إعراب القرآن - ج2

- الزجاج المزيد...
776 /
405

الجزء الثاني‏

الباب المتم العشرين‏ (1)

هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف المفعول و المفعولين، و تقديم المفعول الثاني على المفعول‏[الأول‏] (2) و أحوال الأفعال المتعدية إلى مفعوليها، و غير ذلك مما يتعلق به و نحن نذكر من ذلك ما يدقّ النظر فيه، لأن ذلك لو حاول إنسان أن يأتى بجميعه توالت عليه الفتوق، و لم يمكنه القيام به لكثرته فى التنزيل، و كان بمنزلة من يستقى من بئر زمزم فيغلبه الماء.

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ مََا يَخْدَعُونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ وَ مََا يَشْعُرُونَ) (3) أي:

و ما يشعرون أنّ و بال ذلك راجع إليهم.

و كذلك: (وَ لََكِنْ لاََ يَشْعُرُونَ) (4) أي: لا يشعرون أنهم هم المفسدون، (وَ لََكِنْ لاََ يَعْلَمُونَ) (5) أي: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.

فأما قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نََاراً) (6) فقيل: إن التقدير: كمثل الذي استوقد صاحبه نارا، فحذف المفعول الأول.

و قيل: إن «استوقد» و «أوقد» كاستجاب، و أجاب.

____________

(1) في هامش الأصل مع هذا العنوان: «و هو مقدم أيضا» .

(2) تكملة يقتضيها السياق) .

(3) البقرة: 9.

(4) البقرة: 12.

(5) البقرة: 13.

(6) البقرة: 17.

406

و منه قوله تعالى: (وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصََارِهِمْ) (1) . و جميع ما جاء من «لو شاء» كان مفعوله مدلول جواب «لو» ، و التقدير: و لو شاء اللّه إذهاب السمع و البصر لذهب بسمعهم و أبصارهم.

و من ذلك قوله تعالى: (كُلَّمََا أَضََاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) (2) أي: أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه.

و منه قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (3) أن: تتقون محارمه، و قيل: بل قوله (اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً) (4) مفعول «يتّقون» /و «الأرض» مفعول أول لـ «جعل» ، و «فراشا» مفعول ثان، و معنى «جعل» : صيّر.

و قد يجى‏ء «جعل» بمعنى: صنع، و خلق؛ فيكون متعديا إلى مفعول واحد، قال اللّه تعالى: (اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ) (5) بمعنى: صنع، و خلق. و قال اللّه تعالى: (وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا) (6) .

و إذا كانت بمعنى «صيرت» تعدّت إلى مفعولين، لا يجوز الاقتصار على أحدهما، و هى فى هذا الوجه تنقسم على ثلاثة أقسام: كما تنقسم «صيرت» .

أحدها: بمعنى «سميّت» ، كقوله تعالى: (وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً) (7) أي: صيروهم إناثا بالقول و التّسمية، كما تقول: «جعل زيد عمرا فاسقا» . أي: صيره بالقول كذلك.

____________

(1) البقرة: 20.

(2) البقرة: 20.

(3) البقرة: 21.

(4) البقرة: 22.

(5) الأنعام: 1.

(6) الأعراف: 189.

(7) الزخرف: 191.

407

و الوجه الثاني: أن تكون على معنى: الظن و التخيل، كقولك: اجعل الأمير غائبا و كلّمه، أي: صيّره فى نفسك كذلك.

و الوجه الثالث: أن تكون فى معنى النّقل، فتقول: جعلت الطين خزفا أي: صيرته خزفا و نقلته عن حال إلى حال.

قال اللّه تعالى: (اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً) (1) أي: صيّره آمنا، و انقله عن هذه الحال.

قال‏ (2) سيبويه: «و تقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض» .

و له ثلاثة أوجه فى النصب:

إن شئت جعلت «فوق» فى موضع الحال، كما فعلت ذلك فى «رأيت» ، [فى رؤية العين‏] (3)

و إن شئت نصبت على ما نصبت عليه «رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان» ، [تريد رؤية القلب‏] (4) .

و إن شئت نصبت على أنك إذا قلت: «جعلت متاعك» تدخله‏ (5) معنى «ألقيت» ، فيصير كأنك قلت: «ألقيت متاعك بعضه فوق بعض» .

و هذه الوجوه الثلاثة يرجع وجهان منها إلى وجه واحد مما ذكرنا، و هو أن يجعل «جعلت» متعديا إلى مفعول واحد.

غير أن معنى الوجهين اللذين ذكرهما مختلف، و إن كانا مجتمعين فى التعدّى إلى مفعول واحد.

____________

(1) إبراهيم: 35.

(2) الكتاب لسيبويه (1: 78) .

(4-3) تكملة من الكتاب لسيبويه.

(5) الكتاب: «يدخل فيه» .

408

فأحد الوجهين هو الأول الذي قال فيه: إن شئت جعلت «فوق» فى موضع الحال، فيكون معناه: عملت الباب مرتفعا، أي: أصلحته، و هو فى هذه «الحال» .

و الوجه الثاني من هذين الوجهين هو الثالث مما ذكره سيبويه فى قوله:

و إن شئت نصبته، على أنك إذا قلت: جعلت متاعك، يدخله معنى:

/ألقيت، فيصير كأنك قلت: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض؛ لأن «ألقيت» كقولك: أسقطت متاعك بعضه فوق بعض، فيكون هذا متعديا إلى مفعول، و هو منقول من: سقط متاعك بعضه فوق بعض.

فهو يوافق الوجه الأول فى التعدي إلى مفعول واحد، و يخالف فى غير ذلك، لأنك لم تعمل «المتاع» هاهنا لإصلاح شى‏ء منه و تأثير فيه، كما تعمل الباب بنجره و نحته و قطعه. و «فوق» فى هذا كالمفعول إلا فى موضع الحال، لأنه فى جملة الفعل الذي هو «ألقيت» ، لأنه منقول من: سقط متاعك بعضه فوق بعض، و السقوط وقع على «فوق» و عمل فيه، على طريق الظرف.

و فى المسألة الأولى يعمل فيه «جعلت» ، و إنما عمل فيه الاستقرار، و صار فى موضع الحال. و هذان الوجهان كوجه واحد.

و قوله: و إن شئت نصبته على ما نصبت عليه: رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان؛ فتعدّيه إلى مفعولين من جهة النّقل و العمل، كما تقول: صيّرت الطين خزفا.

409

و إنما حملنا هذا الوجه على هذا، لأنه فى ذكر «جعلت» الذي فى معنى:

عملت، و أثّرت.

قال: و الوجه الثالث: أن تجعله مثل: ظننت متاعك بعضه أحسن من بعض.

فهذا أحد وجوه «صيرت» التي ذكرناها، و هو الذي فى معنى التخيل، و الذي هو من طريق التّسمية يشبه هذا الوجه، إلا أنه لم يذكره اكتفاء بهذا (1) .

فأما قوله تعالى: (وَ يَجْعَلَ اَلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى‏ََ بَعْضٍ) (2) فـ «الخبيث» هو المفعول. و «بعضه» بدل منه. و قوله «على بعض» ظرف لـ «يجعل» ، كما تقول: يلقى الخبيث بعضه على بعض، و من هذا الباب قوله تعالى:

(أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ) (3) و قوله: (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ) (4) .

قال: (وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ) (5) أي: أخبرهم عن ضيفه.

و قال: (يُنَبَّؤُا اَلْإِنْسََانُ يَوْمَئِذٍ بِمََا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ) (6) أي: يخبر به.

____________

(1) الكتاب لسيبويه (1: 78) .

(2) الأنفال: 37.

(3) البقرة: 31.

(4) البقرة: 33.

(5) الحجر: 51.

(6) القيامة: 13.

410

فلما كان «النبأ» مثل «الخبر» كان «أنبأته عن كذا» ، بمنزلة «أخبرته عنه» ، «و نبّأته عنه» مثل «خبّرته عنه» ، و «نبأته به» مثل «خبرته به» .

و هذا يصحح ما ذهب إليه سيبويه، من أن معنى «نبّأت زيدا» : نبّأت عن زيد، فحذف حرف الجر، لأن «نبأت» قد ثبت أن أصله «خبرت» /بالآى التي تلوناها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى المفعول الثاني، فـ «نبّأت» يتعدى إلى مفعولين: أحدهما، يصل إليه بحرف جر، كما أن «خبّرته عن زيد» كذلك.

فأما ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: نبأت زيدا عمرا أبا فلان. فهو فى هذا الأصل إلا أنه حمل على المعنى، فعدّى إلى ثلاثة مفعولين.

و ذلك أن الإنباء، الذي هو إخبار، إعلام، فلما كان إياه فى المعنى، عدّى إلى ثلاثة مفعولين كما عدّى الإعلام إليها.

و دخول هذا المعنى فيه، و حصول مشابهته للإعلام لم يخرجه عن الأصل الذي هو له من الإخبار، و عن أن يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: يتعدى إليه بالباء أو بـ «عن» نحو: (وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ) (1) و نحو قوله: (فَلَمََّا نَبَّأَتْ بِهِ) (2) .

كما أن دخول «أخبرنى» فى: «أ رأيت» لم يخرجه عن أن يتعدى إلى مفعولين، كما كان يتعدى إليهما إذا لم يدخله معنى «أخبرنى به» ، إلا أنه امتنع من أجل

____________

(1) الحجر: 51.

(2) التحريم: 3.

411

ذلك أن يرفع المفعول بعده على الحمل على المعنى، من أجل دخوله فى حيّر الاستفهام، فلم يجز: «أ رأيت زيدا أبو من هو» كما جاز: «علمت زيدا أبو من هو» حيث كان المعنى: علمت أبو من زيد، و ذلك دخول معنى الإعلام فى الإنباء، و التنبؤ لم يخرجهما عن أصليهما و تعدّيهما إلى مفعولين، أحدهما يصل إليه الفعل بحرف الجر، ثم يتّسع فيه فيحذف حرف الجر، و يصل الفعل إلى الثاني.

فأما من قال: إن الأصل فى «نبأت» على خلاف ما ذكرنا، فإنّه لم يأت على ما ادعاه بحجة و لا شبهة.

و أما قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبََادِي أَنِّي أَنَا اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ) (1) . فيحمل على وجهين:

أحدهما: أن يكون‏ (نَبِّئْ) بمنزلة «أعلم» ، و يكون‏ (أَنِّي أَنَا اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ) قد سدّ مسدّهما.

فيكون فى هذه، فى قول الخليل على هذا، فى موضع جر، و على قول غيره، فى موضع نصب.

فأما قوله تعالى: (قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذََلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ) (2) ، فإن جعلت «اللام» متعلّقة «بأنبئكم» ، جاز الجر، فى «جنات» على البدل من «خير» ؛ و إن جعلته صفة «خير» لأنه نكرة، جاز الجر فى «جنات» أيضا.

____________

(1) الحجر: 49.

(2) آل عمران: 15.

412

و إن جعلتها متعلقة بمحذوف لم يجز الجر فى «جنّات» /و صار مرتفعا بالابتداء أو بالظرف، و لم يجز غير ذلك، لأن اللام حينئذ لا بد لها من شى‏ء يكون خبرا عنها.

فأما قوله: (قَدْ نَبَّأَنَا اَللََّهُ مِنْ أَخْبََارِكُمْ) (1) فلا يجوز أن يكون «من» فيه زيادة، على ما يتأوله أبو الحسن من زيادة «من» فى الواجب، لأنه يحتاج إلى مفعول ثالث.

ألا ترى أنه لا خلاف فى أنه إذا تعدّى إلى الثاني، وجب تعدّيه إلى المفعول الثالث. و إن قدرت تعدّيه إلى مفعول محذوف، كما تأول قوله تعالى:

(يُخْرِجْ لَنََا مِمََّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهََا) (2) أي: شيئا ما، لزم تعديته إلى آخر، فإن جعلت «من» زيادة أمكن أن تضمر مفعولا ثانيا، كأنه: نبأنا اللّه أخباركم مشروحة.

و يجوز أن تجعل «من» ظرفا غير مستقر، و تضمر المفعول الثاني و الثالث، كأنه: نبأنا اللّه من أخباركم ما كنتم تسرونه تبيينا، كما أضمرت فى قوله:

(أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) * (3) أي: تزعمونهم إياهم.

و أما قوله تعالى: (وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ) (4) فيكون «يستنبئونك» :

يستخبرونك فيقولون أحق هو؟.

و يكون «يستنبئونك» : يستعلمونك، و الاستفهام قد سد مسد المفعولين.

____________

(1) التوبة: 94.

(2) البقرة: 61.

(3) القصص: 62.

(4) يونس: 53.

413

و مما يتجه على معنى الإخبار دون الإعلام قوله تعالى: (وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) (1) فالمعنى: يخبركم فيقول لكم: إذا مزقتم، و ليس على الإعلام. ألا ترى أنهم قالوا:

(أَفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) (2) .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (3) أي: تكتمونه.

(إِلاََّ إِبْلِيسَ أَبى‏ََ وَ اِسْتَكْبَرَ) (4) أي: أبى السّجود و استكبر عنه.

(ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ) (5) أي: اتخذتموه إلها.

و كذلك: (بِاتِّخََاذِكُمُ اَلْعِجْلَ) (6) أي: باتخاذكم إياه إلها.

فخذف المفعول الثاني، لا بد من إضماره، لأنهم عوتبوا بذلك، و لا يعاتب أحد باتخاذ صورة العجل.

فإن قال قائل: فقد جاء فى الحديث: «يعذّب المصورون يوم القيامة» (7) .

و فى بعض الحديث: يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» ، قيل: «يعذب المصورون» يكون على من صوّر اللّه تصوير الأجسام.

و أما الزيادة من أخبار الآحاد، التي لا توجب العلم، فلا يقدح فى الإجماع ما ذكر اللّه.

و أما «اتّخذت» فإنه فى التعدّى، على ضربين:

أحدهما: /أن يتعدى إلى مفعول واحد.

و الثاني: أن يتعدى إلى مفعولين.

____________

(1) سبأ: 7.

(2) : سبأ: 8.

(3) البقرة: 33.

(4) البقرة: 34.

(5) البقرة: 51.

(6) البقرة: 54.

(7) نص الحديث «إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» (البخاري-اللباس: 7: 187) .

414

فأما تعدّيه إلى مفعول واحد، فنحو قوله: (يََا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً) (1) ، و (أَمِ اِتَّخَذَ مِمََّا يَخْلُقُ بَنََاتٍ) (2) ، و (وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ آلِهَةً) * (3) و (لَوْ أَرَدْنََا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنََاهُ) (4) .

و أما إذا تعدى إلى مفعولين، فإن الثاني منهما الأول فى المعنى، قال:

(اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً) * (5) ، و قال: (لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ) (6) ، [و قال‏]: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) (7) .

و أما قوله تعالى: (وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى) (8) فإن من أجاز زيادة «من» فى الإيجاب جاز على قوله أن يكون قد تعدّى إلى مفعولين، و من لم يجز ذلك كان عنده متعديا إلى مفعول واحد.

و من حذف المفعول‏ (9) قوله تعالى: (اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) (10)

أي: أنعمتها عليكم، فحذف؛ [و]قوله تعالى: (وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ) (11) أي: ثوابا و كرامة؛ لأن «زدت» فعل يتعدى إلى مفعولين، قال اللّه تعالى: (وَ زِدْنََاهُمْ هُدىً) (12) ، و قال: (زِدْنََاهُمْ عَذََاباً فَوْقَ اَلْعَذََابِ) (13) ، و قال: (وَ زََادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ) (14) .

فأما قوله تعالى: (فَزََادَهُمْ إِيمََاناً) (15) فالمعنى: زادهم قول الناس إيمانا، أضمر المصدر فى الفعل، و أسند الفعل إليه.

____________

(1) الفرقان: 27.

(2) الزخرف: 16.

(3) مريم: 81.

(4) الأنبياء: 17.

(5) المنافقون: 2.

(6) الممتحنة: 1.

(7) المؤمنون: 110.

(8) البقرة: 125.

(9) في هامش الأصل بإزاء هذا السطر: «لا ما حذف فيه المفعول الثاني» .

(10) البقرة: 40.

(11) البقرة: 58.

(12) الكهف: 13.

(13) النحل: 88.

(14) البقرة: 247.

(15) آل عمران: 173.

415

و كذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا جََاءَهُمْ نَذِيرٌ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ نُفُوراً) (1) أي: مازادهم مجى‏ء النذير.

و قال: (وَ صَدَقَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ إِيمََاناً) (2) أي: ما زادهم نظرهم إليهم أو رؤيتهم لهم إلا إيمانا.

و أما قوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مََا زََادُوكُمْ إِلاََّ خَبََالاً) (3) أي: ما زادوكم قوة و نصرة إلا خبالا، فحذف المفعول الثاني.

و ليس انتصاب «خبالا» كانتصاب «إيمانا» لقوله: (وَ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ إِيمََاناً) (4) لكن على الاستثناء، أي: يوقعون خبالا و فسادا.

هذا هو الصحيح فى هذه الاية، و أظننى نقلت عن بعضهم غير هذا فى هذه الأجزاء.

و قوله تعالى: (وَ لَأَوْضَعُوا خِلاََلَكُمْ) (5) أي: لأوضعوا بينكم ركائبهم عن أبى الهيثم. و قال أبو إسحاق: لأوضعوا فيما يحل بكم.

و من حذف المفعول قوله تعالى: (وَ إِذِ اِسْتَسْقى‏ََ/مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ) (6)

أي: استسقى ربه، و كذلك: (يُخْرِجْ لَنََا مِمََّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ) (7) ، التقدير:

يخرج لنا شيئا مما تنبت الأرض، فالمفعول مضمر، و قوله: (مِمََّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ) (8) فى موضع الوصف له، أي: شيئا مما تنبت الأرض.

____________

(1) فاطر: 42.

(2) الأحزاب: 22.

(3) التوبة: 47.

(4) الأحزاب: 22.

(5) التوبة: 47.

(6) البقرة: 60.

(7) البقرة: 61.

(8) البقرة: 61.

416

و هذه مسألة عرضت، فنقول فيها: إن «من» لا تزاد فى الواجب عندنا. و قال الأخفش: تجوز زيادتها فى الواجب، كما جازت زيادتها فى النفي، و كما جاز: (مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ) * (1) و (هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ) (2) ، و (وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاََّ إِلََهٌ وََاحِدٌ) (3) ، و (وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ) * (4) ، بالاتفاق، فكذا فى الواجب، و التقدير عنده: (يُخْرِجْ لَنََا مِمََّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ) (5) ، و كذا: (وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (6) .

و سيبويه يحمل هذا و نظائره فى التنزيل على حذف الموصوف، الذي هو المفعول، و إقامة الصفة مقامه.

فأما قوله تعالى: (وَ لَقَدْ جََاءَكَ مِنْ نَبَإِ اَلْمُرْسَلِينَ) (7) ، فإن التقدير:

و لقد جاءك شى‏ء من نبإ المرسلين.

و جاز إضمار «شى‏ء» و إن كان فاعلا، لأن الفعل لا بد له من الفاعل، و قد تقدم هذا.

فأما قوله: (وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ) (8) ، فمن خفّف، كان «ما» بمنزلة «الذي» ، و فيه ذكر مرفوع يعود إلى «ما» .

____________

(1) الأعراف: 59.

(2) فاطر: 3.

(3) المائدة: 73.

(4) آل عمران: 62.

(5) البقرة: 61.

(6) النساء: 32.

(7) الأنعام: 34.

(8) الحديد: 16.

417

و لا يجوز فيمن خفّف، أن يجعل «ما» بمنزلة المصدر مع الفعل، لأن الفعل يبقى بلا فاعل.

و لهذا المعنى، حملنا قراءة أبى جعفر: (حافظات للغيب بما حفظ اللّه) (1)

بالنصب، على أن «ما» بمعنى «الذي» ، أي: بالشي‏ء الذي حفظ أمر اللّه.

فلا تكون «ما» مصدرية، كما ذهب إليه عثمان‏ (2) فى «المحتسب» (3) ، لأنه يبقى «حفظ» بلا فاعل.

و لا يجوز فيمن جوّز زيادة «من» فى الإيجاب، أن يكون «الحق» مع الجار فى موضع الحال، و قد جعلت «ما» بمنزلة «الذي» لأنه لا يعود إلى الموصول شى‏ء.

و من شدّد، كان الضمير الذي فى «نزّل» لاسم اللّه تعالى، و العائد محذوف من الصلة.

فأما دخول الجارّ، فلأن «ما» لما كان على لفظ الجزاء حسن دخول «من» معه، كما دخلت فى قوله:

فما يك من خير أتوه‏ (4)

فأما قوله تعالى: (وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ) (5) ، /فإن أبا الحسن ذكر أن التقدير: و ينزّل من السماء جبالا فيها بردا (6) .

____________

(1) النساء: 34.

(2) هو ابن جني.

(3) هو: المحتسب في إعراب شواذ القراآت.

(4) جزء من بيت، تمامه:

فما يك من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل‏

(5) النور: 43.

(6) و تكون «بردا» يدل على البدل من جبال، و فيها، أي في السماء (البحر المحيط 6: 464) .

418

قال: و قال بعضهم: ينزّل من السماء من جبال فيها من برد. أي: فى السماء جبال من برد. يريد به أن يجعل الجبال من برد فى السماء، و يجعل الإنزال منها.

قال أبو على: قلت أنا فى هذه الآية، قبل أن أعرف هذا القول لأبى الحسن: إن قوله: (وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ) (1) .

المعنى: و ينزل من السماء جبالا فيها من برد. فموضع «من» الأولى نصب، على أنه ظرف، و الثانية: نصب على أنه فى موضع المفعول.

و «فيها» صفة لـ «جبال» ، و «من» الثالثة للتبيين، كأنه بيّن من أي شى‏ء هذا المكثّر، كما تقول: عندى جبال من المال، فيكثّر ما عنده منه، ثم تبيّن المكثّر بقولك: من المال.

و يحتمل أن يكون موضع «من» من قوله «من جبال» نصبا على الظرف على أنه منزّل منه. و يكون «من برد» نصبا، أي: و ينزل من السماء من جبال فيها بردا (2) . و يكون «الجبال» على هذا التأويل، تعظيما لما ينزّل من البرد من السحاب.

و يحتمل أن يكون موضع «من» فى قوله: «من برد» رفعا، و موضع «من» من قوله «من جبال» نصبا على أنه مفعول به، كأنه فى التقدير:

ـ

____________

(1) النور: 43.

(2) ساق هذا الرأي أبو حيان في كتابه (البحر المحيط) (6: 464) نقلا عن الزجاج.

419

و ينزّل من السماء جبالا فيها برد. فيكون «الجبال» على هذا تعظيما و تكثيرا.

لما ينزل من السماء من البرد و المطر، و يكون «من برد» مرفوع للموصوف، لصيرورة موضع قوله «من برد» رفعا.

قال: و قد جعلنا «من» فى بعض هذه التأويلات زائدة في الإيجاب، و ذلك مذهب أبى الحسن و الكسائي.

و حكى أبو الحسن أنهم يقولون: «قد كان من مطر» و «كان من حديث» .

يريدون: كان مطر، و كان حديث.

و لم يجز سيبويه هذا فقال: و لا يفعلون هذا «بمن» فى الواجب.

يريد أن «من» لا تزاد كما زيدت «الباء» فى «كفى باللّه» و «ليس بزيد» .

و حمل أبو الحسن قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمََّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) (1) على هذا.

و قال: المعنى: فكلوا ما أمسكن عليكم.

و إذا ثبت رأى ثقة بما لا يدفعه قياس لزم قبوله و استعماله، و لم يجب دفعه.

و جعل أبو الحسن «من» زائدة في التأويل الأول/الذي ذكره. 70 ش

____________

(1) المائدة: 4.

420

قال: أما أنا فجعلت «من» الثانية في التأويل الأول زائدة منصوبة الموضع، على أنه مفعول به، و الثالثة للتّبيين؛ و جعلت الثانية في التأويل الثاني زائدة نصبا على الظرف، و الثالثة أيضا زائدة في موضع نصب؛ و جعلت الثانية فى التأويل الثالث زائدة نصبا على المفعول، و الثالثة أيضا زائدة رفعا، على أنه مرتفع بالظرف؛ و جعلت «من» الأولى في الآية، فى التأويلات الثلاث، نصبا على الظرف.

و أما أبو الحسن: فجعل «من» الثانية و الثالثة في الآية في التأويل الأول زائدة.

فأما موضعهما من الإعراب، فالأولى نصب على أنه مفعول به، و هي الثانية من الآية. و موضع «من» الثالثة في الآية رفع بالظرف، و هذا هو التأويل الثالث، الذي ذكرناه نحن.

فأما القول الثاني: الذي ذكره في الآية «فمن» الثانية في الآية نصب بالظرف، و الثالثة للتبيين من «الجبال» ، فكأنه على هذا التأويل ذكر الموضع الذي ينزل منه، لم يذكر المنزل للدلالة عليه.

و لا أدرى ما صحة هذا الوجه الذي ذكره-أعنى أبا إسحاق-عن بعضهم في التأويل.

421

و أما قوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ) (1) فقد قالوا: إن التّقدير:

كلوا طيبات المنّ و السّلوى بدل «طيبات ما رزقناكم» ، و فوّتّموها أنفسكم بجنايتكم التي لأجلها جعلتم تتيهون في الفلوات أربعين سنة.

يدل على جواز هذا المعنى أنه قال: (كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ) (2)

فجمع «الطّيب» ، ثم جعل الطّيبات بعض ما رزقوه، و هذا يفهم منه أنهم رزقوا أرزاقا، منها الطيبات، و منها الخبيثات، فأمروا بأكل الطيبات منها دون الخبيثات.

و ليس هناك كل هذا، و إنما هناك المنّ و السّلوى فقط، لم يكن لهم طعام غيرهما، و لأنهم اشتاقوا من المن و السلوى إلى البقل و القثّاء، فأى استطابة لهما مع ذا؟ فثبت: أنه مغنى من «طيبات» ، أي بدلها، لا من هذه الطيبات.

و من ذلك قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمََّا ذُكِرَ اِسْمُ اَللََّهِ) (3) ، (فَكُلُوا مِمََّا غَنِمْتُمْ حَلاََلاً طَيِّباً) (4) ، (كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ/مََا رَزَقْنََاكُمْ وَ اُشْكُرُوا) (5) ، 71 ى (وَ لاََ تَأْكُلُوا مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ) (6) .

هذا كله على مذهب سيبويه، المفعول محذوف. و على مذهب الأخفش «من» زيادة.

____________

(2-1) البقرة: 57.

(3) الأنعام: 118.

(4) الأنفال: 69.

(5) البقرة: 172.

(6) الأنعام: 121.

422

و من حذف المفعول قوله تعالى: (اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مََا سَأَلْتُمْ) ، (1)

أي: ما سألتموه بينكم، فحذف المفعولين. و «سألت» فعل يتعدى إلى مفعولين، مثل «أعطيت» .

و يجوز أن يقتصر فيه على مفعول واحد، فإذا اقتصر فيه في التعدي إلى مفعول واحد، كان على ضربين:

أحدهما: أن يتعدّى بغير حرف، و الآخر: أن يتعدّى بحرف.

فأما تعدّيه بغير حرف فقوله تعالى: (وَ سْئَلُوا مََا أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا مََا أَنْفَقُوا) (2) ، و قال: (فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ) * (3) .

و أما تعدّيه بحرف، فالحرف الذي يتعدّى به حرفان:

أحدهما: «الباء» كقوله تعالى: (سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ) (4)

و الآخر: «عن» كقولك: سل عن زيد.

فإذا تعدى إلى مفعولين كان على ثلاثة أضرب:

أحدها: أن يكون بمنزلة «أعطيت» ، و ذلك كقوله:

سألت زيدا بعد بكر حقّنا

بمعنى: استعطيته هذا، أي: سألته أن يفعل ذلك.

و الآخر: أن يكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدا، (وَ لاََ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) . (5)

فالمعنى هاهنا: و لا يسأل حميم عن حميمه، لذهوله عنه، و اشتغاله بنفسه،

____________

(1) البقرة: 61.

(2) الممتحنة: 10.

(3) الأنبياء: 7.

(4) المعارج: 1.

(5) المعارج: 10.

423

كما قال اللّه تعالى: (لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (1) فهذا على هذه القراءة، كقوله تعالى: (وَ سْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كََانَتْ حََاضِرَةَ اَلْبَحْرِ) (2) .

و الثالث: أن يتعدى إلى مفعولين، فيقع موقع المفعول الثاني منهما استفهام، و ذلك كقوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ كَمْ آتَيْنََاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) (3) ؛ و قوله تعالى: (وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَ جَعَلْنََا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (4) .

فأما قول الأخطل:

و اسأل بمصقلة البكرىّ ما فعلا (5)

«فما» استفهام، و موضعه نصب «بفعل» ، و لا يكون «ما» جرّا على البدل من «مصقلة» على تقدير: سل بفعل مصقلة، و لكن بجعله مثل الآيتين اللتين تلوناهما.

و إن شئت جعلته بدلا، فكان بمنزلة قوله: (فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ) * (6) .

و لو جعلت المفعول مرادا محذوفا من قوله: «و اسأل بمصقلة» ، فأردت:

و اسأل الناس بمصقلة ما فعل، لم يسهل أن يكون «ما» استفهاما، 71 ش لأنه لا يتصل بالفعل.

____________

(1) عبس: 37.

(2) البقرة: 211.

(3) الأعراف: 163.

(4) الزخرف: 45.

(5) صدره:

دع المغمر لا تسأل بمصرعه‏

(6) الأنبياء: 7.

424

ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه، فلا تقع الجملة التي هي استفهام موقع أحدهما.

كما تقع موقعه في قوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ كَمْ آتَيْنََاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) (1) .

فإن جعلت «ما» موصولة و قدّرت فيها البدل من «مصقلة» لم يمتنع.

و إن قلت: أجعل قوله «ما فعل» استفهاما؟و أضمر «قل» لأنى إذا قلت: أسأل الناس بمصقلة، فإنه يدل على «قل» لأن السؤال قول، فأحمله على هذا الفعل، لا على أنه في موضع المفعول، لاستغناء الفعل بمفعوليه، فهو قوله، يدل على ذلك قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا) * (2) .

ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه؟أحدهما الكاف، و الآخر قد تعدى إليه الفعل بـ «عن» ، فلا يتعلق به «أيان» إلا على الحد الذي ذكرناه، و هو أن نقدر (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ) * ، قائلين: أيان مرساها؟ و أما قوله: (سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ) (3) ، فكأن المعنى: سأل سائل النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و المسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول.

و سؤالهم عن العذاب، إنما هو استعجالهم له، لاستبعادهم لوقوعه، و لردّهم ما يوعدون به منه.

____________

(1) البقرة: 211.

(2) النازعات: 42.

(3) المعارج: 1.

425

و على هذا، (وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ وَعْدَهُ) (1) ، (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكََافِرِينَ) (2) ، (وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ) (3) .

و يدلك على ذلك قوله: (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً`إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً`وَ نَرََاهُ قَرِيباً) (4)

و أما قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ) (5) ، فإنه يحتمل أمرين:

أحدهما: أن يجعل «عنها» متعلقا بالسؤال، كأنه: يسألونك عنها كأنك حفىّ بها، فحذف الجار و المجرور.

و حسن ذلك لطول الكلام بـ «عنها» التي من صلة السؤال.

و يجوز: أن يكون «عنها» بمنزلة «بها» و تصل الحفاوة مرة بالباء، و مرة «بعن» كما أن السؤال فصل مرة بالباء و مرة «بعن» ، فيما ذكرنا.

و يدلك على تعدّيه بالباء قوله تعالى: (إِنَّهُ كََانَ بِي حَفِيًّا) (6) .

و قال: (ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ اَلرَّحْمََنُ فَسْئَلْ بِهِ/خَبِيراً) (7) . 72 ى فقوله: «فاسأل به» مثل: سل عنه خبيرا.

____________

(1) الحج: 47.

(2) العنكبوت: 54.

(3) الرعد: 6.

(4) المعارج: 5، 6.

(5) الأعراف: 187.

(6) مريم: 47.

(7) الفرقان: 59.

426

فأما «خبيرا» فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال أو مفعول به، فإن كان حالا لم يخل أن يكون حالا من الفاعل أو من المفعول، و لو جعلته حالا من الفاعل السائل لم يسهل، لأن الخبير لا يكاد يسأل إنما يسأل.

و لا يسهل الحال أيضا من المفعول، لأن المسئول عنه خبير به، فليس للحال كبير فائدة.

فإن قلت: يكون حالا مؤكّدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون «خبيرا» إذن مفعولا به، كأنه: فاسأل عنه خبيرا، أي: مسئولا خبيرا.

و كأن معنى «اسأل» : تبيّن بسؤالك و بحثك من تستخبر، ليتقرر عندك مما اقتصّ عليك، من خلقه ما خلق، و قدرته على ذلك، و تعلمه بالفحص عنه، و التّبيّن له.

و يجوز في قوله: «فاسأل به» أي: اسأل باللّه خبيرا، أي: اسأل اللّه خبيرا، كما قال:

.... منه النّوفل الزّفر (1)

و سنعيد ذا لك إن شاء اللّه.

و من حذف المفعول قوله تعالى: (فَافْعَلُوا مََا تُؤْمَرُونَ) (2) أي:

تؤمرونه، أي، تؤمرون به.

و قال: (فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ) (3) .

____________

(1) جزء من بيت لأعشى باهلة. و البيت كاملا:

أخو رغائب يعطيها و يسألها # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر

و النوفل: الرجل الكثير العطاء. و الزفر: القوي على الحمالات.

(2) البقرة: 68.

(3) الحجر: 94.

427

و قال: (يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ) (1) . فإذا كانت «ما» خبرية، كان على هذا الوجه؛ و إذا كانت مصدرية، لم يحتج إلى الضمير.

(وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ) (2) أي: ذبح البقرة، (مُخْرِجٌ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (3)

أي تكتمونه.

و قوله تعالى: (وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ) (4) . قال أبو على فى «التذكرة» :

المعنى-و اللّه أعلم-: ما يهبط رائيه، أو متأمله، أو المعتبر به، أي إذا رآها فتأمل ما فيها، هبط المتأمل له، و المعتبر به من أجل خشية اللّه، لأن ذلك يكسبه خشوعا و اتباعا، و يزيل عنه العناد، و ترك الانقياد للحق الذي علمه، فلما حدث ذلك بتأمل الحجر نسب إليه. و «هبط» متعدّ على هذا، و حذف المفعول، كقول لبيد:

إن يغبطوا يهبطوا و إن أمروا # يوما فهم للفناء و النّفد (5)

و من حذف المفعول قوله تعالى: (بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ) (6) أي: فتحه اللّه.

(أَ وَ لاََ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ وَ مََا يُعْلِنُونَ) (7) أي: يسرونه و يعلنونه، إذا جعلت «ما» /خبرا، و إذا جعلته استفهاما لم تقدّر شيئا، و كان مفعولا. 72 ش (وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ) (8) أي: يظنون ما هو نافع لهم، فحذف المفعولين، و حذفهما جائز.

____________

(1) الصافات: 102.

(2) البقرة: 71.

(3) البقرة: 72.

(4) البقرة: 74.

(5) في الأصل:

يوما بصر للهلك و النكل‏

(اللسان: هبط) .

(6) البقرة: 76.

(7) البقرة: 77.

(8) البقرة: 78.

428

فأما قوله تعالى: (وَ ظَنُّوا مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) (1) . فمن وقف على «ظنّوا» كان من هذا الباب، أي: ظنوا ما كانوا عليه في الدنيا منجيّا لهم، و من جعله مما يتلقى به القسم، جعل قوله: (مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) * (2) جوابا للقسم، فيتلقى بما يتلقى به‏ (3) القسم، نحو: (أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ) * (4) ، (وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ) * (5) إذ لم يذكر «للظن» مفعولاه، فالأحسن أن يجعل بمنزلة القسم.

قال أبو عمر: يقبح الاقتصار على «علمت» و «ظننت» ، و ألا يتعدى إلى مفعولين، و إن لم يقبح ذلك في باب «علمت» ، فإن‏ (6) هذا عندى كما قال، و ذلك لأنه لا يخلو مخاطبك، من أن يعلم أنك تعلم شيئا و تظن آخر، فإذا كان كذلك، صار كالابتداء بالنكرة، نحو: «رجل منطلق» و «قام رجل» و ليس كذلك قولك: «أعطيت» و لا «أعلمت» ، لأن ذلك مما قد يجوز أن لا تفعله، فلذلك حسن هذا و امتنع ذاك.

و أما قوله تعالى: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ) (7) فمن قرأ بالياء، فـ «الذين» هم الفاعلون، و «أن» مع اسمه و خبره بدل من «الذين كفروا» .

قالوا: و هذا يوجب نصب قوله‏ (خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) (8) و ليس كذلك، لأن ذلك إنما يكون إذا جعلت «أن» باسمه هو البدل دون خبره.

____________

(2-1) فصلت: 48.

(3) في الأصل: «بها» .

(4) البقرة: 63.

(5) آل عمران: 187.

(6) في الأصل: «فأو هذا» .

(7) آل عمران: 178.

(8) آل عمران: 178.

429

و كذلك القول في قوله تعالى: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ) (1) من قرأ بالتاء كان المفعول الأول: المضاف المحذوف، أي: لا تحسبن بخل الباخلين هو خيرا لهم. و من قرأ بالياء كان التقدير: و لا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا؛ فيكون «هو خيرا لهم» كناية عن البخل.

و أما قوله تعالى: (لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ) (2) ، فمن قرأ بالياء كان «الذين يفرحون» هم الفاعلون. و لم يذكر له مفعولين، لأن قوله:

(فَلاََ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفََازَةٍ مِنَ اَلْعَذََابِ) (3) يدل عليه، و يكون الضمير في «يحسبنّ» يعود إلى «الّذين» أي: لا يحسبن أنفسهم بمفازة، فهذا فيمن قرأهما بالياء.

و أما من قرأ بالتاء، فإنه جعل‏[الّذين‏] (4) /مفعولا أول، و المفعول الثاني قوله: (بِمَفََازَةٍ مِنَ اَلْعَذََابِ) .

و يكون قوله: (فَلاََ تَحْسَبَنَّهُمْ) (5) تكرارا للأوّل، و تكون الفاء زيادة فى الوجوه كلها، إذ لا وجه للعطف، و لا للجزاء.

____________

(1) آل عمران: 180.

(5-3-2) آل عمران: 188.

(4) تكملة يقتضيها السياق.

430

و إذا أخذ الرجل في الكلام طالبا منك باب التكرار، فاقرأ عليه ما أثبته لك هنا.

و قوله تعالى: (وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ ... فَلَمََّا جََاءَهُمْ) (1) فهذا تكرير للأولى.

ألا ترى: أنا لا نعلم «لمّا» جاء جوابها بالفاء في موضع، فإذا كان كذا، ثبت أنه تكرير.

و مما يكون كذلك أيضا: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) (2) . ثم قال:

(رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ) (3) .

و قال: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ) (4) . بعد قوله: (كَمِشْكََاةٍ فِيهََا مِصْبََاحٌ) (5) فكرّر «فى» .

و قال عزّ من قائل: (وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا) (6)

فكرّر «فى» .

قال أبو بكر: فى آيات في سورة «الجاثية» إنها تكرار، و عند الجرمي أن قوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهََالَةٍ ثُمَّ تََابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (7) (أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ) (8) إلى قوله‏ (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) (9)

____________

(1) البقرة: 89.

(3-2) يوسف: 4.

(4) النور: 36.

(5) النور: 35.

(6) هود: 108.

(7) الأنعام: 54.

(9-8) المؤمنون: 35.

431

أنه تكرار، و قال: (لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ) (1) إلى قوله:

(فَلاََ تَحْسَبَنَّهُمْ) (2) فيكون هذا كله تكرارا.

و أما قوله: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) (3) ، فمن‏ (4) قرأ بالتاء، فلا إشكال فيه، لأن «الذين كفروا» مفعول أول، و «سبقوا» مفعول ثان.

و من قرأ بالياء، فيجوز أن يكون التقدير: و لا يحسبن الكافرون أن سبقوا، فحذف «أن» و يكون «أن سبقوا» قد سد مسد المفعول الأول.

و يجوز أن يكون فى «و لا يحسبن» ضمير الإنسان، أي: لا يحسبن الإنسان الكافرين السابقين.

و أما قوله تعالى: (لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ) (5) فمن‏ (6)

قرأ «بالتاء» فلا إشكال فيه. ، و يكون «الذين كفروا» مفعولا أول، و يكون «معجزين» مفعولا ثانيا.

و من قرأ بالياء، كان فى «لا يحسبن» ضمير الإنسان، أو يكون التقدير:

لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين، فحذف «أنفسهم» .

و أما قوله: (أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ فَهُوَ يَرى‏ََ) (7) ، فـ «يرى» هذه هي التي تعدّى إلى مفعولين، لأن «علم الغيب» لا يوجبه الحس، حتى إذا علمه أحسّ شيئا.

____________

(2-1) آل عمران: 188.

(3) الأنفال: 59.

(5) النور: 57.

(6-4) في الأصل: «فيمن» .

(7) النجم: 35.

432

و إنما المعنى: أ عنده علم الغيب فهو يعلم الغيب كما/يشهده، لأن من حصل له علم الغيب، يعلم الغيب كما يعلم ما يشاهد، و التقدير:

فهو يرى علم الغيب مثل المشاهدة، فحذفهما للدلالة عليه، قال‏ (1) :

ترى حبّها عارا علىّ و تحسب‏ (2)

و أما قوله تعالى: (وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ََ) (3) يجوز أن يكون من «الرؤية» التي هي حس، و الضمير فى «يرى» هو للسعى، فيكون على هذا كقوله تعالى: (وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللََّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ) (4) ألا ترى أن سعيه إنما هو حركات كما أن عمله كذلك.

و قد يجوز أن يكون «يرى» يفعل، من «رأيت» المتعدية إلى مفعولين، و ذلك أن «سعيه» إن كان حركات و نحوها مما يرى، فقد يكون اعتقادات لا ترى، و إذا كان كذلك، حملته على المتعدية إلى مفعولين، لأن كل محسوس معلوم، و إن لم يكن كل معلوم محسوسا، فحمله على المتعدية إلى مفعولين أولى.

و الموضع‏ (5) الذي يعلم ذلك منه قوله تعالى: (هُنََالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مََا أَسْلَفَتْ) ، (6) ، و الذي أسلفته يكون اعتقادا غير مرئى، و أعمالنا مرئية.

____________

(1) الشاعر هو الكميت.

(2) عجز بيت، و صدره:

بأي كتاب أم بأية سنة

و البيت من قصيدة يمدح فيها آل البيت. و رواية الديوان: «ترى حبهم» . و الضمير لآل البيت.

(3) النجم: 40.

(4) التوبة: 105.

(5) في الأصل: «و المواضع» .

(6) يونس: 30.

433

و يعلم من قوله: (هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ) (1) .

و قوله تعالى: (مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا) (2)

فيكون التقدير على هذا: و أن سعيه سوف يرى محصى، لقوله: «إلا أحصاها» ؛ أو محصلا أو مجزيا، و يكون المبتدأ و الخبر، قبل دخول «رأيت» : سعيك يحصى، أو يحصل، أو مجزى عمله، فحذف المفعول الثاني، إذا بنيت الفعل للمفعول، لدلالة قوله: (ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ اَلْأَوْفى‏ََ) (3) .

و الاقتضاء الأول المقام مقام الفاعل، كما حذف من قوله: (أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) * (4) و حذف المفعول.

و قال: (ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ) (5) و هو يستدعى مفعولين، و المعنى: ثم يجزى مثل سعيه، إن خيرا فخير، و إن شرا فشر.

و كذلك: (كُلُّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ) * (6) .

و إن شئت جعلت المضاف المحذوف «الجزاء» فقلت: المعنى: ثم يجزى الإنسان جزاء سعيه، و ترى كل نفس جزاء ما كسبت، على أن يخرج الجزاء من أن يكون مصدرا، كما أخرج «الصيد» و «الخلق» عن ذلك، فيصير في موضع المفعول، فإذا لم يخرج المفعول عن المصدر لم يجز، لأنك حينئذ قد عدّيت/الفعل 74 ى إلى مصدرين، و لا يتعدى إلى مصدرين، كما لا يتعدى إلى حالين.

____________

(1) الحاقة: 19.

(2) الكهف: 49.

(5-3) النجم: 41.

(4) القصص: 62.

(6) آل عمران: 161.

434

قال أبو إسحاق: جائز أن يقرأ: (سَوْفَ يُرى‏ََ) (1) و الأجود أن يقرأ:

«يرى» (2) لأن قولك: إن زيدا سوف أكرمه، فيه ضعف؛ لأن «إن» عاملة، و «أكرم» عاملة، فلا يجوز أن ينتصب الاسم من جهتين، و لكنه يجوز على إضمار الهاء، على معنى: سوف يراه، فلا يجوز في الكلام أن يقول: إن زيدا سأكرمه.

قال أبو على: أما جواز هذا على إضمار الهاء فى «سوف يراه» ، فلا يجوز فى الكلام، و إنما يجوز في الشعر، كذلك يجيزه أصحابنا في الشعر قياسا على قوله:

... كلّه لم أصنع‏ (3)

و أجازوا على هذا الشعر: زيدا اضرب، يريد: اضربه.

و منع غيرهم من هذا فقال: لا أجيزه فى «زيد» و نحوه، و إنما أجيزه فى «كل» ، لأن فيه معنى الجحد.

و أما إجازته في التنزيل فلا ينبغى أن يجيزه أحد.

____________

(1) النجم: 40.

(2) النجم: 40.

(3) جزء من بيت لأبي النجم، و البيت كاملا:

قد أصبحت أم الخيار تدعى # على ذنبا كله لم أصنع‏

435

و أما إضمار الهاء فى «إن» فمثل الأول، فى أنه لا يجوز في الكلام؛ و إنما يجوز في ضرورة الشعر، كالأبيات التي أنشدها فى «الكتاب» نحو قوله:

إنّ من لام‏ (1) ...

و

إنّ من يدخل الكنيسة (2) ...

و من ذلك قوله تعالى: (رَبُّنََا يَعْلَمُ إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (3) فمفعول «يعلم» مضمر، و التقدير: قالت الرسل للمرسل إليهم: ربنا يعلم لم أرسلنا إليكم؟لأن هذا جواب قولهم: (مََا أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا) (4) يعنون كيف تكونون رسلا و أنتم بشر مثلنا، فقالوا: (رَبُّنََا يَعْلَمُ إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (5) ، استئناف الكلام، و ليس‏ (6) كسر «إنّ» لمكان اللام بل كسرها لأنه مبتدأ.

فأما قوله تعالى: (فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ) (7) ، فمن فتح التاء فقال:

«ماذا ترى» كان مفعول «ترى» أحد شيئين، أحدهما: أن يكون «ماذا» بمنزلة «الّذى» فيكون مفعول «ترى» الهاء المحذوفة من الصلة، و يكون «ترى» على هذا التي معناها الرأى، و ليس إدراك الجارحة، كما تقول: فلان يرى رأى أبى حنيفة.

و من هذا قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ) (8) .

ـ

____________

(1) جزء من بيت للاعشى، و البيت بتمامه:

إن من لام في بني بنت حسا # ن ألمه و أعصه في الخطوب‏

(الكتاب 1: 439) .

(2) جزء من بيت، و البيت كاملا:

إن من يدخل الكنيسة يوما. # يلق فيها جاذرا و ظباء

(5-3) يس: 16.

(4) يس: 15.

(6) في الأصل: «و ليست» .

(7) الصافات: 102.

(8) النساء: 105.

436

فلا يخلو «أراك» من أن يكون نقلها بالهمزة من التي هى «رأيت» رؤية البصر، 74 ش/أو «رأيت» التي تتعدى إلى مفعولين، أو «رأيت» التي بمعنى الرأى، الذي هو الاعتقاد و المذهب، فلا يجوز أن تكون من الرؤية التي معناها: أبصرت بعيني، لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم، و لا يجوز أن يكون من «رأيت» التي تتعدى إلى مفعولين، لأنه كان يلزم بالنقل بالهمزة أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، و في تعدّيه إلى مفعولين-أحدهما الكاف التي للخطاب، و الآخر المفعول المقدّر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه اللّه، و لا مفعول ثالث في الكلام-دلالة على أنه من «رأيت» التي معناها الاعتقاد و الرأى، و هي تتعدى إلى مفعول واحد، و إذا نقل بالهمزة تعدّى إلى مفعولين، كما جاء في قوله تعالى: (بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ) (1) .

فإذا جعلت قوله «ذا» من قوله: (مََا ذََا تَرى‏ََ) (2) بمنزلة «الذي» ، صار تقديره.

ما الذي تراه؟فيصير «ما» فى موضع ابتداء، و «الذي» فى موضع خبره، و يكون المعنى: ما الذي نذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم له و تتلقاه بالقبول، أو تأتى غير ذلك؟ فهذا وجه قول من قال: «ماذا ترى» بفتح التاء.

و قرئ: «ماذا ترى» بضم التاء و كسر الراء، فإنه يجوز أن يكون «ما» مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، فيكونا في موضع نصب، و المعنى: أجلدا ترى على ما تحمل عليه أم خورا؟ و يجوز أن تجعل «ما» مبتدأة و «ذا» بمنزلة أحد، و يعود إليه الذكر المحذوف، من الصلة، و الفعل منقول من: رأى زيد الشي‏ء، و أريته الشي‏ء؛

____________

(1) النساء: 105.

(2) الصافات: 102.

437

إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر، كما أن «أعطيت» كذلك، و لو ذكرت المفعول، كان: أ رأيت زيدا جلدا، فيكون التقدير في الآية: ماذا ترينيه؟.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكََائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) * (1) أي: تزعمونهم إياهم، فالمفعولان محذوفان، لأنك إذا أظهرت العائد إلى «الذين» كان مفعولا أول، فيقتضى مفعولا ثانيا.

و من حذف المفعول قوله تعالى: (مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا) (2)

و التقدير: ننسكها، أي: نأمرك بتركها، أو بنسيانها، فالمفعول الأول محذوف، 75 ى (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا) أي: نأتك بخير منها.

و أما قوله تعالى: (أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) (3) ينبغى أن تكون هذه من رؤية العين، لأنه اقتصر فيه على مفعول واحد، كأنه: أ أبصرت؟أو شاهدت؟ و هذا لا يسوغ أن يقع بعده الاستفهام، لأنه إنما يقع بعد الأفعال التي تلغى، فيعلق عنها.

و أما «أ رأيت» الذي بمنزلة العلم، فإنها تكون على ضربين:

أحدهما: أن تتعدى إلى مفعول، و يقع الاستفهام في موضع خبره، كأنه قبل دخول «أ رأيت» مبتدأ، و خبره الاستفهام، و على هذا الآي التي تلوها.

و الثاني: أن يقع الاستفهام في موضع المفعول، فيعلق عنها، نحو:

أ رأيت من زيد؟فإذا قال: أ رأيت زيدا؟احتمل ثلاثة أضرب:

____________

(1) القصص: 62.

(2) البقرة: 106.

(3) الماعون: 1.

438

أحدها: أن يكون «رأيت» بمعنى: أبصرت، كقوله تعالى: (أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) (1) .

و الآخر: أن يكون «رأيت» بمعنى: علمت، فيكون بمعنى: أخبرنى.

فهذا: إذا كان كذلك، لم يجز أن يرتفع الاسم بعدها في قول من قال:

علمت زيدا أبو من هو؟ و يجوز: ألاّ يذكر قبل الاستفهام الاسم، نحو: أ رأيت أبو من زيد؟ لأن دخول معنى آخر فيه لا يمنع من أن يستعمل على أصله الذي له.

و قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) (2) ، و قوله تعالى:

(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) (3) ، و قوله: (وَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) (4)

و (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (5) ، و غير ذلك من الآي.

إن قال قائل: ما مفعول «ودّ» فى هذه الآي، و ما موضع «لو» بعده، و هل تقتضى «لو» هنا جوابا؟ فالقول في ذلك: إن «ودّ» فعل متعدّ، و إذا كان متعديا اقتضى المفعول به، و ليس من جنس الأفعال التي تعلّق، لأنه لا يلغى كما ألغيت المعلقة، و لا هو مثل ما شبه به نحو «انظر» فى قوله: انظر أزيد أبو من هو؟

____________

(1) الماعون: 1.

(2) البقرة: 109.

(3) البقرة: 96.

(4) الممتحنة: 2.

(5) القلم: 9.

439

و لا مثل: (بَدََا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا رَأَوُا اَلْآيََاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) (1) لأن هذه الأفعال تشبه الأوّل/من حيث كانت بمعنى العلم، فلذلك أجريت مجراها، فأما 75 ش «وددت» فليس من هذا الباب.

ألا ترى أنه لا يشبه العلم، و لا يضمر بعده القول أيضا، كما أضمر بعد قوله:

(فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ) (2) .

و لا مثل: (يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ) (3) .

و مثل قوله:

إنّى سأبدى لك فيما أبدى # شجن لى ببلاد سند

و شجن لى ببلاد نجد (4)

لأن هذه الأفعال و نحوها لما كانت بمعنى «القول» استقام إضمار «القول» بعدها لسدّها مسدّه، حتى قال بعض الناس: إنها بمنزلة «القول» ، و ليس «وددت» كذلك.

و إذا لم تكن مثله، و كان معناها التعدي، قلنا: إن «لو» بعده زائدة، و التقدير فى الفعل الواقع بعد «أن» ، و حذفت «أن» و وقع الفعل موقع الاسم، فالفعل في موضع المفعول.

و حسن هذا الحذف لذكر «لو» فى الكلام أنه حرف، فصار الحرف المذكور كالبدل من المحذوف، كما صار اللام فى: قولهم: ما كان ليفعل، بدلا من «أن» .

____________

(1) يوسف: 35.

(2) القمر: 10.

(3) النساء: 11.

(4) اللسان (شجن) :

إني سأبدي لك فيما أبدي # لي شجنان شجن بنجد

و شجن لي ببلاد هند

440

و كما استجازوا أن يحذف حرف الجر مع «أن» فى نحو: جئت أنك تريد الخير.

و ذهب الخليل إلى أنه في موضع جر، و لم يقل ذلك أحد، إذ كان المصدر الصحيح لا تجوز إرادة الحذف معه.

و إذا كانوا قد حذفوا الحرف في الكلام لجرى ذكر حرف فيه، نحو:

متى يمرر أمرر؛ و نحو: ما مررت برجل إن صالح فطالح، فحذف الحرف حيث ذكرنا أسوغ.

و حسّن ذلك ألا يظهر معه الحرف لكون المذكور بدلا من المحذوف، ألا ترى أن الخليل و سيبويه استجازا حذف‏ (1) الجار و المجرور من الصلة في قوله:

إن لم يجد يوما على من يتّكل‏ (2)

لجرى ذكر «على» قبل.

فإذا كان كذلك كان حذف هذا أجدر، لذكر الحرف، و كونه بدلا من المحذوف.

ألا ترى أن هذه قد حذفت في مواضع لم يقع منها بدل، و المعنى على الحذف قولهم: عسينا نفعل، و قول الشاعر.

ألا أيّها ذا الزّاجرى أحضر الوغى‏ (3)

____________

(1) في الأصل: «حرف» .

(2) عجز بيت، و صدره كما في الكتاب (1: 443) و الصحاح «عمل» :

إن الكريم و أبيك يعتمل‏

(3) صدر بيت، و عجزه:

و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي‏

441

/و: (أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) (1) ، فإذا حذفت، حيث لم يقع من حذفها عوض، كان حذفها هنا أجدر، لذكر «لو» ؛ فإذا كانت «لو» زائدة كان الفعل الواقع بعده في موضع المفعول، كما كان «ألهو» فيما أنشده أبو زيد من قوله:

و قالوا ما تشاء فقلت ألهو

واقعا موقع المفعول، و هو فعل مشابه له.

و يدل على زيادة «لو» فى هذا الموضع أنها تحذف بعد «وددت» فيقع الاسم بعده في موضع نصب.

فإذا صار دخولها و خروجها في المعنى واحدا كان كدخول «من» و نحوه، فى نحو: ما جاءنى من أحد.

و ذلك نحو قوله تعالى: (وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) (2) . فهذا في المعنى كقوله: (يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي) (3) ، فهذا يدل على زيادة «لو» .

فإن قلت: ما ننكر أن يكون الفعل معلّقا، لأنه قد وقع بعده «أن» الثقيلة فى نحو: (وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) (4) ؛

____________

(1) الزمر: 64.

(4-2) الأنفال: 7.

(3) المعارج: 11.

442

كما وقعت بعد: «علمت أنّ زيدا منطلق» . فإذا جعل بمنزلة «علمت» فى هذا جعل بمنزلته في التعليق.

فالقول: إن ذلك لا يوجب فيه التعليق، و لو جاز التعليق فيه لما ذكرت لجاز أن يعلّق «سررت» لقول الأعشى:

هل سرّ حنقط أنّ القوم صالحهم # أبو حريث و لم يوجد لهم خلف‏

و يروى: «و لم يؤخذ» . و «حنقط» امرأة، و يقال: حنقط: امرأة أبى حريث، و أبو حريث: رجل من بنى ثعلبة بن يربوع، قتل يومئذ، يريد:

هل سرها أنه سلم و لم يتزوج بعد.

و كما أن هذا النحو من الأفعال لا يعلّق و إن وقعت بعده «أن» كذلك لا يعلق «وددت» ، لأن «وددت» لا ينكر أن يقع بعدها «أن» الخفيفة كما وقعت الثقيلة، كما كان ذلك فى «سررت» ، فى نحو قوله:

هل سرّكم في جمادى أن نصالحكم‏

و مما يدل على زيادة «لو» فى هذا النحو/و أن الفعل في تقدير الحذف لأن معه رفعهم الفعل المعطوف عليه، فى نحو قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (1) ، و (وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ) (2) ، ثم قال:

____________

(1) القلم: 9.

(2) النساء: 102.

443

(فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ) (1) ، فهو نحو: عسى زيد يقوم فيذهب، فهذا هو الوجه، لأن الكلام في تقدير إيجاب.

و إذا كان كذلك بعد النصب كما بعد في قولك: أليس زيد عندك فتضربه؟لأن المعنى موجب.

و الذي ذكرنا أنه في بعض المصاحف‏ (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (2) بالنصب، على أحد أمرين:

إما أن يكون: لمّا كان معنى‏ (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) (3) معنى: ودّوا أن تدهن، بحمل المعطوف على المعنى، كما أن قوله: هو أحسن الفتيان و أجمله، محمول على المعنى، لأن «أحسن الفتيان» و «أحسن فتى» واحد في المعنى.

و إما أن تكون «لو» ، و إن كانت زائدة في هذا الموضع، لمّا كانت على لفظ «غير» الزائدة أجريت مجراها للشبه اللفظي، كما أجرى «أحمد» مجرى «أضرب» فى منع الجر و التنوين.

ألا ترى أن «لو» هذه على لفظ «لو» التي معناها الآخر في قوله:

.................... # لو تعان فتنهدا (4)

و المعنى: أعانها اللّه.

____________

(1) النساء: 102.

(3-2) القلم: 9.

(4) جزء من بيت، و البيت بتمامه:

سوّينا إليهم في جموع كأنها # جبال شروري لو تعان فتنهدا

(العيني 4: 413) .

444

و كذلك قوله تعالى: (فَلَوْ أَنَّ لَنََا كَرَّةً فَنَكُونَ) (1) ، المعنى: لتكن لنا كرة، إلا أن الدعاء لا يقال فيه أمر، فالتقدير: أحدث لنا كرة فنكون.

و مثله في التشبيه اللفظي في الحروف قوله:

يرجّى العبد ما إن لا يراه‏ (2)

و قوله: لما أغفلت شكرك.

فكذلك «لو» هذه أجريت مجرى غير الزيادة.

قوله تعالى: (رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (3) . التقدير: ربنا و اجعلنا مسلمين لك و أمة مسلمة لك من ذريتنا، ففصل بين الواو و المفعول بالظرف.

و قوله تعالى: (رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي) (4) يكون على أحد أمرين:

يكون على قياس قول أبى الحسن «من» زائدة، و التقدير: و اجعلنى مقيم الصلاة و من ذريتى/مقيم الصلاة، و المفعول محذوف، لا بد من ذلك، ألا ترى أنه لا يجوز: رب اجعلنى من ذريتى.

____________

(1) الشعراء: 102.

(2) عجزه:

و يأبى اللّه إلا ما يريد

(3) البقرة: 128.

(4) إبراهيم: 40.

445

قوله تعالى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) (1)

(وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا) (2) .

قال أبو على: ولّيتك القبلة، إذا صيرتك تستقبلها بوجهك، و ليس هذا المعنى فى «فعلت» منه.

ألا ترى أنك إذا قلت: وليت الحائط، و وليت الدار، لم يكن في «فعلت» منه دلالة على أنك واجهته، كما أنك في قولهم: وليتك القبلة، و وليتك المسجد الحرام، دلالة على أن المراد واجهته، فـ «فعّلت» فى هذه الكلمة ليس بمنقول من «فعلت» الذي هو «وليت» ، فيكون على حد قولك:

«فرح» و «فرّحته» ، و لكن هذا المعنى الذي هو المواجهة عارض فى «فعّلت» و لم يكن فى «فعلت» .

و إذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من «فعلت» كما كان قولهم: ألقيت متاعك بعضه على بعض، لم يكن النقل فيه من:

لقى متاعك بعضه بعضا، و لكن «ألقيت» كقولك «أسقطت» .

و لو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، و لم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر و إلحاقه المفعول الثاني في قولك: ألقيت بعض متاعك على بعض، كما لم يحتج إليه فى: ضرب زيد عمرا، و أضربته إياه، و نحو ذلك.

و كذلك: ولّيتك قبلة، من قولك: وليت، كألقيت من قولك: «لقيت» .

____________

(1) البقرة: 144.

(2) البقرة: 148.

446

و قال عز و جل: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) (1) فهذا على المواجهة له، و لا يجوز على غير المواجهة مع العلم أو غلبة الظن، الذي ينزّله منزلة العلم، فى تحرّى القبلة.

و قد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة و المواجهة، و ذلك فى نحو قوله:

(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاََّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (2) ، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَلَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ) (3) ، (عَبَسَ وَ تَوَلََّى (1) `أَنْ جََاءَهُ اَلْأَعْمى‏ََ) (4) أي: أعرض عنه.

و قال عز و جل: (وَ تَوَلََّى عَنْهُمْ وَ قََالَ يََا أَسَفى‏ََ عَلى‏ََ يُوسُفَ) . (5)

(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلََّى عَنْ ذِكْرِنََا) (6) .

فهذا مع دخول الزيادة للفعل في غير الزيادة.

____________

(1) البقرة: 144.

(2) البقرة: 83.

(3) البقرة: 64.

(4) عبس: 1.

(5) يوسف: 84.

(6) النجم: 29.

447

قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (1) .

فالحال مؤكدة، لأن فى «توليتم» دلالة على أنهم «مدبرين» ، فهذا على نحوين:

أمّا ما لحق التاء أوله فإنه يجوز أن يكون من باب «تحوّب» و «تأثّم» ، إذا ترك الحوب، و الإثم، و كذلك إذا ترك الجهة، التي هي المقابلة.

و يجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشي‏ء و على خلافه، كالحروف المروية في الأضداد.

فأما قوله تعالى: (وَ إِنْ يُقََاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبََارَ) (2) ، و قوله: (وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبََارَ) (3) ، و قوله: (سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ) (4) .

فهذا منقول من «فعل» ، تقول: دارى تلى داره، و وليت دارى داره، فإذا نقلته إلى «فعلّ» قلت: وليت مآخيره، و ولاّنى مآخيره، و وليت ميامنه، و ولاّنى ميامنه، فهو مثل: فرح و فرّحته، و ليس مثل: لقى و ألقيته و لقّيته.

و قوله: (لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبََارَ) (5) ، و قوله: (وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ) (6) ، المفعول

____________

(1) التوبة: 25.

(2) آل عمران: 111.

(3) الحشر: 12.

(4) القمر: 45.

(5) الحشر: 12.

(6) القمر: 45.

448

الثاني في نقل «فعل» إلى «فعل» محذوف، و لو لم يحذف كان كقوله:

(يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبََارَ) (1) .

و أما قوله تعالى: (وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا) (2) فيمن قرأ «تلوا» فمعناه و اللّه أعلم: الإقبال عليهم، و المقاربة لهم في العدل في قسمهم.

ألا ترى أنه قد عودل بالإعراض في قوله تعالى: (أَوْ تُعْرِضُوا) ، فكان قوله: (وَ إِنْ تَلْوُوا) ، كقوله: إن أقبلتم عليهم و لم تعرضوا عنهم.

فإن قلت: فهل يجوز أن يكون فى «تلوا» دلالة على المواجهة فتجعل قوله‏ (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) (3) منقولا من هذا ثم اقتضى المواجهة، و تستدل على ذلك بمعادلته: على خلاف، الذي هو الإعراض.

فالقول إن ذلك في هذه الكلمة ليس بالظاهر، و لا في الكلمة دلالة على هذه المخصوصة التي جاءت في قوله: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا) (4) .

و إذا لم يكن عليها دلالة، لم يصرفها عن الموضع الذي/جاء فيه فلم يتعدها إلى سواها.

و قوله تعالى: (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاََ تَوَلَّوْا عَنْهُ) (5)

فالضمير فى «عنه» إذا جعلته للرسول احتمل أمرين:

(لاََ تَوَلَّوْا عَنْهُ) : لا تنفضّوا عنه، كما قال: (اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا وَ تَرَكُوكَ قََائِماً) (6) .

____________

(1) آل عمران: 111.

(2) النساء: 135.

(4-3) البقرة: 144.

(5) الأنفال: 20.

(6) الجمعة: 11.

449

و قال: (وَ إِذََا كََانُوا مَعَهُ عَلى‏ََ أَمْرٍ جََامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتََّى يَسْتَأْذِنُوهُ) (1)

و قال: (قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوََاذاً) (2) .

و على هذا المعنى قوله تعالى: (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (3) أي: بعد أن تتفرقوا عنها. و لا يكون «لا تولّوا عنه» : لا تعرضوا عن أمره، و تلّقوه بالطاعة و القبول. كما قال عز و جل: (فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) (4) .

و من إضمار المفعول قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (5) المعنى:

فمن شهد منكم المصر في الشهر.

فحذف المفعول لا بد من تقديره، لأن المسافر شاهد الشهر، و لا يلزمه الصوم، بل يجوز له الإفطار، فانتصاب الشهر على الظرف، و إنما قال:

«فليصمه» : و لم يقل، فليصم فيه، و الظروف إذا كنى عنها رد حرف الظرفية معها، لأنه قد اتسع فيها، و نصبه نصب المفعول بعد أن استعمله ظرفا.

و اعلم أن «شهد» فعل استعمل على ضربين:

أحدهما: الحضور؛ و الاخر: العلم.

فالذى معناه الحضور، يتعدى إلى مفعول.

____________

(1) النور: 62.

(4-2) النور: 63.

(3) الأنبياء: 57.

(5) البقرة: 185.

450

و يدلك على ذلك قوله:

لو شهد عاد في زمان عاد (1)

و قوله:

و يوما شهدناه سليما و عامرا

فتقدير هذا: شهدنا فيه.

و من ذلك قوله:

شهدنا فما نلقى‏[به‏]من كتيبة # يد الدّهر إلاّ جبرئيل أمامها

فهذا محذوف المفعول، التقدير فيه: شهدنا المعركة، أو: من تجمّع لقتالنا.

و منه قوله:

لقد شهدت قيس فما كان نصرها # قتيبة إلاّ عضّها بالأباهم‏ (2)

فهذا الضرب المتعدى إلى مفعول واحد إذا نقل بالهمزة تعدّى إلى المفعولين، تقول: شهد زيد المعركة، و أشهدته إياها.

فمن هذا قوله: (مََا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (3) لما نقل بالهمزة صار الفاعل مفعولا، و التقدير: ما أشهدتهم/فعلى. و الـ «فعل» فى أنه مفعول ثان، و إن كان غير عين، مثل «زيد» ، و نحوه من الأسماء المختصة.

و قالوا: امرأة مشهد، إذا كان زوجها شاهدا لم يخرج في بعث من غزو و غيره.

____________

(1) صدر بيت، و عجزه:

لابتزها مبارك الجلاد

أراد: شهد، بكسر الهاء فسكنه تخفيفا. و مبارك الجلاد: وسط الحرب و معظمها. يقول: لو شهد الممدوح عادا في الحرب لفاز عليها و فاز بمعظم الحرب دونها. (المخصص 17: 42-الكتاب 2:

27-البحر 4: 323) .

(2) البيت للفرزدق. يريد: الأباهيم، غير أنه حذف، لأن القصيدة ليست مردفة.

(3) الكهف: 51.

451

و امرأة مغيب، إذا لم يشهد زوجها، فكأن المعنى: ذات غيبة، أي: ذات غيبة وليّها، و ذات شهادة وليّها. و الشهادة خلاف الغيبة، قال اللّه تعالى:

(عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ) * (1) .

فهذا في المعنى قريب من قوله: (وَ يَعْلَمُ مََا تُخْفُونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ) (2) (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ) (3) .

و أما «شهدت» الذي بمعنى «علمت» فيستعمل على ضربين:

أحدهما: أن يكون قسما.

و الآخر: أن يكون غير قسم.

فاستعمالهم إياه قسما، كاستعمالهم: علم اللّه، و يعلم اللّه، قسما. تقول:

علم اللّه لأفعلن، فتلقّاه بما يتلقّى به الإقسام، و أنشد سيبويه:

و لقد علمت لتأتينّ منيّتى # إنّ المنايا لا تطيش سهامها (4)

و تقول: أشهد باللّه إنك لذاهب، و أشهد إنك لذاهب.

قال: و حدثنا أبو الحسن أن محمدا قال: إن زفر يذهب إلى أنه إذا قال: أشهد باللّه، كان يمينا؛ فإن قال «أشهد» و لم يقل «باللّه» لم يره يمينا.

____________

(1) التغابن: 18.

(2) النمل: 25.

(3) الأنعام: 3.

(4) البيت للبيد. (الكتاب 1: 456) .

452

قال: و قال محمد: «أشهد» غير موصولة بقولك «باللّه» فى أنه يمين، كقولك: أشهد باللّه.

و قال: و استشهد محمد على ذلك بقوله: (قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ) (1) .

و قال: (وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ‏`اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً) (2) .

فجعله يمينا و لم يوصل بقوله «باللّه» .

و أما «شهدت» الذي يراد به «علمت» ، و لا يراد به اليمين، فهو ضرب من العلم مخصوص. و كل شهادة علم، و ليس كل علم شهادة.

و مما يدل على اختصاصها بالعلم، أنه‏[لو] (3) قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد.

فالشهادة مثل التيقّن في أنه ضرب من العلم مخصوص، و ليس كل علم تيقّنا، و إن كان كل تيقّن علما، و كان التيقن هو العلم الذي عرض لعالمه إشكال فيه.

ـ

____________

(1) المنافقون: 1.

(2) المنافقون: 1، 2.

(3) تكملة يقتضيها السياق.

453

نتبين ذلك فى قصة إبراهيم عليه السلام‏ (وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ) (1) و يبيّن ذا قول رؤبة:

/يا دار عفراء و دار البخدن # أما جزاء العالم المستيقن‏

فلو لم يكن فى «المستيقن» زيادة معنى، لم يكن في الوصف الأول، لم يحسن هذا الكلام، و كان غير مفيد، و هذا كقول زهير:

فلأيا عرفت الدّار بعد توهّم‏ (2)

و قال بعد:

فلما عرفت الدار (3)

أي: عرفتها بعد إشكال أمرها و التباسها على.

و على هذا قول الآخر:

حيّوا الدّيار و حيّوا ساكن الدّار # ما كدت أعرف إلاّ بعد إنكار

و كان معنى: أشهد أيها الحاكم على كذا، أي: أعلمه علما يحضرنى قد تذلل لى فلا أتوقف عنه و لا أتلبث فيه، لوضوحه عندى و تبينه لى؛ و ليس كذلك سبيل المعلومات كلها.

ألا ترى أن منها ما يحتاج إلى توقف فيه؛ و استدلال عليه، و تذليل له؛ و يدل على هذا، و أن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم، أنه لا يخلو من أن يكون العلم مجردا مما ذكرناه، أو العلم مقترنا بما وصفناه من المعاني، و الذي يدل على أنه المقترن بالمعنى، الذي ذكرنا.

____________

(1) الأنعام: 75.

(2) عجز بيت صدره:

وقفت بها من بعد عشرين حجة

(3) جزء من بيت، و البيت كاملا:

فلما عرفت الدار قلت لربعها # ألا أنعم صباحا أيها الربع و اسلم‏

454

و قوله تعالى: (إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ) (1) ، و قوله: (وَ مََا شَهِدْنََا إِلاََّ بِمََا عَلِمْنََا) (2) .

فلو كان معنى «شهد» العلم خاليا من هذه المعاني، لكان المعنى:

و ما علمنا إلا بما علمنا، و من علم الحق لم يقل: بما علما إلا ما علمنا، و هو يعلم.

فإذا لم يسهل حمله على هذا، علم أن معناه ما ذكرنا.

و «شهد» فى هذا الوجه يتعدى بحرف جر، فتارة يكون الباء و الأخرى «على» .

و مما يعدّى بـ «على» قوله تعالى: (وَ قََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا) (3) ، و قوله تعالى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصََارُهُمْ) (4) ، و (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ) (5) ، و (شَهِدْنََا عَلى‏ََ أَنْفُسِنََا وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا وَ شَهِدُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ) (6) .

و من التعدي بالباء قوله تعالى: (وَ مََا شَهِدْنََا إِلاََّ بِمََا عَلِمْنََا) (7) ، و (إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) (8) ، و قوله تعالى: (فَشَهََادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهََادََاتٍ بِاللََّهِ) (9) .

فإذا نقل بالهمزة، زاد بالهمزة مفعول، كسائر الأفعال المتعدية إذا نقلت بالهمزة.

و قال عزّ من قائل: (وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ) (10) .

فأما قوله: (أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ) (11) ، فمن الشهادة التي هي الحضور، كأنهم و نجوا على ما قالوا مما لم يحضروه/مما حكمه أن يعلم بالمشاهدة.

____________

(8-1) الزخرف: 86.

(2) يوسف: 81.

(3) فصلت: 21.

(4) فصلت: 20.

(5) النور: 24.

(6) الأنعام: 130.

(7) يوسف: 81.

(9) النور: 6.

(10) الأعراف: 172.

(11) الزخرف: 19.