و سمّيناه النوادر لقلة ما جاء على وزن ألفاظها نحو قهوباة، و طوبالة، و قلنسوة (2) ، و قرعبلانة، و ما أشبه ذلك. على أنّا ألغينا المستنكر، و استعملنا المعروف. و اللّه الموفّق.

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* و هذا كتاب جمهرة الكلام و اللغة و معرفة جمل منها تؤدّي الناظر فيها إلى معظمها إن شاء اللّه تعالى.

قال أبو بكر: و إنما أعرناه هذا الاسم لأنّا اخترنا له الجمهور من كلام العرب و أرجأنا الوحشيّ المستنكر، و اللّه المرشد للصواب.

فأول ما يحتاج إليه الناظر في هذا الكتاب ليحيط علمه بمبلغ عدد أبنيتهم المستعملة و المهملة أن يعرف الحروف المعجمة التي هي قطب الكلام و محرنجمه بمخارجها و مدارجها و تباعدها و تقاربها و ما يأتلف منها و ما لا يأتلف، و علة امتناع ما امتنع من الائتلاف، و إمكان ما أمكن، و أنا مفسّر لك إن شاء اللّه تعالى ألفاظ الحروف المعجمة بمخارجها و مدارجها و تقاربها و تباعدها و ما يأتلف منها و ما لا يأتلف بعللها فتفهم ذلك إن شاء اللّه.

اعلم أن الحروف التي استعملتها العرب في كلامها في الأسماء و الأفعال و الحركات و الأصوات تسعة و عشرون حرفا (3) مرجعهنّ إلى ثمانية و عشرين حرفا، منها حرفان مختصّ بهما العرب دون الخلق، و هما الظاء و الحاء، و زعم آخرون أن الحاء في السريانية و العبرانية و الحبشية كثيرة، و أن الظاء وحدها مقصورة على العرب. و منها ستة أحرف للعرب و لقليل من العجم، و هنّ العين و الصاد و الضاد و القاف و الطاء و الثاء، و الباقي‏ (4) فللخلق كلّهم من العرب و العجم إلا الهمزة فإنها ليست‏ (5) من كلام العجم إلا في الابتداء. و هذه الحروف تزيد على هذا العدد إذا استعملت فيها حروف لا تتكلم بها العرب إلا ضرورة، فإذا اضطروا إليها حوّلوها عند التكلّم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها. فمن تلك الحروف الحرف

____________

(1) في العين 2/283: «ضهيد كلمة مولّدة لأنها على بناء فعيل، و ليس فعيل من بناء كلام العرب» . و ذكر هذا أيضا في العين 2/170 (هيع) ، و كذلك في الجمهرة 954. انظر أيضا الجمهرة 659 و 1168 و 1173. و انظر البلدان (صهيد) 3/436 و (ضهيد) 3/464. و في ليس لابن خالويه 293: «ليس في كلام العرب فعيل إلا حرفين؛ ضهيد: الرجل الصلب، و صهيد: موضع. و إنما يجي‏ء فيعل، الياء قبل العين، مثل صيقل و صيرف» .

(2) «قلنسوة» : سقطت من ط، و جاء في موضعها في م: «قرطعبة» .

(3) في الكتاب 2/404: «فأصل حروف العربية تسعة و عشرون حرفا... و تكون خمسة و ثلاثين حرفا بحروف هن فروع و أصلها من التسعة و العشرين و هي كثيرة يؤخذ بها و تستحسن في قراءة القرآن و الأشعار... و تكون اثنين و أربعين حرفا بحروف غير مستحسنة و لا كثيرة في لغة من ترتضى عربيته، و لا تستحسن في قراءة القرآن و لا في الشعر» .

(4) م ط: «و ما سوى ذلك» .

(5) م ط: «فإنها لم تأت» .

42

الذي بين الباء و الفاء، مثل پور إذا اضطرّوا إليه قالوا: فور (1) ، و مثل الحرف الذي بين القاف و الكاف و الجيم و الكاف‏ (2) ، و هي لغة سائرة في اليمن مثل جمل إذا اضطروا قالوا: كمل، بين الجيم و الكاف‏ (3) ، و مثل الحرف الذي بين الياء و الجيم و بين الياء و الشين مثل غلامي فإذا اضطرّوا قالوا غلامج، فإذا اضطر المتكلّم قال غلامش‏ (4) ، و كذلك ما أشبه هذا من الحروف المرغوب عنها. فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة (5) فتغلظ جدا، فيقولون للقوم: الكوم‏ (6) ، فتكون القاف بين الكاف و القاف و هذه لغة معروفة في بني تميم؛ قال الشاعر (بسيط) (7) :

و لا أكول لكدْر الكوم كد نضجت # و لا أكول لباب الدار مكفول‏

و كذلك الحرف الذي بين الياء و الجيم إذا اضطروا قالوا: غلامج أي غلامي‏ (8) ، و كذلك الياء المشدّدة تحوّل جيما فيقولون بصرجّ و كوفجّ كما قال الراجز (9) :

خالي عويف و أبو علجّ # المطعمان اللحم‏ (10) بالعشجّ

و بالغداة فلق البرنجّ‏

و كذلك ياء النسبة يجعلونها جيما فيقولون: غلامجّ، فإذا اضطروا قالوا: غلامش، فيجعلونها بين الشين و الجيم، و كذلك ما يشبه هذا من الحروف المرغوب عنها (11) ، و هذه اللغة تعرف في كاف مخاطبة المؤنث، يقولون: غلامش، أي غلامك يا امرأة، إذا خاطبوا المرأة؛ قال راجزهم‏ (12) :

[تضحك منّي أن رأتني أحترش‏]

____________

(1) قارن الصاحبي لابن فارس 54. و «پور» في الفارسية: ابن.

(2) «و الجيم و الكاف» : سقط من ل.

(3) «بين الجيم و الكاف» : سقط من ل.

(4) «و مثل الحرف... غلامش» : سقط من م.

(5) م ط: «بالكاف» .

(6) م ط: «فيقولون الگوم يريدون القوم» .

(7) البيت في ديوان أبي الأسود الدؤلي 353، و المنصف 3/60، و إصلاح المنطق 190، و الصاحبي 54، و الصحاح و اللسان (غلق) و (غلا) . و الرواية في الديوان و المصادر: مغلوق. و قد أثبتنا ألفاظه بالكاف على ما يقتضي الموضع و قوله: «فيقولون للقوم:

الكوم» ، و هو في م بالقاف و فوقها الكاف.

(8) «و قالوا... غلامي» : سقط من ل.

(9) الرجز في كتاب العين (كتل) 5/337، و سيبويه 2/288، و المنصف 2/178 و 3/79، و الصاحبي 55، و سرّ صناعة الإعراب 1/193، و الإبدال لأبي الطيّب 1/257، و أمالي القالي 2/77، و شرح المفصّل 9/74 و 10/50، و شرح شواهد الشافية 212، و الصحاح (برن) ، و اللسان (عجج، شجر، كتل، برن) . و سيرد مع رابع في الجمهرة 242؛ و هو في الأمالي برواية: عمّي، و في العين: المطعمون؛ و يروى أيضا: كتل البرنجّ، كما في العين و اللسان (كتل) .

(10) م: «الشحم» .

(11) «و كذلك ما يشبه... عنها» : سقط من ل.

(12) الأول و الثاني في الاشتقاق 257. و انظر: كتاب العين (عن) 1/91، و قارن (قنفرش) 5/266 و (كش) 5/269، و ملحقات أمالي الزجاجي 235، و الإبدال لأبي الطيّب 2/231، و شرح شواهد الشافية 419، و الخزانة 4/594، و اللسان (حرش، قنفرش، كشش) . و الأول برواية: قد ضحكت لمّا رأتني، في الاشتقاق.

43

و لو حرشت لكشفت عن حرش # عن واسع يغرق فيه القنفرش‏

أي عن حرك، فجعل كاف المخاطبة شينا. و أنشد أبو بكر لمجنون ليلى (طويل) (1) :

فعيناش عيناها و جيدش جيدها # سوى عنّ عظم الساق منش دقيق‏ (2)

أراد عيناك و جيدك و منك و أن، و إذا اضطر هذا الذي هذه لغته قال: جيدش و غلامش‏ (3) ، بين الجيم و الشين، لم يتهيّأ له أن يفرده، و كذلك ما أشبه هذا من الحروف المرغوب عنها (4) .

باب صفة الحروف و أجناسها

الحروف سبعة أجناس يجمعهنّ لقبان: المصمتة و المذلقة، فالمذلقة ستة أحرف، و المصمتة اثنان و عشرون حرفا ثلاثة منها معتلاّت و تسعة عشر حرفا صحاح‏ (5) . فمن المصمتة الصحاح حروف الحلق، و هي الهمزة و الهاء و الحاء و العين و الغين و الخاء مأخذهنّ من أقصى الحلق إلى أدناه. أما الهمزة منهن فمن مخرج أقصى الأصوات، و الهاء تليها و هي من موضع النّفس، و الحاء أرفع و هي أقرب حرف يليها، ألا ترى أنها في كلام كثير من الناس مغلوط بها حتى تصير الهاء حاء و الحاء هاء. قال رؤبة (رجز) (6) :

للّه درّ الغانيات المدّه # [سَبّحْنَ و استرجعن من تألّهي‏]

و يروى: المزّه‏ (7) ، أراد المزّح؛ و من روى المدّة أراد المدّح. و قال النّعمان بن المنذر لرجل ذكر عنده رجلا؛ أردت كيما تذيمه فمدهته، أراد: تعيبه فمدحته. و أنشدنا الأشناندانيّ عن التّوّزيّ عن أبي عبيدة لرجل من بني سعد، جاهلي (رجز) (8) :

حسبك‏ (9) بعض القول لا تمدّهي‏

____________

(1) ديوان المجنون 207، و الكامل 3/133، و الخصائص 2/460، و الإبدال لأبي الطيّب 2/231، و الخزانة 4/595، و اللسان (كشش، روع، سوق) . و سينشده أيضا في الجمهرة 292. و في الكامل: رقيق.

(2) م: «مدقّق» .

(3) ل: «قال و جيدك قال غلامش» .

(4) «المرغوب عنها» : سقط من ل.

(5) جعل ابن دريد القسمة الرئيسية للحروف قسمتها إلى مصمتة و مذلقة يقع تحتها الترتيب على المخارج، و هو غير ما في الكتاب 2/405، و كتاب العين 1/57.

(6) الرجز في كتاب العين (مده) 4/32 و (أله) 4/90، و الهمز لأبي زيد 702، و نوادر أبي مسحل 296، و الكامل 3/147، و الإبدال لأبي الطيّب 1/318، و الإبدال لابن السكّيت 91، و أمالي القالي 2/97، و الأزمنة و الأمكنة 1/126، و المخصّص 12/191 و 17/136، و السّمط 731، و الأمالي الشجرية 2/15، و شرح ابن يعيش 1/3؛ و من المعجمات: مقاييس اللغة (أله) 1/127، و الصحاح (أله) ، و اللسان (سبح، أله، سمه) . و سينشده ابن دريد أيضا ص 685 و 829.

(7) م: «و قالوا: المزّه، فمن قال المزّه بالزاي» ؛ و في ل: «و يروى المزّه، أراد المدّح و المزّح» .

(8) الإبدال لأبي الطيّب 1/316، و الصحاح و اللسان (برزغ) .

(9) م: «سعيك» .

44

غرّك برْزاغ الشّباب المزْدهي‏

يقال: شباب‏ (1) برزغ و برزاغ و برزوغ إذا تمّ. و الهمزة تدخل على الهاء كثيرا و تدخل الهاء عليها كقولهم أيهات و هيهات و آزيد و ها زيد في الدعاء. و العين تتلو الحاء في المدرج و الارتفاع، فلذلك قال قوم من العرب: محهم يريدون معهم، و إذا أدغم قيل محّم‏ (2) . و الخاء أرفع منها و هي تلي العين و الغين على مدرج الخاء إلا أنها أسفل منها (3) . فهذا جنس حروف الحلق.

و أما جنس حروف أقصى الفم من أسفل اللسان، فهن القاف و الكاف ثم الجيم ثم الشين، فلذلك لم تأتلف الكاف و القاف في كلمة واحدة إلا بحواجز: ليس في كلامهم قك و لا كق، و كذلك حالهما مع الجيم، ليس في كلامهم جك و لا كج‏ (4) . إلا أنها قد دخلت على الشين لتفشّي الشين و قربها من عكدة اللسان بل هي مجاوزة للعكدة إلى الفم، فقد جاء في كلامهم قشّ، و القشّ: مصدر قششت الشي‏ء أقشّه قشّا، إذا استوعبته؛ و يقال: قششت الشي‏ء بيدي قشّا، إذا حككته بيدك حتى يتحاتّ. و ألحقوا هذه الكلمة ببناء جعفر فقالوا: قشقش، و قالوا: تقشقشت القرحة، إذا جفّت و برأت. و كانت‏ قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ (5) و قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ (6) تسمّيان في صدر الإسلام: «المقشقشتين» ، لأنهما أبرأتا من النّفاق. و قد جمعوا بين الشين و الكاف فقالوا: شكّ في الأمر، و كشّ البعير إذا هدر هديرا خفيفا. قال رؤبة (رجز) (7) :

[إنّي إذا حمّشني تحميشي‏] # يوما وجدّ الأمر ذو تكميش‏]

هدرت هدرا ليس بالكشيش‏

و قد جمعوا بين الشين و الجيم في الشجّ و الجشّ.

جنس حروف وسط اللسان‏ (8) مما هو منخفض: السين و الزاي و الصاد.

جنس حروف أدنى الفم‏ (9) : و من جنس حروف أدنى الفم التاء و الطاء و الدال، و أدنى منها أيضا مما هو شاخص إلى الغار الأعلى: الظاء و الثاء و الذال و الضاد (10) .

____________

(1) ط: «شاب» .

(2) «و إذا... محّم» : سقط من ل.

(3) ترتيبها في كتاب العين 1/48 و 57: ع، ح، هـ، خ، غ. و في الكتاب 2/405 «فللحلق منها ثلاثة، فأقصاها مخرجا الهمزة و الهاء و الألف، و من أوسط الحلق مخرج العين و الحاء، و أدناها مخرجا من الفم الغين و الخاء» .

(4) في الاشتقاق 429: «و قلّ ما يجي‏ء في كلام العرب كلمة فيها جيم و قاف، إلا كلمات سبع أو ثمان» .

(5) الكافرون: 1.

(6) الإخلاص: 1.

(7) ديوانه 77، و المقاييس (حمش) 2/104، و الصحاح (كشش) ، و اللسان (حمش، كشش) ، و المخصّص 7/77. و سينشد الشطر الثالث ص 139.

(8) ل: «حروف اللسان» .

(9) ل م: «جنس أدنى الفم» .

(10) جعلها الخليل في حيّز الجيم و الشين (العين 1/58) .

غ

45

الحروف المذلقة

أما المذلقة من الحروف فهي ستة و لها جنسان: جنس الشفة، و هي الفاء و الميم و الباء؛ لا عمل للسان في هذه الأحرف الثلاثة، و إنما عملهنّ في التقاء الشفتين، و أسفلهن الفاء ثم الباء ثم الميم.

و الجنس الثاني من المذلقة بين أسلة اللسان إلى مقدّم الغار الأعلى، و هي: الراء و النون و اللام، و هنّ ممتزجات بصوت الغنّة لأن الغنّة صوت من أصوات الخيشوم، و الخيشوم مركّب فوق الغار الأعلى و إليه يسمو هذا الصوت‏ (1) . و سمعت الأشناندانيّ يقول: سمعت الأخفش يقول: سمّيت الحروف مذلقة لأن عملها في طرف اللسان، و طرف كل شي‏ء ذلقه، و هي أخفّ الحروف و أحسنها امتزاجا بغيرها، و سمّيت الأخر مصمتة لأنها أصمتت أن تختصّ بالبناء إذا كثرت حروفه لاعتياصها على اللسان. و أما الحرف التاسع و العشرون فجرس بلا صرف، يريد أنه ساكن لا يتصرّف في الإعراب، و هو الألف الساكنة، و ذلك أنه لا يكون إلا ساكنا أبدا، فمن أجل ذلك لم يبدأوا به، فإذا احتجت أن تحرّكه تحوّله إلى لفظ أحد الحروف المعتلاّت: الياء و الواو و الهمزة، فمن ثمّ لم يعدّ في الحروف المعجمة حين وجدوه راجعا إلى الثمانية و العشرين، فإن اللسان ممتنع من أن يبتدئ بساكن أو يقف على متحرّك، فإذا كانت كلمة أوّلها ألف صارت همزة لحركتها و انتقالها إلى حال الهمزة، فلذلك قالوا في الألف ما قالوا (2) . و من جنس الفم أيضا ما مخرجه إلى الهواء من الشفتين: الواو و الياء، و هما إلى الثنيّة اليمنى. و هذه جملة مخارج الحروف و أجناسها، و أنا مبيّن لك بعد هذا وجوه ائتلافها إن شاء اللّه. و قد فسّر النحويون مخارج الحروف و أجناسها تفسيرا آخر، و قد أثبتّه لك و إن كان فيه طول لتقف على ألقاب الحروف و مخارجها.

باب مخارج الحروف و أجناسها

ذكر قوم من النحويين أن هذه التسعة و العشرين حرفا لها ستة عشر مجرى، للحلق منها ثلاثة، فأقصاها الهاء و هي أخت الهمزة و الألف، و الثاني العين و الحاء، و الثالث، و هو أدناها إلى الفم، الغين و الخاء، فهذه ثلاثة مجار (3) . ثم حروف الفم، فأدناها إلى الحلق القاف ثم الكاف أسفل منها قليلا، ثم الجيم و الشين من اللهاة، و الياء من وسط اللسان بينه و بين ما حاذاه من الحنك الأعلى، ثم السين و الصاد و الزاي بجنب اللسان الأيمن من أصول الأضراس إلى أصول الثنايا العليا، ثم النون تحت حافة اللسان اليمنى‏ (4) ، و اللام قريبة من ذلك، و الراء (5) ، إلا أن الراء أدخل منه بطرف اللسان في الفم؛ ثم التاء و الدال و الطاء من طرف اللسان و أصول الثنايا، ثم الفاء و هي من باطن الشفة السفلى و أطراف الثنايا العليا، ثم الواو و الباء و الميم، و هي من بين الشفتين، ثم النون الخفيفة، و هي من الخياشيم لا عمل

____________

(1) في ل بعد هذا عبارة نرجّح أنها مقحمة على النصّ الأصلي: «الخيشوم: قال أبو بكر: الخيشوم الذي بين الفم و الأنف يخرج فيه النّفس، فسمّي الأنف كله خيشوما» .

(2) «فإن اللسان ممتنع... ما قالوا» : سقط من ل.

(3) «فهذه ثلاثة مجار» : سقط من ل.

(4) م ط: «تحت حافة اللسان من الشق الأيمن» .

(5) ط: «و الراء أدخل بطرف إلا أن... » !

46

للّسان فيها (1) ، ثم الظاء و الثاء و الذال، بطرف اللسان و أطراف الثنايا، ثم الضاد، من وسط اللسان مما يليه إلى الحافة اليمنى. و إنما خالف بين هذه الحروف المتقاربة حتى اختلفت أصواتها الهمس، و الجهر، و الشدة، و الرخاوة، و المدّ، و اللين، و الإطباق. فالحروف المهموسة: الهاء و الحاء و الكاف و الخاء و السين و الشين و الثاء و الصاد و التاء و الفاء؛ و إنما سمّيت مهموسة لأنه اتّسع لها المخرج فخرجت كأنها متفشّية.

و المجهورة: الهمزة و الألف و العين و الغين و القاف و الجيم و الياء و الضاد و اللام و النون و الراء و الزاي و الدال و الذال و الطاء و الظاء و الباء و الواو و الميم‏ (2) ؛ سمّيت مجهورة لأن مخرجها لم يتّسع فلم تسمع لها صوتا.

و الحروف الرّخوة: الهاء و الحاء و الكاف و الخاء و السين و الشين و العين و الغين‏ (3) و الصاد و الضاد و الظاء و الذال و الثاء و الفاء و الزاي؛ سمّيت رخوة لأنها تسترخي في المجاري.

و اعلم أن هذه الحروف ربما كانت مهموسة رخوة (4) و فيها بعض ما في غيرها فلذلك كرّرتها. و أما حروف المدّ و اللين فثلاثة لا غير: الواو و الياء و الألف، و إنما سمّيت ليّنة لأن الصوت يمتدّ فيها فيقع عليها الترنّم في القوافي و غير ذلك، و إنما احتملت المدّ لأنها سواكن اتّسعت مخارجها حتى جرى فيها الصوت.

و الحروف المطبقة: الصاد و الضاد و الطاء و الظاء لأنك إذا لفظت بها أطبقت عليها حتى تمنع النّفس أن يجري معها. و الحروف الشديدة: الطاء و الشين‏ (5) و الجيم و غير ذلك مما تقدر أن تشدّده إذا لفظت به.

فهذا جميع مجاري الحروف و مدارجها فانظر فيها نظرا غير كليل و أجل فيها فكرا ثاقبا تظفر بمرادك إن شاء اللّه. و إنما عرّفتك المجاري لتعرف ما يأتلف منها ممّا لا يأتلف فإذا جاءتك كلمة مبنيّة من حروف لا تؤلّف مثلها العرب عرفت موضع الدّخل منها فرددتها غير هائب لها.

و اعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت، لأنك إذا استعملت اللسان في حروف الحلق دون حروف الفم و دون حروف الذلاقة كلّفته جرسا واحدا و حركات مختلفة؛ ألا ترى أنك لو ألّفت بين الهمزة و الهاء و الحاء فأمكن لوجدت الهمزة تتحوّل هاء في بعض اللغات لقربها منها نحو قولهم في «أم و اللّه» : «هم و اللّه» (6) ، و كما قالوا في «أراق» : «هراق الماء» ؛ و لوجدت الحاء في بعض الألسنة تتحوّل هاء، و قد ذكرت هذا آنفا، و إذا تباعدت مخارج الحروف حسن وجه التأليف، و أنا واصف لك هذا في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و اعلم أنه لا يكاد يجي‏ء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لصعوبة ذلك عليهم، و أصعبها حروف الحلق، فأما حرفان فقد اجتمعا في كلمة مثل أخ بلا فاصلة، و اجتمعا في مثل أحد (7) و أهل و عهد (8) و نخع، غير أن من شأنهم إذا أرادوا هذا أن يبدأوا بالأقوى من الحرفين و يؤخّروا

____________

(1) زاد في م بعد هذا: «قال أبو بكر: الخيشوم: الخرق الذي بين الفم و الأنف، منه يخرج النّفس فسمّي الأنف كله خيشوما» .

(2) ط: «و الواو و الجيم» ؛ و هو تحريف لأن الثاني مكرّر.

(3) «و العين و الغين» : سقط من ل م.

(4) ل: «مهموسة رخوة و مهموسة» .

(5) ط: «و السين» .

(6) قارن الإبدال لأبي الطيّب 2/550.

(7) ل: «أخ و أحد» .

(8) و في مادة (عهد) في الجمهرة ص 668 «و اجتماع الهاء و العين في كلمة واحدة قليل في كلام العرب» .

47

الألين، كما قالوا: ورل و وتد، فبدأوا بالتاء على الدال و بالراء على اللام‏ (1) ، فذق التاء و الدال فإنك تجد التاء تنقطع بجرس قويّ و تجد الدال تنقطع بجرس ليّن، و كذلك الراء تنقطع بجرس قوي و تجد اللام تنقطع بغنّة، و يدلّك على ذلك أيضا أن اعتياص اللام على الألسن أقلّ من اعتياص الراء، و ذلك للين اللام، فافهم.

قال الخليل‏ (2) : لولا بحّة في الحاء لأشبهت العين فلذلك لم تأتلفا في كلمة واحدة و كذلك الهاء و لكنهما يجتمعان في كلمتين لكل واحدة منهما معنى على حدة (3) ، نحو قولهم: حيّ هل، و كقول الآخر:

هيهاؤه، و حيهله، فحيّ كلمة معناها هلمّ و هلا حثيثا، و كذلك

16- في الحديث : «فحيّ هلا بعمر»

. و قال الخليل: سمعنا كلمة شنعاء: الهعخع، فأنكرنا تأليفها (4) ؛ و سئل أعرابي عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهعخع، فسألنا الثقات من علمائهم‏ (5) فأنكروا ذلك و قالوا: نعرف الخعخع، فهذا أقرب إلى التأليف.

و اعلم أنه لا يستغني الناظر في هذا الكتاب عن معرفة الزوائد لأنها كثيرة الدخول في الأبنية قلّ ما يمتنع منها الرباعيّ و الخماسيّ و الملحق بالسداسي من البناء، فإذا عرفت مواقع الزوائد في الأبنية كان ذلك حريّا ألاّ تشذّ على الناظر فيها إن شاء اللّه تعالى. و الزوائد عند بعض النحويين عشرة أحرف و قال بعضهم تسعة؛ تجمع هذه العشرة الأحرف كلمتان، و هما (6) : «اليوم تنساه» ، و هذا عمله أبو عثمان المازني‏ (7) .

باب معرفة الزوائد و مواقعها

و هي الهمزة و الألف‏ (8) و الياء و الواو و الميم و النون و التاء و اللام و السين و الهاء. فزيادة الهمزة أن تقع أوّلا فيما عدده أربعة أحرف فصاعدا نحو: أسود و أحمر و أخضر و أصفر لأنها من السواد و الحمرة و الصّفرة و الخضرة، فإذا كانت الثلاثة كلّها من الحروف التي لا تكون زوائد و الهمزة أوّلا فلا يجوز إلا أن تكون زائدة، و إن كان معها غيرها من الحروف الزوائد لم يحكم على واحدة منها بالزيادة إلاّ بالاشتقاق. و الميم توضع زيادتها أوّلا في موضع الهمزة ممّا عدده أربعة أحرف فصاعدا، نحو مضروب و مقتول و مرميّ و مقضيّ و كذلك مستخرج و ما أشبهه، فإن وجدت حرفا من حروف الزوائد في غير موضعه لم تحكم عليه

____________

(1) م ط: «بالتاء مع الدال و بالراء مع اللام» .

(2) في كتاب العين 1/57: «و لولا بحّة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين، ثم الهاء، و لولا هتّة في الهاء، و قال مرة:

«ههّة» لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء» .

(3) العين 1/60: «إن العين لا تأتلف مع الحاء في كلمة واحدة لقرب مخرجيهما، إلاّ أن يشتقّ فعل من جمع بين كلمتين، مثل:

حيّ على» .

(4) العين 1/55: «... لمّا كان الهعخع، فيما ذكر بعضهم، اسما خاصا، و لم يكن بالمعروف عند أكثرهم و عند أهل البصر و العلم منهم، ردّ و لم يقبل» .

(5) ط: «علمائنا» .

(6) م ط: «و هي قوله» .

(7) انظر بيان ذلك في المنصف 1/98.

(8) ط: «و ألف» ؛ و هو تحريف.

48

بالزيادة إلاّ أن يوضحه الاشتقاق. و قد تزاد الميم آخرا في أحرف ستراها إن شاء اللّه و قد أفردنا لها بابا في آخر الكتاب‏ (1) . و محال أن تزاد الألف أوّلا لأنه لا يبتدأ بساكن، و الألف لا تكون إلا ساكنة، و لكن تزاد ثانية و ثالثة و رابعة و خامسة و سادسة، فهي ثانية في ضارب و قاتل، و ثالثة في ذهاب و كتاب، و رابعة في حبلى و معزى، و خامسة في حبنطى و حبركى، و الحبنطى: العظيم البطن، و الحبركى: القصير اليدين و الرجلين الطويل الظهر (2) ، و سادسة في قبعثرى.

و اعلم أن الألف و الياء و الواو أمّهات الزوائد لأنهن حروف المدّ و اللين و منهن الحركات فلا تخلو الكلمة من بعضهن في الخماسي و الملحق بالسداسي خاصّة و في كثير من الرباعي. و الواو لا تزاد أوّلا البتّة و لكن تزاد ثانية في كوثر، و ثالثة في عجوز، و رابعة في ترقوة، و خامسة في قلنسوة. و الياء تزاد أوّلا في يضرب و يرمع و يربوع، و ثانية في زينب و حيدر، و ثالثة في رغيف، و رابعة في قنديل، و خامسة في منجنيق، و لا تكون الواو و لا الياء أصلا في ذوات الأربعة إلا في شي‏ء من التكرير، و ستراه إن شاء اللّه.

و النون تزاد أوّلا في نضرب، و ثانية في جندب، و ثالثة في حبنطى و جحنفل، و رابعة في ضيفن و رعشن، و خامسة في عطشان و عثمان، و سادسة في زعفران و عقربان‏ (3) ؛ و تزاد علامة للصرف في كل اسم ينصرف، و تزاد في الأفعال ثقيلة و خفيفة، و تزاد في التثنية نحو قولك: مسلمان، و في الجمع نحو قولك:

مسلمون، و في أفعال جماعة النساء (4) نحو: يضربن و تضربن و ضربن. و التاء تزاد أوّلا في المذكر للمخاطب نحو: أنت تفعل للرجل و تفعلين للمرأة (5) ، و تلحق الأسماء المفردة و هي التي تبدل في الوقف هاء، نحو طلحة و حمزة، و هي في فعل المؤنث نحو ذهبت و أفسدت و انطلقت، و في جماعة النساء نحو ذاهبات و منطلقات، و تلحق في ملكوت و عنكبوت، و تلحق في باب افتعل، و تلحق مع السين في استفعل و ما تصرّف منه. و أما اللام فليست زيادتها موجودة إلا في أحرف نحو ذلك و أولالك و عبدل و خفجل و هو من الخفج و الخفج شبيه بالعرج. و جعلوا الهاء من حروف الزوائد لأنها تلحق في الوقف لبيان الحركة نحو قوله تبارك و تعالى: فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ (6) و نحو كِتََابِيَهْ* (7) و حِسََابِيَهْ* (8) ، و في إرمه، فإذا وصلت سقطت.

باب الأمثلة

اعلم أن الأمثلة التي أصّلها النحويون و اصطلح عليها أهل اللغة ثلاثية و رباعية و خماسية. فالثلاثية عشرة أمثلة، و هي فعل مثل سعد، و فعل مثل قفل، و فعل مثل جذع، و فعل مثل جمل، و فعل مثل طنب،

____________

(1) الجمهرة ص 1332.

(2) «و الحبنطى... الظهر» : سقط من ل.

(3) بفتح العين و الراء في ط!

(4) م: «جماعة النساء» ؛ ط: جماعة أفعال النساء!

(5) «نحو أنت... للمرأة» : سقط من ل؛ و فيه: للمخاطب بتفعل.

(6) الأنعام: 90.

(7) الحاقة: 19 و 25.

(8) الحاقة: 20 و 26.

غ

49

و فعل مثل إبل، و فعل مثل رجل، و فعل مثل فخذ، و فعل مثل جرذ، و فعل مثل ضلع. و في هذه الأمثلة سالم و معتلّ و ستراه إن شاء اللّه.

[و]الرباعية، و هي خمسة أمثلة، و قال الأخفش: هي ستّة: فعلل مثل جعفر، و فعلل مثل درهم، و فعلل مثل برثن، و فعلل مثل زبرج، و فعلّ مثل سبطر؛ و قال الأخفش: فعلل مثل جخدب. و أبى ذلك سائر النحويين، و قالوا جخدب. و قد لحق بالرباعي ما جاء على وزن فوعل، نحو كوثر، و فعول نحو جهور، و فيعل نحو صيقل، و فعيل نحو حذيم‏ (1) .

و الأمثلة الخماسية أربعة: فعلّل نحو سفرجل، و فعللل‏ (2) نحو قهبلس‏ (3) ، و فعلل نحو جردحل، و فعلّل نحو خزعبل، الخزعبل: اللهو و الخرافات و ما يضحك منه. قال أبو بكر: أخبرني أبو حاتم قال:

رأيت مع أم الهيثم أعرابية في وجهها صفرة فقلت: ما لك، قالت: كنت و حمى بدكة فحضرت مأدبة فأكلت خيزبة من فراص هلّعة (4) فاعترتني زلّخة، فضحكت أم الهيثم و قالت: إنك لذات خزعبلات أي لهو (5) . و أنشد (رجز) (6) :

كأنّ مَتْنَي أخذته زُلَّخْه # من طول جذبي بالفَرِيّ المِفْضَخَهْ‏

و اعلم أن أحسن الأبنية عندهم أن يبنوا بامتزاج الحروف المتباعدة؛ ألا ترى أنك لا تجد بناء رباعيا مصمت الحروف لا مزاج له من حروف الذّلاقة إلاّ بناء يجيئك بالسين، و هو قليل جدا، مثل عسجد، و ذلك أن السين ليّنة و جرسها من جوهر الغنّة فلذلك جاءت في هذا البناء.

فأما الخماسي مثل فرزدق و سفرجل و شمردل فإنك لست تجد واحدة إلا بحرف و حرفين من حروف الذلاقة من مخرج الشفتين أو أسلة اللسان، فإن جاءك بناء يخالف ما رسمته لك مثل دعشق و ضعثج و حضافج و صفعهج، أو مثل عقجش و شعفج، فإنه ليس من كلام العرب فاردده فإن قوما يفتعلون هذه الأسماء بالحروف المصمتة و لا يمزجونها بحروف الذلاقة (7) فلا تقبل ذلك كما لا يقبل من الشعر المستقيم الأجزاء إلا ما وافق أبنية (8) العرب من العروض الذي أسّس على شعر الجاهلية. فأما الثلاثي من الأسماء و الثنائي فقد يجوز بالحروف المصمتة بلا مزاج من حروف الذّلاقة مثل خدع، و هو حسن

____________

(1) كتب فوقه في ل: اسم رجل.

(2) ط: «فعلل» ؛ و هو تحريف.

(3) كتب فوقه في ل: تمرة عظيمة.

(4) ط: «صلعة» ؛ تحريف، و الهلّع الجدي، و الهلّعة العناق (اللسان، هلع) .

(5) قارن المزهر 2/539. و سيأتي الخبر ص 288 أيضا.

(6) الرجز في تهذيب الألفاظ 573، و المخصّص 12/18 و 181، و اللسان (زلخ، فضخ) . و سيرد أيضا ص 595 و 634 و فيهما:

كأن ظهري. و رواية المخصّص و اللسان (زلخ) : لمّا تمطّى، و رواية اللسان (فضخ) : ممّا تمطّى.

(7) هذا شبيه بقول الخليل في مقدّمة العين 1/53: «فإن النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللّبس و التعنيت» .

(8) م ط: «ما بنته» .

50

لفصل ما بين الخاء و العين بالدال، فإن قلبت الحروف قبح، فعلى هذا القياس فألّف ما جاءك منه و تدبّر فإنه أكثر من أن يحصى.

و اعلم أن أكثر الحروف استعمالا عند العرب الواو و الياء و الهمزة، و أقلّ ما يستعملون لثقلها (1) على ألسنتهم الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الخاء ثم العين‏ (2) ثم الغين ثم النون ثم اللام‏ (3) ثم الراء ثم الباء ثم الميم، فأخفّ هذه الحروف كلّها ما استعملته العرب في أصول أبنيتهم من الزوائد لاختلاف المعنى، و قد تقدم ذكرها و تفسير مواقعها. و مما يدلّك أنهم لا يؤلّفون‏ (4) الحروف المتقاربة المخارج أنه ربما لزمهم ذلك من كلمتين أو من حرف زائد فيحوّلون أحد الحرفين حتى يصيّروا الأقوى منهما مبتدأ على الكره منهم، و ربما فعلوا ذلك في البناء الأصلي.

فأما ما فعلوه من بنائين فمثل قوله تعالى جل ثناؤه: كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ (5) لا يبيّنون اللام و يبدلونها راء لأنه ليس في كلامهم لرّ، إلاّ أنهم قد قالوا: ورل، و هو دويبة صغيرة أصغر من الضبّ، و أرل، و هو جبل معروف، لمّا جاءت الهمزة و الواو قبل الراء. و أنشدوا (بسيط) (6) :

و هبّت الريحُ من تلقاء ذي أرُلٍ # تُزجي سحابا قليلاً ماؤُه شَبِما

فلما كان كذلك أبدلوا اللام فصارت مثل الراء. و مثله: اَلرَّحْمََنُ اَلرَّحِيمُ لا تستبين اللام عند الراء. و كذلك فعلهم فيما أدخل عليه حرف زائد و أبدل، فتاء الافتعال عند الطاء و الظاء و الزاي و الضاد (7) و أخواتها تحوّل إلى الحرف الذي يليه حتى يبدأوا بالأقوى فيصيرا (8) في لفظ واحد و قوة واحدة.

فأما ما فعلوه في بناء واحد و قوة واحدة فمثل السين عند القاف و الطاء يبدلونها صادا، لأن السين إذا اجتمعت في كلمة مع الطاء أو مع القاف أو مع الحاء فأنت مخيّر إن شئت جعلتها صادا و إن شئت جعلتها سينا، و ليس هذا في كل الكلام؛ قالوا: سراط و صراط، و سقر و صقر، و سبخة و صبخة، و سويق و صويق، و لم يقولوا الصّوق بدل السّوق، إلا أن يونس بن حبيب ذكر أنه سمع من العرب الصّوق بالصاد. و الغين إذا اجتمعت مع السين في كلمة فربما جعلوا السين صادا و الصاد سينا؛ قالوا: سوّغته و صوّغته، و قالوا: أصبغ اللّه عليه النّعمة و أسبغها، و لم يقولوا: سبغت الثوب في معنى صبغت لأن السين من وسط الفم مطمئنّة

____________

(1) ل: «لقلّتها» .

(2) «ثم العين» : سقط من م ط.

(3) «ثم اللام» : سقط من ل.

(4) ل: «يقولون» .

(5) المطفّفين: 14.

(6) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه 63. و انظر: كتاب العين (صرم) 7/121، و المقاييس (صرم) 3/345، و الصحاح (صرم) ، و اللسان (أرل، صرم) ، و معجم البلدان (أرل) 1/154. و سيأتي البيت أيضا ص 1068 برواية:

*تزجي مع الليل من صرّادها صرما*

و هي رواية الديوان. أما العجز الذي هنا فللبيت الذي يليه في الديوان.

(7) م ط: «و الصاد» .

(8) م: «أو يصيروا» ؛ ط: «فيصير» .

51

على ظهر اللسان، و القاف و الطاء شاخصتان إلى الغار الأعلى، فاستثقلوا أن يقع اللسان عليها ثم يرتفع إلى الطاء و القاف فأبدلوا السين صادا لأنها أقرب الحروف إليها لقرب المخرج‏ (1) ، و وجدوا الصاد أشد ارتفاعا و أقرب إلى القاف و الطاء، و إن كان استعمالهم اللسان في الصاد مع القاف أيسر من استعمالهم إياه مع السين، فمن ثمّ قالوا: صقر، و الأصل السين، و قالوا: قصط، و إنما هو قسط. و كذلك إن أدخلوا بين السين و الطاء و القاف حرفا حاجزا أو حرفين لم يكترثوا و توهّموا المجاورة في البناء فأبدلوا، ألا تراهم قالوا: صبط، و قالوا في السّبق: الصّبق، و قالوا في السّويق: الصّويق. و كذلك إذا جاورت الصاد الدال و الصاد متقدّمة، فإذا أسكنت الصاد ضعفت فيحوّلونها في بعض اللغات زايا، فإذا تحرّكت ردّوها إلى لفظها مثل قولهم: فلان يزدق في قوله‏ (2) ، فإذا قالوا: صدق قالوها بالصاد لتحرّكها، و قد قرئ: حتّى يزدر الرّعاء (3) ، بالزاي. فما جاءك من الحروف في البناء مغيّرا عن لفظه فلا يخلو من أن تكون علّته داخلة في بعض ما فسّرت لك من علل تقارب المخارج.

و اعلم أن الثلاثي أكثر ما يكون من الأبنية، فمن الثلاثي ما هو في الكتاب و في السمع على لفظ الثنائي و هو ثلاثي لأنه مبنيّ على ثلاثة أحرف: أوسطه ساكن و عينه و لامه حرفان مثلان، فأدغموا الساكن في المتحرّك فصار حرفا ثقيلا، و كلّ حرف ثقيل فهو يقوم مقام حرفين في وزن الشّعر و غيره.

____________

(1) «لقرب المخرج» : سقط من ل.

(2) م ط: «في كلامه» .

(3) القصص: 23، و قرئ بفتح الياء و ضمّها. و الزاي قراءة حمزة و الكسائي، و ذلك في اثني عشر موضعا من كتاب اللّه جاءت فيها الصاد ساكنة و بعدها الدال؛ انظر الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكّي بن أبي طالب 1/393.

غ

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

باب الثنائي الصحيح‏

1Lما جاء على بناء فَعْل و فُعْل و فِعْل من الأسماء و المصادر (1) . و الثنائي الصحيح لا يكون حرفين إلاّ و الثاني ثقيل حتى يصير ثلاثة أحرف: اللفظ ثنائي و المعنى ثلاثي.

و إنما سُمّي ثنائيا (2) للفظه و صُورته، فإذا صرتَ إلى المعنى و الحقيقة كان الحرفُ الأول أحدَ الحروف المعجمة و الثاني حرفين مثلين أحدهما مدغم في الآخر نحو: بَتَّ يَبُتُّ بَتًّا، في معنى قطع، و كان أصله بَتَتَ، فأدغموا التاء في التاء فقالوا:

بَتَّ، و أصل وزن الكلمة فَعَلَ، و هو ثلاثة أحرف، فلما مازجها الإدغام رجعتْ إلى حرفين في اللفظ، فقالوا: بَتَّ، فأُدغمت إحدى التائين في الأخرى؛ و كذلك كل ما أشبهها من الحروف المعجمة.

باب الألف‏

أ ب ب‏

أبب أبب
أَبٌّ ، و الأبّ : المَرْعى. قال اللّه عزَّ و جلَّ: وَ فََاكِهَةً وَ أَبًّا (3) . قال الشاعر (رمل) (4) :

جِذْمُنا قيسٌ و نجدٌ دارُنا # و لنا الأَبُّ بها و المَكْرَعُ‏

و كرع المَكْرَع : الذي تكرع فيه الماشية مثل ماء السماء؛ يقال:

كرع كَرَعَ في الماء، إذا غابت فيه كرع أكارعُه ؛ و كذلك نخل كرع كوارع ، 2Lإذا كانت أصولها في الماء (5) .

و أبَّ أبًّا للشي‏ء، إذا تهيّأ له أو همّ به. قال الأعشى (طويل) (6) :

[صَرَمْتُ و لم أصرِمكمُ و كصارمٍ‏] # أخٌ قد طوى كَشْحا و أَبَّ لِيذْهبا

و الأبّ : النِّزاع إلى الوطن. قال هشام بن عُقْبة أخو ذي الرُّمّة (بسيط) (7) :

و أبَّ ذو المَحْضَرِ البادي إبابتَهُ # و قَوَّضَتْ نِيَّةٌ أطنابَ تَخييمِ‏

قال أبو بكر: و كان الذي يجب في هذه الأبنية أن نسوق معكوسها فنجعله بابا واحدا، فكرهنا التطويل فجمعناه في باب الهمزة و ستراه إن شاء اللّه تعالى.

فأما أبو الأبُ ، الوالد، فناقص و ليس من هذا؛ قالوا: أَبٌ، فلما ثَنَّوا قالوا: أبو أَبَوان . و كذلك أخ و أَخَوان‏ (8) . و للناقص باب في آخر الكتاب مُجمل مفسَّر ستقف عليه إن شاء اللّه و به العون.

و أبَّ الرجلُ إلى سيفه، إذا ردّ يدَه إليه ليستلَّه.

____________

(1) «ما جاء... و المصادر» : سقط من ل.

(2) ل: «ثلاثيا» ؛ و هو خطأ.

(3) عبس: 31.

(4) المقاييس (أبّ) 1/6، و اللسان (أبب) . و فيهما: به.

(5) «و المكرع... الماء» : سقط من ل.

(6) ديوان الأعشى 115، و المعاني الكبير 854 و 1132، و المخصّص 12/36 و 15/127، و شرح شواهد الشافية 436؛ و من المعجمات: المقاييس (أب) 1/7 و (كشح) 5/183، و الصحاح (أبب) ، و اللسان (أبب، كشح) .

و سيكرر إنشاده ص 538.

(7) الشعر و الشعراء 441 (برواية: و آب... إيابته) ، و المقاييس (أبّ) 1/7، و اللسان (أبب) .

(8) «قالوا أب... و أخوان» : سقط من ل.

54

1L

أ ت ت‏

أتت أتت
أتَّه يَؤتُّهُ أَتًّا في بعض اللغات، مثل غَتَّهُ‏ (1) ، إذا غَتَّهُ بالكلام أو كَبَتَه بالحُجَّة.

أ ث ث‏

أثث أثث
أثَّ النبتُ يَئِثُّ و يَؤثّ أثًّا ، إذا كثر و التفّ؛ و يئثّ أكثر من يؤثّ .

و النبت أثيث ، و الشَّعَر أثيث أيضا.

و كل شي‏ء وطّأته و وثّرته من فراش أو بساط فقد أثَّثْتَه تأثيثا .

و الأثاث ، أثاث البيت، من هذا. قال الراجز في النبت‏ (2) :

يَخبِطْنَ منه نَبْتَهُ الأثيثا # حتّى ترى قائمَه جثث جَثِيثا

أي مجثوثا مقلوعا. و قال اللّه تبارك و تعالى: أَثََاثاً وَ رِءْياً (3) ؛ و قال أبو عبيدة: مَتاع‏ (4) البيت: و قال النُّميري الثَّقَفي-و إنما قيل له النُّميري لأن اسمه محمد بن عبد الله بن نُمير بن أبي نُمير (وافر) (5) :

أهاجَتْكَ‏ (6) الظعائنُ يومَ بانُوا # بذي الزِّيِّ الجَميلِ من الأثاثِ

و أحسب أن اشتقاق أُثاثة من هذا.

و قال رؤبة (رجز) (7) :

و مِن هَوايَ الرُّجَّحُ الأثائثُ # تُمِيلُها أعجازُها الأواعِثُ‏

الأثائث : الوثيرات الكثيرات اللحم.

و قد جمعوا أثيثة إثاثا ، و وثيرة وِثارا (8) ، و به سمَّي الرجل أثاثة (9) .

2L

أ ج ج‏

أجج أجج
أجَّ الظليم يَئجُّ ، و قالوا يَؤجّ أجًّا ، إذا سمعتَ حفيفَه في عَدْوه.

و كذلك: أجيج الكِير من حفيف النار. و قال الشاعر يصف ناقة (طويل) (10) :

فراحتْ و أطرافُ الصُّوَى محزَئلَّةٌ # تَئجُّ كما أَجَّ الظَّليمُ المفزَّعُ‏

و قال الآخر (متقارب) (11) :

كأنَّ تردُّدَ أنفاسِهِ # أجيجُ ضِرامٍ زَفَتْهُ الشَّمالُ‏

يصف فرسا واسع المَنْخِر.

و الماء الأُجَاج : المِلْح.

و يقال: سمعت أجَّةَ القوم، يعني حفيف مشيهم أو اختلاط كلامهم.

و أجَّ القومُ يَئجّون أجًّا ، إذا سمعتَ لهم حفيفا عند مشيهم.

و الأجّه : شدّة الحرّ.

و أجّة كل شي‏ء: أعظمه و أشدّه‏ (12) .

أ ح ح‏

أحح أحح
أحّ : حكاية تنحنح أو توجّع.

و أحَّ الرجلُ، إذا ردّد التنحنحَ في حلقه.

و سمعتُ لفُلان‏ (13) أُحَّةً و أُحاحا و أحيحا ، إذا رأيتَه يتوجّع من غيظ أو حزن. و في قلبه أُحاح و أحيح . و الأُحَّةُ أيضا كذلك.

و منه اشتقاق أُحَيْحَةَ (14) . قال الراجز (15) :

يَطْوي الحيازيمَ على أُحاحِ

و أُحَيْحَة : أحد رجالهم من الأوس، و هو أُحيحة بن الجُلاح الشاعر، كان رئيس القوم في الجاهلية (16) .

____________

(1) «في... غتَّه» : سقط من ل.

(2) المقاييس (أثّ) 1/8.

(3) مريم: 74.

(4) ل م: «قال أبو عبيدة: قال النّميري» .

(5) البيت مطلع قصيدة في الأغاني 6/27، و قد أنشده ابن دريد أيضا في الاشتقاق 86. و انظر: مجاز القرآن 1/365، و الكامل 2/239 و المقاييس (أث) 1/8، و الصحاح و اللسان (رأى) ، و معجم البلدان (نقب) 5/298. و في اللسان:

بذي الرِّئي.

(6) م ط: «أشاقتك» ؛ ثم قال: «و يروى أهاجتك» .

(7) ديوان رؤبة 29، و المقاييس (أث) 1/8 و (رجح) 2/489، و الصحاح (أثث، رجح) ، و اللسان (أثث، عثث، رجح) . و سينشدهما ابن دريد أيضا ص 437.

(8) ط: «أثيثة و إثاثا و وثيرة و وِثارا» !

(9) في الاشتقاق 86: «و أُثاثة فُعالة إمّا من أثَّ النبتُ يثثّ أثَّا إذا كثُفت أغصانُه، أو من أثاث البيت و هو متاعه من فَرْش أو غير ذلك» . و انظر أيضا: الاشتقاق 204.

(10) المقاييس 1/8 (أج) ، و الصحاح (أجج) ، و اللسان (أجج، حزل) . و في اللسان (حزل) : فمرّت و أطراف...

(11) المقاييس (أج) 1/9، و اللسان (أجج) ، و السمط 81.

(12) «و أجّ القوم... و أشدّه» : سقط من ل.

(13) ط: «بفلان» .

(14) قارن الاشتقاق 78 و 441.

(15) المقاييس (أح) 1/9، و اللسان (أحح) .

(16) «و أحيحة... الجاهلية» : سقط من ل.

55

1L

أ خ خ‏

أخخ أخخ
أخّ : كلمة تقال عند التأوّه، و أحسبها مُحْدَثَة.

فأما قولهم للجمل: إخْ ليبرك فمعروف، و لا يقولون:

أَخَخْتُ الجملَ، و إنما يقولون: أنَخْتُه.

و الأخُ اسمٌ ناقص. و زعم قوم أن بعض العرب يقولون: أخٌّ و أخَّةٌ ، مثقَّل، ذكره ابن الكلبي و لا أدري ما صحّة ذلك.

و الأخيخة : دقيق يُصبّ عليه ماء و يُبْرَق بزيت أو سمن و يُشرب و لا يكون إلاّ رقيقا؛ و معنى برق يُبْرَق : يُصَبّ؛ يقال:

برق بَرَقْتُ الزيتَ، أي صببته: قال الراجز (1) :

تَصْفِرُ في أعْظُمِهِ المَخيخَهْ # تَجَشُّؤَ الشَّيخِ عن الأَخيخَهْ

شبَّه صوتَ مصِّه العظامَ التي فيها المخُّ بجُشاءِ الشيخ لأنه مسترخي الحَنَك و اللَّهَوات فليس لجُشائه صوت.

و يقال: عظمٌ مَخِيخٌ‏ (2) ، و مُمِخٌّ، كما يقال مكانٌ جَدِيبٌ و مُجْدِبٌ.

أ د د

أدد أدد
أُدّ ، هو اسم رجل: أُدّ بن طابِخة بن الياسِ بن مُضَر.

و أحسب أنّ الهمزة في أُدّ واو لأنه من الودّ أي الحبّ، فقلبوا الواوَ همزةً لانضمامها، نحو: أُقِّتَتْ (3) و ورخ أُرِّخ الكتابُ؛ الأصل وُرِّخ و وُقِّتت. قال الشاعر (4) (كامل) :

أُدُّ بن طابخةٍ أبونا فانسبوا # يومَ الفَخار أبا كأُدٍّ تُنْفَروا

و الفِخار المصدر، و الفَخار الاسم‏ (5) . يقال: نَسَبَ يَنْسِبُ في الشعر إذا شبَّب به، و نَسَبَ يَنْسُبُ من النَّسَب. و تنفروا من قولهم: نافَرَ فلانٌ فلانا فنُفر فلانٌ عليه، إذا حُكم له بالغَلَبَة.

2Lو الإدُّ : الأمر (6) العظيم الفظيع. و في التنزيل العزيز: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (7) ، و اللّه أعلم بكتابه. قالت جارية من العرب (رجز) (8) :

يا أُمّتا ركبتُ شيئا إدّا (9) # رأيتُ مشبوحَ اليدَين‏ (10) نَهْدا

أبْيَضَ وَضّاحَ الجَبِينِ جَعْدا # فَنِلْتُ منه رَشَفا و بَرْدا

شبح مشبوح : عريض الساعدين و الذراعين، و منه قيل: شبح شَبَحَه ، إذا مدَّ يده فضربه، و منه انشبح‏ (11) الحِرْباءُ، إذا امتدّ.

و أنشد (12) :

لمّا رأيتُ الأمرَ أمرا إدّا # و لم أَجِدْ من الفِرار بُدّا

ملأتُ لحمي و عظامي شَدّا (13)

و الأَدُّ و الأيدُ و الآدُ : القوة. يقال: رجل ذو آدٍ و ذو أَدٍّ و ذو أيدٍ. قال الراجز (14) :

أَبْرَحَ آدُ الصَّلَتانِ آدا # إذ رَكِبَتْ أعوادُهم أعوادا

و في التنزيل: وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ (15) ، أي بقوة، و اللّه أعلم.

و قال الراجز في الأَدّ ، و هي القوّة (16) :

نَضَوْنَ عنّي شِرَّةً و أَدّا # من بعد ما كنتُ صُمُلاًّ نَهْدا (17)

و يقال: برح أبْرَحَ الرجلُ، إذا جاء بالداهية. و برح البُرَحاء : الأمر العظيم. قال الشاعر-الأعشى (متقارب) (18) :

____________

(1) المقاييس (أخ) 1/11، و اللسان (أخخ) ، و المخصّص 4/147. و في اللسان:

على الأخيخة.

(2) من (مخخ) . ل: «أخيخ» ؛ و لعله تحريف.

(3) المرسلات: 11.

(4) اللسان و التاج (أدد) .

(5) م: «و الفِخار بالكسر المصدر و الفَخار بالفتح الاسم» .

(6) م ط: «و الإدّ من الأمر... » .

(7) مريم: 89.

(8) عن ابن دريد في المقاييس (أد) 1/11، و في اللسان (أدد) .

(9) م ط و اللسان و المقاييس: «أمرا إدَّا» .

(10) م: «الذراعين» ؛ ط و اللسان: «الذراع» .

(11) م: «شبحَ» .

(12) الأوّل و الثاني، مع آخر، في الاقتضاب 127، و الأول فيه برواية: إني إذا ما الأمر كان جِدّا، و الثاني برواية: من اقتحامٍ بُدّا. و سينشد ابن دريد الأبيات الثلاثة ص 1087؛ و في الثالث: ملأت جلدي.

(13) «مشبوح... شدًّا» : سقط من ل.

(14) البيتان في الاشتقاق 168.

(15) الذاريات: 47.

(16) المقاييس (أد) 1/12، و الصحاح و اللسان (أدد) ، و المخصَّص 2/90. و في اللسان و المخصَّص: شِدَّة.

(17) «و قال الراجز... نهدا» : جاء في م في آخر المادة.

(18) ديوانه 49، و كتاب سيبويه 1/299، و نوادر أبي زيد 252، و السمط 388، و الخزانة 1/575؛ و من المعجمات: العين (برح) 3/216، و المقاييس (برح) 1/240، و الصحاح و اللسان (برح) . و سينشده ابن دريد أيضا ص 275 برواية: تقول ابنتي حين جدّ الرحيل، و هي كرواية الديوان.

56

1L

[أقولُ لها حينَ جَدَّ الرَّحيـ # لُ‏]أَبْرَحْتِ رَبًّا و أَبْرَحْتِ جارا

أعوادهم: أي وقع السهمُ على القوس فهي الأعواد على الأعواد (1) .

و أَدَّت الإبلُ تَئدُّ (2) أَدًّا ، إذا حنَّت إلى أوطانها فرجَّعت الحنينَ في أجوافها.

و أَدَّت الإبلُ تَئدُّ أَدًّا ، إذا نَدَّت‏ (3) .

أ ذ ذ

أذذ أذذ
إذ إذ : كلمةٌ لِما قد مضى، تقول: إذ إذ كان كذا أو كذا.

و ليست من الثلاثي لأنها حرفان، و لكنهم قد قالوا: أَذَّ يَؤذُّ أذًّا ، إذا قطع، مثل: هذذ هذَّ هذذ يَهُذُّ هذًّا، سواءٌ، فقلبوا الهاء همزةً.

و شفرةٌ هذذ هَذُوذٌ و أَذُوذٌ ، إذا كانت قاطعةً. و أنشدَنا أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضَّل (رجز) (4) :

يَؤُذُّ بالشفرةِ أيَّ أَذِّ # من قَمَعٍ و مَأْنَةٍ و فِلْذِ

فلذ الفِلذة : القطعة من الكبد، و قمع القَمَع ، طَرف السَّنام، و مأن المَأْنة :

بيت اللَّبن، و قالوا الشحم الذي في باطن الخاصرة (5) . قال الشاعر (وافر) (6) :

إذا استُهديتِ مِن لحم فأَهْدِي # مِن مأن المأناتِ أو طَرَفِ السَّنامِ

و لا تُهْدِي الأمرَّ و ما يَلِيه # و لا تُهْدِنَّ مَعْروقَ العظامِ‏

و فلذ الفِلْذ : القطعة من الكبد. قال الشاعر، و هو أعشى باهلة (بسيط) (7) :

2L

تكفيه حُزَّةُ فِلْذٍ إن أَلَمَّ بها # من الشِّواء و يُرْوي شُرْبَه الغُمَرُ

و غمر الغُمَر : قَدَحٌ صغير.

14- قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم :

«هَلُمُّوا غمر غُمَري » (8)

، و أُخذ من غمر التغمير و هو الشرب دون الرِّي.

أ ر ر

أرر أرر
أرَّ الرجلُ المرأةَ يَؤرُّها أرًّا ، إذا جامعها.

و الرجل مِئَرّ ، إذا كان كثير الجماع. قالت ليلى بنت الحُمارِس أو الأغلب العجلي (رجز) (9) :

بَلَّتْ به عُلابِطا مِئَرّا # ضَخْمَ الكَراديس وَأًى زِبِرّا

وأي الوَأَى : الشديد، و كذلك زبر الزِّبِرّ : الصلب الشديد، و أحسبه أيضا مِن زَبْرَ البئرِ و هو أن تطويَها بالحجارة، و هو فِعِلّ من زبرتُ البئرَ أزْبُرها زَبْرا و زِبِرًّا، بكسر الباء و الزاي. و علبط العُلابط :

العريض‏ (10) . مِئَرّ : مِفْعَل من أرَّ يؤرّ أرًّا ، و هو آرٌّ . و

16- في الحديث : «الفقير الذي لا زَبْرَ له»

، أي: لا معتمَدَ له.

أ ز ز

أزز أزز
أزَّ يؤزُّ أزًّا ، و الأزّ : الحركة الشديدة.

و أزَّتِ القِدْرُ، إذا اشتدّ غليانُها.

و في كتاب اللّه تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (11) .

و المصدر الأزّ و الأزيز و الأَزاز . قال رؤبة (رجز) (12) :

لا يَأخُذُ التأفيكُ و التَحَزّي # فينا و لا طَيْخُ العِدى ذو الأزِّ

أفك التأفيك من قولهم: أفك أَفِكَ الرجلُ عن الطريق، إذا ضلّ عنه.

و في القرآن العزيز: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (13) . قال: يُصرف

____________

(1) «و يقال أبرح... الأعواد» : سقط من ل.

(2) «تؤدّه» في الصحاح و اللسان؛ و الوجهان مذكوران في القاموس.

(3) زاد في م: «و أيّدت الرجل تأييدا إذا قوّيته و ثبّته، و كذلك أيّد فلان فلانا إذا أعانه و قوّاه» .

(4) المقاييس (أذ) 1/12، و اللسان (أذذ) .

(5) «بيت اللبن... الخاصرة» : سقط من م، و جاء في موضعه: «و المأنة التي تسمَّى اللبن و هي الأمعاء المتلاصقة بالشحم، و قال قوم: هي الحوايا، واحدها حَوِيّة» . و من قوله: «باطن الخاصرة» إلى آخر المادة: سقط من ل.

(6) الاشتقاق 23، و المقاييس (مأن) 5/292، و اللسان (مأن) 5/292، و اللسان (مأن) . و سينشدهما ابن دريد أيضا ص 1104 و في اللسان: إذا ما كنتِ مُهْديةً... أو قِطَع السَّنامِ.

(7) ديوان أعشى باهلة 268، و الاشتقاق 486، و الأصمعيات 91، و جمهرة أشعار العرب 137، و نوادر أبي مسحل 146، و إصلاح المنطق 4 و 85 و 285، و تهذيب الألفاظ 607، و المعاني الكبير 1109، و الكامل 1/356 و 4/65، و مختارات ابن الشجري 1/9، و الخزانة 1/96؛ و من المعجمات: العين (غمر) 4/416، و المقاييس (غمر) 4/394، و الصحاح (غمر) ، و اللسان (فلذ، غمر) . و سينشده ابن دريد أيضا ص 96 و 510 و 699 و 781. و في الاشتقاق: تُغنيه.

(8) سيجي‏ء أيضا ص 781.

(9) المقاييس (أرّ) 1/12، و اللسان (أرر) .

(10) م ط: «الغليظ الشديد» .

(11) مريم: 83.

(12) ديوانه ص 64، و اللسان (أزز، حزا) ، و في الديوان: و لا طبخ!و في اللسان (أزز) : و لا قول.

(13) الذاريات: 9.

غ