مقتل الحسين عليه السلام - ج2

- الخطيب الخوارزمي المزيد...
312 /
1

-

2

الجزء الثاني‏

قال الإمام الحسين يوم عاشوراء: «اللّهم احبس عنهم قطر السماء، و ابعث عليهم سنين كسني يوسف، و سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة؛ فلا يدع فيهم أحدا» .

3

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على أشرف المخلوقين محمّد، الذي كان نبيا و آدم بين الماء و الطين، و على عترته و ذريته أجمعين.

و بعد: فقد اتّفقت الرواة في «المسانيد» و «التواريخ» ، على أنّ مقتل الحسين عليه السّلام كان-يوم عاشوراء-العاشر من محرّم لسنة إحدى و ستين من الهجرة، و إن اختلفوا: أ كان يوم الجمعة أم يوم السبت؟فلنشر إلى فضل هذا اليوم و شرفه.

1-أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ ناصر السنة أبو القاسم منصور بن نوح الشهرستاني-بها وقت رجوعي من السفرة الحجازية، أعادها اللّه تعالى، غرّة شهر جمادي الآخرة سنة أربع و أربعين و خمسمائة هجرية-، أخبرنا شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا السيد أبو الحسين محمد بن الحسين بن داود العلوي-قراءة عليه-؛ و أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي -إملاء-، قالا: أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد

4

الرّحمن بن منيب، حدثنا حبيب بن محمد المروزي، حدثني أبي، عن إبراهيم بن الصانع، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من صام يوم عاشوراء كتبت له عبادة ستين سنة بصيامها و قيامها، و من صام يوم عاشوراء كتب له أجر سبع سماوات، و من أفطر عنده مؤمنا في يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد صلّى اللّه عليه و آله، و من أشبع جائعا في يوم عاشوراء رفعت له بكل شعرة في رأسه درجة في الجنة» .

فقال عمر: يا رسول اللّه!لقد فضلنا اللّه عز و جل في يوم عاشوراء.

فقال: «نعم، خلق اللّه السماوات في يوم عاشوراء، و خلق الكرسي في يوم عاشوراء، و خلق الجبال في يوم عاشوراء، و النجوم كمثله، و خلق القلم في يوم عاشوراء، و اللوح كمثله، و خلق جبرئيل عليه السّلام في يوم عاشوراء، و خلق الملائكة كمثله، و خلق آدم في يوم عاشوراء، و حواء كمثله، و خلق الجنة يوم عاشوراء، و أسكن آدم الجنّة في يوم عاشوراء، و ولد إبراهيم خليل الرحمن في يوم عاشوراء، و نجاه اللّه من النار في يوم عاشوراء، و فداه في يوم عاشوراء، و أغرق فرعون في يوم عاشوراء، و رفع إدريس في يوم عاشوراء، و كشف اللّه الكرب عن أيوب في يوم عاشوراء، و رفع عيسى بن مريم في يوم عاشوراء، و ولد في يوم عاشوراء، و تاب اللّه على آدم في يوم عاشوراء، و غفر ذنب داود في يوم عاشوراء، و أعطى سليمان ملكه في يوم عاشوراء، و ولد النبي صلّى اللّه عليه و آله في يوم عاشوراء، و استوى الرب على العرش في يوم عاشوراء، و تقوم القيامة في يوم عاشوراء» .

قال الشيخ القاضي أبو بكر: استوى من غير مماسة و لا حركة كما يليق بذاته.

و قال شيخ السنّة أبو بكر: هذا حديث منكر، و إسناده ضعيف، و في‏

5

متنه ما لا يستقيم، و هو ما روي فيه من خلق السماوات و الأرضين و الجبال كلّها في يوم عاشوراء، و اللّه يقول: اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ يونس/3، و من المحال أن تكون هذه الستّة كلّها يوم عاشوراء، فدلّ ذلك على ضعف هذا الخبر، و اللّه أعلم.

2-و بهذا الإسناد، عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو محمد عبد اللّه ابن يحيى السكري ببغداد، أخبرني إسماعيل بن محمد الصفار، حدثني أحمد بن منصور، حدثني عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، عن عبد اللّه بن يزيد، أنّه سمع ابن عباس يقول: ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يتحرى صيام يوم يلتمس فضله على غيره إلاّ هذا اليوم: يوم عاشوراء؛ و شهر رمضان.

3-قال: و في «المشاهير» ، عن أبي قتادة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة» .

4-و بهذا الإسناد، عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو الحسين علي ابن محمد الأشعراني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد اللّه-ببغداد-، حدثنا جعفر بن محمد، حدثني علي بن مهاجر البصري، حدثني الهيصم بن الشداخ الوراق، حدثني الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من وسع على عياله في يوم عاشوراء، وسع اللّه عليه في سائر سنته» .

و بهذا الإسناد، عن أبي سعيد الخدري مثله.

5-و أخبرنا الإمام سديد الدين محمد بن منصور بن علي المقري المعروف بالديواني-بمحلة « نصرآباد» بمدينة الري-، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين بن أحمد بن الحسين المعروف بالخلادي الطبري، أخبرني القاضي الإمام أبو النعمان عبد الملك بن محمد الهلافاني، أخبرني أبو العباس أحمد

6

ابن محمد الناطقي، أخبرني أحمد بن يونس، حدثني أبو الحسين عليّ بن الحسن الجامعي، حدثني محمد بن نوكرد القصراني، حدثني منجاب بن الحرث، أخبرني عليّ بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «يوم عاشوراء يوم تاب اللّه على آدم، و استوت سفينة نوح على الجودي يوم عاشوراء، و ردّ اللّه الملك على سليمان يوم عاشوراء، و فلق البحر لموسى يوم عاشوراء، و غرق فرعون و من معه يوم عاشوراء، و ردّ اللّه على يعقوب بصره يوم عاشوراء، و بعث زكريا رسولا يوم عاشوراء، و تاب اللّه على يونس يوم عاشوراء، و أخرج يونس من بطن الحوت يوم عاشوراء، و رفع اللّه إدريس مكانا عليا يوم عاشوراء، و كشف ضرّ أيوب يوم عاشوراء، و اخرج يوسف من الجب يوم عاشوراء، و كسا هارون قميص الحياء يوم عاشوراء، و ألهم يحيى الحكمة يوم عاشوراء، إن يوم عاشوراء سبعون عيدا فمن وسع على عياله فيه وسع اللّه عليه الى مثلها في السنة» .

6-و ذكر الحاكم: أن فاطمة عليها السّلام ولدت يوم عاشوراء، و أن الحسن و الحسين عليهما السّلام كذلك ولدا يوم عاشوراء.

و لما كانت لهذا اليوم فضيلة على غيره من الأيام، كانت فيه مصيبة آل الرسول كرامة لهم و فضيلة لجهادهم، ليكون ثوابهم أكثر، و درجاتهم أعلى و أنبل، و ليكون عقاب أعدائهم أعظم، و لعائن اللّه عليهم و على أتباعهم يوم القيامة أشد و أطول.

عدنا لحديثنا: و لما أصبح الحسين عليه السّلام يوم الجمعة عاشر محرّم-و في رواية: يوم السبت-عبأ أصحابه، و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا-و في رواية: اثنان و ثمانون راجلا-، فجعل على ميمنته زهير بن‏

7

القين، و على ميسرته حبيب بن مظاهر، و دفع اللواء إلى أخيه العباس بن عليّ، و ثبت عليه السّلام مع أهل بيته في القلب.

و عبأ عمر بن سعد أصحابه، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج، و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن، و ثبت هو في القلب، و كان جنده اثنين و عشرين ألفا، يزيد أو ينقص.

7-أخبرنا الإمام الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني-إجازة-، أخبرنا أبو عليّ الحداد، حدثنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سلمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، قال: لما نزل القوم بالحسين عليه السّلام، و أيقن أنهم قاتلوهم، قام في اصحابه خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:

«أما بعد-فإنّه نزل من الأمر ما ترون، ألا و إن الدّنيا قد تغيرت و تنكرت، و أدبر معروفها، و انشمرت‏ (1) ، و لم يبق فيها إلاّ كصبابة الإناء من خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أ لا ترون الحقّ لا يعمل به، و الباطل لا يتناهى عنه؟ليرغب المؤمن في لقاء ربه، و إني لا أرى الموت إلاّ سعادة، و العيش مع الظالمين إلاّ برما» .

8-و أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد، سيف الدين أبو جعفر محمد بن عمر الجمحي-كتابة-، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي، أخبرنا السيد الإمام النقيب علي بن محمد بن جعفر الحسني الأسترآبادي، حدّثنا السيد الإمام نقيب النقباء زين الإسلام أبو جعفر محمد ابن جعفر بن علي الحسيني، حدثنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين ابن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمّد بن القاسم بن الحسين

____________

(1) -انشمرت: تقلصت فلم تحلب.

8

ابن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني، حدثنا محمد بن عبد اللّه بن أيوب البجلي، حدثنا عليّ بن عبد العزيز العكبري، حدثنا الحسن بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن تميم بن ربيعة الرياحي، عن زيد بن علي، عن أبيه: «أنّ الحسين عليه السّلام خطب أصحابه، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أيها الناس خطّ الموت على بني آدم كمخطّ القلادة على جيد الفتاة، و ما أو لعني بالشوق إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، و إنّ لي مصرعا أنا لاقيه، كأني أنظر الى أوصالي تقطعها وحوش الفلوات، غبرا و عفرا قد ملأت مني أكراشها، رضى اللّه رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ليوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لحمته و عترته، و لن تفارقه أعضاؤه، و هي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بها عينه، و تنجز له فيهم عدّته» .

9-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرني أبي، أخبرني حمزة بن القاسم العلوي، حدثني بكر بن عبد اللّه بن حبيب، حدثني تميم ابن بهلول الضبي أبو محمد، أخبرني عبد اللّه بن الحسين بن تميم، حدثني محمد بن زكريا، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي، حدّثني عبد اللّه بن محمد بن سليمان بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد اللّه بن الحسن، قال: لما عبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليه السّلام، و رتبهم في مراتبهم، و أقام الرايات في مواضعها، و عبأ الحسين أصحابه في الميمنة و الميسرة، فأحاطوا بالحسين من كلّ جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، خرج الحسين من أصحابه حتى أتى النّاس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا، فقال لهم: «ويلكم، ما عليكم أن تنصتوا إليّ، فتسمعوا قولي، و إنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من‏

9

المرشدين، و من عصاني كان من المهلكين، و كلكم عاص لأمري، غير مستمع لقولي، قد انخزلت عطياتكم من الحرام، و ملئت بطونكم من الحرام، فطبع اللّه على قلوبكم، ويلكم أ لا تنصتون؟أ لا تسمعون» ؟

فتلاوم أصحاب عمر بن سعد، و قالوا: انصتوا له، فقال الحسين:

«تبا لكم أيتها الجماعة و ترحا، أ فحين استصرختمونا ولهين متحيرين، فأصرخناكم مؤدين مستعدين، سللتم علينا سيفا في رقابنا، و حششتم علينا نار الفتن التي جناها عدوكم و عدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم، و يدا عليهم لأعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، و لا أمل أصبح لكم فيهم، إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم، و خسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منا، و لا رأي تفيل‏ (1) لنا فهلاّ لكم الويلات إذ كرهتمونا تركتمونا، فتجهزتموها و السيف لم يشهر، و الجأش طامن، و الرأي لم يستحصف، و لكن أسرعتم علينا كطيرة الدبا، و تداعيتم إليها كتداعي الفراش، فقبحا لكم، فإنما أنتم من طواغيت الامة، و شذاذ الأحزاب، و نبذة الكتاب، و نفثة الشيطان، و عصبة الآثام، و محرّفي الكتاب، و مطفئي السنن، و قتلة أولاد الأنبياء، و مبيري عترة الأوصياء، و ملحقي العهار بالنسب، و مؤذي المؤمنين، و صراخ أئمة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، و أنتم ابن حرب و أشياعه تعتمدون، و إيانا تخذلون. أجل و اللّه، الخذل فيكم معروف، و شجت عليه عروقكم، و توارثته اصولكم و فروعكم، و نبتت عليه قلوبكم، و غشيت به صدوركم، فكنتم أخبث شي‏ء سنخا للناصب، و أكلة للغاصب، ألا لعنة اللّه على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا، فأنتم و اللّه هم، ألا إن الدعي بن

____________

(1) -تفيل: أخطأ.

10

الدعي، قد ركز بين اثنتين: بين القتلة و الذلة، و هيهات منا أخذ الدّنية، أبى اللّه ذلك و رسوله، و جدود طابت، و حجور طهرت، و انوف حمية، و نفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام، ألا إني قد أعذرت و أنذرت، ألا إني زاحف بهذه الاسرة على قلّة العتاد، و خذلة الأصحاب، ثم أنشد:

فإن نهزم فهزّامون قدما # و إن نهزم فغير مهزّمينا

و ما أن طبّنا جبن و لكن # منايانا و دولة آخرينا

أما إنه لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم دور الرحى، عهد عهده إليّ أبي، عن جدي‏ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ (1) فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاََ تُنْظِرُونِ، `إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اَللََّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ، مََا مِنْ دَابَّةٍ إِلاََّ هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

اللّهمّ!احبس عنهم قطر السماء، و ابعث عليهم سنين كسني يوسف، و سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة، فلا يدع فيهم أحدا، قتلة بقتلة، و ضربة بضربة، ينتقم لي و لأوليائي و أهل بيتي و أشياعي منهم، فإنهم غرونا و كذبونا و خذلونا، و أنت ربّنا، عليك توكلنا، و إليك أنبنا، و إليك المصير» .

ثم قال عليه السّلام: «أين عمر بن سعد؟ادعوا لي عمر» ، فدعي له و كان كارها لا يحب أن يأتيه، فقال: «يا عمر!أنت تقتلني، و تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري و جرجان؟و اللّه، لا تتهنأ بذلك أبدا، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا و لا آخرة، و كأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه الصبيان و يتخذونه غرضا

____________

(1) -اقتبس الآيات من سورتين، الأولى: يونس/71، و الثانية: هود/55.

11

بينهم» . فغضب عمر بن سعد من كلامه، ثمّ صرف وجهه عنه، و نادى بأصحابه: ما تنظرون به؟احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة.

ثم إن الحسين عليه السّلام دعا بفرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-المرتجز-، فركبه و عبأ أصحابه، و زحف عمر بن سعد فنادى غلامه دريدا: قدم رايتك يا دريد!ثمّ وضع سهمه في كبد قوسه، ثمّ رمى به و قال: اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى، فرمى أصحابه كلّهم بأجمعهم في أثره رشقة واحدة، فما بقي من أصحاب الحسين أحد إلاّ أصابه من رميتهم سهم.

و خرج يسار مولى زياد بن أبيه؛ و سالم مولى عبيد اللّه بن زياد، فقالا: من يبارزنا؟فخرج إليهما برير بن خضير؛ و حبيب بن مظاهر، فقال لهما الحسين: اجلسا. فقام عبد اللّه بن عمير الكلبي، فقال للحسين: ائذن لي أخرج!فرآه رجلا آدم طويلا، شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، فقال: «إني أراه للأقران قاتلا، أخرج إن شئت» ، فخرج إليهما فقالا له: من أنت؟فانتسب لهما، فقالا له: لا نعرفك، ليخرج إلينا-زهير ابن القين أو حبيب بن مظاهر-، و يسار أمام سالم، فقال له: يا ابن الزانية!أو لك رغبة عن مبارزة أحد، و ليس أحد من الناس إلاّ و هو خير منك؟ثم حمل عليه فضربه حتى سكت، و أنّه لمشتغل به يضربه بسيفه، إذ شدّ عليه سالم، فصاح به أصحابه: العبد قد دهاك، فلم يلتفت إليه حتى جاء سالم و بدره بضربة، فاتقاها الكلبي بيده، فأطار أصابع كفّه، ثم مال عليه الكلبي فقتله، ثمّ قتل بعد ذلك.

قال أبو مخنف: فلما رموهم هذه الرمية قلّ أصحاب الحسين عليه السّلام، فبقي في هؤلاء القوم الذين يذكرون في المبارزة، و قد قتل منهم ما ينيف على خمسين رجلا، فعندها ضرب الحسين عليه السّلام بيده إلى لحيته، فقال: هذه

12

رسل القوم-يعني السهام-، ثمّ قال: «اشتدّ غضب اللّه على اليهود و النصارى إذ جعلوا له ولدا، و اشتدّ غضب اللّه على المجوس إذ عبدت الشمس و القمر و النّار من دونه، و اشتدّ غضب اللّه على قوم اتّفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيهم، و اللّه، لا أجيبهم إلى شي‏ء مما يريدونه أبدا، حتى ألقى اللّه و أنا مخضب بدمي» ثم صاح عليه السّلام: «أ ما من مغيث يغيثنا لوجه اللّه تعالى؟أ ما من ذاب يذبّ عن حرم رسول اللّه» ؟

فلمّا سمع الحر بن يزيد هذا الكلام، اضطرب قلبه، و دمعت عيناه، فخرج باكيا متضرعا، مع غلام له تركي، و كان كيفية انتقاله الى الحسين، أنّه لما سمع هذا الكلام من الحسين أتى إلى عمر بن سعد، فقال له: أ مقاتل أنت هذا الرجل؟قال: إي و اللّه!قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس، و تطيح الأيدي، فقال: أ ما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟ فقال: و اللّه، لو كان الأمر إليّ لفعلت، و لكن أميرك قد أبى ذلك.

فأقبل الحر حتى وقف عن النّاس جانبا و معه رجل من قومه، يقال له:

قرّة بن قيس، فقال له: يا قرة!هل سقيت فرسك اليوم ماء؟قال: لا. قال:

أ ما تريد أن تسقيه؟قال قرّة: فظننت، و اللّه، أنّه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، و يكره أن أراه يصنع ذلك مخافة أن أرفع عليه، فقلت له: لم أسقيه و أنا منطلق فأسقيه.

قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه و اللّه لو أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين، فأخذ يدنو قليلا قليلا، فقال له رجل من قومه: يا أبا يزيد!إنّ أمرك لمريب، فما الذي تريد؟قال: و اللّه، إني اخير نفسي بين الجنّة و النار، و و اللّه، لا أختار على الجنّة شيئا و لو قطعت و حرقت.

13

ثم ضرب فرسه، و لحق بالحسين مع غلامه التركي، فقال: يا ابن رسول اللّه!جعلني اللّه فداك، إني صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، و سايرتك في الطريق، و جعجعت بك في هذا المكان، و اللّه الذي لا إله إلاّ هو، ما ظننت القوم يردون عليك ما عرضت عليهم، و لا يبلغون بك هذه المنزلة، و إني لو سوّلت لي نفسي أنهم يقتلونك ما ركبت هذا منك، و إني قد جئتك تائبا إلى ربي مما كان مني، و مواسيك بنفسي حتى أموت بين يديك، أ فترى ذلك لي توبة؟

قال: «نعم، يتوب اللّه عليك و يغفر لك، ما اسمك» ؟قال: أنا الحرّ، قال: «أنت الحر كما سمتك امك، أنت الحرّ في الدنيا و الآخرة؛ انزل» ، فقال: أنا لك فارسا خير مني لك راجلا، اقاتلهم على فرسي ساعة، و إلى النزول ما يصير أمري. ثم قال: يا ابن رسول اللّه!كنت أوّل خارج عليك، فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك، فلعلي أن أكون ممن يصافح جدّك محمدا غدا في القيامة. فقال له الحسين عليه السّلام: «إن شئت فأنت ممن تاب اللّه عليه، و هو التواب الرحيم» ، فكان أول من تقدّم إلى براز القوم، الحرّ بن يزيد الرياحي، فأنشد في برازه:

إني أنا الحرّ و مأوى الضيف # أضرب في أعناقكم بالسيف‏

عن خير من حلّ بوادي الخيف # أضربكم و لا أرى من حيف‏

و روي: أنّ الحر لما لحق بالحسين عليه السّلام، قال رجل من بني تميم، يقال له يزيد بن سفيان: أما و اللّه، لو لقيت الحر حين خرج لأتبعته السنان، فبينا هو يقاتل، و إنّ فرسه لمضروب على اذنيه و حاجبه، و إن الدماء لتسيل، إذ قال الحصين بن نمير: يا يزيد!هذا الحرّ الذي كنت تتمناه، فهل لك به؟قال:

نعم، و خرج إليه، فما لبث الحرّ أن قتله و قتل أربعين فارسا و راجلا، و لم‏

14

يزل يقاتل حتى عرقب فرسه، و بقي راجلا، فجعل يقاتل و هو يقول:

إن تعقروا بي فأنا ابن الحرّ # أشجع من ذي لبدة هزبر

و لست بالخوار عند الكرّ # لكنّني الثابت عند الفرّ

ثمّ لم يزل يقاتل حتى قتل، فاحتمله أصحاب الحسين عليه السّلام حتى وضعوه بين يدي الحسين و به رمق، فجعل الحسين يمسح التراب عن وجهه، و هو يقول له: «أنت الحرّ كما سمّتك به امك، أنت الحرّ في الدّنيا، و أنت الحرّ في الآخرة» . ثمّ رثاه بعض أصحاب الحسين.

و قال الحاكم الجشمي: بل رثاه علي بن الحسين عليه السّلام بقوله:

لنعم الحر حرّ بني رياح # صبور عند مشتبك الرماح‏

و نعم الحر إذ نادى حسين # فجاد بنفسه عند الصباح‏

و روي: أنّه كان ينشد عند مكافحته:

آليت لا اقتل حتى اقتلا # و لا اصاب اليوم إلاّ مقبلا

أضربهم بالسيف ضربا معضلا # لا ناكلا فيهم و لا مهللا

قال: ثمّ برز من بعده برير بن خضير الهمداني، و هو يقول:

أنا برير و فتى خضير # أضربكم و لا أرى من ضير

يعرف في الخير أهل الخير # كذاك فعل الخير من برير

و كان برير من عباد اللّه الصالحين، فحمل و قاتل قتالا شديدا، و جعل ينادي فيهم: اقتربوا مني، يا قتلة المؤمنين!اقتربوا مني، يا قتلة أولاد البدريين!اقتربوا مني، يا قتلة عترة خير المرسلين!فبرز إليه رجل يقال له:

يزيد بن معقل، فقال لبرير: أشهد أنّك من المضلّين، فقال له برير: هلم، فلندع اللّه أن يلعن الكاذب منّا، و أن يقتل المحق منا المبطل.

فخرجا، و دعوا اللّه تعالى في ذلك، و تبارزا فضرب يزيد بريرا ضربة

15

خفيفة لم تضرّه، و ضرب برير يزيدا ضربة قدّت المغفر، و وصلت إلى دماغه، فسقط قتيلا، فحمل بجير بن أوس الضبي على برير، و هو مشغول بيزيد، فقتله، ثمّ جال في ميدان الحرب، و هو يقول:

سلي تخبري عنّي و أنت ذميمة # غداة حسين و الرماح شوارع‏

أ لم آت أقصى ما كرهت و لم يحل # غداة الوغى و الروع ما أنا صانع‏

معي يزني لم تخنه كعوبه # و أبيض مشحوذ الغرارين قاطع‏

فجرّدته في عصبة ليس دينهم # كديني و إني بعد ذاك لقانع‏

و قد صبروا للطعن و الضرب حسرا # و قد جالدوا لو أنّ ذلك نافع‏

فأبلغ عبيد اللّه إما لقيته # بأني مطيع للخليفة سامع‏

قتلت بريرا ثم جللت نعمة # غداة الوغى لما دعا من يقارع‏

ثم إنه ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد اللّه الصالحين، ثم جاءه ابن عم له يقال له: عبيد اللّه بن جابر، فقال له: ويلك، يا بجير!أ قتلت برير بن خضير؟بأي وجه تلقى ربك غدا؟فندم و قال:

فلو شاء ربّي ما شهدت قتالهم # و لا جعل النعماء عند ابن جابر

لقد كان ذاك اليوم عارا و سبّة # تعير به الأبناء عند المعاشر

فيا ليت أني كنت في الرّحم حيضة # و يوم حسين كنت في رمس قابر

و يا سوأتي ما ذا أقول لخالقي؟ # و ما حجّتي يوم الحساب القماطر؟

قال: ثمّ خرج وهب بن عبد اللّه بن جناب الكلبي، و كانت معه أمه، فقالت له: قم يا بني!فانصر ابن بنت رسول اللّه، فقال: أفعل، يا اماه!و لا اقصر إن شاء اللّه، ثم برز، و هو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن الكلبي # سوف تروني و ترون ضربي‏

و حملتي و صولتي في الحرب # أدرك ثاري بعد ثأر صحبي‏

و أدفع الكرب بيوم الكرب # فما جلادي في الوغى للعب‏

16

ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل جماعة، فرجع إلى أمه و امرأته فوقف عليهما، فقال: يا اماه!أرضيت عني؟فقالت: ما رضيت، أو تقتل بين يدي ابن بنت رسول اللّه، فقالت له امرأته: أسألك باللّه أن لا تفجعني بنفسك، فقالت له امّه: لا تسمع قولها، و ارجع فقاتل بين يدي ابن بنت رسول اللّه ليكون غدا شفيعك عند ربّك. فتقدّم و هو يقول:

إني زعيم لك أمّ وهب # بالطعن فيهم تارة و الضرب‏

فعل غلام مؤمن بالرب # حتى يذيق القوم مرّ الحرب‏

إني امرؤ ذو مرّة و عصب # و لست بالخوار عند النكب‏

حسبي بنفسي من عليم حسبي # إذا انتميت في كرام العرب‏

و لم يزل يقاتل حتى قطعت يمينه، فلم يبال، و جعل يقاتل حتى قطعت شماله، ثمّ قتل، فجاءت إليه أمه تمسح الدّم عن وجهه، فأبصرها شمر بن ذي الجوشن، فأمر غلاما له فضربها بالعمود حتى شدخها و قتلها، فهي أوّل امرأة قتلت في حرب الحسين عليه السّلام.

و ذكر مجد الأئمة السرخسكي، عن أبي عبد اللّه الحدّاد: أن وهب بن عبد اللّه هذا، كان نصرانيا، فأسلم هو و أمه على يد الحسين عليه السّلام، و أنّه قتل في المبارزة أربعة و عشرين رجلا، و اثني عشر فارسا، فاخذ أسيرا، و اتي به عمر بن سعد، فقال له: ما أشدّ صولتك!ثم أمر فضرب عنقه، و رمي برأسه إلى عسكر الحسين، فأخذت أمه الرأس فقبلته، ثم شدّت بعمود الفسطاط، فقتلت به رجلين، فقال لها الحسين: «ارجعي أمّ وهب!فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء» . فرجعت، و هي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين: «لا يقطع اللّه رجاك، يا أمّ وهب!، أنت و ولدك مع رسول اللّه و ذريته في الجنّة» .

17

قال: ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي، و هو يقول:

اليوم يا نفس إلى الرحمن # تمضين بالروح و بالريحان‏

اليوم تجزين على الإحسان # قد كان منك غابر الزمان‏

ما خط باللوح لدى الديّان # فاليوم زال ذاك بالغفران‏

لا تجزعي فكلّ حيّ فان # و الصبر أحظى لك بالأمان‏

فقاتل حتى قتل، ثمّ تقدم ابنه خالد بن عمرو بن خالد الأزدي، و هو يقول:

صبرا على الموت بني قحطان # كيما نكون في رضى الرّحمن‏

ذي المجد و العزّة و البرهان # يا أبتا قد صرت في الجنان‏

ثم حمل فقاتل حتّى قتل، ثم خرج من بعده سعد بن حنظلة التميمي و هو يقول:

صبرا على الأسياف و الأسنّة # صبرا عليها لدخول الجنّه‏

و حور عين ناعمات هنّه # لمن يريد الفوز لا بالظنّه‏

يا نفس للراحة فاطرحنّه # و في طلاب الخير فارغبنّه‏

ثم حمل و قاتل قتالا شديدا فقتل، ثم خرج من بعده عمير بن عبد اللّه المذحجي، و هو يقول:

قد علمت سعد و حي مذحج # أني ليث الغاب لم اهجهج‏

أعلو بسيفي هامة المدجّج # و أترك القرن لدى التعرج‏

فريسة الضبع الأزل الأعرج # فمن تراه واقفا بمنهجي‏

و لم يزل يقاتل قتالا شديدا، حتى قتله مسلم الضبابي، و عبد اللّه البجلي، اشتركا في قتله، ثم خرج مسلم بن عوسجة الأسدي و هو يقول:

18

إن تسألوا عني فإني ذو لبد # من فرع قوم من ذرى بني أسد

فمن بغاني حائد عن الرشد # و كافر بدين جبّار صمد

ثمّ تابعه نافع بن هلال الجملي، و هو يقول:

أنا على دين عليّ # ابن هلال الجملي‏

أضربكم بمنصلي # تحت عجاج القسطل‏

فخرج لنافع رجل من بني قطيعة، فقال لنافع: أنا على دين عثمان، فقال نافع: إذن أنت على دين الشيطان، و حمل عليه فقتله، فأخذ نافع و مسلم يجولان في ميمنة ابن سعد، فقال عمرو بن الحجاج-و كان على الميمنة-: ويلكم، يا حمقاء مهلا!أ تدرون من تقاتلون؟إنما تقاتلون فرسان المصر، و أهل البصائر، و قوما مستميتين، لا يبرزن منكم أحد إلاّ قتلوه على قلّتهم، و اللّه، لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم.

فقال ابن سعد له: صدقت!الرأي ما رأيت، فأرسل في العسكر يعزم عليهم: أن لا يبارز رجل منكم، فلو خرجتم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة.

ثمّ دنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين، ثم صاح بقومه: يا أهل الكوفة!ألزموا طاعتكم و جماعتكم، و لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين، و خالف إمام المسلمين.

فقال له الحسين: «يا ابن الحجاج!أ عليّ تحرّض الناس؟أ نحن مرقنا عن الدين و أنتم ثبتم عليه؟و اللّه، لتعلمنّ أينا المارق عن الدين، و من هو أولى بصلي النّار» .

ثم حمل عمرو بميمنته من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة، و انصرف عمرو بن الحجاج، و ارتفعت الغبرة، فإذا مسلم صريع، فمشى إليه الحسين، فإذا به رمق، فقال له الحسين: «رحمك‏

19

اللّه يا مسلم! فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً الأحزاب/23، و دنا منه حبيب بن مظاهر، فقال له: عزّ و اللّه، عليّ مصرعك يا مسلم!أبشر بالجنة. فقال قولا ضعيفا: بشرك اللّه بخير، فقال له حبيب: لو لا أني أعلم أني لا حقّ بك في أثرك من ساعتي هذه، لأحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمّك، حتى أحفظك في ذلك، لما أنت أهله في القرابة و الدين، فقال له: بلى، اوصيك بهذا رحمك اللّه، -و أومأ إلى الحسين-أن تموت دونه. فقال له: أفعل و ربّ الكعبة، فما أسرع من أن مات، فصاحت جارية له: يا سيداه!يا بن عوسجتاه!فنادى أصحاب عمر بن سعد مستبشرين: قتلنا مسلم بن عوسجة، فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله: ثكلتكم امهاتكم!أما أنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم، و تذلون عزّكم، أ تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة؟أما و الذي أسلمت له، لربّ موقف له في المسلمين كريم، و اللّه، لقد رأيته يوم «آذربيجان» قتل ستّة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين.

قال: ثمّ حمل شمر بن ذي الجوشن فثبتوا له، و قاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا، و إنما هم اثنان و ثلاثون فارسا، فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلاّ كشفوه، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فأقبلوا حتى دنوا من الحسين و أصحابه، فرشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، و قاتلوهم حتى انتصف النهار، و اشتد القتال، و لم يقدر أصحاب ابن سعد أن يأتوهم إلاّ من جانب واحد، لاجتماع أبنيتهم و تقارب بعضها من بعض. فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوّضوا الأبنية من عن شمائلهم و أيمانهم ليحيطوا بها، و أخذ الثلاثة و الأربعة من أصحاب الحسين يتخللون بينها فيشدون على الرجل و هو يقوّض و ينتهب،

20

فيرمونه من قريب فيصرعونه و يقتلونه، فأمر عمر بن سعد أن يحرقوها بالنّار.

فقال الحسين لأصحابه: «دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو فعلوا لم يجوزوا إليكم منها» . فأحرقوها و كان ذلك كذلك. و قيل: قال له شبث بن ربعي: أفزعت النساء ثكلتك امّك!فاستحيى من ذاك و انصرف عنه، و جعلوا لا يقاتلونهم إلاّ من وجه واحد، و شدّ أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر.

قال: و لا يزال يقتل من أصحاب الحسين الواحد و الاثنان، فيتبين ذلك فيهم لقلّتهم، و يقتل من أصحاب عمر العشرة و العشرون، فلا يتبين ذلك فيهم لكثرتهم.

قال: و رأى أبو ثمامة الصيداوي زوال الشمس، فقال للحسين: يا أبا عبد اللّه!نفسي لك الفداء، أرى هؤلاء قد اقتربوا، و لا و اللّه، تقتل حتى اقتل دونك، و احبّ أن ألقى ربي و قد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها.

فرفع الحسين رأسه إلى السماء، و قال له: «ذكرت الصلاة جعلك اللّه من المصلّين، نعم، هذا أول وقتها» ، ثم قال: «سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلّي» .

فقال له الحصين بن نمير: إنها لا تقبل منك، فقال له حبيب بن مظاهر: لا تقبل الصلاة زعمت من آل رسول اللّه، و تقبل منك يا ختار! فحمل عليه الحصين، و حمل عليه حبيب فضرب حبيب وجه الفرس، فشبّ الفرس، و وقع عنه الحصين فاحتوشه أصحابه فاستنقذوه.

فقال الحسين لزهير بن القين؛ و سعيد بن عبد اللّه: «تقدّما أمامي» ، فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف.

21

و روي أنّ سعيد بن عبد اللّه الحنفي تقدّم أمام الحسين عليه السّلام، فاستهدف له يرمونه بالنبل، فما أخذ الحسين عليه السّلام يمينا و شمالا إلاّ قام بين يديه، فما زال يرمى حتى سقط إلى الأرض، و هو يقول: اللّهمّ!العنهم لعن عاد و ثمود، اللّهمّ!أبلغ نبيك عني السلام، و أبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك، ثم مات، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف، و طعن الرماح.

قال: ثمّ خرج عبد الرحمن بن عبد اللّه اليزني، و هو يقول:

أنا ابن عبد اللّه من آل يزن # ديني على دين حسين و حسن‏

أضربكم ضرب فتى من اليمن # أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن‏

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده يحيى بن سليم المازني، و هو يقول:

لاضربنّ اليوم ضربا فيصلا # ضربا طلحفي‏ (1) في العدى مستأصلا

لا عاجزا عنهم و لا مهللا # ما أنا إلاّ الليث يحمي الأشبلا

ثمّ حمل فقاتل قتالا شديدا حتى قتل.

ثم خرج من بعده قرّة بن أبي قرّة الغفاري، و هو يقول:

قد علمت حقا بنو غفّار # و خندف بعد بني نزار

بأنني الليث الهزبر الضاري # لأضربنّ معشر الفجّار

بحد عضب ذكر بتّار # يشع لي في ظلمة الغبار

دون الهداة السادة الأبرار # رهط النبي أحمد المختار

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده مالك بن أنس الكاهلي، و هو يقول:

____________

(1) شديدا.

غ

22

قد علمت كاهل ثم دودان # و الخندفيون و قيس عيلان‏

بأنّ قومي آفة للأقران # و انني سيد تلك الفرسان‏

ثم حمل فقاتل حتّى قتل.

ثم خرج من بعده عمر بن مطاع الجعفي، و هو يقول:

أنا ابن جعفي و أبي مطاع # و في يميني مرهف قطّاع‏

و أسمر سنانه لماع # يرى له من ضوئه شعاع‏

قد طاب لي في يومي القراع # دون حسين و له الدفاع‏

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده حبيب بن مظاهر الأسدي، و هو يقول:

أنا حبيب و أبي مظهر (1) # فارس هيجاء و حرب تسعر

فأنتم عند العديد أكثر # و نحن أعلى حجّة و أظهر

و أنتم عند الهياج غدر # و نحن أوفى منكم و أصبر

ثمّ قاتل و جعل يحمل، و يقول:

اقسم لو كنتم لنا أعدادا # أو شطركم وليتم الأكتادا

يا شرّ قوم حسبا و آدا # و يا أشدّ معشر عنادا

فحمل عليه رجل من بني تميم فطعنه، فذهب ليقوم فضربه الحصين ابن نمير على رأسه بالسيف فوقع، و نزل التميمي فاحتزّ رأسه، فهدّ مقتله الحسين، فقال: «عند اللّه أحتسب نفسي و حماة أصحابي» ، و قيل: بل قتله رجل، يقال له: بديل بن صريم، و أخذ رأسه فعلّقه في عنق فرسه، فلما دخل الكوفة رآه ابن حبيب بن مظاهر-و هو غلام غير مراهق-فوثب عليه و قتله و أخذ رأسه.

____________

(1) المضبوط مظهر و الشعر يشهد له و الجاري على الألسن مظاهر.

23

قال: ثمّ خرج من بعده جون مولى أبي ذر الغفاري، و كان عبدا أسود، فجعل يقول و هو يحمل عليهم:

كيف يرى الفجار ضرب الأسود # بالمشرفي القاطع المهنّد

أحمي الخيار من بني محمد # أذبّ عنهم باللسان و اليد

أرجو بذاك الفوز عند المورد # من الإله الواحد الموحّد

و قاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده أنيس بن معقل الأصبحي، فجعل يقول:

أنا أنيس و أنا ابن معقل # و في يميني نصل سيف فيصل‏

أعلو به الهامات بين القسطل # حتّى أزيل خطبه فينجلي‏

عن الحسين الفاضل المفضل # ابن رسول اللّه خير مرسل‏

ثم حمل و لم يزل يقاتل حتّى قتل.

ثمّ خرج من بعده يزيد بن مهاصر الجعفي، و هو يقول:

أنا يزيد و أبي مهاصر # ليث عرين في العرين خادر

يا ربّ إني للحسين ناصر # و لابن سعد تارك و هاجر

ثم حمل و قاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده الحجاج بن مسروق-و هو مؤذن الحسين عليه السّلام-، فجعل يقول:

أقدم حسين هاديا مهديّا # اليوم نلقى جدّك النبيا

ثم أباك ذا العلا عليّا # و الحسن الخير الرضا الوليا

و ذا الجناحين الفتى الكميا # و أسد اللّه الشهيد الحيا

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده زهير بن القين البجلي، و هو يقول:

24

أنا زهير و أنا ابن القين # أذودكم بالسيف عن حسين‏

إنّ حسينا أحد السبطين # من عترة البرّ التقي الزين‏

ذاك رسول اللّه غير المين # أضربكم و لا أرى من شين‏

و روي أنّ زهيرا لما أراد الحملة وقف على الحسين عليه السّلام، و ضرب على كتفه، و قال: أقدم حسين هاديا مهديّا الابيات التي تقدّمت للحجاج بن مسروق، فلا أدري أ هو منشؤها، أم الحجاج بن مسروق، ثمّ قاتل قتالا شديدا. فشدّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي؛ و مهاجر بن أوس التميمي، فقتلاه فقال الحسين حين صرع زهير: «لا يبعدنّك اللّه يا زهير!و لعن اللّه قاتلك، لعن الّذين مسخهم قردة و خنازير» .

ثم خرج من بعده سعيد بن عبد اللّه الحنفي، و هو يقول:

أقدم حسين اليوم نلقى أحمدا # و شيخك الخير عليا ذا الندى‏

و حسنا كالبدر وافى الأسعدا # و عمك القرم الهجان الأصيدا

و حمزة ليث الإله الأسدا # في جنّة الفردوس نعلو صعدا

فحمل و قاتل حتّى قتل.

و روي: أنّ هذه الأبيات لسويد بن عمرو بن أبي المطاع و اللّه أعلم.

قال: ثمّ خرج من بعده نافع بن هلال الجملي، و قيل: هلال بن نافع، و جعل يرميهم بالسهام فلا يخطئ، و كان خاضبا يده، و كان يرمي و يقول:

أرمي بها معلمة أفواقها # و النفس لا ينفعها إشفاقها

مسمومة يجري بها أخفاقها # لتملأن أرضها رشاقها

فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه، ثمّ ضرب إلى قائم سيفه فاستلّه، و حمل، و هو يقول:

25

أنا الغلام اليمني الجملي # ديني على دين حسين و عليّ‏

إن اقتل اليوم فهذا أملي # و ذاك رأيي و ألاقي عملي‏

فقتل ثلاثة عشر رجلا حتى كسر القوم عضديه، و أخذوه أسيرا، فقام شمر بن ذي الجوشن فضرب عنقه.

ثمّ خرج من بعده جنادة بن الحرث الأنصاري، و هو يقول:

أنا جنادة أنا ابن الحارث # لست بخوار و لا بناكث‏

عن بيعتي حتى يقوم وارثي # من فوق شلو في الصعيد ماكث‏

فحمل و لم يزل يقاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده عمرو بن جنادة، و هو ينشد و يقول:

أضق الخناق من ابن هند و أرمه # في عقره بفوارس الأنصار

و مهاجرين مخضبين رماحهم # تحت العجاجة من دم الكفّار

خضبت على عهد النبي محمد # فاليوم تخضب من دم الفجّار

و اليوم تخضب من دماء معاشر # رفضوا القرآن لنصرة الأشرار

طلبوا بثارهم ببدر و انثنوا # بالمرهفات و بالقنا الخطّار

و اللّه ربي لا أزال مضاربا # للفاسقين بمرهف بتّار

هذا عليّ اليوم حقّ واجب # في كلّ يوم تعانق و حوار

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده شاب قتل أبوه في المعركة، و كانت امّه عنده، فقالت: يا بني!اخرج فقاتل بين يدي ابن رسول اللّه حتى تقتل. فقال:

أفعل!فخرج، فقال الحسين: «هذا شاب قتل أبوه، و لعل أمه تكره خروجه» ، فقال الشاب: أمي أمرتني يا ابن رسول اللّه!فخرج و هو يقول:

أميري حسين و نعم الأمير # سرور فؤاد البشير النذير

26

عليّ و فاطمة والداه # فهل تعلمون له من نظير

ثمّ قاتل فقتل، و حزّ رأسه و رمي به إلى عسكر الحسين، فأخذت أمه رأسه، و قالت له: أحسنت يا بني!يا قرة عيني و سرور قلبي!ثمّ رمت برأس ابنها رجلا فقتلته، و أخذت عمود خيمة، و حملت على القوم، و هي تقول:

أنا عجوز في النسا ضعيفة # بالية خاوية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة # دون بني فاطمة الشريفة

فضربت رجلين فقتلتهما، فأمر الحسين عليه السّلام بصرفها و دعا لها.

ثمّ خرج عمرو بن قرظة الأنصاري، و هو يقول:

قد علمت كتيبة الأنصار # أني أحمي حوزة الذمار

ضرب غلام غير نكس شار # دون حسين مهجتي و داري‏

ثمّ حمل فقاتل قتالا شديدا حتى قتل.

ثم خرج من بعده عبد الرّحمن بن عروة، و جعل يقول:

قد علمت حقا بنو غفار # و خندف بعد بني نزار

لأضربن معشر الأشرار # بالمشرفي الصارم البتار

ثمّ قاتل حتى قتل.

قال: و جاء عابس بن شبيب الشاكري، و معه شوذب مولى شاكر فقال: يا شوذب!ما في نفسك أن تصنع؟قال: و ما أصنع!اقاتل حتى اقتل، فقال له: ذلك الظنّ بك، فتقدّم بين يدي-أبي عبد اللّه-، أحتسبك و يحتسبك كما احتسب غيرك، فإن هذا اليوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما قدرنا عليه، فانه لا عمل بعد اليوم، و إنما هو الحساب. ثمّ تقدم فسلم على الحسين، و قال له: يا أبا عبد اللّه!أما و اللّه، ما أمسى على ظهر الأرض قريب و لا بعيد أعزّ عليّ و لا أحبّ إليّ منك، و لو قدرت على أن‏

27

أدفع عنك الضيم و القتل بشي‏ء أعزّ عليّ من نفسي و دمي لفعلت، السلام عليك، يا أبا عبد اللّه!أشهد أني على هداك و هدى أبيك، ثمّ مشى بالسيف نحوهم.

قال ربيع بن تميم: فلما رأيته مقبلا عرفته-و قد كنت شاهدته في المغازي-فكان أشجع الناس، فقلت للقوم: أيها الناس!هذا أسد الاسود، هذا ابن شبيب، لا يخرجنّ إليه أحد منكم. فأخذ ينادي: أ لا رجل؟أ لا رجل؟فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كلّ جانب، فلا رأى ذلك ألقى درعه و مغفره، ثمّ شدّ على الناس، فو اللّه، لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس، ثم تعطفوا عليه من كلّ جانب فقتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدّة، هذا يقول: أنا قتلته!و هذا يقول:

أنا قتلته!فقال عمر بن سعد: لا تختصموا، هذا و اللّه لم يقتله إنسان واحد، ففرق بينهم بهذا القول.

ثمّ جاء عبد اللّه؛ و عبد الرحمن الغفاريان، فقالا: السلام عليك يا أبا عبد اللّه!أحببنا أن نقتل بين يديك، و ندفع عنك، فقال: «مرحبا بكما، أدنوا مني» ، فدنوا منه و هما يبكيان، فقال لهما: «يا ابني أخي!ما يبكيكما، فو اللّه، إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري العين» ؟فقالا: جعلنا اللّه فداك، لا، و اللّه ما نبكي على أنفسنا، و لكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك و لا نقدر أن نمنع عنك، فقال: «جزاكما اللّه، يا ابني أخي!بوجدكما من ذلك، و مواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين» ، ثمّ استقدما، و قالا: السلام عليك، يا ابن رسول اللّه!فقال: «و عليكما السلام و رحمة اللّه و بركاته» ، فخرجا و قاتلا قتالا شديدا حتى قتلا.

ثمّ جاء سيف بن الحرث بن سريع؛ و مالك بن عبد اللّه بن سريع‏

28

الجابريان بطن من همدان، يقال لهم: بنو جابر، فتقدما أمام الحسين عليه السّلام، ثمّ التفتا إليه، و قالا: السلام عليك، يا أبا عبد اللّه!فقال: «و عليكما السلام و رحمة اللّه و بركاته» ، ثمّ خرجا فقاتلا قتالا شديدا حتى قتلا.

ثمّ خرج غلام تركي مبارز، قارئ للقرآن، عارف بالعربية، و هو من موالي الحسين، فجعل يقاتل و يقول:

البحر من طعني و ضربي يصطلي # و الجو من سهمي و نبلي يمتلي‏

إذا حسامي في يميني ينجلي # ينشقّ قلب الحاسد المبجل‏

فقتل جماعة، فتحاوشوه فصرعوه، فجاءه الحسين و بكى و وضع خدّه على خده، ففتح عينيه، و رآه فتبسّم، ثمّ صار إلى ربه.

ثم جاء إليه عمر بن خالد الصيداوي، فقال: السلام عليك، يا أبا عبد اللّه!قد هممت أن ألحق بأصحابي، و كرهت أن أتخلّف فأراك وحيدا من أهلك قتيلا، فقال له الحسين: «تقدّم، فإنا لاحقون بك عن ساعة» ، فتقدم و قاتل قتالا شديدا، حتى قتل.

ثم جاء إليه حنظلة بن أسعد العجلي الشبامي، فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام و الرماح و السيوف بوجهه و نحره، و أخذ ينادي: يا قوم! إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزََابِ. `مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ. `وَ يََا قَوْمِ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ اَلتَّنََادِ. `يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مََا لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ عََاصِمٍ غافر/30-33. يا قوم لا تقتلوا حسينا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذََابٍ وَ قَدْ خََابَ مَنِ اِفْتَرى‏ََ طه/61.

فقال له الحسين: «يا بن أسعد!رحمك اللّه، إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، و نهضوا إليك يشتمونك و أصحابك، فكيف بهم الآن و قد قتلوا إخوانك الصالحين» ؟فقال:

29

صدقت، جعلت فداك، أ فلا نروح إلى ربنا فنلحق بإخواننا؟فقال له الحسين: «رح إلى ما هو خير لك من الدّنيا و ما فيها، و إلى ملك لا يبلى» ، فقال: السلام عليك، يا ابن رسول اللّه!و على أهل بيتك، و جمع اللّه بيننا و بينك في الجنّة. فقال الحسين: «آمين!آمين!» ثمّ استقدم فقاتل قتالا شديدا، فحملوا عليه فقتلوه.

ثمّ رماهم يزيد بن زياد أبو الشعثاء بمائة سهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم، و كان كلما رمى، قال الحسين: «اللّهمّ!سدّد رميته، و اجعل ثوابه الجنّة» ، فحملوا عليه فقتلوه.

و كان يأتي الحسين الرجل بعد الرّجل، فيقول: السلام عليك، يا ابن رسول اللّه!فيجيبه الحسين: «و عليك السلام، و نحن خلفك، و يقرأ:

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ » الاحزاب/23، ثمّ يحمل فيقتل حتى قتلوا عن آخرهم (رضوان اللّه عليهم) ، و لم يبق مع الحسين إلاّ أهل بيته.

أقول: و هكذا يكون المؤمن: يؤثر دينه على دنياه؛ و موته على حياته في سبيل اللّه ينصر الحقّ و إن قتل، قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ آل عمران/169، و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

«كلّ قتيل في جنب اللّه شهيد» ، و لما وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على شهداء «احد» و فيهم حمزة بن عبد المطلب، قال: «أنا شهيد على هؤلاء القوم، زملوهم بدمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة و كلومهم رواء، و أوداجهم تشخب دما، فاللون لون الدم، و الريح ريح المسك، فهم كما قيل:

كسته القنا حلة من دم # فأضحت لرائيه من أرجوان‏

جزته معانقة الدارعين # معانقة القاصرات الحسان‏

30

و روى النّاصر للحق، عن آبائه (رضوان اللّه عليهم) ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، أنه قال: «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة، و لو أتوا بذنوب أهل الأرض:

الضارب بسيفه أمام ذريتي؛ و القاضي لهم حوائجهم، و الساعي لهم في حوائجهم، و المحبّ لهم بقلبه و لسانه» .

جعلنا اللّه من محبيهم، و رزقنا شفاعة جدهم بمنه و سعة رحمته.

قال: و لما قتل أصحاب الحسين عليه السّلام، و لم يبق إلاّ أهل بيته، و هم:

ولد عليّ؛ و ولد جعفر؛ و ولد عقيل؛ و ولد الحسن؛ و ولده، اجتمعوا و ودّع بعضهم بعضا، و عزموا على الحرب، فأوّل من خرج من أهل بيته عبد اللّه ابن مسلم بن عقيل، فخرج و هو يقول:

اليوم ألقى مسلما و هو أبي # و فتية بادوا على دين النبي‏

ليسوا كقوم عرفوا بالكذب # لكن خيار و كرام النسب‏

ثمّ حمل فقاتل و قتل جماعة ثمّ قتل.

فخرج من بعده جعفر بن عقيل بن أبي طالب، فحمل و هو يقول:

أنا الغلام الأبطحي الطالبي # من معشر في هاشم و غالب‏

فنحن حقا سادة الذوائب # فينا حسين أطيب الأطائب‏

و قاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل، فحمل و هو يقول:

أبي عقيل فاعرفوا مكاني # من هاشم و هاشم إخواني‏

فينا حسين سيد الأقران # و سيد الشباب في الجنان‏

فقاتل حتى قتله عثمان بن خالد.

ثمّ خرج من بعده محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، فحمل و هو يقول: غ

31

نشكوا إلى اللّه من العدوان # فعال قوم في الردى عميان‏

قد تركوا معالم القرآن # و أظهروا الكفر مع الطغيان‏

فقاتل قتالا شديدا حتى قتل.

ثم خرج من بعده عون بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، فحمل و هو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن جعفر # شهيد صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر # كفى بهذا شرفا في معشر

فقاتل حتى قتل، قيل: قتله عبد اللّه بن قطبة.

ثمّ خرج من بعده عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب في بعض الروايات، و في بعض الروايات: القاسم بن الحسن و هو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر إليه الحسين اعتنقه، و جعلا يبكيان حتى غشي عليهما، ثمّ استأذن الغلام للحرب فأبى عمّه الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبّل يديه و رجليه و يسأله الإذن حتى أذن له، فخرج و دموعه على خديه، و هو يقول:

إن تنكروني فأنا فرع الحسن # سبط النبي المصطفى و المؤتمن‏

هذا حسين كالأسير المرتهن # بين اناس لا سقوا صوب المزن‏

و حمل، و كأنّ وجهه فلقة قمر، و قاتل فقتل-على صغر سنه-خمسة و ثلاثين رجلا.

قال حميد بن مسلم: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى الغلام، و عليه قميص و إزار و نعلان قد انقطع شسع إحداهما، ما أنسى أنّه كان شسع اليسرى، فقال عمرو بن سعد الأزدي: و اللّه، لأشدّن عليه، فقلت: سبحان اللّه!ما تريد بذلك؟فو اللّه، لو ضربني ما بسطت له يدي،

32

يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه، قال: و اللّه، لأفعلنّ!و شدّ عليه، فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه و صاح: يا عماه! فانقض عليه الحسين كالصقر، و تخلّل الصفوف، و شدّ شدّة الليث الحرب، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده، فأطنها من المرفق فصاح، ثمّ تنحى عنه، فحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوه، فاستقبلته بصدورها، و وطأته بحوافرها، فمات و انجلت الغبرة، فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام، و هو يفحص برجليه، و الحسين يقول: «عز و اللّه على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعدا لقوم قتلوك، الويل لقاتلك» ، ثم احتمله فكأني أنظر الى رجلي الغلام تخطان الأرض، و قد وضع صدره إلى صدره. فقلت في نفسي: ما ذا يصنع به؟ فجاء به حتى ألقاه مع القتلى من أهل بيته، ثم رفع طرفه إلى السماء، و قال: «اللّهمّ!احصهم عددا، و لا تغادر منهم أحدا، و لا تغفر لهم أبدا، صبرا يا بني عمومتي!صبرا يا أهل بيتي!لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا» .

ثم خرج عبد اللّه بن الحسن الذي ذكرناه أولا-في رواية-و الأصح أنه برز بعد القاسم في الرواية الثانية، و هو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن حيدره # ضرغام آجام و ليث قسوره‏

على الأعادي مثل ريح صرصره # أكيلكم بالسيف كيل السندرة

و قاتل حتى قتل، و هاتان الروايتان وقع فيهما الشك بالسّابق منهما.

ثم تقدّم إخوة الحسين عليه السّلام عازمين على أن يقتلوا من دونه، فأول من تقدّم منهم: أبو بكر بن عليّ، و اسمه عبد اللّه، و أمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي بن مسلم بن جندل بن نهشل بن دارم التميمية، فبرز أبو بكر، و هو يقول:

33

شيخي عليّ ذو الفخار الأطول # من هاشم الصدق الكريم المفضل‏

هذا الحسين ابن النبي المرسل # نذود عنه بالحسام الفيصل‏

تفديه نفسي من أخ مبجل # يا ربّ فامنحني ثواب المجزل‏

فحمل عليه زحر بن قيس النخعي فقتله، و قيل: بل رماه عبد اللّه بن عقبة الغنوي فقتله.

ثم خرج من بعد أبي بكر بن عليّ، أخوه عمر بن عليّ، فحمل و هو يقول:

أضربكم و لا أرى فيكم زحر # ذاك الشقيّ بالنبي قد كفر

يا زحر يا زحر تدان من عمر # لعلك اليوم تبوء بسقر

شرّ مكان في حريق و سعر # فإنّك الجاحد يا شر البشر

ثم قصد قاتل أخيه فقتله، و جعل يضرب بسيفه ضربا منكرا، و يقول في حملاته:

خلوا عداة اللّه خلوا عن عمر # خلوا عن الليث العبوس المكفهر

يضربكم بسيفه و لا يفر # و ليس يغدو كالجبان المنحجر

و لم يزل يقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده عثمان بن علي و أمه أمّ البنين بنت حزام بن خالد، من بني كلاب، و هو يقول:

إني أنا عثمان ذو المفاخر # شيخي عليّ ذو الفعال الطاهر

صنو النبي ذي الرشاد السائر # ما بين كل غائب و حاضر

ثمّ قاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه جعفر بن علي، و أمه أمّ البنين أيضا، فحمل و هو يقول:

34

إني أنا جعفر ذو المعالي # نجل علي الخير ذو النوال‏

أحمي حسينا بالقنا العسال # و بالحسام الواضح الصقال‏

ثم قاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه عبد اللّه بن علي، و أمه أمّ البنين أيضا، فحمل و هو يقول:

أنا ابن ذي النجدة و الافضال # ذاك عليّ الخير في الفعال‏

سيف رسول اللّه ذو النكال # و كاشف الخطوب و الأهوال‏

فحمل و قاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده العباس بن عليّ، و أمه أمّ البنين أيضا، و هو «السقاء» ، فحمل و هو يقول:

أقسمت باللّه الأعزّ الأعظم # و بالحجون صادقا و زمزم‏

و بالحطيم و الفنا المحرّم # ليخضبنّ اليوم جسمي بدمي‏

دون الحسين ذي الفخار الأقدم # إمام أهل الفضل و التكرم‏

فلم يزل يقاتل حتى قتل جماعة من القوم، ثمّ قتل، فقال الحسين:

«الآن انكسر ظهري، و قلّت حيلتي» .

فتقدم عليّ بن الحسين، و أمه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي-، و هو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة، فلما رآه-الحسين-رفع شيبته نحو السماء، و قال: «اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا و خلقا و منطقا برسولك محمد صلّى اللّه عليه و آله، كنا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللّهم!فامنعهم بركات الأرض، و إن منعتهم ففرقهم تفريقا، و مزقهم تمزيقا، و اجعلهم طرائق قددا، و لا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يقاتلونا و يقتلونا» .

35

ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: «مالك!قطع اللّه رحمك، و لا بارك اللّه في أمرك، و سلّط عليك من يذبحك على فراشك، كما قطعت رحمي، و لم تحفظ قرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» ثم رفع صوته و قرأ: « إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرََاهِيمَ وَ آلَ عِمْرََانَ عَلَى اَلْعََالَمِينَ `ذُرِّيَّةً بَعْضُهََا مِنْ بَعْضٍ وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » آل عمران/33» .

ثم حمل علي بن الحسين و هو يقول:

أنا عليّ بن الحسين بن علي # نحن و بيت اللّه أولى بالنبي‏

و اللّه، لا يحكم فينا ابن الدّعي # أطعنكم بالرمح حتى ينثني‏

أضربكم بالسيف حتى يلتوي # ضرب غلام هاشمي علوي‏

فلم يزل يقاتل حتى ضج أهل الكوفة لكثرة من قتل منهم، حتى أنه روي: أنه على عطشه قتل مائة و عشرين رجلا، ثم رجع إلى أبيه و قد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة!العطش قد قتلني، و ثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء؟فبكى الحسين و قال: «يا بني!عزّ على محمد؛ و على علي؛ و على أبيك، أن تدعوهم فلا يجيبونك، و تستغيث بهم فلا يغيثونك، يا بني!هات لسانك» ، فأخذ لسانه فمصه، و دفع إليه خاتمه، و قال له: «خذ هذا الخاتم في فيك و ارجع إلى قتال عدوك، فإني أرجو أن لا تمسي حتى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا» ، فرجع علي بن الحسين إلى القتال، و حمل و هو يقول:

الحرب قد بانت لها حقائق # و ظهرت من بعدها مصادق‏

و اللّه، ربّ العرش لا نفارق # جموعكم أو تغمد البوارق‏

و جعل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعه فيها، و ضربه الناس بأسيافهم، فاعتنق الفرس‏

36

فحمله الفرس إلى عسكر عدوّه، فقطعوه بأسيافهم إربا إربا، فلما بلغت روحه التراقي، نادى بأعلى صوته: يا أبتاه!هذا جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا، و هو يقول لك: العجل فإنّ لك كأسا مذخورة، فصاح الحسين: «قتل اللّه قوما قتلوك، يا بني!ما أجرأهم على اللّه، و على انتهاك حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟!على الدنيا بعدك العفا» .

قال حميد بن مسلم: لكأني أنظر الى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس طالعة، تنادي بالويل و الثبور، تصيح: وا حبيباه!وا ثمرة فؤاداه! وا نور عيناه!فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي، ثم جاءت حتى انكبت عليه، فجاء إليها الحسين حتى أخذ بيدها، و ردّها إلى الفسطاط، ثم أقبل مع فتيانه إلى ابنه فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه عند الفسطاط الذي يقاتلون أمامه.

قال: و خرج غلام من تلك الأبنية في اذنيه قرطان، و هو مذعور فجعل يلتفت يمينا و شمالا و قرطاه يتذبذبان، فحمل هاني بن بعيث فقتله، ثم التفت الحسين عن يمينه و شماله فلم ير أحدا من الرجال، فخرج علي بن الحسين و هو زين العابدين و هو أصغر من أخيه عليّ القتيل، و كان مريضا، و هو الذي نسل آل محمد عليهم السّلام‏ (1) فكان لا يقدر على حمل سيفه، و أمّ كلثوم تنادي خلفه: يا بني ارجع!فقال: «يا عمتاه!ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول اللّه» ، فقال الحسين: «يا أمّ كلثوم!خذيه و رديه، لا تبق الأرض خالية من نسل آل محمد» ، و لما فجع بأهل بيته و ولده و لم يبق غيره و غير النساء و الأطفال و غير ولده المريض، نادى: «هل من ذابّ يذب عن حرم رسول

____________

(1) -يعني أن نسل الحسين منه، فان أولاده لم يبق منهم سواه.

37

اللّه؟هل من موحّد يخاف اللّه فينا؟هل من مغيث يرجوا اللّه في إغاثتنا؟ هل من معين يرجو ما عند اللّه في إعانتنا؟» ، فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة و قال: «ناولوني عليا الطفل حتى اودعه» ، فناولوه الصبي، فجعل يقبله و يقول: «ويل لهؤلاء القوم إذا كان خصمهم جدّك» فبينا الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن الكاهل الأسدي فذبحه في حجره، فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه، ثم رمى به نحو السماء، و قال: «اللّهمّ!إن حبست عنا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا» .

ثم نزل الحسين عن فرسه، و حفر للصبي بجفن سيفه، و زمله بدمه، و صلّى عليه، ثم قام و ركب فرسه، و وقف قبالة القوم مصلّتا سيفه بيده، آيسا من نفسه، عازما على الموت، و هو يقول:

«أنا ابن عليّ الخير من آل هاشم # كفاني بهذا مفخرا حين أفخر

و جدي رسول اللّه أكرم من مضى # و نحن سراج اللّه في الأرض نزهر

و فاطمة أمي ابنة الطهر أحمد # و عمي يدعى ذا الجناحين جعفر

و فينا كتاب اللّه انزل صادعا # و فينا الهدى و الوحي بالخير يذكر

و نحن أمان اللّه في الخلق كلهم # نسرّ بهذا في الأنام و نجهر

و نحن ولاة الحوض نسقي محبنا # بكأس و ذاك الحوض للسقي كوثر

فيسعد فينا في القيام محبنا # و مبغضنا يوم القيامة يخسر»

ثم أنشد كما قيل:

«كفر القوم و قدما رغبوا # عن ثواب اللّه رب الثقلين‏

قتلوا قدما عليا و ابنه # حسن الخير و جاءوا للحسين‏

خيرة اللّه من الخلق أبي # بعد جدي فأنا ابن الخيرتين»

و ذكر السلامي في «تاريخه» : أن الحسين أنشأ هذه الأبيات، و ليس‏

38

لأحد مثلها و هي قوله:

«فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة # فدار ثواب اللّه أعلى و أنبل‏

و إن تكن الأبدان للموت انشئت # فقتل امرئ في اللّه بالسيف أفضل‏

و إن تكن الأرزاق قسما مقدّرا # فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل‏

و إن تكن الأموال للترك جمعها # فما بال متروك به المرء يبخل؟

سأمضي و ما بالقتل عار على الفتى # إذا في سبيل اللّه يمضي و يقتل»

ثم إنّه عليه السّلام دعا النّاس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من دنا إليه من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، فحالوا بينه و بين رحله فصاح بهم: «و يحكم، يا شيعة آل أبي سفيان!إن لم يكن لكم دين، و كنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، و ارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون» .

فناداه شمر: ما تقول يا حسين؟فقال: «أقول أنا الذي اقاتلكم و تقاتلوني، و النساء ليس عليهم جناح، فامنعوا عتاتكم و طغاتكم و جهالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا» . فقال له شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة!ثم صاح شمر بأصحابه: إليكم عن حرم الرجل، و اقصدوه بنفسه، فلعمري، لهو كفو كريم!فقصده القوم بالحرب من كل جانب، فجعل يحمل عليهم و يحملون عليه، و هو في ذلك يطلب الماء ليشرب منه شربة، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه، حتى أجلوه عنه، ثم رماه رجل يقال له: أبو الحتوف الجعفي بسهم فوقع السهم في جبهته، فنزع الحسين السهم، و رمى به، فسال الدم على وجهه و لحيته، فقال: «اللّهمّ!قد ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة العتاة، اللّهمّ!فاحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تذر على وجه الأرض منهم أحدا، و لا تغفر لهم أبدا» .

39

ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق أحدا إلاّ بعجه بسيفه و ألحقه بالحضيض، و السهام تأخذه من كل ناحية، و هو يتلقاها بنحره و صدره، و يقول: «يا أمّة السوء!بئسما خلفتم محمدا صلّى اللّه عليه و آله في عترته، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد اللّه الصالحين، فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، و ايم اللّه، إني لأرجو أن يكرمني ربي بهوانكم، ثمّ ينتقم منكم من حيث لا تشعرون» .

فصاح به الحصين بن مالك السكوني: يا ابن فاطمة!بما ذا ينتقم لك منّا؟فقال: «يلقي بأسكم بينكم، و يسفك دماءكم، ثم يصبّ عليكم العذاب الأليم» . ثم جعل يقاتل حتى أصابته اثنتان و سبعون جراحة، فوقف يستريح و قد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فسالت الدماء من جبهته، فأخذ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محدّد، مسموم، له ثلاث شعب، فوقع في قلبه، فقال الحسين عليه السّلام:

«بسم اللّه و باللّه و على ملة رسول اللّه-و رفع رأسه الى السماء-، و قال:

إلهي!إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره» .

ثم أخذ السهم و أخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح، فلما امتلأت دما رمى بها إلى السماء، فما رجع من ذلك قطرة، و ما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده على الجرح ثانيا، فلما امتلأت لطخ بها رأسه و لحيته، و قال:

«هكذا، و اللّه، أكون حتى ألقى جدي محمدا صلّى اللّه عليه و آله و أنا مخضوب بدمي، و أقول: يا رسول اللّه!قتلني فلان و فلان» .

ثم ضعف عن القتال فوقف مكانه، فكلما أتاه رجل من الناس و انتهى إليه، انصرف عنه، و كره أن يلقى اللّه بدمه، حتى جاءه رجل من كندة، يقال

40

له: «مالك بن نسر» فضربه بالسيف على رأسه، و كان عليه برنس‏ (1) ، فقطع البرنس و امتلأ دما، فقال له الحسين: «لا أكلت بيمينك و لا شربت بها، و حشرك اللّه مع الظالمين» ، ثم ألقى البرنس و لبس قلنسوة (2) و اعتم عليها، و قد أعيى و تبلّد، و جاء الكندي فأخذ البرنس-و كان من خز-، فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أمّ عبد اللّه ليغسله من الدم، قالت له امرأته: أ تسلب ابن بنت رسول اللّه برنسه، و تدخل بيتي؟!اخرج عني حشا اللّه قبرك نارا.

و ذكر أصحابه: أنّه يبست يداه و لم يزل فقيرا بأسوإ حال إلى أن مات.

ثم نادى شمر: ما تنتظرون بالرجل؟فقد أثخنته السهام، فاخذت به الرماح و السيوف، فضربه رجل، يقال له: «زرعة بن شريك التميمي» ضربة منكرة، و رماه «سنان بن أنس» بسهم في نحره، و طعنه «صالح بن وهب المري» على خاصرته طعنة منكرة، فسقط الحسين عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن، ثم استوى جالسا و نزع السهم من نحره، ثم دنا عمر بن سعد من الحسين ليراه.

قال حميد بن مسلم: و خرجت زينب بنت علي و قرطاها يجولان في اذنيها، و هي تقول: ليت السماء أطبقت على الأرض، يا ابن سعد أ يقتل أبو عبد اللّه و أنت تنظر إليه؟فجعلت دموعه تسيل على خديه و لحيته، فصرف وجهه عنها، و الحسين جالس و عليه جبة خز، و قد تحاماه النسا، فصاح شمر: ويحكم، ما تنتظرون؟اقتلوه ثكلتكم امهاتكم، فضربه «زرعة ابن شريك» فأبان كفه اليسرى، ثم ضربه على عاتقه فجعل عليه السّلام يكبو مرّة

____________

(1) -البرنس: هو القلنسوة الطويلة.

(2) -القلنسوة: هي القصيرة تلبس في الرأس.

41

و يقوم اخرى، فحمل عليه «سنان بن أنس» في تلك الحال، فطعنه بالرمح فصرعه، و قال لخولي بن يزيد: احتز راسه، فضعف و ارتعدت يداه، فقال له سنان: فتّ اللّه عضدك و أبان يدك، فنزل إليه «نصر بن خرشة الضبابي» ، و قيل: بل «شمر بن ذي الجوشن» ، و كان أبرص فضربه برجله، و ألقاه على قفاه، ثم أخذ بلحيته.

فقال له الحسين عليه السّلام: «أنت الكلب الأبقع الذي رأيته في منامي» ؟ فقال شمر: أ تشبهني بالكلاب يا ابن فاطمة؟ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السّلام، و يقول:

أقتلك اليوم و نفسي تعلم # علما يقينا ليس فيه مزعم‏

و لا مجال لا و لا تكتم # أن أباك خير من يكلّم‏

10-أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن أبيه، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثني عمي فضيل بن الزبير، عن عبد اللّه بن ميمون، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن أبيه، قال: كنا مع الحسين عليه السّلام بنهر كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن، فقال: «اللّه اكبر!اللّه أكبر!صدق اللّه و رسوله، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي» . فغضب عمر بن سعد، فقال لرجل كان عن يمينه: انزل و يحك إلى الحسين فأرحه! فنزل إليه-قيل هو خولي بن يزيد الأصبحي-فاحتزّ رأسه، -و قيل: بل هو «شمر» -.

و روي: أنه جاء إليه شمر بن ذي الجوشن؛ و سنان بن أنس و الحسين عليه السّلام بآخر رمق يلوك بلسانه من العطش، فرفسه شمر برجله،

42

و قال: يا ابن أبي تراب!أ لست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبّه؟فاصبر حتى تأخذ الماء من يده. ثم قال لسنان بن أنس: احتز رأسه من قفاه، فقال: و اللّه، لا أفعل ذلك!فيكون جدّه محمد خصمي، فغضب شمر منه، و جلس على صدر الحسين عليه السّلام، و قبض على لحيته، و همّ بقتله، فضحك الحسين، و قال له: «أ تقتلني؟أو لا تعلم من أنا» ؟قال: أعرفك حقّ المعرفة، امّك فاطمة الزهراء؛ و أبوك عليّ المرتضى؛ و جدك محمد المصطفى؛ و خصمك اللّه العلي الأعلى، و أقتلك و لا ابالي، و ضربه بسيفه اثنتي عشرة ضربة، ثم حزّ رأسه، ثم تقدم الأسود بن حنظلة فاخذ سيفه، و أخذ جعوثة الحضرمي قميصه فلبسه، فصار أبرص، و سقط شعره.

و روي: أنّه وجد في قميصه مائة و بضع عشرة ما بين رمية و طعنه و ضربة، و قال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السّلام: «وجد فيه ثلاث و ثلاثون طعنة، و أربع و ثلاثون ضربة» ، و أخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي، فصار زمنا مقعدا من رجليه، و أخذ عمامته جابر بن يزيد الأزدي فاعتم بها فصار مجذوما، و أخذ مالك بن نسر الكندي درعه، فصار معتوها، و ارتفعت في السماء-في ذلك الوقت-غبرة شديدة مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين و لا أثر، حتى ظنّ القوم أن العذاب قد جاءهم، فلبثوا بذلك ساعة، ثمّ انجلت عنهم» .

قال: و قتل الحسين عليه السّلام-باتفاق الرواة-يوم عاشوراء عاشر محرم سنة إحدى و ستين، و هو ابن أربع و خمسين سنة و ستة أشهر و نصف.

قال: و أقبل فرس الحسين، و قد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين، و ذهب يركض إلى خيمة النساء، و هو يصهل و يضرب برأسه الأرض عند الخيمة، فلما نظرت أخوات الحسين و بناته و أهله‏

43

إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعن أصواتهنّ بالصراخ و العويل، و وضعت أمّ كلثوم يدها على أم راسها، و نادت: وا محمّداه!وا جداه!وا نبياه!وا أبا القاسماه!وا علياه!وا جعفراه!وا حمزتاه!وا حسناه!هذا حسين بالعراء، صريع بكربلاء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة و الرداء، ثمّ غشي عليها، و أقبل الأعداء حتى أحدقوا بالخيمة، و معهم شمر بن ذي الجوشن، فقال: ادخلوا فاسلبوا بزّتهن. فدخل القوم فأخذوا كلّ ما كان بالخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في اذن أمّ كلثوم-اخت الحسين-فأخذوه و خرموا اذنها، حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تغلب عليه.

و أخذ قيس بن الأشعث قطيفة للحسين، كان يجلس عليها، فسمي لذلك:

«قيس قطيفة» ، و أخذ نعليه رجل من الأزد، يقال له: «الأسود» ، ثمّ مال الناس على الورس و الخيل و الإبل فانتهبوها.

قال: حميد بن مسلم: انتهيت إلى علي بن الحسين، و هو مضطجع على فراش له و هو مريض، و إذا شمر مع رجال، يقولون له: أ لا نقتل هذا المريض؟فقلت له: سبحان اللّه!ما معنى قتل المرضى من الصبيان؟و ما زلت به ادافع عنه حتى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلنّ أحد بيوت هذه النسوة، و لا يتعرض لهذا الغلام المريض أحد، و من أخذ من متاعهم شيئا فليرده.

قال: فو اللّه، ما ردّ واحد منهم شيئا غير أنهم كفوا، فقال لي عليّ بن الحسين: جزيت من رجل خيرا، فقد رفع اللّه عني بمقالتك شرّ هؤلاء، و قال عبيد اللّه بن عمار: رأيت على الحسين سراويل تلمع ساعة قتل، فجاء أبجر ابن كعب فسلبه و تركه مجرّدا.

و ذكر محمد بن عبد الرحمن: إنّ يدي أبجر بن كعب كانتا ينضحان‏

44

الدم في الشتاء، و ييبسان في في الصيف كأنهما عود.

و قال بعض من شهد الوقعة: ما رأيت مكثورا قط قتل ولده، و إخوته، و بنو عمّه، و أهل بيته، أربط جأشا، و لا أمضى جنانا، و لا أجرى من الحسين عليه السّلام، و لا رأيت قبله و لا بعده مثله، لقد رأيت الرجال تنكشف عنه إذا شدّ فيهم انكشاف المعزى إذا عاث فيها الذئب.

قال: ثمّ إن عمر بن سعد، نادى: من ينتدب الحسين فيوطئه فرسه فانتدب له عشرة نفر، منهم: إسحاق الحضرمي، و منهم: الأخنس بن مرثد الحضرمي، القائل في ذلك:

نحن رضضنا الظهر بعد الصدر # بكلّ يعبوب شديد الأسر

حتى عصينا اللّه ربّ الأمر # بصنعنا مع الحسين الطهر

فداسوا حسينا بخيولهم، حتى رضوا صدره و ظهره، فسئل عن ذلك، فقال: هذا أمر الأمير عبيد اللّه.

قال: ثمّ دفع الرأس إلى خولي بن يزيد الأصبحي، ليحمله إلى عبيد اللّه بن زياد، و أقام عمر بن سعد يومه ذلك إلى الغد، فجمع قتلاه فصلى عليهم و دفنهم، و ترك الحسين و أهل بيته و أصحابه، فلمّا ارتحلوا الى الكوفة و تركوهم على تلك الحالة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا أصحاب الحسين، و صلّوا عليهم، و دفنوهم، و كانوا اثنين و سبعين رجلا.

قال: ثم أذن عمر بن سعد بالناس في الرحيل إلى الكوفة، و حمل بنات الحسين، و أخواته، و عليّ بن الحسين، و ذراريهم، فلما مروا بجثة الحسين و جثث أصحابه، صاحت النساء، و لطمن وجوههن، و صاحت زينب: يا محمداه!صلى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء، مزمل بالدماء، معفر بالتراب، مقطع الأعضاء، يا محمداه!بناتك في العسكر

45

سبايا، و ذريتك قتلى تسفى عليهم الصبا، هذا ابنك محزوز الرأس من القفا، لا هو غائب فيرجى، و لا جريح فيداوى.

و ما زالت تقول هذا القول حتى أبكت و اللّه كل صديق و عدو، حتى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها، ثم قطعت رءوس الباقين فسرح باثنين و سبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن؛ و قيس بن الأشعث؛ و عمرو ابن الحجاج.

قال: و لما أدخل خولي الأصبحي الرأس على ابن زياد و كان الذي يتولى حمله بشير بن مالك فقدّمه إليه، و أنشأ يقول:

املأ ركابي فضة و ذهبا # إني قتلت الملك المجبا

قتلت خير الناس امّا و أبا # و خيرهم إذ يذكرون النسبا

فغضب ابن زياد من قوله، و قال: فإذا علمت أنه كذلك لم قتلته؟ و اللّه، لا نلت مني خيرا و لألحقنك به، فقدّمه و ضرب عنقه.

قال: و ساق القوم حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما تساق الأسارى، حتى إذا بلغوا بهم الكوفة خرج الناس ينظرون إليهم، و جعلوا يبكون و يتوجعون، و علي بن الحسين مريض، مغلول مكبل بالحديد، قد نهكته العلّة، فقال:

«ألا إن هؤلاء يبكون و يتوجعون من أجلنا، فمن قتلنا إذن» ؟

11-و ذكر أبو علي السلامي، عن البيهقي صاحب «التاريخ» : أنّ السنة التي قتل فيها الحسين عليه السّلام و هي سنة إحدى و ستين سميت «عام الحزن» .

قال: و قال بشير بن حذيم الأسدي: نظرت إلى زينب بنت علي يومئذ، و لم أر خفرة قط أنطق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السّلام و تفرغ عنه، أومأت إلى الناس أن اسكتوا!فارتدت‏

46

الأنفاس؛ و سكنت الأجراس، فقالت: الحمد للّه و الصلاة على أبي محمد رسول اللّه، و على آله الطيبين الأخيار آل اللّه، و بعد: يا أهل الكوفة!و يا أهل الختل، و الخذل، و الغدر!أ تبكون؟فلا رقأت الدمعة، و لا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، أ تتخذون إيمانكم دخلا بينكم؟ألا و هل فيكم إلا الصلف، و الطنف، و الشنف، و النطف‏ (1) و ملق الإماء، و غمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كقصة (2) على ملحودة!ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم، إن سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون أ تبكون و تنتحبون؟إي و اللّه، فابكوا كثيرا، و اضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها و شنارها، و لن ترحضوها بغسل بعدها أبدا.

و أنّى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء؛ و سيد شباب أهل الجنّة؛ و ملاذ خيرتكم؛ و مفزع نازلتكم؛ و منار حجتكم، و مدره‏ (3) ألسنتكم، ألا ساء ما تزرون، و بعدا لكم و سحقا!فلقد خاب السعي و تبت الأيدي، و خسرت الصفقة، و بؤتم بغضب من اللّه، و ضربت عليكم الذلة و المسكنة.

ويلكم، يا أهل الكوفة!أ تدرون أي كبد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فريتم، و أي دم له سفكتم، و أي كريمة له أبرزتم، و أي حريم له أصبتم، و أي حرمة له انتهكتم؟ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، `تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ، وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا مريم/89، إنّ ما جئتم بها لصلعاء، عنقاء، سوءاء، فقماء، خرقاء، شوهاء كطلاع الأرض و ملاء السماء، أ فعجبتم أن قطرت السماء دما؟و لعذاب الآخرة اشد و أخزى و أنتم لا تنصرون، فلا

____________

(1) الأول الوقاحة و الثاني فساد الأخلاق و الثالث الكراهة و الرابع النجاسة.

(2) و هي الجص.

(3) كنبر المقدم في اللسان.

47

يستخفنّكم المهل، فإنه عز و جلّ لا يحفزه البدار، و لا يخاف فوت الثار، كلا، إنّ ربكم لبالمرصاد، فترقبوا أوّل النحل‏ (1) و آخر صاد (2) .

قال بشير: فو اللّه، لقد رأيت الناس يومئذ حيارى، كأنهم كانوا سكارى، يبكون و يحزنون، و يتفجعون و يتأسفون، و قد وضعوا أيديهم في أفواههم، قال: و نظرت الى شيخ من أهل الكوفة، كان واقفا إلى جنبي، قد بكى حتى أخضلت لحيته بدموعه، و هو يقول: صدقت، بأبي و أمي، كهولكم خير الكهول، و شبانكم خير الشبان، و نساؤكم خير النسوان، و نسلكم خير نسل لا يخزي و لا يبزى‏ (3) .

قال: ثمّ جاءوا بهم حتى دخلوا على عبيد اللّه بن زياد، فنظرت إليه زينب بنت علي عليه السّلام و جلست ناحية، فقال ابن زياد: من الجالسة؟فلم تكلمه، فقال ثانيا فلم تكلّمه، فقال رجل من أصحابه: هذه زينب بنت علي ابن أبي طالب، فقال ابن زياد: الحمد للّه الذي فضحكم و كذب احدوثتكم، فقالت زينب: الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيه محمد صلّى اللّه عليه و آله، و طهرنا بكتابه تطهيرا، و إنما يفتضح الفاسق، و يكذب الفاجر.

فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع اللّه بأخيك و أهل بيتك؟فقالت زينب: ما رأيت إلاّ جميلا، هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، و سيجمع اللّه بينك و بينهم يا ابن زياد!فتحاجون و تخاصمون، فانظر لمن الفلج يومئذ، هبلتك امك يا ابن مرجانة!فغضب ابن زياد، و كأنه همّ بها، فقال له عمرو بن حريث المخزومي: إنها امرأة، و المرأة لا تؤاخذ

____________

(1) أي: أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ .

(2) أي: وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ .

(3) أي لا يقهر. من بزاه يبزوه قهره.

48

بشي‏ء من منطقها.

فقال ابن زياد: يا زينب!لقد شفى اللّه قلبي من طاغيتك الحسين، و العصاة المردة من أهل بيتك، فقالت زينب: لعمري، لقد قتلت كهلي، و قطعت فرعي، و اجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت. فقال ابن زياد: هذه سجّاعة، لا جرم، لعمري لقد كان أبوك شاعرا سجّاعا، فقالت زينب: يا ابن زياد!و ما للمرأة و السجاعة؟و إن لي عن السجاعة لشغلا.

فالتفت ابن زياد الى علي بن الحسين، و قال له: من أنت؟قال: أنا عليّ بن الحسين، فقال: أ لم يقتل اللّه علي بن الحسين؟فسكت عنه، فقال:

مالك لا تتكلم؟فقال: كان لي أخ يقال له: «علي» قد قتله الناس (أو قال:

قد قتلتموه) و إن له منكم مطلبا يوم القيامة. فقال ابن زياد: بل اللّه!فقال عليّ: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا الزمر/42، وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ كِتََاباً مُؤَجَّلاً آل عمران/145، فقال: أنت و اللّه، منهم، انظروا إليه هل أدرك؟فكشف عنه مروان بن معاذ الأحمري، قال: نعم، قال:

اقتله، فقال عليّ بن الحسين: فمن يتوكل بهؤلاء النسوة، و تعلقت به زينب بنت علي، و قالت: يا ابن زياد!حسبك منا، أ ما رويت من دمائنا؟و اعتنقت عليا، و قالت: أسألك باللّه، يا ابن زياد!إن قتلته أن تقتلني معه.

فقال عليّ: يا عمة!اسكتي حتى اكلمه، فقال: يا ابن زياد!أ بالقتل تهددني؟أ ما علمت أن القتل لنا عادة، و كرامتنا الشهادة؟فقال ابن زياد:

دعوه ينطلق مع نسائه، ثم قال: اخرجوهم عني، فأخرجوهم الى دار في جنب المسجد الأعظم.

12-أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر

49

الزمخشري، أخبرنا الفقيه أبو علي الحسن بن علي بن ابي طالب الفرزالي -بالري-، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسن الرازي، أخبرنا عمي الشيخ الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي، أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الجعفي-بالكوفة-، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن أنس، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، حدثني هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس، قال: لما جي‏ء برأس الحسين فوضع بين يديه-يعني ابن زياد-في طست جعل ينكت بقضيب في وجهه، و قال: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط، فقلت: أما إنه كان يشبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ بعث برأسه إلى يزيد، فلما اتي إلى يزيد برأسه، قال: لقد قتلك رجل ما كان الرحم بينك و بينه قطعا.

13-و بهذا الإسناد، عن أبي سعد السّمان هذا، أخبرنا أبو عبد اللّه هذا، أخبرنا محمد بن جعفر هذا، حدثنا عليّ بن منذر، حدثنا ابن فضيل، حدثنا سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري، قال: كنت عند الربيع بن خثيم، فدخل عليه رجل ممن شهد قتل الحسين عليه السّلام ممن كان قاتله، فقال الربيع: قد جئتم برءوسهم معلقيها، و أدخل الربيع إصبعه في فيه تحت لسانه، و قال: قتلتم صبية لو أدركهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لقبّل أفواههم، و أجلسهم في حجره، ثم قال الربيع: اللّهمّ فاطر السماوات و الأرض، عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.

14-و بهذا الإسناد، عن أبي سعد السمان هذا، حدثنا أبو محمد بن عبد اللّه بن محمد الأسدي-لفظا-ببغداد، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثني أبي، حدثني سليمان الواسطي، عن الحسن ابن أبي الحسناء، سمعت أبا العالية البراء قال: لما قتل الحسين عليه السّلام اتي‏

50

عبيد اللّه بن زياد برأسه، فأرسل الى أبي برزة، فقال له عبيد اللّه: كيف شأني و شأن حسين بن فاطمة؟قال: اللّه أعلم!فما علمي بذلك؟قال: إنما أسألك عن علمك!قال: أما إذا سألتني عن رأيي فإنّ علمي أنّ الحسين يشفع له جدّه محمد صلّى اللّه عليه و آله، و يشفع لك زياد، فقال له: اخرج!لو لا ما جعلت لك، لضربت و اللّه عنقك. فلما بلغ باب الدار، قال: لئن لم تغد عليّ و ترح لأضربنّ عنقك.

15-و بهذا الإسناد عن أبي سعد-هذا-، أخبرنا أبو عبد اللّه هذا، أخبرنا محمد بن جعفر هذا، حدّثنا عباد بن يعقوب، أخبرنا سعيد بن خثيم، عن محمد بن خالد الضبي، عن إبراهيم (ره) ، قال: لو كنت ممن قاتل الحسين عليه السّلام، ثم اتيت بالمغفرة من ربي، فادخلت الجنّة لاستحييت من محمد صلّى اللّه عليه و آله أن أمرّ عليه فيراني.

16-أخبرنا صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن-إجازة بهمدان-، أخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك، قال: لما اتي برأس الحسين عليه السّلام إلى عبيد اللّه بن زياد جعل ينكته بقضيب في يده، و يقول: إنه لحسن الثغر، فقلت: و اللّه، لأسوأنك!لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقبل موضع قضيبك من فمه.

و سمعت هذا الحديث في جامع أبي عيسى، و لم يذكر: أنّه لحسن الثغر، و فيه: فجعل يقول بقضيب في أنفه، فقال أنس: فقلت: أما إنّه كان من أشبههم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

17-و بهذا الإسناد، عن أبي العلاء هذا، أخبرنا عبد القادر بن‏