إعراب القرآن - ج1

- الزجاج المزيد...
397 /
3

الجزء الأول‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

تمهيد لا تقديم‏

هذا الكتاب يحمل اسم «إعراب القرآن» و يحمل إلى جانب هذا العنوان اسم مؤلف: هو «الزجّاج» .

و حول اسم الكتاب، و حول اسم المؤلف دراسة، سيكون مكانها في آخر الكتاب مع الفهارس.

من أجل هذا جعلت هذه الكلمة تمهيدا لا تقديما، أردت أن أشير إلى هذا الذي شككت فيه، و إلى هذا الذي أنتويه. كما أردت أن أشير إلى أن هذه التقسمة، التي ستخرج بالكتاب في أقسام ثلاثة-هذا أولها- ليست من صنع المؤلف، فلقد جعل المؤلف كتابه أبوابا تبلغ التسعين، لم يفعل غير هذا، و جعلته أنا أقساما يمليها الحجم و يمليها التيسير؛ يضم كل قسم أبوابا كاملة. و لسوف يضم هذا القسم الأول تسعة عشر بابا.

و لسوف تمضي صفحات الأقسام متصلة، لتكون مجموعها كتابا واحدا، تفصل بينه هذه التجزئة، و لتستوي فهارسه في يسر لا يضار بتلك التجزئة.

هذا ما أردت أن أمهد به، لأصل القارئ بالكتاب و بعملي، فلا يسبق بالاستدراك عليّ قبل أن يبلغ الكتاب أجله.

و إلى اللقاء مع هذه الدراسة التي أرجو أن ينفعني فيها المضي في الكتاب إلى آخره تحقيقا، و أن يعينني عليها الاستيعاب الكامل بما يكشف، و التنقيب المتصل بما ينفع، و اللّه المستعان.

إبراهيم الأبياري‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

مقدّمة المؤلف‏

1Lالباب الأول ما ورد في التنزيل من إضمار الجمل.

الباب الثاني ما جاء في التنزيل من حذف المضاف.

الباب الثالث ما جاء في التنزيل معطوفا بالواو و الفاء و ثم من غير ترتيب الثاني على الأول.

الباب الرابع ما جاء في التنزيل و قد حذف منه حرف الجر.

الباب الخامس ما جاء في التنزيل و قد زيدت فيه «لا» و «ما» ، و في بعض ذلك اختلاف و في بعض ذا اتفاق.

الباب السادس ما جاء في التنزيل من الأسماء التي سميت بها الأفعال.

الباب السابع ما جاء في التنزيل من أسماء الفاعلين مضافة إلى ما بعدها بمعنى الحال أو الاستقبال. 2Lالباب الثامن ما جاء في التنزيل من إجراء «غير» في الظاهر على المعرفة.

الباب التاسع ما جاء في التنزيل من كاف الخطاب المتصلة بالكلمة و لا موضع لها من الإعراب.

الباب العاشر ما جاء في التنزيل من المبتدأ و يكون الاسم على إضمار المبتدأ و قد أخبر عنه بخبرين.

الباب الحادي عشر ما جاء في التنزيل من الإشمام و الروم.

الباب الثاني عشر ما جاء في التنزيل و يكون الجار و المجرور في موضع الحال محتملا ضميرا من صاحب الحال.

الباب الثالث عشر ما جاء في التنزيل دالا على جواز تقديم خبر المبتدأ.

الباب الرابع عشر ما جاء في التنزيل و قد حذف الموصوف و أقيم صفته مقامه.

6

1Lالباب الخامس عشر ما جاء في التنزيل من حذف الجار و المجرور.

الباب السادس عشر ما جاء في التنزيل و قد حذف منه همزة الاستفهام.

الباب السابع عشر ما جاء في التنزيل من اجتماع الهمزتين.

الباب الثامن عشر ما جاء في التنزيل من لفظ «من» و «ما» و «الذي» و «كل» و «أحد» و غير ذلك.

الباب التاسع عشر ما جاء في التنزيل من ازدواج الكلام و المطابقة و المشاكلة و غير ذلك.

الباب العشرون ما جاء في التنزيل من حذف المفعول أو المفعولين.

الباب الحادي و العشرون ما جاء في التنزيل من الظروف التي يرتفع ما بعدهن بهن.

الباب الثاني و العشرون ما جاء في التنزيل من «هو» و «أنت» فصلا و يسميه الكوفيون «العماد» .

الباب الثالث و العشرون ما جاء في التنزيل من المضمرين إلى أي شي‏ء يعود مما قبلهم.

الباب الرابع و العشرون ما جاء في التنزيل و قد بدل الاسم من المضمر الذي قبله و المظهر. 2Lالباب الخامس و العشرون ما جاء في التنزيل من الكلمات التي فيها همزة ساكنة.

الباب السادس و العشرون ما جاء في التنزيل من العطف على الضمير المرفوع.

الباب السابع و العشرون ما جاء في التنزيل مما لحقت فيه إن التي للشرط و ما لحقت النون فعل الشرط.

الباب الثامن و العشرون ما جاء في التنزيل عقب اسمين كفيا عن أحدهما اكتفاء بذكره.

الباب التاسع و العشرون ما جاء في التنزيل مما صار الفعل فيه عوضا عن نقصان لحق الكلمة.

الباب الثلاثون ما جاء في التنزيل و قد حمل فيه اللفظ على المعنى، و حكم عليه بما يحكم على معناه لا على اللفظ.

الباب الحادي و الثلاثون ما جاء في التنزيل من حذف «إن» و حذف المصادر و الفصل بين الصلة و الموصول.

الباب الثاني و الثلاثون ما جاء في التنزيل من حذف حرف النداء و المنادى.

الباب الثالث و الثلاثون ما جاء في التنزيل و قد حذف منه المضاف إليه.

الباب الرابع و الثلاثون ما جاء في التنزيل من حروف الشرط

7

1Lو دخلت عليه اللام الموطئة للقسم.

الباب الخامس و الثلاثون ما جاء في التنزيل من التجريد.

الباب السادس و الثلاثون ما جاء في التنزيل من الحروف الزائدة في تقدير و هي غير زائدة في تقدير آخر.

الباب السابع و الثلاثون ما جاء في التنزيل من التقديم و التأخير و غير ذلك.

الباب الثامن و الثلاثون ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل الذي يتوهم فيه جريه على غير من هو له، و لم يبرز فيه الضمير.

الباب التاسع و الثلاثون ما جاء في التنزيل نصبا على المدح و رفعا عليه.

الباب الأربعون ما جاء في التنزيل من المبتدأ المحذوف خبره.

الباب الحادي و الأربعون ما جاء في التنزيل من «إن» المكسورة المخففة من «إنّ» .

الباب الثاني و الأربعون ما جاء في التنزيل من المفرد و يراد به الجمع.

الباب الثالث و الأربعون ما جاء في التنزيل من المصادر المنصوبة بفعل المضمر دل عليه ما قبله.

الباب الرابع و الأربعون ما جاء في التنزيل من دخول لام إن على اسمها و خبرها. 2Lالباب الخامس و الأربعون ما جاء في التنزيل و فيه اختلاف بين سيبويه و أبي العباس.

الباب السادس و الأربعون ما جاء في التنزيل من إدخال همزة الاستفهام على الشرط و الجزاء.

الباب السابع و الأربعون ما جاء في التنزيل من إضمار الحال و الصفة جميعا.

الباب الثامن و الأربعون ما جاء في التنزيل من الجمع يراد به التثنية.

الباب التاسع و الأربعون ما جاء في التنزيل منصوبا على المضاف إليه.

الباب الخمسون ما جاء في التنزيل و إن فيه بمعنى أي.

الباب الحادي و الخمسون ما جاء في التنزيل من المضاعف و قد أبدلت من لامه حرف لين.

الباب الثاني و الخمسون ما جاء في التنزيل من حذف واو العطف.

الباب الثالث و الخمسون ما جاء في التنزيل من الحروف التي أقيم بعضها مقام بعض.

الباب الرابع و الخمسون ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل المضاف إلى المكنى.

الباب الخامس و الخمسون ما جاء في التنزيل في جواب الأمر.

8

1Lالباب السادس و الخمسون ما جاء في التنزيل من المضاف الذي اكتسب من المضاف إليه بعض أحكامه.

الباب السابع و الخمسون ما جاء في التنزيل و صار المضاف إليه عوضا عن شي‏ء محذوف.

الباب الثامن و الخمسون ما جاء في التنزيل معطوفا و ليس المعطوف مغايرا للمعطوف عليه.

الباب التاسع و الخمسون ما جاء في التنزيل من التاء في المضارع.

الباب الستون ما جاء في التنزيل من واو الحال تدخل على الجملة من الفعل و الفاعل.

الباب الحادي و الستون ما جاء في التنزيل من حذف «هو» من الصلة.

الباب الثاني و الستون ما جاء في التنزيل من إجراء غير اللازم مجرى اللازم، و إجراء اللازم مجرى غير اللازم.

الباب الثالث و الستون ما جاء في التنزيل من الحروف المحذوفة لشبهها بالحركات.

الباب الرابع و الستون ما جاء في التنزيل أجرى فيه الوصل مجرى الوقف.

الباب الخامس و الستون ما جاء في التنزيل من باب النسب. 2Lالباب السادس و الستون ما جاء في التنزيل أضمر فيه المصدر لدلالة الفعل عليه.

الباب السابع و الستون ما جاء في التنزيل على وزن مفعل بفتح العين و يراد به المصدر و يوهمك أنه مكان.

الباب الثامن و الستون ما جاء من حذف إحدى التاءين في أول المضارع.

الباب التاسع و الستون ما جاء في التنزيل حمل فيه الاسم على الموضع دون اللفظ.

الباب السبعون ما جاء في التنزيل حمل فيه ما بعد إلا على ما قبله و قد تم الكلام.

الباب الحادي و السبعون ما جاء في التنزيل و قد حذف منه ياء النسب.

الباب الثاني و السبعون ما جاء في التنزيل و قد أبدل المستثنى من المستثنى منه.

الباب الثالث و السبعون ما جاء في التنزيل و أنت تظنه فعلت الضرب في معنى ضربته.

الباب الرابع و السبعون ما جاء في التنزيل مما تخرج على أبنية التصريف.

الباب الخامس و السبعون ما جاء في التنزيل من القلب و الإبدال.

الباب السادس و السبعون ما جاء في التنزيل من إذا الزمانية

9

1Lو إذا المكانية و غير ذلك.

الباب السابع و السبعون ما جاء في التنزيل من أحوال النون عند الحروف.

الباب الثامن و السبعون ما جاء في التنزيل و قد وصف المضاف بالمبهم.

الباب التاسع و السبعون ما جاء في التنزيل و ذكر الفعل و كنى عن مصدره.

الباب الثمانون ما جاء في التنزيل و عبر عن العقلاء بلفظ العقلاء.

الباب الحادي و الثمانون ما جاء في التنزيل و ظاهره يخالف ما في كتاب سيبويه، و ربما يشكل على البزّل الحذّاق فيغفلون عنه.

الباب الثاني و الثمانون ما جاء في التنزيل من اختلافهم في لفظة «ما» من أي قسمة هي؟ الباب الثالث و الثمانون ما جاء في التنزيل من تفنن الخطاب و الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، 2Lو من الخطاب إلى الغيبة و من الغيبة إلى المتكلم.

الباب الرابع و الثمانون نوع آخر من إضمار الذكر.

الباب الخامس و الثمانون ما جاء في التنزيل حمل فيه الفعل على موضع الفاء في جواب الشرط فجزمه.

الباب السادس و الثمانون ما جاء في التنزيل و قد رفض فيه الأصل و استعمل ما هو فرع.

الباب السابع و الثمانون ما جاء في التنزيل من القراءة التي رواها سيبويه في كتابه.

الباب الثامن و الثمانون و هذا نوع آخر من القراءات.

الباب التاسع و الثمانون ما جاء في التنزيل من ألفاظ استعملت استعمال القسم و أجيبت بجواب القسم.

الباب التسعون ما جاء في التنزيل من الأفعال المفرغة لما بعد إلا.

فهذه تسعون بابا أخرجتها من التنزيل بعد فكر و تأمّل؛ و طول الإقامة على درسه، ليتحقّق للناظر فيه قول القائل: (1)

أحبب النّحو من العلم فقد # يدرك المرء به أعلى الشّرف

____________

(1) نسبت هذه الأبيات لجامع العلوم علي بن الحسين (إثبات الرواة: 2: 249، بنية الوعاة: 2: 160 و معجم الأدباء: 13: 116) .

10

إنما النّحويّ في مجلسه # كشهاب ثاقب بين السّدف

يخرج القرآن من فيه كما # تخرج الدّرة من بين الصّدف‏

و أنشد أبو الحسن الكسائي: (1)

إنما النحو قياس يتّبع # و به في كل أمر ينتفع

فإذا ما أبصر النحو الفتى # مرّ في المنطق مرّا فاتسع

و اتّقاه كلّ من جالسه # من جليس ناطق أو مستمع

و إذا لم يبصر النحو الفتى # هاب أن ينطق جبنا (2) فانقمع

فتراه ينصب الجرّ و ما # كان من نصب و من جرّ (3) رفع

يقرأ القرآن لا يعرف ما # صرّف الإعراب فيه و صنع

و إذا يبصره‏ (4) يقرؤه # و إذا ما شكّ في حرف رجع

ناظرا فيه و في إعرابه # فإذا ما عرف الحقّ‏ (5) صدع‏

سبح اسم ربّك الأعلى

____________

(1) هو أبو الحسن علي بن الكسائي إمام في اللغة و النحو و القراءة، من أهل الكوفة و كانت وفاته سنة تسع و ثمانين و مائة (189 هـ) (إنباه الرواة: 2: 256) .

(2) في إنباه الرواة (2: 267) : «فانقطع» .

(3) رواية البيت في إنباه الرواة:

فتراه ينصب الرفع و ما # كان من نصب و من خفض رفع‏

(4) في إنباه الرواة: «يعرفه» .

(5) في إنباه الرواة: «اللحن» .

11

الباب الأول‏

هذا باب ما ورد في التنزيل من إضمار الجمل و لا شك أنك قد عرفت الجمل، ألا ترى أنهم زعموا أنّ الجمل اثنتان‏ (1) :

فعليّة و اسميّة، و قد ورد القبيلان فى التّنزيل.

و ذكر إضمار الجمل سيبويه فى مواضع: من ذلك قوله:

«العباد مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير، و إن شرّا فشر» (2) أي إن عملوا خيرا فالمجزىّ به خير.

و مثله:

«هذا و لا زعماتك» (3) ، أي: و لا أتوهّم. أو: «فرقا خير من حب» (4) ، أي: أفرق‏ (5) .

____________

(1) في الأصل: «اثنان» .

(2) هو من شواهد النحو، و يروى «الناس مجزيون بأعمالهم» إلخ.

(3) هذا مثل، يقال لمن يزعم زعمات و يصح غيرها. أي هذا هو الحق و لا أتوهم زعماتك و ما زعمت.

و منه قول ذي الرمة:

لقد خط رومى و لا زعماته # لعتبة خطا لم تطبق مفاصله‏

و انظر الكتاب لسيبويه (1: 141) و شرح المفصل لابن يعيش (1: 27) .

(4) قيل: أول من تكلم بذلك رجل عند الحجاج، و كان صنع عملا فاستجاده الحجاج، و قال: كل هذا حبا؟فقال الرجل مجيبا: «أو فرقا خيرا من حب!» أي فعلت هذا لأني أفرقك فرقا خيرا من حب.

(5) في الأصل: «الفرق» و هو تحريف. و التصويب من شرح المفصل لابن يعيش (1: 113) و الكتاب لسيبويه (1: 136) .

12

قال‏ (1) : و حدثنا أبو الخطّاب‏ (2) أنه سمع بعض العرب، و قيل له:

لم أفسدتم مكانكم هذا؟قال: الصبيان يا أبى. فنصب، كأنه حذر أن يلام فقال: لم الصّبيان‏ (3) .

و من ذلك قوله عزّ و جل: (بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ) (4) .

قال: التقدير: أبدأ باسم اللّه. أو: بدأت باسم اللّه، أو: ابدأ باسم اللّه.

و أضمر قوم فيها اسما مفردا على تقدير: ابتدائى باسم اللّه: فيكون الظرف خبرا للمبتدأ.

و فيه‏[.... ] (5) :

فإذا قدّرت «أبدأ» أو «ابدأ» (6) يكون «باسم اللّه» . فى موضع النصب مفعولا به‏ (7) .

و إذا قدرت: ابتدائى باسم اللّه، يكون التقدير: ابتدائى كائن باسم اللّه، و يكون فى «باسم اللّه» ضمير انتقل إليه من الفاعل‏ (8) المحذوف، الذي هو الخبر حقيقة.

و منه قوله‏[تعالى‏]: (وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ) * (9) أي: و اذكر إذ قال ربّك.

و إن شئت قدرت: و ابتداء خلقكم إذ قال ربك.

____________

(1) القائل: سيبويه.

(2) أبو الخطاب: هو الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد. كانت وفاته سنة 177 هـ-793 م.

بغية الوعاة (ص 296) .

(3) الكتاب لسيبويه (1: 128) و شرح المفصل لابن يعيش (1: 126) .

(4) فاتحة الكتاب: 1.

(5) ما بين المربعين بياض بالأصل.

(6، 7) فاتنة الصورة الثانية: «بدأت» .

(8) يريد ما كان على وزن «فاعل» .

(9) البقرة: 30.

13

و كذلك قوله تعالى: (وَ إِذْ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ) * (1) أي: و اذكر إذ قلنا للملائكة.

و جميع «إذ» فى التنزيل أكثره/على هذا.

و من حذف الجملة قوله تعالى: (فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ) (2) أي: فضرب فانفجرت.

نظيره فى «الأعراف» و «الشعراء» : فضرب‏ (فَانْبَجَسَتْ) (3) ؛ فضرب (فَانْفَلَقَ) (4) .

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ) * . (5) أي: فمن اضطر فأكل، و هو فى صلة «من» و «غير» حال من قوله‏ (اُضْطُرَّ) * ، أو من الضمير فى «أكل» . و فيه كلام يأتيك فى حذف المفعول.

و مثله: (فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ) . (6) أي:

فأفطر فعدة من أيام، موضعين جميعا (7) .

و مثله: (وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) . (8) أي: فيفطرون ففدية.

و مثله: (فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيََامٍ) (9)

أي: حلق ففدية.

فهذه أفعال حذفت من الصّلة.

____________

(1) البقرة: 34.

(2) البقرة: 60.

(3) الأعراف: 160.

(4) الشعراء: 63.

(5) الأنعام: 145.

(6) البقرة: 184.

(7) يريد هذه الآية الكريمة و التي بعدها: وَ مَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ .

(8) البقرة: 184.

(9) البقرة: 196.

14

و مثله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً) (1) أي: تتّبع ملة إبراهيم حنيفا.

و الكسائىّ يقول: نكون أهل ملة إبراهيم حنيفا.

و مثله: (صِبْغَةَ اَللََّهِ) (2) أي: الزموا صبغة اللّه.

فأما قوله‏[تعالى‏]: (ذََلِكَ كَفََّارَةُ أَيْمََانِكُمْ إِذََا حَلَفْتُمْ وَ اِحْفَظُوا) (3) .

فالتقدير: إذا حلفتم و حنثتم. فحذف «حنثتم» [و]لا بد من إضماره؛ لأن الكفّارة بالحنث تجب لا بذكر اسم اللّه.

و هذه من طرائف العربية؛ لأن «حنثتم» معطوف على «حلفتم» ؛ و «حلفتم» مجرور بالإضافة، فكأنه قال: وقت حلفكم و حنثكم، و المتعارف حذف المضاف دون المضاف إليه.

و قد جاء ذلك أيضا فى التنزيل، و له باب فى هذا الكتاب.

و من ذلك إضمار «القول» فى قوله‏[تعالى‏]: (وَ رَفَعْنََا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا) * (4) فى الموضعين فى سورة البقرة.

و فى قوله تعالى: (وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وََاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا) (5) . أي قلنا لهم:

خذوا.

و مثله: (وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا) (6) أي:

يقولان: ربنا.

____________

(1) البقرة: 135.

(2) البقرة: 138.

(3) المائدة: 89.

(4) البقرة: 63 و 93.

(5) الأعراف: 171.

(6) البقرة: 127.

15

و من ذلك قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ََ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنََا) (1) . أي: يقولون: ربنا. عن الأخفش؛ لأنه يبتدئ بقوله: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ قِيََاماً) (2) و يسند إليه «يقولون» المضمر.

مثله: (وَ كَتَبْنََا لَهُ فِي اَلْأَلْوََاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْهََا بِقُوَّةٍ) (3) أي فقلنا له: خذها بقوّة.

و منه قوله تعالى: (وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ (23) `سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ) (4) أي: يقولون: سلام عليكم.

/و منه قوله تعالى فى قول الخليل: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى اَلرَّحْمََنِ) (5) .

قال: التقدير: من يقال لهم: أيّهم؛ فحذف «القول» ، كقولهم:

و كانت عقيل خامرى أمّ عامر (6)

فيحمله على الحكاية دون «لننزعنّ» ، [على‏]تعليق العلم عند الكوفيين. [و]يجوز أن يكون تقديره: لننزعن كل شيعة.

____________

(1-2) آل عمران: 191.

(3) الأعراف: 145.

(4) الرعد: 23.

(5) مريم: 69.

(6) خامرى: استترى. و أم عامر: الضبع. و هذا القول استحماق لها، فهي-كما زعموا-من أحمق الدواب، و إذا أرادوا صيدها رموا في حجرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده فتخرج، فتصاد عند ذلك، و البيت للأخطل و الرواية فيه:

على حين أن كانت عقيل و شائظا # و كانت كلاب خامرى أم عامر

(الكتاب 1: 259) .

16

و كذلك يجوز عندهم: لننزعنّهم متشايعين ننظر أيّهم أشدّ (1) .

و سيبويه يجعله مبنيّا على الضم.

و من إضمار القول قوله تعالى: (وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوََاجٌ‏`هََذََا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ) . (2)

أي يقال لهم: هذا فوج مقتحم معكم.

و منه قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ مََا نَعْبُدُهُمْ) (3)

يقولون: ما نعبدهم «فيقولون» خبر المبتدأ.

و منهم من جعل «يقولون» فى موضع الحال، و جعل الخبر قوله:

(إِنَّ اَللََّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مََا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (4) .

و منه قوله تعالى: (إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ) (5) أي: «يقولون» :

(إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ) إذ الآيتان داخلتان فى «القول» فلا وقف على قوله:

(وَ لاََ شُكُوراً) (6) .

و منه قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ) (7) .

____________

(1) في الكلام اضطراب مرده إلى نقص. و مجمل ما في الآية من أقوال: رفع «أيهم» على الحكاية. و المعنى ثم لننزعن من كل شيعة الذين يقال لهم أشد.

قال ابن النحاس: و رأيت أبا إسحاق الزجاج يختار هذا القول و يستحسنه.

(2) ص: 58، 59.

(3-4) الزمر: 3.

(5) الإنسان: 9.

(6) في الأصل بعد قوله «و لا شكورا» جاءت العبارة: «يا رازي مالك و كتاب اللّه!» . و ظاهر أن هذه العبارة: من زيادات قارئ في الحاشية، فالتبست على الناسخ فزادها في المتن. فالرازي متأخر الوفاة عن الزجاج. هذا إلى أن الرازي عند تفسير هذه الآية-التفسير الكبير ج 8: ص 295-لم يعرض لشي‏ء من هذا.

(7) سبأ: 15.

17

و من إضمار «القول» قوله‏[تعالى‏]: (وَ اُسْجُدْ وَ اِقْتَرِبْ) (1) ، أي: قل للإنسان الطاغي: و اقترب تر العجب.

و مثله: (قَدْ جََاءَكُمْ بَصََائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) (2) ، تقديره: قل لهم: قد جاءكم، فأضمر «قل» . يدل عليه قوله‏[تعالى‏]: (وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (3) .

*** و من إضمار الجملة قوله تعالى: (فَأْتِيََا فِرْعَوْنَ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ، `أَنْ أَرْسِلْ مَعَنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ، `قََالَ: أَ لَمْ نُرَبِّكَ) (4) أي: فأتياه و قالا له:

أرسل معنا بنى إسرائيل. [فقال ألم نربّك‏] (5) .

و من ذلك قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ*`رِجََالٌ) (6)

فى قراءة ابن عامر (7) مرتّبا للمفعول‏ (8) ، كأنه قيل: من يسبّح؟فقال:

يسبّحه رجال.

____________

(1) العلق: 19.

(2) الأنعام: 104.

(3) هود: 86.

(4) الشعراء: 18.

(5) في الأصل: «فقال فمن ربكما» و ما بين القوسين المربعين زيادة يستقيم بها الكلام.

(6) النور: 36، 37.

(7) هو عبد اللّه بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي، أبو عمران المقرئ الدمشقي. كانت وفاته سنة 118 هـ (تهذيب التهذيب 5: 274) .

(8) «يسبح» بكسر الباء المشددة و الياء، قراءة الجمهور، و الفاعل «رجال» ، و بفتح الباء المشددة، قراءة ابن عامر و غيره؛ و «رجال» فاعل بفعل محذوف. و قرأ ابن وثاب و أبو حيوة «تسبح» بكسر الباء المشددة. و قرأ أبو جعفر «تسبح» بفتح الباء المشددة. و وجهها أن تسند إلى أوقات الغدو و الآصال، على زيادة الباء، و تجعل الأوقات مسبحة. (انظر الكشاف 3: 242-و البحر المحيط لأبي حيان-6:

454 و 458) .

18

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ) (1) إلى قوله: (وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ) (2) أي و اللائي لم يحضن فعدّتهن ثلاثة أشهر، فحذف المبتدأ و الخبر.

و من ذلك قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوََاءً مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ) (3)

و التقدير: و أمة غير قائمة (4) .

و منه قوله تعالى: (وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتََابِ كُلِّهِ) (5) أي: و هم لا يؤمنون به [كله‏]، فحذف «و هم لا يؤمنون‏[به كله‏]» (6) .

و منه قوله تعالى: (وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ اَلْمُجْرِمِينَ) (7) /أي: و سبيل المؤمنين، فحذف.

و قيل فى قوله تعالى: (وَ مََا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهََا إِذََا جََاءَتْ لاََ يُؤْمِنُونَ) (8)

إن التقدير: و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فحذف؛

____________

(1-2) الطلاق: 4. و هي متصلة: (وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ) .

(3) آل عمران: 113.

(4) في الأصل: «و التقدير: و منهم أمة غير قائمة» . و التصويب من البحر المحيط (3: 33) و فيه:

«قال الفراء: أمة، مرتفعة بسواء، أي ليس مستويا من أهل الكتاب أمة قائمة، موصوفة بما ذكر، و أمة كافرة، فحذفت هذه الجملة المعادلة، و دل عليها القسم الأول: كقوله:

عصيت إليها القلب إني لأمره # سميع فما أدرى أرشد طلابها

التقدير: «أم غى» .

(5) آل عمران: 119 و أولها: (هََا أَنْتُمْ أُولاََءِ تُحِبُّونَهُمْ وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ) .

(6) التكملة من البحر. و فيه: «يدل عليها-أي على الحذف-إثبات المقابل في: تحبونهم و لا يحبونكم» .

(7) و قيل: خص سبيل المجرمين، لأنه يلزم من استبانتها استبانة سبيل المؤمنين، و عليه فلا حذف (البحر 4: 141) . و على الحذف، فليس المحذوف هنا جملة، كما يشعر به سياق المؤلف.

(8) الأنعام: 109.

19

كقوله تعالى: (وَ لاََ تُكْرِهُوا فَتَيََاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغََاءِ إِنْ أَرَدْنَ) (1) . و التقدير:

إن أردن أو لم يردن.

و منه قوله تعالى: (يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهََارَ) * (2) أي: و يغشى النهار الليل، فحذف.

و منه قوله تعالى: (سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ) (3) أي: و سرابيل تقيكم البرد، فحذف.

و قال تعالى: (وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنََا) (4) أي: يقولون: ربنا.

و قال‏[تعالى‏]: (فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) (5) أي:

بعثناهم‏ (6) ليسوءوا.

و قال‏[تعالى‏]: (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) (7) أي: فآمنوا و أتوا خيرا لكم‏ (8) .

و قال الكسائي‏ (9) : يكن الإيمان خيرا لكم‏ (10) .

____________

(1) النور: 33.

(2) الأعراف: 53-الرعد: 3.

(3) النحل: 81.

(4) السجدة: 12.

(5) الإسراء: 7.

(6) و هو جواب «إذا» يدل عليه جواب «إذا» الأولى في قوله تعالى قبل: (فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ أُولاََهُمََا بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ) . (البحر 6: 10) .

(7) النساء: 170.

(8) هذا مذهب الخليل و سيبويه. (البحر 3: 400) .

(9) و هو قول أبي عبيدة أيضا. (البحر 3: 400) .

(10) و ثم مذهب ثالث للفراء، و التقدير: إيمانا خيرا لكم. يجعل «خيرا» نعتا لمصدر محذوف يدل عليه الفعل الذي قبله. (البحر 3: 400) .

20

و قال تعالى: (وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ) (1) أي: و أتوا خيرا لأنفسكم‏ (2) . و أنشدوا:

فواعديه سرحتى مالك # أو الرّبا بينهما أسهلا (3)

أي: ائتى مكانا أسهل.

و من إضمار الجملة قوله تعالى: (فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ) (4) أي: فضربوه ببعضها فحيى، و أخبر بقاتليه‏ (5) ثمّ خرّ ميتا.

يدل على صحة الإضمار قوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) (6) ، فـ «قست» : معطوف على «خرّ» (7) .

و من إضمار الجملة قوله تعالى: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ) (8) .

أي: فأكل غير باغ فلا إثم عليه.

و نظيره فى المائدة: (فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجََانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (9) . أي: فأكل غير متجانف.

____________

(1) التغابن: 16.

(2) و زادوا مذهبين، الرابع: إن «خيرا» حال. و الخامس: على أنها مفعول «و أنفقوا» . (البحر 8:

280) .

(3) البيت لعمر بن أبي ربيعة. و سرحتا مالك: موضع بعينه. و يروى: «ذو النقا» مكان «أو الربا» (الكتاب لسيبويه 1: 143-و البحر 1: 199) .

(4) البقرة: 73.

(5) الأصل: «بقاتله» ، و انظر «مفاتيح الغيب للرازي» (1: 395) .

(6) البقرة: 74.

(7) جمهور المفسرين على أن في الكلام حذفا، يدل عليه ما بعده و ما قبله، و التقدير: فضربوه فحيى. دل على «ضربوه» قوله تعالى: اضربوه ببعضها. و دل على «فحيى» قوله تعالى: (كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ) و لم يقولوا إن فعل القسوة معطوف على هذا الفعل المضمر.

(8) البقرة: 173.

(9) المائدة: 3.

21

نظيره فى سورة النحل: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (1) . أي: فأكل.

و كذا فى الأنعام: (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2)

أي: فأكل.

و فى الآي كلام تراه فى حذف المفعول.

و من إضمار الجملة قوله تعالى: (قُلْ مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) (3)

و التقدير: فليمت غيظا (4) .

نظيره: (فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي اَلسَّمََاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) (5) . و لم يقل: فافعل.

و على هذا إضمار جواب «لو» فى التنزيل، كلها جمل حذفت.

/قال اللّه تعالى: (وَ لَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذََابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً) (6) . أي: لعلموا أن القوة.

و منه قوله تعالى: (وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ) (7) و لم يقل: لكان هذا القرآن.

____________

(1) النحل: 115.

(2) الأنعام: 145.

(3) البقرة: 97.

(4) و قال التوحيدي: «التقدير فعداوته لا وجه لها، أو ما أشبه هذا التقدير» . (البحر 1: 320) .

(5) الأنعام: 35.

(6) البقرة: 165.

(7) الرعد: 31.

22

فأما قوله تعالى: (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ) (1) فالتقدير عند الأخفش:

ما ألهاكم التكاثر، فأضمر لجرى ذكره فى أول السورة.

و عند غيره: لو تعلمون علم اليقين لعلمتم أنكم ستردون الجحيم فى الآخرة.

دلّ على هذا الخلاف‏ (لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ) (2) .

فأما قوله تعالى: (كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ) * (3) فالمعنى: كلا لا ينفعكم التكاثر، فحذف.

و قوله: (كَلاََّ لَوْ تَعْلَمُونَ) (4) . أي: كلا لا تؤمنون.

و من ذلك قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ) (5) . ثم قال: [تعالى‏]:

(فَتََابَ عَلَيْكُمْ) (6) و أضمر «فتبتم» . أي: تبتم فتاب عليكم.

و منه قوله تعالى، فى حذف الجملة: (وَ يَعْقُوبُ يََا بَنِيَّ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ لَكُمُ اَلدِّينَ) (7) . أي: و يعقوب قال.

و قال عثمان‏ (8) : فى قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) (9) يجوز أن يرتفع «شى‏ء» [بـ «عفى» ، أو] (10) بفعل محذوف يدل عليه قوله

____________

(1) التكاثر: 5.

(2) التكاثر: 6.

(3) التكاثر: 3.

(4) التكاثر: 5.

(5-6) البقرة: 54.

(7) البقرة: 132.

(8) عثمان: هو أبو الفتح عثمان بن جني المتوفي سنة 392 هـ-1002 م-و من كتبه: المحتسب في إعراب شواذ القراءات، و المنصف و التصريف الملوكي.

(9) البقرة: 178.

(10) بمثل هذه الزيادة يستقيم الكلام. فقد ساق المؤلف رأيين و لم يذكر إلا واحدا. و هذا المذهب الذي فإنه ذكره، هو جواز إسناد «عفى» لمرفوعه «شي‏ء» إسنادا حقيقيا، لأنه إذ ذاك مفعول به صريح، أو إسنادا مجازيا إذا كان لا يتعدى. (البحر 2: 12-13) .

23

«عفى» ؛ لأن معناه: ترك له شى‏ء من أخيه، أي من حق أخيه، ثم حذف المضاف و قدّم الظّرف الذي هو صفة للنكرة عليها، فانتصب على الحال فى الموضعين منها.

و هذه الآية تجاذبها باب الجملة، و باب الإضافة، و باب حذف حرف الجر (1) ، و باب الحال، و ستراها هناك إن شاء اللّه وحده.

و من ذلك قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ ... أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ) (2)

تقديره: صوموا أياما معدودات، فحذف «صوموا» لأن قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ) يدل عليه. و لا ينتصب بـ «الصيام» ؛ لأن «الصيام» مصدر فلا يفصل بينه و بين أيام بالكاف المنصوبة بـ «كتب» (3) ؛ لأن التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم.

و مثل هذه الآية قوله تعالى: (لاََ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللََّهَ وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً) (4) .

و التقدير: و أحسنوا بالوالدين إحسانا؛ فأضمر «و أحسنوا» (5) ؛ لأن المصدر يدل عليه. و الدليل عليه/قوله تعالى: (وَ قُولُوا لِلنََّاسِ حُسْناً) (6) .

و منه قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجََالاً) (7) . أي: فصلّوا رجالا.

و من إضمار الجملة قوله تعالى: (وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ) (8) . و التقدير: لتستيقن و لنجعلك آية للناس.

نظيره قبله: (وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (9) . تقديره: و اشكروا و لأتم.

____________

(1) يريد: باب إضمار الجمل، و باب حذف المضاف.

(2) البقرة: 183 و 184. و النقط إشارة إلى موضع حذف في الآيتين.

(3) يريد قوله تعالى: (كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .

(4) البقرة: 83.

(5) في الأصل: «فأحسنوا» .

(6) البقرة: 83.

(7) البقرة: 239.

(8) البقرة: 259.

(9) البقرة: 150.

24

و قيل: هو معطوف على قوله: (لِئَلاََّ يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) (1) ، (وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (2) .

و أما قوله تعالى: (وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) (3) فهو معطوف على المعنى؛ لأن قبله‏ (قَدْ جِئْتُكُمْ ... * وَ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيَّ) (4) أي جئتكم لأصدّق التوراة و الإنجيل، و لأحل لكم، و لتكملوا العدة (5) .

نظيره فى أحد القولين فى سورة مريم عليها السلام: (وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنََّاسِ) (6) .

و التقدير: قال: كذلك قال ربك، و يكون «علىّ هيّن» لأخلقه من غير أب، و لنجعله آية للناس.

و قيل: هو معطوف على قوله تعالى: (لِأَهَبَ لَكِ) (7) .

و قيل: الواو فى الآي كلها مقحمة.

و مثله: (وَ كَذََلِكَ مَكَّنََّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحََادِيثِ) (8) . و التقدير: ليستقيم أمره و لنعلّمه.

مثله: (وَ كَفَّ أَيْدِيَ اَلنََّاسِ عَنْكُمْ) (9) . أي: لتسلموا من‏ (10) أذاهم، و شذاهم‏ (11) (وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (12) .

و مثله: (فَبِإِذْنِ اَللََّهِ وَ لِيُخْزِيَ اَلْفََاسِقِينَ) (13) أي: فبإذن اللّه ليظهر الحق.

____________

(1-2) البقرة: 150.

(3) آل عمران: 50.

(4) آل عمران: 49، 50 و النقط إشارة إلى محذوف من الآيتين.

(5) كذا جاءت هذه العبارة «و لتكملوا العدة» في الأصل، و هي ليست من سرد الآية الكريمة.

(6) مريم: 20.

(7) مريم: 19.

(8) يوسف: 21.

(9) الفتح: 20.

(10) في الأصل «عن» .

(11) الشذا: الشر.

(12) الفتح: 20.

(13) الحشر: 5.

25

قال أبو على‏ (1) فى قوله تعالى: (بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً) (2) فى سورة الأحقاف فى قراءة الكوفيين «إحسانا» منصوب بمضمر يدل عليه ما قبله، و هو قوله‏ (وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً) (3) كأنه لما قال: (أَخَذْنََا مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ) * (4) قال: و قلنا لهم أحسنوا بالوالدين إحسانا.

كما قال: (وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ وَ رَفَعْنََا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ) * (5) ، فالجار يتعلق بالفعل المضمر، و لا يجوز أن يتعلق بالمصدر، لأن ما يتعلّق بالمصدر لا يتقدّم عليه.

و «أحسن» (6) يوصل بالباء كما يوصل بإلى، يدلّك على ذلك قوله تعالى:

(وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ اَلسِّجْنِ) (7) فعدّاه بالباء كما تعدّى بإلى فى قوله تعالى: (وَ أَحْسِنْ كَمََا أَحْسَنَ اَللََّهُ إِلَيْكَ) (8) . و التقدير أنه لما قال: (وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ) و كان هذا الكلام قولا، صار كأنه: و قلنا: أحسن أيها/الإنسان بالوالدين إحسانا.

و وجه من قرأ فى الأحقاف: (بوالديه حسنا) أن يكون أراد بالحسن الإحسان، فحذف المصدر ورده إلى الأصل، كما قال الشاعر:

فإن يبرأ فلم أنفث عليه # و إن يهلك فذلك كان قدرى‏

أي: تقديرى.

____________

(1) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي إمام العربية، و كانت وفاته سنة 5377-987 م.

(2-3) الأحقاف: 15. و قد جاءت في الأصل (و بالوالدين إحسانا) و هو تبديل اضطرب فيه الناسخ فبدل و أسقط.

(4) كذا في الأصل، و في الكلام حذف، فالإشارة هنا إلى آية أخرى من سورة البقرة هي قوله تعالى: (وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ لاََ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللََّهَ وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً) .

(5-6) البقرة: 63. و هي على إضمار القول، أي: و قلنا لكم خذوا ما آتيناكم. (البحر 1: 243) .

(7) يوسف: 100.

(8) القصص: 77.

26

و يجوز أن يكون وضع الاسم موضع المصدر كما قال:

و بعد عطائك المائة الرّتاعا (1)

و الباء فى هذين الوجهين متعلقة بالفعل المضمر، كما تعلّقت به فى قول الكوفيين فى قراءتهم (إحسانا) .

و من إضمار الجملة قراءة ابن كثير فى قوله تعالى: (أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ مِثْلَ مََا أُوتِيتُمْ) (2) بالاستفهام‏ (3) ، على تقدير: بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، تعترفون أو تقرون؟فأضمر، لأن قوله: (وَ لاََ تُؤْمِنُوا) (4) يدل عليه.

كما قال: (آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) (5) و التقدير: الآن آمنت، فأضمر «آمنت» لجرى ذكره فى قوله‏ (آمَنْتُ) (6) .

و من ذلك قوله تعالى: (كُونُوا قَوََّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدََاءَ لِلََّهِ وَ لَوْ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ) (7) . و التقدير: و لو شهدتم على أنفسكم، فحذف الفعل.

____________

(1) عجز بيت للقطامي، صدره:

أ كفرا بعد رد الموت عني‏

و الرقاع: الماشية ترقع في المرعى.

(2) آل عمران: 73.

(3) قال أبو حيان: «على الاستفهام الذي معناه الإنكار عليهم و التقرير و التوبيخ. و الاستفهام الذي معناه الإنكار هو مثبت من حيث المعنى، أي: المخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قلتم ذلك و فعلتموه؟» (البحر 2: 494-496) .

(4) بدء الآية 73 من سورة آل عمران. قال تعالى: (وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ أَنْ يُؤْتى‏ََ... ) .

(5) يونس: 91.

(6) يونس: 90.

(7) النساء: 135.

27

فأما قوله تعالى: (وَ إِذََا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ) (1) . أي: و لو كان المشهود عليه ذا قربى.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ) -إلى قوله- (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (2) فحذف جواب «لمّا» . أي كفروا.

و دل عليه قوله تعالى: (فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) (3) و لا يكون «لمّا» الثانية بجوابها جواب «لمّا» الأولى؛ لأنا لا نعلم «لمّا» فى موضع، لما أجيب بالفاء، كذا ذكره الفارسي‏ (4) . فإذن نجى‏ء بقول عمرو بن معد يكرب:

فلمّا رأيت الخيل زورا (5) كأنّها # جداول زرع خلّيت فاسبطرّت

فجاشت إلىّ النّفس‏[أوّل مرّة # فردّت على مكروهها فاستقرّت‏] (6)

فأجاب «لمّا» بقوله «فجاشت» .

فأما قوله تعالى: (فَلَمََّا أَسْلَمََا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (7) فإن الجواب محذوف أيضا.

و قيل: بل الواو مقحمة.

و على هذا الخلاف قوله تعالى: (إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ) (8) .

____________

(1) الأنعام: 152.

(2-3) البقرة: 89.

(4) هو أبو علي الفارسي، و قد تقدم التعريف به (ص 22) .

(5) زورا: أي مائلة من وقع الطعن فيها جمع أزور.

(6) ما بين القوسين المربعين زيادة عن شرح ديوان الحماسة (1: 157) .

(7) الصافات: 103.

(8) الانشقاق: 1.

28

قيل: جوابه محذوف، أي: قامت القيامة.

و قيل: بل الواو فى‏ (وَ أَذِنَتْ) * (1) مقحمة، و الجواب «أذنت» .

و قيل: بل الجواب قوله: (فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ) (2) .

و قيل: بل الفاء مضمرة، أي: ف (يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ) (3) .

و نظير هذا قوله تعالى: (حَتََّى إِذََا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ) (4)

إلى قوله: (وَ اِقْتَرَبَ اَلْوَعْدُ اَلْحَقُّ) (5) .

و مثله: (وَ لْنَحْمِلْ) (6) . أي: اتبعوا سبيلنا[و لنحمل‏].

و مثله: (فَلَمََّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا) (7) إلى قوله‏ (وَ أَوْحَيْنََا) (8) الواو مقحمة.

و قيل: بل الجواب مضمر.

فأما قوله تعالى: (إِذََا وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ) (9) ، فقيل: الجواب: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا كََاذِبَةٌ) (10) . أي: إذا وقعت الواقعة لم يكن التكذيب بها.

و قيل: بل الجواب قوله: (خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ) (11) . أي: فهى خافضة رافعة.

قال أبو علىّ: و إذا جاز (فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ) (12) على تقدير: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟فحذف الفاء مع القول، و حذف الفاء وحده أجوز.

____________

(1-2) الانشقاق: 7. و في الأصل: «فى و أقتت» يريد قوله تعالى‏ (وَ إِذَا اَلرُّسُلُ أُقِّتَتْ) سورة المرسلات:

11.

(3) الانشقاق: 6.

(4) الأنبياء: 96.

(5) الأنبياء: 97.

(6-7) العنكبوت: 12.

(8) يوسف: 15.

(9) الواقعة: 1.

(10) الواقعة: 2.

(11) الواقعة: 3.

(12) آل عمران: 106.

29

و قيل: جوابه‏ (إِذََا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا) (1) . أي وقت وقوع القيامة وقت رجّ الأرض.

و قيل: بل العامل فيه: اذكر.

و من حذف الجملة قوله تعالى: (إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا) (2) .

و تقديره: و أنتم محدثون فاغسلوا.

و قدّره قوم: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا من أجلها.

و كلاهما تحتمله العربية.

و من حذف الجملة ما وقع فى سورة «الأعراف» و فى سورة «هود» من قوله: (وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً) * (3) . [و إلى ثمود أخاهم صلحا] (4)

(وَ إِلى‏ََ مَدْيَنَ أَخََاهُمْ شُعَيْباً) * (5) . و التقدير فى ذا كله: و أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا؛ و أرسلنا إلى ثمود أخاهم‏[صالحا] (6) ، و أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا.

هذا على قول من قال: إن العامل مع الواو فى تقدير الثبات، و له العمل دون الواو.

و من قال: بل العامل هو الواو نفسه، لم يكن معطوفا على ما تقدم من قوله‏ (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً) * (7) ... (8) و ذلك كقوله تعالى:

____________

(1) الواقعة: 4.

(2) المائدة: 6.

(3) الأعراف: 65، هود: 50.

(4) الأعراف: 73، هود: 61.

(5) الأعراف: 85، هود: 84.

(6) تكملة يقتضيها السياق و يظهر أنها سقطت من الناسخ.

(7) هود: 25.

(8) موضع النقط من الأصل هذه العبارة: «يا قارى كتاب عثمان و لا تفهمه أبدا» و هي كسابقتها زيادة قارى أقحمها الناسخ. و سنشير إلى هذا كله في التقديم لهذا الكتاب.

30

(فَكَيْفَ إِذََا جَمَعْنََاهُمْ) (1) . (فَكَيْفَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) (2) . (كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) (3) . و التقدير: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم‏ (4) . يدل على صحته قوله تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اَللََّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ) . (5) فـ «عهد» اسم «يكون» و «عند اللّه» صفة له. و «كيف» خبر عنه، أعنى: يكون.

«و للمشركين» : ظرف «يكون» .

و من حذف الجملة، قوله تعالى: (أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ) (6) . و التقدير: من يحادد اللّه و رسوله يعذّب، فحذف الجواب كحذفه فيما قدّمناه. و قوله تعالى: (فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ) بدل من‏ (أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ) و الفاء زيادة على قول سيبويه.

و قال غيره: إن «أنّ» ، مرتفع بالظرف، أي: فله أن له‏ (7) ، و ستراه فى بابه.

و من حذف الجملة[قوله تعالى‏] (8) : (قََالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ) (9) و التقدير: لالتجأت إليه. فحذف الجواب.

و قال النّبى صلى اللّه عليه و آله: رحم اللّه أخى لوطا قد وجد ركنا شديدا.

____________

(1) آل عمران: 25.

(2) النساء: 62.

(3) التوبة: 8.

(4) كأن في الكلام نقصا لسكوته عن الآيتين الأخريين، أو لعله اكتفى بالأولى ليدل بها عليها.

(5) التوبة: 7.

(6) التوبة: 63.

(7) كذا في الأصل. و في الكلام نقص و اضطراب. و العبارة تنطوي على مذهبين: أحدهما أن «أن له» مفرد في موضع رفع على الابتداء و خبره محذوف، قدر مقدما، أي فحق أن يكون، و قدر متأخرا، أي فأن له نار جهنم واجب.

و ثاني المذهبين: أن «أن له» الثانية مكررة للتوكيد، و التقدير فله نار جهنم. (البحر 5: 65- الكشاف 2: 285) .

(8) تكملة يفقدها الأصل.

(9) هود: 80.

31

و من ذلك الآية الواردة فى صلاة الخوف، و هو قوله عزّ من قائل:

(وَ إِذََا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاََةَ فَلْتَقُمْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذََا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرََائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طََائِفَةٌ أُخْرى‏ََ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ) (1) . اختصر و أوجز و أطنب و أسهب، و أتى بالبلاغة و الفصاحة بحيث لا يفوتها كلام، و لا يبلغ كنهها بشر، فتحقق قوله‏ (قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‏ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ لاََ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (2) .

فاعرف أيها الناظر كيفية صلاة الخوف، ثم انظر فى الآية يلح لك إيماؤنا إلى ما أومأنا إليه.

قال أبو حنيفة: إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين؛ طائفة فى وجه العدو، و طائفة خلفه؛ فصلى بهذه الطائفة ركعة و سجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، و جاءت تلك الطائفة. فصلّى بهم ركعة و سجدتين و تشهّد و سلّم، و لم يسلّم القوم و ذهبوا إلى وجه العدو، و جاءت طائفة أخرى فصلّوا و حدانا ركعة و سجدتين بغير قراءة و تشهّد، و مضوا إلى وجه العدو، و جاءت طائفة أخرى فصلوا ركعة و سجدتين بقراءة و تشهد و سلّموا.

فإذا عرفت هذا فقوله تعالى: (فَلْتَقُمْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) (3) فمعناه:

فلتصل طائفة منهم لم يصلّوا معك، أي: فلتقم طائفة بركعة، فحذف.

____________

(1) النساء: 102.

(2) الإسراء: 88.

(3) النساء: 102.

32

ثم قال: (وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الذين انصرفوا إلى تجاه العدو و لم يصلّوا معك، و ليأخذوا أسلحتهم. ثم قال: (فَإِذََا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرََائِكُمْ) (1)

يعنى الطائفة التي صلّت تقوم بإزاء العدو حين فرغت من ركعة عقيب السجدة، لأن الفاء للتعقيب. فلا يجوز: إذا سجدت الثانية أن تقف لتتم الركعة الأولى، فتضم إليها الركعة الثانية، لأن الفاء يبطل معناها إذ ذاك، فوجب أن يكونوا من وراء عقيب السجدة بإزاء العدو، و لا تقف للركعة الباقية، و لتأت طائفة أخرى لم يصلّوا فليصلّوا معك ركعة، فحذف المفعول.

و لم يقل: فلتنصرف الأولى و تؤدّى الركعة بغير قراءة و تسلم. فحذف هذه الجملة، و حذف المفعول من قوله‏ (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (2) ، و حذف الجار و المجرور من قوله‏ (فَلْتَقُمْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) (3) و أضمر فى قوله‏ (وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) (4)

غير الطائفة المأمورين بالقيام معه. فلا ينصرف الضمير من قوله‏ (وَ لْيَأْخُذُوا) (5)

إلى الظاهر قبله؛ و إنما التقدير: و ليأخذ باقيهم أسلحتهم؛ فحذف المضاف فاتصل المنفصل.

و نظير حذف الباقي قوله تعالى: (فَلَوْ لاََ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ) (6) ، أي: ليتفقّه باقيهم.

و لما أضمر غير المقدّم ذكرهم رجع إلى ذكرهم فى قوله‏ (فَإِذََا سَجَدُوا) (7)

فخالف بين الضميرين اللذين أحدهما بعد صاحبه. فلا يمكنك إنكاره بقولك:

لم خالفت بينهما؟و لم تجعل قوله‏ (وَ لْيَأْخُذُوا) راجعا إلى الطائفة التي أمرت

____________

(1، 2، 3، 4، 5) النساء: 102.

(6) التوبة: 122.

(7) النساء: 102.

33

بالقيام معه حتى تأخذ السلاح معه فى الصلاة؛ لأن اختلاف الضميرين قد جاء فى التنزيل.

قال عز من قائل: (فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا) (1)

فالهاء الأولى لصاحبه، و الثانية له صلى اللّه عليه و آله.

و قال: (إِنَّمََا سُلْطََانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (2) فالهاء فى «به» للّه؛ و المتقدمان للشيطان. و قال: (وَ مََا بَلَغُوا مِعْشََارَ مََا آتَيْنََاهُمْ) (3)

فالضمير فى «بلغوا» لمشركى مكة؛ و الذي فى «آتيناهم» للمتقدمين من المشركين.

و قال: (اَلشَّيْطََانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ََ لَهُمْ) (4) ، أي: أملى لهم اللّه، فالذكر فى «أملى» . غير الذكر فى «سوّل» .

و قال تعالى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ) (5)

فالهاء الأخيرة للّه، و المتقدمان للنبى صلى اللّه عليه و على آله.

فكذا هاهنا (وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) (6) لمن لم يقم معه، و يكون الضمير فى‏ (فَإِذََا سَجَدُوا) (7) لمن معه.

فتحقق قولنا إنه اختصر و أوجز.

____________

(1) التوبة: 40.

(2) النحل: 100.

(3) سبأ: 45.

(4) محمد: 25.

(5) الفتح: 9.

(6) النساء: 102.

(7) النساء: 102.

34

فأما قولنا أطنب و أسهب، فقوله عزّ من قائل: (وَ لْتَأْتِ طََائِفَةٌ أُخْرى‏ََ لَمْ يُصَلُّوا) (1) و لو قال: و لتأت طائفة أخرى‏ (2) لم يصلوا فليصلوا معك، كان حسنا أيضا، لكنها و صفت بقوله‏ (أُخْرى‏ََ) (3) إطنابا فى الكلام، كما قال: (لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ) (4) و قال: (وَ مَنََاةَ اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرى‏ََ) (5) و قال:

(فَإِذََا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ نَفْخَةٌ وََاحِدَةٌ) (6) .

و قال: (أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) (7) فيمن رفع، لأن المعنى:

لهم عذاب أليم من عذاب؛ لأن الرّجز: العذاب، بدلالة قوله: (فَأَنْزَلْنََا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّمََاءِ) (8) و قوله تعالى: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا اَلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) (9) و قال: (فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ إِلى‏ََ أَجَلٍ هُمْ بََالِغُوهُ) (10)

و فى موضوع آخر: (فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلْعَذََابَ إِذََا هُمْ) (11) .

قال أبو على: و من قال: لهم عذاب من رجز أليم، فرفع «أليما» كان المعنى: لهم عذاب أليم من عذاب. و ليست فائدته كذلك.

فالقول فى ذلك أمران:

أحدهما أن الصفة قد تجى‏ء على وجه التأكيد، كما أن الحال قد تجى‏ء كذلك فى قوله تعالى: (وَ هُوَ اَلْحَقُّ مُصَدِّقاً) (12) .

____________

(1) النساء: 102.

(2) كذا في الأصل، و الأولى حذف كلمة «الأخرى» ليصح الاستشهاد.

(3) النساء: 102.

(4) النحل: 51.

(5) النجم: 20.

(6) الحاقة: 13.

(7) سبأ: 5.

(8) البقرة: 59.

(9) الأعراف: 134.

(10) الأعراف: 135.

(11) الزخرف: 50.

(12) البقرة: 91.

35

و فى قوله: (نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ) (1) و كذا الصفة فيما تلونا، و فى بعض المصاحف:

(وَ لِيَ نَعْجَةٌ وََاحِدَةٌ) (2) .

و الآخر أن الرّجز: النّجاسة، فيحمل على البدل للمقاربة. و معنى النجاسة فيه قوله: (وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ`يَتَجَرَّعُهُ وَ لاََ يَكََادُ يُسِيغُهُ) (3) فكأن المعنى: عذاب من تجرّع رجزا و من شربه، فتكون «من» تبييتا للعذاب:

ممّا هو؟و من أي شى‏ء؟ و قال الشافعي فى صلاة الخوف: يفتتح الإمام الصلاة بالجميع، ثم تذهب طائفة إلى وجه العدو، و يصلّى بطائفة ركعة و سجدتين بمقام و يقف حتى تصلى هذه الطائفة ركعة أخرى و يسلّموا.

ثم تذهب هذه الطائفة و تقف بإزاء العدو، و تأتى الطائفة التي لم تصل شيئا، فيصلى الإمام بهم الركعة الثانية، ثم يقومون و يقضون الركعة الأخيرة.

و الدليل/على ما قلنا قول اللّه تعالى: (وَ إِذََا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ) (4) .

الآية.

فاللّه تبارك و تعالى أثبت طائفة لم يؤدّوا شيئا من الصلاة مع الإمام، و عنده‏ (5)

لا يتصور هذا هاهنا، لأن الطائفة الثانية افتتحوا الصلاة مع الإمام فقد أدوا جزءا من الصلاة حال الافتتاح، و لأنه قال: (وَ لْتَأْتِ طََائِفَةٌ أُخْرى‏ََ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (6) و هذا يدل على خلاف قوله؛ لأن لطائفة الثانية قد صلّت عنده.

____________

(1) المعارج: 16. و قبلها: «كلا إنها لظى» .

(2) سورة ص: 23. و انظر: كتاب المصاحف للسجستاني طبعة بريل (ص 81) .

(3) إبراهيم: 16، 17 كذا في الأصل.

(4-5) و عنده، أي: و عند الشافعي.

(6) النساء: 102.

36

و قال: (فَإِذََا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرََائِكُمْ) (1) و الفاء للتعقيب، فهذا يدل على أن الطائفة الأولى تنصرف عقيب السجود، و عنده: تصلى ركعة ثم تنصرف.

و لأن ما يقوله الشافعي يؤدى إلى سبق المؤتم الإمام بالفراغ بالصلاة، و إلى أن يقف الإمام ينتظر فراغ المؤتم من الصلاة، و هذا لا يجوز فى غير حال الخوف، فكذلك فيها كسائر الأعمال.

و إنما قلنا: إنّ الطائفة الأولى تقضى ركعة بغير قراءة، لأنها أدركت الصلاة فهى فى حكم من هو خلف الإمام؛ و أما الثانية فلم تدرك أول الصلاة، و المسبوق فيها يقضى كالمنفرد فى صلاته.

و من ذلك قوله‏ (2) : (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهََا لَوْ لاََ أَنْ رَأى‏ََ بُرْهََانَ رَبِّهِ) (3)

أي: لو لا أن رأى برهان ربه لواقعها، أو لهمّ بها.

و قال: (وَ لَوْ لاََ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ) (4) أي: لو لا أن يحتجّوا لو أصابتهم مصيبة، بأن‏ (5) يقولوا: لو لا أرسلت رسولا فاتبعنا لما أرسلنا الرّسل‏ (6) .

و قيل: عاجلناهم بالعقوبة.

و قيل: لكان فيما تقدّم من الرّسل المبعوثين قبلهم حجّة عليهم.

____________

(1) النساء: 102.

(2) أي من حذف الجملة.

(3) يوسف: 24.

(4) القصص: 47.

(5) في الأصل «فإن يقولوا» .

(6) أي إنما أرسلنا الرسل إزالة لهذا العذر. عن أبي حيان (7: 123) . و قد استطرد فقال: و تقدير الجواب: «ما أرسلنا إليهم الرسل، هو قول الزجاج» .

37

و من حذف الفعل: قوله تعالى: (إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (1) أي: إذا كورت الشمس.

و (وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجََارَكَ) (2) أي: إن استجارك أحد.

و (إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ) (3) [أي: إن هلك امرؤ] (4) .

و (وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خََافَتْ) (5) . [أي: إن خافت امرأة] (6) .

و (إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ) (7) -إلى قوله- (وَ إِذَا اَلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) (8) .

أي: انفطرت السماء، و انتثرت الكواكب، و فجرت البحار، و بعثرت القبور.

و قال: (إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ) (9) أي: إذا انشقت السماء.

و اما قوله: (وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْبُرُوجِ) (10) فالتقدير: أحلف و أقسم، فحذف الفعل مع الفاعل، و فى الأول حذف الفعل، فحسب.

و من ذلك قوله تعالى: (كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) (11) . أي: كيف لا يقاتلونكم، فحذف الجملة. فأما قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا) (12) .

____________

(1) التكوير: 1.

(2) التوبة: 7.

(3) النساء: 176.

(4) تكملة يفقدها الأصل.

(5) النساء: 128.

(6) تكملة يفقدها الأصل.

(7) الانفطار: 1-4.

(8) الانفطار: 4.

(9) الانشقاق: 1.

(10) البروج: 1.

(11) التوبة: 8.

(12) النساء: 41.

38

أي: كيف أنتم إذا جئنا!فحذف المبتدأ، بخلاف قوله؛ (فَكَيْفَ إِذََا جَمَعْنََاهُمْ) (1) لأنه كالأول، أي: كيف تكون حالهم!أي: و كيف يصنعون! و من إضمار الجملة: قوله تعالى: (حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا) (2) : كذا و كذا، صدقوا وعدهم و طابت نفوسهم. و الكوفىّ‏ (3) يحمله على زيادة الواو.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ) (4) و التقدير: و ما لم تسألوه، فحذف هذه الجملة، و هى فى موضع الجر، أعنى الموصولة بالعطف على «ما» الأولى. و قد حذف فى الحقيقة اسما معطوفا على المضاف إليه، و كأنه قال: من كل مسئولكم و غير مسئولكم، فـ «ما» يكون موصولا أو موصوفا، و أن يكون موصوفا أحب إلينا، لأن «كلاّ» يقتضى النكرة؛ نظيره: (هََذََا مََا لَدَيَّ عَتِيدٌ) (5) أي: هذا شى‏ء لدى عتيد؛ و من كل شى‏ء سألتموه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ) (6) أي فقل لهم:

إنى أخاف. و يجوز فى‏ (تَوَلَّوْا) تقديران:

المضىّ، و الاستقبال، لقوله‏ (يُمَتِّعْكُمْ) (7) .

____________

(1) آل عمران: 25.

(2) الزمر: 73.

(3) في البحر (7: 443) : «الكوفيون» .

(4) إبراهيم: 34.

(5) ق: 23.

(6-7) هود: 3.

39

و من ذلك قوله تعالى: (وَ دَخَلَ مَعَهُ اَلسِّجْنَ فَتَيََانِ) (1) أي: عزموا على سجنه فسجنوه، و دخل معه السجن فتيان.

و من ذلك قوله: (هََذََا بَلاََغٌ لِلنََّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ) (2) . قيل: الواو مقحمة.

و قيل: التقدير: هذا لإبلاغ الناس و لينذروا به.

و قال أبو على: اللام تتعلق بفعل محذوف، كأنه قال: و أنزل لينذروا و يعلموا التوحيد من الدلالات التي فيه؛ كما قال اللّه تعالى: (كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... لِتُنْذِرَ) (3) . و قال: (أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ ... لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) (4) .

و منه قوله تعالى: (فَأَرْسِلْ مَعَنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ) * (5) أي: أرسلنا بأن أرسل معنا، فحذف.

و منه قوله تعالى: (قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ) (6) و التقدير: أعزّنا و لا تذلّنا.

و قال: (لَوْ أَنَّهُمْ كََانُوا يَهْتَدُونَ) (7) أي: لو أنهم كانوا يهتدون ما رأوا العذاب.

و منه قوله تعالى: (لََكِنِ اَللََّهُ يَشْهَدُ) (8) لما قال اللّه تعالى: (إِنََّا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ) (9) قال المشركون: نحن لا نشهد لك بذلك. فقيل: (لََكِنِ اَللََّهُ يَشْهَدُ) . لا بد من ذا الحذف، لأن «لكن» استدراك بعد النفي.

____________

(1) يوسف: 36.

(2) إبراهيم: 52.

(3) الأعراف: 2.

(4) الكهف: 1، 2.

(5) الشعراء: 17.

(6) آل عمران: 26.

(7) القصص: 64.

(8) النساء: 166.

(9) النساء: 163.

40

و منه قوله تعالى: (فَبَعَثَ اَللََّهُ غُرََاباً يَبْحَثُ فِي اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوََارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) (1) . أراد: فبعث اللّه غرابا يبحث التراب على غراب ميت ليواريه، أي ليريه كيف يوارى سوأة أخيه.

و من ذلك ما وقع فى قصة شعيب: (أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) (2) . لم يذكر للاستفهام جوابا، و المعنى: أخبرونى إن كنت على بيّنة من ربى و رزقنى النبوة و جعلنى رسولا إليكم و أنتم تدفعوننى، فماذا حالكم مع ربكم؟فحذف «ماذا حالكم»

____________

(1) المائدة: 31.

(2) هود: 88.

41

الباب الثاني‏

باب ما جاء من حذف المضاف في التنزيل و ليس من هذه الأبواب فى التنزيل أكثر من هذا.

و قد ذكر سيبويه حذف المضاف فى «الكتاب» فى مواضع‏ (1) ، فمن ذلك قوله حكاية عن العرب: اجتمعت اليمامة، أي أهل اليمامة؛ و قوله: «صدنا قنوين» (2) ، أي وحش قنوين‏ (3) .

فما جاء فى التنزيل: قوله تعالى‏ (مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ) (4) و التقدير: مالك أحكام يوم الدين. و قدّره الفارسىّ تقدير حذف المفعول، أي: مالك يوم الدّين الأحكام؛ فتكون «الأحكام» المفعول، فلا يكون على قوله من هذا الباب.

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ رَيْبَ فِيهِ) * (5) أي: فى صحته و تحقيقه.

____________

(1) الكتاب (1: 26 و 109؛ 2: 25) .

(2) قنوان: جبلان تلقاء المحاجر لبني مرة. (ياقوت) .

(3) و زاد سيبويه: «أو بقنوين» فلا يكون من هذا الباب.

(4) الفاتحة: 4.

(5) البقرة: 1، آل عمران: 9 و 25، النساء: 86، الأنعام: 12، الجاثية: 25، يونس: 37.

42

و منه قوله تعالى: (خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ) (1) أي: على مواضع سمعهم، فحذف؛ لأنه استغنى عن جمعه، لإضافته إلى الجمع؛ لأن سيبويه قال:

و أمّا جلدها فصليب‏ (2)

أكثره فى الشعر. و تبعه الفارسىّ فحمل‏ (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) (3) على حذف المضاف، أي ذى صدق؛ و حمل‏ (لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ) (4) على حذف المضاف.

و خفيت الخافية عليهم فى قوله تعالى: (لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) (5)

فأضاف المفرد، و ليس هناك مضاف محذوف.

و منه قوله تعالى: (وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ) (6) أي: فى عقوبة طغيانهم.

و منه قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ) (7) أي: كأصحاب صيّب من السماء؛ دليله قوله: (يَجْعَلُونَ أَصََابِعَهُمْ) (8) فـ «يجعلون» فى موضع الجر وصف للأصحاب؛ «من الصّواعق» أي: من شدتها و أجلها؛ و قوله تعالى:

(فِيهِ ظُلُمََاتٌ) (9) لأنه لا يخلو من أن يعود إلى «الصيّب» أو إلى «السماء» ؛ (10) فلا يعود إلى «الصيّب» لأن الصيّب لا ظلمات فيه.

____________

(1) البقرة: 7.

(2) جزء من بيت لعلقمة بن عبدة، و البيت بتمامه:

بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض و أما جلدها فصليب‏

و الشاهد فيه وضع «الجلد» مكان «الجلود» . قال سيبويه: «و ليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا و المعنى جميع، حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام» ، ثم ساق بيت علقمة. (الكتاب 1: 107) .

(3) القمر: 55.

(4) سبأ: 15.

(5) إبراهيم: 43.

(6) البقرة: 15.

(7، 8، 9) البقرة: 19.

(10) في الأصل: «السحاب» ، و لم يرد له ذكر في الآية و لا في التقدير.

43

[و يدل على هذا الحذف‏]قوله تعالى: (وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ) (1) فهما معطوفان على «الظلمات» و لا يجوز أن يكون الرعد و البرق مما ينزل؛ و أنهما فى السماء، لاصطكاك بعض أجرامها ببعضها. روى عن الحسن أنّ ذلك من ملك، فقد يجوز أن يكون الملك فى السحاب، و يكون من هذا قراءة من قرأ: سحاب ظلمات، بالإضافة، لاستقلال السحاب و ارتفاعه فى وقت كون هذه الظلمات.

و قدّره مرة أخرى، أي سحاب و فيه الظلمات؛ فكذلك فيه ظلمات، أي فى وقت نزوله ظلمات.

و منه قوله تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً) (2) أي: ذا فراش.

(وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً) (3) أي: ذا بناء، (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً) (4) أي بإنزاله (وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً) (5) أي بإنزاله: (خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ) (6) ، أي:

لانتفاعكم، ثم‏ (اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ) (7) أي: إلى خلق السماء.

و قوله تعالى: (جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ) * (8) أي من تحت أشجارها.

و قدّره أبو على: من تحت مجالسها.

و منه قوله تعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (9) أي ذا غيب السموات.

و قيل: غيب، بمعنى غائب؛ لأن «ذا غيب» صاحب غيب، و هو يكون غائبا.

____________

(1) البقرة: 19.

(2-3) البقرة: 22.

(4-5) البقرة: 36.

(6-7) البقرة: 29.

(8) البقرة: 25.

(9) البقرة: 33.

44

و منه قوله تعالى: (وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) * (1) أي: ذا ثمن، لأن الثمن لا يشترى، و إنما يشترى شى‏ء ذو ثمن.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) * (2)

أي: عقاب يوم، لا بد من هذا الإضمار، لأنه مفعول «اتقوا» ، فحذف و أقيم «اليوم» مقامه. فاليوم مفعول به و ليس بظرف، إذ ليس المعنى: ائتوا فى يوم القيامة، لأن يوم القيامة ليس بيوم التكليف.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (وَ إِذْ وََاعَدْنََا مُوسى‏ََ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (3)

أي: انقضاء أربعين ليلة.

قال أبو على: ليس يخلو تعلّق «الأربعين» بـ «الوعد» من أن يكون على أنه ظرف أو مفعول ثان، فلا يجوز أن يكون ظرفا لأن «الوعد» ليس فيها كلها فيكون جواب «كم» ، و لا فى بعضها فيكون كما يكون جوابا لـ «متى» ، لأن جواب «كم» يكون عن الكل، لأنك إذا قلت: كم رجلا لقيت؟ فالجواب: عشرين، فأجاب عن الكل.

و جواب «متى» جواب البعض. لأنك إذا/قلت: متى رأيت؟ يقال فى جوابه: يوم الجمعة، و هو بعض الأيام التي يدل عليه «متى» ، فإذا لم يكن ظرفا كان انتصابه بوقوعه موقع المفعول الثاني، و التقدير: واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أو تتمة أربعين ليلة، فحذف المضاف، كما تقول:

اليوم خمسة عشر من الشهر، أي تمامه.

____________

(1) البقرة: 41.

(2) البقرة: 47، 123.

(3) البقرة: 51.

45

و نظيره فى الأعراف: (وَ وََاعَدْنََا مُوسى‏ََ ثَلاََثِينَ لَيْلَةً) (1) أي: انقضاء ثلاثين.

(وَ أَتْمَمْنََاهََا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقََاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (2) و الميقات هو الأربعون، و إنما هو ميقات و وعد، لما روى أن القديم سبحانه و تعالى وعده أن يكلّمه على الطّور.

فأما انتصاب «الأربعين» فى قوله: (فَتَمَّ مِيقََاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) فذلك كقولك: تم القوم عشرين رجلا. و المعنى: تم القوم معدودين هذا العدد. و تم الميقات معدودا هذا العدد. فيكون «عشرين» حالا، كما أن معدودين كذلك.

و نظيره قوله تعالى: (وَ وََاعَدْنََاكُمْ جََانِبَ اَلطُّورِ اَلْأَيْمَنَ) (3) أي إتيان جانب الطور الأيمن، فحذف المضاف الذي هو مفعول ثان و قام مقامه «جانب» .

و ليس «جانب» ظرفا لأنه مخصوص، كقوله:

فواعديه سرحتى مالك‏ (4)

أي إتيان سرحتى مالك.

و من ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ) * (5) أو صورته، لأنهم لم يعبدوا العجل حقيقة من بعده، أي من بعد خروجه.

و كذلك‏ (ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ) * فى رأس التّسعين، فإنه لم يكن فيه حياة كما يكون فى العجل حقيقة، بل كان صورة مموّهة و صنعوه صورة العجل.

____________

(1-2) الأعراف: 142.

(3) طه: 80.

(4) صدر بيت لعمر بن أبي ربيعة. أو تمامه:

أو الربا بينهما أسهلا

و انظر الحاشية (4 ص 10) من هذا الكتاب.

(5) البقرة: 51.

46

و قيل: من بعد إنجائنا إيّاكم.

نظيره: (مََا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) (1) أي: من بعد وفاتي‏ (ثُمَّ عَفَوْنََا عَنْكُمْ) (2)

أي عن عبادتكم العجل.

و مثله: (أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً) (3) أي ذوى هزو.

و منه قوله: (وَ كُلاََ مِنْهََا رَغَداً) (4) أي: من نعيمها.

نظيره: (فَكُلُوا (5) مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ) (6) أي: من نعيمها.

و مثله فى الأعراف‏ (7) .

و من ذلك قوله: (وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) (8) .

أي حبّ عبادة العجل، فحذف «حب» أولا، فصار: و أشربوا فى قلوبهم عبادة العجل، ثم حذف «العبادة» .

و مثله: (مِنْ أَثَرِ اَلرَّسُولِ) (9) أي من أثر تراب حافر فرس الرّسول.

و قال الكلبىّ‏ (10) : لما ذرّى العجل/فى اليمّ و شربوا منه الماء ظهرت علامة الذّهب على بدن محبّى العجل، فذلك قوله: (وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ) (11) .

____________

(1) البقرة: 133.

(2) البقرة: 52.

(3) البقرة: 67.

(4) البقرة: 35.

(5) في الأصل. «و كاوا» بتبديل من الناسخ.

(6) البقرة: 58.

(7) يريد الاية 161 من سورة الأعراف‏ (... وَ كُلُوا مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ) .

(8) البقرة: 93.

(9) طه: 96.

(10) الكلبي، هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر، نسابة مفسر إخباري. كانت وفاته سنة ست و أربعين و مائة. (تهذيب التهذيب 9: 178-و فيات الأعيان 2: 301) .

(11) البقرة: 93.

47

(وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً) (1) أي: ذا أمن. و إن شئت «أمنا» كان بمعنى: آمن.

و من ذلك قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهََا مََا كَسَبَتْ) * (2) أي: لها جزاء ما كسبت‏ (وَ لَكُمْ مََا كَسَبْتُمْ) * (3) أي: جزاء ما كسبتم.

و منه قوله تعالى: (وَ اَلْمَلاََئِكَةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ (87) `خََالِدِينَ فِيهََا) * (4)

أي فى عقوبة اللعنة، و هى النار.

(كَذََلِكَ يُرِيهِمُ اَللََّهُ أَعْمََالَهُمْ) (5) أي: جزاء أعمالهم.

قوله تعالى: (وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (6) أي: مثل داعى الذين كفروا (كَمَثَلِ اَلَّذِي يَنْعِقُ) (7) لا بد من هذا الإضمار ليكون الداعي بمنزلة الراعي.

و قيل: (مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (8) : مثل وعظ الذين كفروا، فحذف المضاف. قال سيبويه: و هذا من أفصح الكلام إيجازا و اختصارا؛ و لأنّ اللّه تعالى أراد تشبيه شيئين بشيئين: الداعي و الكفار، بالراعي و الغنم؛ فاختصر. و ذكر المشبه فى الغنم بالظرف الأول؛ فدل ما أبقى على ما ألقى.

و هذا معنى كلامه.

و مثله: (إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ) * (9) أي أكل الميتة، فحذف.

____________

(1) البقرة: 125.

(2-3) البقرة: 134.

(4) آل عمران: 87، 88. و بدء الآية الأولى: (أُولََئِكَ جَزََاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اَللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ .

(5) البقرة: 167.

(6-7) البقرة: 171.

(8) إبراهيم: 18.

(9) البقرة: 173.

48

قوله تعالى: (وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ) (1) [أي: و لكن ذا البر] (2) .

و إن شئت: و لكن البرّ برّ من آمن.

و إن شئت: «كان البر» بمعنى البار، فلا يكون من هذا الباب. و لا وجه أن يكون التقدير: و لكن البر بر من آمن، ليكون ابتداء الكلام على الحقيقة؛ لأنه إذا حذف منه «ذا» ، أو جعل بمعنى البار، فعلى الوجهين يكون مغيّرا عن أصله.

(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) (3) أي: من جناية أخيه، و تقديره: من جنايته على أخيه. و العفو: التيسير (4) دون الصّفح، كالذى فى قوله. و آخره عفو للّه، أي يسّر له حيث قبلت الصلاة فى آخره قبولها فى أوله، لم تضيّق على المصلّى.

و قال فى موضع آخر: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ) (5) الآية. هذا فى قبول الدية فى العمد، أي من يسر له من أخيه القاتل فاتباع بالمعروف، أي ليتّبعه ولىّ المقتول بالمعروف، فيتجمّل في المطالبة، و ليؤدّ المطالب ذلك منه إلى ولىّ المقتول بإحسان فلا يمطله و لا يبخسه، فقوله تعالى: (وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ) (6) مرتفع بالابتداء، و خبره «له» ، هى مضمرة/فى تقدير الفاعل أن يؤدى إليه أخوه، و الجار فى «بإحسان»

____________

(1) البقرة: 177.

(2) التكملة من تفسير أبي حيان (2: 3) و فيه بعد هذا: «قاله الزجاج» .

(3) البقرة: 178.

(4) في الأصل: «و للعفو اليسير» . و الصواب ما أثبتناه، بدليل ما بعده.

(5-6) البقرة: 178.

49

متعلق بمضمر فى موضع حال. و التقدير: متلبسا بإحسان، أي محسنا.

و لا يتعلق بالمصدر نفسه، لأنه قد تعلق به «إلى» ، و الضمير فى «إليه» ، راجع إلى‏ (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) (1) .

و من ذلك قوله: (إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ) (2) أي: إلى كرامته.

و منه قوله تعالى: (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ) (3) أي: فى استيفاء القصاص، أو فى شرع القصاص.

و من ذلك قوله تعالى: (اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ) (4) أي: انتهاك حرمة الشهر الحرام.

(وَ اَلْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ) (5) أي: ذات قصاص.

و من ذلك قوله تعالى: (اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ) (6) أي: أشهر الحج أشهر و إن شئت: الحج حجّ أشهر.

و إن شئت كان: الحجّ نفس الأشهر، مجازا و اتساعا، لكونه فيها.

____________

(1) و قيل: اتباع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فالحكم أو الواجب، أو فالأمر اتباع. و جاز أيضا رفعه بإضمار فعل تقديره: فليكن اتباع. و جوزوا أيضا أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، و تقديره: فعلى الولي اتباع القاتل بالدية. و قدروه أيضا متأخرا، تقديره: فاتباع بالمعروف عليه. و أداء، لكونه معطوفا على «اتباع» فيكون فيه من الإعراب ما قدروا في «فاتباع» و يكون «بإحسان» متعلقا بقوله «و أداء» .

و جوزوا أن يكون «و أداء» مبتدأ، و «بإحسان» هو الخبر (تفسير أبي حيان 2: 13-14) .

(2) البقرة: 156.

(3) البقرة: 179.

(4-5) البقرة: 194.

(6) البقرة: 197.

50

و من ذلك قوله: (قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ) (1) أي فى استعمالهما. و وقع فى «الحجة» (2) : فى استحلالهما، و هو فاسد، لأن استحلالهما كفر، و استعمالهما إثم.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) (3) أي: ليس من أهل ديني.

و من ذلك قوله: (نِسََاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (4) أي: فروج نسائكم.

و مثله قوله تعالى: (وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوََالِيَ مِنْ وَرََائِي) (5) أي: تضييع بني عمّى، فحذف المضاف. و المعنى: على تضييعهم الدين، و نبذهم إياه، و اطراحهم له، فسأل ربه وليّا يرث نبوّته.

و منه قوله تعالى: (قََالَ اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا اَللََّهِ) (6) أي:

ملاقون ثواب اللّه، كقوله تعالى: (مُلاََقُوا رَبِّهِمْ) * (7) .

و قوله تعالى: (أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ) (8) أي: ثوابه. و هذا قول نفاة الرؤية.

و من أثبت الرؤية لم يقدّر محذوفا.

و من ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونََا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَدََاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا) (9) أي: فلتحدث شهادة رجل و امرأتين أن تضل إحداهما.

____________

(1) البقرة: 219.

(2) هو كتاب: الحجة في القراءات لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، المتوفي سنة 377 هـ.

(3) البقرة: 249.

(4) البقرة: 223.

(5) مريم: 5.

(6) البقرة: 249.

(7) البقرة: 46.

(8) البقرة: 223.

(9) البقرة: 282.

51

و قال أبو علىّ: لا يتعلق «أن» بقوله: (وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ ... أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا) (1) لم يسغ، و لكن يتعلق «أن» بفعل مضمر دلّ عليه هذا الكلام، و ذلك أن قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونََا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ) (2) يدل على قولك: و استشهدوا رجلا و امرأتين، فتعلّق «أن» إنما هو بهذا الفعل المدلول/عليه من حيث‏[ما]ذكرناه.

قال أبو الحسن‏ (3) فى قوله: (فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ) (4) التقدير: فليكن رجل و امرأتان. و هذا قول حسن، و ذلك أنه لما كان قوله‏ (أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا) (5) لا بد أن يتعلق بفعل، و ليس فى قوله: (فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَدََاءِ) (6) فعل ظاهر، جعل المضمر فعلا يرتفع به النكرة و يتعلق به المصدر، و كان هذا أولى من تقدير إضمار المبتدأ الذي هو: ممن شهد به رجل و امرأتان، لأن المصدر الذي هو: أن تضل إحداهما، لا يجوز أن يتعلّق به، لفصل الخبر بين الفعل و المصدر.

فإن قلت: من أي الضّربين تكون «كان» المضمرة فى قوله‏ (فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ) (7) هل يحتمل أن تكون الناصبة للخبر، أو تكون التامة؟ فالقول فى ذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يقدّر إضماره، فإذا أضمرت الذي يقتضى الخبر كان تقديره إضمار المخبر: فليكن ممن يشهدون رجل و امرأتان.

____________

(1-2) البقرة: 282.

(3) أبو الحسن، هو علي بن سليمان بن الفضل النحوي الأخفش الأصغر. توفي 315 هـ (بغية الوعاة ص 238) .

(4، 5، 6، 7) البقرة: 282.

52

و إنما جاز إضمار هذه، و إن كان قد قال: لا يجوز: عبد اللّه المقتول، و أنت تريد: كن عبد اللّه المقتول، لأن ذكرها قد تقدم، فتكون هذه إذا أضمرتها لتقدّم الذكر بمنزلة المظهرة؛ ألا ترى أنه لا يجوز العطف على عاملين؟ و لما تقدم ذكر «كل» فى قوله:

أ كلّ امرى تحسبين امرأ # و نار توقّد فى اللّيل‏ (1) نارا

كان «كل» بمنزلة ما قد ذكر فى قوله: و نار توقد بالليل...

و كذلك جاز إضمار «كان» المنتصبة للخبر كما أضمر بعد «إن» فى قوله:

إن خنجرا فخنجر، لما كان الحرف يقتضيها.

و يجوز أن تضمر التامة التي بمعنى الحدوث و الوقوع؛ لأنك إذا أضمرتها أضمرت شيئا، و إذا أضمرت الأخرى احتجت أن تضمر شيئين، و كلما قل الإضمار كان أسهل، فأيهما أضمرت فلا بد من تقدير المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه. المعنى: فليحدث شهادة رجل و امرأتين، أو يقع، أو نحو ذلك. ألا ترى أنه ليس المعنى: فليحدث رجل و امرأتان، و لكن لتحدث شهادتهما، أو تقع، أو تكن شهادة رجل و امرأتين ممن‏ (2) يشهدون.

و يجوز أن يتعلق قوله‏ (أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا) بشى‏ء ثالث، و هو أن تضمر/خبر المبتدأ، و يكون العامل فى «أن» . و موضع إضماره فيمن فتح الهمزة من‏ (أَنْ تَضِلَّ) قبل أن، و فيمن كسر «إن» بعد انقضاء الشرط بجوابه. يعنى أن من كسر «إن» يجعل الجملة الشرطية وصفا لقوله (اِمْرَأَتََانِ) و الصفة قبل الخبر.

____________

(1) في الأصل: «في الحرب» و ما أثبتنا عن سيبويه (الكتاب 1: 33) . يريد: و كل نار. و البيت لأبي داود.

(2) في الأصل: «مما» .