الكشاف - ج4

- ابو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المزيد...
825 /
3

الجزء الرابع‏

سورة يس‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

مكية، [إلا آية 45 فمدنية] و آياتها 83[نزلت بعد الجنّ‏]

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ قرئ: يس، بالفتح‏ (1) ، كأين و كيف. أو بالنصب على اتل يس، و بالكسر على الأصل كجير، و بالرفع على هذه يس. أو بالضم كحيث. و فخمت الألف و أميلت‏ (2) . و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: معناه يا إنسان في لغة طيئ، و اللّه أعلم بصحته، و إن صح فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين، فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القسم: م اللّه في أيمن اللّه‏} اَلْحَكِيمِ ذى الحكمة. أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي. أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به‏} عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ خبر بعد خبر، أو صلة للمرسلين. فإن قلت: أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة، و قد علم أنّ المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟قلت: ليس الغرض

____________

(1) . قوله «قرئ يس بالفتح» يفيد أن السكون قراءة الجمهور، و الحركات قراءات لبعضهم، فالفتح بناء أو نصب، و الكسر بناء فقط، فتدبر (ع)

(2) . قوله «و أخفت الألف و أميلت» يعنى: قرأ الجمهور بالتفخيم. و قرأ بعضهم بالامالة، كما في النسفي. (ع)

4

بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، و إنما الغرض وصفه و وصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال:

إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت، و أيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصراط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه‏ (1) ، و قرئ‏} تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، و بالنصب على أعنى، و بالجرّ على البدل من القرآن‏} قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ قوما غير منذر آباؤهم على الوصف‏ (2) و نحوه قوله تعالى‏ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ، وَ مََا أَرْسَلْنََا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ . و قد فسر مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ على إثبات الإنذار.

و وجه ذلك أن تجعل ما مصدرية، لتنذر قوما إنذار آبائهم أو موصولة و منصوبة على المفعول الثاني لتنذر (3) قوما ما أنذره آباؤهم من العذاب، كقوله تعالى‏ إِنََّا أَنْذَرْنََاكُمْ عَذََاباً قَرِيباً فإن قلت: أى فرق بين تعلقي قوله فَهُمْ غََافِلُونَ على التفسيرين؟قلت: هو على الأوّل متعلق بالنفي، أى: لم ينذروا فهم غافلون، على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم، و على الثاني بقوله إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ لتنذر، كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره، فإنه غافل. أو فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي الأخر؟قلت: لا مناقضة:

لأنّ الآي في نفى إنذارهم لا في نفى إنذار آبائهم، و آباؤهم القدماء من ولد إسماعيل و كانت النذارة فيهم‏ (4) فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أنّ آباءهم لم ينذروا و هو الظاهر، فما تصنع به؟قلت:

____________

(1) . قال محمود: «إن قلت ما سر قوله على صراط مستقيم و قد علم بكونه من المرسلين أنه كذلك؟و أجاب بأن الغرض وصفه و وصف ما جاء به، فجاء بالوصفين في نظام واحد، فكأنه قال: إنك لمن المرسلين على طريق ثابت.

قال: و أيضا ففي تنكير الصراط أنه مخصوص من بين الصراط المستقيمة بصراط لا يكتنه وصفه. انتهى كلامه» قال أحمد: قد تقدم في مواضع أن التنكير قد يفيد تفخيما و تعظيما و هذا منه.

(2) . قال محمود: إنه على الوصف كقوله‏ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ قال: و قد فسر مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ على إثبات الانذار على أن ما مصدرية أو موصولة. قال: و الفرق بين موقع الفاء على التفسيرين أنها على الأول متعلقة بالنفي معنى جوابا له، و المعنى أن نفى إنذارهم هو السبب في غفلتهم، و على الثاني بقوله إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ لتنذر، كما تقول: أرسلناك إلى فلان لتذره، فانه غافل أو فهو غافل انتهى» قال أحمد: يعنى أنها على التفسير الثاني تفهم أن غفلتهم سبب في إنذارهم.

(3) . قوله «على المفعول الثاني لتنذر» لعل بعده سقطا تقديره: أى لتنذر. (ع)

(4) . قال محمود: فان قلت كيف يكونون منذرين على هذا التفسير غير منذرين في قوله‏ مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ و أجاب بأن الآية لنفى إنذارهم لا لنفى إنذار آبائهم، و آباؤهم القدماء من ولد إسماعيل، و قد كانت النذارة فيهم.

قال: فما تصنع بأحد التفسيرين الذي مقتضاه أن آباءهم لم ينذروا و هو التفسير الأول في هذه الآية مع التفسير الثاني، و مقتضاء أنهم أنذروا، و أجاب بأن آباءهم الأباعد هم المنذرون لا آباؤهم الأدنون. قال: ثم مثل تصميمهم على للكفر و أنهم لا يرعوون و لا يرجعون بأن جعلهم كالمغلولين لمقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق و لا يطأطئون رؤسهم له، و كالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم و لا ما خلفهم قال و الضمير للأغلال لأن طوق الغر يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرا من الحلقة إلى الذقن، فلا تخليه يطأطئ رأسه، فلا يزال مقمحا. انتهى كلامه» قال أحمد: إذا فرقت هذا التشبيه كان تصميمهم على الكفر مشبها بالأغلال، و كان استكبارهم عن قبول الحق و عن الخضوع و التواضع لاستماعه، مشبها بالاقماح، لأن المقمح لا يطأطئ رأسه.

و قوله: فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ تتمة للزوم الاقماح لهم، و كان عدم الفكر في القرون الخالية مشبها بسد من خلفهم، و عدم النظر في العواقب المستقلة مشبها بسد من قدامهم.

5

أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد} اَلْقَوْلُ قوله تعالى‏ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ يعنى تعلق بهم هذا القول و ثبت عليهم و وجب، لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.

ثم مثل تصميمهم على الكفر، و أنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمخين:

في أنهم لا يلتفتون إلى الحق و لا يعطفون أعناقهم نحوه، و لا يطأطئون رءوسهم له، و كالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدّامهم و لا ما خلفهم: في أن لا تأمل لهم و لا تبصر، و أنهم متعامون عن النظر في آيات اللّه. فإن قلت: ما معنى قوله فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ ؟قلت: معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها، و ذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول، يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود، نادرا (1) من الحلقة إلى الذقن، فلا تخليه يطأطئ رأسه و يوطئ قذاله‏ (2) ، فلا يزال مقمحا. و المقمح: الذي يرفع رأسه و يغض بصره. يقال:

قمح البعير فهو قامح: إذا روى فرفع رأسه. و منه شهرا قماح‏ (3) ، لأن الإبل ترفع رءوسها عن الماء لبرده فيهما، و هما الكانونان. و منه: اقتحمت السويق. فإن قلت: فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدى و زعم أن الغل لما كان جامعا لليد و العنق-و بذلك يسمى جامعة-كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدى‏ (4) ؟قلت: الوجه ما ذكرت لك، و الدليل عليه قوله

____________

(1) . قوله «رأس العمود نادرا» أى شاذا، كما يفيده الصحاح. (ع)

(2) . قوله «و يوطئ قذاله» في الصحاح «القذال» : جماع مؤخر الرأس، فتدبر. (ع)

(3) . قوله «و منه شهرا قماح» بوزن كتاب و غراب، كما نقل عن القاموس. و في الصحاح: سميا بذلك، لأن الإبل إذا وردت فيهما آذاها برد الماء فقامحت. (ع)

(4) . قال محمود: فان قلت: فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدى و زعم أن الغل لما كان جامعا لليد و العنق و بذلك يسمى جامعة: كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدى. و أجاب بأن الوجه هو الأول، و استدل على هذا التفسير الثاني بقوله فَهُمْ مُقْمَحُونَ لأنه جعل الاقماح نتيجة قوله فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ و لو كان الضمير للأيدى لم يكن معنى التسبب في الاقماح ظاهرا، و ترك الحق الأبلج للباطل اللجلج. انتهى كلامه» قال أحمد: و يحتمل أن تكون الفاء للتعقيب كالفاء الأولى في قوله فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ أو للتسبب، و لا شك أن ضغط اليد مع العنق في الغل يوجب الاقماح، فان اليد و العياذ باللّه تعالى تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن دافعة بها و مانعة من وطأتها، و يكون التشبيه أتم على هذا التفسير، فان اليد متى كانت مرسلة مخلاة كان للمغلول بعض الفرج بإطلاقها، و لعله يتحيل بها على فكاك الغل، و لا كذلك إذا كانت مغلولة، فيضاف إلى ما ذكرناه من التشبيهات المفرقة أن يكون انسداد باب الحيل عليهم في الهداية و الاتخلاع من ربقة الكفر المقدر عليهم مشبها بغل الأيدى، فان اليد آلة الحيلة إلى الخلاص.

6

فَهُمْ مُقْمَحُونَ ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ و لو كان الضمير للايدى لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف و ترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه و ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج‏ (1) . فإن قلت: فقد قرأ ابن عباس رضى اللّه عنهما في أيديهم و ابن مسعود في أيمانهم، فهل تجوّز على هاتين القراءتين أن تجعل الضمير للأيدى أو للايمان؟قلت: يأبى ذلك و إن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للاغلال، و سداد المعنى عليه كما ذكرت. و قرئ:

سدا بالفتح و الضم. و قيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح، و ما كان من خلق اللّه فبالضم فَأَغْشَيْنََاهُمْ فأغشينا أبصارهم، أى: غطيناها و جعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئى، و عن مجاهد: فأغشيناهم: فألبسنا أبصارهم غشاوة. و قرئ بالعين من العشا. و قيل: نزلت في بنى مخزوم، و ذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلى ليرضخن رأسه، فأتاه و هو يصلى و معه حجر ليدمغه به، فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه و لزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومى آخر: أنا أقتله بهذا الحجر، فذهب، فأعمى اللّه عينيه‏ (2)

فإن قلت: قد ذكر ما دلّ على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار، ثم قفاه بقوله إِنَّمََا تُنْذِرُ (3) و إنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيا. قلت: هو كما قلت، و لكن لما كان ذلك نفيا للايمان مع وجود الإنذار و كان معناه أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة و هي الإيمان، قفى بقوله إِنَّمََا تُنْذِرُ على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين و هم المتبعون للذكر: و هو القرآن أو الوعظ، الخاشون ربهم.

____________

(1) . قوله «إلى الباطل اللجلج» أى الذي يردد من غير أن ينفذ. أفاده الصحاح. (ع)

(2) . أخرجه ابن إسحاق في السيرة في كلام طويل. و رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن إسحاق: حدثني محمد بن محمد بن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس «أن أبا جهل قال: إنى أعاهد اللّه لأجلسن غدا لمحمد بحجر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه. فذكر نحوه إلى قوله قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر بين يديه: و أصله في البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس رضى اللّه عنهما.

(3) . قال محمود: «إن قلت: قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الانذار، ثم قفاه بقوله إِنَّمََا تُنْذِرُ و إنما كانت التقفية تصح لو كان الانذار منفيا، و أجاب بأن الأمر كذلك، و لكن لما بين أن البغية المرومة بالإنذار و هي الايمان منفية عنهم: قفاه بقوله إِنَّمََا تُنْذِرُ أى إنما تحصل بغية الانذار ممن اتبع الذكر. انتهى كلامه» قلت: في السؤال سوء أدب، و ينبغي أن يقال: و ما وجه ذكر الانذار الثاني في معرض المخالفة للأول، مع أن الأول إثبات، و الانذار الثاني كذلك.

7

نُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ نبعثهم بعد مماتهم. و عن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان وَ نَكْتُبُ مََا أسلفوا من الأعمال الصالحة و غيرها و ما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس حبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيئ، كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، و سكة أحدث فيها تخسيرهم، و شي‏ء أحدث فيه صدّ عن ذكر اللّه: من ألحان و ملاه، و كذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها. و نحوه قوله تعالى‏ يُنَبَّؤُا اَلْإِنْسََانُ يَوْمَئِذٍ بِمََا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ أى: قدّم من أعماله، و أخر من آثاره. و قيل: هي آثار المشاءين إلى المساجد. و عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد و البقاع حوله‏ (1) خالية، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأتانا في ديارنا و قال: يا بنى سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد، فقلنا نعم، بعد علينا المسجد و البقاع حوله خالية، فقال:

عليكم دياركم. فإنما تكتب آثاركم. قال: فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و عن عمر بن عبد العزيز: لو كان اللّه مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح.

و الإمام: اللوح. و قرئ: و يكتب ما قدّموا و آثارهم على البناء للمفعول. و كل شي‏ء: بالرقع‏

وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً و مثل لهم مثلا، من قولهم: عندي من هذا الضرب كذا، أى: من هذا المثال، و هذه الأشياء على ضرب واحد، أى على مثال واحد. و المعنى. و اضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية، أى: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية. و المثل الثاني بيان للأوّل.

و انتصاب إذ بأنه بدل من أصحاب القرية. و القرية أنطاكية. و} اَلْمُرْسَلُونَ رسل عيسى عليه

____________

(1) . أخرجه ابن حبان في الأول من الأول عن طريق أبى نضرة عنه. و أصله في مسلم.

8

السلام إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق و كانوا عبدة أوثان. أرسل إليهم اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له و هو حبيب النجار صاحب يس، فسألهما فأخبراه، فقال:

أ معكما آية؟فقالا: نشفى المريض و نبرئ الأكمه و الأبرص، و كان له ولد مريض من سنتين فمسحاه، فقام، فآمن حبيب و فشا الخبر، فشفى على أيديهما خلق كثير، و رقى حديثهما إلى الملك و قال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟قالا: نعم من أوجدك و آلهتك، فقال: حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس و ضربوهما. و قيل: حبسا، ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون، فدخل متنكرا و عاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به، و رفعوا خبره إلى الملك فأنس به، فقال له ذات يوم:

بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟فقال: لا، حال الغضب بيني و بين ذلك، فدعاهما، فقال شمعون: من أرسلكما؟قالا: اللّه الذي خلق كل شي‏ء و ليس له شريك، فقال:

صفاه و أوجزا. قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: و ما آيتكما؟قالا: ما يتمنى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين، فدعوا اللّه حتى انشق له بصر، و أخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما، فقال له شمعون: أ رأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك و له الشرف. قال: ليس لي عنك سر، إنّ إلهنا لا يبصر و لا يسمع و لا يضر و لا ينفع، و كان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلى و يتضرع و يحسبون أنه منهم، ثم قال:

إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام و قال: إنى أدخلت في سبعة أودية من النار، و أنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، و قال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: و من هم؟قال شمعون، و هذان، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أنّ قوله قد أثر فيه نصحه فآمن و آمن معه قوم، و من لم يؤمن صاح عليهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا} فَعَزَّزْنََا فقوّينا. يقال: المطر يعزز الأرض إذا لبدها و شدّها، و تعزز لحم الناقة. و قرئ بالتخفيف من عزه يعزه: إذا غلبه، أى: فغلبنا و قهرنا بِثََالِثٍ و هو شمعون. فإن قلت: لم ترك ذكر المفعول به؟قلت: لأنّ الغرض ذكر المعزز به و هو شمعون و ما لطف فيه من التدبير حتى عزّ الحق و ذلّ الباطل، و إذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له و توجهه إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح.

و نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق، الغرض المسوق إليه: قولك بالحق فلذلك رفضت ذكر المحكوم له و المحكوم عليه. إنما رفع بشر و نصب‏ (1) في قوله‏ مََا هََذََا بَشَراً لأنّ إلا تنقض النفي، فلا يبقى لما المشبهة بليس شبه، فلا يبقى له عمل. فإن قلت: لم قيل: إنا إليكم

____________

(1) . قوله «إنما رفع بشر و نصب» عبارة النسفي: إنما رفع بشر هنا و نصب... الخ. (ع)

9

مرسلون أوّلا (1) ، و إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ آخرا؟قلت: لأن الأوّل ابتداء إخبار، و الثاني جواب عن إنكار.

و قوله‏} رَبُّنََا يَعْلَمُ جار مجرى القسم في التوكيد، و كذلك قولهم: شهد اللّه، و علم اللّه. و إنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد و التحقيق مع قولهم‏} وَ مََا عَلَيْنََا إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ أى الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته، و إلا فلو قال المدعى: و اللّه إنى لصادق فيما أدعى و لم يحضر البينة كان قبيحا.

تَطَيَّرْنََا بِكُمْ تشاء منابكم، و ذلك أنهم كرهوا دينهم و نفرت منه نفوسهم، (2) و عادة الجهال أن يتيمنوا بكل شي‏ء مالوا إليه و اشتهوه و آثروه و قبلته طباعهم، و يتشاءموا بما نفروا عنه و كرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا ببركة هذا و بشؤم هذا، كما حكى اللّه عن القبط:

و إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه. و عن مشركي مكة: و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. و قيل: حبس عنهم القطر فقالوا ذلك. و عن قتادة: إن أصابنا شي‏ء كان من أجلكم طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ و قرئ: طيركم، أى سبب شؤمكم معكم و هو كفرهم. أو أسباب شؤمكم معكم، و هي كفرهم و معاصيهم. و قرأ الحسن: أطيركم أى تطيركم. و قرئ: أئن ذكرتم؟بهمزة الاستفهام و حرف الشرط. و آئن بألف بينهما، (3) بمعنى: أ تطيرون إن ذكرتم؟و قرئ: أ أن ذكرتم بهمزة الاستفهام و أن الناصبة، يعنى: أ تطيرتم لأن ذكرتم؟و قرئ: أن، و إن، بغير استفهام لمعنى الإخبار، أى تطيرتم لأن ذكرتم، أو إن ذكرتم تطيرتم. و قرئ: أين ذكرتم: على التخفيف، أى شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم، و إذا شئم المكان بذكرهم كان بحلولهم فيه أشأم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ في العصيان: و من ثم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل اللّه و تذكيرهم، أو بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل اللّه.

____________

(1) . قال محمود: «إن قلت: لم أسقط اللام هنا و أثبتها في الثانية عند قوله‏ رَبُّنََا يَعْلَمُ إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ قلت: الأول ابتداء إخبار، و الثاني جواب إنكار» قال أحمد: أى فلاق توكيده.

(2) . قوله «و نفرت منهم» لعله: منه كعبارة النسفي. (ع)

(3) . قوله «و آئن بألف بينهما» الذي في النسفي أن هذا و ما قبله بياء مكسورة بدل الهمزة الثانية. (ع)

10

رَجُلٌ يَسْعى‏ََ هو حبيب بن إسرائيل النجار، و كان ينحت الأصنام، و هو ممن آمن برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و بينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر و ورقة بن نوفل و غيرهما، و لم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. و قيل: كان في غار يعبد اللّه، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم و أظهر دينه و قاول الكفرة، فقالوا: أو أنت تخالف ديننا، فوثبوا عليه فقتلوه.

و قيل: توطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه‏ (1) من دبره. و قيل: رجموه و هو يقول: اللهم اهد قومي، و قبره في سوق أنطاكية، فلما قتل غضب اللّه عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل عليه السلام.

و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «سباق الأمم ثلاثة: لم يكفروا باللّه طرفة عين: على بن أبى طالب، و صاحب يس، و مؤمن آل فرعون» 2 مَنْ لاََ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أى: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم، و تربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا و خير الآخرة، ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه و هو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم و يداريهم، و لأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه، و لقد وضع قوله‏} وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله: و ما لكم لا تعبدون الذي فطركم. ألا ترى إلى قوله وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و لو لا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني و إليه أرجع، و قد ساقه ذلك المساق إلى أن قال آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ يريد فاسمعوا قولي و أطيعونى، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه: أنّ العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم و إليه مرجعكم، و ما أدفع العقول و أنكرها لأن تستحبوا على عبادته عبادة أشياء إن أرادكم هو بضر و شفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم و لم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده، و لم يقدروا على

____________

(1) . قوله «حتى خرج قصبه» في الصحاح «القصب» بالضم: المتقى. و المعى: واحد الأمعاء. (ع)

(2) . أخرجه الثعلبي من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه بهذا، و فيه عمرو بن جمع و هو متروك. و رواه العقيلي و الطبراني و ابن مردويه، من طريق حسين بن حسن الأشقر عن ابن عيينة عن ابن أبى تجيح عن مجاهد عن ابن عباس، بلفظ «السباق ثلاثة. فالسابق الى عيسى صاحب يس، و الى محمد صلى اللّه عليه و سلم على بن أبى طالب‏

11

إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم في هذا الاستحباب لواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذى عقل و تمييز. و قيل: لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ أى اسمعوا إيمانى تشهدوا لي به. و قرئ: إن يردني الرحمن بضر، بمعنى: أن يوردني ضرا، أى يجعلني موردا للضر.

أى لما قتل قِيلَ له اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ و عن قتادة: أدخله اللّه الجنة و هو فيها حىّ يرزق أراد قوله تعالى‏ بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، `فَرِحِينَ و قيل: معناه البشرى بدخول الجنة، و أنه من أهلها. فإن قلت: كيف مخرج هذا القول في علم البيان؟قلت: مخرجه مخرج الاستئناف، لأنّ هذا من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، كأنّ قائلا قال: كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في نصرة دينه و التسخى لوجهه بروحه؟فقيل: قيل ادخل الجنة و لم يقل قيل له، لانصباب الغرض إلى المقول و عظمه، لا إلى المقول له مع كونه معلوما، و كذلك قََالَ يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم، و إنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر و الدخول في الإيمان و العمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة. و في حديث مرفوع: نصح قومه حيا و ميتا (1) . و فيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ، و الحلم عن أهل الجهل، و الترؤف على من أدخل نفسه في عمار الأشرار و أهل البغي، و التشمر في تخليصه و التلطف في افتدائه، و الاشتغال بذلك عن الشماتة به و الدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته و الباغين له الغوائل و هم كفرة عبدة أصنام. و يجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، و أنه كان على صواب و نصيحة و شفقة، و أن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا و لم تعقبه إلا سعادة، لأنّ في ذلك زيادة غبطة له و تضاعف لذة و سرور. و الأوّل أوجه. و قرئ: المكرّمين. فإن قلت:

ما في قوله تعالى‏} بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي أى الماءات هي؟قلت: المصدرية أو الموصولة، أى: بالذي غفره لي من الذنوب. و يحتمل أن تكون استفهامية، يعنى بأى شي‏ء غفر لي ربى، يريد به

____________

(1) . ورد هذا في قصة عروة بن مسعود أخرجه ابن مردويه من حديث المغيرة بن شعبة، فذكر القصة و في آخرها «فكان يقول و هو في النزع: يا معشر ثقيف ائتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فاطلبوا منه الأمان، قبل أن يبلغه موتى فيغزوكم. فلم يزل كذلك حتى مات، فبلغ النبي صلى اللّه عليه و سلم. فقال: لقد نصح قومه حبا و ميتا، و شبهه يصاحب يس.

12

ما كان منه معهم من المصابرة لإعزاز الدين حتى قتل، إلى أنّ قولك بِمََا غَفَرَ لِي بطرح الألف أجود و إن كان إثباتها جائزا، يقال: قد علمت بما صنعت هذا، أى: بأى شي‏ء صنعت و بم صنعت.

المعنى: أن اللّه كفى أمرهم بصيحة ملك، و لم ينزل لإهلاكهم جندا من جنود السماء، كما فعل يوم بدر و الخندق، فإن قلت: و ما معنى قوله وَ مََا كُنََّا مُنْزِلِينَ ؟قلت: معناه:

و ما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندا من السماء، و ذلك لأنّ اللّه تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، و ما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة و أوجبته المصلحة. ألا ترى إلى قوله تعالى‏ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِ حََاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنََا . فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر و الخندق؟قال تعالى‏ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا ، بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ ، بِثَلاََثَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُنْزَلِينَ ، بِخَمْسَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ؟ قلت: إنما كان يكفى ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، و بلاد ثمود و قوم صالح بصيحة منه، و لكنّ اللّه فضل محمدا صلى اللّه عليه و سلم بكل شي‏ء على كبار الأنبياء و أولى العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار، و أولاده من أسباب الكرامة و الإعذار ما لم يوله أحدا، فمن ذلك: أنه أنزل له جنودا من السماء، و كأنه أشار بقوله:

وَ مََا أَنْزَلْنََا ، وَ مََا كُنََّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، و ما كنا نفعله بغيرك‏} إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة. و قرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامّة، أى: ما وقعت إلا صيحة، و القياس و الاستعمال على تذكير الفعل، لأنّ المعنى: ما وقع شي‏ء إلا صيحة، و لكنه نظر إلى ظاهر اللفظ و أن الصيحة في حكم فاعل الفعل، و مثلها قراءة الحسن: فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، و بيت ذى الرمّة:

و ما بقيت إلاّ الضلوع الجراشع‏ (1)

____________

(1) .

برى لحمها سير الفيافي و حرها # و ما بقيت إلا الضلوع الجراشع‏

للبيد. يصف ناقته بأنها أذهب لحمها سير الأراضى القفرة، أى السير فيها و حرها الشديد، برما بقيت فيها إلا الضلوع.

و كان الأفصح حذف التاء، لأن المعنى: ما بقي فيها شي‏ء إلا الضلوع، لكنه أنث نظرا للضلوع. و الجراشع: جمع جرشع كقنفذ، و هو الغليظ المرتفع. و يروى: بدل الشطر الأول‏

طوى الحر و الأجراز ما في عروضها

و الأجراز: جمع جرز، و هي المفازة القفرة، و العروض: جمع عرض-بضم فسكون-: أى جنوبها. و يروى:

النحز، بدل الحر، و هو بنون فمهملة فزاى: النخس و الدفع. و يروى «غروض» بغين معجمة: جمع غرض، كقفل: و هو حزام الرحل، أراد به الصدر لعلاقة المجاورة. أو هو على حذف مضاف، أى محل غروضها. و يجوز أنه أراد بما في غروضها الصدر ذاته لا الشحم و اللحم. و معنى الطي التضمير أو الاذهاب على طريق المجاز.

13

و قرأ ابن مسعود: الأزقية: واحدة، من زقا الطائر يزقو و يزقى، إذا صاح. و منه المثل:

أثقل من الزواقى خََامِدُونَ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رمادا، كما قال لبيد:

و ما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو مناطع‏ (1)

يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضرى فيها، و هي حال استهزائهم بالرسل. و المعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، و يتلهف على حالهم المتلهفون. أوهم متحسر عليهم من جهة الملائكة و المؤمنين من الثقلين. و يجوز أن يكون من اللّه تعالى على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم و محنوها به، و فرط إنكاره له و تعجيبه منه، و قراءة من قرأ: يا حسرتا، تعضد هذا الوجه لأن المعنى: يا حسرتى. و قرئ: يا حسرة العباد، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم، من حيث أنها موجهة إليهم. و يا حسرة على العباد: على إجراء الوصل مجرى الوقف.

أَ لَمْ يَرَوْا ألم يعلموا، و هو معلق عن العمل في كَمْ لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام، إلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك:

ألم يروا إن زيدا لمنطلق، و إن لم يعمل في لفظه. و أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاََ يَرْجِعُونَ بدل من كَمْ أَهْلَكْنََا على المعنى، لا على اللفظ، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم

____________

(1) .

و ما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

و ما المال و الأهلون إلا ودائع # و لا بد يوما أن ترد الودائع‏

للبيد العامري، أى: ليس حال المرء و حياته و بهجته ثم موته و فناؤه بعد ذلك إلا مثل حال شهاب النار وضوئه حال كونه يصير رمادا بعد إضاءته. و يمكن أن قوله «يحور رمادا» استئناف مبين لوجه للشبه، و ذلك تشبيه هيئة و لا يصح تشبيه المرء بالشهاب و ضوئه، و شبه مال الشخص و أقاربه بالودائع تشبيها بليغا، يجامع أنه لا بد من أخذ كل، و بين ذلك بقوله: و لا بد أن ترد الودائع في يوم من الأيام.

14

غير راجعين إليهم. و عن الحسن: كسر إنّ على الاستئناف. و في قراءة ابن مسعود: أ لم يروا من أهلكنا، و البدل على هذه القراءة بدل اشتمال، و هذا مما يردّ قول أهل الرجعة. و يحكى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قيل له: إن قوما يزعمون أنّ عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذن نكحنا: نساءه و قسمنا ميراثه‏ (1) . قرئ: لما، بالتخفيف، على أن «ما» صلة للتأكيد، و إن: مخففة من الثقيلة، و هي متلقاة باللام لا محالة. و لما بالتشديد، بمعنى: إلا، كالتي في مسألة الكتاب. نشدتك باللّه لما فعلت، و إن نافية. و التنوين في‏} كُلٌّ هو الذي يقع عوضا من المضاف إليه، كقولك: مررت بكل قائما. و المعنى أن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. و قيل محضرون معذبون. فإن قلت: كيف أخبر عن كل بجميع و معناهما واحد (2) ؟قلت: ليس بواحد: لأن كلا يفيد معنى الإحاطة، و أن لا ينفلت منهم أحد، و الجميع: معناه الاجتماع، و أن المحشر يجمعهم. و الجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال حى جميع، و جاءوا جميعا.

القراءة بالميتة على الخفة أشيع، لسلسها على اللسان. و أَحْيَيْنََاهََا استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية، و كذلك نسلخ: و يجوز أن توصف الأرض و الليل بالفعل، لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض‏ (3) و ليل بأعيانهما، فعوملا معاملة النكرات في وصفهما

____________

(1) . أخرجه الحاكم في تفسير البقرة نحوه باختصار. و أخرجه من حديث الحسن في فضائل الصحابة أتم منه.

و ليس فيه: بئس القوم نحن إذن‏

(2) . قال محمود: «إن قلت لم أخبر عن كل بجميع و معناهما واحد و أجاب بأن كلا تفيد الاحاطة لا ينلفت عنهم أحد و جميع تفيد الاجتماع و هو فعيل بمعنى مفعول و بينهما فرق انتهي كلامه، قال أحمد: و من ثم وقع أجمع في التوكيد تابعا لكل، لأنه أخص منه و أزيد معنى‏

(3) . قال محمود: «يجوز أن يكون أحييناها صفة للأرض و صح ذلك لأن المراد بالأرض الجنس و لم يقصد بها أرض معينة و أن يكون بيانا لوجه الآية فيها» قال أحمد: و غيره من النحاة يمنع وقوع الجملة صفة للمعرف و إن كان جنسيا و ليس الغرض منه معينا و يراعي هذا المانع المطابقة اللفظية في الوصفية و منه

و لقد أمر على اللئيم يسبني‏

.

15

بالأفعال، و نحوه:

و لقد امر على اللّئيم يسبني‏ (1)

و قوله فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشي‏ء الذي يتعلق به معظم العيش و يقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، و إذا قل جاء القحط و وقع الضرّ، و إذا فقد جاء الهلاك و نزل البلاء. قرئ‏} وَ فَجَّرْنََا بالتخفيف و التثقيل، و الفجر و التفجير، كالفتح و التفتيح لفظا و معنى. و قرئ‏} ثَمَرِهِ بفتحتين و ضمتين و ضمة و سكون، و الضمير للّه تعالى: و المعنى:

ليأكلوا مما خلقه اللّه من الثمر وَ من مََا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ من الغرس و السقي و الآبار، و غير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه و إبان أكله، يعنى أنّ الثمر في نفسه فعل اللّه و خلقه، و فيه آثار من كد بنى آدم، و أصله من ثمرنا كما قال: و جعلنا، و فجرنا، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. و يجوز أن يرجع إلى النخيل، و تترك الأعناب غير مرجوع إليها، لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره. و يجوز أن يراد من ثمر المذكور و هو الجنات، كما قال رؤبة:

فيها خطوط من بياض و بلق # كأنّه في الجلد توليع البهق‏ (2)

فقيل له، فقال: أردت كأن ذاك: و لك أن تجعل «ما» نافية على أنّ الثمر خلق اللّه و لم تعمله أيدى الناس و لا يقدرون عليه. و قرئ على الوجه الأوّل، و ما عملت من غير راجع، و هي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، و في مصاحف أهل الحرمين و البصرة و الشام مع الضمير اَلْأَزْوََاجَ الأجناس و الأصناف وَ مِمََّا لاََ يَعْلَمُونَ و من أزواج لم يطلعهم اللّه عليها و لا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم، و لا يبعد أن يخلق اللّه تعالى من الخلائق الحيوان و الجماد ما لم يجعل للبشر طريقا إلى العلم به، لأنه لا حاجة بهم في دينهم و دنياهم إلى ذلك العلم، و لو كانت بهم اليه حاجة لأعلمهم بما لا يعلمون، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: لم يسمهم. و في الحديث «ما لا عين رأت‏ (3) و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه» فأعلمنا بوجوده و إعداده و لم يعلمنا به ما هو، و نحوه‏ فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ و في الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه و مما جهلوه ما دلّ على عظم قدرته و اتساع ملكه.

____________

(1) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 16 فراجعه إن شئت اهـ مصححه.

(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 149 فراجعه إن شئت اهـ مصححه.

(3) . قوله «في الحديث ما لا عين رأت» أوله: «أعددت لعبادي الصالحين» كما مر في تفسير السجدة. (ع)

16

سلخ جلد الشاة: إذا كشطه عنها و أزاله. و منه: سلخ الحية لخرشائها (1) ، فاستعير لازالة الضوء و كشفه عن مكان الليل و ملقى ظله مُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا، كما تقول: أعتمنا و أدجينا (2) لِمُسْتَقَرٍّ لَهََا لحدّ لها مؤقت مقدّر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق و المغارب، لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا و مغربا مغربا حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدها و مستقرّها، لأنها لا تعدوه أو لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا و هو المغرب. و قيل: مستقرّها: أجلها الذي أقر اللّه عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه و هو آخر السنة. و قيل: الوقت الذي تستقر فيه و ينقطع جريها و هو يوم القيامة.

و قرئ: تجرى إلى مستقر لها. و قرأ ابن مسعود: لا مستقرّ لها، أى: لا تزال تجرى لا تستقر. و قرئ: لا مستقر لها، على أنّ لا بمعنى ليس ذََلِكَ الجري على ذلك التقدير و الحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه و تتحير الأفهام في استنباطه. ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علما بكل معلوم. قرئ: و القمر رفعا على الابتداء، أو عطفا على الليل. يريد: من آياته القمر، و نصبا بفعل يفسره قدرناه، و لا بدّ في‏} قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ من تقدير مضاف، لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل. و المعنى: قدرنا مسيره منازل و هي ثمانية و عشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه و لا يتقاصر عنه، على تقدير مستو لا يتفاوت، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة و العشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، و هذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، و هي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوّا، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم،

____________

(1) . قوله «و منه سلخ الحية لخرشائها» في الصحاح «الخرشاء» : مثل الحرباء: جلد الحية. (ع)

(2) . قوله «أعتمنا و أدجينا» الدجى: وجع في حافر الفرس أو خف البعير. أفاده الصحاح و غيره. (ع)

17

فرغ الدلو المؤخر، الرشا. فإذا كان في آخر منازله دق و استقوس، و عََادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ و هو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. و قال الزجاج: هو «فعلون» من الانعراج و هو الانعطاف. و قرئ: العرجون، بوزن الفرجون‏ (1) ، و هما لغتان، كالبزيون و البزيون، و القديم المحول، و إذا قدم دق و انحنى و اصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه. و قيل: أقل مدّة الموصوف بالقدم الحول، فلو أنّ رجلا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر. أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول أو أكثر. و قرئ: سابق النهار. على الأصل، و المعنى:

أنّ اللّه تعالى قسم لكل واحد من الليل و النهار و آيتيهما قسما من الزمان، و ضرب له حدا معلوما، و دبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس: أى لا يتسهل لها و لا يصح و لا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، و إن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله‏ (2)

____________

(1) . قوله «و قرئ العرجون بوزن الفرجون» في الصحاح «الفرجون» : المحسة، و قد فرجنت الدابة إذا فرجنتها. و منه قول بعضهم: ادفنوني في ثيابي و لا تحسوا عتى ترابا، أى: لا تتفضوه. و فيه «البزيون» :

السندس. (ع)

(2) . قال محمود: «معناه أن كل واحد منهما لا يدخل على الآخر في سلطانه فيطمس نوره بل هما متعاقبان بمقتضى تدبيره تعالى. قال: فان قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة و القمر غير سابق؟قلت: لأن الشمس بطيئة السير تقطع فلكها في سنة و القمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس لبطئها جديرة بأن توصف بالإدراك، و القمر لسرعته جديرا بأن يوصف بالسبق انتهى كلامه» قال أحمد: يؤخذ من هذه الآية أن النهار تابع لليل و هو المذهب المعروف للفقهاء، و بيانه من الآية أنه جعل الشمس التي هي آية النهار غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل، و إنما نفى الإدراك لأنه هو الذي يمكن أن يقع، و ذلك يستدعى تقدم القمر و تبعية الشمس، فانه لا يقال: أدرك السابق اللاحق، و لكن أدرك اللاحق السابق، و بحسب الإمكان توقيع النفي، فالليل إذا متبوع و النهار تابع.

فان قيل: هل يلزم على هذا أن يكون الليل سابق النهار؟و قد صرحت الآية بأنه ليس سابقا، فالجواب: أن هذا مشترك الإلزام، و بيانه أن الأقسام المحتملة ثلاثة: إما تبعية النهار لليل و هو مذهب الفقهاء. أو عكسه و هو المنقول عن طائفة من النحاة. أو اجتماعهما، فهذا القسم الثالث منفي باتفاق «فلم يبق إلا تبعية النهار لليل و عكسه، و هذا السؤال وارد عليهما جميعا، لأن من قال: إن النهار سابق الليل، لزمه أن يكون مقتضى البلاغة أن يقال: و لا الليل يدرك النهار، فان المتأخر إذا نفى إدراكه كان أبلغ من نفى سابقه، مع أنه يتناءى عن مقتضى قوله‏} لاَ اَلشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهََا أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ تنائيا لا يجمع شمل المعنى باللفظ، فان اللّه تعالى نفى أن تكون مدركة فضلا عن أن تكون سابقة، فإذا أثبت ذلك فالجواب المحقق عنه أن المنفي السبقية الموجبة لتراخى النهار عن الليل و تخلل زمن آخر بينهما، و حينئذ يثبت التعاقب و هو مراد الآية. و أما سبق أول المتعاقبين للآخر منهما فانه غير معتبر. ألا ترى إلى جواب موسى بقوله: هم أولاء على أثرى، فقد قريهم منه عذرا عن قوله تعالى‏ وَ مََا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ فكأنه سهل أمر هذه العجلة بكونهم على أثره، فكيف لو كان متقدما و هم في عقبه لا يتخلل بينهم و بينه مسافة؟فذاك لو اتفق لكان سياق الآية يوجب أنه لا يعد عجلة و لا سبقا، فحينئذ يكون القول بسبقية النهار لليل مخالفا صدر الآية على وجه لا يقبل التأويل، فان بين عدم الإدراك الدال على التأخير و التبعية و بين السبق بونا بعيدا و مخالفا أيضا لبقية الآية، فانه لو كان الليل تابعا و متأخرا لكان أحرى أن يوصف بعدم الإدراك و لا يبلغ به عدم السبق، و يكون القول بتقدم الليل على النهار مطابقا لصدر الآية صريحا، و لعجزها بوجه من التأويل مناسب لنظم القرآن و ثبوت ضده أقرب إلى الحق من حبل وريده، و اللّه الموفق للصواب من القول و تسديده.

18

أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ فتجتمع معه في وقت واحد و تداخله في سلطانه فتطمس نوره، و لا يسبق الليل النهار يعنى آية الليل آية النهار و هما النيران، و لا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل اللّه ما دبر من ذلك، و ينقض ما ألف فيجمع بين الشمس و القمر، و يطلع الشمس من مغربها. فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، و القمر غير سابق؟قلت: لأنّ الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، و القمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطئ سيرها عن سير القمر خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره وَ كُلٌّ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، و المعنى: و كلهم، و الضمير للشموس و الأقمار على ما سبق ذكره.

ذُرِّيَّتَهُمْ أولادهم و من يهمهم حمله. و قيل: اسم الذرية يقع على النساء، لأنهنّ مزارعها و في الحديث أنه نهى عن قتل الذراري يعنى النساء} مِنْ مِثْلِهِ من مثل الفلك مََا يَرْكَبُونَ من الإبل، و هي سفائن البر. و قيل اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ سفينة نوح، و معنى حمل اللّه ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، و في أصلابهم هم و ذرياتهم، و إنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، و أدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. و مِنْ مِثْلِهِ من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن و الزوارق‏} فَلاََ صَرِيخَ لا مغيث. أولا إغاثة. يقال: أتاهم الصريخ وَ لاََ هُمْ يُنْقَذُونَ لا ينجون من الموت بالغرق إِلاََّ رَحْمَةً إلا لرحمة منا و لتمتيع بالحياة إِلى‏ََ حِينٍ (1) إلى أجل يموتون فيه لا بد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق. و لقد أحسن من قال:

و لم أسلم لكي أبقى و لكن # سلمت من الحمام إلى الحمام‏ (2)

و قرأ الحسن رضى اللّه عنه: نغرقهم،

____________

(1) . قال أحمد: من هنا أخذ أبو الطيب:

و لم أسلم لكي أبقى و لكن # سلمت من الحمام إلى الحمام‏

لأنه تعالى أخبر أنهم إن سلموا من موت الغرق فتلك السلامة متاع إلى حين، أى: إلى أجل يموتون فيه، و لا بد.

(2) . للمتنبي يقول: و لم أسلم من حوادث الدهر و مكاره الحرب لأجل أن أخلد، و إنما سلمت من الحمام -ككتاب-: أى الموت ببعض الأسباب إلى أن أموت ببعضها الآخر. أو منقلب إلى الموت ببعضها الآخر، لأنه لا خلود في الدنيا.

19

اِتَّقُوا مََا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ مََا خَلْفَكُمْ كقوله تعالى‏ أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى‏ََ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ و عن مجاهد: ما تقدّم من ذنوبكم و ما تأخر. و عن قتادة: ما بين أيديكم من الوقائع التي خلت، يعنى من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، و ما خلفكم من أمر الساعة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لتكونوا على رجاء رحمة اللّه. و جواب إذا محذوف مدلول عليه بقوله‏} إِلاََّ كََانُوا عَنْهََا مُعْرِضِينَ فكأنه قال: و إذا قيل لهم اتقوا أعرضوا. ثم قال:

و دأبهم الإعراض عند كل آية و موعظة.

كانت الزنادقة منهم يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال اللّه تعالى بمشيئته فيقولون: لو شاء اللّه لأغنى فلانا، و لو شاء لأعزه، و لو شاء لكان كذا، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين و بما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة اللّه. و معناه: أ نطعم المقول فيه هذا القول بينكم، و ذلك أنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى و الفقر من اللّه، لأنهم معطلة لا يؤمنون بالصانع: و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا و اللّه، أ يفقره اللّه و نطعمه نحن؟و قيل: كانوا يوهمون أن اللّه تعالى لما كان قادرا على إطعامه و لا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها للّه، يعنون قوله‏ وَ جَعَلُوا لِلََّهِ مِمََّا ذَرَأَ مِنَ اَلْحَرْثِ وَ اَلْأَنْعََامِ نَصِيباً ، فحرموهم و قالوا: لو شاء اللّه لأطعمكم.

إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ قول اللّه لهم. أو حكاية قول المؤمنين لهم. أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. قرئ: و هم يخصمون بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء و كسرها، و إتباع الياء الخاء في الكسر. و يختصمون على الأصل. و يخصمون، من خصمه. و المعنى: أنها تبغتهم‏

20

و هم في أمنهم و غفلتهم عنها، لا يخطرونها ببالهم مشتغلين بخصوماتهم في متاجرهم و معاملاتهم و سائر ما يتخاصمون فيه و يتشاجرون. و معنى خصمون: يخصم بعضهم بعضا. و قيل: تأخذهم و هم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون‏} فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ أن يوصوا في شي‏ء من أمورهم تَوْصِيَةً و لا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم و أهاليهم، بل يموتون بحيث تفجؤهم الصيحة.

قرئ الصور، بسكون الواو و هو القرن، أو جمع صورة، و حرّكها بعضهم. و اَلْأَجْدََاثِ القبور. و قرئ بالفاء (1) يَنْسِلُونَ يعدون بكسر السين و ضمها، و هي النفخة الثانية. قرئ:

يا ويلتنا. و عن ابن مسعود رضى اللّه عنه: من أهبنا، من هب من نومه إذا انتبه، و أهبه غيره و قرئ: من هبنا بمعنى أهبنا: و عن بعضهم: أراد هب بنا، فحذف الجار و أوصل الفعل:

و قرئ: من بعثنا، و من هبنا، على من الجارة و المصدر، و} هََذََا مبتدأ، و مََا وَعَدَ خبره، و ما مصدرية أو موصولة. و يجوز أن يكون هذا صفة للمرقد، و ما وعد: خبر مبتدإ محذوف، أى: هذا وعد الرحمن، أى: مبتدأ محذوف الخبر، أى ما وعد اَلرَّحْمََنُ وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ حق. و عن مجاهد: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا: من بعثنا، و أما هََذََا مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ فكلام الملائكة. عن ابن عباس. و عن الحسن:

كلام المتقين. و قيل: كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضا. فإن قلت: إذا جعلت مََا مصدرية: كان المعنى: هذا وعد الرحمن و صدق المرسلين، على تسمية الموعود و المصدوق فيه بالوعد و الصدق، فما وجه قوله وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ إذا جعلتها موصولة؟قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن و الذي صدّقه المرسلون، بمعنى:

و الذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث و القتال. و منه صدقنى سن بكره.

فإن قلت: مَنْ بَعَثَنََا مِنْ مَرْقَدِنََا ؟سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك جوابا؟قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث و أنبأكم به الرسل، إلا أنه جي‏ء به على طريقة: سيئت بها قلوبهم، و نعيت إليهم أحوالهم، و ذكروا كفرهم و تكذيبهم، و أخبروا بوقوع ما أنذروا به و كأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه و هو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن

____________

(1) . قوله «و قرئ بالفاء» في الصحاح «الجدف» : القبر، و هو إبدال الجدث. قال الفراء: العرب تعقب بين الفاء و الثاء في اللغة، فيقولون: جدث و جدف، و هي الأجداث و الأجداف. (ع)

21

الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال و الأفزاع، و هو الذي وعده اللّه في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين.

إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً قرئت منصوبة و مرفوعة فَالْيَوْمَ لاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً... } } إِنَّ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ (1) حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم. و في مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود، و تمكين له في النفوس، و ترغيب في الحرص عليه و على ما يثمره فِي شُغُلٍ في أى شغل و في شغل لا يوصف، و ما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، و وصل إلى نيل تلك الغبطة و ذلك الملك الكبير و النعيم المقيم، و وقع في تلك الملاذ التي أعدّها اللّه للمرتضين من عباده، ثوابا لهم على أعمالهم مع كرامة و تعظيم، و ذلك بعد الوله و الصبابة، و التفصي من مشاق التكليف و مضايق التقوى و الخشية، و تخطى الأهوال، و تجاوز الأخطار و جواز الصراط. و معاينة ما لقى العصاة من العذاب، و عن ابن عباس: في افتضاض الأبكار.

و عنه: في ضرب الأوتار. و عن ابن كيسان: في التزاور. و قيل: في ضيافة اللّه. و عن الحسن:

شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه. و عن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم و لا يذكرونهم: لئلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. قرئ: في شغل، بضمتين و ضمة و سكون، و فتحتين، و فتحة و سكون. و الفاكه و الفكه: المتنعم و المتلذذ: و منه الفاكهة، لأنها مما يتلذذ به. و كذلك الفكاهة، و هي المزاحة. و قرئ فاكهون، و فكهون، بكسر الكاف و ضمها، كقولهم: رجل حدث و حدث‏ (2) ، و نطس و نطس. و قرئ: فاكهين و فكهين،

____________

(1) . قال أحمد: هذا مما التنكير فيه للتفخيم، كأنه قيل: في شغل أى شغل، و كذا قوله تعالى: سلام قولا من رب رحيم.

(2) . قوله «كقولهم رجل حدث و حدث» أى حسن الحديث، و النطس البالغ في التطهر و المدقق في العلم.

أفاده الصحاح. (ع)

22

على أنه حال و الظرف مستقر} هُمْ يحتمل أن يكون مبتدأ و أن يكون تأكيدا للضمير في فِي شُغُلٍ و في فََاكِهُونَ على أنّ أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل و التفكه و الاتكاء على الأرائك تحت الظلال. و قرئ: في ظلل، و الأريكة: السرير في الحجلة (1) . و قيل: الفراش فيها. و قرأ ابن مسعود: متكين‏} يَدَّعُونَ يفتعلون من الدعاء، أى: يدعون به لأنفسهم، كقولك: اشتوى و اجتمل، إذا شوى‏ (2) و جمل لنفسه. قال لبيد:

فاشتوى ليلة ريح و اجتمل‏ (3)

و يجوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك: ارتموه، و تراموه. و قيل: يتمنون، من قولهم: ادّع علىّ ما شئت، بمعنى تمنه علىّ، و فلان في خير ما ادّعى، أى في خير ما تمنى. قال الزجاج: و هو من الدعاء، أى: ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم. و} سَلاََمٌ بدل مما يدعون، كأنه قال لهم: سلام يقال لهم قَوْلاً مِنْ جهة رَبٍّ رَحِيمٍ و المعنى: أنّ اللّه يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم و ذلك متمناهم، و لهم ذلك لا يمنعونه.

قال ابن عباس: فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. و قيل: مََا يَدَّعُونَ ، مبتدأ و خبره سلام، بمعنى: و لهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه. و قَوْلاً مصدر مؤكد لقوله تعالى وَ لَهُمْ مََا يَدَّعُونَ `سَلاََمٌ أى: عدة من رب رحيم. و الأوجه: أن ينتصب على الاختصاص، و هو من مجازه. و قرئ: سلم، و هو بمعنى السلام في المعنيين. و عن ابن مسعود: سلاما نصب على الحال، أى لهم مرادهم خالصا.

وَ اِمْتََازُوا و انفردوا عن المؤمنين، و كونوا على حدة، و ذلك حين يحشر المؤمنون و يسار بهم إلى الجنة. و نحوه قوله تعالى

____________

(1) . قوله «السرير في الحجلة» هي بيت العروس يزين بالثياب و الستور، كذا في الصحاح. (ع)

(2) . قوله و «اجتمل إذا شوى» في الصحاح: جملت الشحم أجمله جملا، و اجتملته: إذا أذبته. (ع)

(3) .

و غلام أرسلته أمه # بألوك فبذلنا ما سأل

أرسلته فأتاه رزقه # فاشتوى ليلة ريح و احتمل‏

للبيد بن ربيعة. و الألوك: الرسالة، أى: و رب غلام أرسلته أمه إلينا برسالة و هي هنا السؤال، فبذلنا ما سأله من الطعام عقب سؤاله، و بين ذلك بقوله: أرسلته فأتاه رزقه، و فيه دلالة على أنه لم يكن عندهم طعام حين أتاهم العلام، أى: فأتاه رزقه من الصيد، فاشتوى لنفسه من اللحم في ليلة ريح مظلمة يقل فيها الجود، و احتمل: أى حمل كثيرا منه بنفسه لنفسه، و لأمه التي أرسلته. و يروى: اجتمل، بالجيم: و في الصحاح: جملت الشحم و اجتملته إذا أذبته، و هذه الروآية أنسب و أفيد.

23

وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ `فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ `وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا... الآية يقال: مازه فانماز و امتاز.

و عن قتادة: اعتزلوا عن كل خير. و عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه، لا يرى و لا يرى. و معناه: أنّ بعضهم يمتاز من بعض.

العهد: الوصية، و عهد إليه: إذا وصاه. و عهد اللّه إليهم: ما ركزه فيهم من أدلة العقل و أنزل عليهم من دلائل السمع. و عبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم و يزينه لهم. و قرئ:

اعهد، بكسر الهمزة. و باب «فعل» كله يجوز في حروف مضارعته الكسر (1) ، إلا في الياء.

و أعهد، بكسر الهاء. و قد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم و ضرب يضرب. و أحهد:

بالحاء. و أحد: و هي لغة تميم. و منه قولهم: دحا محا 2 هََذََا إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان و طاعة الرحمن، إذا لا صراط أقوم منه، و نحو التنكير فيه ما في قول كثير:

لئن كان يهدى برد أنيابها العلا # لأفقر منى إنّنى لفقير (3)

أراد: إننى لفقير بليغ الفقر، حقيق بأن أوصف به لكمال شرائطه فىّ، و إلا لم يستقم معنى البيت، و كذلك قوله هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه. و يجوز أن يراد: هذا بعض الصراط المستقيمة،

____________

(1) . قوله «في حروف مضارعته الكسر» لعله مضارعه. (ع)

(2) . قوله «و منه قولهم دحا محا» أى: دعها معها. (ع)

(3) .

دعوت إلهى دعوة ما جهلتها # و ربى بما تخفى الصدور بصير

لئن كان يهدى برد أنيابها العلا # لأفقر منى إننى لفقير

فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت # فهل يأتينى بالطلاق بشير

لكثير عزة. و قيل: لمجنون ليلى. و قوله «ما جهلتها» معناه: أنها عن قصد و حضور قلب. و قوله: لئن كان يهدى، بيان للدعوة، و ما بينهما اعتراض للتأكيد و إفادة أن الدعوة كانت في السر، أى: لئن كان يعطى برد أسنانها العليا، خصها لأنها التي تبدو كثيرا. و قيل: العلا الشريفة، لأحوج منى إننى لبليغ في الفقر فأنا أحق بها من كل محتاج، لأنى أحوج الناس إليها. و يجوز أن يرد أنيابها: كناية عن ذاتها كلها، و إننى لفقير: خبر بمعنى الإنشاء مجازا مرسلا، لأن إظهار شدة الاحتياج يلزمه الطلب. و يجوز أنه كناية عنه و هو جواب القسم المدلول عليه باللام، و جواب الشرط محذوف وجوبا لدلالة المذكور عليه، و ما تعجبية، و أكثر فعل تعجب، و الأخبار مفعوله، و أن مخففة من الثقيلة، و اسمها ضمير الشأن، و هي على تقدير حرف الجر، أى: أتعجب من كثرة الأخبار المخبرة بزواجها، و هل استفهام بمعنى التمني أو التعجب مجازا مرسلا لعلاقة مطلق الطلب، أى: أتمني ذلك أو أتعجب من عدمه.

24

توبيخا لهم على العدول عنه، و التفادى عن سلوكه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدى إلى الضلالة و التهلكة، كأنه قيل: أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق: أن يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السالك، كما بقول الرجل لولده و قد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده: هذا فيما أظنّ قول نافع غير ضار، توبيخا له على الإعراض عن نصائحه.

قرئ: جبلا، بضمتين، و ضمة و سكون، و ضمتين و تشديدة، و كسرتين، و كسرة و سكون، و كسرتين و تشديدة. و هذه اللغات في معنى الخلق. و قرئ: جبلا، جمع جبلة، كفطر و خلق.

و في قراءة على رضى اللّه عنه: جيلا واحدا، لا أجيال.

}يروى أنهم يجحدون و يخاصمون، فتشهد عليهم جيرانهم و أهاليهم و عشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم و تكلم أيديهم و أرجلهم. و في الحديث: (1) «يقول العبد يوم القيامة: إنى لا أجيز علىّ شاهدا إلا من نفسي، فيختم على فيه، و يقال لأركانه: انطقى فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه و بين الكلام فيقول: بعدا لكنّ و سحقا. فعنكن كنت أناضل» (2)

و قرئ: يختم على أفواههم، و تتكلم أيديهم. و قرئ: و لتكلمنا أيديهم و تشهد، بلام كى و النصب على معنى: و لذلك تختم على أفواههم: و قرئ: و لتكلمنا أيديهم و لتشهد، بلام الأمر و الجزم على أنّ اللّه يأمر الأعضاء بالكلام و الشهادة.

الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرََاطَ لا يخلو من أن يكون على حذف الجار و إيصال الفعل. و الأصل: فاستبقوا إلى الصراط. أو يضمن معنى ابتدروا.

____________

(1) . أخرجه مسلم و النسائي من طريق الشعبي عن أنس، و وهم الحاكم فاستدركه،

(2) . قوله «كنت أناضل» أى أجادل. (ع)

25

أو يجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه. أو ينتصب على الظرف. و المعنى: أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع‏ (1) الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم و إلى مقاصدهم المألوفة التي تردّدوا إليها كثيرا-كما كانوا يستبقون إليه ساعين في متصرفاتهم موضعين‏ (2)

في أمور دنياهم-لم يقدروا، و تعايى عليهم أن يبصروا و يعلموا جهة السلوك فضلا عن غيره.

أو لو شاء لأعماهم، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف-كما كان ذلك هجيراهم- لم يستطيعوا. أو لو شاء لأعماهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا و لم يعرفوا طريقا، يعنى أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق و المسالك، كما ترى العميان يهتدون فيما ألفوا و ضروا (3) به من المقاصد دون غيرها عَلى‏ََ مَكََانَتِهِمْ و قرئ، على مكاناتهم. و المكانة و المكان واحد، كالمقامة و المقام. أى:

لمسخناهم مسخا يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال و لا إدبار و لا مضىّ و لا رجوع و اختلف في المسخ، فعن ابن عباس: لمسخناهم قردة و خنازير. و قيل: حجارة. و عن قتادة:

لأقعدناهم على أرجلهم و أزمناهم. و قرئ: مضيا بالحركات الثلاث، فالمضىّ و المضي كالعتىّ و العتي. و المضىّ كالصبىّ.

نُنَكِّسْهُ فِي اَلْخَلْقِ نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، و ذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، و خلو من عقل و علم، ثم جعلناه يتزايد و ينتقل من حال إلى حال و يرتقى من درجة إلى درجة، إلى أن يبلغ أشده و يستكمل قوته، و يعقل و يعلم ما له و ما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص، حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبىّ في ضعف جسده و قلة عقله و خلوّه من العلم، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله. قال عزّ و جلّ‏ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ لِكَيْلاََ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ، ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ و هذه دلالة على أنّ من ينقلهم من الشباب إلى الهرم و من القوّة إلى الضعف و من رجاحة العقل إلى الخرف و قلة التمييز و من العلم إلى الجهل بعد ما نقلهم خلاف هذا النقل و عكسه-قادر على أن يطمس على

____________

(1) . قوله «إلى الطريق المهيع» الهيوع: الجبن، و الهيعة: الذوبان و السيلان وكل ما أفزعك من صوت، كذا في الصحاح. و لعل المراد الذي سهله كثرة سلوكه. (ع)

(2) . قوله «موضعين» في الصحاح: وضع البعير و غيره: أسرع من سيره و أوضعه راكبه. (ع)

(3) . قوله «و ضروا به» أى: مرنوا. (ع)

26

أعينهم و يمسخهم على مكانتهم و يفعل بهم ما شاء و أراد: و قرئ بكسر الكاف‏ (1) . و ننكسه و ننكسه، من التنكيس و الإنكاس أَ فَلاََ يَعْقِلُونَ بالياء و التاء.

كانوا يقولون لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: شاعر، و روى أنّ القائل: عقبة بن أبى معيط، فقيل وَ مََا عَلَّمْنََاهُ اَلشِّعْرَ أى: و ما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أن القرآن ليس بشعر و ما هو من الشعر في شي‏ء. و أين هو عن الشعر، و الشعر إنما هو كلام موزون مقفى، يدل على معنى، فأين الوزن؟و أين التقفية؟و أين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟و أين نظم كلامهم من نظمه و أساليبه؟فإذا لا مناسبة بينه و بين الشعر إذا حققت، اللهمّ إلا أنّ هذا لفظه عربى، كما أنّ ذاك كذلك وَ مََا يَنْبَغِي لَهُ و ما يصح له و لا يتطلب لو طلبه، أى: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له و لم يتسهل، كما جعلناه أمّيا لا يتهدّى للخط و لا يحسنه، لتكون الحجة أثبت و الشبهة أدحض. و عن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من كثير من الكلام، و لكن كان لا يتأتى له. فإن قلت: فقوله:

أنا النّبي لا كذب # أنا ابن عبد المطّلب‏ (2)

و قوله: (3)

هل أنت إلاّ أصبع دميت # و في سبيل الله ما لقيت‏ (4)

____________

(1) . قوله «و قرئ بكسر الكاف» يفيد أن القراءة المشهورة بضم الكاف، و هما من النكس. (ع)

(2) . متفق عليه من حديث البراء بن عازب في حديث.

(3) . متفق عليه من حديث جندب بن سفيان في حديث.

(4) .

هل أنت إلا أصبع دميت # و في سبيل اللّه ما لقيت

يا نفس لا تقنطى بموتى # هذى حياض الموت قد صليت

و ما تمنيت فقد لقيت # إن تفعلي فعلهما هديت‏

لعبد اللّه بن رواحة حين حمل اللواء بعد قتل زيد بن حارثة و جعفر بن أبى طالب فأصيبت أصبعه في الحرب فدميت و روى البخاري عن جندب أنه قال: بينما النبي صلى اللّه عليه و سلم يمشى إذ أصابه حجر، فعثر، فدميت أصبعه فقال «هل أنت إلا أصبع دميت و في سبيل اللّه ما لقيت» فأفاد أنه صلى اللّه عليه و سلم يتمثل بشعر غيره، و هو بكسر التاء على وفق القافية، و قال الكرماني: التاء في الرجز مكسورة، و في الحديث ساكنة. و قال عياض غفل بعض الناس فروى: دميت: و لقيت، بغير مد و خالف الرواية. و روى أحمد و الطيالسي أنه صلى اللّه عليه و سلم قاله حين كان خارجا إلى الصلاة، و دميت: صفة أصبع، و المعنى: لم يحصل لك شي‏ء من الأذى إلا أنك دميت و لم يكن ذلك هدرا بل كان في سبيل اللّه و مرضاته لا غير، أى: الذي لقيته من الأذى في سبيل اللّه، فلا تحزني، و نزلها منزلة العاقل فخاطبها بذلك تسلية و تثبيتا لها، و هو في الحقيقة لنفسه «ثم صرح بخطاب النفس مثبتا لها. بقوله إن لم تقتلي في الحرب فلا بد لك من الموت و هذه حياضه فلا تفرى منها لأن الوقوع في البلاء أهون من انتظاره و شبه الموت بسيل على سبيل المكنية، فأثبت له الحياض تخييلا، و شبهه بالنار كذلك، فأثبت له الصلى و هو اقتحام النار، و لا مانع من تشبيه الشي‏ء بأمرين مختفين مع الرمز لكل منهما بما يلائمه، و يجوز استعارة الحياض للمعرفة تصريحا، و الذي تمنيته من الحرب المؤدى إلى الشهادة فقد لقيته، إن تفعلي كفعل زيد و جعفر، هديت إلى طريق الخير.

27

قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمى به على السليقة، من غير صنعة و لا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك و لا التفات منه إليه إن جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم و رسائلهم و محاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرا و لا يخطر ببال المتكلم و لا السامع أنها شعر، و إذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعرا، و لما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال‏} إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ يعنى: ما هو إلا ذكر من اللّه تعالى يوعظ به الإنس و الجنّ، كما قال‏ إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ* و ما هو إلا قرآن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، و يتلى في المتعبدات، و ينال بتلاوته و العمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه و بين الشعر الذي هو من همزات الشياطين لِيُنْذِرَ القرآن أو الرسول و قرئ: لتنذر، بالتاء. و لينذر: من نذر به إذا علمه مَنْ كََانَ حَيًّا أى عاقلا متأملا، لأن الغافل كالميت. أو معلوما منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ و تجب كلمة العذاب عَلَى اَلْكََافِرِينَ الذين لا يتأمّلون و لا يتوقع منهم الإيمان.

مِمََّا عَمِلَتْ أَيْدِينََا مما تولينا نحن إحداثه و لم يقدر على توليه غيرنا، و إنما قال ذلك لبائع الفطرة و الحكمة فيها، التي لا يصح أن يقدر عليها إلا هو. و عمل الأيدى: استعارة من عمل من يعملون بالأيدى فَهُمْ لَهََا مََالِكُونَ أى خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك، مختصون بالانتفاع فيها لا يزاحمون. أو فهم لها ضابطون قاهرون، من قوله:

28

أصبحت لا أحمل السلاح و لا # أملك رأس البعير إن نفرا (1)

أى لا أضبطه، و هو من جملة النعم الظاهرة، و إلا فمن كان يقدر عليها لو لا تذليله و تسخيره لها، كما قال القائل:

يصرفه الصّبى بكل وجه # و يحبسه على الخسف الجرير

و تضربه الوليدة بالهراوى # فلا غير لديه و لا نكير (2)

و لهذا ألزم اللّه سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة و يسبح بقوله: سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين. و قرئ: ركوبهم. و ركوبتهم. و هما ما يركب، كالحلوب و الحلوبة. و قيل:

الركوبة جمع. و قرئ: ركوبهم، أى ذو ركوبهم. أو فمن منافعها ركوبهم‏} مَنََافِعُ من الجلود و الأوبار و الأصواف و غير ذلك وَ مَشََارِبُ من اللبن، ذكرها مجملة، و قد فصلها في قوله تعالى وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ اَلْأَنْعََامِ بُيُوتاً... الآية و المشارب: جمع مشرب و هو موضع الشرب، أو الشرب‏

____________

(1) .

أصبح متى الشباب مبتكرا # إن ينأ عنى فقد ثوى عصرا

فارقنا قبل أن نفارقه # لما قضى من جماعنا وطرا

أصبحت لا أملك السلاح و لا # أملك رأس البعير إن نفرا

و الذئب أخشاه إن مررت به # وحدي و أخشى الرياح و المطرا

للربيع بن منيع، قاله حين بلغ مائة و أربعين عاما، عاش بعده مائة و ستين. و المبتكر: المسافر أول النهار، فهو تشبيه بليغ، ثم تسلى بقوله: إن ينأ، أى بعد عنى فقد أقام عندي أزمنة طويلة فارقنا، أى: ذهب عنا قبل أن نموت، فقوله «نفارقه» مجاز عن ذلك، أو كناية عنه، أو مجاز عن البغض، و الجماع: معناه الاجتماع و المصاحبة، و الوطر: الحاجة، و هذا كله ترشيح للتشبيه أول الكلام، و لا يخفى ما في البيت من إبهام ما كان ينبغي الاحتراس منه، فان قضاء الوطر من الجماع اشتهر استعماله في مقام الوطء، ثم قال: صرت لا أضبط السلاح بيدي و لا رأس البعير إن ندمنى و لا أقدر عليهما. و يروى: لا أحمل السلاح، أى: لا أقدر على حمله، و أخشاه: أى أخافه، إن مررت به وحدي و أخاف الرياح و المطر و لو مع غيرى، و كل هذا كناية عن بلوغه غاية الضعف و الهرم.

(2) .

لقد عظم البعير بغير لب # فلم يستغن بالعظم البعير

يصرفه الصبى بكل وجه # و يحبسه على الخسف الجرير

و تضربه الوليدة بالهراوى # فلا غير لديه و لا نكير

لكثير عزة حين رآه عبد الملك بن مروان قصيرا حقيرا، فقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. و قيل: للعباس ابن مرداس. و قيل: لمعاوية بن مالك الكلابي، و عظم: ضخم و طال. و اللب: العقل، و أتى بالظاهر موضع المضمر للتهويل في الطول و الجسامة، بكل وجه: في كل جهة. و الخسف: الذل. و الجرير: حبل غير الزمام يربط به. و الهراوى: جمع هراوة و هي العصا، و جمعها دلالة على كثرة الضرب. و الغير-بالتحريك-الغيرة.

و النكير: الإنكار، يعنى أن العبرة بالألباب و العقول، لا بالغلظ و الطول.

29

اتخذوا الآلهة طمعا في أن يتقوّوا بهم و يعتضدوا بمكانهم، و الأمر على عكس ما قدّروا، حيث هم جند لآلهتهم معدّون‏} مُحْضَرُونَ يخدمونهم و يذبون عنهم، و يغضبون لهم، و الآلهة لا استطاعة بهم و لا قدرة على النصر، أو اتخذوهم لينصروهم عند اللّه و يشفعوا لهم، و الأمر على خلاف ما توهموا، حيث هم يوم القيامة جند معدّون لهم محضرون لعذابهم، لأنهم يجعلون وقودا للنار. و قرئ: فلا يحزنك، بفتح الياء و ضمها، من حزنه و أحزنه. و المعنى: فلا يهمنك تكذيبهم و أذاهم و جفاؤهم، فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم‏} وَ مََا يُعْلِنُونَ و إنا مجازوهم عليه، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد و يستحضر في نفسه صورة حاله و حالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهمّ و لا يرهقه الحزن. فإن قلت: ما تقول فيمن يقول: إن قرأ قارئ: أنا نعلم، بالفتح: انتقضت صلاته، و إن اعتقد ما يعطيه من المعنى: كفر؟قلت: فيه وجهان، أحدهما:

أن يكون على حذف لام التعليل، و هو كثير في القرآن و في الشعر، و في كل كلام و قياس مطرد، و هذا معناه و معنى الكسر سواء، و عليه تلبية رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إنّ الحمد و النعمة (1)

لك، كسر أبو حنيفة و فتح الشافعي، و كلاهما تعليل. و الثاني: أن يكون بدلا من قَوْلُهُمْ كأنه قيل: فلا يحزنك، إنا نعلم ما يسرون و ما يعلنون. و هذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون اللّه عالما و عدم تعلقه لا يدوران على كسر إن و فتحها، و إنما يدوران على تقديرك، فتفصل إن فتحت بأن تقدّر معنى التعليل و لا تقدّر البدل، كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت و لا تقدّر معنى المفعولية، ثم إن قدّرته كاسرا أو فاتحا على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل، فما فيه إلا نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الحزن على كون اللّه عالما بسرهم و علانيتهم، و ليس النهى عن ذلك مما يوجب شيئا. ألا ترى إلى قوله تعالى‏ فَلاََ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكََافِرِينَ ، وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ* ، وَ لاََ تَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ

____________

(1) . متفق عليه من حديث ابن عمر في أثناء حديث.

30

قبح اللّه عزّ و جل إنكارهم البعث تقبيحا لا ترى أعجب منه و أبلغ، و أدل على تمادى كفر الإنسان و إفراطه في جحود النعم و عقوق الأيادى، و توغله في الخسة و تغلغله في القحة (1) ، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شي‏ء و أمهنه، و هو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله و دناءة أوّله لمخاصمة الجبار، و شرز صفحته‏ (2) لمجادلته، و يركب متن الباطل و يلج، و يمحك و يقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له و ألصقه به، و هو كونه منشأ من موات، و هو ينكر إنشاءه من موات، و هي المكابرة التي لا مطمح وراءها، و روى أن جماعة من كفار قريش منهم أبىّ بن خلف الجمحي و أبو جهل و العاصي بزوائل و الوليد ابن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبىّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد، إنّ اللّه يبعث الأموات، ثم قال: و اللات و العزى لأصيرنّ إليه و لأخصمنه، و أخذ عظما باليا فجعل يفته بيده و هو يقول:

يا محمد، أ ترى اللّه يحيى هذا بعد ما قد رمّ، قال صلى اللّه عليه و سلم: نعم و يبعثك و يدخلك جهنم‏ (3)

و قيل: معنى قوله فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطبق قادر على الخصام، مبين: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى‏ أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي اَلْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي اَلْخِصََامِ غَيْرُ مُبِينٍ . فإن قلت: لم سمى قوله‏} مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ مثلا؟قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، و هي إنكار قدرة اللّه تعالى على إحياء الموتى. أو لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف اللّه بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل:

____________

(1) . قوله «و تغلغله في القحة» في الصحاح: وقح الرجل قحة و وقاحة، إذا صار قليل الحياء. (ع)

(2) . قوله «و شرز صفحته... الخ» في الصحاح «الشرز» الشرس، و هو الغلظ. و المحك: اللجاج. (ع)

(3) . هكذا ذكره الحلبي عن قتادة بغير سند، و أخرجه الحاكم من رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء، ففتته بيده، ثم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أ يحيي اللّه هذا بعد ما رم؟فقال: نعم، يميتك اللّه-الحديث» و روى البيهقي في الشعب من طريق حصين عن أبى مالك.

قال: جاء أبى بن خلف بعظم نخر-الحديث» و روى ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: «جاء أبو جهل بعظم حائل» .

31

من يحيى العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف اللّه تعالى بكونه قادرا عليه، كان تعجيزا للّه و تشبيها له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه. و الرميم: اسم لما بلى من العظام غير صفة، كالرمة و الرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث و قد وقع خبر المؤنث؟و لا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، و لقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام و يقول: إن عظام الميتة نجسة لأنّ الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. و أما أصحاب أبى حنيفة فهي عندهم طاهرة، و كذلك الشعب و العصب، و يزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت، و يقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حىّ حساس وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شي‏ء من خلق المنشآت و المعادات و من أجناسها و أنواعها و جلائلها و دقائقها. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء و انطفائها به و هي الزناد التي تورى بها الأعراض و أكثرها من المرخ و العفار، و في أمثالهم: في كل شجر نار. و استمجد المرخ و العفار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين و هما خضراوان، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ و هو ذكر، على العفار و هي أنثى فتنقدح النار بإذن اللّه. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: ليس من شجرة إلا و فيها النار إلا العناب‏ (1) . قالوا:

و لذلك تتخذ منه كذينقات القصارين. قرئ: الأخضر، على اللفظ. و قرئ: الخضراء، على المعنى. و نحوه قوله تعالى‏ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ `فَمََالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ `فَشََارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِ من قدر على خلق السماوات و الأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسى أقدر، و في معناه قوله تعالى‏ لَخَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنََّاسِ و قرئ: يقدر، و قوله‏} أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر و القماءة (2) بالإضافة إلى السماوات و الأرض أو أن يعيدهم، لأن المعاد مثل للمبتدإ و ليس به وَ هُوَ اَلْخَلاََّقُ الكثير المخلوقات اَلْعَلِيمُ الكثير المعلومات. و قرئ: الخالق‏} إِنَّمََا أَمْرُهُ إنما شأنه إِذََا أَرََادَ شَيْئاً إذا دعاه داعى حكمة إلى تكوينه و لا صارف أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ أن يكونه من غير توقف فَيَكُونُ فيحدث، أى: فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت: ما حقيقة قوله أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ؟قلت:

هو مجاز من الكلام و تمثيل، لأنه لا يمتنع عليه شي‏ء من المكونات، و أنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. فإن قلت: فما وجه القراءتين في فيكون؟قلت: أما الرفع فلأنها جملة من مبتدإ و خبر، لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها، و هي أمره أن يقول له كن. و أما النصب فللعطف على يقول، و المعنى: أنه لا يجوز عليه شي‏ء مما يجوز على الأجسام

____________

(1) . لم أجده.

(2) . قوله «و القماءة» الصغر و الذلة. أفاده الصحاح. (ع)

32

إذا فعلت شيئا مما تقدر عليه، من المباشرة بمحال القدرة، و استعمال الآلات، و ما يتبع ذلك من المشقة و التعب و اللغوب إنما أمره و هو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة فَسُبْحََانَ تنزيه له مما وصفه به المشركون، و تعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ هو مالك كل شي‏ء و المتصرف فيه بمواجب مشيئته و قضايا حكمته. و قرئ: ملكة كل شي‏ء. و ملك كل شي‏ء.

و المعنى واحد تُرْجَعُونَ بضم التاء و فتحها. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: كنت لا أعلم ما روى في فضائل يس و قراءتها كيف خصت، بذلك، فإذا أنه لهذه الآية.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن لكل شي‏ء قلبا، و إن قلب القرآن يس، من قرأ يس يريد بها وجه اللّه، غفر اللّه تعالى له، و أعطى من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين و عشرين مرة، و أيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه و يستغفرون له و يشهدون غسله و يتبعون جنازته و يصلون عليه و يشهدون دفنه، و أيما مسلم قرأ يس و هو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها و هو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه و هو ريان، و يمكث في قبره و هو ريان، و لا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة و هو ريان‏ (1) . و قال عليه الصلاة و السلام «إن في القرآن سورة يشفع قارئها و يغفر لمستمعها. ألا و هي سورة يس» (2) .

____________

(1) . أخرجه ابن مردويه و الثعلبي من حديث أبى بن كعب، و أوله في الترمذي من رواية هرون أبى محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس. و قال: غريب. و هرون مجهول «و في الباب عن أبى بكر و أبى هريرة. فأما حديث أبى هريرة فأخرجه البزار و فيه حميد المكي مولى آل علقمة. و هو ضعيف. و حديث أبى بكر: أخرجه الحكيم الترمذي.

(2) . أخرجه الثعلبي من طريق محمد بن عمير عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى اللّه عنها.

33

سورة الصافات‏

مكية، و هي مائة و إحدى و ثمانون آية، و قيل: و اثنتان و ثمانون [نزلت بعد الأنعام‏] بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

أقسم اللّه سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة، من قوله تعالى وَ إِنََّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر اللّه‏} فَالزََّاجِرََاتِ السحاب سوقا} فَالتََّالِيََاتِ لكلام اللّه من الكتب المنزلة و غيرها. و قيل اَلصَّافََّاتِ : الطير، من قوله تعالى‏ وَ اَلطَّيْرُ صَافََّاتٍ و الزاجرات: كل ما زجر عن معاصى اللّه. و التاليات: كل من تلا كتاب اللّه. و يجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد و سائر الصلوات و صفوف الجماعات، فالزاجرات بالمواعظ و النصائح، فالتاليات آيات اللّه و الدارسات شرائعه. أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل اللّه التي تصف الصفوف و تزجر الخيل للجهاد، و تتلو الذكر (1) مع ذلك لا تشغلها

____________

(1) . قال محمود: «المقسم به طوائف الملائكة أو نفوسهم، و المراد صفهم في الصلاة و زجرهم السحاب أى سوقهم و تلاوتهم ذكر اللّه أو العلماء و المراد تصافف أقدامهم في الصلاة و زجرهم بالمواعظ عن المعاصي و تلاوتهم الذكر...... إلى أن قال: ... «و يكون التفاصل بين الطوائف إما على أن الأول هو الأفضل أو على العكس» قال أحمد: قد جوز أن يكون ترتيبها في التفاضل على أن الأول و هو الأفضل و على العكس، و لم يبين وجه كل واحد منهما من حيث صنعة البديع، و نحن نبينه فنقول: وجه البداءة بالأفضل الاعتناء بالأهم. فقدم، و وجه عكس هذا الترقي من الأدنى إلى الأعلى، و منه قوله:

بها ليل منهم جعفر و ابن أمه # على و منهم أحمد المنخير

و لا يقال: إن هذا إنما ساغ لأن الواو لا تقتضي رتبة، فان هذا غايته أنه عذر، و ما ذكرناه بيان لما فيه من مقتضى البديع و البلاغة، و في هذه الآية دلالة على مذهب سيبويه و الخليل في مثل‏ وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَغْشى‏ََ `وَ اَلنَّهََارِ إِذََا تَجَلََّى فإنهما يقولان: الواو الثانية و ما بعدها عواطف، و غيرهما يذهب إلى أنها حروف قسم، فوقوع الفاء في هذه الآية موقع الواو و المعنى واحد، إلا أن ما تزيده الفاء من ترتيبها دليل واضح على أن الواو الواقعة في مثل هذا السياق للعطف لا للقسم.

34

عنه تلك الشواغل، كما يحكى عن علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه. فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله:

يا لهف زيّابة للحرث الصّابح # فالغانم فالآيب‏ (1)

كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب. و إما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، و اعمل الأحسن فالأجمل. و إما على ترتب موصوفاتها في ذلك، كقوله:

رحم اللّه المحلقين فالمقصرين، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات.

فإن قلت: فعلى أى هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، و إن ثلثته، فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه، بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة و جعلتهم جامعين لها، فعطفها بالفاء يفيد ترتبا لها في الفضل: إما إن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة، و إما على العكس، و كذلك إن أردت العلماء و قواد الغزاة. و إن أجريت الصفة الأولى على طوائف و الثانية و الثالثة على أخر، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل، أعنى أن الطوائف الصافات ذوات فضل و الزاجرات أفضل، و التاليات أبهر فضلا، أو على العكس، و كذلك إذا أردت بالصافات:

الطير، و بالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية. و بالتاليات: كل نفس تتلو الذكر، فإن الموصوفات مختلفة. و قرئ بإدغام التاء في الصاد و الزاى و الذال‏} رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ خبر بعد خبر. أو خبر مبتدإ محذوف. و اَلْمَشََارِقِ ثلاثمائة و ستون مشرقا، و كذلك المغارب: تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها و تغرب في مغرب، و لا تطلع و لا تغرب في واحد يومين. فإن قلت:

فما ذا أراد بقوله‏ رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ ؟قلت: أراد مشرقى الصيف و الشتاء و مغربيهما.

اَلدُّنْيََا القربى منكم. و الزينة: مصدر كالنسبة، و اسم لما يزان به الشي‏ء، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة، و يحتملهما قوله بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ فإن أردت المصدر، فعلى إضافته إلى الفاعل، أى: بأن زانتها الكواكب، و أصله: بزينة الكواكب: أو على إضافته إلى المفعول، أى: بأن زان اللّه الكواكب و حسنها، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، و أصله بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ و هي قراءة أبى بكر و الأعمش و ابن و ثاب، و إن أردت الاسم فللإضافة وجهان:

أن تقع الكواكب بيانا للزينة، لأن الزينة مبهمة في الكواكب و غيرها مما يزان به، و أن يراد

____________

(1) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 41 فراجعه إن شئت اهـ مصححه.

35

ما زينت به الكواكب. و جاء عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: بزينة الكواكب: بضوء الكواكب: و يجوز أن يراد أشكالها المختلفة، كشكل الثريا و بنات نعش و الجوزاء، و غير ذلك، و مطالعها و مسايرها. و قرئ على هذا المعنى: بزينة الكواكب، بتنوين زينة و جر الكواكب على الإبدال. و يجوز في نصب الكواكب: أن يكون بدلا من محل بزينة} وَ حِفْظاً مما حمل على المعنى؛ لأنّ المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء و حفظا من الشياطين، كما قال تعالى وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ و يجوز أن يقدر الفعل المعلل، كأنه قيل: و حفظا مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ زيناها بالكواكب، و قيل: و حفظناها حفظا. و المارد:

الخارج من الطاعة المتملس‏ (1) منها.

الضمير في لاََ يَسَّمَّعُونَ لكل شيطان، لأنه في معنى الشياطين. و قرئ بالتخفيف و التشديد، و أصله: يتسمعون. و التسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع.

و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: هم يتسمعون و لا يسمعون، و بهذا ينصر التخفيف على التشديد، فإن قلت: لا يسمعون كيف اتصل بما قبله؟قلت: لا يخلو من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لكل شيطان، أو استئنافا فلا تصحّ الصفة؛ لأنّ الحفظ من شياطين لا يسمعون و لا يستمعون لا معنى له، و كذلك الاستئناف؛ لأنّ سائلا لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون: لم يستقم، فبقى أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ اقتصاصا، لما عليه حال المسترقة للسمع‏ (2) ، و أنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة. أو يتسمعوا و هم

____________

(1) . قوله «من الطاعة المتملس منها» في الصحاح: يقال: انملس من الأمر، إذا أقلت منه. (ع)

(2) . أبطل الزمخشري أن يكون لاََ يَسَّمَّعُونَ صفة لأن الحفظ من شيطان لا يسمع لا معنى له و أبطل أن يكون أصله لئلا يسمعوا، فحذف اللام و حذفها كثير، ثم حذف أن و أهدر عملها مثل:

ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغي # و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدى‏

و استبعد اجتماع هذين الحذفين، و إن كان كل واحد منهما بانفراده سائغا، و لما أبطل هذين الوجهين تعين عنده أن يكون ابتداء كلام اقتصاصا لما عليه أحوال المسترقة للسمع» قال أحمد: كلا الوجهين مستقيم، و الجواب عن إشكاله الوارد على الوجه الأول: أن عدم سماع الشيطان سببه الحفظ منه، فحال الشيطان حال كونه محفوظا منه هي حاله حال كونه لا يسمع، و إحدى الحالين لازمة للأخرى، فلا مانع أن يجتمع الحفظ منه، و كونه موصوفا بعدم السماع في حالة واحدة لا على أن عدم السماع ثابت قبل الحفظ بل معه و قسيمه، و نظير هذه الآية على هذا التقدير قوله تعالى‏ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومُ مُسَخَّرََاتٌ بِأَمْرِهِ فقوله تعالى‏ مُسَخَّرََاتٌ حال مما تقدمه العامل فيه الفعل الذي هو سخر. و معناه مستقيم، لأن تسخيرها يستلزم كونها مسخرة، فالحال التي سخرت فيها هي الحال التي كانت فيها مسخرة، لا على معنى تسخيرها مع كونها مسخرة قبل ذلك، و ما أشار له الزمخشري في هذه الآية قريب من هذا التفسير، إلا أنه ذكر معه تأويلا آخر كالمستشكل لهذا الوجه، فجعل مسخرات جمع مسخر مصدر كممزق، و جعل المعنى: و سخر لكم الليل و النهار و الشمس و القمر أنواعا من التسخير، و فيما ذكرناه كفاية، و من هذا النمط ثُمَّ أَرْسَلْنََا رُسُلَنََا و هم ما كانوا رسلا إلا بالإرسال، و هؤلاء ما كانوا لا يسمعون إلا بالحفظ. و أما الجواب عن إشكاله الثاني فورود حذفين في مثل قوله تعالى‏ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا و أصله لئلا تضلوا، فحذف اللام و «لا» جميعا من محليهما.

36

مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف خطفة و استرق استراقة، فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب. فإن قلت: هل يصح قول من زعم أن أصله:

لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقى أن لا يسمعوا فحذفت أن و أهدر عملها، كما في قول القائل:

ألا أيها ذا الزّاجرى أحضر الوغى‏ (1)

قلت: كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب. فإن قلت: أى فرق بين سمعت فلانا يتحدّث، و سمعت إليه يتحدّث، و سمعت حديثه، و إلى حديثه؟قلت: المعدّى بنفسه يفيد الإدراك، و المعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك، و الملأ الأعلى: الملائكة، لأنهم يسكنون السماوات. و الإنس و الجن: هم الملأ الأسفل، لأنهم سكان الأرض. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: هم الكتبة من الملائكة. و عنه: أشراف الملائكة مِنْ كُلِّ جََانِبٍ من جميع جوانب السماء من أى جهة صعدوا للاستراق‏} دُحُوراً مفعول له، أى: و يقذفون للدحور و هو الطرد، أو مدحورين على الحال. أو لأنّ القذف و الطرد متقاربان في المعنى، فكأنه قيل:

يدحرون أو قذفا. و قرأ أبو عبد الرحمن السلمى بفتح الدال على: قذفا دحورا طرودا. أو على أنه قد جاء مجي‏ء القبول و الولوع. و الواصب: الدائم، وصب الأمر وصوبا، يعنى أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب، و قد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع‏} مَنْ في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون، أى: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ و قرئ: خطف بكسر الخاء و الطاء و تشديدها، و خطف بفتح الخاء و كسر الطاء و تشديدها، و أصلهما: اختطف. و قرئ: فأتبعه، و فاتبعه.

الهمزة و إن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها، فلذلك قيل

____________

(1) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 159 فراجعه إن شئت اهـ مصححه.

37

فَاسْتَفْتِهِمْ أى استخبرهم أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً و لم يقل: فقرّرهم، و الضمير لمشركي مكة. قيل:

نزلت في أبى الأشد بن كلدة، و كنى بذلك لشدّة بطشه و قوته أَمْ مَنْ خَلَقْنََا يريد: ما ذكر من خلائقه: من الملائكة، و السماوات و الأرض، و المشارق، و الكواكب، و الشهب الثواقب، و الشياطين المردة، و غلب أولى العقل على غيرهم، فقال: من خلقنا، و الدليل عليه قوله بعد عدّ هذه الأشياء: فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم من خلقنا، بالفاء المعقبة. و قوله: أم من خلقنا، مطلقا من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدّمه، كأنه قال: خلقنا كذا و كذا من عجائب الخلق و بدائعه، فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم الذي خلقناه من ذلك، و يقطع به قراءة من قرأ: أم من عددنا، بالتخفيف و التشديد. و أشدّ خلقا: يحتمل أقوى خلقا من قولهم:

شديد الخلق. و في خلقه شدّة، و أصعب خلقا و أشقه، على معنى الرد لإنكارهم البعث و النشأة الأخرى، و أنّ من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة و لم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون. و خلقهم مِنْ طِينٍ لاََزِبٍ إما شهادة عليهم بالضعف و الرخاوة لأنّ ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة و القوّة، أو احتجاج عليهم بأنّ الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا: أئذا كنا ترابا. و هذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. و قيل: من خلقنا من الأمم الماضية، و ليس هذا القول بملائم. و قرئ: لازب و لاتب، و المعنى واحد، و الثاقب: الشديد الإضاءة.

بَلْ عَجِبْتَ من قدرة اللّه على هذه الخلائق العظيمة وَ هم يَسْخَرُونَ منك و من تعجبك و مما تريهم من آثار قدرة اللّه، أو من إنكارهم البعث و هم يسخرون من أمر البعث.

و قرئ بضم التاء، أى: بلغ من عظم آياتي و كثرة خلائقى أنى عجبت منها، فكيف بعبادي و هؤلاء يجهلهم و عنادهم يسخرون من آياتي أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله، و هم يسخرون ممن يصف اللّه بالقدرة عليه. فإن قلت: كيف يجوز العجب على اللّه تعالى، و إنما هو روعة تعترى الإنسان عند استعظامه الشي‏ء، و اللّه تعالى لا يجوز عليه الروعة؟قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام: و الثاني: أن يتخيل العجب و يفرض.

و قد جاء في الحديث: عجب ربكم من ألكم‏ (1) و قنوطكم و سرعة إجابته إياكم‏ (2) . و كان شريح

____________

(1) . قوله «من ألكم و قنوطكم» الأل: يأتى بمعنى السرعة و الأنين و الفساد. أفاده الصحاح. (ع)

(2) . أخرجه أبو عبيد في الغريب عن محمد بن عمرو يرفعه، ثم قال: فقال: الأل رفع الصوت بالدعاء. و قال بعضهم: يرويه الأول، و هو الشدة.

38

يقرأ بالفتح و يقول: إنّ اللّه لا يعجب من شي‏ء، و إنما يعجب من لا يعلم، فقال إبراهيم النخعي:

إنّ شريحا كان يعجبه علمه و عبد اللّه أعلم، يريد عبد اللّه بن مسعود، و كان يقرأ بالضم. و قيل معناه: قل يا محمد بل عجبت. } وَ إِذََا ذُكِّرُوا و دأبهم أنهم إذا وعظوا بشي‏ء لا يتعظون به وَ إِذََا رَأَوْا آيَةً من آيات اللّه البينة كانشقاق القمر و نحوه يَسْتَسْخِرُونَ يبالغون في السخرية. أو يستدعى بعضهم من بعض أن يسخر منها.

وَ آبََاؤُنَا معطوف على محل‏} إِنْ و اسمها. أو على الضمير في مبعوثون، و الذي جوّز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام. و المعنى: أ يبعث أيضا آباؤنا على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد و أبطل. و قرئ أو آباؤنا} قُلْ نَعَمْ و قرئ: نعم بكسر العين و هما لغتان. و قرئ: قال نعم، أى اللّه تعالى أو الرسول صلى اللّه عليه و سلم. و المعنى: نعم تبعثون وَ أَنْتُمْ دََاخِرُونَ صاغرون‏} فَإِنَّمََا جواب شرط مقدّر تقديره: إذا كان ذلك فما هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ و هي لا ترجع إلى شي‏ء، إنما هي مبهمة موضحها خبرها. و يجوز:

فإنما البعثة زجرة واحدة و هي النفخة الثانية. و الزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل أو الغنم: إذا صاح عليها فريعت لصوته. و منه قوله:

زجر أبى عروة السباع إذا # أشفق أن يختلطن بالغنم‏ (1)

يريد تصوينه بها فَإِذََا هُمْ أحياء بصراء يَنْظُرُونَ .

يحتمل أن يكون هََذََا يَوْمُ اَلدِّينِ إلى قوله‏ اُحْشُرُوا من كلام الكفرة بعضهم مع بعض

____________

(1) . للنابغة الجعدي. و أبو عروة: كنية العباس عم النبي صلى اللّه عليه و سلم، كانوا يزعمون أنه يصيح بالسباع فينفق مرارة الأسد في جوفه، و روى أن غارة أتتهم يوم حنين فصاح: يا صباحاه فأسقطت الحوامل، و كان يسمع صوته من مسافة ثمانية أميال. و زجره يزجره، إذا صاح بمنعه، أى: كزجر أبى عروة السباع عن الغنم إذا خاف اختلاطهن بها في البادية.

39

و أن يكون من كلام الملائكة لهم، و أن يكون يََا وَيْلَنََا هََذََا يَوْمُ اَلدِّينِ كلام الكفرة. و} هََذََا يَوْمُ اَلْفَصْلِ من كلام الملائكة جوابا لهم. و يوم الدين: اليوم الذي ندان فيه، أى نجازى بأعمالنا. و يوم الفصل: يوم القضاء، و الفرق بين فرق الهدى و الضلالة.

اُحْشُرُوا خطاب اللّه للملائكة، أو خطاب بعضهم مع بعض وَ أَزْوََاجَهُمْ و ضرباءهم عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: و هم نظراؤهم و أشباههم من العصاة: أهل الزنا مع أهل الزنا، و أهل السرقة مع أهل السرقة. و قيل: قرناؤهم من الشياطين. و قيل: نساؤهم اللاتي على دينهم فَاهْدُوهُمْ فعرّفوهم طريق النار حتى يسلكوها. هذا تهكم بهم و توبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين‏} بَلْ هُمُ اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ قد أسلم بعضهم بعضا و خذله عن عجز، فكلهم مستسلم غير منتصر. و قرئ: لا تتناصرون و لا تناصرون، بالإدغام.

}اليمين لما كانت أشرف العضوين و أمتنهما و كانوا يتيمنون بها، فبها يصافحون و يماسحون و يناولون و يتناولون، و يزاولون أكثر الأمور، و يتشاءمون بالشمال، و لذلك سموها: الشؤمى،

40

كما سموا أختها اليمنى، و تيمنوا بالسانح، (1) و تطيروا بالبارح، و كان الأعسر معيبا عندهم، و عضدت الشريعة ذلك، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، و أراذلها بالشمال. و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يحب التيامن في كل شي‏ء (2) . و جعلت اليمين لكاتب الحسنات، و الشمال لكاتب السيئات، و وعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، و المسي‏ء أن يؤتاه بشماله:

استعيرت لجهة الخير و جانبه، فقيل: أتاه عن اليمين، أى: من قبل الخير و ناحيته، فصدّه عنه و أضله. و جاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين: أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق. و من أتاه من جهة الشمال: أتاه من قبل الشهوات. و من أتاه من بين يديه: أتاه من قبل التكذيب بالقيامة و بالثواب و العقاب. و من أتاه من خلفه: خوّفه الفقر على نفسه و على من يخلف بعده، فلم يصل رحما و لم يؤد زكاة. فإن قلت: قولهم: أتاه من جهة الخير و ناحيته: مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازا عن المجاز؟قلت: من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، و هذا من ذاك، و لك أن تجعلها مستعارة للقوّة و القهر، لأنّ اليمين موصوفة بالقوة، و بها يقع البطش. و المعنى: أنكم كنتم تأتوننا عن القوّة و القهر، و تقصدوننا عن السلطان و الغلبة حتى تحملونا على الضلال و تقسرونا عليه. و هذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم، و الغواة لشياطينهم‏} بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بل أبيتم أنتم الإيمان و أعرضتم عنه، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر. غير ملجئين إليه‏} وَ مََا كََانَ لَنََا عَلَيْكُمْ من تسلط نسلبكم به تمكنكم و اختياركم بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً مختارين الطغيان‏} فَحَقَّ عَلَيْنََا فلزمنا قَوْلُ رَبِّنََا إِنََّا لَذََائِقُونَ يعنى: وعيد اللّه بأنا ذائقون لعذابه لا محالة، لعلمه بحالنا و استحقاقنا بها العقوبة، و لو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، و لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم، لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم. و نحوه قول القائل:

لقد زعمت هوازن قلّ مالى‏ (3)

____________

(1) . قوله «و تيمنوا بالسانح» السانح: المار من اليسار إلى اليمين. و البارح عكسه. أفاده الصحاح. (ع)

(2) . متفق عليه من حديث عائشة رضى اللّه عنها أتم من هذا.

(3) .

ألا زعمت هوازن قل مالى # و هل لي غير ما أنفقت مال

أسربه نعم و نعم قديما # على ما كان هن مال و بال‏

ألا استفتاحية، و هوازن: امرأته، و ضمن زعمت معنى قالت، فعداه إلى الجملة، و لو حكى قولها بلفظه لقال: قل مالك، و لكن جاء بياء المتكلم لجواز الحكاية بالمعنى، و هل: استفهام إنكارى، و غير: حال مقدمة، أى: ليس لي مال غير ما أنفقته في المكارم، و أسربه. مبنى للمجهول صفة لمال، أى: لا يسرني غير ما أنفقته، و بين جهة الإنفاق بقوله: نعم و نعم، أى جوابي للسائلين بذلك من قديم الزمان: هو و بال و مضرة على ما كان لي من مال، و يجوز أن أسر مبنى للفاعل. و نعم الأولى مفعوله، أى: هل لي مال أسربه من يجاب بنعم، و الحال أن نعم و بال على المال، و مهلكة له قديما، حيث أخيب السائل بها.

41

و لو حكى قولها لقال: قل مالك. و منه قول المحلف للحالف: احلف لأخرجنّ، و لتخرجنّ:

الهمزة لحكاية لفظ الحالف، و التاء لإقبال المحلف على المحلف‏} فَأَغْوَيْنََاكُمْ فدعوناكم إلى الغى دعوة محصلة للبغية، لقبولكم لها و استحبابكم الغىّ على الرشد إِنََّا كُنََّا غََاوِينَ فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا} فَإِنَّهُمْ فإنّ الأتباع و المتبوعين جميعا يَوْمَئِذٍ يوم القيامة مشتركون في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية} إِنََّا مثل ذلك الفعل نَفْعَلُ بكل مجرم، يعنى أنّ سبب العقوبة هو الإجرام، فمن ارتكبه استوجبها} إِنَّهُمْ كََانُوا إِذََا سمعوا بكلمة التوحيد نفروا أو استكبروا عنها و أبوا إلا الشرك.

لِشََاعِرٍ مَجْنُونٍ يعنون محمدا صلى اللّه عليه و سلم‏} بَلْ جََاءَ بِالْحَقِّ رد على المشركين وَ صَدَّقَ اَلْمُرْسَلِينَ كقوله‏ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ* و قرئ: لذائقو العذاب، بالنصب على تقدير النون، كقوله:

و لا ذاكر الله إلاّ قليلا (1)

بتقدير التنوين. و قرئ على الأصل: لذائقون العذاب‏} إِلاََّ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إلا مثل ما عملتم جزاء سيئا بعمل سيئ.

____________

(1) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 448 فراجعه إن شئت اهـ مصححه.

42

إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ و لكن عباد اللّه، على الاستثناء المنقطع. فسر الرزق المعلوم بالفواكه:

و هي كل ما يتلذذ به و لا يتقوّت لحفظ الصحة، يعنى أنّ رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ. و يجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، و رائحة، و لذة، و حسن منظر. و قيل: معلوم الوقت، كقوله‏ وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهََا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا و عن قتادة: الرزق المعلوم الجنة. و قوله‏} فِي جَنََّاتِ يأباه، و قوله‏} وَ هُمْ مُكْرَمُونَ هو الذي يقوله العلماء في حد الثواب على سبيل المدح و التعظيم، و هو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوى الهمم، كما أنّ من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هو ان أهل النار و صغارهم.

التقابل: أتم للسرور و آنس. و قيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.

يقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، و تسمى الخمر نفسها كأسا، قال:

و كاس شربت على لذّة (1)

و عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، و كذا في تفسير ابن عباس‏} مِنْ مَعِينٍ من شراب معين. أو من نهر معين، و هو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون: وصف بما يوصف به الماء، لأنه يجرى في الجنة في أنهار كما يجرى الماء، قال اللّه تعالى‏ وَ أَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ .

بَيْضََاءَ صفة للكأس لَذَّةٍ إمّا أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة و عينها: أو هي تأنيث اللذ، يقال: لذ الشي‏ء فهو لذ و لذيذ. و وزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال:

و لذ كطعم الصّرخدى تركته # بأرض العدا من خشية الحدثان‏ (2)

____________

(1) .

و كأس شربت على لذة # و أخرى تداويت منها بها

لكي يعلم الناس أنى امرؤ # أتيت المعيشة من بابها

للأعشى، و الكأس تطلق على الزجاجة فيها الخمر، و على الخمر فيها: مجازا مشهورا، و هي مؤنثة بدليل تأنيث صفتها و ضميرها. يقول: و رب كأس شربتها مع لذة، أو لأجل لذة فضرتنى، فشربت كأسا أخرى تداويت من الأولى بها، ليعلم الناس أنى مجرب للأمور، و كنى عن ذلك بقوله: أتيت المعيشة من بابها، و شبه المعيشة مع أسبابها المناسبة لها بدار لها باب على طريق المكنية و إثبات الباب تخييل، أى: كما داويت الداء من بابه أدرك المعيشة و أحصلها من الأسباب التي تناسبها. و يروى: بدل الشطر الثاني من البيت الأول‏

دهاق يرنح من ذاقها

و دهقه:

كسره و غمزه غمزا شديدا، و كأس داهق: ممتلئة، و دهاق: مملوءة. و ترنح: تميل، لكن هذا من قافية أخرى.

(2) . اللذ: وصف، و اللذة: مؤنثة، و هي اسم للكيفية القائمة بالنفس، و اسم للشي‏ء اللذيذ. و الصرخد:

موضع من الشام ينسب إليه الشراب. و الحدثان: مصدر كالحدث، إلا أنه يدل على التجدد و التكرر، يقول:

و رب شي‏ء لذيذ يعنى النوم، طعمه كطعم الشراب الطيب، تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بى. و يروى بدل الشطر الثاني‏

عشية خمس القوم و العين عاشقة

و خمست القوم أخمسهم-بالضم-: أخذت خمس أموالهم.

43

يريد النوم. الغول: لمن غاله يغوله غولا إذا أهلكه و أفسده. و منه: الغول الذي في تكاذيب العرب. و في أمثالهم: الغضب غول الحلم، و} يُنْزَفُونَ على البناء للمفعول، من نزف الشارب‏ (1) إذا ذهب عقله. و يقال للسكران: نزيف و منزوف. و يقال للمطعون: نزف فمات إذا خرج دمه كله. و نزحت الركية حتى نزفتها: إذا لم تترك فيها ماء. و في أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطا. و قرئ: ينزفون، من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه. قال:

لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو # لبئس النّدامى كنتمو آل أبجرا (2)

و معناه: صار ذا ترف. و نظيره: أقشع السحاب، و قشعته الريح، و أكب الرجل و كبيته.

و حقيقتهما: دخلا في القشع و الكب. و في قراءة طلحة بن مصرف: و ينزفون: بضم الزاى، من نزف ينزف كقرب يقرب، إذا سكر. و المعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار (3) أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك، و لا هم يسكرون‏ (4) ، و هو أعظم مفاسدها فأفرزه و أفرده بالذكر} قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، لا يمددن طرفا إلى غيرهم، كقوله تعالى‏ عُرُباً (5) و العين:

النجل العيون‏ (6) شبههنّ يبيض النعام المكنون في الأداحى، و بها تشبه العرب النساء و تسميهنّ بيضات الخدور.

____________

(1) . قوله «من نزف الشارب في الصحاح: نزفت ماء البئر نزفا، إذا نزحته كله. و نزفت هي: يتعدى و لا يتعدى... و نزفت أيضا على ما لم يسم فاعله. (ع)

(2) . للأبيرد. و نزف دمه: خرج منه حتى ضعف و انقطعت حركته. و نزف الرجل في الخصومة: انقطعت حجته، و أنزف: صار ذا نزف، فنزف و أنزف لا زمان. و قوله: لئن أنزفتم، أى سكرتم و بطلت حركتكم، أو انقطع شرابكم، و لبئس الندامى: جواب القسم، و جواب الشرط مثله محذوف، و أنتم: هو المخصوص بالذم.

و آل أبجر: منادى، و فيه نوع من التهكم و الاستخفاف بهم.

(3) . قوله «في الصحاح: الخمار: بقية السكر. (ع)

(4) . قوله «و لا هم يسكرون» لعله: و لا هم عنها يسكرون. (ع)

(5) . قوله «كقوله تعالى: عربا» أى متحببات إلى أزواجهن كما يأتى. (ع)

(6) . قوله «النجل العيون» في الصحاح: النجل-بالتحريك: كشف العين. و الرجل أنجل، و العين نجلاء، و الجمع نجل. و فيه: مدحى النعامة: موضع بيضها. و أدحيها موضعها، و هو أفعول من دحوت، لأنها تدحوه برجلها ثم تبيض فيه اهـ و الأداحى: جمعه. (ع)

44

فإن قلت: علام عطف قوله فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ ؟قلت: على يطاف عليهم. و المعنى:

يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب‏ (1) ، قال:

و ما بقيت من اللّذّات إلاّ # أحاديث الكرام على المدام‏ (2)

فيقبل بعضهم على بعض يَتَسََاءَلُونَ عما جرى لهم و عليهم في الدنيا، إلا أنه جي‏ء به ماضيا على عادة اللّه في أخباره. قرئ: من المصدّقين، من التصديق. و من المصّدّقين مشدّد الصاد، من التصدّق، و قيل: نزلت في رجل تصدّق بماله لوجه اللّه، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه، فقال: و أين مالك؟قال: تصدقت به ليعوضنى اللّه به في الآخرة خيرا منه، فقال:

أ إنك لمن المصدّقين بيوم الدين. أو من المتصدّقين لطلب الثواب. و اللّه لا أعطيك شيئا لَمَدِينُونَ لمجزيون، من الدين و هو الجزاء. أو لمسوسون مربوبون. يقال: دانه ساسة.

و منه الحديث: «العاقل من دان نفسه، (3) . } قََالَ يعنى ذلك القائل‏} هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى النار لأريكم ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. و قيل:

القائل هو اللّه عز و جل: و قيل بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. و قرئ. مطلعون، فاطلع. و فأطلع بالتشديد، على لفظ الماضي و المضارع المنصوب: و مطلعون فاطلع، و فأطلع بالتخفيف، على لفظ الماضي و المضارع المنصوب. يقال: طلع علينا فلان، و اطلع، و أطلع بمعنى واحد، و المعنى: هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضا. أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك.

و إن جعلت الإطلاع من أطلعه غيره، فالمعنى: أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم، و هو من

____________

(1) . قوله «كعادة الشرب» جمع شارب، كالصحب جمع صاحب، كذا في الصحاح. (ع)

(2) . الفرزدق، يقول: و ما بقيت لذة من اللذات إلا لذة أحاديث الكرام، أو ما بقيت شهوة من الشهوات اللذيذة إلا أحاديث الكرام على الخمر، و أتى بحرف الاستعلاء لأن الشراب يكون بين أيديهم و الحديث من أفواههم فوقه، و كان الظاهر: و ما بقي من اللذات، لكن أنث الفعل لأنه مفرغ لما بعد إلا، أو للتأويل المتقدم.

(3) . أخرجه الترمذي و ابن ماجة، و الحاكم و أحمد و البزار و أبو يعلى و الحرث و الطبراني كلهم من رواية أبى بكر ابن أبى مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس.

45

آداب المجالسة. أن لا يستبد بشي‏ء دون جلسائه، فكأنهم مطلعوه. و قيل: الخطاب على هذا للملائكة. و قرئ: مطلعون بكسر النون، أراد: مطلعون إياى، فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله:

هم الفاعلون الخير و الآمرونه‏ (1)

أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كأنه قال: تطلعون، و هو ضعيف لا يقع إلا في الشعر} فِي سَوََاءِ اَلْجَحِيمِ في وسطها، يقال: تعبت حتى انقطع سوائى، و عن أبى عبيدة:

قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائى‏} إِنْ مخففة من الثقيلة، و هي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان» و نحوه‏ إِنْ كََادَ لَيُضِلُّنََا و اللام هي الفارقة بينها و بين النافية، و الإرداء: الإهلاك. و في قراءة عبد اللّه: لتغوينّ‏} نِعْمَةُ رَبِّي هي العصمة و التوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، و البراءة من قرين السوء. أو إنعام اللّه بالثواب و كونه من أهل الجنة مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت و أمثالك.

}الذي عطفت عليه الفاء محذوف، معناه: أ نحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين و لا معذبين.

و قرئ بمائتين. و المعنى أنّ هذه حال المؤمنين وصفتهم و ما قضى اللّه به لهم للعلم بأعمالهم أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة، و قيل لبعض الحكماء:

ما شر من الموت؟قال: الذي يتمنى فيه الموت.

يقوله المؤمن تحدثا بنعمة اللّه و اغتباطا بحاله و بمسمع من قرينه، ليكون توبيخا له يزيد به تعذبا، و ليحكيه اللّه فيكون لنا لطفا و زاجرا. و يجوز أن يكون قولهم جميعا، و كذلك قوله إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ أى إن هذا الأمر الذي نحن فيه. و قيل: هو من قول اللّه عزّ و جلّ تقريرا لقولهم و تصديقا له. و قرئ: لهو الرزق العظيم، و هو ما رزقوه من السعادة.

____________

(1) .

هم الفاعلون الخير و الآمرونه # إذا ما خشوا من حادث الدهر معظما

الخير: نصب على المفعولية. و يقال: أمرتك الخير و أمرتك به، فالآمرونه: اسم فاعل متعد للمفعول الثاني بنفسه، و كان حقه الفصل فوصل، و ربما كان في البيت أوقع منه في اسم الفاعل المجرد من اللام، و ما زائدة: أى إذا خافوا من حادث الدهر أمرا معظما. و يروى: مفظعا، أى: مخيفا فحقه في حرف العين.

46

تمت قصة المؤمن و قرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال أَ ذََلِكَ الرزق خَيْرٌ نُزُلاً أى خير حاصلا أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ و أصل النزل: الفضل و الربع في الطعام، يقال:

طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشي‏ء، و حاصل الرزق المعلوم: اللذة و السرور، و حاصل شجرة الزقوم: الألم و الغم، و انتصاب نزلا على التمييز، و لك أن تجعله حالا، كما تقول:

أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا؟يعنى أنّ الرزق المعلوم نزل أهل الجنة. و أهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلا. و النزل: ما يقال‏ (1) للنازل بالمكان من الرزق. و منه إنزال الجند لأرزاقهم، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن‏ (2) . و معنى الأوّل: أنّ للرزق المعلوم نزلا، و لشجر الزقوم نزلا، فأيهما خير نزلا. و معلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، و لكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم، و اختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم، قيل لهم ذلك توبيخا على سوء اختيارهم‏} فِتْنَةً لِلظََّالِمِينَ محنة و عذابا لهم في الآخرة. أو ابتلاء لهم في الدنيا، و ذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة و النار تحرق الشجر، فكذبوا. و قرئ:

نابتة} فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ قيل: منبتها في قعر جهنم، و أغصانها ترتفع إلى دركاتها: و الطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها: إما استعارة لفظية، أو معنوية، و شبه برءوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة و قبح المنظر، لأنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان. و إذا صوّره المصورون: جاءوا بصورته على أقبح ما يقدر و أهوله، كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة. قال اللّه تعالى‏ مََا هََذََا بَشَراً إِنْ هََذََا إِلاََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ و هذا تشبيه تخييلى. و قيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا. و قيل: إنّ شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا مرا منكر الصورة، يسمى ثمره:

____________

(1) . قوله «ما يقال للنازل بالمكان» لعله «ما يقام» كعبارة النسفي. (ع)

(2) . قوله «لساكن الدار السكن» في الصحاح «السكن» : كل ما سكنت إليه. (ع)

47

رؤوس الشياطين. و ما سمت العرب هذا الثمر برءوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين، و لكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به‏} مِنْهََا من الشجرة، أى من ظلعها فَمََالِؤُنَ بطونهم، لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو يقسرون على أكلها و إن كرهوها، ليكون بابا من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابا من غساق أو صديد، شوبه: أى مزاجه مِنْ حَمِيمٍ يشوى وجوههم و يقطع أمعاءهم، كما قال في صفة شراب أهل الجنة وَ مِزََاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ و قرئ: لشوبا، بالضم، و هو اسم ما يشاب به، و الأوّل تسمية بالمصدر. فإن قلت:

ما معنى حرف التراخي في قوله ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهََا لَشَوْباً و في قوله‏} ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ ؟قلت:

في الأوّل وجهان، أحدهما: أنهم يملئون البطون من شجر الزقوم، و هو حارّ يحرق بطونهم و يعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ملىّ تعذيبا بذلك العطش، ثم يسقون ما هو احرّ و هو الشراب المشوب بالحميم. و الثاني: أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة و البشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو أكره و أبشع، فجاء بثم للدلالة على تراخى حال الشراب عن حال الطعام و مباينة صفته لصفته في الزيادة عليه. و معنى الثاني: أنهم يذهب بهم عن مقارّهم و منازلهم في الجحيم، و هي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يتملئوا، و يسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، و معنى التراخي في ذلك بين: و قرئ: ثم إن منقلبهم، ثم إن مصيرهم، ثم إن منفذهم إلى الجحيم: علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين، و اتباعهم إياهم على الضلال، و ترك اتباع الدليل. و الإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يحثون حثا. و قيل:

إسراع فيه شبه بالرعدة.

وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل قومك قريش. } مُنْذِرِينَ أنبياء حذروهم العواقب. } اَلْمُنْذَرِينَ الذين أنذروا و حذروا، أى أهلكوا جميعا} إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ الذين آمنوا منهم و أخلصوا دينهم للّه، أو أخلصهم اللّه لدينه على القراءتين.

48

لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية و سوء عاقبة المنذرين، أتبع ذلك ذكر نوح و دعائه إياه حين أيس من قومه، و اللام الداخلة على نعم جواب قسم محذوف، و المخصوص بالمدح محذوف تقديره: فو اللّه لنعم المجيبون نحن، و الجمع دليل العظمة و الكبرياء. و المعنى:

إنا أجبناه أحسن الإجابة، و أوصلها إلى مراده و بغيته من نصرته على أعدائه و الانتقام منهم بأبلغ ما يكون‏} هُمُ اَلْبََاقِينَ هم الذين بقوا وحدهم و قد فنى غيرهم، فقد روى أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ولده. أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح. و كان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام، و حام، و يافث. فسام أبو العرب، و فارس، و الروم. و حام أبو السودان من المشرق إلى المغرب. و يافث أبو الترك و يأجوج و مأجوج‏} وَ تَرَكْنََا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ من الأمم هذه الكلمة، و هي: } سَلاََمٌ عَلى‏ََ نُوحٍ يعنى يسلمون عليه تسليما، و يدعون له، و هو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت سورة أنزلناها. فإن قلت: فما معنى قوله فِي اَلْعََالَمِينَ ؟قلت: معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، و أن لا يخلو أخد منهم منها، كأنه قيل: ثبت اللّه التسليم على نوح و أدامه في الملائكة و الثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. علل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، و تسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنا، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة محل الإيمان، و أنه القصارى من صفات المدح و التعظيم، و يرغبك في تحصيله و الازدياد منه.

مِنْ شِيعَتِهِ ممن شايعه على أصول الدين و إن اختلفت شرائعهما. أو شايعه على التصلب في دين اللّه و مصابرة المكذبين. و يجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: من أهل دينه و على سنته، و ما كان بين نوح و إبراهيم إلا نبيان:

هود، و صالح. و كان بين نوح و إبراهيم ألفان و ستمائة و أربعون سنة. فإن قلت: بم تعلق الظرف؟ قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعنى: و إن ممن شايعه على دينه و تقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم. أو بمحذوف و هو: اذكر} بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من جميع آفات القلوب. و قيل:

من الشرك، و لا معنى للتخصيص لأنه مطلق، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها.

فإن قلت: ما معنى المجي‏ء بقلبه ربه؟قلت: معناه أنه أخلص للّه قلبه، و عرف ذلك منه فضرب‏

49

المجي‏ء مثلا لذلك‏} أَ إِفْكاً مفعول له، تقديره: أ تريدون آلهة من دون اللّه إفكا، و إنما قدّم المفعول على الفعل للعناية، و قدّم المفعول له على المفعول به، لأنه كان الأهمّ عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك و باطل في شركهم. و يجوز أن يكون إفكا مفعولا، يعنى: أ تريدون به إفكا.

ثم فسر الإفك بقوله آلِهَةً دُونَ اَللََّهِ على أنها إفك في أنفسها. و يجوز أن يكون حالا، بمعنى: أ تريدون آلهة من دون اللّه آفكين‏} فَمََا ظَنُّكُمْ بمن هو الحقيق بالعبادة، لأنّ من كان ربا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام: و المعنى: أنه لا يقدّر في و هم و لا ظنّ ما يصدّ عن عبادته. أو فما ظنكم به أى شي‏ء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له أندادا. أو فما ظنكم به ما ذا يفعل بكم و كيف يعاقبكم و قد عبدتم غيره؟

فِي اَلنُّجُومِ في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها، و عن بعض الملوك أنه سئل عن مشتهاه فقال: حبيب أنظر إليه، و محتاج أنظر له، و كتاب أنظر فيه. كان القوم نجامين، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم‏} فَقََالَ إِنِّي سَقِيمٌ إنى مشارف للسقم و هو الطاعون، و كان أغلب الأسقام عليهم، و كانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم و تركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟قلت: قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب و التقية، و إرضاء الزوج و الصلح بين المتخاصمين و المتهاجرين. و الصحيح: أن الكذب حرام إلا إذا عرّض و ورّى، و الذي قاله إبراهيم عليه السلام: معراض من الكلام، و لقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم.

و منه المثل: كفى بالسلامة داء. و قول لبيد:

فدعوت ربى بالسّلامة جاهدا # ليصحّنى فإذا السّلامة داء (1)

و قد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس و قالوا: مات و هو صحيح، فقال أعرابى: أ صحيح من الموت في عنقه. و قيل: أراد: إنى سقيم النفس لكفركم.

____________

(1) .

كانت قناتي لا تلين لغامز # فألانها الإصباح و الإمساء

فدعوت ربى بالسلامة جاهدا # ليصحنى فإذا السلامة داء

للبيد بن ربيعة العامري، و القناة: الرمح، استعارها لاقامته أو قوته على طريق التصريح، و الليونة و الغمز:

ترشيح. و الغمزى: الحبى باليد و يجوز أن الاستعارة تمثيلية في المركب، يصف قوته زمن الشباب، ثم ضعف حال المشيب بتتابع الأزمان عليه، و أنه تطلب فسحة الأجل، فكانت سبب اضمحلاله.

50

فَرََاغَ إِلى‏ََ آلِهَتِهِمْ فذهب إليها في خفية، من روغة الثعلب، إلى آلهتهم: إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله تعالى: أين شركائى؟ أَ لاََ تَأْكُلُونَ `مََا لَكُمْ لاََ تَنْطِقُونَ استهزاء بها و بانحطاطها عن حال عبدتها} فَرََاغَ عَلَيْهِمْ فأقبل عليهم مستخفيا، كأنه قال: فضربهم ضَرْباً لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم. أو فراغ عليهم يضربهم ضربا. أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا. و قرئ: صفقا و سفقا، و معناهما: الضرب. و معنى ضربا بِالْيَمِينِ ضربا شديدا قويا، لأن اليمين أقوى الجارحتين و أشدّهما. و قيل: بالقوّة و المتانة: و قيل: بسبب الحلف، و هو قوله‏ تَاللََّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنََامَكُمْ .

يَزِفُّونَ يسرعون، من زفيف النعام. و يزفون: من أزفّ، إذا دخل في الزفيف. أو من أزفه، إذا حمله على الزفيف، أى: يزفّ بعضهم بعضا. و يزفون، على البناء للمفعول، أى:

يحملون على الزفيف. و يزفون، من وزف يزف إذا أسرع. و يزفون: من زفاه إذا حداه‏ (1) ، كأن بعضهم يزفوا بعضا لتسارعهم إليه، فإن قلت: بين هذا و بين قوله تعالى‏ قََالُوا مَنْ فَعَلَ هََذََا بِآلِهَتِنََا إِنَّهُ لَمِنَ اَلظََّالِمِينَ، `قََالُوا سَمِعْنََا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقََالُ لَهُ إِبْرََاهِيمُ كالتناقض حيث ذكر هاهنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه و يوقعوا به، و ذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر، حتى قيل لهم: سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر، ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها، و في الآخر: أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر. قلت:

فيه وجهان، أحدهما: أن يكون الذين أبصروه و زفوا إليه نفرا منهم دون جمهورهم و كبرائهم، فلما رجع الجمهور و العلية (2) من عيدهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه و رأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك، و سألوا: من فعل هذا بها؟ثم لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، و لكن على سبيل التورية و التعريض بقولهم «سمعنا فتى يذكرهم» لبعض الصوارف. و الثاني: أن يكسرها و يذهب و لا يشعر بذلك أحد، و يكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم و سؤالهم عن الكاسر. و قولهم: قالوا فأتوا به على أعين الناس.

____________

(1) . قوله «إذا حداه» أى ساقه. أفاده الصحاح. (ع)

(2) . قوله «و العلية» أى العظماء. (ع)

51

وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ يعنى خلقكم و خلق ما تعملونه من الأصنام، كقوله بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلَّذِي فَطَرَهُنَّ أى فطر الأصنام. فإن قلت: كيف يكون الشي‏ء الواحد مخلوقا للّه معمولا لهم، حيث أوقع خلقه و عملهم عليها جميعا؟ قلت: هذا كما يقال: عمل النجار الباب‏ (1) و الكرسي، و عمل الصائغ السوار و الخلخال، و المراد عمل أشكال هذه الأشياء و صورها دون جواهرها، و الأصنام جواهر و أشكال، فخالق جواهرها اللّه، و عاملو أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم و حذفهم بعض أجزائها، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت: فما أنكرت‏ (2) أن تكون ما مصدرية لا موصولة، و يكون المعنى:

و اللّه خلقكم و عملكم، كما تقول المجبرة (3) ؟قلت: أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه

____________

(1) . قال محمود: «يعنى خلقكم و ما تعملون من الأصنام، كقوله‏ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلَّذِي فَطَرَهُنَّ فان قلت: كيف يكون الشي‏ء الواحد مخلوقا للّه تعالى معمولا لهم؟و أجاب بأن هذا كما يقال: عمل النجار الباب... إلى أن قال: ... و في ذلك فك للنظم و تبتير كما لو جعلتها مصدرية» اهـ كلامه. قال أحمد: إذا جاء سيل اللّه ذهب سيل معقل، فنقول: يتعين حملها على المصدرية، و ذلك أنهم لم يعبدوا هذه الأصنام من حيث كونها حجارة ليست مصورة، فلو كان كذلك لم يتعاونوا في تصويرها، و لا اختصوا بعبادتهم حجرا دون حجر، فدل أنهم إنما يعبدونها باعتبار أشكالها و صورها التي هي أثر عملهم، ففي الحقيقة أنهم عبدوا عملهم، و صلحت الحجة عليهم بأنهم مثله، مع أن المعبود كسب العابد و عمله، فقد ظهر أن الحجة قائمة عليهم على تقدير أن تكون ما مصدرية أوضح قيام و أبلغه، فإذا أثبت ذلك فليتتبع كلامه بالابطال. أما قوله أنها موصولة، و أن المراد بعملهم لها عمل أشكالها فمخالف للظاهر، فانه مفتقر إلى حذف مضاف في موضع اليأس يكون تقديره: و اللّه خلقكم و ما تعملون شكله و صورته، بخلاف توجيه أهل السنة فانه غير مفتقر إلى حذف البتة، ثم إذا جعل المعبود نفس الجوهر، فكيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من عمل العابد، مع موافقته على أن جواهر الأصنام ليست من عملهم؟فما هو من عملهم و هو الشكل ليس معبودا لهم على هذا التأويل، و ما هو معبودهم و هو جوهر الصنم ليس من عملهم، فلم يستقر له قرار في أن المعبود على تأويله من عمل العابد، و على ما قررناه يتضح. و أما قوله: إن المطابقة تنفك على تأويل أهل السنة بين ما ينحتون و ما يعملون فغير صحيح، فان لنا أن نحمل الأولى على أنها مصدرية و أنهم في الحقيقة إنما عبدوا نحتهم، لأن هذه الأصنام و هي حجارة قبل النحت لم يكونوا يعبدونها، فلما عملوا فيها النحت عبدوها، ففي الحقيقة ما عبدوا سوى تحتهم الذي هو عملهم، فالمطابقة إذا حاصلة، و الإلزام على هذا أبلغ و أمتن، و لو كان كما قال لقامت لهم الحجة، و لقالوا كما يقول الزمخشري مكافحين لقوله وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ بأن يقولوا: لا و لا كرامة، و لا يخلق اللّه ما نعمل نحن، لأنا إنما عملنا التشكيل و التصوير و هذا لم يخلقه اللّه، و كانوا يجدون الذريعة إلى اقتحام الحجة، و يأبى اللّه إلا أن تكون لنا الحجة البالغة و لهم الأكاذب الفارغة، فهذا إلزام بل إلجام لمن خالف السنة، و غل بعنقه، و عقر بكتفه، و ضرب على يده، حتى يرجع إلى الحق آئبا، و يعترف بخطئه تائبا.

(2) . قوله «فان قلت فما أنكرت» ؟لعله: لم أنكرت. (ع)

(3) . قوله «كما تقول المجبرة» يريد أهل السنة حيث ذهبوا إلى أنه لا خالق إلا اللّه، فهو الخالق لعمل العبد و المعتزلة يقولون: إن العبد هو الخالق لعمل نفسه، فجعلوا العبد شريكا للّه في الخالقية، مع أنهم سموا أنفسهم أهل العدل و التوحيد، قالوا: لو كان اللّه هو الخالق لفعل العبد لكان تعذيبه للعبد على المعاصي ظلما لا عدلا، قال أهل السنة:

يعذبه عليها كما يثيبه على الطاعة، لما له فيهما من الكسب و الاختيار، فلا ظلم، لكن المعتزلة لم ينظروا في التوحيد تمام النظر، و لم يتبصروا في أدلته تمام التبصر. (ع)

52

بحجج العقل و الكتاب: أن معنى الاية يأباه إباء جليا، و ينبو عنه نبوّا ظاهرا، و ذلك أن اللّه عز و جل قد احتج عليهم بأنّ العابد و المعبود جميعا خلق اللّه، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود و شكله، و لولاه لما قدر أن يصوّر نفسه و يشكلها، و لو قلت: و اللّه خلقكم و خلق عملكم، و لم يكن محتجا عليهم‏ (1) و لا كان لكلامك طباق. و شي‏ء آخر: و هو أن قوله مََا تَعْمَلُونَ ترجمة عن قوله‏} مََا تَنْحِتُونَ و مََا في مََا تَنْحِتُونَ موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، و لا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت: اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، و أريد: و ما تعملونه من أعمالكم. قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق، و ذلك أنك و إن جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك و قد جعلتها مصدرية، و أيضا فإنك قاطع بذلك الصلة بين ما تعملون و ما تنحتون، حيث تخالف بين المرادين بهما، فتريد بما تنحتون: الأعيان التي هي الأصنام، و بما تعملون: المعاني التي هي الأعمال، و في ذلك فك النظم و تبتيره، كما إذا جعلتها مصدرية.

اَلْجَحِيمِ النار الشديدة الوقود، و قيل: كل نار على نار و جمر فوق جمر، فهي جحيم.

و المعنى: أن اللّه تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعا، و أذلهم بين يديه: أرادوا أن يغلبوه بالحجة فلقنه اللّه و ألهمه ما ألقمهم به الحجر، و قهرهم فمالوا إلى المكر، فأبطل اللّه مكرهم و جعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه.

أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام، كما قال:

____________

(1) . قوله «لم يكن محتجا عليهم» يكفى في الاحتجاج أن اللّه هو الخالق لهم و لأعمالهم في الأصنام و غيرها، و الأصنام لا تخلق شيئا، بل الانفراد بالخالقية أدل على الانفراد بالالهية. (ع)