إعراب القرآن - ج3

- الزجاج المزيد...
1106 /
777

الجزء الثالث‏

من إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج‏

778

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

779

الباب الخامس و الأربعون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل و فيه خلاف بين سيبويه و أبي العباس و ذلك‏ (1) فى باب الشرط و الجزاء، و ذلك أنك إذا قلت: إن تأتنى آتيك، فسيبويه يقدره على التقديم، أو كأن قال: آتيك أن تأتنى. و أبو العباس يقدره على إضمار الفاء، على تقدير: أن تأتنى فآتيك.

و من ذلك قوله: (وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاََ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) (2) ، فيمن ضم الراء و شدد، هو على التقديم عند سيبويه، و على إضمار الفاء عند أبى العباس.

و كذلك قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهََا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) (3) من جعل قوله «و ما عملت من» شرطا أضمر الفاء فى قوله «تود» . و هو عند أبى العباس و عند سيبويه يقدّر التقديم فى «تود» . و من جعل «ما» بمعنى «الذي» فله أن يبتدى‏ء بها و يجعل «تود» الخبر. و من قال: إن «ما» معطوفة على قوله «ما عملت» جعل قوله «تود» فى موضع الحال من «عملت» .

قال أبو على: فى قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهََا) (4) : إن جعلت «تجد» من: وجدان الضالة، كان «محضرا» حالا، و قوله «و ما عملت من سوء» فى موضع

____________

(1) الكتاب: (1: 438-440) .

(2) آل عمران: 120.

(4-3) آل عمران: 30.

780

نصب بالعطف على «ما» الأولى، و «تود» فى موضع الحال عن «ما» الثانية/لأن فى الجملة ذكرا يعود إلى «ما» .

و إن جعلت «تجد» بمعنى تعلم، كان «محضرا» المفعول الثاني. و المعنى:

يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت من خير محضرا و تود لو أن بينها و بينه جزاء ما عملت؛ لا يكون إلاّ كذلك، لأن ما عملته فيما مضى لا يكون محضرا هناك.

و قريب من هذا فى المعنى قوله: (تَرَى اَلظََّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمََّا كَسَبُوا وَ هُوَ وََاقِعٌ بِهِمْ) (1) ، أي: جزاؤه، لأن الإشفاق منه يجب ألا يقرب منه.

و يجوز أن يكون موضع «ما» الثانية رفعا، و «تود» فى موضع رفع خبر الابتداء. و لا يجوز أن يكون «ما» بمعنى الجزاء، إلا أن يكون «تود» :

«فهى تود» ، و لو كان: و ما عملت من سوء ودت، (2) لجاز أن يكون جزاء.

و يجوز على قياس قول أبى الحسن فى قوله: (اَلْوَصِيَّةُ لِلْوََالِدَيْنِ) (3)

من أن المعنى: فالوصية، أن يكون جزاء، و يقدّر حذف الفاء، و يكون المعنى: فهى تود لو أن بينها و بينه. و هو قياس قول الفراء عندى، لأنه ذكر فى حد الجزاء أن قوله: (وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (4)

على حذف الفاء. فسيبويه حمل هذه المواضع على التقديم، و لم يجز إضمار الفاء، و قال فى باب «أي» : إذا قلت: أيها تشألك، هو على إضمار الفاء، أي: فلك. و لعله عمل هناك على الموصول إذ أجراها مجراها، إذا قلت: أيها تشأ لك هو.

____________

(1) الشورى: 22.

(2) هذه قراءة عبد اللّه (انظر: الكشاف 1: 352-البحر 2: 427-428) .

(3) البقرة: 180.

(4) الأنعام: 121.

781

و أبو العباس يزعم أنك إذا قلت: إن تأتنى آتيك. فقد وقع الجزاء موقعه فلا ينوى به التقديم، كما أن الفاعل إذا وقع موقعه لا ينوى به غير موضعه و سيبويه يقول‏ (1) : إن الشرط على وجهين:

أحدهما أن يكون المعتمد المقصود تقديم الشرط و إتباع الجزاء له، كقولك: إن تأتنى آتك، و إن تأتنى فأنا مكرم لك. و لا يجوز تقديم الجواب على الشرط.

و الآخر أن يكون الاعتماد على فعل و فاعل، أو مبتدأ و خبر، يبتدئه المتكلم و يعلقه بشرط كما يعلقه بظرف، فيقول: أكرمك إن أتيتنى، و أنا مكرمك إن زرتنى، كما تقول: أكرمك يوم الجمعة. فإذا قال: إن أتيتنى أكرمك، فليس «أكرمك» بجواب، فيكون تقديما إلى غير موضعه، و إنما هو الفعل، الذي القصد فيه التقديم.

____________

(1) الكتاب (1: 431-437) .

782

الباب السادس و الأربعون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من إدخال همزة الاستفهام على الشرط و الجزاء و هذه‏ (1) أيضا مسألة فيها اختلاف بين سيبويه و يونس، و صورتها: أ إن تأتنى آتك، بجزم الجواب عند سيبويه.

و يونس يقول: أ إن تأتنى آتيك، بالرفع، و يقول: هو فى نية التقديم، و يقدره: أآتيك إن تأتنى.

فمن ذلك قوله تعالى: (أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ) (2) .

و قال اللّه تعالى: (أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ اَلْخََالِدُونَ) (3) .

فهاتان آيتان يحتج بهما سيبويه على يونس، و ذلك أنه إذا نوى بالجزاء التقديم وجب أن يكون التقدير فى الآية الأولى: انقلبتم على أعقابكم فإن مات؟و فى الآية الاخرى: أفهم الخالدون فإن مت؟و هذا ليس وجه الكلام، و إنما وجه الكلام: أفهم الخالدون إن مت؟و كذا: انقلبتم على أعقابكم إن مات!لأن من قال: أنت ظالم إن فعلت، لم يقل: فأنت ظالم إن فعلت؛ فإن قيل: فإن الفاء زيادة، قيل: الفاء هاهنا نظير «ثم» فى قوله:

(أَ ثُمَّ إِذََا مََا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) (4) . و كما لا يجوز تقدير الزيادة فى «ثم» فكذا هاهنا.

____________

(1) الكتاب (1: 443-444) .

(2) آل عمران: 144.

(3) الأنبياء: 34.

(4) يونس: 51.

783

الباب السابع و الأربعون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من إضمار الحال و الصفة جميعا و هو شى‏ء لطيف غريب، فمن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ) (1) ، أي: فمن شهده منكم صحيحا بالغا.

و من ذلك قوله فى الصفة: (وَ إِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاََلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) (2) و التقدير: و له أخ أو أخت من أم، فحذف الصفة.

و قال: (وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ) (3) ، (فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ) (4) ، كان المعنى: كل شى‏ء أحبّته، و كل شى‏ء أحبوه.

و قال فى الريح: (مََا تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاََّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (5) .

و قال: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ) (6) و لم تجتح هودا و المسلمين معه.

و قوله: (وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) (7) يعنى «الكافرين» لأن فيهم حمزة و عليّا و جعفرا.

و قال: (حَتََّى إِذََا جََاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) (8) ، أي: شيئا مما ظنه و قدّره، يبين ذلك قول العباس بن مرداس:

و قد كنت فى الحرب‏ (9) ذا تدرأ (10) # فلم أعط شيئا و لم أمنع‏

/أراد شيئا مما قدّرت إعطائى إياه. و بعد هذا البيت:

____________

(1) البقرة: 185.

(2) النساء: 11.

(3) النمل: 23.

(4) الأنعام: 44.

(5) الذاريات: 42.

(6) الأحقاف: 25.

(7) الأنعام: 66.

(8) النور: 39.

(9) الرواية في اللسان «درأ» : «القوم» .

(10) ذو تدرأ: ذو هجوم لا يتوقى و لا يهاب، ففيه قوة على دفع أعدائه.

784

إلاّ أفائل أعطيتها عديد قوائمه الأربع‏ (1)

فقال: لم أعط شيئا. ثم قال: إلا أفائل أعطيتها.

و على هذا قولهم: ما أنت بشى‏ء، أي: شى‏ء يقع به اعتداد. فهذا قريب من قولهم: تكلمت و لم تتكلم.

و قريب من هذا قول الكميت:

سئلت فلم تمنع و لم تعط نائلا # فسيّان لا ذمّ عليك و لا حمد

كأنه لم يعط عطاء يكون له موضع، أو يكون له اعتداد.

و قريب من هذا قوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاََ يَمُوتُ فِيهََا وَ لاََ يَحْيى‏ََ) (2)

و الذي لا يموت يحيا، و الذي لا يحيا يموت؛ و لكن المعنى: لا يحيى حياة طيبة يعتد بها و لا يموت موتا مريحا، مما دفعوا إليه من مقاساة العذاب، و كأن الإحياء للعذاب ليس بحياة معتدّ بها.

قال عثمان: و أما حذف الحال فلا يحسن، و ذلك أن الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها، و ما طريقه طريق التوكيد غير لائق به الحذف، لأنه ضد الغرض و نقيضه، و لأجل ذلك لم يجز أبو الحسن تأكيد «الهاء» المحذوف من الصلة، نحو: الذي ضربت نفسه زيد، على أن يكون «نفسه» توكيدا للهاء المحذوفة من «ضربت» و هذا مما يترك مثله كما يترك إدغام الملحق إشفاقا من انتقاض الغرض بإدغامه.

____________

(1) الأفائل: صفار الإبل.

(2) طه: 74.

785

فأما ما أجزناه من حذف الحال فى قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (1) ، أي: فمن شهده صحيحا بالغا، فطريقه: أنه لما دلّت الدلالة عليه من الإجماع و السنة جاز حذفه تخفيفا.

و أما إذا عرّيت الحال من هذه القرينة، و تجرد الأمر دونها، لما جاء حذف الحال على وجه.

و حكى سيبويه: سير عليه ليل، و هم يريدون: ليل طويل، و كأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دلّ من الحال على موضعها، و ذلك أنك تحس فى كلام القائل لذلك من التّطويح و التّطريح و التفخيم و التعظيم ما يقوم مقامه قوله:

«طويل» /و نحو ذلك، و أنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، و ذلك أن يكون فى مدح، فتقول: كان و اللّه رجلا، فتزيد فى قوة اللفظ «باللّه» هذه الكلمة، و تمكن فى تمطيط اللام و إطالة الصوت عليها، أي: رجلا فاضلا شجاعا، أو كريما، أو نحو ذلك؛ و كذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانا، و تمكن الصوت بإنسان و تفخمه؛ فتستغنى بذلك عن وصفه، و تريد: إنسانا سمحا، أو جوادا، أو نحو ذلك؛ و كذلك إن ذممته و وصفته بالضّيق، قلت: سألناه و كان إنسانا.

و تزوّى وجهك و تقطّبه، فيغنى عن ذلك قولك: إنسانا لئيما، أو بخيلا، أو نحو ذلك. فعلى هذا و ما يجرى مجراه تحذف الصفة.

فأمّا إن عرّيت من الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا يجوز، ألا تراك لو قلت: وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل، أو رأينا بستانا،

____________

(1) البقرة: 185.

786

و سكتّ، لم تفد بذلك شيئا، لأن هذا و نحوه مما لا يعرّى منه ذلك المكان، و إنما المتوقّع أن تصف من ذكرت و ما ذكرت، فإن لم تفعل كلّفت علم ما لا يدل عليه، و هو لغو من الحديث، و تجوّز فى التكليف.

و من ذلك ما يروى فى الحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ فى المسجد» .

أي: لا صلاة كاملة أو فاضلة، و نحو ذلك. و مثله: لا سيف إلاّ ذو الفقار، و لا فتى إلاّ علىّ، عليه السلام.

787

الباب الثامن و الأربعون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من الجمع يراد به التثنية فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ) (1) . و أجمعوا، غير ابن عباس، أن الأخوين يحجبان الأم من الثّلث إلى السّدس، خلافا له، فإنه لا يحجب إلاّ بوجود ثلاثة إخوة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا) (2) ، أي: يديهما.

و من ذلك قوله: (إِنْ تَتُوبََا إِلَى اَللََّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا) (3) ، أي: قلباكما.

مثل هذا لا يجوز فيه الإفراد استغناء بالمضاف إليه، و تجوز فيه التثنية اعتبارا بالحقيقة، و يجوز فيه الجمع اعتبارا بالمعنى، لأن الجمع ضم نظير إلى نظير كالتثنية.

و قالوا: كل شى‏ء من شيئين فتثنيتهما جمع، كقولك: ضربت رءوس الزيدين، و قطعت أيديهما و أرجلهما؛ و هذا أفصح عندهم من «رأسيهما» ، كرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فى كلمة واحدة، فصرفوا الأول إلى لفظ الجمع، /لأن التثنية جمع فى المعنى، لأن معنى الجمع ضمّ شى‏ء إلى شى‏ء، فهو يقع على القليل و الكثير، و أنشدوا:

و مهمهين قذفين مرتين # ظهراهما مثل ظهور التّرسين‏ (4)

____________

(1) النساء: 11.

(2) المائدة: 38.

(3) التحريم: 4.

(4) الشعر لخطام المجاشعي، و قيل: هميان بن قحافة. و القذف: البعيد. و المرت: الذي لا ينبت.

(الكتاب 1: 241، 2: 202-اللسان: مرت) .

788

فأما قوله تعالى: (فَلاََ أُقْسِمُ بِرَبِّ اَلْمَشََارِقِ وَ اَلْمَغََارِبِ) (1) ، فقيل: هو من هذا الباب، لقوله: (رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ) (2) ، فعبّر عن التثنية بالجمع.

و معنى‏ «رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ» ، قيل: المشرقان: الشتاء و الصيف، و كذا المغربان‏ (3) . عن ابن عباس.

و قيل: مشرق الشمس و الفجر، و مغرب الشمس و الشّفق.

قوله: يا ليت بينى و بينك بعد المشرقين. قيل: معناه: بعد المشرق و المغرب. فهذا كالقمرين و العمرين.

و قيل: مشرق الشّتاء و الصيف.

و أما قوله تعالى: (وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ) (4) . و هم لم يدّعوا إلهية مريم كما ادعوا إلهية المسيح، فيما يزعمون، فإن ذلك يجى‏ء على:

لنا قمراها و النّجوم الطوالع‏ (5)

و العجّاجان، لرؤبة و العجّاج؛ و الأسودان، للماء و التمر، أطلق على أحدهما اسم الآخر، و إن لم يكن ذلك اسما له.

و اعلم أنه قد جاءت التثنية يراد بها الكثرة و الجمع، كما جاء الجمع يراد به التثنية. قال اللّه تعالى: (بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ) (6)

____________

(1) المعارج: 40.

(2) الرحمن: 17.

(3) يريد: مشرقي الشتاء و الصيف و مغربيهما.

(4) المائدة: 116.

(5) عجز بيت للفرزدق، صدره:

أخذنا بآفاق السماء عليكم‏

(6) المائدة: 64.

789

و قال: (ثُمَّ اِرْجِعِ اَلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خََاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ) (1) .

أي: كرّتين اثنتين. و إنما ذاك بكرات، و كأنه قال: كرة بعد كرة، كما قالوا:

لبّيك، أي: إلبابا بعد إلباب، و إسعادا بعد إسعاد، فى: سعديك، و حنانيك: تحننا بعد تحنن، قال:

ضربا هذا ذيك و طعنا و خضا (2)

أي هذّا بعد هذّ. و أنشدوا للكميت:

و أنت ما أنت فى غبراء مظلمة # إذا دعت أللها الكاعب الفضل‏ (3)

أي: أللا بعد ألل.

و هذا حديث يطول.

و أما قوله تعالى: (وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ) (4) . الفرّاء يريد به المفرد، كقوله: (و مهمهين) (5) ، ثم قال: قطعته، و هذا لا يصح، كقوله‏ (وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ) (6) ، و قوله: (جَنَّةً وَ حَرِيراً) (7) ، (وَ دََانِيَةً) (8) ، و قوله «قطعته» كقوله:

«معيّن بسواد» (9) فى الرّد إلى الأول و من ذلك قوله: (أُولََئِكَ مُبَرَّؤُنَ) (10) يعنى: عائشة و صفوان.

و قال: (وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ) (11) ، و فى التفسير: كان معه لوحان.

____________

(1) الملك: 4.

(2) الهذ: القطع. و الوخض: الطعن (اللسان: هذ، و خض) .

(3) البيت في وصف رجل. و الألل: الصوت. يريد: حكاية أصوات النساء إذا صرخن. (اللسان.

ألل) .

(4) الرحمن: 46.

(5) انظر الرجز (ص 784) .

(6) الرحمن: 54.

(7) الدهر (الإنسان) : 12.

(8) الدهر (الإنسان) : 14.

(9) جزء من بيت الأعشى. و البيت كاملا:

و كأنه لهق السراة كأنه # ما حاجبيه معين بسواد

و معين بسواد، أي بين عينيه سواد. (الكتاب 1: 10-اللسان: عين) .

(10) النور: 26.

(11) الأعراف: 150.

790

و قال: (وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ) (1) و المتقدم: داود و سليمان.

و أما قوله تعالى: / (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ نَهَرٍ*`فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) (2) .

هو على حذف المضاف، أي: فى موضع قعود.

و كذا قراءة من قرأ، (فِي مَسْكَنِهِمْ) (3) ، أي: فى موضع سكناهم، لأن الاستغناء بالجمع عن المضاف إليه أكثره فى الشعر، نحو:

(فى حلقكم عظم) (4) و (بعض بطنكم) (5) .

نقل فارسهم.

____________

(1) الأنبياء: 78.

(2) القمر: 54 و 55.

(3) سبأ: 15. قراءة النخعي و حمزة و حفص: مسكن: مفردا بفتح الكاف، و الكسائي: مفردا بكسرها، و هي قراءة الأعمش و علقمة.

(4) جزء من بيت للمسيب بن زيد مناة الغنوي، و البيت بتمامه:

لا ننكر القتل و قد سبينا # في حلقكم عظم و قد شجينا.

(5) جزء من بيت. و البيت بتمامه:

كلوا في بعض بطنكم تعفوا # فإن زمانكم زمن خميص‏

يريد: بطونكم. (البحر 7: 269-الكتاب 1: 1: 108) .

791

الباب التاسع و الأربعون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل منصوبا على المضاف إليه و هذا شى‏ء عزيز، قال فيه فارسهم: إن ذاك قد أخرج بطول التأمل و الفكر.

فمن ذلك قوله عز من قائل: (قََالَ اَلنََّارُ مَثْوََاكُمْ خََالِدِينَ فِيهََا إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ) (1) «خالدين» حال من «الكاف و الميم» المضاف إليهما «مثوى» و مثله: (أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (2) ، فـ «مصبحين» حال من «هؤلاء» .

و كذلك قوله: (وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوََاناً) (3) ، «إخوانا» حال من المضاف إليهم فى قوله فى «صدورهم» .

و مثله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) (4) .

قال أبو إسحاق: «المثوى» : المقام، و «خالدين فيها» منصوب على الحال، أي: النار مقامكم فى حال خلود دائما.

قال أبو على: «مثوى» عندى فى الآية اسم للمكان دون المكان، لحصول الحال فى الكلام معملا فيها، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون موضعا أو اسم مصدر، فلا يجوز أن يكون موضعا، لأن اسم الموضع لا يعمل عمل الفعل، لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعا ثبت أنه مصدر، و المعنى: النار ذات إقامتكم، أي: النار ذات إقامتكم فيها خالدين، أي: هم

____________

(1) الأنعام: 128.

(2) الحجر: 66.

(3) الحجر: 47.

(4) يونس: 4.

792

أهل أن يقيموا و يثبتوا خالدين، فالكاف و الميم فاعل فى المعنى، و إن كان فى اللفظ خفض بالإضافة. و أما قوله:

و ما هى إلاّ فى إزار و علقة # مغار ابن همّام على حىّ خثعما (1)

فهو أيضا على حذف المضاف. المعنى: و ما هى إلاّ فى إزار و علقة وقت إغارة ابن همّام. ألا ترى أنه قد عدّاه بـ «على» إلى «حى خثعما» ، فإذا عدّاه ثبت أنه مصدر، إذ اسما المكان و الزمان لا يتعديان، فهو من باب/: خفوق النجم، و مقدم الحاج، و خلافة فلان، و نحو، من المصادر التي استعملت فى موضع الظرف، للاتساع فى حذف المضاف، الذي هو اسم زمان، و إنما حسن ذلك فى المصادر لمطابقتها الزمان فى المعنى؛ ألا ترى أنه عبارة عن منقض غير باق، كما أن الزمان كذلك، و من ثم كثر إقامتهم «ما» التي مع الفعل بمعنى المصدر مقام ظرف الزمان، لقولهم: أكلمك ما خلا ليل نهارا، و ما خلقت جرة درة، (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مََا دُمْتُ فِيهِمْ) (2) ؛ حتى إن قوما من النّحويين يسمونها: «ما» الوقت، و حقيقته: ما أعلمتك.

و قال فى «التذكرة» : القول فى «مثوى» : إنه لا يخلو من أن يكون اسم مكان أو مصدرا، و الأظهر المكان، فإذا كان كذلك فالحال من المضاف إليهم، كما إن قوله-يعنى الجعدي:

كأنّ حواميه مدبرا # خضبن و إن كان لم يخضب‏ (3)

حال من المضاف إليه.

____________

(1) البيت لحميد بن ثور. و العلقة: ثوب قصير بلا كمين تلبسه الصبية تلعب فيه.

(2) المائدة: 117.

(3) الحوامي: ميامن الحافر و مياسره. يصف فرسا.

793

و إن جعلت «المثوى» مصدرا ألزمك أن تقدّر حذف المضاف، كأنه: موضع ثوائكم خالدين، فيكون الحال من المصدر و العامل فيها، كأنه:

يثوون فيها خالدين. فالعامل فى الحال-على هذا-المصدر، و فى الوجه الأول معنى الإضافة، مثل قوله تعالى: (فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) (1) ، الحال عن الإضافة، و ما فيه من معنى الفعل هو العامل، و الدليل على ذلك أنه لا يخلو من أن يكون العامل المضاف إليهم أو معنى اللام، فلا يكون معنى اللام، لأنه لو كان كذلك لم تكن الحال مجموعا بالواو و النون؛ ألا ترى أن «ما لهم» ، أي: شى‏ء، و أي شى‏ء ثبت لهم، لا يكون جميعا مما يعقل، فلا يكون الحال عنه، و إذا لم يكن عنه علمت أنه من المضاف إليهم، و أن العامل فى الحال ما فى الإضافة من معنى الفعل، و حروف الجر فى هذا بمنزلة الأسماء كما كانت الأسماء بمنزلتها، فى نحو: غلام من تضرب أضرب، و فى الاستفهام: غلام من تضرب؟كما تقول: بأيهم تمرر؛ و غلام من تضرب أضرب، بمنزلة: من تمرر أمرر.

و قال فى موضع آخر من «التذكرة» . القول فى قوله تعالى: (فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) (2) : إن الحال لا يخلو فيه من أن يكون: عما فى اللام، أو عن المضاف إليهم، فلا يجوز أن يكون عما فى اللام، فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه عن المضاف إليهم، و المضاف إليه إنما جاز انتصاب الحال عنه لأنه لا تخلو الإضافة فيه/من أن تكون بمعنى اللام، أو بمعنى «من» ، فمن أي القسمين كان فمعنى الفعل فيه حاصل، فانتصابهما عن معنى الفعل، و لا يكون ذلك معنى مضمرا، كما ذهب إليه أبو عثمان فى قوله:

و إذ ما مثلهم بشر (3)

ـ

____________

(1) المدثر: 49.

(3-2) جزء من بيت للفرزدق، و البيت بتمامه:

فأصبحوا قد أعاد اللّه نعمتهم # إذ هم قريش و إذ ما مثلهم بشر

(الديوان-الكتاب: 1: 29) .

794

و لكنّ حكم منزلة الحرف المراد فى الظرف فى ذلك حكم الإظهار، لأن الإضمار لا يلزمه، ألا ترى أنك إذا كنّيت عنه ظهر الحرف، فكذلك حكم الظرف المراد فى الإضافة لمّا لم يلزم حذفه، لقولك: ثوب زيد، و ثوب لزيد؛ و حلقة حديد، و حلقة من حديد؛ بمنزلة الحرف الذي يراد فى الظرف و لا يلزم حذفه؛ فعن هذا يلتزم الحال عن المضاف إليه.

و مما يبين ذلك قوله:

كأن حواميه مدبرا (1)

ألا ترى أن الحال لا تكون من المضاف إليه و لا تكون من «كان» ، لأنه لا عمل لها فى ذى الحال، و لا من خبرها، فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه من المضاف إليه، كما أنها فى الآية من المضاف إليه.

فأما قوله:

فهل فى معدّ فوق ذلك مرفدا (2)

فلا يخلو من أحد أمرين:

أحدهما: على ما يذهب إليه أبو الحسن فى قوله تعالى: (وَ أَنََّا مِنَّا اَلصََّالِحُونَ وَ مِنََّا دُونَ ذََلِكَ) (3) و نحوها فيكون فى موضع رفع.

و الآخر: أن يكون صفة و الموصوف محذوف.

فيجوز انتصاب «المرفد» أن يكون حالا عن كل واحد من القولين، و يجوز أن يكون من المضاف إليه، و يجوز أن يكون تبيينا عن ذلك، مثل. أفضلهم رجلا.

و من ذلك قوله: (أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (4) فـ «مصبحين» .

حال من المضاف إليهم، أعنى: «هؤلاء» .

____________

(1) صدر بيت للجعدي، و قد مر (ص: 792) .

(2) عجز بيت لكعب بن جعيل، و صدره:

لنا مرفد سبعون ألف مدجج‏

و المرفد: الجيش. (الكتاب 1: 299 و 353) .

(3) الجن: 11.

(4) الحجر: 66.

795

الباب المتم الخمسين‏

باب ما جاء في التنزيل «أن» فيه بمعنى «أي» فمن ذلك قوله تعالى: (قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (1) . /المعنى: أي لا تشركوا به شيئا، فـ «لا» ناهية جازمة، و «أن» بمعنى «أي» .

و قيل: بل التقدير فيه: ذلك ألاّ تشركوا فيه؛ فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: المتلو ألاّ تشركوا؛ و ليس التقدير: المحرم ألاّ تشركوا؛ لأن ترك الشرك ليس محرما، كما ظنّه الجاهل، و لا أنّ «لا» زائدة.

و قيل: التقدير: حرم عليكم بألاّ تشركوا.

و قيل: التقدير: أتلو عليكم ما حرم، أي: أتلو المحرم لئلا تشركوا.

و قيل: التقدير: عليكم ألاّ تشركوا، و «أن» هذه نابية عن القول، و تأتى بعد فعل فى معنى القول و ليس بقول، كقولك: كتبت إليك أن قم.

تأويله: قلت لك قم. و لو قلت: قلت لك أن تقوم، لم يجز؛ لأن:

القول يحكى ما بعده، و يؤتى بعده باللفظ الذي يجوز وقوعه فى الابتداء، و ما كان فى معنى القول و ليس بقول فهو يعمل، و ما بعده ليس كالكلام المبتدأ.

و هذا الوجه فى «أن» لم يعرفه الكوفيون و لم يذكروه، و عرفه البصريون و ذكروه و سمّوه: «أن» التي للعبارة، و حملوا عليه قوله:

(وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا) (2) . و فى تقديره وجهان:

أحدهما: انطلقوا فقالوا: قال بعضهم لبعض: امشوا و اصبروا؛ و ذلك أنهم انصرفوا من مجلس دعاهم فيه النبىّ-صلّى اللّه عليه و على آله-

____________

(1) الأنعام: 151.

(2) ص: 6.

796

إلى توحيد اللّه تعالى و ذكره و ترك الآلهة دونه، و صار «انطلق الملأ» لمّا أضمر القول بعده لمعنى فعل يتضمن القول، نحو: «كتبت» و أشباهه.

و الوجه الآخر: أن يكون «انطلقوا» بمعنى: «تكلموا» كما يقال: انطلق زيد فى الحديث، كأنّ خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق.

و يقال فى «أن امشوا» : أن أكثروا و انموا. و ليس «المشي» هاهنا قطع الأماكن؛ بل المعنى هو الذهاب فى الكلام، مثل: (وَ اَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيََاتِنََا) (1) . و معنى «المشي» هو الدّؤوب و الملازمة و المداومة على عبادتها، مثل: (إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً) (2) ليس يريد الانتصاب، و إنما يريد الاقتضاء، و مثل: (اَلْقَيُّومُ) * (3) ، أي: المديم حفظه خلقه.

فإن قيل: فإذا كان تأويل المشي على ما ذكرتم فغير ممتنع أن يكون التقدير: انطلقوا بالمشي؛ لأنه يكون على هذا المعنى: أوصوهم بالملازمة لعبادتها، قيل «الوصية» و إنما هى العبادة فى الحقيقة لا بغيرها، فلا يجوز تعليق «الوصية» بغير العبادة. و أيضا ليس المعنى: ذهبوا فى الكلام و خاضوا فيه بالمداومة و الملازمة بالعبادة.

و أما قوله: (مََا قُلْتُ لَهُمْ إِلاََّ مََا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ) (4) . «أن» بمعنى: أي، و هى تفسير «أمرتنى» ، لأن فى الأمر معنى «أي» :

و لو قلت: ما قلت لهم إلاّ ما قلت لى أن اعبدوا اللّه، لم يجز، لأنه قد ذكر القول، و إنّ «أن» إذا كانت بمعنى «أي» ، فهى تحتاج إلى ثلاثة شرائط:

أولها: أن يكون الفعل و الذي يفسره، أو يعبر عنه، فيه معنى القول و ليس بقول، و قد مضى هذا.

____________

(1) سبأ: 38.

(2) آل عمران: 75.

(3) البقرة: 155-آل عمران: -طه: 111.

(4) المائدة: 120.

797

و الثاني: ألاّ يتصل به شى‏ء منه صار فى جملته و لم يكن تفسيرا له؛ كالذى قدّره سيبويه: أو عزت إليه بأن افعل.

و الثالث: أن يكون ما قبلها كلاما تاما، لأنها و ما بعدها جملة تفسر جملة قبلها، و من أجل ذلك كان قوله: (وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ) (1) :

و آخر قولهم، «دعواهم» مبتدأ، و «آخر قولهم» ، مبتدأ لا خبر معه، و هو غير تام، فلا يكون بعده «أن» بمعنى «أي» .

و قوله تعالى: (وَ نََادَيْنََاهُ أَنْ يََا إِبْرََاهِيمُ (104) `قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا) (2) . و معناه:

بأنك قد صدّقت الرؤيا.

و أجاز الخليل أيضا أن يكون على «أي» ، لأن «ناديناه» كلام تام، و معناه: قلنا: يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا (3) .

و من ذلك قوله: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مُوسى‏ََ بِآيََاتِنََا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) (4) ، يكون بمعنى «أي» ، و يكون بإضمار «الباء» ، كما حكى الخليل: أرسل إليه بأنك ما أنت و ذا.

و أما قوله: (وَ جَعَلْنََاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرََائِيلَ أَلاََّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً) (5) ، فيمن زعم-و هو معمر- (أَلاََّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي) (6) على إضمار القول، كأنه يراد به: قلنا أن لا تتخذوا، و لم يكن قوله هذا متجها، و ذلك أن القول لا يخلو من أن تقع بعده جملة على معنى: يحكى، أو معنى جملة تعمل فى لفظه.

____________

(1) يونس: 10.

(2) الصافات: 104 و 105.

(3) البحر المحيط (7: 370) .

(4) إبراهيم: 5.

(6-5) الإسراء: 2.

798

القول الأول: كقولك: قال زيد عمرو لمنطلق، فموضع الجملة نصب بالقول.

و الآخر، يجوز أن يقول القائل: لا إله إلاّ اللّه، فتقول: قلت حقا؛ أو يقول: الثلج حار، فتقول: قلت باطلا؛ فهذا معنى ما قاله؛ و ليس نفس القول.

و قوله‏ (أَلاََّ تَتَّخِذُوا) (1) خارج من هذين الوجهين، ألا ترى أنّ (أَلاََّ تَتَّخِذُوا) (2) ليس هو معنى القول، كما أن قولك: «حقا» ، إذا سمعت كلمة الإخلاص، معنى القول، و ليس قوله‏ (أَلاََّ تَتَّخِذُوا) (3) بجملة، فيكون كقولك: قال زيد عمرو منطلق. و يجوز أن يكون بمعنى «أي» أي التي للتفسير، و انصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب، كما انصرف من الخطاب فى قوله تعالى: (وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا) (4) إلى الأمر، كذلك انصرف من الغيبة إلى النهى فى قوله: (أَلاََّ تَتَّخِذُوا) (5) و كذلك قوله: (أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ رَبِّي) (6) فى وقوع الأمر بعد الخطاب، و يجوز أن تضمر القول و تخمل «تتخذوا» على القول المضمر، إذا جعلت «أن» زائدة، فيكون التقدير: و جعلناه هدى لبنى إسرائيل، فقلنا: لا تتخذوا من دونى وكيلا، فيجوز إذا فى قوله: (أَلاََّ تَتَّخِذُوا) (7) ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون الناصبة للفعل، فيكون المعنى: و جعلناه هدى كراهة أن تتخذوا من دونى وكيلا، أو لئلاّ تتخذوا.

و الآخر: أن تكون بمعنى «أي» ، لأنه بعد كلام تام، فيكون التقدير:

أي لا تتخذوا.

____________

(7-5-3-1) الإسراء: 2.

(4-2) ص: 6.

(6) المائدة: 117.

799

و الثالث: أن تكون «أن» زائدة، و تضمر القول.

و أما قوله: (وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا) (1) . قال أبو على: يكون «أن» التفسير، لأن «قضى ربك» كلام تام، و «لا تعبدوا» نهى، كأنه: قضى ربك هذا و أمر بهذا.

فعلى هذا يكون قوله: (وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً) (2) كأنه أمر بعد نهى، كأنه:

و أحسنوا بالوالدين إحسانا، و تكون الناصبة للفعل أيضا، فيكون الواو فى «بالوالدين» عاطفة على «أن» ، كأنك قلت: قضى بأن لا تعبدوا، و أن تحسنوا، و يكون الفعل بعد «الواو» القائمة مقام «أن» محذوفا، و ما أقلّ ما يحذف الفعل فى صلة «أن» ، و كذلك ينبغى ألا يحذف بعد ما يقوم مقامها، و قد قال: أما أنت منطلقا انطلقت إليك، فحمله على «أن كنت» ، «و ما» بدل من الفعلين، و ليس فى الآية «بل» ، فلا تحمل على «أن» الناصبة.

____________

(2-1) الإسراء: 23.

800

الباب الحادي و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من المضاعف و قد أبدلت من لامه حرف لين فمن‏ (1) ذلك ما قاله القاسم فى قوله تعالى: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) (2) إنه من قوله:

(مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) * (3) ، أي: يتغير، ثم أبدلت من النون الأخيرة ياء، فصار «يتسنى» ، فإذا جزمت قلت: لم يتسن، كما تقول: لم يتفن، ثم تلحق الهاء لبيان الوقف.

و قيل: هو من «السنة» ، تسنى، أي: مرت عليه السنون فتغير. و من أثبت الهاء فى الوصل، فلأنهم قالوا: سنة و سنهات، فيكون الهاء لام الفعل.

و من ذلك قوله تعالى: (فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً) (4) ، أي: تملّ، لقوله: (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ) (5) . يقال: أمللت، و أمليت.

و من ذلك قوله: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ يَتَمَطََّى) (6) ، و الأصل:

«يتمطط» . قالوا: لأنه من المطيطاء (7) .

و منه قوله: (وَ قَدْ خََابَ مَنْ دَسََّاهََا) (8) ، أي: دسّها بالفجور و المعاصي، فأبدلت من اللام ياء، فصار: «دساها» .

و منه قوله تعالى: (فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ) (9) ، أي: دللّهما، لقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ) (10) .

و يكون «فعّل» ، دلّى يدلى، الذي مطاوعه «تدلّى» : كقوله:

هما دلّتانى من ثمانين قامة (11)

____________

(1) الكتاب (2: 401) .

(2) البقرة: 259.

(3) الحجر: 26، 28، 33.

(4) الفرقان: 5.

(5) البقرة: 282.

(6) القيامة: 33.

(7) المطيطاء، بالمد و القصر: مشية التبختر.

(8) الشمس: 10.

(9) الأعراف: 22.

(10) طه: 120.

(11) صدر بيت، و عجزه:

كما انقض باز أقحم اللون كاسر

801

أي: أوقعهما فى المعصية بغروره و إلقائهما فيها و طرحهما.

و يجوز أن يكون «دلّى» مثل «سلقى‏ (1) » ، و قد روى: فلان آفى من فلان، و هذا مثل «أملى» فى «أمل» .

قال سيبويه: و كل هذا التضعيف فيه عربى كثير جيد جدّا، يعنى:

ترك القلب إلى الياء عربى جيد، إذا قلت: تظنّيت و تسرّيت.

و قد جعل سيبويه الياء فى «تسريت» بدلا من الراء، و أصله: تسرّرت، و هو من السرور، فيما قاله الأخفش، لأن السّرية يسرّ بها صاحبها.

و قال ابن السراج: هو عندى من السرّ، لأن الإنسان يسرّ بها و يسترها عن حزبه كثيرا.

و الأولى عندى أن يكون من «السر» ، الذي هو النكاح.

و قيل: ليس الأصل فيه «تسررت» ، و إنما هو «تسريت» بمعنى:

سراها، أي: أعلاها، و سراة كل شى‏ء: أعلاه. و أما «كلا» «و كل» فليس أحد اللفظين من الآخر، لأن موضعهما مختلف، تقول: كلا أخويك قائم، و لا تقول: كل أخويك قائم. و لا يجوز أن تجعل الألف فى «كلا» بدلا من اللام فى «كل» ، /و لم يقم الدليل على ذلك، و كذلك قال سيبويه‏ (2) .

و مثله: ذرية، أصله: ذروة، فعلولة من «الذّر» ، فأبدلت من الراء ياء، و قلبت الواو ياء، و أدغمت فيه فصارت «ذرية» .

____________

(1) سلقى: سلق.

(2) الكتاب (2: 401) .

802

و فى ذلك ما روى عن ابن كثير فى قوله: (فَذََانِكَ بُرْهََانََانِ مِنْ رَبِّكَ) (1) .

قال أبو على: وجه ما روى من «فذانيك» أنه أبدل من النون الثانية الياء، كراهية التضعيف‏ (2) .

و حكى أحمد بن يحيى: لا و ربيك ما أفعل؛ يريد: لا و ربّك.

و من ذلك قراءة من قرأ: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) (3) هو من «قرّ» فى المكان «يقرّ» ، أصله: اقررن، فأبدل من الراء الأخيرة ياء، ثم حذفها و حذف «همزة الوصل» ، فصار: «قرن» ، و هو مشكل.

و مثله: (فَمََا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهََا) (4) ، فيمن قرأها بالتخفيف، أصله «تعتدّونها» ، فأبدل من الدال حرف اللين.

____________

(1) القصص: 32.

(2) قراءة ابن كثير و أبي عمرو «فذانك» بتشديد النون، و قرأ ابن مسعود و عيسى و أبو نوفل و ابن هرمز و شبل «فذانيك» بياء بعد النون المكسورة، و هي لغة هذيل. و عن شبل عن ابن كثير أيضا «فذانيك» بفتح النون قبل الياء (البحر 7: 118) .

(3) الأحزاب: 33.

(4) الأحزاب: 49.

803

الباب الثاني و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف واو العطف فمن ذلك قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) * (1) ، و التقدير: صم و بكم و عمى، كقوله فى الأخرى: (صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي اَلظُّلُمََاتِ) (2) ، فالتقدير فيه أيضا:

و فى الظلمات.

و من ذلك قوله: (أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ) * (3) ، و (أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ) * (4) ، فحذف الواو. و هكذا فى جميع التنزيل من هذا النوع.

و من ذلك قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) (5) أي: و رابعهم كلبهم. و كذلك قوله: (وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) (6) أي: و سادسهم.

دليل ذلك قوله: (وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) (7) .

و كما ظهرت الواو هنا فهى مقدرة فى الجملتين المتقدمتين، إذ ليست الجملتان صفة لما قبلهما و لا حالا و لا خبرا، لما تقدّم فى غير موضع، و إنما هما جملتان فى تقدير العطف على جملتين.

و من ذلك قوله تعالى: (رَبَّنََا هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا أَغْوَيْنََاهُمْ) (8) التقدير:

و أغويناهم، و قد تقدّم شرحه.

____________

(1) البقرة: 18، 171.

(2) الأنعام: 39.

(3) البقرة: 82-الأعراف: 42-يونس: 26-الأحقاف: 14.

(4) البقرة: 39، 81، 217، 3257، 275-آل عمران: 116-الأعراف: 36-يونس: 27- الرعد: 5-المجادلة: 17.

(7-6-5) الكهف: 22.

(8) القصص: 63.

804

و أما قوله تعالى: (وَ لاََ عَلَى اَلَّذِينَ إِذََا مََا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاََ أَجِدُ مََا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) (1) فإن جواب «إذا» قوله «تولوا» و ليس الجواب «قلت» و التقدير فى «قلت» أن يكون بحرف عطف، إلا أنك استغنيت عنه بتضمن الثانية الذكر مما فى الأولى، بمنزلة/قوله‏ (رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) ، ألا ترى أن إفاضتهم الدمع إنما هو إياسهم من الخروج و التوجه نحو العدو لتعذر الظّهور الحاملة لهم عليها.

و أما قوله تعالى: (وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا) (2) . فحمله أبو الحسن على حذف الواو، نهى بعد أمر. و حمله الفراء على جواب الأمر، و فيه طرف من النهى، و مثله: (اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ) (3) .

و من ذلك قوله: (رَجُلاََنِ مِنَ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمَا) (4) ، أي:

و أنعم اللّه، فحذف الواو.

و قال اللّه تعالى: (فَخَرَجَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قََالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ) (5) ، أي: و قال.

و من ذلك قال الفرّاء فى قوله: (أَوْ هُمْ قََائِلُونَ) (6) ، على إضمار الواو، كأنه: أو و هم قائلون، فحذفت الواو لاجتماع شيئين.

قال أبو على: إنما قال هذا، لأن «أوهم قائلون» معطوف على «بياتا» الذي هو حال، فهذه الجملة إذا دخلت كانت مؤذنة بأن الجملة بعدها للحال

____________

(1) التوبة: 92.

(2) الأنفال: 25.

(3) النمل: 18.

(4) المائدة: 23.

(5) القصص: 79.

(6) الأعراف: 4.

805

أيضا، فالتقدير أتاهم بأسنا بائتين، أو قائلين. و لو قلت: جاءنى زيد و يده فوق رأسه، بلا واو، لكان حسنا، و إذا كان كذلك فقد يجوز ألا تقدّر الواو، يدلك على أن قوله‏ (أَوْ هُمْ قََائِلُونَ) جملة فى موضع مفرد، قوله: (أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتََاكُمْ عَذََابُهُ بَيََاتاً أَوْ نَهََاراً) (1) ، فقوله: (أَوْ هُمْ قََائِلُونَ) بمنزلة «نهارا» .

____________

(1) يونس: 50.

806

الباب الثالث و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من الحروف التي أقيم بعضها مقام بعض و هذا الباب يتلقاه الناس معسولا ساذجا من الصنعة، و ما أبعد الصواب عنهم، و أوقفهم دونه، و ذلك أنهم يقولون: إن «إلى» يكون بمعنى «مع» و يحتجون لذلك بقول اللّه تعالى: (مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ) * (1) ، أي: مع اللّه.

و قال اللّه تعالى: (وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَهُمْ إِلى‏ََ أَمْوََالِكُمْ) (2) ، أي: مع أمولكم.

و يقولون «فى» بمعنى «على» ، و يحتجون بقوله تعالى: (وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ) (3) ، أي: عليها.

و هذا فى الحقيقة من باب الحمل على المعنى.

فقوله: (مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ) * (4) معناه: من يضيف نصرته إلى نصرة اللّه، و كذا: (وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَهُمْ إِلى‏ََ أَمْوََالِكُمْ) (5) . أي مضمومة إليها، و كذلك قوله: (هَلْ لَكَ إِلى‏ََ أَنْ تَزَكََّى) (6) ، و أنت إنما تقول: هل لك فى كذا؟ /لكنه لما كان هذا دعاء منه-صلى اللّه عليه و على آله-له صار تقديره: أدعوك و أرشدك إلى أن تزكى.

و أما قوله: (وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ) (7) ، فليس فى بمعنى «على» ، و إنما هو على بابه، لأن المصلوب فى الجذع، و الجذع وعاء له.

____________

(4-1) آل عمران: 52.

(5-2) النساء: 2.

(7-3) طه: 71.

(6) النازعات: 18.

807

الباب الرابع و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل المضاف إلى المكنى و ذلك قد جاء فى التنزيل فى ستة (1) مواضع:

فمن ذلك قوله تعالى: (وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ) (2) .

و قال: (فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ إِلى‏ََ أَجَلٍ هُمْ بََالِغُوهُ) (3) .

و قال اللّه تعالى: (لَمْ تَكُونُوا بََالِغِيهِ إِلاََّ بِشِقِّ اَلْأَنْفُسِ) (4) .

و قال اللّه تعالى: (إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ) (5) .

و قال: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاََّ كِبْرٌ مََا هُمْ بِبََالِغِيهِ) (6) .

و قال: (إِنََّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جََاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ) (7) .

فهذه ستة مواضع.

فالهاء و الكاف فى هذه الآي جرّ عندنا.

و قال أبو الحسن: هو نصب، و احتج بانتصاب قوله‏ (وَ أَهْلَكَ) (8) ، فلولا أن الكاف منصوب المحل لم ينصب «أهلك» و احتج بأن النون إنما حذف حذفا لتعاقبه المضمر، لا لأجل الإضافة فوجب أن يكون منصوبا،

____________

(1) الأصل: «خمسة» و المذكور ستة.

(2) البقرة: 223.

(3) الأعراف: 135.

(4) النحل: 7.

(5) العنكبوت: 33.

(6) غافر: 56.

(7) القصص: 7.

(8) الأصل: «سبعة» و المذكور ستة.

808

قياسا على قولنا: هؤلاء ضوارب زيدا، و حجاج بيت اللّه، فإن التنوين هنا حذف حذفا فانتصب ما بعده، كذلك هاهنا، و لا يلزم قولكم إن المضمر يعتبر بالمظهر، لأنا نرى نقيض ذلك فى باب العطف، حيث لم يجز عطف المظهر على المضمر المرفوع و لا على المضمر المجرور، و إن جاز عطفه على المضمر المنصوب، فكذلك هاهنا يجوز أن يقع المضمر منصوبا، و إن كان المظهر لو وقع كان مجرورا.

و لنا أنه اسم مضاف إليه اسم قبله، فوجب أن يكون مجرورا قياسا على: ضاربا زيد، و غلاما بكر، و هذا لأن المضاف إليه يعاقب النون أو التنوين، و هذا الاسم عاقب النون، حتى لا يجمع بينه و بين النون فى حال السعة، فوجب أن يكون مجرورا، و لأن المضمر يعتبر بالمظهر ما لم يعرض هناك-عارض-مثل-ما عرض فى باب العطف/بامتناع المظهر على المضمر المرفوع، لما صار المضمر المرفوع كالجزء من الفعل، بدليل إسكانهم لام الفعل من أجل هذا المضمر، فى «ضربت» ، و امتنع عطف المظهر المجرور على المضمر المجرور، لامتناع الفصل بين الجار و المجرور، و هذا المعنى لم يعرض هاهنا، فبقى اعتباره بالمظهر. و أما انتصاب «أهلك» من قوله: (إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ) (1) فبفعل مضمر، لامتناعه من أن يكون معطوفا على مضمر مجرور، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر المجرور.

و أما الهاء في قوله: (مََا هُمْ بِبََالِغِيهِ) (2) فقد قال أبو علي: المعنى: ما هم ببالغي ما فى صدورهم، و ليس المعنى: ما هم ببالغي الكبر، لأنهم قد بلغوا الكبر، إذ كانوا قد فعلوه و طووا صدورهم عليه.

____________

(1) العنكبوت: 33.

(2) غافر: 56.

809

فإن قلت: فإن معنى قوله: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاََّ كِبْرٌ) (1) : ما فى صدورهم إلا كبر. و إذ لم يكن فى صدورهم إلاّ كبر، قلت: المعنى: ما هم ببالغي ما فى صدورهم؛ فقد قلت: إن المعنى: ما هم ببالغي ما فى الكبر؛ لأن فى صدورهم الكبر لا غير.

فالقول فى ذلك: إن هذا على الاتساع، و تكثير «الكبر» لا يمتنع أن يكون فى صدورهم غيره، ألا ترى أنك قد تقول للرجل: ما أنت إلاّ سير، و ما أنت إلاّ شرب الإبل؛ و إذا كان كذلك كان المعنى: إن فى صدورهم إلا كبر، ما هم ببالغي ما فى صدورهم، و يكون المعنى بقوله «ما فى صدورهم» :

ما كانوا يجادلونه من أمر النبي، صلى اللّه عليه و على آله. كقوله تعالى:

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ اَللََّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) (2) ، فمعنى‏ (مََا هُمْ بِبََالِغِيهِ) (3) ؛ ما هم ببالغي ما يرونه من توهين أمره و تنفير الناس عنه و صدّهم عن الدين.

قال أبو عثمان المازنىّ: و لا يضاف «ضارب» إلى فاعله، لأنك لا تضيفه إليه مضمرا، و كذلك لا تضيفه إليه مظهرا.

قال: و جازت إضافة المصدر إلى الفاعل مظهرا لمّا جازت إضافته إليه مضمرا. و كأنّ أبا عثمان إنما اعتبر فى هذا الباب المضمر فقدّمه و حمل عليه المظهر، /من مثل أنّ المضمر أقوى حكما فى باب الإضافة من المظهر، و ذلك أنّ المضمر أشبه بما تحذفه الإضافة، و هو التنوين، من ـ

____________

(3-1) غافر: 56.

(2) الصف: 8.

810

المظهر. و كذلك لا يجتمعان فى نحو: ضار بانك، و قاتلونه، من حيث كان المضمر بلطفه و قوة اتصاله، و ليس كذلك المظهر لقوته و وفور صورته، ألا ترك تثبت معه التنوين فتنصبه، نحو: ضاربان زيدا، و قاتلون بكرا، فلما كان المضمر مما تقوى معه مراعاة الإضافة حمل المظهر، و إن كان هو الأصل، عليه.

811

الباب الخامس و الخمسون‏

باب ما جاء في التنزيل في جواب الأمر فمن ذلك قوله تعالى: (فَادْعُ لَنََا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنََا) (1) فـ «يخرج لنا» جزم، لأن التقدير: ادع لنا ربك و قل له أخرج يخرج لنا مما تنبت الأرض.

و منه قوله: (وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ) (2) أي: أخرجها تخرج.

و قال: (قُلْ لِعِبََادِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ) (3) ، ففى «يقيموا» ثلاثة أقوال:

الأول: أن يكون جواب «قل» ، لأنه يتضمن معنى: مرهم بالصلاة يفعلوا، لأنهم آمنوا.

و الثاني: أن «قل» تقتضى مقولا، و ذلك المقول هاهنا «أقيموا» ، فالتقدير: قل لهم أقيموا الصلاة يقيموها، أي: إن قلت أقيموا أقاموا، لأنهم يؤمنون، فيكون جواب أمر محذوف دل عليه الكلام.

و الثالث: أن يكون بحذف اللام من فعل أمر الغائب، على تقدير:

قل لهم ليقيموا الصلاة. و جاز حذف اللام هنا، و لا يجوز ابتداء مع الجزم، لأن لفظ الأمر هاهنا صار عوضا من الجازم، و فى أول الكلام لا يكون له عوض إذا حذف‏ (4) .

____________

(1) البقرة: 61.

(2) النمل: 12.

(3) إبراهيم: 31.

(4) البحر (5: 426) . الكتاب (1: 408) .

812

و فى «التذكرة» فى قوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ تِجََارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ* `تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ) (1) إلى قوله‏ (يَغْفِرْ لَكُمْ) (2) قيل: «تؤمنون» على إرادة «أن» فلما حذفت رفع، كأنه: هل أدلكم على أن تؤمنوا، على أنه بدل من «تجارة» فلما حذف رفع، فيكون المعنى معنى «أن» ، و إن حذفت، و أن يكون بمعنى «آمنوا» /أقوى، لانجزام قوله «يغفر» ، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون جوابا لقوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ) ، أو يكون جواب «آمنوا» ، فلا يكون جواب «هل أدلكم» لأنه ليست المغفرة تقع بالدلالة، إنما تقع بالإيمان، فإذا لم يمتنع أن يكون جوابا له ثبت أنه بمعنى الأمر. هذا قول سيبويه‏ (3) .

و قال قوم: إنّ قول الفراء أجود، و ذا كأنّ «تؤمنوا» لا يقتضى جوابا مجزوما، لأنه مرفوع و الاستفهام يقتضيه، و إذا وجب بالإجماع حمل الكلام على المعنى، فأن يقدّر «هل تؤمنوا يغفر» أولى، لارتفاع «تؤمنون» ، و لكون المعنى عليه، و يكون «تؤمنون» بدلا من «أدلكم» .

قال أبو عثمان فى قوله: (وَ قُلْ لِعِبََادِي يَقُولُوا اَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (4) : التقدير فى «يقولوا» : «قولوا» ، لأنه إذا قال «قل» فقوله لم يقع بعد، فوقوع «يفعل» فى موضع «افعلوا» غير متمكن فى الأفعال، فلما وقع التمكن وقع «افعلوا» و هكذا تقول فى قوله:

إذا الدّين أودى بالفساد فقل له # يدعنا و رأسا من معدّ نصارمه‏

أي: دعنا. و هذا لا يرتضيه أبو علىّ، لأن الموجب للبناء فى الاسم الواقع موقع المبنى لا يكون مثل ذلك فى الأفعال، و إنما يكون فى الأسماء.

____________

(1) الصف: 10 و 11.

(2) الصف: 12.

(3) الكتاب (1: 448) .

(4) الإسراء: 53.

813

الباب السادس و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من المضاف الذي اكتسى من المضاف إليه بعض أحكامه فمن ذلك قوله تعالى: (فََاقِعٌ لَوْنُهََا تَسُرُّ اَلنََّاظِرِينَ) (1) ، وقف على «فاقع» ، أنث اللون، لأنه قد اكتسى من المضاف إليه التأنيث.

و قال: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا) (2) ، لما أضاف «الأمثال» إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث، و لم يقل «عشرة» .

و قال: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اَلسَّيََّارَةِ) (3) ، فى قراءة الحسن‏ (4) بالتاء.

و من ذلك قوله: (وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) (5) ، (وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) (6) ، (مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ) (7) .

و قوله: (فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) (8) ، فيمن فتح، فتحه لأنه بناه حين أضافه إلى «إذ» فاكتسى منه البناء.

و ربما يكتسى منه الشيوع، و معنى الشرط، و معنى الاستفهام.

فالشيوع كقوله: (بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا) (9) ، لما أضاف «مثل» إلى «اللام» كان بمعنى اللام‏ (10) .

____________

(1) البقرة: 69.

(2) الأنعام: 160.

(3) يوسف: 10.

(4) و هي أيضا قراءة مجاهد و قتادة و أبي رجاء. (البحر 5: 284) .

(5) هود: 66.

(6) النمل: 89.

(7) المعارج: 11.

(8) المدثر: 9.

(9) الجمعة: 5.

(10) لم يعرض المؤلف لاكتساء المضاف من المضاف إليه معنى الشرط و معنى الاستفهام.

814

فأما قوله تعالى: (قََالَ اَللََّهُ هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) (1) ، فليس من هذا الباب، لأنه مضاف إلى المعرب دون المبنى، فانتصابه إنما هو على الظرف، أي: هذا واقع يوم ينفع الصادقين؛ أو يكون ظرفا لـ «قال» ، أي: قال اللّه هذا فى ذلك اليوم.

و قال قوم: (يَسْئَلُونَ أَيََّانَ يَوْمُ اَلدِّينِ (12) `يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ) (2) : إن قوله (يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ) (3) مبنى على الفتح، و هو فى موضع الرفع، لأنه بدل من قوله‏ (يَوْمُ اَلدِّينِ) (4) .

و قالوا: إنما بنى لأنه أضيف إلى الجملة، و الجملة لا يتبين فيها الإعراب، فلما أضيف إلى شيئين كان مبنيّا.

و قالوا فى قوله تعالى: (وَ مََا أَدْرََاكَ مََا يَوْمُ اَلدِّينِ) (5) فجرى ذكر «الدين» .

و هو الجزاء، قال: (يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ) (6) أي: الجزاء يوم لا تملك، فصار (يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ) خبر الجزاء المضمر، لأنه حدث، فيكون اسم الزمان خبرا عنه؛ و يقوّى ذلك قوله: (اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ) (7) .

و يجوز النصب على أمر آخر، و هو أن «اليوم» لما جرى فى أكثر الأمر ظرفا ترك على ما كان يكون عليه فى أكثر أمره؛ و من الدليل على ذلك ما اجتمع عليه القراء فى قوله تعالى: (مِنْهُمُ اَلصََّالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذََلِكَ) (8) .

____________

(1) المائدة: 119.

(4-3-2) الذاريات: 12، 13.

(5) الانفطار: 17.

(6) الانفطار: 19.

(7) غافر: 17.

(8) الأعراف: 168.

815

و قوله تعالى: (وَ أَنََّا مِنَّا اَلصََّالِحُونَ وَ مِنََّا دُونَ ذََلِكَ) (1) .

و مثله: (وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْقََارِعَةُ*`يَوْمَ يَكُونُ اَلنََّاسُ) (2) .

و مثله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) (3) فيمن نصب.

و مثله: (يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) (4) ، مرتبا للمفعول، لما جرى «بين» فى كلامهم منصوبا بقّاه على النصب.

قال سيبويه: و سألته‏ (5) عن قولهم فى الأزمنة: كان ذلك زمن زيد أمير؟ فقال: لما كانت بمنزلة «إذ» أضافوها إلى ما قد عمل بعضه فى بعض، كما يدخلون «إذ» على ما قد عمل بعضه فى بعض فلا يغيرونه، فشبهوا هذا بذاك.

و لا يجوز هذا فى الأزمنة حتى تكون بمنزلة «إذ» ، فإن قلت: يكون هذا يوم زيد أمير، خطأ. حدثنا بذلك عن يونس عن العرب فى ذلك، لأنك لا تقول: يكون هذا إذا زيد أمير.

قال أبو عثمان: جملة هذا الباب: إن الزمان إذا كان ماضيا/أضيف إلى الفعل أو إلى الابتداء و الخبر، لأنه فى معنى «إذ» ، فأضيف إلى ما يضاف إليه، و إذا كان لما لم يقع لم يضف إلاّ إلى الأفعال، لأنه فى معنى «إذا» «و إذا» هذه لا تضاف إلاّ إلى الأفعال.

____________

(1) الجن: 11.

(2) القارعة: 3، 4.

(3) الأنعام: 94.

(4) الممتحنة: 3.

(5) يريد: الخليل.

816

قلت: و فى التنزيل: (يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ) (1) ، و (يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ) (2) .

و فيما اكتسى المضاف من المضاف إليه التأنيث: (وَ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ) (3)

و (اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ) (4) ، و قوله: (ثُمَّ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ) * (5) ، جاء تأنيث الفعل فى هذه الآي و أمثالها، لأن «كلا» لمّا أضيف إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث ليكون حجة لقراءة الحسن‏ (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اَلسَّيََّارَةِ) (6) و «كل» كـ «بعض» و «بعض» كـ «كل» .

____________

(1) غافر: 16.

(2) الذاريات: 13.

(3) النحل: 111.

(4) غافر: 17.

(5) البقرة: 281-آل عمران: 17.

(6) يوسف: 10.

817

الباب السابع و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل و صار المضاف إليه عوضا من شي‏ء محذوف فمن ذلك قوله تعالى: (رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ إِقََامِ اَلصَّلاََةِ) (1) ، و أنت تقول: أقمت إقامة، فإذا قلت: إقام الصلاة، حذفت التاء، و يصير المضاف إليه عوضا من التاء.

نظيره فى الأنبياء: (فِعْلَ اَلْخَيْرََاتِ وَ إِقََامَ اَلصَّلاََةِ) (2) .

و قد شاع كون المضاف إليه بدلا من التنوين و الألف و اللام.

____________

(1) النور: 27.

(2) الأنبياء: 73.

818

الباب الثامن و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل معطوفا و ليس المعطوف مغايرا للمعطوف عليه و إنما هو هو أو بعضه فمن ذلك قوله تعالى: (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا) (1) ، إن حملت الكلام على المعنى و قلت: إن التقدير: أحرص من الناس، كان «الذين أشركوا» داخلين معهم، و خصوا بالذكر لشدة عنادهم.

و مثله: (مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِلََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ) (2) .

و مثله: (إِذْ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) * (3) .

و مثله: (وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ اَلْفُرْقََانَ وَ ضِيََاءً) (4) ، و «الضياء» فى المعنى هو الفرقان.

و قال: (وَ لَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ) (5) .

فأمّا قوله: (فِيهِمََا فََاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمََّانٌ) (6) ، فالشافعى يجعله من هذا الباب فيقول، لو قال رجل: و اللّه لا آكل الفاكهة؛ فأكل من هذين يحنث، و جعله من هذا الباب كـ «جبريل و ميكال» .

____________

(1) البقرة: 96.

(2) البقرة: 98.

(3) الأنفال: 49.

(4) الأنبياء: 48.

(5) الحجر: 87.

(6) الرحمن: 68.

819

و أبو حنيفه يحمله على أصل العطف من المغايرة دون ما خص بالذكر بعد الواو، إمّا تعظيما، و إمّا لمعنى آخر.

و مثله: (اَلَّذِي/خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. `وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ) (1) ، إلى قوله: (وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ اَلدِّينِ) (2) .

و حكى سيبويه: مررت بزيد و صاحبك، و لا يجوز: فصاحبك، بالفاء، خلافا لأبى الحسن الأخفش.

و قال: (تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ) (3) .

و فى موضع آخر: (تِلْكَ آيََاتُ اَلْقُرْآنِ وَ كِتََابٍ مُبِينٍ) (4) . و الكتاب و القرآن واحد.

فأما قوله، (تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ وَ اَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ) (5) .

فيكون من هذا الباب، فيكون «الذي» فى موضع الجر، أي: تلك آيات الكتاب المنزّل إليك، و يرتفع «الحق» إذا بإضمار مبتدأ، و يكون «الذي» مبتدأ، و «الحق» خبرا له.

____________

(1) الشعراء: 78، 79.

(2) الشعراء: 82.

(3) الحجر: 1.

(4) النمل: 1.

(5) الرعد: 1.

820

الباب التاسع و الخمسون‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من التاء في أول المضارع فيمكن حمله على الخطاب أو على الغائبة فمن ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهََا) (1) ، يجوز أن يكون: «تطهرهم أنت» ، و أن يكون التقدير: تطهرهم هى، يعنى الصدقة، فيكون الأول حالا من الضمير فى «خذ» ، و فى الثانية صفة لـ «صدقة» .

قال أبو علىّ: يمكن أن يكون حالا للمخاطب، أي: خذها مطهّرا لهم، فإن جعلت «تطهر» صفة ل «صدقة» لم يصحّ أن يكون «تزكيهم» حالا من المخاطب، فيتضمن ضميره؛ لأنك لو قلت: خذ مزكّيا، و أنت تريد الحال، فأدخلت الواو، لم يجز ذلك لما ذكرنا، و يستقيم فى «تطهرهم» أن يكون وصفا، و كذلك «تزكيهم» وصفا له، و كذلك «تزكيهم» لمكان «بها» . كما يستقيم فيهما أن تكونا حالين، و لا يستقيم أن تكون الأولى وصفا و الأخرى للمخاطب، كما لا يجوز أن تكون الأولى حالا و الأخرى وصفا، لمكان الواو.

و من ذلك قوله: (وَ لاََ يَزََالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمََا صَنَعُوا قََارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ) (2) . أي تحل أنت و إن شئت: أو تحل القارعة.

____________

(1) التوبة: 103.

(2) الرعد: 31.

821

و مثله: (وَ أَلْقِ مََا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ) (1) ، إن شئت: تلقف أنت، و إن شئت: تلقف العصا التي فى يمينك، فأنث على المعنى.

و قال: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبََارَهََا) (2) إن شئت: تحدّث أنت، أو: تحدّث هى، يعنى الأرض.

____________

(1) طه: 69.

(2) الزلزلة: 4.

822

الباب المتم الستين‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من واو الحال تدخل على الجملة من الفعل و الفاعل، و المعروف منها دخولها على المبتدأ و الخبر، كقوله:

(وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) (1) .

و قد دخل على الفعل و الفاعل في مواضع فمن ذلك قوله: (لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ وَ لاََ تَسْقِي اَلْحَرْثَ) (2) كان سهل‏ (3) يقف على «ذلول» و يبتدى بقوله: «تثير الأرض» فيكون «الواو» فى «و لا تسقى الحرث» للحال دون العطف، لأن النفي لا يعطف على الإثبات.

و من ذلك قوله: (إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً) ، (وَ لاََ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحََابِ اَلْجَحِيمِ) (4) ، أي: غير مسئول، فهو فى موضع الحال، و حمله مرة أخرى على الإثبات.

و من ذلك قوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمََا فَاسْتَقِيمََا وَ لاََ تَتَّبِعََانِّ) (5) ، فيمن خفّف النون. قال: و إن شئت كان على لفظ الخبر، و المعنى: معنى الأمر، كقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) * (6) ، (لاََ تُضَارَّ وََالِدَةٌ بِوَلَدِهََا) (7) ، أي: لا ينبغى ذلك.

و إن شئت جعلته حالا من «استقيما» ، و تقديره: استقيما غير متبعين.

و أنشد فيه أبياتا تركتها مع أبيات أخرى.

____________

(1) آل عمران: 154.

(2) البقرة: 71.

(3) سهل: هو أبو حاتم السجستاني سهل بن محمد بن عثمان. بصري: كان إماما في علوم القرآن و اللغة و الشعر. و له: إعراب القرآن. و كانت وفاته بين الثامنة و الأربعين و الخامسة بعد المائتين (البقية:

265) .

(4) البقرة: 119.

(5) يونس: 89.

(6) البقرة: 228.

(7) البقرة: 233.

823

فأما قوله: (وَ إِذْ قََالَتْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ يََا أَهْلَ يَثْرِبَ لاََ مُقََامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ اَلنَّبِيَّ) (1) ، فإنهما كانا طائفتين: طائفة قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم، و طائفة تستأذن النبي. فالواو للاستئناف عطف على «و إذ قالت» .

و يجوز أن يكون للحال من «الطائفة» ، أي: و إذ قالت طائفة منهم كيت و كيت، مستأذنا فريق منهم النبي. و جاز لربط الضمير الجملة بالطائفة، أي: قالت كذا، و حال طائفة كذا.

و من ذلك قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ يَبْغُونَهََا عِوَجاً) * (2) . يجوز أن يكون حالا من الباغين، أي: يصدّون باغين؛ و يجوز أن يكون حالا من «السبيل» .

و يجوز الاستئناف، لقوله فى الآية الأخرى: (وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَهََا عِوَجاً) (3) . و حكم تعديته-أعنى «تبغون» -إلى أحد المفعولين، أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اِتَّخَذْتُمُوهُ وَرََاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) (4) . الواو فى «اتخذتموه» واو الحال، أي: أرهطى أعزّ عليكم من اللّه و أنتم بصفة كذا؟فهو داخل فى حيز الاستفهام.

____________

(1) الأحزاب: 13.

(2) الأعراف: 45.

(3) الأعراف: 86.

(4) هود: 92.

824

/و من ذلك قوله تعالى: (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهََا مُصْبِحِينَ*`وَ لاََ يَسْتَثْنُونَ) (1)

قيل: لم يقولوا: إن شاء اللّه. و قيل: لم يستثنوا حق المساكين. فعلى الثاني: الواو للحال، أي: أقسموا غير مستثنين، و على الأول: الواو للعطف، أي: أقسموا و ما استثنوا، فهو حكاية الحال من باب: (وَ كَلْبُهُمْ بََاسِطٌ) (2) .

و إن شئت من باب: (كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ) (3) نظير قوله: (إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ) (4) ، و قوله: (عَلى‏ََ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ) (5) ، و قوله: (رَبِّ اِرْجِعُونِ) (6) .

و أما قوله: (يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا) (7) .

قال الجرجاني‏ (8) : كما لا يجوز أن يكون «لا نكذب» معطوفا على «نرد» لأنه يدخل بذلك الحتم و يجرى مجرى أن يقال: يا ليتنا لا نكذب، كذلك لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأنه يوجب مثل ذلك من دخوله فى التمني من حيث كانت الواو إذا كانت للحال ربطت الجملة بما قبلها.

فإذا قلت: ليتك تأتينى و أنت راكب، كنت تمنيت كونه راكبا، كما تمنيت الإتيان. فإن قلت ما تقول فى مثل قول المتنبي:

فليتك ترعانى و حيران معرض‏ (9)

لا يتصور أن يكون دنوه من «حيران» متمنّى، فإن ذلك لا يكون؛ لأن المعنى

____________

(1) القلم: 17.

(2) الكهف: 18.

(3) الحج: 25.

(4) الحجر: 9.

(5) يونس: 83.

(6) المؤمنون: 99.

(7) الأنعام: 27.

(8) الجرجاني: هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز. و من كتبه: تفسير القرآن. و كانت وفاته سنة 366 هـ. (وفيات الأعيان. معجم الأدباء) .

(9) صدر بيت من قصيدة له في مدح كافور، و عجز البيت:

فتعلم أني من حسامك حده‏

و حيران: ماء بالشام بالقرب من سلمية، على يوم منها. و معرض: ظاهر، من أعرض الشي‏ء: إذا بدا للناظر. (الديوان 2: 27) .

825

فى مثل هذا شبيه التوقيف، نحو: ليتك ترعانى حين أعرض حيران، و حين انتهيت إلى حيران، و لا يكون ذلك إلاّ فى الماضي الذي قد كان و وجد، و كلامنا فى المستقبل، فهذه زيادة فى آخر الكتاب تجى‏ء على قول الفرّاء دون سيبويه و أصحابه، من عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور، يذهب إليه فى عدة آي:

منها قوله: (وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) (1) ، يحمل جر «المسجد» على «الهاء» .

و منها قوله: (وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ) (2) ، فيمن قرأها بالجر.

و منها قوله: (قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ) (3)

و منها قوله: (لاََ أَمْلِكُ إِلاََّ نَفْسِي وَ أَخِي) (4) ، يحمل «أخى» على «الياء» فى «نفسى» .

و منها قوله: (وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ) (5) ، يحمل «من» على «الكاف و الميم» .

و نحن ذكرنا الأجوبة فى هذا الكتاب و أبطلنا مقالته أن سيبويه‏ (6) لا يجيز:

مررت به و زيد، حتى يقول: و بزيد، بإعادة الباء، لأنه لا يقال:

بزيد و «ك» ، /حتى تقول: «و بك» فأخذ هذا من ذاك، و لأن حرف الجر لا ينفصل عن المجرور، و التأكيد فى هذا مخالف للعطف، لأنه يجيز:

مررت بك نفسك، لأنه يجوز: مررت بنفسك، و لا يجوز: مررت

____________

(1) البقرة: 217.

(2) النساء: 1.

(3) النساء: 127.

(4) المائدة: 25.

(5) الحجر: 20.

(6) الكتاب (1: 389)

826

بك أنت و زيد، حتى تقول: و بزيد، فالتأكيد بـ «أنت» : يخالف التأكيد بالنفس، و للفرّاء أبيات كلها محمولة على الضرورة.

قالوا: و التوكيد بالمضمر المجرور لا يحسن عطف الظاهر عليه كما حسن فى المرفوع، لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر فيه، و إنما استحسن التوكيد لأن التوكيد خارج عن الفعل، فنصبوه بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتصل من الفاعل، و المجرور لا يكون إلاّ متصلا بالجار، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل.