الكشاف - ج1

- ابو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المزيد...
698 /
0

مقدمة التفسير للعلامة الزمخشري‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد للََّه الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفاً منظما، و نزله بحسب المصالح منجما، و جعله بالتحميد مفتتحاً و بالاستعاذة مختتما و أوحاه على قسمين متشابهاً و محكماً؛ و فصله سوراً و سوّره آيات.

و ميز بينهنّ بفصول و غايات. و ما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع، و سمات منشئ مخترع؛ فسبحان من استأثر بالأوّلية و القدم، و وسم كل شي‏ء سواه بالحدوث عن العدم؛ أنشأه كتابا ساطعاً تبيانه، قاطعاً برهانه؛ و حيا ناطقاً ببينات و حجج، قرآنا عربياً غير ذى عوج؛ مفتاحاً للمنافع الدينية و الدنيوية، مصداقا لما بين يديه من الكتب السماوية؛ معجزاً باقياً دون كل معجز على وجه كل زمان، دائراً من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان؛ أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، و أبكم به من تحدّى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصدّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، و لم ينهض لمقدار أقصر سورة منه ناهض من بلغائهم؛ على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، و أوفر عدداً من رمال الدهناء؛ و لم ينبض‏ (1) منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادّة و المضارّة، و إلقائهم الشراشر (2) على المعازة و المعارّة؛ و لقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، و ركوبهم في كل ما يرومونه الشطط؛ إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، و إن رماهم بمأثرة رموه بمآثر؛ و قد جرّد لهم الحجة أوّلا، و السيف آخراً، فلم يعارضوا إلا السيف وحده، على أنّ السيف القاضب مخراق لاعب إن لم تمض الحجة حدّه؛ فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنّ البحر قد زخر فطمّ على الكواكب‏ (3) ، و أنّ الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب.

____________

(1) . قوله «و لم ينبض» أى يتحرك كما في الصحاح. (ع)

(2) . قوله «الشراشر» في الصحاح: الشراشر الأثقال، الواحدة شرشرة. يقال: ألقى عليه شراشره حرصاً و محبة. و فيه: العرارة شدة الحرب، و اسمه للسودد. (ع)

(3) . قوله «فطم على الكواكب» في الصحاح: الكوكب النجم، و كوكب الشي‏ء معظمه، و كوكب الروضة نورها و المعنى الأخير هو المراد هنا، و الأول هو ما يأتي. (ع)