الكشاف - ج3

- ابو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المزيد...
619 /
3

الجزء الثالث‏

سورة مريم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

مكية[إلا آيتي 58 و 71 فمدنيتان‏] و آياتها 98[نزلت بعد سورة فاطر] بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

كهيعص قرأ بفتح الهاء (1) و كسر الياء حمزة، و بكسرهما عاصم، و بضمهما الحسن.

و قرأ الحسن‏} ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ أى: هذا المتلوّ من القرآن ذكر رحمة ربك. و قرئ: ذكر، على الأمر (2) . راعى سنة اللّه في إخفاء دعوته، لأنّ الجهر و الإخفاء عند اللّه سيان، فكان الإخفاء أولى، لأنه أبعد من الرياء و أدخل في الإخلاص. و عن الحسن: نداء لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة و الشيخوخة (3) . أو أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه و هرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات، و سمعه تارات.

____________

(1) . قوله «كهيعص قرأ بفتح الهاء» عبارة النسفي. قرأ على و يحيى بكسر الهاء و الياء، و نافع بين الفتح و الكسر، و إلى الفتح أقرب. و أبو عمرو بكسر الهاء و فتح الياء. و حمزة بعكسه. و غيرهم بفتحهما. (ع)

(2) . قوله «و قرأ الحسن ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ أى هذا الخ» يحتاج إلى تحرير، فان الرفع قراءة الجمهور. و قوله «ذكر على الأمر» أى و رَحْمَةِ رَبِّكَ بالنصب. (ع)

(3) . قوله «في إبان الكبرة و الشيخوخة» في الصحاح: الكبر في السن، و الاسم الكبرة بالفتح. و فيه أيضا:

شاخ الرجل يشيخ شيخا بالتحريك: جاء على أصله، و شيخوخة اهـ و ليس فيه شيوخة. و فيه أيضا: إبان الشي‏ء بالكسر و التشديد: وقته و أوانه. (ع)

4

و اختلف في سنّ زكريا عليه السلام، فقيل: ستون، و خمس و ستون، و سبعون، و خمس و سبعون، و خمس و ثمانون.

قرئ وَهَنَ بالحركات الثلاث، و إنما ذكر العظم لأنه عمود البدن و به قوامه و هو أصل بنائه، فإذا و هن تداعى و تساقطت قوته، و لأنه أشد ما فيه و أصلبه، فإذا و هن كان ما وراءه أوهن. و وحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، و قصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود و القوام و أشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، و لو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر، و هو أنه لم يهن منه بعض عظامه و لكن كلها. إدغام السين في الشين عن أبى عمرو. شبه الشيب بشواظ النار في بياضه و إنارته و انتشاره في الشعر و فشوّه فيه و أخذه منه كل مأخذ، باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر و منبته و هو الرأس. و أخرج الشيب مميزا و لم يضف الرأس: اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة و شهد لها بالبلاغة. توسل إلى اللّه بما سلف له من الاستجابة. و عن بعضهم أن محتاجا سأله و قال: أنا الذي أحسنت إلىّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا، و قضى حاجته.

كان مواليه-و هم عصبته إخوته و بنو عمه-شرار بنى إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه و يبدّلوه، و أن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا من صلبه صالحا يقتدى به في إحياء الدين و يرتسم مراسمه فيه مِنْ وَرََائِي بعد موتى. و قرأ ابن كثير: من وراي، بالقصر، و هذا الظرف لا يتعلق بخِفْتُ لفساد المعنى، و لكن بمحذوف. أو بمعنى الولاية في الموالي: أى خفت فعل الموالي و هو تبديلهم و سوء خلافتهم من ورائي. أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي.

و قرأ عثمان و محمد بن على و على بن الحسين رضى اللّه عنهم. خفت الموالي من ورائي، و هذا على معنيين، أحدهما: أن يكون وَرََائِي بمعنى خلفي و بعدي، فيتعلق الظرف بالموالي: أى قلوا و عجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم و مظاهرتهم بولىّ يرزقه. و الثاني: أن يكون‏

5

بمعنى قدامى، فيتعلق بخِفْتُ، و يريد أنهم خفوا قدامه و درجوا و لم يبق منهم من به تقوّ و اعتضاد مِنْ لَدُنْكَ تأكيد لكونه وليا مرضيا، بكونه مضافا إلى اللّه تعالى و صادرا من عنده، و إلا -فهب لي وليا يرثني-كاف، أو أراد اختراعا منك بلا سبب لأنى و امرأتى لا نصلح للولادة يَرِثُنِي وَ يَرِثُ الجزم جواب الدعاء، و الرفع صفة. و نحوه‏ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي و عن ابن عباس و الجحدري: يرثنى وارث آل يعقوب، نصب على الحال. و عن الجحدري: أو يرث، على تصغير وارث، و قال: غليم صغير. و عن على رضى اللّه عنه و جماعة: وارث من آل يعقوب:

أى يرثني به وارث، و يسمى التجريد في علم البيان، و المراد بالإرث إرث الشرع و العلم، لأنّ الأنبياء لا تورّث المال. و قيل يرثني الحبورة و كان حبرا، و يرث من آل يعقوب الملك. يقال:

ورثته و ورثت منه لغتان. و قيل «من» للتبعيض لا للتعدية، لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء و لا علماء، و كان زكريا عليه السلام من نسل يعقوب بن إسحاق. و قيل: هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا. و قيل: يعقوب هذا و عمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود.

سَمِيًّا لم يسمّ أحد بيحيى قبله، و هذا شاهد على أنّ الأسامى السنع جديرة بالأثرة، و إياها كانت العرب تنتحى في التسمية لكونها أنبه و أنوه و أنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم:

سنع الأسامى مسبلى أزر # حمر تمس الأرض بالهدب‏ (1)

و قال رؤبة للنسابة البكري-و قد سأله عن نسبه-: أنا ابن العجاج، فقال: قصرت و عرفت.

و قيل: مثلا و شبيها عن مجاهد، كقوله‏ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا و إنما قيل للمثل «سمىّ» لأنّ كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل و الشبيه و الشكل و النظير، فكل واحد منهما سمىّ لصاحبه، و نحو «يحيى» في أسمائهم «يعمر، و يعيش» إن كانت التسمية عربية، و قد سموا بيموت أيضا، و هو يموت ابن المزرع، قالوا: لم يكن له مثل في أنه لم يعص و لم يهم بمعصية قط، و أنه ولد بين شيخ فان و عجوز عاقر، و أنه كان حصورا.

____________

(1) . يقال سنع الرجل كظرف، فهو سنيع أى جميل، و أسنع، و المرأة سنعاء، و سنع جمع أسنع: أى أسماؤهم حسنة، فهي أنبه و أنوه و أنزه عن النبز، و الحمر: صفة الأزر، و تمس: صفة أخرى لها. و هدب الشي‏ء: طرفه، و المناسب للمعنى أن المراد به الجمع، و يمكن أن يكون ضمنه مفردا كقفل، و جمعا كفلك. و يجوز أنه اسم جمع، و لذلك جاء في واحده هدية. و مس الأرض بالأطراف: كناية عن طولها، بل عن غناهم و ثروتهم اللازم له ذلك.

6

أى كانت على صفة العقر حين أنا شاب و كهل، فما رزقت الولد لاختلال أحد السببين، أ فحين اختل السبيان جميعا أرزقه؟فإن قلت: لم طلب أو لا و هو و امرأته على صفة العتىّ و العقر (1) ، فلما أسعف بطلبته استبعدوا و استعجب؟قلت: ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا و يرتدع المبطلون، و إلا فمعتقد زكريا أولا و آخرا كان على منهاج واحد: في أنّ اللّه غنى عن الأسباب، أى بلغت عتيا: و هو اليبس و الجساوة في المفاصل و العظام كالعود القاحل‏ (2) .

يقال: عتا العود و عسا من أجل الكبر و الطعن في السن العالية. أو بلغت من مدارج الكبر و مراتبه ما يسمى عتيا. و قرأ ابن وثاب و حمزة و الكسائي بكسر العين، و كذلك صليا، و ابن مسعود بفتحهما (3) فيهما. و قرأ أبىّ و مجاهد: عسيا (4) .

كَذََلِكَ الكاف رفع، أى الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ قََالَ رَبُّكَ أو نصب بقال، و ذلك إشارة إلى مبهم يفسره هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ و نحوه‏ وَ قَضَيْنََا إِلَيْهِ ذََلِكَ اَلْأَمْرَ أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ و قرأ الحسن: و هو على هين، و لا يخرج هذا إلا على الوجه الأول:

أى الأمر كما قلت، و هو على ذلك يهون على. و وجه آخر: و هو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد اللّه، لا إلى قول زكريا. و «قال» محذوف في كلتا القراءتين: أى قال هو علىّ هين قال و هو علىّ هين، و إن شئت لم تنوه، لأن اللّه هو المخاطب، و المعنى أنه قال ذلك و وعده

____________

(1) . قال محمود: «ان قلت لم طلب أو لا و هو و امرأته على صفة العتي... الخ» قال أحمد: و فيما أجاب به نظر، لأنه التزم أن زكريا استبعد ما وعده اللّه عز و جل بوقوعه، و لا يجوز للنبي النطق بما لا يسوغ، لمثل هذه الفائدة التي عينها الزمخشري و يمكن حصولها بدونه، فالظاهر في الجواب-و اللّه أعلم-أن طلبة زكريا إنما كانت ولدا من حيث الجملة، و بحسب ذلك أجيب، و ليس في الاجابة ما يدل على أنه يولد له و هو هرم، و لا أنه من زوجته و هي عاقر، فاحتمل عنده أن يكون الموعود و هما بهذه الحالة، و احتمل أن تعاد لهما قوتهما و شبابهما، كما فعل اللّه ذلك لغيرهما.

أو أن يكون الولد من غير زوجته العاقر، فاستبعد الولد منهما و هما بحالهما، فاستخبر أ يكون و هما كذلك، فقيل:

كذلك، أى: يكون الولد و أنتما كذلك، فقد انصرف الإيعاد إلى عين الموعود فزال الاشكال، و اللّه أعلم.

(2) . قوله «كالعود القاحل» أى اليابس، كذا في الصحاح. (ع)

(3) . قوله «بفتحهما» لعله بفتحها. (ع)

(4) . قوله «عسيا» في الصحاح: عسى الشيخ يعسو عسيا: ولى و كبر، مثل عتا. (ع)

7

و قوله الحق شَيْئاً لأن المعدوم ليس بشي‏ء. أو شيئا يعتدّ به‏ (1) ، كقولهم: عجبت من لا شي‏ء، و قوله:

إذا رأى غير شي‏ء ظنّه رجلا (2)

و قرأ الأعمش و الكسائي و ابن وثاب: خلقناك.

أى اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به. قال: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه، و أنت سليم الجوارح سوىّ الخلق، ما بك خرس و لا بكم. دل ذكر الليالي هنا، و الأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام و لياليهن.

أوحى: أشار عن مجاهد، و يشهد له‏ إِلاََّ رَمْزاً . و عن ابن عباس: كتب لهم على الأرض سَبِّحُوا صلوا، أو على الظاهر، و أن: هي المفسرة.

أى خذ التوراة بحد و استظهار بالتوفيق و التأييد اَلْحُكْمَ الحكمة. و منه:

و احكم كحكم فتاة الحي‏ (3)

____________

(1) . قال محمود: «إنما قيل ذلك لأن المعدوم ليس بشي‏ء أو شيئا يعتد به... الخ» قال أحمد: قسر أولا على ظاهر النفي الصرف و هو الحق، لأن المعدوم ليس شيئا قطعا، خلافا للمعتزلة في قولهم: إن المعدوم الممكن شي‏ء.

و من ثم كافح الزمخشري عن البقاء على التفسير الأول إلى الثاني بوجه من التأويل يلائم معتقد المعتزلة. فجعل المنفي الشيئية المعتد بها، و إن كانت الشيئية المطلقة ثابتة عنده للمعدوم، و الحق بقاء الظاهر في نصابه.

(2) .

و ضاقت الأرض حتى كان هاربهم # إذا رأى غير شي‏ء ظنه رجلا

يقول: و ضاقت الأرض على أعدائنا، لأن كل مسلك يريدونه يظنون أحدا منا فيه فيرجعون، فاستعير الضيق الحسى لذلك على طريق التصريح، حتى كان الهارب منهم إذا رأى غير شي‏ء ظنه رجلا منا، فيرجع خوفا، و الشي‏ء هو الموجود و غيره هو المعدوم، و لكن استعير للشي‏ء الحقير التافه لعدم الاعتداد بكل على طريق التصريح، و ذلك ليصح وقوع الرؤية عليه.

(3) .

و احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت # إلى حمام سراع وارد الثمد

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا و نصفه فقد

فحبسوه فألفوه كما وجدت # ستا و ستين لم تنقص و لم تزد

للنابغة و اسمه زياد، يخاطب النعمان بن المنذر، و الفتاة: زرقاء اليمامة التي يضرب بها المثل في حدة البصر، نظرت إلى حمام مسرع إلى الماء فقالت: ليت الحمام ليه. إلى حمامتيه. و نصفه قديه. ثم الحمام مية. فوقع في شبكة صياد، فوجدوه ستا و ستين حمامة، و نصفه ثلاثة و ثلاثون، فإذا ضم الكل إلى حمامتها صار مائة، و الحمام: كل ذى طوق من الطيور. و سراع: جمع سريع، و صفه به لأنه جمع في المعنى، و بوارد لأنه مفرد في اللفظ. و يروى «شراع» بالشين المشالة جمع شارع. و الثمد: الماء القليل. و روى الحمام و نصفه بالرفع، على إهمال ليتما. و بالنصب على إعمالها، لأن «ما» زائدة لا كافة، و إلا وجب الإهمال. و روى «أو نصفه» فأو بمعنى الواو، و الكلام على تقدير مضاف، لأنها تمنت أن يكون هذا الحمام و مقدار نصفه لها. و إلى حمامتنا: متعلق بمحذوف، أى: منضما إليها. و قد: اسم بمعنى حسب، أضيفت إلى ياء المتكلم بغير نون الوقاية، كما يقال: حسبي: و يحتمل أن الياء حرف إطلاق، فلا إضافة و لكنها متعينة في كلام زرقاء، و الهاء فيه للسكت، و هو يرجح الاضافة في كلام النابغة، و الفاء فيه زائدة لتحسين اللفظ كفاء فقط، و كلاهما بمعنى انته، و كأنها فاء الجواب، أى: إذا بلغت هذا الحد فانته كما أفاده السعد في مطوله، و حبسوه ينبغي تشديده ليسلم الشعر من الخبل، و هو نوع من الزحاف يقبح دخوله هنا.

و يروى «حسبوه» بتقديم السين على الباء.

8

يقال حكم حكما كحلم، و هو الفهم للتوراة و الفقه في الدين عن ابن عباس. و قيل: دعاه الصبيان إلى اللعب و هو صبى فقال: ما للعب خلقنا، عن الضحاك. و عن معمر: العقل، و قيل النبوّة، لأنّ اللّه أحكم عقله في صباه و أوحى إليه.

حَنََاناً رحمة لأبويه و غيرهما، و تعطفا و شفقة. أنشد سيبويه:

و قالت حنان ما أتى بك هاهنا # أ ذو نسب أم أنت بالحي عارف‏ (1)

و قيل: حنانا من اللّه عليه. و حنّ: في معنى ارتاح و اشتاق، ثم استعمل في العطف و الرأفة، و قيل للّه «حنان» كما قيل «رحيم» على سبيل الاستعارة. و الزكاة: الطهارة، و قيل الصدقة، أى:

يتعطف على الناس و يتصدّق عليهم:

____________

(1) .

و أحدث عهد من أمينة نظرة # على جانب العلياء إذ أنا واقف

فقالت حنان ما أتى بك هاهنا # أ ذو نسب أم أنت بالحي عارف‏

لمنذر بن درهم الكلبي، يقول: و أقرب عهد: أى لقاء و رؤية لأمينة محبوبتى تصغير آمنة، هو نظرة منى لها بجانب تلك البقعة، إذ أنا واقف هناك: أى حين وقوفي بها. و فيه إشعار بأنه كان واقفا يترقب رؤيتها، فلما رأته هي قالت له: حنان أى أمرى حنان و رحمة لك، و هو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لنيابة الخبر عن الفعل، لأنه مصدر محول عن النصب. و قولها «ما أتى بك هاهنا» استفهام تعجبي. أ ذو نسب: أى أ أنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي؟و يجوز أن «أ ذو نسب» بدل من ما الاستقامية: أى الذي حملك على المجي‏ء هنا أو الذي ذلك عليه صاحب قرابة من الحي أى معرفتك به؟و يجوز أن الاستفهام حقيقى حكته على لسان غيرها، لتلقنه الجواب بقولها:

أ ذو نسب...

الخ، مع معرفتها سبب مجيئه و هو حبها، ربما يسأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين.

9

سلم اللّه عليه في هذه الأحوال، قال ابن عيينة: إنها أوحش المواطن.

إِذِ بدل من مَرْيَمَ بدل الاشتمال، لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. و فيه أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا، لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. و الانتباذ: الاعتزال و الانفراد، تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقى بيت المقدس، أو من دارها معتزلة عن الناس. و قيل:

قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشي‏ء يسترها، و كان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمى شاب أمرد وضي‏ء الوجه جعد الشعر سوىّ الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا. أو حسن الصورة مستوى الخلق، و إنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه و لا تنفر عنه، و لو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت و لم تقدر على استماع كلامه. و دلّ على عفافها و ورعها أنها تعوّذت باللّه من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، و كان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها و سبرا لعفتها. و قيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا و لها محراب على حدة تسكنه، و كان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلى رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك.

و قيل: قام بين يديها في صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس. و قيل: إنّ النصارى اتخذت المشرق قبلة لانتباذ مريم مكانا شرقيا. الروح: جبريل، لأنّ الدين يحيا به و بوحيه. أو سماه اللّه روحه على المجاز محبة له و تقريبا، كما تقول لحبيبك: أنت روحي. و قرأ أبو حيوة: روحنا، بالفتح، لأنه سبب لما فيه روح العباد، و إصابة الرّوح عند اللّه الذي هو عدّة المقرّبين في قوله‏ فَأَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ `فَرَوْحٌ وَ رَيْحََانٌ أو لأنه من المقرّبين و هم الموعودون بالروح، أى: مقرّبنا و ذا روحنا.

أرادت إن كان يرجى منك أن تتقى اللّه و تخشاه و تحفل بالاستعاذة به، فإنى عائدة به منك كقوله تعالى‏ بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

10

أى إنما أنا رسول من استعذت به لِأَهَبَ لَكِ لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع‏ (1) . و في بعض المصاحف: إنما أنا رسول ربك أمرنى أن أهب لك. أو هي حكاية لقول اللّه تعالى.

جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه، كقوله تعالى‏ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ* أَوْ لاََمَسْتُمُ اَلنِّسََاءَ* و الزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها و خبث بها و ما أشبه ذلك، و ليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات و الآداب. و البغىّ: الفاجرة التي تبغى الرجال، و هي فعول عند المبرد «بغوى» فأدغمت الواو في الياء. و قال ابن جنى في كتاب التمام: هي فعيل، و لو كانت فعولا لقيل «بغوّ» كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً تعليل معلله محذوف أى: و لنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أى لنبين به قدرتنا و لنجعله آية. و نحوه: وَ خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ و قوله‏ وَ كَذََلِكَ مَكَّنََّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ . مَقْضِيًّا مقدّرا مسطورا في اللوح لا بدّ لك من جريه عليك. أو كان أمرا حقيقا بأن يكون و يقضى لكونه آية و رحمة. و المراد بالآية: العبرة و البرهان على قدرة اللّه، و بالرحمة: الشرائع و الألطاف، و ما كان سببا في قوّة الاعتقاد و التوصل إلى الطاعة و العمل الصالح. فهو جدير بالتكوين.

عن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. و قيل: كانت مدّة الحمل ستة أشهر. و عن عطاء و أبى العالية و الضحاك: سبعة أشهر. و قيل: ثمانية، و لم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى. و قيل: ثلاث ساعات. و قيل:

حملته في ساعة، و صوّر في ساعة، و وضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها. و عن ابن عباس: كانت مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. و قيل: حملته و هي بنت ثلاث عشرة سنة. و قيل: بنت عشر، و قد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. و قالوا: ما من

____________

(1) . قوله «في الدرع» في الصحاح «درع المرأة» قميصها. (ع)

11

مولود إلا يستهلّ غيره‏ (1) فَانْتَبَذَتْ بِهِ أى اعتزلت و هو في بطنها، كقوله:

تدوس بنا الجماحم و التّريبا (2)

أى تدوس الجماجم و نحن على ظهورها، و نحوه قوله تعالى‏ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أى تنبت و دهنها فيها: الجار و المجرور في موضع الحال قَصِيًّا بعيدا من أهلها وراء الجبل. و قيل: أقصى الدار. و قيل: كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل: حملت من الزنا، خاف عليها قتل الملك، فهرب بها فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها.

فَأَجََاءَهَا أجاء: منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان و أجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته و أبلغنيه. و نظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، و لم تقل: أتيت المكان و آتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية اَلْمَخََاضُ بالكسر. يقال: مخضت الحامل مخاضا و مخاضا، و هو تمخض الولد في بطنها (3) .

طلبت الجذع لتستتر به و تعتمد عليه عند الولادة، و كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس و لا ثمرة و لا خضرة، و كان الوقت شتاء، و التعريف لا يخلو: إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم و الصعق، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل. و إمّا أن يكون تعريف الجنس، أى: جذع هذه الشجرة خاصة، كأن اللّه تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو حرسة النفساء الموافقة لها، و لأن النخلة أقل شي‏ء صبرا على البرد، و ثمارها إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها و ألجأها إليها. قرئ مِتُّ بالضم و الكسر. يقال: مات يموت و مات يمات. النسىّ: ما من حقه أن يطرح و ينسى، كخرقة الطامث و نحوها، كالذبح: اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى‏ وَ فَدَيْنََاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ و عن

____________

(1) . قوله «ما من مولود إلا يستهل غيره» في الصحاح «استهل الصبى» أى صاح عند الولادة. (ع)

(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بصفحة 138 من الجزء الأول فراجعه إن شئت اه مصححه.

(3) . قوله «و هو تمخض الولد في بطنها» في الصحاح «تمخض اللبن و استمخض» أى تحرك في الممخضة، و كذلك الولد إذا تحرك في بطن الحامل. (ع)

12

يونس: العرب إذا ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم، أى: الشي‏ء اليسير نحو العصا و القدح و الشظاظ (1) . تمنت لو كانت شيئا تافها لا يؤبه له، من شأنه و حقه أن ينسى في العادة و قد نسى و طرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه، و ذلك لما لحقها من فرط الحياء و التشوّر (2)

من الناس على حكم العادة البشرية، لا كراهة لحكم اللّه، أو لشدّة التكليف عليها إذا بهتوها (3)

و هي عارفة ببراءة الساحة و بضدّ ما قرفت به، من اختصاص اللّه إياها بغاية الإجلال و الإكرام لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم و فضل باهر تستحق به المدح و تستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيبا يعاب به و يعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا اللّه بسببها. و قرأ ابن وثاب و الأعمش و حمزة و حفص نَسْياً بالفتح. قال الفراء: هما لغتان كالوتر و الوتر، و الجسر و الجسر. و يجوز أن يكون مسمى بالمصدر. كالحمل. و قرأ محمد بن كعب القرظي «نسأ» بالهمز و هو الحليب المخلوط بالماء، ينسؤه أهله لقلته و نزارته. و قرأ الأعمش مَنْسِيًّا بالكسر على الإتباع، كالمغيرة و المنخر.

مِنْ تَحْتِهََا هو جبريل عليه السلام. قيل: كان يقبل الولد كالقابلة. و قيل: هو عيسى، و هي قراءة عاصم و أبى عمرو. و قيل تَحْتِهََا أسفل من مكانها، كقوله‏ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ* و قيل: كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها أَلاََّ تَحْزَنِي و قرأ نافع و حمزة و الكسائي و حفص مِنْ تَحْتِهََا و في ناداها ضمير الملك أو عيسى. و عن قتادة: الضمير في تحتها للنخلة. و قرأ زرّ و علقمة: فخاطبها من تحتها.

سئل النبي صلى اللّه عليه و سلم عن السرىّ فقال: «هو الجدول‏ (4) » . قال لبيد:

____________

(1) . قوله «و الشظاظ» في الصحاح «الشظاظ» العود الذي يدخل في عروة الجوالق. و فيه «الجوالق» وعاء: (ع)

(2) . قوله «من فرط الحيا و التشور من الناس» خوف إظهار العورة. أفاده الصحاح. (ع)

(3) . قوله «إذا بهتوها و هي عارفة... الخ» اتهموها بما ليس فيها. و قرفت: اتهمت. (ع)

(4) . أخرجه الطبراني في الصغير و ابن عدى من رواية أبى سنان سعيد بن سنان عن أبى إسحاق عن البراء عن النبي صلى اللّه عليه و سلم. في قوله تعالى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال: السرى النهر. قال الطبراني لم يرفعه عن أبى إسحاق إلا أبو سنان رواه عنه معاوية بن يحيى و هو ضعيف و أخرجه عند الرزاق عن الثوري عن أبى إسحاق عن البراء موقوفا، و كذا ذكره البخاري تعليقا عن وكيع عن إسرائيل عن أبى إسحاق. و رواه ابن مردويه من طريق آدم عن إسرائيل كذلك. و أخرجه الحاكم من وجه آخر عن أبى إسحاق موقوفا. و في الباب عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال «إن السرى الذي قال اللّه تعالى لمريم: نهر أخرجه اللّه لتشرب منه، أخرجه الطبراني و أبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة عن ابن عمر. و رواية عن أيوب بن نهيك، ضعفه أبو حاتم و أبو زرعة.

13

فتوسّطا عرض السّري فصدّعا # مسجورة متجاورا قلاّمها (1)

و قيل: هو من السرو (2) . و المراد: عيسى. و عن الحسن: كان و اللّه عبدا سريا. فإن قلت.

ما كان حزنها لفقد الطعام و الشراب حتى تسلى بالسرى و الرطب؟قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث أنهما طعام و شراب، و لكن من حيث أنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة و البعد من الريبة، و أن مثلها مما قرفوها به بمعزل، و أن لها أمورا إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا و اعتادوا، حتى يتبين لهم أنّ ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها.

تُسََاقِطْ فيه تسع قراآت: تساقط، بإدغام التاء. و تتساقط، بإظهار التاءين. و تساقط، بطرح الثانية. و يساقط، بالياء و إدغام التاء. و تساقط، و تسقط، و يسقط، و تسقط، و يسقط: التاء للنخلة، و الياء للجذع. و رطبا تمييز أو مفعول على حسب القراءة. و عن المبرد:

جواز انتصابه بهزّى و ليس بذاك. و الباء في بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ صلة للتأكيد، كقوله تعالى‏ وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ أو على معنى: افعلي الهزّ به، كقوله:

يجرح في عراقيبها نصلى‏ (3)

قالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت، و كذلك التحنيك، و قالوا: كان من العجوة.

و قيل: ما للنفساء خير من الرطب، و لا للمريض خير من العسل، و قيل: إذا عسر ولادها لم

____________

(1) .

فمضى و قدمها و كانت عادة # منه إذا هي عردت أقدامها

فتوسطا عرض السرى فصدعا # مسجورة متجاورا قلامها

للبيد من معلقته، يصف حمارا وحشيا بأنه مضى خلف أتانه نحو الماء و قدمها أمامه. و أقدامها: اسم كان، و ألحقه التاء لاكتساب الأقدام التأنيث من الضمير المضاف إليه. و قيل: لأنه بمعنى التقدمة التي هي مصدر قدمها المضاعف كالتقديم. و عادة خبر كان. و «إذا هي عردت» بالتضعيف أى تأخرت و جبنت، فتوسطا: أى الحمار و الأتان، عرض السرى: أى ناحية النهر الصغير و جانبه، فصدعا: أى شقا عينا مسجورة مملوءة، و كان المقام للاضمار، فأظهر ليتأتى الوصف. أو للتجربة، أو العين من النهر، و ليست هي هو و هذا أوجه. و القلام-كرمان-:

القاقلى، و قيل مطلق النبات، و تجاوزه: كناية عن كثرته.

(2) . قوله «و قيل هو من السرو» في الصحاح «السرو» سخاء في مروءة. (ع)

(3) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة 578 فراجعه إن شئت اه مصححه.

14

يكن لها خير من الرطب. عن طلحة بن سليمان جَنِيًّا بكسر الجيم للإتباع، أى جمعنا لك في السرىّ و الرطب فائدتين، إحداهما: الأكل و الشرب، و الثانية سلوة الصدر، لكونهما معجزتين، و هو معنى قوله فَكُلِي وَ اِشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً} أى و طيبي نفسا و لا تغتمي و ارفضى عنك ما أحزنك و أهمك. و قرئ: وَ قَرِّي بالكسر لغة نجد فَإِمََّا تَرَيِنَّ بالهمز: ابن الرومي. عن أبى عمرو: و هذا من لغة من يقول: لبأت بالحج، و حلأت السويق‏ (1) ، و ذلك لتآخ بين الهمز و حرف اللين في الإبدال صَوْماً صمتا. و في مصحف عبد اللّه: صمتا. و عن أنس بن مالك مثله. و قيل: صياما، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، و قد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن صوم الصمت‏ (2) ، لأنه نسخ في أمته، أمرها اللّه بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المنهمين لها في الكلام لمعنيين، أحدهما: أن عيسى صلوات اللّه عليه يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها. و الثاني: كراهة مجادلة السفهاء و مناقلتهم. و فيه أن السكوت عن السفيه واجب. و من أذل الناس: سفيه لم يجد مسافها. قيل: أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة.

و قيل: سوغ لها ذلك بالنطق إِنْسِيًّا أى أكلم الملائكة دون الإنس‏

الفرىّ: البديع، و هو من فرى الجلد يََا أُخْتَ هََارُونَ كان أخاها من أبيها من أمثل بنى إسرائيل. و قيل: هو أخو موسى صلوات اللّه عليهما. و عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إنما عنوا هرون النبىّ‏ (3) » و كانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها و بينه ألف سنة و أكثر. و عن السدى: كانت من أولاده، و إنما قيل: يا أخت هرون، كما يقال يا أخا همدان، أى: يا واحدا منهم. و قيل: رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أى: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، و لم ترد إخوة النسب، ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى

____________

(1) . قوله «يقول لبأت بالحج و حلأت السويق» و الكثير: لبيت بالحج، و حليت السويق، أى: جعلته حلوا. (ع)

(2) . لم أره هكذا و أخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ «لا صمت يوم إلى الليل» و فيه حزام بن عثمان و هو ضعيف و لأبى داود من حديث على مثله. و قد تقدم في تفسير النساء.

(3) . لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند و رواه الطبري عن السدى. قوله و ليس بصحيح. فان عند مسلم و النسائي و الترمذي عن المغيرة بن شعبة. قال «بعثني النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى نجران فقالوا لي: أرأيتم شيئا يقرءونه يََا أُخْتَ هََارُونَ و بين موسى و عيسى ما شاء اللّه من السنين فلم أدر ما أجيبهم فقال لي النبي صلى اللّه عليه و سلم هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم و الصالحين من قبلهم» و روى الطبري من طريق ابن سيرين «نبئت أن كعبا قال إن قوله تعالى يََا أُخْتَ هََارُونَ ليس بهارون أخى موسى فقالت له عائشة «كذبت. فقال لها يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى اللّه عليه و سلم قال فهو أعلم و إلا فأنا أجد بينهما ستمائة سنة» .

15

هرون تبركا به و باسمه، فقالوا: كنا نشبهك بهرون هذا. و قرأ عمر بن لجاء التيمي مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ و قيل احتمل يوسف النجار مريم و ابنها إلى غار، فلبثوا فيه أربعين يوما حتى تعلت من نفاسها (1) ، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه، أبشرى فإنى عبد اللّه و مسيحه، فلما دخلت به على قومها و هم أهل بيت صالحون تباكوا و قالوا ذلك. و قيل:

هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام. فتركوها.

فَأَشََارَتْ إِلَيْهِ أى هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. و قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام. و عن السدى: لما أشارت إليه غضبوا و قالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها. و روى أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع و أقبل عليهم بوجهه، و اتكأ على يساره و أشار بسبابته. و قيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان كََانَ لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه و بعيده، و هو هاهنا لقريبه خاصة، و الدال عليه مبنى الكلام، و أنه مسوق للتعجب. و وجه آخر: أن يكون نُكَلِّمُ حكاية حال ماضية، أى: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا.

أنطقه اللّه أوّلا بأنه عبد اللّه ردا لقول النصارى اَلْكِتََابَ هو الإنجيل. و اختلفوا في نبوّته، فقيل: أعطيها في طفوليته: أكمل اللّه عقله، و استنبأه طفلا نظرا في ظاهر الآية.

و قيل: معناه إنّ ذلك سبق في قضائه. أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد} مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «نفاعا حيث كنت‏ (2) » و قيل: معلما للخير.

____________

(1) . قوله «حتى تعلت من نفاسها» في الصحاح «تعلى» أى علا في مهلة. و تعلت المرأة من نفاسها: أى سلمت، و تعلى الرجل من علته. (ع)

(2) . أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبى هريرة بهذا و أتم منه. و قال تفرد به هشيم عن يونس و عنه شعيب بن محمد الكوفي و رواه ابن مردويه من هذا الوجه.

16

و قرئ‏} وَ بَرًّا عن أبى نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره. أو نصبه بفعل في معنى أوصانى و هو كلفنى، لأن أوصانى بالصلاة و كلفنيها واحد} وَ اَلسَّلاََمُ عَلَيَّ قيل: أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا. و المعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلىّ. و الصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمى مريم عليها السلام و أعدائها من اليهود. و تحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال:

و جنس السلام علىّ خاصة فقد عرض بأن ضدّه عليكم. و نظيره قوله تعالى‏ وَ اَلسَّلاََمُ عَلى‏ََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدى‏ََ يعنى أنّ العذاب على من كذب و تولى، و كان المقام مقام منا كرة و عناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض.

قرأ عاصم و ابن عامر قَوْلَ اَلْحَقِّ بالنصب. و عن ابن مسعود: قال الحق، و قال اللّه- و عن الحسن: قول الحق، بضم القاف، و كذلك في الأنعام‏ قَوْلُهُ اَلْحَقُّ و القول و القال و القول بمعنى واحد، كالرهب و الرهب و الرهب. و ارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. و أما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة اللّه، و على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات و الصدق، كقولك: هو عبد اللّه حقا. و الحق لا الباطل، و إنما قيل لعيسى «كلمة اللّه» و «قول الحق» لأنه لم يولد إلا بكلمة اللّه وحدها، و هي قوله كُنْ من غير واسطة أب، تسمية للسبب باسم السبب، كما سمى العشب بالسماء، و الشحم بالنداء و يحتمل إذا أريد بقول الحق عيسى، أن يكون الحق اسم اللّه عزّ و جل، و أن يكون بمعنى الثبات و الصدق، و يعضده قوله اَلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ أى أمره حق يقين و هم فيه شاكون يَمْتَرُونَ يشكون. و المرية: الشك. أو يتمارون: يتلاحون‏ (1) ، قالت اليهود: ساحر كذاب، و قالت النصارى: ابن اللّه و ثالث ثلاثة. و قرأ على بن أبى طالب رضى اللّه عنه:

تمترون، على الخطاب. و عن أبىّ بن كعب: قول الحق الذي كان الناس فيه يمترون.

كذب النصارى و بكتهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، و أنه مما لا يتأتى و لا يتصور في العقول و ليس بمقدور عليه، إذ من المحال غير المستقيم أن تكون ذاته كذات من ينشأ منه

____________

(1) . قوله «يتلاحون» التلاحي بمعنى التنازع كما في الصحاح. و عبارة النسفي: أو يختلفون، من المراء، فقالت اليهود... الخ. (ع)

17

الولد، ثم بين إحالة ذلك بأن من إذا أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده بكن، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. و القول هاهنا مجاز، و معناه: أنّ إرادته للشي‏ء يتبعها كونه لا محالة من غير توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.

قرأ المدنيون و أبو عمرو بفتح أن. و معناه: و لأنه ربى و ربكم فاعبدوه، كقوله‏ وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً و الأستار و أبو عبيد بالكسر على الابتداء. و في حرف أبىّ: إن اللّه، بالكسر بغير واو، و بأن اللّه، أى: بسبب ذلك‏ (1) فاعبدوه.

اَلْأَحْزََابُ اليهود و النصارى عن الكلبي. و قيل النصارى لتحزبهم ثلاث فرق: نسطورية و يعقوبية و ملكانية. و عن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أى من شهودهم هول الحساب و الجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه و هو الموقف. أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، و أن تشهد عليهم الملائكة و الأنبياء و ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بالكفر و سوء الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. و قيل: هو ما قالوه و شهدوا به في عيسى و أمه.

لا يوصف اللّه تعالى بالتعجب و إنما المراد أن أسماعهم و أبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما و عميا في الدنيا. و قيل: معناه التهديد بما سيسمعون و يبصرون مما يسوءهم و يصدع قلوبهم. أوقع الظاهر أعنى الظالمين موقع الضمير: إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع و النظر حين يجدى عليهم و يسعدهم. و المراد بالضلال المبين: إغفال النظر و الاستماع‏} قُضِيَ اَلْأَمْرُ فرغ من الحساب و تصادر الفريقان إلى الجنة و النار. و عن النبي صلى

____________

(1) . قوله «و بأن اللّه أى بسبب ذلك» لعله: أى بأن اللّه. و يمكن أنه عطف على أن اللّه، و يكون في حرف أبى القراءتان. (ع) (2-كشاف-3)

18

اللّه عليه و سلم أنه سئل عنه أى عن قضاء الأمر فقال: «حين يذبح الكبش و الفريقان ينظران» (1)

و إذ بدل من يوم الحسرة. أو منصوب بالحسرة وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ متعلق بقوله في ضلال مبين عن الحسن. و أنذرهم: اعتراض. أو هو متعلق بأنذرهم، أى: و أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. يحتمل أنه يميتهم و يخرب ديارهم، و أنه يفنى أجسادهم و يفنى الأرض و يذهب بها.

الصدّيق: من أبنية المبالغة. و نظيره الضحيك و النطيق. و المراد، فرط صدقه و كثرة ما صدّق به من غيوب اللّه و آياته و كتبه و رسله، و كان الرجحان و الغلبة في هذا التصديق للكتب و الرسل أى: كان مصدقا بجميع الأنبياء و كتبهم، و كان نبيا في نفسه، كقوله تعالى‏ بَلْ جََاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ اَلْمُرْسَلِينَ أو كان بليغا في الصدق، لأن ملاك أمر النبوة الصدق، و مصدق اللّه بآياته و معجزاته حرىّ أن يكون كذلك، و هذه الجملة وقعت اعتراضا بين المبدل منه و بدله، أعنى إبراهيم. و} إِذْ قََالَ نحو قولك: رأيت زيدا، و نعم الرجل أخاك. و يجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقا نبيا، أى: كان جامعا لخصائص الصديقين و الأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

و المراد بذكر الرسول إياه و قصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس و يبلغه إياهم، كقوله‏ وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرََاهِيمَ و إلا فاللّه عز و جل هو ذاكره و مورده في تنزيله. التاء في‏} يََا أَبَتِ عوض من ياء الإضافة، و لا يقال يا أبتى، لئلا يجمع بين العوض و المعوض منه. و قيل: يا أبتا، لكون الألف بدلا من الياء، و شبه ذلك سيبويه بأينق، و تعويض الياء فيه عن الواو الساقطة.

انظر حين أراد أن ينصح أباه و يعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم و الارتكاب الشنيع

____________

(1) . لم أجده هكذا. و في الصحيحين عن أبى سعيد الخدري مرفوعا «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح-الحديث» و فيه و كلهم قد رآه فيذبح. ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت و يا أهل النار خلود فلا موت» ثم قرأ وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ اَلْأَمْرُ الآية و أخرجاه عن ابن عمر نحوه دون قراءة الآية. و في الباب عن أبى هريرة عند ابن حبان و الحاكم و النسائي. و أخرجه البخاري دون ذكر الذبح. و أخرجه أبو يعلى و البزار من حديث أنس.

و في آخره «فيأمن هؤلاء. و ينقطع رجاء هؤلاء» .

19

الذي عصا فيه أمر العقلاء و انسلخ عن قضية التمييز، و من الغباوة التي ليس بعدها غباوة: كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، و ساقه أرشق مساق‏ (1) ، مع استعمال المجاملة و اللطف و الرفق و اللين و الأدب الجميل و الخلق الحسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز و علا، حدّث أبو هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم «أوحى اللّه إلى إبراهيم عليه السلام:

إنك خليلي، حسن خلقك و لو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار (2) ، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه: أظله تحت عرشي، و أسكنه حظيرة القدس، و أدنيه من جواري. و ذلك أنه طلب منه أو لا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه و تناهيه، لأن المعبود لو كان حيا مميزا، سميعا بصيرا، مقتدرا على الثواب و العقاب، نافعا ضارا، إلا أنه بعض الخلق: لاستخفّ عقل من أهله للعبادة و وصفه بالربوبية، و لسجل عليه بالغىّ المبين و الظلم العظيم و إن كان أشرف الخلق و أعلاهم منزلة كالملائكة و النبيين. قال اللّه تعالى‏ وَ لاََ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا اَلْمَلاََئِكَةَ وَ اَلنَّبِيِّينَ أَرْبََاباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ و ذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق إلا لمن له غاية الإنعام: و هو الخالق الرزاق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه أصول النعم و فروعها. فإذا وجهت إلى غيره-و تعالى علوا كبيرا أن تكون هذه الصفة لغيره-لم يكن إلا ظلما و عتوا و غيا و كفرا و جحودا، و خروجا عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس و لا شعور؟فلا يسمع-يا عابده-ذكرك له و ثناءك عليه، و لا يرى هيآت خضوعك و خشوعك له، فضلا أن يغنى عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها. ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، و لا نفسه بالعلم الفائق، و لكنه قال: إن معى طائفة من العلم و شيئا منه ليس معك، و ذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهب أنى و إياك في مسير و عندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعنى أنجك من أن تضل و تتيه. ثم ثلث بتثبيطه و نهيه عما كان عليه: بأن الشيطان-الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، و هو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك و خزى و نكال و عدوّ أبيك آدم و أبناء جنسك كلهم-هو الذي ورّطك في هذه الضلالة و أمرك بها و زينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص و لارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان

____________

(1) . قوله «في أحسن اتساق و ساقه أرشق» في الصحاح «الاتساق» الانتظام. و فيه أيضا «رجل رشيق» أى حسن القد لطيفه. (ع)

(2) . أخرجه الطبراني في الأوسط و ابن عدى، و الحكيم الترمذي في النوادر من حديث أبى هريرة و فيه مؤمل ابن عبد الرحمن الثقفي عن أبى أمية بن يعلى الثقفي و هما ضعيفان‏

20

إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه و استكباره، و لم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم و ذرّيته كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره و أطبق على ذهنه. ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة و بما يجره‏ (1) ما هو فيه من التبعة و الوبال، و لم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له و أن العذاب لا صق به، و لكنه قال: أخاف أن يمسك عذاب، فذكر الخوف و المس و نكر العذاب، و جعل ولاية الشيطان و دخوله في جملة أشياعه و أوليائه أكبر من العذاب، و ذلك أن رضوان اللّه أكبر من الثواب نفسه، و سماه اللّه تعالى المشهود له‏ (2)

بالفوز العظيم حيث قال‏ وَ رِضْوََانٌ مِنَ اَللََّهِ أَكْبَرُ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان اللّه، أكبر من العذاب نفسه و أعظم، و صدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله يََا أَبَتِ توسلا إليه و استعطافا. فـ مََا في مََا لاََ يَسْمَعُ و مََا لَمْ يَأْتِكَ يجوز أن تكون موصولة و موصوفة، و المفعول في لاََ يَسْمَعُ وَ لاََ يُبْصِرُ منسى غير منوي، كقولك: ليس به استماع و لا إبصار شَيْئاً يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون في موضع المصدر، أى: شيئا من الغناء، و يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين. و الثاني: أن يكون مفعولا به من قولهم: أغن عنى وجهك إِنِّي قَدْ جََاءَنِي مِنَ اَلْعِلْمِ مََا لَمْ يَأْتِكَ فيه تجدد العلم عنده.

لما أطلعه على سماجة صورة أمره، و هدم مذهبه بالحجج القاطعة، و ناصحه المناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر و غلظة العناد، فناداه باسمه، و لم يقابل يََا أَبَتِ بيا بنىّ، و قدّم الخبر على المبتدأ في قوله‏} أَ رََاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يََا إِبْرََاهِيمُ لأنه كان أهمّ عنده و هو عنده أعنى، و فيه ضرب من التعجب و الإنكار لرغبته عن آلهته، و أن آلهته، ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. و في هذا سلوان و ثلج لصدر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه لَأَرْجُمَنَّكَ لأرمينك بلساني، يريد الشتم و الذمّ، و منه‏ اَلرَّجِيمِ* المرمىّ باللعن. أو لأقتلنك، من رجم الزاني. أو لأطردنك رميا بالحجارة.

و أصل الرجم: الرمي بالرجام‏ (3) مَلِيًّا زمانا طويلا من الملاوة: أو مليا بالذهاب عنى

____________

(1) . قوله «و بما يجره» لعله و ما يجره، فيكون عطفا على سوء العاقبة. (ع)

(2) . قوله «و سماه اللّه تعالى المشهود له» لعله «مشهود له بأن رضوانه أكبر من الثواب» فليحرر. (ع)

(3) . قوله «و أصل الرجم الرمي بالرجام» أى الحجارة الضخام، كذا في الصحاح. (ع)

21

و الهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتى لا تقدر أن تبرح. يقال: فلان ملىّ بكذا، إذا كان مطيقا له مضطلعا به. فإن قلت: علام عطف وَ اُهْجُرْنِي ؟قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه لَأَرْجُمَنَّكَ أى فاحذرنى و اهجرني، لأن لَأَرْجُمَنَّكَ تهديد و تقريع.

قََالَ سَلاََمٌ عَلَيْكَ سلام توديع و متاركة، كقوله تعالى‏ لَنََا أَعْمََالُنََا وَ لَكُمْ أَعْمََالُكُمْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ لاََ نَبْتَغِي اَلْجََاهِلِينَ و قوله‏ وَ إِذََا خََاطَبَهُمُ اَلْجََاهِلُونَ قََالُوا سَلاََماً و هذا دليل على جواز متاركة المنصوح و الحال هذه. و يجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له. ألا ترى أنه وعده الاستغفار. فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر و أن يعده‏ (1) ذلك؟قلت:

قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر و النواهي الشرعية على الكفار و المراد اشتراط الإيمان، و كما يؤمر المحدث و الفقير بالصلاة و الزكاة و يراد اشتراط الوضوء و النصاب.

و قالوا: إنما استغفر له بقوله‏ وَ اِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كََانَ مِنَ اَلضََّالِّينَ لأنه وعده أن يؤمن.

و استشهدوا عليه بقوله تعالى‏ وَ مََا كََانَ اِسْتِغْفََارُ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاََّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهََا إِيََّاهُ و لقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار و الوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، و الذي يدل على صحته قوله تعالى‏ إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ فلو كان شارطا للإيمان لم يكن مستنكرا و مستثنى عما وجبت فيه الأسوة. و أمّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهََا إِيََّاهُ فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أى: ما قال‏ وَ اِغْفِرْ لِأَبِي إلا عن قوله‏ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ و تشهد له قراءة حماد الرواية: وعدها أباه. و اللّه أعلم حَفِيًّا الحفىّ: البليغ في البر و الإلطاف، حفى به و تحفى به‏} وَ أَعْتَزِلُكُمْ أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام. المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها و من وسائطها. و منه قوله صلى اللّه عليه و سلم «الدعاء هو العبادة (2) » و يدل

____________

(1) . قال محمود: «إن قلت لم استغفر لأبيه و هو كافر... الخ» قال أحمد: و هذه لمظ من الاعتزال، مستطيرة من شرر شر قاعدة التحسين و التقبيح. و الحق أن العقل لا مدخل له في أن يحكم بحكم اللّه تعالى قبل ورود الشرع به، ثم لم يوف الزمخشري بها، فانه جعل العقل يسوغ الاستغفار، و جعل الشرع مانعا منه، و لا يتصور هذا على قاعدتهم المهدمة، كما لا يتصور ورود الشرع بما يخالف العقل في الإلهيات، نعم قد يحكم الشرع بما لا يظهر العقل عندهم خلافه. و أما ما يظهر العقل خلافه. فلا.

(2) . أخرجه أبو داود و بقية أصحاب السنن و ابن حبان و الحاكم من حديث النعمان بن بشير. و أخرجه أحمد و إسحاق و ابن أبى شيبة و أبو يعلى و البزار و الطبراني و ابن ابى حاتم و الطبري من حديثه و أخرجه ابن مردويه من حديث البراء بن عازب رضى اللّه عنهما.

22

عليه قوله تعالى‏ فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَ مََا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ و يجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه اللّه في سورة الشعراء. عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله عَسى‏ََ أَلاََّ أَكُونَ بِدُعََاءِ رَبِّي شَقِيًّا مع التواضع للّه بكلمة عَسى‏ََ* و ما فيه من هضم النفس.

ما خسر على اللّه أحد ترك الكفار الفسقة لوجهه، فعوّضه أولادا مؤمنين أنبياء} مِنْ رَحْمَتِنََا هي النبوّة عن الحسن. و عن الكلبي: المال و الولد، و تكون عامّة في كل خير دينى و دنيوى أوتوه. لسان الصدق: الثناء الحسن. و عبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد و هي العطية. قال:

إنى أتتنى لسان لا أسر بها (1)

يريد الرسالة. و لسان العرب: لغتهم و كلامهم. استجاب اللّه دعوته‏ وَ اِجْعَلْ لِي لِسََانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ فصيره قدوة حتى ادّعاه أهل الأديان كلهم. و قال عز و جل‏ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرََاهِيمَ و مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً* ، ثُمَّ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً و أعطى ذلك ذرّيته فأعلى ذكرهم و أثنى عليهم، كما أعلى ذكره و أثنى عليه.

المخلص-بالكسر-: الذي أخلص العبادة عن الشرك و الرياء. أو أخلص نفسه و أسلم وجهه للّه. و بالفتح: الذي أخلصه اللّه. الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء: و النبىّ:

الذي ينبئ عن اللّه عز و جل و إن لم يكن معه كتاب، كيوشع.

____________

(1) .

إنى أتتنى لسان لا أسر به # من علو لا كذب فيه و لا سحر

فجاشت النفس لما جاء فلهم # و راكب جاء من تثليث معتمر

للأعشى الباهلي، لما جاء الناعي بقتل المنتشر أخيه. عبر باللسان عن الكلام مجازا، لأنه آلته. و أنث الفعل لتأويل الفاعل بالكلمة أو الرسالة، و ذكر فيما بعد نظرا للظاهر، من علو بالبناء على الفتح، أى: من أعلى نجد، و السخر: مصدر سخر كتعب. و جاشت القدر: غلت و ارتفع ما فيها. و التجوز بالجيشان عن حرارة القلب مشهور و الفل: الفئة. و تثليث: اسم موضع ممنوع من الصرف. و راكب: عطف على «فلهم» ، و «معتمر» نعته، و جاء الثاني بدل.

23

الأيمن من اليمين: أى من ناحيته اليمنى. أو من اليمن صفة للطور، أو للجانب. شبهه بمن قرّبه بعض العظماء للمناجاة، حيث كلمه بغير واسطة ملك. و عن أبى العالية قرّبه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة.

مِنْ رَحْمَتِنََا من أجل رحمتنا له و ترأفنا عليه: و هبنا له هرون. أو بعض رحمتنا، كما في قوله‏ وَ وَهَبْنََا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنََا . و أَخََاهُ على هذا الوجه بدل. و هََارُونَ عطف بيان، كقولك: رأيت رجلا أخاك زيدا. و كان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته و موازرته كذا عن ابن عباس رضى اللّه عنه.

ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد و إن كان ذلك موجودا في غيره من الأنبياء، تشريفا له و إكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، و الأوّاه، و الصدّيق، و لأنه المشهور المتواصف من خصاله. عن ابن عباس رضى اللّه عنه: أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان، فانتظره سنة. و ناهيك أنه وعد في نفسه الصبر على الذبح فوفى، حيث قال‏ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّابِرِينَ كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح و العبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، و لأنهم أولى من سائر الناس‏ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ ، وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاََةِ ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نََاراً ألا ترى أنهم أحق بالتصدّق عليهم، فالإحسان الديني أولى. و قيل‏} أَهْلَهُ أمته كلهم من القرابة و غيرهم، لأنّ أمم النبيين في عداد أهاليهم. و فيه أنّ من حق الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب فضلا عن الأقارب و المتصلين به، و أن يحظيهم بالفوائد الدينية و لا يفرط في شي‏ء من ذلك.

قيل: سمى إدريس لكثرة دراسته كتاب اللّه عزّ و جل، و كان اسمه أخنوخ، و هو غير صحيح، لأنه لو كان أفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد و هو العلمية، فكان منصرفا، فامتناعه من الصرف دليل العجمة. و كذلك إبليس أعجمى، و ليس من الإبلاس كما يزعمون،

24

و لا يعقوب من العقب، و لا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، و من لم يحقق و لم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات. و يجوز أن يكون معنى إِدْرِيسَ في تلك اللغة قريبا من ذلك، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس. المكان العلى: شرف النبوّة و الزلفى عند اللّه و قد أنزل اللّه عليه ثلاثين صحيفة، و هو أول من خط بالقلم و نظر في علم النجوم و الحساب، و أوّل من خاط الثياب و لبسها، و كانوا يلبسون الجلود. و عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه يرفعه إنه رفع إلى السماء الرابعة (1) . و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: إلى السماء السادسة (2) . و عن الحسن رضى اللّه عنه. إلى الجنة لا شي‏ء أعلى من الجنة. و عن النابغة الجعدي: أنه لما أنشد عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الشعر الذي آخره:

بلغنا السّماء مجدنا و سناؤنا # و إنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا (3)

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إلى أين يا أبا ليلى» قال: إلى الجنة (4) .

____________

(1) . أخرجه الترمذي من رواية شيبان عن قتادة عن أنس بهذا. و قال هو عندي مختصر من حديث الاسراء الذي رواه سعيد و همام عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة.

(2) . أخرجه الطبري و ابن مردويه من رواية عطية عنه.

(3) .

و لا خير في حلم إذا لم يكن له # بواد و تحمى صفوه أن يكدرا

و لا خير في جهل إذا لم يكن له # حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

بلغنا السماء مجدنا و سناؤنا # و إنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

للنابغة الجعدي، أنشده أمام رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: إلى أين يا أبا ليلى؟قال: إلى الجنة بك يا رسول اللّه، فقال: لا يفضض اللّه فاك. فعمر فوق مائتي عام، و كان إذا سقطت له سن نبت بدلها. و الحلم: الأناة و العقل. و البادرة: الكلمة تصدر حال الغضب. و شبه الحلم بالماء على طريق المكنية. و الصفاء و التكدير:

تخييل، و المراد بالجهل: عجلة الاقدام على عظائم الأمور. و الإيراد جعل الشي‏ء واردا. و الإصدار: جعله صادرا. و المراد تسبب في وجوده و إعظامه و في تحقيره و إعدامه. و يحتمل أنه شبه الأمر المعضل بحيوان يورده صاحبه إلى الماء تارة و يرجعه أخرى، على طريق المكنية، و الإيراد و الإصدار تخييل. و يجوز أن فاعل أورد ضمير الجهل، و فاعل أصدر ضمير الحليم، أى: إذا تسبب الجهل و الشجاعة في أمر خطاء أرجعه الحليم و أبطله، فلا بد من اجتماع الحلم و الجرأة معا حتى يكمل الرجل. و مجدنا و سناؤنا بالرفع بدلا من فاعل بلغنا. و قيل: هما مفعولان فهما بالنصب. و انظر ما وجهه، و لعله أنهما ظرفان اعتباريان، أى: بلغنا السماء في المجد و السناء. أو بدلان من السماء، بأن شبههما بها، ثم أطلقها عليهما و أبدلهما منها، و هو أوجه من الظرفية. و لو قيل على النصب: أنهما تمييزان، كان وجيها، لكنه على رأى الكوفيين القائلين بجوازه معرفة، و لما ادعى بلوغ السماء بنى عليه ما يبنى على المحسوس فقال: و إنا لنرجو مظهرا فوق ذلك.

(4) . أخرجه البزار و أبو نعيم و البيهقي في الدلائل لها من طريق يعلى بن الأشرف عنه و له طريق أخرى عند البيهقي و ذكر القصيدة.

25

أُولََئِكَ إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس عليه السلام. و «من» في مِنَ اَلنَّبِيِّينَ للبيان مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح‏ وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. و من الثانية للتبعيض، و كان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبى نوح. و إبراهيم عليه السلام من ذرية من حمل مع نوح:

لأنه من ذرية سام بن نوح، و إسماعيل من ذرية إبراهيم. و موسى و هرون و زكريا و يحيى من ذرية إسرائيل. و كذلك عيسى: لأنّ مريم من ذرّيته وَ مِمَّنْ هَدَيْنََا يحتمل العطف على من الأولى و الثانية. إن جعلت الذين خبرا لأولئك كان إِذََا تُتْلى‏ََ كلاما مستأنفا. و إن جعلته صفة له كان خبرا. قرأ شبل بن عباد المكي: يتلى، بالتذكير، لأن التأنيث غير حقيقى مع وجود الفاصل. البكى: جمع باك، كالسجود و القعود في جمع ساجد و قاعد. عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اتلوا القرآن و ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا (1) » و عن صالح المري رضى اللّه عنه: قرأت القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في المنام فقال لي: «هذه القراءة يا صالح، فأين البكاء» ؟و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «إن القرآن أنزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا (2) » و قالوا: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، و أعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. و إن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلنى من الباكين إليك الخاشعين لك. و إن قرأ هذه قال: اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

____________

(1) . أخرجه إسحاق و البزار من طريق عبد الرحمن بن أبى مليكة عن ابن أبى مليكة عن عبد الرحمن بن السائب عن سعيد بلفظ «إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فان لم تبكوا فتباكوا-الحديث» و من هذا الوجه أخرجه أو يعلى و الحارث. و البيهقي في الشعب. و إسماعيل أيضا لين.

(2) . أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس بلفظ «فاقرؤه بحزن» و إسناده ضعيف. و رواه أبو يعلى و العقيلي. و أبو نعيم في ترجمة رباح بن عمرو العبسي من حديث أبى بريدة عن أبيه بلفظ «اقرءوا القرآن بحزن فانه نزل بحزن» .

26

خلفه: إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير «خلف» بالفتح، و في عقب السوء: خلف، بالسكون، كما قالوا «وعد» في ضمان الخير، و «وعيد» في ضمان الشر. عن ابن عباس رضى اللّه عنه: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، و شربوا الخمر، و استحلوا نكاح الأخت من الأب.

و عن إبراهيم و مجاهد رضى اللّه عنهما: أضاعوها بالتأخير. و ينصر الأول قوله‏ إِلاََّ مَنْ تََابَ وَ آمَنَ يعنى الكفار. و عن على رضى اللّه عنه في قوله‏} وَ اِتَّبَعُوا اَلشَّهَوََاتِ من بنى الشديد، و ركب المنظور، و لبس المشهور. و عن قتادة رضى اللّه عنه: هو في هذه الأمة. و قرأ ابن مسعود و الحسن و الضحاك رضى اللّه عنهم: الصلوات، بالجمع.

كل شر عند العرب: غىّ، و كل خير: رشاد. قال المرقش:

فمن يلق خيرا تحمد النّاس أمره # و من يغو لا يعدم على الغى لائما (1)

و عن الزجاج: جزاء غىّ، كقوله تعالى‏ يَلْقَ أَثََاماً أى مجازاة أثام. أو غيا عن طريق الجنة.

و قيل «غىّ» واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها. و قرأ الأخفش‏ يُلْقُونَ* .

قرئ: يدخلون، و يدخلون: أى لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم و لا يمنعونه، بل يضاعف لهم، بيانا لأن تقدّم الكفر لا يضرهم إذا تابوا من ذلك، من قولك: ما ظلمك أن تفعل كذا، بمعنى: ما منعك. أو لا يظلمون البتة، أى شيئا من الظلم.

لما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت مها، كقولك: أبصرت دارك القاعة و العلالي. و «عدن» معرفة علم، بمعنى العدن و هو الإقامة، كما جعلوا. فينة، و سحر، و أمس

____________

(1) .

أمن حلم أصبحت تنكت واجما # و قد تعترى الأحلام من كان تائما

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # و من يغو لا يعدم على الغى لائما

للمرقش الأصغر صاحب فاطمة بنت المنذر، و الأكبر عم الأصغر و عم طرفة، و هو صاحب أسماء، و الاستفهام للتوبيخ، و الحلم-بضمتين-: ما يراه النائم. و النكت: التخطيط و النقر في الأرض بإصبع، أو عود، كما يفعل المهموم المتفكر. و الواجم: الحزين، و الواو للحال، أى: و الحال أن أضغاث الأحلام قد تعترى النائم، فكان مجردة عن المعنى، فمن يلق: أى يصادف خيرا في أفعاله، يحمد الناس فعله، أو شأنه. و إيقاع الحمد عليه لأنه سببه، و من يفعل غيا لا يعدم لائما يلومه على غيه. و قيل: أراد بالخير الغنى، الفقر، و يبعده مقام اللوم و عدم مناسبته لما قبله. و غوى يغوى: من باب ضرب: انهمك في الجهل، و عدم يعدم-من باب علم-: فقده.

27

-فيمن لم يصرفه-أعلاما لمعانى: الفينة، (1) و السحر، و الأمس، فجرى مجرى العدن لذلك.

أو هو علم لأرض الجنة، لكونها مكان إقامة، و لو لا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، و لما ساغ وصفها بالتي. و قرئ: جنات عدن. و جنة عدن بالرفع على الابتداء. أى: و عدها و هي غائبة عنهم غير حاضرة. أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها. أو بتصديق الغيب و الإيمان به. قيل في‏} مَأْتِيًّا مفعول بمعنى فاعل.

و الوجه أنّ الوعد هو الجنة و هم يأتونها. أو هو من قولك: أتى إليه إحسانا، أى: كان وعده مفعولا منجزا.

اللغو: فضول الكلام و ما لا طائل تحته. و فيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو و اتقائه، حيث نزه اللّه عنه الدار التي لا تكليف فيها. و ما أحسن قوله سبحانه‏ وَ إِذََا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرََاماً وَ إِذََا سَمِعُوا اَللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قََالُوا لَنََا أَعْمََالُنََا وَ لَكُمْ أَعْمََالُكُمْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ لاََ نَبْتَغِي اَلْجََاهِلِينَ نعوذ باللّه من اللغو و الجهل و الخوض فيما لا يعنينا. أى: إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا، فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من وادى قوله:

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم # بهنّ فلول من قراع الكتائب‏ (2)

أو لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب و النقيصة، على الاستثناء المنقطع‏ (3) .

أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة (4) . و دار السلام: هي دار السلامة، و أهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو و فضول الحديث، لو لا ما فيه من فائدة الإكرام.

____________

(1) . قوله «لمعانى الفينة» في الصحاح «لقيته الفينة بعد الفينة» أى الحين بعد الحين. و إن شئت حذفت الألف و اللام فقلت: لقيته فينة، كما قالوا لقيته الندرى: و في ندرى. (ع)

(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بصفحة 142 من الجزء الثاني فراجعه إن شئت اه مصححه.

(3) . قال محمود: «يجوز أن يكون من قوله:

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب‏

و أن يكون استثناء منقطعا» قال أحمد: و الفرق بين الوجهين أنه جعل الفلول عيبا على سبيل التجوز، بتا لنفى العيب بالكلية، كأنه يقول: إن كان فلول السيوف من القراع عيبا فإنهم ذوو عيب، معناه: و إن لم يكن عيبا فليس فيهم عيب البتة، لأنه لا شي‏ء سوى هذا، فهو بعد هذا التجوز و الفرض استثناء متصل.

(4) . عاد كلامه. قال: «و يجوز أن يكون متصلا على أن يكون السلام هو الدعاء بالسلامة... الخ» قال أحمد:

و هذا يجعله من المتصل على أصل الحقيقة. لا كالأول الناشئ عن المجاز. و في هذا الباب بعد، لأنه يقتضى البت بأن الجنة يسمع فيها لغو و فضول، و حاش للّه، فلا غول فيها و لا لغو.

28

من الناس من يأكل الوجبة (1) . و منهم من يأكل متى وجد-و هي عادة المنهومين.

و منهم من يتغدى و يتعشى-و هي العادة الوسطى المحمودة، و لا يكون ثم ليل و لا نهار، و لكن على التقدير، و لأن المتنعم عند العرب من وجد غداء و عشاء. و قيل: أراد دوام الرزق و دروره، كما تقول: أنا عند فلان صباحا و مساء و بكرة و عشيا، يريد: الديمومة، و لا تقصد الوقتين المعلومين.

نُورِثُ و قرئ: نورّث، استعارة، أى: نبقى عليه الجنة كما نبقى على الوارث مال المورّث و لأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم و ثمرتها باقية و هي الجنة، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورّث الوارث المال من المتوفى. و قيل: أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا.

وَ مََا نَتَنَزَّلُ حكاية قول جبريل صلوات اللّه عليه حين استبطأه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. روى أنه احتبس أربعين يوما. و قيل: خمسة عشر يوما، و ذلك حين سئل عن قصة أصحاب الكهف و ذى القرنين و الروح، فلم يدر كيف يجيب و رجا أن يوحى إليه فيه، فشق ذلك عليه مشقة شديدة و قال المشركون: ودّعه ربه و قلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: أبطأت حتى ساء ظنى و اشتقت إليك. قال: إنى كنت أشوق و لكنى عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، و إذا حبست احتبست. و أنزل اللّه سبحانه هذه الآية و سورة الضحى‏ (2) . و التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، و معنى النزول على الإطلاق، كقوله:

____________

(1) . قوله «من الناس من يأكل الوجبة» أى يأكل كل يوم و ليلة مرة، و قد وجب نفسه توجيبا إذا عودها ذلك، كذا في الصحاح. (ع)

(2) . ذكره الثعلبي عن عكرمة و الضحاك و قتادة و مقاتل و الكلبي. فقالوا، احتبس، فذكره سواء، و كأنه ملفق عندهم، فقد ذكره ابن إسحاق في السيرة. قال حدثني شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس «أن قريشا جاءوا فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول-فذكر القصة-و فيها «فمكث فيما يذكرون خمسة عشرة ليلة لا يحدث اللّه إليه في ذلك و صار لا يأتيه جبريل. فذكره بتغير و زيادة و نقص. و رواه أبو نعيم في الدلائل من طريقه و من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس نحوه. و قال أبطأ عنه خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء.

29

فلست لإنسىّ و لكن لملأك # تنزّل من جو السّماء يصوب‏ (1)

لأنه مطاوع نزل، و نزل يكون بمعنى أنزل، و بمعنى التدريج، و اللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل و المراد أن نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر اللّه، و على ما يراه صوابا و حكمة، و له ما قدامنا وَ مََا خَلْفَنََا من الجهات و الأماكن وَ مََا بَيْنَ ذََلِكَ و ما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة و مكان إلى مكان إلا بأمر المليك و مشيئته، و هو الحافظ العالم بكل حركة و سكون، و ما يحدث و يتجدد من الأحوال، لا يجوز عليه الغفلة و النسيان، فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا رأى ذلك مصلحة و حكمة، و أطلق لنا الإذن فيه. و قيل: ما سلف من أمر الدنيا و ما يستقبل من أمر الآخرة، و ما بين ذلك: ما بين النفختين و هو أربعون سنة. و قيل: ما مضى من أعمارنا و ما غبر منها، و الحال التي نحن فيها. و قيل: ما قبل وجودنا و ما بعد فنائنا. و قيل:

الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، و السماء التي وراءنا، و ما بين السماء و الأرض، و المعنى:

أنه المحيط بكل شي‏ء لا تخفى عليه خافية و لا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادرا عما توجبه حكمته و يأمرنا به و يأذن لنا فيه. و قيل معنى وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و ما كان تاركا لك، كقوله تعالى‏ مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلى‏ََ أى: ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به. و أما احتباس الوحى فلم يكن عن ترك اللّه لك و توديعه إياك، و لكن لتوقفه على المصلحة. و قيل: هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، أى: و ما ننزل الجنة إلا بأن من اللّه علينا بثواب أعمالنا و أمرنا بدخولها، و هو المالك لرقاب الأمور كلها السالفة

____________

(1) .

تعاليت أن تعزى إلى الانس جلة # و للانس من يعزوك فهو كذوب

فلست باء نسى و لكن ملأكا # تنزل من جو السماء يصوب‏

لرجل من عبد القيس، يمدح النعمان بن المنذر. و قيل لأبى و جرة يمدح عبد اللّه بن الزبير. و تعزى: أى تنسب، و الجلة-بالضم وعاء التمر، و بالكسر: الجماعة العظيمة، جمع جليل، و بالفتح: البعرة، و هو تمييز محول من نائب عن الفاعل، أى: تعاليت عن أن ينسب وعاءك أى: أصلك إلى الانس. و قوله: و للانس من يعزوك، فيه تقديم معمول الصلة على الموصول. و المشهور منعه: لأنهم يتوسعون في الظروف، و زيدت الفاء في خبر الموصول لأنه يشبه الشرط، و لو جعل شرطا لكان فيه إثبات حرف العلة بعد الجازم للضرورة. و الملأك معفل، بتقديم العين من الألوكة بالفتح و هي الرسالة، و قال أبو عبيدة: هو مفعل على اسم المكان، من لأك إذ أرسل، و لعله جاء على مفعل لتصوير أن الرسول مكان الرسالة. و قال ابن كيسان: هو فعأل من الملك، فالهمزة زائدة، و على كل يخفف بالنقل فيقال فيه تلك. و الصوب: القصد أو الميل عند النزول، و نصب ملأكا لأنه اسم لكن، و ما بعده صفته، أى: و لكن ملأكا نازلا من السماء أنت. و فيه: أن المحدث عنه الممدوح لا الملك، و يمكن أنه قلب للمبالغة كما قالوه في التشبيه المقلوب. و يحتمل أن تقديره: و لكنك كنت ملأكا، و فيه بعد. و الأوجه رواية الصحاح:

فلست لانسى و لكن لملأك‏

أى: فلست منسوبا لانسى و لكن لملك، و بالغ في ذلك حتى جعله نازلا من جهة السماء، يصوب: أى يقصد إلى جهة.

30

و المترقبة و الحاضرة، اللاطف في أعمال الخير و الموفق لها و المجازى عليها، ثم قال اللّه تعالى- تقريرا لقولهم-: و ما كان ربك نسيا لأعمال العاملين غافلا عما يجب أن يثابوا به، و كيف يجوز النسيان و الغفلة على ذى ملكوت السماء و الأرض و ما بينهما؟ثم قال لرسوله صلى اللّه عليه و سلم:

فحين عرفته على هذه الصفة، فأقبل على العمل و اعبده: يثبك كما أثاب غيرك من المتقين. و قرأ الأعرج رضى اللّه عنه: و ما يتنزل، بالياء على الحكاية عن جبريل عليه السلام و الضمير للوحى.

و عن ابن مسعود رضى اللّه عنه: إلا بقول ربك. يجب أن يكون الخلاف في النسى مثله في البغي.

رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بدل من ربك، و يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف، أى هو رب السموات و الأرض فَاعْبُدْهُ كقوله:

و قائلة خولان فانكح فتاتهم‏ (1)

و على هذا الوجه يجوز أن يكون‏ وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا من كلام المتقين، و ما بعده من كلام رب العزة. فإن قلت: هلا عدى اِصْطَبِرْ بعلى التي هي صلته، كقوله تعالى‏ وَ اِصْطَبِرْ عَلَيْهََا ؟ قلت: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أى اثبت له فيما يورد عليك من شدائد أريد أن العبادة تورد عليك شدائد و مشاق، فاثبت لها و لا تهن، و لا يضق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط، و عن احتباس الوحى عليك مدة و شماتة المشركين بك. أى: لم يسم شي‏ء باللّه قط، و كانوا يقولون لأصنامهم: آلهة، و العزى إله و أما الذي عوض فيه الألف و اللام من الهمزة، فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه.

____________

(1) .

و قائلة خولان فانكح فتاتهم # و أكرومة الحيين خلو كما هيا

شاعره مجهول. أى: و رب قائلة. و خولان بالفتح اسم قبيلة باليمن، و هو مبتدأ خبره ما بعده، و الفاء زائدة فيه على رأى الأخفش و الفراء، و منع سيبويه زيادتها هنا، لأن المبتدأ لم يشبه الشرط، فخبره محذوف، أى: خولان كرام فانكح أى تزوج فتاتهم، أو هو خبر لمحذوف، أى: هؤلاء خولان المعروفون بالكرم، فتزوج بفتاتهم.

و بنى «أكرومة» من الكرم للدلالة على كثرة السكرم، كما أن أعجوبة من التعجب للدلالة على كثرته، و الجملة حالية، فيحتمل أنها مانعة من نكاح الفتاة، أى قالت لي ذلك، و الحال أن أكرومة الحيين أى كريمة حى أبى وحى أمى خلو بالضم: خالية من الأرواح كما كانت، فهي أولى من الفتاة بالزواج لقرابتها منى. و يحتمل أنها داعية إليه، فالمعنى: قالت لي ذلك و الحال أن الفتاة التي هي أكرومة الحيين، أى حى أبيها وحى أمها من خولان، على ما هي عليه من البكارة، أو من الخلو من الأزواج لم تتزوج أحدا قبلي، فهي حقيقة بأن أتزوجها لكرم طرفيها، فعلم أن الكاف بمعنى على. و يجوز أن يشبه حالها الآن بحالها فيما مضى، فالكاف على أصلها. و يحتمل أن الواو للعطف، أى: قالت ذلك، و قالت: إنها خالية لم يطمثها أحد قبلك، فهي حقيقة بالزواج لذلك، لكنه بعيد.

31

و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: لا يسمى أحد الرحمن غيره. و وجه آخر: هل تعلم من سمى باسمه على الحق دون الباطل، لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتدّ بها كلا تسمية. و قيل:

مثلا و شبيها، أى: إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده، لم يكن بد من عبادته و الاصطبار على مشاقها و تكاليفها.

يحتمل أن يراد بالإنسان الجنس بأسره، و أن يراد بعض الجنس و هم الكفرة. فإن قلت: لم جازت إرادة الأناسى كلهم، و كلهم غير قائلين ذلك؟قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلى جميعهم، كما يقولون: بنو فلان قتلوا فلانا، و إنما القاتل رجل منهم. قال الفرزدق:

فسيف بنى عبس و قد ضربوا به # نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد (1)

فقد أسند الضرب إلى بنى عبس مع قوله «نبا بيدي ورقاء» و هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي.

فإن قلت: بم انتصب إِذََا و انتصابه بأخرج ممتنع لأجل اللام، لا تقول: اليوم لزيد قائم؟قلت:

بفعل مضمر يدل عليه المذكور. فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطى معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ (2) قلت: لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا اللّه للتعويض و اضمحل عنها معنى التعريف. و «ما» في إِذََا مََا للتوكيد أيضا، فكأنهم قالوا:

أ حقا أنا سنخرج أحياء حين يتمكن فينا الموت و الهلاك؟على وجه الاستنكار و الاستبعاد.

و المراد الخروج من الأرض، أو من حال الفناء. أو هو من قولهم: خرج فلان عالما، و خرج

____________

(1) . للفرزدق و هذا لقبه، و اسمه همام أو هميم، يريد: ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، أمره سليمان بن عبد الملك بضرب أعناق بعض أسرى الروم، و أعطاه سيفا لا يقطع فقال: بل أضربهم بسيف أبى رغوان مجاشع، يعنى نفسه، فضرب عنق خالد فانحرف السيف و ارتفع عن المضرب، فضحكوا منه. و نسب السيف و الضرب إلى بنى عبس مع أنهما لواحد منهم، تعظيما لهما و تفخيما. و جعله في اليدين إشارة إلى أنه كان مجمعا أمره و حازما عزمه غير متهاون..

و المعنى: أن الحذر لا ينفع من القدر كما وقع لورقاء، مع أنه في غاية الحرص، لا سيما أمام الملك. و يجوز أنه يريد ذم بنى عبس.

(2) . قال محمود: «إن قلت كيف اجتمعت اللام و هي للحال مع حرف الاستقبال... الخ» قال أحمد:

و لاعتقاد تناقض الحرفين: منع الكوفيين اجتماعهما، و إنما جردت اللام من معناها لتلائم «سوف» دون أن تجرد سوف لتلائم اللام، لأنه لو عكس هذا للغت سوف، إذ لا معنى لها سوى الاستقبال. و أما اللام إذا جردت من الحال بقي لها التوكيد، فلم تلغ، فتعين، و اللّه أعلم.

32

شجاعا: إذا كان نادرا في ذلك، يريد: سأخرج حيا نادرا على سبيل الهزؤ. و قرأ الحسن و أبو حيوة:

لسوف أخرج. و عن طلحة بن مصرف رضى اللّه عنه: لسأخرج، كقراءة ابن مسعود رضى اللّه عنه: و لسيعطيك، و تقديم الظرف و إيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، و منه جاء إنكارهم، فهو كقولك للمسى‏ء إلى المحسن: أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه: الواو عطفت‏} لاََ يَذْكُرُ على يَقُولُ و وسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه و حرف العطف، يعنى: أ يقول ذاك و لا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى‏ (1)

فإن تلك أعجب و أغرب و أدل على قدرة الخالق، حيث أخرج الجواهر و الأعراض من العدم إلى الوجود، ثم أوقع التأليف مشحونا بضروب الحكم التي تحار الفطن فيها، من غير حذو على مثال و اقتداء بمؤلف. و لكن اختراعا و إبداعا من عند قادر جلت قدرته و دقت حكمته. و أما الثانية فقد تقدمت نظيرتها و عادت لها كالمثال المحتذى عليه. و ليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية و تركيبها، وردها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك و التفريق. و قوله تعالى وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً دليل على هذا المعنى، و كذلك قوله تعالى‏ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ على أن رب العزة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته الصعب و السهل، و لا يحتاج إلى احتذاء على مثال؛ و لا استعانة بحكيم، و لا نظر في مقياس، و لكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعا في بحر معاندته، و كشفا عن صفحة جهله. القراء كلهم على لاََ يَذْكُرُ بالتشديد إلا نافعا و ابن عامر

____________

(1) . قال محمود: «ذكر اللّه الإنسان النشأة الأولى ليعترف بالأخرى... الخ» قال أحمد: مذهب أهل السنة أن إعادة المعدوم جائزة عقلا، ثم واقعة نقلا، و المعتزلة و إن وافقت على ذلك، إلا أنها تزعم أن المعدوم له ذات ثابتة في العدم، يقضى عليها بأنها شي‏ء فليس عندهم عدم صرف و نفى محض قبل الوجود و لا بعده، فكأنهم لو لا ذلك لقالوا بقول الفلاسفة الذين هم مختصرهم، و لأنكروا إعادة المعدوم كما أنكره القدماء. و عقيدة أهل السنة هي المطابقة للآية، لأن النشأة الأولى لم يتقدمها وجود، و لأن المنشأ ابتداء لم يكن شيئا قبل ذلك. و أما النشأة الثانية فقد تقدمها وجود، و كان المنشأ قبلها شيئا في زمان وجوده، ثم عدم و بطلت شيئيته، فظهر فرق ما بين النشأتين كما نطق به القرآن، و أما المعتزلة فان قالوا: إن الأجسام يعدمها اللّه ثم يوجدها، فقد قالوا الحق، لكن لا يتم على أصلهم فرق بين النشأتين، لأن المعدوم فيهما كان شيئا قبل النشأة، فان قالوا لا تنعدم الأجسام، و إنما تتفرق ثم تجمع كما صرح به الزمخشري، لأنه تفطن لأن القول بأن الأجسام تنعدم ثم يوجدها اللّه تعالى مع القول بأن المعدوم شي‏ء-يبطل الفرق بين النشأتين و لم يطق ذلك، و قد نطق به القرآن فالتزم أن الأجسام لا تنعدم ليتم له الفرق بين النشأة الثانية-و إنما هي على هذا التقرير جمع و تأليف لموجود-و بين النشأة الأولى التي هي إيجاد معدوم، فتنبه لبعد غوره، و لكن هرب من القطر فوقع تحت الميزاب، فهو و الحالة هذه كالمستغيث من الرمضاء بالنار، و اللّه ولى التوفيق. و معنى تفريق اللّه تعالى بين النشأتين: أن الجاحد متهافت لأنه اعترف بالأولى و هي أصعب بالنسبة إلى قياس العقل، و أنكر الثانية و هي أسهل و أهون، لأن ذلك راجع إلى قدرته تعالى. فان الكل لدى قدرة اللّه تعالى هين على سواه.

33

و عاصما رضى اللّه عنهم، فقد خففوا. و في حرف أبىّ: يتذكر مِنْ قَبْلُ من قبل الحالة التي هو فيها و هي حالة بقائه.

في إقسام اللّه تعالى باسمه تقدست أسماؤه مضافا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: تفخيم لشأن رسول اللّه و رفع منه، كما رفع من شأن السماء و الأرض في قوله تعالى‏ فَوَ رَبِّ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ و الواو في وَ اَلشَّيََاطِينَ يجوز أن تكون للعطف، و بمعنى مع، و هي بمعنى «مع» أوقع. و المعنى: أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت:

هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسى على العموم‏ (1) فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين؟قلت: إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا و فيهم الكفرة مقرونين بالشياطين.

فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة. فإن قلت: هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء؟قلت: لم يفرّق بينهم و بينهم في المحشر، و أحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، و أوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم اللّه منها و خلصهم، فيزدادوا لذلك غبطة إلى غبطة و سرورا إلى سرور، و يشمتوا بأعداء اللّه و أعدائهم، فتزداد مساءتهم و حسرتهم و ما يغيظهم من سعادة أولياء اللّه و شماتتهم بهم. فإن قلت: ما معنى إحضارهم جثيا؟قلت: أما إذا فسر الإنسان بالخصوص، فالمعنى أنهم يقبلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عتلا (2) على حالهم التي كانوا عليها في الموقف، جثاة على ركبهم، غير مشاة على أقدامهم، و ذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو. قال اللّه تعالى‏ وَ تَرى‏ََ كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً على العادة المعهودة في مواقف المقاولات و المناقلات، من تجاثى أهلها على الركب، لما في ذلك من الاستيفاز و القلق و إطلاق الحبا و خلاف الطمأنينة. أو لما يدهمهم من شدّة الأمر التي

____________

(1) . عاد كلامه. قال: «و الإنسان يحتمل أن يراد به العموم... الخ» قال أحمد: التبست عليه إرادة العموم بتناول العموم و بينهما بون، و من ثم خلت عبارته هذه عن التحرز و الصون، فصرح بأن اللّه تعالى أراد بالإنسان العموم، و معنى إرادة العموم: أن يريد اللّه تعالى نسبة كلمة الشك و الكفر إلى كل فرد من أفراد الإنسان، و معاذ اللّه. و قد صرح الزمخشري بأن الناطق بكلمة الشك بعض الجنس، ففي العبارة خلل كما ترى. و العبارة الصحيحة أن يقال: يحتمل أن يكون التعريف جنسيا، فيكون عهديا، فيكون اللفظ من أول وهلة خاصا، و اللّه أعلم.

(2) . قوله «عتلا» العتل: الجذب العنيف. أفاده الصحاح- (ع)

34

لا يطيقون معها القيام على أرجلهم، فيحبون على ركبهم حبوا. و إن فسر بالعموم، فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم، على أن جثيا حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين، لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التوصل إلى الثواب و العقاب. و المراد بالشيعة-و هي «فعلة» كفرقة و فتية-الطائفة التي شاعت‏ (1) ، أى تبعت غاويا من الغواة. قال اللّه تعالى‏ إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كََانُوا شِيَعاً يريد: نمتاز من كل طائفة من طوائف الغىّ و الفساد أعصاهم فأعصاهم، و أعتاهم فأعتاهم. فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب. نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم.

أو أراد بالذين هم أولى به صليا: المنتزعين كما هم، كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، و هم أولى بالصلى من بين سائر الصالين، و دركاتهم أسفل، و عذابهم أشدّ. و يجوز أن يريد بأشدّهم عتيا: رؤساء الشيع و أئمتهم، لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالا و مضلين. قال اللّه تعالى‏ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ زِدْنََاهُمْ عَذََاباً فَوْقَ اَلْعَذََابِ بِمََا كََانُوا يُفْسِدُونَ ، وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ وَ أَثْقََالاً مَعَ أَثْقََالِهِمْ و اختلف في إعراب‏} أَيُّهُمْ أَشَدُّ فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية. تقديره: لتنزعنّ الذين يقال فيهم أيهم أشد، و سيبويه على أنه مبنى على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جي‏ء به لأعرب. و قيل: أيهم هو أشد. و يجوز أن يكون النزع واقعا على مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ ، كقوله سبحانه‏ وَ وَهَبْنََا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنََا أى لننزعن بعض كل شيعة، فكأنّ قائلا قال: من هم؟فقيل: أيهم أشد عتيا. و أيهم أشد: بالنصب عن طلحة ابن مصرف و عن معاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء. فإن قلت: بم يتعلق على و الباء، فإنّ تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه؟قلت: هما للبيان لا الصلة. أو يتعلقان بأفعل، أى: عتوّهم أشد على الرحمن، و صليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، و هو أولى بكذا.

وَ إِنْ مِنْكُمْ التفات إلى الإنسان، يعضده قراءة ابن عباس و عكرمة رضى اللّه عنهما:

و إن منهم. أو خطاب للناس‏ (2) من غير التفات إلى المذكور، فإن أريد الجنس كله فمعنى الورود دخولهم فيها و هي جامدة، فيعبرها المؤمنون و تنهار بغيرهم. عن ابن عباس رضى اللّه

____________

(1) . قوله «شاعت» في الصحاح: شاعه شياعا: تبعه. (ع)

(2) . قال محمود: «يحتمل أن يكون استئنافا خطابا للناس، و يحتمل أن يكون التفاتا» قال أحمد: احتمال الالتفات مفرع على إرادة العموم من الأول، فيكون المخاطبون أولا هم المخاطبين ثانيا، إلا أن الخطاب الأول بلفظ الغيبة، و الثاني بلفظ الحضور. و أما إذا بنينا على أن الأول إنما أريد منه خصوص على التقديرين جميعا، فالثاني ليس التفاتا، و إنما هو عدول إلى خطاب العامة عن خطاب خاص لقوم معينين، و اللّه أعلم.

35

عنه: يردونها كأنها إهالة. و روى دواية (1) . و عن جابر بن عبد اللّه أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن ذلك؟فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم: قد وردتموها و هي جامدة (2) . و عنه رضى اللّه عنه أنه سئل عن هذه الآية؟فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول «الورود الدخول، لا يبقى برّ و لا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا و سلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إنّ للنار ضجيجا من بردها» (3) و أما قوله تعالى‏ أُولََئِكَ عَنْهََا مُبْعَدُونَ فالمراد عن عذابها. و عن ابن مسعود و الحسن و قتادة: هو الجواز على الصراط، لأنّ الصراط ممدود عليها. و عن ابن عباس: قد يرد الشي‏ء الشي‏ء و لا يدخله، كقوله تعالى‏ وَ لَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ و وردت القافلة البلد، و إن لم تدخله و لكن قربت منه. و عن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا، لقوله عليه السلام «الحمى من فيح جهنم» (4) و في الحديث «الحمى حظ كل مؤمن من النار» (5)

و يجوز أن يراد بالورود: جثوّهم حولها. و إن أريد الكفار خاصة، فالمعنى بين.

الحتم: مصدر حتم الأمر إذا أوجبه، فسمى به الموجب، كقولهم: خلق اللّه، و ضرب الأمير، أى: كان ورودهم واجبا على اللّه، أوجبه على نفسه و قضى به، و عزم على أن لا يكون غيره. قرئ‏} نُنَجِّي و ننجي، و ينجى و ينجى، على ما لم يسم فاعله. إن أريد الجنس بأسره فهو

____________

(1) . قوله «كأنها إهالة و روى دواية» في الصحاح «الاهالة» الودك. و فيه أيضا «الدواية» الجليدة التي يوضع فيها اللبن و المرق. (ع)

(2) . روى عن جابر هكذا. قلت المحفوظ عن جابر ما سيأتى بعد. و روى ابن إسحاق و أبو عبيد في الغريب و ابن المبارك في الزهد من طريق و معه خالد بن معدان. قال «إذا جاز المؤمنون الصراط نادى بعضهم بعضا: ألم يعدنا ربنا» فذكره، و لم يذكره الواحدي و البغوي إلا من هذا الوجه.

(3) . رواه أحمد و ابن أبى شيبة و عبد بن حميد. قالوا حدثنا سليمان بن حرب و أخرجه أبو يعلى و النسائي في الكنى و البيهقي في الشعب في باب النار، و الحكيم في النوادر. السادس عشر، كلهم من طريق سليمان. قال حدثنا أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد عن أبى سمية قال «اختلفنا في الورود، فسألنا جابرا فذكر الحديث أتم منه» و خالفهم كلّهم الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الاسناد فقال: عن سمية الأزدية عن عبد الرحمن بن شيبة بدل أبى سمية-عن جابر.

(4) . متفق عليه من حديث عائشة رضى اللّه عنها.

(5) . أخرجه البزار عن عائشة بهذا. و قال: تفرد برفعه عثمان بن مخلد عن هشيم بن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عنها. و قال الدارقطني: عثمان لا بأس به، لكن خولف في رفع هذا الحديث فرواه ببدل عن هشيم موقوفا. قلت: و قد روى مرفوعا من وجه آخر. أخرجه القضاعي من مسند الشهاب من طريق أحمد بن رشد الهلالي عن حميد بن عبد الرحمن الروالى عن الحسن بن صالح عن الحسن بن عمرو عن إبراهيم به. و زاد «و حمى ليلة تكفر خطايا سنة» في الباب عن أبى هريرة عن ابن ماجة و الحاكم، و عن أبى ريحانة عند الطبراني، و عن أبى أمامة عند أحمد. و عن عثمان عند القتيلى و عن سعد بن معاذ عند ابن سعد في الطبقات و عن أنس عند الطبراني بالأوسط. و كلها ضعيفة و هي بمعناه لا بلفظه.

36

ظاهر، و إن أريد الكفرة وحدهم فمعنى ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا أنّ المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار، لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون. و في قراءة ابن مسعود و ابن عباس و الجحدري و ابن أبى ليلى: ثم ننجي، بفتح الثاء، أى هناك. و قوله وَ نَذَرُ اَلظََّالِمِينَ فِيهََا جِثِيًّا دليل على أنّ المراد بالورود الجثوّ حواليها، و أن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، و تبقى الكفرة في مكانهم جاثين.

بَيِّنََاتٍ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججا و براهين. و الوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى‏ وَ هُوَ اَلْحَقُّ مُصَدِّقاً لأن آيات اللّه لا تكون إلا واضحة و حججا لِلَّذِينَ آمَنُوا يحتمل أنهم يناطقون المؤمنون بذلك و يواجهونهم به، و أنهم يفوهون به لأجلهم و في معناهم، كقوله تعالى‏ وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كََانَ خَيْراً مََا سَبَقُونََا إِلَيْهِ . قرأ ابن كثير مَقََاماً بالضم و هو موضع الإقامة و المنزل، و الباقون بالفتح و هو موضع القيام، و المراد المكان و الموضع.

و الندىّ: المجلس و مجتمع القوم، و حيث ينتدون‏ (1) . و المعنى: أنهم إذا سمعوا الآيات و هم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا و ذلك مبلغهم من العلم، قالوا: أىّ الفريقين من المؤمنين بالآيات و الجاحدين لها أوفر حظا من الدنيا حتى يجعل ذلك عيارا على الفضل و النقص، و الرفعة و الضعة. و يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم و يدهنون و يتطيبون و يتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على اللّه منهم.

كَمْ مفعول أَهْلَكْنََا و مِنْ تبيين لإبهامها، أى: كثيرا من القرون أهلكنا.

و كل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. و هُمْ أَحْسَنُ في محل النصب صفة لكم.

ألا ترى أنك لو تركت هُمْ لم يكن لك بدّ من نصب أَحْسَنُ على الوصفية.

الأثاث: متاع البيت. و قيل: هو ماجد من الفرش. و الخرثي: ما ليس منها. و أنشد الحسن بن على الطوسي:

____________

(1) . قوله «حيث ينتدون» في الصحاح «ندوت» أى حضرت الندى. و انتديت: مثله. (ع)

37

تقادم العهد من أمّ الوليد بنا # دهرا و صار أثاث البيت خرثيّا (1)

قرئ على خمسة أوجه رِءْياً و هو المنظر و الهيئة فعل بمعنى مفعول، من رأيت. و ريئا، على القلب كقولهم راء في رأى. و ريا، على قلب الهمزة ياء و الإدغام، أو من الرىّ الذي هو النعمة و الترفه، من قولهم: ريان من النعيم. و ريا، على حذف الهمزة رأسا، و وجهه أن يخفف المقلوب و هو «رينا» بحذف همزته و إلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها. و زيا، و اشتقاقه من الزىّ و هو الجمع: لأن الزىّ محاسن مجموعة، و المعنى: أحسن من هؤلاء.

أى مدّ له الرحمن، يعنى: أمهله و أملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك، و أنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضال، و يقال له يوم القيامة أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مََا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أو كقوله تعالى‏ إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْماً أو} مَنْ كََانَ فِي اَلضَّلاََلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمََنُ مَدًّا في معنى الدعاء بأن يمهله اللّه و ينفس في مدّة حياته. في هذه الآية و جهان. أحدهما: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، و الآيتان اعتراض بينهما، أى قالوا: أى الفريقين خير مقاما و أحسن نديا حَتََّى إِذََا رَأَوْا مََا يُوعَدُونَ أى لا يبرحون يقولون هذا القول و يتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأى عين إِمَّا اَلْعَذََابَ في الدنيا و هو غلبة المسلمين عليهم و تعذيبهم إياهم قتلا و أسرا و إظهار اللّه دينه على الدين كله على أيديهم. و إما يوم القيامة و ما ينالهم من الخزي و النكال، فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه، و أنهم شر مكانا و أضعف جندا، لا خير مقاما و أحسن نديا، و أن المؤمنين على خلاف صفتهم. و الثاني: أن تتصل بما يليها. و المعنى: أن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم. و الخذلان لا صق بهم لعلم اللّه بهم، و بأن الألطاف لا تنفع فيهم و ليسوا من أهلها. و المراد بالضلالة: ما دعاهم من جهلهم و غلوهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه. و لا ينفكون عن ضلالهم إلى أن يعاينوا نصرة اللّه المؤمنين أو يشاهدوا الساعة و مقدّماتها. فإن قلت: حتى هذه ما هي؟قلت: هي التي تحكى بعدها الجمل. ألا ترى الجملة

____________

(1) . أثاث البيت: أمتعته و لوازمه: و الخرئى كالكرسى: العتيق من ذلك، يقول: تقادم و تطاول بنا اللقاء من أم الوليد، أى: تباعد زمنه. فدهرا: تمييز. و يجوز أنه ظرف، أى: تباعد عهد اللفاء من محبوبتى زمنا طويلا و صار متاع البيت عتيقا قديما. و فيه تحسر على عدم اللقاء.

38

الشرطية واقعة بعدها و هي قوله إِذََا رَأَوْا مََا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكََاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً في مقابلة خَيْرٌ مَقََاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا لأن مقامهم هو مكانهم و مسكنهم. و الندىّ:

المجلس الجامع لوجوه قومهم و أعوانهم و أنصارهم. و الجند: هم الأنصار و الأعوان.

وَ يَزِيدُ معطوف على موضع فليمدد، لأنه واقع موقع الخبر، تقديره: من كان في الضلالة مدّ أو يمدّ له الرحمن. و يزيد: أى يزيد في ضلال الضال بخذلانه، و يزيد المهتدين هداية بتوفيقه وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ أعمال الآخرة كلها. و قيل: الصلوات. و قيل: سبحان اللّه و الحمد لله و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، أى هي‏ خَيْرٌ ثَوََاباً من مفاخرات الكفار وَ خَيْرٌ مَرَدًّا أى مرجعا و عاقبة، أو منفعة، من قولهم: ليس لهذا الأمر مردّ:

و هل يرد بكاى زندا (1)

فإن قلت: كيف قيل خير ثوابا كأنّ لمفاخراتهم ثوابا، حتى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه؟قلت:

كأنه قيل:

ثوابهم النار. على طريقة قوله: # فأعتبوا بالصّيلم‏ (2)

و قوله:

شجعاء جرّتها الذّميل تلوكه # أصلا إذا راح المطي غراثا (3)

و قوله:

تحيّة بينهم ضرب وجيع‏ (4)

ثم بنى عليه خير ثوابا. و فيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له: عقابك النار. فإن قلت: فما وجه التفضيل في الخير كأن لمفاخرهم شركا فيه؟قلت: هذا من وجيز كلامهم، يقولون: الصيف أحرّ من الشتاء، أى: أبلغ من الشتاء في برده.

____________

(1) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثاني صفحة 525 فراجعه إن شئت اهـ مصححه‏

(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 105 فراجعه إن شئت اهـ مصححه‏

(3) . الشجع: سرعة نقل القوائم. و الشجعاء: السريعة السير. و الجرة-بالكسر-، ما يجتره البعير من كرشه يمضغه. و الذميل: نوع من السير. و اللوك: المضغ. و الأصل: جمع أصيل، و هو من العصر للغروب. و الرواح:

من الظهر إليه. و الغراث: الجياع. يصف ناقته بسرعة السير، و شبه السير عندها بجرتها، يجامع سرعة الحركة و انطباع الناقة و استلذاذها لكل. و جعلها تبرزه شيئا فشيئا كالجرة للمبالغة. و فيه دلالة على خلو بطنها من العلف إذا راح، أى: إذا كان غيرها لا يجد قوة على السير، فالغرث: استعارة. و يجوز أن المعنى أنها سريعة في السير و لو كانت جائعة كغيرها من المطايا، فالغرث حقيقته.

(4) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 60 فراجعه إن شئت اهـ مصححه‏

39

لما كانت مشاهدة الأشياء و رؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما و صحة الخبر عنها، استعملوا «أ رأيت» في معنى «أخبر» و الفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب، كأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر، و اذكر حديثه عقيب حديث أولئك‏} أَطَّلَعَ اَلْغَيْبَ من قولهم:

أطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه و طلع‏ (1) الثنية. قال جرير:

لاقيت مطّلع الجبال و عورا (2)

و يقولون: مرّ مطلعا لذلك الأمر، أى عاليا له مالكا له، و لاختيار هذه الكلمة شأن، يقول:

أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار. و المعنى: أن ما ادعى أن يؤتاه و تألى عليه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين: إما علم الغيب، و إما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك؟قرأ حمزة و الكسائي: ولدا، و هو جمع ولد، كأسد في أسد. أو بمعنى الولد كالعرب في العرب. و عن يحيى بن يعمر: ولدا، بالكسر. و قيل في العهد:

كلمة الشهادة. و عن قتادة: هل له عمل صالح قدّمه فهو يرجو بذلك ما يقول؟و عن الكلبي: هل عهد اللّه إليه أنه يؤتيه ذلك؟عن الحسن رحمه اللّه: نزلت في الوليد بن المغيرة، و المشهور أنها في العاصي بن وائل. قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين فافتضيته، فقال: لا و اللّه حتى تكفر بمحمد. قلت: لا و اللّه لا أكفر بمحمد حيا و لا ميتا و لا حين تبعث. قال: فإنى إذا مت بعثت؟قلت: نعم. قال: إذا بعثت جئتني و سيكون لي ثم مال و ولد فأعطيك‏ (3) . و قيل:

____________

(1) . قوله «و طلع الثنية» في الصحاح «طلعت الجبل» بالكسر: علوته. (ع)

(2) .

إنى إذا مضر علىّ تحدثت # لاقيت مطلع الجبال وعورا

لجرير. و مضر: اسم قبيلة صرف للضرورة. و مطلع-بتشديد الطاء-: اسم مكان على صورة المفعول، من اطلع المشدد، و أصله: اطتلع، بتاء الافتعال، قلبت طاء و أدغمت فيها ما قبلها، و هو نصب على الظرفية. و الوعور:

جمع وعر، أى: صعب مفعول لاقيت، أو المفعول هو مطلع. و وعورا: حال، لا سيما على رواية فتح واوه على أنه صيغة مبالغة، يقول: إذا تقولت على مضر ما لا أرتضيه، أو تكلمت في قتلى، وجدت في مطالع الجبال أشياء صعابا فأعجز عن الهرب. أو المعنى: أنه يقتحم الصعاب و لا يبالى بها و يهرب منهم. و على الحالية: لاقيت مطلع الجبال حال كونه أماكن صعبة، و المطلع متعدد لإضافته لمتعدد، و على فتح الواو فظاهر.

(3) . متفق عليه من طريق مسروق عن خباب أتم منه.

40

صاغ له خباب حليا فاقتضاه الأجر، فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، و أن في الجنة ذهبا و فضة و حريرا، فأنا أقضيك ثم، فإنى أوتى مالا و ولدا حينئذ} كَلاََّ ردع و تنبيه على الخطأ أى: هو مخطئ فيما يصوره لنفسه و يتمناه فليرتدع عنه. فإن قلت: كيف قيل سَنَكْتُبُ بسين التسويف، و هو كما قاله كتب من غير تأخير، قال اللّه تعالى‏ مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ؟قلت: فيه و جهان، أحدهما: سنظهر له و نعلمه أنا كتبنا قوله، على طريقة قوله:

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (1)

أى تبين و علم بالانتساب أنى لست بابن لئيمة. و الثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعنى أنه لا يخل بالانتصار و إن تطاول به الزمان و استأخر، فجرد هاهنا لمعنى الوعيد وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ اَلْعَذََابِ مَدًّا أى نطوّل له من العذاب ما يستأهله و نعذبه بالنوع الذي يعذب به الكفار المستهزءون. أو نزيده من العذاب و نضاعف له من المدد. يقال: مده و أمده بمعنى، و تدل عليه قراءة علىّ بن أبى طالب: و نمد له بالضم. و أكد ذلك بالمصدر، و ذلك من فرط غضب اللّه، نعوذ به من التعرّض لما نستوجب به غضبه وَ نَرِثُهُ مََا يَقُولُ‏} أى نزوى عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة و نعطيه من يستحقه. و المعنى مسمى ما يقول. و معنى مََا يَقُولُ و هو المال و الولد. يقول الرجل: أنا أملك كذا، فتقول له: ولى فوق ما تقول، و يحتمل أنه قد تمنى و طمع أن يؤتيه اللّه في الدنيا مالا و ولدا، و بلغت به أشعبيته‏ (2) أن تألى على ذلك في قوله لَأُوتَيَنَّ لأنه جواب قسم مضمر، و من يتأل على اللّه يكذبه، فيقول اللّه عز و جل هب أنا أعطيناه ما اشتهاه، إما نرثه منه في العاقبة و يأتينا فردا غدا بلا مال و لا ولد، كقوله عز و جل‏ وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادى‏ََ... الآية فما يجدى عليه تمنيه و تأليه. و يحتمل أن هذا القول

____________

(1) .

رمتني عن قوس العدو و باعدت # عبيدة زاد اللّه ما بيننا بعدا

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # و لم تجدى من أن تقرى بها بدا

لزائد بن صعصعة النقعسى، كانت له امرأة اسمها عبيدة فطمحت عليه و كانت أمها سرية، فعرض لها بذلك، يقول:

رمتني بأمر قبيح كأنه نبلة صادرة عن قوس العدو، أو أبعدتنى عنها بعد النبلة عن القوس: أى تسببت في ذلك و بالغت في بعد الرمي، و «زاد اللّه» جملة دعائية، ثم قال: إذا أظهرنا نسبنا يتبين أنى لم تلدني لئيمة بخلافك، و لم تجدى مفرا و لا غنى من إقرارك بتلك القضية. و يجوز أن المعنى: أنه لا بد من إقرارك بأمك اللئيمة، و علم مرجع الضمير من ذكر المقابلة و هو أمه، و هذا أدق في التبكيت. و يروى: به، أى: بذلك النسب. و في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب نوع من التشنيع و التوبيخ، كأنه عجب الناس أولا من حالها، ثم التفت يبكتها بلؤم أمها و أنها رقيقة.

(2) . قوله «أشعبيته» في الصحاح «أشعب» اسم رجل كان طماعا. و في المثل: أطمع من أشعب اهـ. و منه:

أخذت الأشعبية، بمعنى: خصلة أشعب، و هي الطمع. (ع)

41

إنما يقوله ما دام حيا، فإذا قبضناه حلنا بينه و بين أن يقوله، و يأتينا رافضا له منفردا عنه غير قائل له، أو لا ننسى قوله هذا و لا نلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف و نعيره به وَ يَأْتِينََا على فقره و مسكنته فَرْداً من المال و الولد، لم نوله سؤله و لم نؤته متمناه، فيجتمع عليه الخطبان: تبعة قوله و وباله، و فقد المطموع فيه. فردا على الوجه الأول: حال مقدرة نحو فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ لأنه و غيره سواء في إتيانه فردا حين يأتى، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

أى ليتعززوا بآلهتهم حيث يكونون لهم عند اللّه شفعاء و أنصارا ينقذونهم من العذاب كَلاََّ ردع لهم و إنكار لتعززهم بالآلهة. و قرأ ابن نهيك كَلاََّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبََادَتِهِمْ أى سيجحدون كلا سيكفرون بعبادتهم، كقولك: زيدا مررت بغلامه. و في محتسب ابن جنى: كلا بفتح الكاف و التنوين، و زعم أن معناه كل هذا الرأى و الاعتقاد كلا. و لقائل أن يقول: إن صحت هذه الرواية فهي كلا التي هي للردع، قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في قواريرا. و الضمير في سَيَكْفُرُونَ للآلهة، أى: سيجحدون عبادتهم و ينكرونها و يقولون: و اللّه ما عبدتمونا و أنتم كاذبون. قال اللّه تعالى‏ وَ إِذََا رَأَى اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكََاءَهُمْ قََالُوا رَبَّنََا هََؤُلاََءِ شُرَكََاؤُنَا اَلَّذِينَ كُنََّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ اَلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكََاذِبُونَ أو للمشركين: أى ينكرون لسوء العاقبة أن يكونوا قد عبدوها. قال اللّه تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا في مقابلة لَهُمْ عِزًّا و المراد ضدّ العز و هو الذل و الهوان، أى:

يكونون عليهم ضدا لما قصدوه و أرادوه، كأنه قيل: و يكونون عليهم ذلا، لا لهم عزا أو يكونون عليهم عونا، و الضدّ: العون. يقال من أضدادكم: أى أعوانكم و كأن العون سمى ضدا لأنه يضاد عدوك و ينافيه بإعانته لك عليه. فإن قلت: لم وحد؟قلت: وحد توحيده قوله عليه السلام: «و هم يد على من سواهم‏ (1) » لاتفاق كلمتهم و أنهم كشي‏ء واحد لفرط تضامهم و توافقهم و معنى كون الآلهة عونا عليهم: أنهم و قود النار و حصب جهنم، و لأنهم عذبوا بسبب عبادتها

____________

(1) . هذا طرف من حديث لعلى رضى اللّه عنه، أخرجه أبو داود و النسائي و أحمد و إسحاق و الحاكم من طريق قيس بن عباد عن على رضى اللّه عنه «أنه أخرج من قراب سيفه كتابا عهد إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإذا فيه-و ذكره. و فيه هذا» و روى ابن ماجة من حديث ابن عباس رفعه قال «المسلمون تتكافأ دماؤهم. و هم يد على من سواهم-الحديث» و في الباب عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، أخرجه أبو داود و ابن ماجة و أحمد و البزار و الطبراني من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، و عن عبد اللّه بن عمر، أخرجه ابن حبان. و عن معقل ابن يسار أخرجه ابن ماجة.

42

و إن رجعت الواو في سيكفرون و يكونون إلى المشركين، فإن المعنى: و يكونون عليهم-أى أعداءهم-ضدا، أى: كفرة بهم، بعد أن كانوا يعبدونها.

الأز، و الهزّ، و الاستفزاز: أخوات، و معناها التهييج و شدة الإزعاج، أى: تغريهم على المعاصي و تهيجهم لها بالوساوس و التسويلات. و المعنى: خلينا بينهم و بينهم‏ (1) و لم نمنعهم و لو شاء لمنعهم قسرا. و المراد تعجيب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة و المردة من الكفار، و أقاويلهم، و ملاحتهم، و معاندتهم للرسل، و استهزاؤهم بالدين:

من تماديهم في الغىّ و إفراطهم في العناد، و تصميمهم على الكفر، و اجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه و انتفاء الشكّ عنه، و إنهما كهم لذلك في اتباع الشياطين و ما تسوّل لهم،

عجلت عليه بكذا: إذا استعجلته منه، أى: لا تعجل عليهم بأن يهلكوا و يبيدوا، حتى تستريح أنت و المسلمون من شرورهم، و تطهر الأرض بقطع دابرهم، فليس بينك و بين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة و أنفاس معدودة، كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعد فيها لو عدت. و نحوه قوله تعالى‏ وَ لاََ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ و عن ابن عباس رضى اللّه عنه: أنه كان إذا قرأها بكى و قال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك. و عن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد و لم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.

نصب‏} يَوْمَ بمضمر، أى يوم نَحْشُرُ و نسوق: نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. أو اذكر يوم نحشر. و يجوز أن ينتصب بلا يملكون. ذكر المتقون بلفظ التبجيل، و هو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته و خصهم برضوانه و كرامته، كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم. و عن علىّ رضى اللّه عنه: ما يحشرون و اللّه على أرجلهم، و لكنهم على نوق رحالها ذهب، و على نجائب سروجها ياقوت‏ (2) .

____________

(1) . قوله «و المعنى خلينا بينهم و بينهم» هذا هو الموافق لمذهب المعتزلة، من أنه تعالى لا يفعل الشر. أما على مذهب أهل السنة من أنه تعالى يفعل الشر كالخير، فالمناسب: سلطناهم عليهم. (ع)

(2) . أخرجه ابن أبى شيبة و عبد اللّه بن أحمد في زيادات المسند، و الطبري و ابن أبى حاتم من رواية عبد الرحمن ابن إسحاق بن النعمان بن سعد بن على نحوه، و أخرجه ابن أبى داود في كتاب البعث من هذا الوجه مرفوعا. و رواه ابن عدى من حديث ابن عباس رضى اللّه عنهما مرفوعا أيضا.

ـ

43

و ذكر الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة و استخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. و الورود: العطاش لأنّ من يرد الماء لا يرده إلا لعطش و حقيقة الورد: المسير إلى الماء، قال:

ردى ردى ورد قطاة صمّا # كدريّة أعجبها برد الما (1)

فسمى به الواردون. و قرأ الحسن: يحشر المتقون، و يساق المجرمون.

الواو في لاََ يَمْلِكُونَ إن جعل ضميرا (2) فهو للعباد، و دل عليه ذكر المتقين و المجرمين لأنهم على هذه القسمة. و يجوز أن تكون علامة للجمع، كالتي في «أكلونى البراغيث» و الفاعل مَنِ اِتَّخَذَ لأنه في معنى الجمع، و محل مَنِ اِتَّخَذَ رفع على البدل، أو على الفاعلية. و يجوز أن ينتصب على تقدير حذف المضاف، أى: إلا شفاعة من اتخذ. و المراد: لا يملكون أن يشفع لهم، و اتخاذ العهد: الاستظهار بالإيمان و العمل. و عن ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لأصحابه ذات يوم: «أ يعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح و مساء عند اللّه عهدا» قالوا: و كيف ذلك؟قال: «يقول كل صباح و مساء: اللهم فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة إنى أعهد إليك بأنى أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك و أن محمدا

____________

(1) . يخاطب ناقته. وردى: أمر من الورود، و تكريره للتوكيد. و الورد: اسم مصدر منه أيضا، أو اسم للماء المورود، أى: ردى الماء كورود قطاء صماء لا تسمع صوت القانص فلا تنفر عن الماء: و الكدر-بالضم- نوع من القطار مادى اللون، و الكدرية: نسبة إليه، من نسبة الجزئى إلى كليه، و هذه الياء هي الفارقة بين اسم الجنس و واحده، كروم و رومي. و فيه تشبيه ناقته ضمنا بالقطاة في الخفة و السرعة. و صما و الما: بالقصر، فان رويا بالمد و السكون على أن الشعر من مشطور المنسرح الموقوف، فمحله حرف الألف.

(2) . قال محمود: «يحتمل أن تكون الواو في لا يملكون ضميرا... الخ» قال أحمد: و في هذا الوجه تعسف من حيث أنه إذا جعله علامة لمن فقد كشف معناها و أفصح بأنها متناولة جمعا، ثم أعاد على لفظها بالافراد ضمير اتخذ، ففيه الاعادة على لفظها بعد الاعادة على معناها بما يخالف ذلك، و هو مستنكر عندهم لأنه إجمال بعد إيضاح، و ذلك تعكيس في طريق البلاغة، و إنما محجتها الواضحة الإيضاح بعد الإجمال. و الواو على إعرابه، و إن لم تكن عائدة على من إلا أنها كاشفة لمعناها كشف الضمير العائد له، فتنبه لهذا العقد، فانه أروج من النقد:

و في عنق الحسناء يستحسن العقد

44

عبدك و رسولك، و أنك إن تكلني إلى نفسي تقرّبنى من الشر و تباعدني من الخير، و أنى لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع و وضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد، فيدخلون الجنة، (1) و قيل: كلمة الشهادة. أو يكون من «عهد الأمير إلى فلان بكذا» إذا أمره به، أى لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. و تعضده مواضع في التنزيل وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللََّهُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَرْضى‏ََ ، وَ لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ عِنْدَهُ إِلاََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ، يَوْمَئِذٍ لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً .

قرئ إِدًّا بالكسر و الفتح. قال ابن خالويه: الإدّ و الأدّ: العجب. و قيل: العظيم المنكر. و الإدّة: الشدّة. و أدنى الأمر و آدنى: أثقلنى و عظم علىّ إدّا تَكََادُ قراءة الكسائي و نافع بالياء. و قرئ «ينفطرن» (2) الانفطار من فطره إذا شقه. و التفطر، من فطره إذا شققه و كرر الفعل فيه. و قرأ ابن مسعود: ينصدعن، أى تهد هدّا، أو مهدودة، أو مفعول له، أى: لأنها تهدّ. فإن قلت: ما معنى انفطار السموات و انشقاق الأرض و خرور الجبال؟ و من أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟قلت: فيه و جهان، أحدهما: أن اللّه سبحانه يقول:

كدت أفعل هذا بالسماوات و الأرض‏ (3) و الجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من

____________

(1) . أخرجه الثعلبي قال: روى أبو وائل عن عبد اللّه بن مسعود-فذكره بتمامه، و روى ابن مردويه في تفسير الأحزاب من طريق عوف بن عبد اللّه عن رجل من بنى سليم عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه، قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «العهد أن تقول: اللهم فاطر السموات و الأرض-الحديث أصغر مما ذكر» و رواه الحاكم من وجه آخر عن عون عن ابن ماجة عن الأسود عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية إِلاََّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمََنِ عَهْداً قال اللّه تعالى يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم، قال فقلنا: فعلمنا يا أبا عبد الرحمن قال: فاقرؤا:

اللهم فاطر السموات و الأرض-فذكره مختصرا، و في الباب عن أبى بكر رضى اللّه عنه، أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر في السادس و السبعين بعد المائة.

(2) . قوله «و قرئ ينفطرن» يفيد أن القراءة المشهورة «يتفطرن» بالتاء. (ع)

(3) . قال محمود: «معناه: كدت أهدّ السموات و أفطر الأرض... الخ» قال أحمد: و يظهر لي وراءها معنى آخر و اللّه أعلم، و ذلك أن اللّه تعالى قد استعار لدلالتها على وجوده عز و جل موصوفا بصفات الكمال الواجبة له، أن جعلها تسبح بحمده. قال تعالى‏ تُسَبِّحُ لَهُ اَلسَّمََاوََاتُ اَلسَّبْعُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و مما دلت عليه السموات و الأرض و الجبال بل و كل ذرة من ذراتها: أن اللّه تعالى مقدس عن نسبة الولد إليه:

و في كل شي‏ء له آية # تدل على أنه واحد

فالمعتقد نسبة الولد إلى اللّه تعالى قد عطل دلالة هذه الموجودات على تنزيه اللّه و تقديسه، فاستعير لابطال ما فيها من روح الدلالة التي خلقت لأجلها، إبطال صورها بالهد و الانفطار و الانشقاق «فسبحان من قسم عباده، فجعل العباد، تستلذ فتسبح بتسبيح داود، يكاد ينهد لمقاله من هو عن باب التوفيق مطرود مردود.

45

تفوّه بها، لو لا حلى و وقارى، و أنى لا أعجل بالعقوبة كما قال‏ إِنَّ اَللََّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاََ وَ لَئِنْ زََالَتََا إِنْ أَمْسَكَهُمََا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كََانَ حَلِيماً غَفُوراً . و الثاني: أن يكون استعظاما للكلمة، و تهويلا من فظاعتها، و تصويرا لأثرها في الدين و هدمها لأركانه و قواعده، و أن مثال ذلك الأثر في المحسوسات: أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه و تنشق و تخرّ. و في قوله لَقَدْ جِئْتُمْ و ما فيه من المخاطبة بعد الغيبة، و هو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على اللّه، و التعرّض لسخطه، و تنبيه على عظم ما قالوا. في‏} أَنْ دَعَوْا ثلاثة أوجه: أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في منه، كقوله:

على حالة لو أنّ في القوم حاتما # على جوده لضنّ بالماء حاتم‏ (1)

و منصوبا بتقدير سقوط اللام و إفضاء الفعل، أى: هذا لأن دعوا، علل الخرور بالهدّ، و الهدّ بدعاء الولد للرحمن. و مرفوعا بأنه فاعل هذا، أى هدها دعاء الولد للرحمن. و في اختصاص الرحمن و تكريره مرات من الفائدة أنه هو الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره، من قبل أنّ أصول النعم و فروعها منه: خلق العالمين، و خلق لهم جميع ما معهم، كما قال بعضهم: فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت و جميع ما عندك عطاؤه. فمن أضاف إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه و أخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن. هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين، فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني، طلبا للعموم و الإحاطة بكل ما دعى له ولدا. أو من دعا بمعنى نسب، الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام «من ادعى إلى غير مواليه‏ (2) » و قول الشاعر:

إنّا بنى نهشل لا ندّعى لأب‏ (3)

أى لا ننتسب إليه.

____________

(1) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 438 فراجعه إن شئت اهـ مصححه.

(2) . لم أره بلفظ «من ادعي» و إنما هو عند مسلم بلفظ «انتمى» أخرجه من حديث على بن أبى طالب رفعه «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه-الحديث»

(3) .

إنا بنى نهشل لا ندعى لأب # عنه و لا هو بالأبناء يشرينا

يكفيه إن نحن متنا أن يسر بنا # و هو إذا ذكر الآباء يكفينا

لبشامة بن حزن النهشلي، و يقال: ادعى فلان في بنى هاشم و لهم و إليهم، أى: انتسب إليهم و ادعى عنهم إذا انتسب لغيرهم. و عدل عنهم يقول: إنا لا ننتسب لأب غير نهشل، و بنى نهشل: نصب على الاختصاص يفيد المدح و لا هو يشرينا، أى يبيعنا و يستبدلنا بأبناء غيرنا، ثم قال: يكفيه منا سروره بنا إن متنا و لحقناه، حيث أوجبنا له و لنا الثناء الجميل من شجاعتنا و حسن خصالنا. و «إن» بمعنى «إذا» لأن الموت لا شك فيه. و يروى «أن يسب» بباء، و لعل معناه: لا مسبة له غير موتنا في القتال، يعنى: إن كان ذلك مسبة و ليس كذلك، و يمكن أن تعبيره بالكفاية ليفيد أنه مستغن عن المدح من جهة أبنائه عند التفاخر. و عند عد مآثر الآباء لا نحتاج لغيره، فننتسب له لنشرف بشرفه.

46

انبغى: مطاوع «بغى» إذا طلب، أى: ما يتأتى له اتخاذ الولد و ما ينطلب لو طلب مثلا، لأنه محال غير داخل تحت الصحة. أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها. و أما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى، و ليس للقديم سبحانه جنس، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

مَنْ موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة، وقوعها بعد رب في قوله:

ربّ من أنضجت غيظا صدره‏ (1)

و قرأ ابن مسعود و أبو حيوة آتِي اَلرَّحْمََنِ على أصله قبل الإضافة. الإحصاء الحصر و الضبط يعنى: حصرهم بعلمه و أحاط بهم‏} وَ عَدَّهُمْ عَدًّا الذين اعتقدوا في الملائكة و عيسى و عزير

____________

(1) .

رب من أنضجت غيظا قلبه # قد تمنى لي موتا لم يطع

و يرانى كالشجا في حلقه # عسرا مخرجه ما ينتزع

لم يضرني غير أن يحسدني # فهو يزقو مثل ما يزقو الضوع

و يحيينى إذا لاقيته # و إذا يخلو له لحمى رتع‏

لسويد بن أبى كاهل اليشكري، و يتعين أن «من» نكرة موصوفة، لأن رب لا تجر إلا النكرة، و نضج اللحم و العنب و نحوهما نضجا فهو نضيج و ناضج: أدرك و بلغ أوانه و استوى، أى: رب شخص طبخت قلبه من حر غيظه منى و لم يطع، أى لا يستطاع تحمل سببه. و الشجا: ما نشب في الحلق من عظم و نحوه. و عسرا الخ: حال منه. و مخرجه أى خروجه مرفوع بالوصف، لم يضرني شيئا من الضرر غير الحسد، من ضاره يضيره ضيرا إذا ضره، فهو يزقو أى يصيح مثل صياح الضوع: و هو ذكر اليوم، و كثر تشبيه العرض المطعون فيه باللحم المأكول على طريق التصريحية، ثم شبهه الشاعر بالمرعى المخصب ترتع فيه البهائم. أو شبه المغتاب بهيمة في المرعي على طريق المكنية و الرتع تخبيل. و يحتمل استعارته للأكل الملائم للحم، ثم للطعن الملائم للعرض على طريق التصريح، أى: إذا يخلو له عرضي اغتاب كما يريد.

47

أنهم أولاد اللّه، كانوا بين كفرين، أحدهما: القول بأن الرحمن يصح أن يكون والدا. و الثاني:

إشراك الذين زعموهم للّه أولادا في عبادته، كما يخدم الناس أبناء الملوك خدمتهم لآبائهم، فهدم اللّه الكفر الأول فيما تقدم من الآيات، ثم عقبه بهدم الكفر الآخر. و المعنى: ما من معبود لهم في السموات و الأرض من الملائكة و من الناس إلا و هو يأتى الرحمن، أى: يأوى إليه و يلتجئ إلى ربوبيته عبدا منقادا مطيعا خاشعا خاشيا راجيا، كما يفعل العبيد و كما يجب عليهم، لا يدعى لنفسه ما يدعيه له هؤلاء الضلال. و نحوه قوله تعالى‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ََ رَبِّهِمُ اَلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخََافُونَ عَذََابَهُ و كلهم متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره و هو مهيمن عليهم محيط بهم و بحمل أمورهم و تفاصيلها و كيفيتهم و كميتهم، لا يفوته شي‏ء من أحوالهم، و كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردا ليس معه من هؤلاء المشركين أحد و هم برآء منهم.

قرأ جناح بن حبيش وُدًّا بالكسر: و المعنى: سيحدث لهم في القلوب مودّة و يزرعها لهم فيها من غير تودّد منهم و لا تعرّض للأسباب التي توجب الود و يكتسب بها الناس مودات القلوب، من قرابة أو صداقة أو اصطناع بمبرة أو غير ذلك، و إنما هو اختراع منه ابتداء اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب و الهيبة إعظاما لهم و إجلالا لمكانهم. و السين إما لأن السورة مكية و كان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم اللّه تعالى ذلك إذا دجا الإسلام. و إما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم و ينشر من ديوان أعمالهم. و روى أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لعلى رضى اللّه عنه: «يا علىّ قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، و اجعل لي في صدور المؤمنين مودّة (1) » فأنزل اللّه هذه الآية. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: يعنى يحبهم اللّه و يحبهم إلى خلقه. و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «يقول اللّه عز و جل يا جبريل قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: إنّ اللّه قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له المحبة في أهل الأرض‏ (2) » و عن قتادة: ما أقبل العبد إلى اللّه إلا أقبل اللّه بقلوب العباد إليه.

____________

(1) . أخرجه الثعلبي و الطبراني في مسند حمزة الزيات، و ابن مردويه من حديث البراء بن عازب رضى اللّه عنهما و فيه إسحاق بن بشر عن خالد بن زيد، و هما متروكان.

(2) . متفق عليه من حديث أبى هريرة بمعناه.

48

هذه خاتمة السورة و مقطعها، فكأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به و أنذر، فإنما أنزلناه بِلِسََانِكَ أى بلغتك و هو اللسان العربي المبين، و سهلناه و فصلناه لِتُبَشِّرَ بِهِ و تنذر.

و اللدّ: الشداد الخصومة بالباطل، الآخذون في كل لديد، أى في كل شق من المراء و الجدال لفرط لجاجهم، يريد أهل مكة.

و قوله‏} وَ كَمْ أَهْلَكْنََا تخويف لهم و إنذار. و قرئ تُحِسُّ من حسه إذا شعر به. و منه الحواس و المحسوسات. و قرأ حنظلة تَسْمَعُ مضارع أسمعت. و الركز: الصوت الخفي.

و منه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. و الركاز: المال المدفون.

عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «من قرأ سورة مريم أعطى عشر حسنات بعدد من كذب زكريا و صدق به، و يحيى و مريم و عيسى و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و موسى و هرون و إسماعيل و إدريس، و عشر حسنات بعدد من دعا اللّه في الدنيا و بعدد من لم يدع اللّه» (1) .

____________

(1) . أخرجه الثعلبي و ابن مردويه من حديث أبىّ.

49

سورة طه‏

مكية[إلا آيتي 130 و 131 فمدنيتان‏]و هي 135 آية[نزلت بعد مريم‏] بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

طه أبو عمرو فخم الطاء لاستعلائها. و أمال الهاء و فخمها ابن كثير و ابن عامر على الأصل، و الباقون أمالوهما. و عن الحسن رضى اللّه عنه: طه، و فسر بأنه أمر بالوطء، و أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه‏ (1) معا، و أن الأصل طأ، فقلبت همزته هاء، أو قلبت ألفا في يطأ فيمن قال:

لا هناك المرتع‏ (2)

ثم بنى عليه الأمر، و الهاء للسكت. و يجوز أن يكتفى بشطرى الاسمين و هما الدالان بلفظهما

____________

(1) . أخرجه عبد بن حميد في تفسيره قال: حدثنا هاشم بن القاسم بن أبى جعفر عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى اللّه عليه و سلم قام على رجل و رفع الأخرى، فأنزل اللّه طه يعنى طأ الأرض» و روى ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن قطر بن خليفة عن منذر الثوري عن محمد بن الحنفية عن على «لما نزل يا أيها المزمل قام الليل كله حتى و رمت قدماه فجعل يرفع رجلا و يضع الأخرى فهبط عليه جبريل، فقال «طه طأ الأرض بقدميك يا محمد» و أخرجه البزار من وجه آخر عن على «كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى نزلت طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» و من طريق نهشل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى طه قال «إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ربما قرأ القرآن إذا صلى، فقام على رجل واحدة، فأنزل اللّه طأها برجليك» و أخرجه البيهقي في الشعب الرابع عشر من وجه آخر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أول ما أنزل عليه الوحى كان يقوم على صدور قدميه إذا صلى. فأنزل اللّه طه .

(2) .

نزع ابن بشر و ابن عمرو قبله # و أخو هراة لمثلها يتوقع

راحت بمسلمة البغال عشية # فارعى فزارة لا هناك المرتع‏

للفرزدق، يهجو عمرو بن زهرة الفزاري، و قد ولى العراق بعد عبد الملك بن بشر بن مروان، و كان على البصرة و محمد ابن عمرو بن الوليد بن عقبة، و كان على الكوفة. يقول: ذهب ابن بشر و ابن عمرو، و أخو هراة أى صاحبها و واليها. و هراة من بلاد العراق أيضا. يتوقع: أى يترقب و ينتظر مثل حاله من قبله. راحت، و روى: مضت، أى ذهبت البغال بمسلمة بن عبد الملك كما يفيد شرح المراح، و كان يمنع بنى فزارة من الرعي في أرض العراق، ففر إلى الشام و ترك الملك، فارعى يا فزارة ما شئت يخاطب القبيلة بذلك، و إشارة إلى أنه كان محرما عليهم، فأبيح بعد مسلمة. و أرعى: بفتح العين و سكون الياء؛ لأن مضارعه مفتوح العين. و لا هناك المرتع: دعا عليهم. يقال:

هناك الطعام و مراك، بتخفيف الهمز: انهضم في بطنك و أراحك و نفعك، فإذا انفرد الثاني قلت: أمراك الطعام، و تخفيف الهمزة بقبلها ألفا: صرفه كما هنا شاذ، و قياس تخفيفها في مثل هذا جعلها بين بين لعدم سكون ما قبلها.

50

على المسميين، و اللّه أعلم بصحة ما يقال: إن «طاها» في لغة عك‏ (1) في معنى يا رجل، و لعل عكا تصرفوا في «يا هذا» كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في «يا» : «طا» ، و اختصروا هذا فاقتصروا على ها، و أثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:

إنّ السّفاهة طاها في خلائقكم # لا قدّس اللّه أخلاق الملاعين‏ (2)

و الأقوال الثلاثة في الفواتح: أعنى التي قدمتها في أول الكاشف عن حقائق التنزيل، هي التي يعوّل عليها الألباء المتقنون‏} مََا أَنْزَلْنََا إن جعلت طه تعديدا لأسماء الحروف على الوجه السابق ذكره فهو ابتداء كلام. و إن جعلتها اسما للسورة احتملت أن تكون خبرا عنها و هي في موضع المبتدأ، و اَلْقُرْآنَ ظاهر أوقع موقع الضمير لأنها قرآن، و أن يكون جوابا لها و هي قسم. و قرئ: ما نزل عليك القرآن لِتَشْقى‏ََ لتتعب بفرط تأسفك عليهم و على كفرهم، و تحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى‏ فَلَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ* و الشقاء يجي‏ء في معنى التعب. و منه المثل:

أشقى من رائض مهر، أى ما عليك إلا أن تبلغ و تذكر، و لم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة و الموعظة الحسنة. و قيل: إن أبا جهل و النضر بن الحرث قالا له: إنك شقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد ردّ ذلك بأن دين الإسلام و هذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، و السبب في درك كل سعادة، و ما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. و روى أنه عليه الصلاة و السلام صلى بالليل حتى اسمعدت‏ (3) قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: أبق على نفسك فإن لها عليك حقا (4) . أى: ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة و تذيقها المشقة الفادحة، و ما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، و كل واحد من لِتَشْقى‏ََ و تَذْكِرَةً علة للفعل، إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، و الثاني جاز قطع اللام عنه و نصبه لاستجماعه الشرائط. فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى، كقوله تعالى‏ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ ؟قلت: بلى و لكنها نصبة طارئة،

____________

(1) . قوله «في لغة عك» في الصحاح عك بن عدنان أخو معد و هو اليوم في اليمن. (ع)

(2) . السفاهة: الجهل و الحمق و الخفة. و «طه» في لغة عك، معناه يا هذا، فكأنهم قلبوا الياء طاء و حذفوا ذا. قال الزمخشري: و لا يخفى التصنع في البيت. و الخلائق: الطبائع، و دعا عليهم بأن اللّه لا يطهر أرواحهم، و وضع المظهر موضع المضمر لزيادة الذم و التشنيع. و قيل: للدلالة على سبب الدعاء، أى: فإنهم ملعونون، و لعل معناه: فإنهم مستحقين للعن و فاعلون سببه.

(3) . قوله «حتى اسمغدت» بالغين المعجمة، أى: تورمت. أفاده الصحاح. (ع)

(4) . لم أره هكذا. و في الدعوات الكبير للبيهقي عن عائشة قالت «لما كانت ليلة النصف من شعبان-فذكر حديثا طويلا-و فيه: فما زال يصلى قائما و قاعدا حتى أصبح و حتى اسمغدت قدماه. فقمت أغمزها-الحديث- و ليس فيه كلام جبريل.

51

كالنصبة في‏ وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ و أما النصبة في تذكره فهي كالتي في ضربت زيدا، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول و قوانين لغيرها. فإن قلت: هل يجوز أن يكون تَذْكِرَةً} بدلا من محل لِتَشْقى‏ََ ؟قلت: لا، لاختلاف الجنسين، و لكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي «إلا» فيه بمعنى «لكن» و يحتمل أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل‏ (1) متاعب التبليغ و مقاولة العتاة من أعداء الإسلام و مقاتلتهم و غير ذلك من أنواع المشاق و تكاليف النبوّة، و ما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة، و على هذا الوجه يجوز أن يكون تذكرة حالا و مفعولا له لِمَنْ يَخْشى‏ََ لمن يؤول أمره إلى الخشية، و لمن يعلم اللّه منه أنه يبدل بالكفر إيمانا و بالقسوة خشية. في نصب‏} تَنْزِيلاً وجوه: أن يكون بدلا من تذكرة إذا جعل حالا، لا إذا كان مفعولا له؛ لأن الشي‏ء لا يعلل بنفسه، و أن ينصب بنزل مضمرا، و أن ينصب بأنزلنا، لأن معنى: ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة، و أن ينصب على المدح و الاختصاص و أن ينصب بيخشى مفعولا به، أى: أنزله اللّه تذكرة لمن يخشى تنزيل اللّه، و هو معنى حسن و إعراب بين. و قرىّ: تنزيل، بالرفع على خبر مبتدأ محذوف. ما بعد تَنْزِيلاً إلى قوله‏ لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ تعظيم و تفخيم لشأن المنزل، لنسبته إلى من هذه أفعاله و صفاته. و لا يخلو من أن يكون متعلقه إما تَنْزِيلاً نفسه فيقع صلة له، و إما محذوفا فيقع صفة له. فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟قلت: غير واحدة منها عادة الافتنان في الكلام و ما يعطيه من الحسن و الروعة. و منها أنّ هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة. و منها أنه قال أولا أَنْزَلْنََا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع. ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة و التمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين: و يجوز أن يكون أَنْزَلْنََا حكاية لكلام جبريل و الملائكة النازلين معه.

وصف السموات بالعلى: دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها و بعد مرتقاها.

قرئ اَلرَّحْمََنُ مجرورا صفة لمن خلق و الرفع أحسن، لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير: هو الرحمن. و إما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى من خلق. فإن قلت: الجملة التي هي

____________

(1) . قال محمود: «و يحتمل أن يكون المعنى إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل... الخ» قال أحمد: و في هذا الوجه الثاني بعد، فان فيه إثبات كون الشقاء سببا في نزوله عكس الأول و إن لم تكن اللام سببية فكانت للصيرورة مثلا و لم يكن فيه ما جرت عادة اللّه تعالى به مع نبيه صلى اللّه عليه و سلم من نهيه عن الشقاء و الحزن عليهم و ضيق الصدر بهم، و كان مضمون هذه الآية متباينا عن قوله تعالى‏ فَلاََ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ، فَلَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ََ آثََارِهِمْ و لاََ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسََارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ* و أمثاله كثيرة فالظاهر و اللّه أعلم هو التأويل الأول‏

52

عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ ما محلها-إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟قلت: إذا جررت فهي خبر مبتدأ محذوف لا غير و إن رفعت جاز أن تكون كذلك و أن تكون مع الرحمن خبرين للمبتدإ. لما كان الاستواء على العرش و هو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك و إن لم يقعد على السرير البتة، و قالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى و مساواته ملك في مؤدّاه و إن كان أشرح و أبسط و أدل على صورة الأمر.

و نحوه قولك: يد فلان مبسوطة، و يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أنّ من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم: هو جواد. و منه قول اللّه عز و جل‏ وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ أى هو بخيل، بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ أى هو جواد، من غير تصوّر يد و لا غل و لا بسط، و التفسير بالنعمة و التمحل للتثنية من ضيق العطن و المسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام وَ مََا تَحْتَ اَلثَّرى‏ََ ما تحت سبع الأرضين: عن محمد بن كعب و عن السدى: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

أى يعلم ما أسررته إلى غيرك و أخفى من ذلك، و هو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك وَ أَخْفى‏ََ منه و هو ما ستسره فيها. و عن بعضهم: أن أخفى فعل‏ (1) يعنى أنه يعلم أسرار العباد و أخفى عنهم ما يعلمه، هو كقوله تعالى‏ يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و ليس بذاك. فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟قلت: معناه و إن تجهر بذكر اللّه من دعاء أو غيره فاعلم أنه غنى عن جهرك، فإما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله تعالى‏ وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ اَلْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ و إما تعليما للعباد أنّ الجهر ليس لإسماع اللّه و إنما هو لغرض آخر} اَلْحُسْنى‏ََ تأنيث الأحسن، و صفت بها الأسماء لأنّ حكمها حكم المؤنث

____________

(1) . قال محمود: «هو أفعل التفضيل، و منهم من قال إن أخفى فعل ماض... الخ» قال أحمد: لا يخفى أن جعله فعلا قاصر لفظا و معنى: أما لفظا فانه يلزم منه عطف الجملة الفعلية على الاسمية إن كان المعطوف عليه الجملة الكبرى، أو عطف الماضي على المضارع إن كان المعطوف عليه الصغرى، و كلاهما دون الأحسن. و أما معنى، فان المقصود الحض على ترك الجهر بإسقاط فائدته من حيث أن اللّه تعالى يعلم السر و ما هو أخفى منه، فكيف يبقى للجهر فائدة و كلاهما على هذا التأويل مناسب لترك الجهر. و أما إذا جعل فعلا فيخرج عن مقصود السياق و إن اشتمل على فائدة أخرى، و ليس هذا كقوله تعالى‏ يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً لأن بين السياقين اختلافا، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.