تفسير جوامع الجامع - ج4

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
653 /
1

الجزء الرابع‏

سورة المؤمن‏

مكّيّة إلاّ آيتين. خمس و ثمانون آية كوفي، اثنتان‏ (1) بصرىّ، عدّ الكوفىّ: «حم» «تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ» ، «يُسَبِّحُونَ» ، «كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ» ، و عدّ البصرىّ: «كََاظِمِينَ» .

14- و عن أنس عن النّبىّ- صلّى اللّه عليه و آله -الحواميم ديباج القرآن.

14- و فى حديث أبىّ : «من قرأ حم المؤمن لم يبق روح نبىّ و لا صدّيق و لا مؤمن إلاّ صلّوا عليه و استغفروا له» .

5- و عن الباقر-عليه السّلام -: «من قرأ حم المؤمن فى كلّ‏ (2) ليلة ثلاث مرّات‏ (3) ، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر و ألزمه كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ و جعل الآخرة خيرا له من الدّنيا» .

ق: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قرئ: بإمالة الألف من «حا» و بالتّفخيم. }و التّوب و الثّوب و الأوب أخوات‏ (4) فى معنى الرّجوع‏ (5) ؛ و الطّول: الإنعام الّذى يطول لبثه على صاحبه، و طال عليه و تطوّل، أي:

1-الف، هـ، د: آيتان 2-ب، د: -كلّ 3-د، هـ: فى كلّ ثلث 4-د، هـ: التوب و الأوب واحد و أخوان 5-معجم مقاييس اللغة: 1/152، 357، 393

2

تفضّل؛ (1) «غََافِرِ اَلذَّنْبِ» وَ «قََابِلِ اَلتَّوْبِ» معرفتان و إضافاتهما حقيقيّة (2) ، لأنّه لم يرد بهما حدوث الفعلين فى الحال أو (3) الاستقبال، بل أريد ثبوت ذلك و دوامه. فهما صفتان. و أمّا «شَدِيدِ اَلْعِقََابِ» فتقديره: شديد عقابه، و قيل: إنّه بدل، و الوجه أن تكون صفة. و إنّما حذف الألف و اللاّم من شديد ليوافق ما قبله و ما بعده لفظا. و ذكر بعد «غََافِرِ اَلذَّنْبِ» لئلاّ يعوّل المكلّف على الغفران بل يكون مرجئ‏ (4) بين الرّجاء و الخوف، «ذِي اَلطَّوْلِ» : ذى النّعم السّابغة على عباده دينا و دنيا} «مََا يُجََادِلُ» أي: ما يخاصم فى دفع حجج اللّه إلاّ الكفّار «فَلاََ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ» بالتّجارات و المكاسب فى البلاد، فإنّ مصير ذلك إلى الزّوال و النّفاد (5) فلا يفوتون اللّه على حال. }ثمّ ضرب سبحانه لتكذيبهم بالرّسل و جدالهم بالباطل مثلا ما كان من نحو ذلك من الأمم الماضية. فقال: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ» رسولهم «وَ اَلْأَحْزََابُ» الّذين تحزّبوا على أنبيائهم و ناصبوهم، و هم عاد و ثمود و فرعون و غيرهم. «وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ» من هذه الأمم «بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ» ليتمكّنوا من قتله و إهلاكه أو تعذيبه. و يقال للأسير: أخيذ (6) .

«فَأَخَذْتُهُمْ» أي: قصدوا أخذه، فجعلت جزائهم على إرادة أخذه أن أخذتهم‏ (7) «فَكَيْفَ كََانَ عِقََابِ» . هذا تقرير فيه معنى التّعجّب‏ (8) .

1-قال أحمد بن فارس: الطاء و الواو و اللام، أصل صحيح يدلّ على فضل و امتداد فى الشّي‏ء.

معجم مقاييس اللغة: 3/443، لسان العرب: 8/226 2-ب، هـ: حقيقة 3-ب، د، هـ: و 4-الف، د، هـ: مرجحا 5-الف، د و هـ: و لا 6-لسان العرب: 1/84، المصباح المنير: 6 مادة (أخذ) 7-جملة شرطيّة بمعنى أنه لو تم الأخذ فانّه يترتب الجزاء و العقاب. 8-الكشّاف: 4/151

3

«أَنَّهُمْ أَصْحََابُ اَلنََّارِ» فى محلّ الرّفع، بدل من كَلِمَةُ رَبِّكَ . أي: و مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النّار، و المعنى: كما وجب إهلاكهم فى الدّنيا بعذاب‏ (1) الاستيصال، كذلك وجب إهلاكهم فى الآخرة بعذاب النّار، أو فى محلّ النّصب على حذف لام التّعليل و إيصال الفعل. و «اَلَّذِينَ كَفَرُوا» كفّار مكّة، أي: كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء؛ لأنّ علّة واحدة تجمعهم أنّهم من أصحاب النّار. و قرئ: «كلمات» على الجمع. ثمّ ذكر سبحانه بعد ذكر حال الكفّار، حال المؤمنين الأبرار و أنّ الملائكة المقرّبين‏ (2) يمدّونهم بالاستغفار. }فقال: «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ» على عواتقهم امتثالا لأمر اللّه، و من حول العرش من الملائكة المطيفين به، و هم الكرّوبيّون و سادة الملائكة «يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ» و ينزّهونه عمّا يصفه به هؤلاء المجادلون‏ (3) ، أو 1-د: بعد 2-الف: و المقرّبين 3-الجدال هو (امتداد الخصومة و مراجعة الكلام) أو (المفاوضة على سبيل المنازعة و المغالبة) معجم مقاييس اللغة 1/433 و المفردات: مادة (جدل)

4

يسبّحونه بالتّسبيح المعهود؛ أي: يقولون «رَبَّنََا» و هذا المضمر فى محلّ الرّفع بيانا ليستغفرون، أو نصب حالا (1) «وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً» الرّحمة و العلم هما اللّذان وسعا كلّ شيئ فى المعنى و الأصل‏ (2) : وسع كلّ شيئ رحمتك و علمك، فأسند الفعل إلى صاحبهما و أخرجا منصوبين على التّمييز (3) للإغراق فى وصفه بالرّحمة؛ كأنّ ذاته سبحانه رحمة و علم، و اسعان كلّ شيئ. «فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ» علمت منهم التّوبة و اتّباع سبيلك. و سبيل اللّه سبيل الحقّ الّذى دعا عباده إليه، و فى هذا دلالة على أنّ قبول التّوبة و إسقاط العقاب عندها (4) تفضّل من اللّه تعالى، إذ لو كان واجبا لما احتيج فيه إلى الدّعاء و السّؤال‏} «وَ قِهِمُ اَلسَّيِّئََاتِ» أي: العقوبات، سمّاها سيّئات اتّساعا، أو: جزاء السّيّئات، فحذف المضاف‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنََادَوْنَ» يوم القيمة فيقال لهم «لَمَقْتُ اَللََّهِ أَكْبَرُ» (5) و التّقدير: لمقت اللّه أنفسكم أكبر «مِنْ مَقْتِكُمْ من أنفسكم» اليوم فاستغنى بذكرها مرّة. و «إِذْ تُدْعَوْنَ» منصوب بالمقت الأوّل و المعنى أنّه يقال لهم يوم القيمة: كان اللّه يمقت أنفسكم الأمّارة (6) بالسّوء و الكفر، حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون و تختارون عليه الكفر أشدّ ممّا تمقتونهنّ اليوم و أنتم فى النّار إذ أوقعتكم فيها باتّباعكم هواهنّ، و قيل معناه: لمقت اللّه إيّاكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض. و «إِذْ تُدْعَوْنَ» تعليل. و المقت أشدّ البغض، فوضع فى موضع أشدّ الإنكار «اِثْنَتَيْنِ» أي: إماتتين و إحيائتين‏ (7) ، أو موتين‏ (8) و حياتين، أراد (9) بالإماتتين: خلقهم أمواتا أوّلا، و إماتتهم عند انقضاء آجالهم، و بالإحيائتين‏ (10) : الإحياءة الأولى و إحياءة البعث، و قيل:

1-الكشاف: 4/152 2-الف: فالأصل 3-ب، هـ: التّميز 4-عود الضّمير إلى التّوبة 5-ب: (لَمَقْتُ اَللََّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ) الآية 6-الف: و الأمّارة 7-الف: إماتين و إحيائين 8-د، هـ: موتتين (9) الف، د، هـ: و أراد (10) الف، د: بالإحياتين

5

الإماتتان هما الّتى فى الدّنيا بعد الحيوة، و الّتى فى القبر قبل البعث. و الإحياءتان‏ (1) هما الّتى فى القبر للمسائلة و الّتى فى البعث «فَاعْتَرَفْنََا بِذُنُوبِنََا» الّتى اقترفناها فى الدّنيا «فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ» أي: إلى نوع من الخروج «مِنْ سَبِيلٍ» قطّ، أو اليأس حاصل دون ذلك، فلا خروج و لا سبيل إليه‏} «ذََلِكُمْ» أي: ذلكم الّذى أنتم فيه و أن لا سبيل لكم إلى الخروج بوجه من الوجوه بسبب أنّكم كفرتم بالتّوحيد و آمنتم بالإشراك «فَالْحُكْمُ لِلََّهِ» حيث حكم عليكم بعذاب الأبد.

«آيََاتِهِ» أي: مصنوعاته الدّالّة على كمال قدرته و توحيده «وَ مََا يَتَذَكَّرُ» و ما يتفكّر فى حقيقتها (2) و لا يتّعظ بها «إِلاََّ مَنْ يُنِيبُ» أي: يرجع إلى اللّه و يقبل إلى طاعته؛ فإنّ المعاند لا سبيل إلى تذكّره و اتّعاظه. }ثمّ قال لمن ينيب: «فَادْعُوا اَللََّهَ» أي: اعبدوه «مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» 1-الف: الإحياتان 2-الف: (وَ مََا يَتَذَكَّرُ) فى حقيقتها

6

من الشّرك «وَ لَوْ كَرِهَ» ذلك أعدائكم الكفّار} «رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ، ذُو اَلْعَرْشِ، يُلْقِي اَلرُّوحَ» ثلاثة أخبار لقوله: هو، مترتّبة على قوله: «اَلَّذِي‏ (1) يُرِيكُمْ» ، أو أخبار مبتداء محذوف، و هى مختلفة تعريفا و تنكيرا. و رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ مثل قوله: ذِي اَلْمَعََارِجِ و هى مصاعد (2) الملائكة إلى أن تبلغ العرش، و هى دليل على عزّته و ملكوته. و عن سعيد بن جبير (3) : سماء فوق سماء، و العرش فوقهنّ‏ (4) . و قيل: هى درجات ثوابه الّتى ينزلها أنبياؤه و أولياؤه فى الجنّة، و قيل: هو عبارة عن رفعة شأنه و علوّ سلطانه، كما أنّ ذا العرش عبارة عن ملكه «يُلْقِي اَلرُّوحَ» الّذى هو سبب الحيوة للقلب «مِنْ أَمْرِهِ» يريد الوحى الّذى هو أمر بالخير، و قيل: إنّ الرّوح جبرئيل‏ (5) «لِيُنْذِرَ» اللّه و الملقى إليه، و هو الرّسول أو الرّوح، و قرئ: لتنذر بالتّاء؛ لأنّ الرّوح مؤنّث‏ (6) ، أو على خطاب النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله. «يَوْمَ اَلتَّلاََقِ» يوم القيمة؛ لأنّ الخلائق تلتقى فيه، أو يلتقى فيه أهل السّماء (7) أهل الأرض و الأوّلون و الآخرون، و المعنى: أنّهم كانوا يظنّون إذا استتروا أنّ اللّه لا يراهم، فهم اليوم صائرون من البروز إلى حال لا يتوهّمون ذلك. } «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ» حكاية لما يسئل عنه فى ذلك اليوم و لما يجاب به؛ أي: ينادى مناد:

1-الف: هو الّذى 2-أي: ما يصعد به إلى العلوّ و الشّاهق 3-هو أبو عبد اللّه سعيد بن جبير بن هشام الأسدىّ الكوفىّ، أحد أعلام التّابعين، أخذ عن عبد اللّه بن عبّاس، أقام فترة بإصبهان ثمّ عاد إلى العراق، و خرج مع عبد الرّحمن بن الأشعث على عبد الملك بن مروان، و هرب بعد الهزيمة إلى مكّة فاعتقله خالد بن عبد اللّه القسرىّ وفيات الأعيان: 2/371 4-الكشّاف: 4/156 5-فى هامش نسخة ب: لفظ (يُلْقِي) و هو فى الإلقاء و هو بالفارسيّة (انداختن) يدلّ على أنّ الرّوح الملقى إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله غير جبرئيل-عليه السّلام-و يظهر من ملاحظة هذه الآية و غيرها من الآيات الشّريفة و فى الأحاديث الواردة عن أهل البيت (ع) أنّ الرّوح الملقى إلى الأنبياء-عليهم السّلام-هو روح القدس و هو الرّوح الخامس الّذى يكون فى الأنبياء. 6-الف: يؤنث. و الرّوح كلمة مؤنّثة راجع لسان العرب: 5/355 7-فى الكشاف: أهل السماء و أهل الأرض

7

لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ؟فيجيبه أهل الحشر (1) : «لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ» أو يكون المنادى هو المجيب. و لمّا قرّر (2) أنّ الملك للّه وحده فى ذلك اليوم، عدّد نتائج ذلك، و هى أنّ «كلّ نفس تجزى بِمََا كَسَبَتْ» ، و أن لا ظلم من أحد على أحد، و لا ينقص من ثواب أحد و لا يزاد فى عقاب أحد، و أنّ الحساب لا يبطئ؛ لأنّه سبحانه لا يشغله حساب عن حساب. }و «اَلْآزِفَةِ» الدّانية، و هى القيامة؛ لأنّ كلّ ما هو آت قريب دان. و «كََاظِمِينَ» نصب على الحال من أصحاب القلوب؛ لأنّ المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، و يجوز أن يكون حالا من القلوب و أنّ القلوب كاظمة على كرب و غمّ فيها مع بلوغها الحناجر. و لمّا وصفها بالكظم‏ (3) الّذى هو من أوصاف العقلاء، جمع كاظم جمع سلامة. و «يُطََاعُ» مجاز فى الشّفيع لأنّ الطّاعة لا تكون إلاّ لمن فوقك. و الخائنة مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، أو صفة للنّظرة، و المراد: استراق النّظر إلى ما لا يحلّ. }و قوله «يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ» خبر من أخبار «هُوَ» فى قوله «هُوَ اَلَّذِي يُرِيكُمْ» مثل «يُلْقِي اَلرُّوحَ» و لكن قد علّل سبحانه يلقى الرّوح بقوله «لِيُنْذِرَ يَوْمَ اَلتَّلاََقِ» ثمّ استطرد ذكر أحوال يوم التّلاق إلى قوله «وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ» فبعد لذلك عن أخواته «وَ اَللََّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ» لاستغنائه عن الظّلم «و الّذين تدعون» قرئ بالتّاء و الياء يعنى: آلهتهم «لاََ يَقْضُونَ بِشَيْ‏ءٍ» و هذا تهكّم بهم؛ لأنّ ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضى أو لا يقضى.

1-د: المحشر 2-الف: قدّر 3-د: بالكاظم جمع

8

«هُمْ» فى «كََانُوا هُمْ» فصل، و الفصل لا يقع إلاّ بين معرفتين، فالوجه هنا: أنّ «أَشَدَّ مِنْهُمْ» ضارع المعرفة فى أنّه لا يدخله الألف و اللاّم، فأجرى مجراه، و قرئ: أشدّ منكم قوّة .

و المراد بالآثار حصونهم و قلاعهم و عددهم ممّا يوصف بالشّدّة} «فَقََالُوا» هذا (1) «سََاحِرٌ كَذََّابٌ» فسمّوا السّلطان المبين سحرا و كذبا بِالْحَقِّ أي: بالدّين الحقّ أو بالنّبوّة «قََالُوا اُقْتُلُوا» عن ابن عبّاس: أي: أعيدوا عليهم القتل، كالّذى كان أوّلا. يريد أنّ هذا قتل غير القتل الأوّل «فِي ضَلاََلٍ» أي: ضياع و ذهاب لم يجد عليهم‏} «وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ» فيه دلالة على خوف فرعون من موسى-عليه السّلام-و من دعوته ربّه و إنّ قوله «ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ََ» تمويه منه على قومه و إيهام أنّهم كانوا هم المشيرين عليه بأن لا يقتله، و ما كان يكفّه عن ذلك إلاّ ما فى نفسه من الفزع. و قرئ: و أن يظهروا بالواو و فتح الياء «الفسادُ» بالرّفع و المعنى: أنّى أخاف فساد دينكم و دنياكم معا.

1-الف: هو

9

«مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» صفة لرجل، أو صلة ليكتم؛ أي: يكتم إيمانه من آل فرعون، و اسمه: حبيب أو خربيل‏ (1) أو خزبيل «أَنْ يَقُولَ» لأن يقول، أي: أ ترتكبون قتل رجل بأن يقول الكلمة الصّادقة الّتى نطق بها، و هى قوله «رَبِّيَ اَللََّهُ» مع أنّه أحضر لتصحيح قوله بيّنات عدّة من عند من نسب إليه الرّبوبيّة، و هو ربّكم لا ربّه وحده. استدرجهم إلى الاعتراف به، ثمّ احتجّ عليهم على طريقة التّقسيم بأن قال: لا يخلو من أن يكون صادقا أو كاذبا فـ إِنْ يَكُ كََاذِباً «فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ» أي: يعود عليه ضرر كذبه «وَ إِنْ يَكُ صََادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ» و فى ذلك البعض هلاككم. و هذا كلام من ينصف فى مقاله ليسمع منه؛ لأنّه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنّه صادق فى جميع ما يعد، و لكنّه أردفه يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ ليهضمه بعض حقّه فى الظّاهر، و ليريهم أنّه ليس بكلام من يتعصّب له‏} «ظََاهِرِينَ فِي اَلْأَرْضِ» أي:

1-د: حربيل، هـ: حزبيل

10

عالين فى أرض مصر على بنى إسرائيل «قََالَ فِرْعَوْنُ مََا أُرِيكُمْ إِلاََّ مََا أَرى‏ََ» أي: ما أشير عليكم برأى إلاّ بما أرى من قتله، يعنى: لا أستصوب إلاّ قتله، و هذا الّذى تقولونه غير صواب «وَ مََا أَهْدِيكُمْ» بهذا الرّأى: (1) «إِلاََّ سَبِيلَ اَلرَّشََادِ» و الصّواب عندى‏} «مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزََابِ» أي: مثل أيّامهم؛ لأنّه لمّا أضافه إلى الأحزاب و فسّر الأحزاب بقوم نوح و عاد و ثمود و لم يلتبس أنّ كلّ حزب منهم كان له يوم دمار، اقتصر على الواحد من الجمع؛ لأنّ المضاف إليه أغنى عن ذلك؛ كقوله:

كلوا فى بعض بطنكم تعفّوا

، و «دأبهم» دءوبهم فى عملهم من الكفر و التّكذيب و المعاصي. و كون ذلك دائبا دائما منهم لا يفترون عنه، و لا بدّ من حذف مضاف أي: مثل جزاء دأبهم، و إنّما انتصب مثل الثّاني بأنّه عطف بيان لمثل الأوّل؛ لأنّ آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح. و لو قلت: أهلك اللّه الأحزاب: قوم نوح و عاد و ثمود، لم يكن إلاّ عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام فسرّى ذلك الحكم إلى أوّل ما تناولته الإضافة. } «وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ» فتدميرهم كان عدلا منه؛ إذ (2) استوجبوه بأعمالهم. و التّنادى: ما حكاه اللّه فى سورة الأعراف من قوله: «وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ (3) » «وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ (4) » و قيل: ينادى بعض الظّالمين بعضا بالويل و الثّبور و قيل: ينادى فيه‏ «كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ‏ (5) » . } «يَوْمَ تُوَلُّونَ» أي: يوم تعرضون عن النّار «مُدْبِرِينَ» فارّين مقدّرين أنّ الفرار ينفعكم‏} «يُوسُفُ» هو يوسف بن 1-د، هـ: بهذا الّذى أقوله 2-الف، هـ: إذا 3-الأعراف: 44 4-الأعراف: 50 5-الإسراء: 71

11

يعقوب، قيل: إنّ فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمّر إلى زمنه، و قيل: هو فرعون آخر «كَذََلِكَ» أي: مثل ذلك الضّلال «يُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ» على نفسه كافر «مُرْتََابٌ» شاكّ فى التّوحيد و نبوّة الأنبياء.

«اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ» بدل من قوله: مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ؛ لأنّه فى معنى كلّ مسرف. و فاعل كَبُرَ ، ضمير مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ على اللّفظ، و يجوز أن يكون اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ مبتداء، و يكون قوله: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ على حدّ قولك: «نعم رجلا زيد» و المخصوص بالذّمّ محذوف، و هو جدالهم و تكون الجملة خبر المبتدا. و لا يكون جدالهم فاعلا لكبر، فيمتنع حذفه على ما ذكره جار اللّه‏ (1) . و قرئ: «قلب» بالتّنوين، و جاز وصف القلب بالتّكبّر و التّجبّر؛ لأنّه موضعهما و منبعهما، كما قال سبحانه‏ «فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» و الآثم هو الجملة، أو يكون على حذف المضاف؛ أي: على كلّ ذى قلب متكبّر، و من قرأ على الإضافة فالمعنى: يطبع اللّه 1-الكشّاف: 4/167 ط دار الكتاب العربىّ-بيروت

12

على القلوب إذا كانت قلبا من كلّ متكبّر، و حذف «كلّ» لتقدّم ذكره، كما جاء فى المثل: «ما كلّ سوداء تمرة و لا بيضاء شحمة» فحذف كلّ لتقدّم ذكره. }و «الصّرح» البناء الظّاهر الّذى لا يخفى على النّاظر و إن بعد، من صرح الشّي‏ء: إذا ظهر (1) . و «هامان» وزير فرعون و صاحب أمره. }و «أَسْبََابَ اَلسَّمََاوََاتِ» طرقها و أبوابها و ما يؤدّى إليها، و كلّ ما أوصلك إلى شيئ فهو سبب إليه كالرّشاء (2) و نحوه. و فائدة التّكرير أنّه لمّا أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السّموات أبهمها ثمّ أوضحها. «فَأَطَّلِعَ» قرئ بالرّفع و النّصب، فالرّفع للعطف على أبلغ، و النّصب على جواب التّرجّى تشبيها للتّرجّى بالتّمنّى. «وَ كَذََلِكَ» أي: و مثل ذلك التّزيين و ذلك الصّدّ «زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ اَلسَّبِيلِ» و قرئ: صَدّ على البناء للفاعل، بمعنى أنّه صدّ نفسه أو صدّ غيره. «وَ مََا كَيْدُ فِرْعَوْنَ» فى إبطال ءايات موسى عليه السّلام «إِلاََّ فِي تَبََابٍ» أي: خسار لا ينفعه‏ (3) . }ثمّ عاد إلى ذكر نصيحة مؤمن آل فرعون، فأجمل لهم بأن قال: «أَهْدِكُمْ سَبِيلَ اَلرَّشََادِ» ثمّ فسّر فافتتح بذمّ الدّنيا و تحقير شأنها؛ لأنّ الرّكون إليها أصل لكلّ شرّ و إثم، و جالب لسخط اللّه و عقابه، }ثمّ ثنّى بتعظيم الآخرة فإنّها دار القرار و الإقامة، ثمّ ذكر الأعمال السّيّئة و الحسنة و ما يستحقّ على كلّ واحدة منهما. و قوله «بِغَيْرِ حِسََابٍ» فى مقابل إلاّ مثلها، معناه: أنّ جزاء السّيّئة له حساب و تقدير فلا يزيد على المستحقّ، و أمّا جزاء العمل الصّالح فبغير تقدير و حساب، بل هو زائد على المستحقّ بما شئت من الزّيادة و الكثرة.

1-قال ابن فارس: الصّاد و الرّاء و الحاء أصل منقاس، يدلّ على ظهور الشّي‏ء و بروزه. معجم مقاييس اللّغة: 3/347 مادة (صرح) 2-الرّشاء: الّذى يتوصّل به إلى الماء. لسان العرب: 5/223 مادة (رشا) د، هـ: كالرّشاد 3-قال ابن فارس: التّاء و الباء كلمة واحدة، و هى التّباب، و هو الخسران. معجم مقاييس اللّغة: ج 1/341 مادة ( تبّ)

13

يقال: دعاه إلى الشّي‏ء و للشّيئ، كما قيل: هداه إلى الطّريق و للطّريق‏} «لَيْسَ لِي بِهِ» أي: بربوبيّته «عِلْمٌ» و المراد بنفي العلم نفى المعلوم، كأنّه قال: و أشرك به ما ليس بإله، و ما ليس كيف يصحّ أن يعلم إلها} «لاََ جَرَمَ» سياقه على مذهب البصريّين أن يجعل «لاََ» ردّا لما دعاه إليه قومه، و «جَرَمَ» فعل بمعنى حقّ، و أنّ مع ما فى حيّزه فاعله، أي: حقّ و (1) وجب بطلان دعوته، أو بمعنى كسب أي: كسب، ذلك الدّعاء إليه بطلان دعوته؛ على معنى أنّه ما حصل من ذلك إلاّ ظهور بطلان دعوته. و قيل: لاََ جَرَمَ نظير لا بدّ فعل من الجرم و هو القطع‏ (2) ، كما أنّ بدّا فعل من التّبديد و هو التّفريق‏ (3) ، فكما أنّ لا بدّ أنّك تفعل كذا، بمعنى: لا بدّ لك من فعله، فكذلك لا جرم أنّ لهم النّار، بمعنى: لا قطع لذلك، أي: يستحقّون النّار أبدا، لا انقطاع لاستحقاقهم و لا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أي: لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقّا. و معناه: أنّ ما تدعوننى إليه ليس له دعوة إلى نفسه قطّ (4) ، و لا يدّعى إلهيّة (5) . و قيل: إنّه ليس له 1-د: أو 2-معجم مقاييس اللّغة: 1/445 مادة (جرم) 3-قال ابن فارس: بدّ، الباء و الدّال فى المضاعف أصل واحد، و هو التّفرّق و تباعد ما بين الشّيئين. معجم مقاييس اللّغة: 1/176 مادة (بدّ) 4-الف و هـ: ليس له دعوة قطّ 5-د: الإلهية

14

استجابة دعوة تنفع فى الدّنيا و لا فى الآخرة، أو دعوة مستجابة. جعل الدّعوة الّتى لا منفعة لها كلا دعوة، أو سمّيت الاستجابة باسم الدّعوة، كما سمّى الفعل المجازى عليه باسم الجزاء فى قولهم: كما تدين تدان. } «فَسَتَذْكُرُونَ» عند نزول العذاب بكم أو يوم القيامة صحّة «مََا أَقُولُ لَكُمْ» من النّصح. و أسلّم «أَمْرِي إِلَى اَللََّهِ» و أتوكّل عليه‏}} «اَلنََّارُ» بدل من سُوءُ اَلْعَذََابِ ، أو خبر مبتداء محذوف؛ أي: هو النّار، أو: مبتداء خبره «يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا» أي: يعذّبون بها فى هذين الوقتين، و فيما بين ذلك اللّه أعلم بحالهم: فأمّا أن يعذّبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفّس عنهم. فإذا قامت القيامة قيل لهم: «اُدخُلوا» يا «آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ» عذاب جهنّم. و قرئ: أَدْخِلُوا ؛ أي: يقال لخزنة جهنّم: أدخلوهم‏ (1) . و فى هذه دلالة على صحّة عذاب القبر.

1-قال أبو زرعة: قرأ نافع و حمزة و الكسائي و حفص: (اَلسََّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) بقطع الألف و كسر الخاء، على جهة الأمر للملائكة بإدخالهم. يقال للملائكة: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) فيكون (آلَ فِرْعَوْنَ) نصبا بوقوع الفعل عليهم... و قرأ الباقون: (السّاعة ادخُلوا) موصولة على الأمر لهم بالدّخول، المعنى وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ نقول: ادخلوا يا آلَ فِرْعَوْنَ .

حجة القراءات: 663

15

و اذكر وقت تحاجّهم فى النّار «تَبَعاً» أي: أتباعا، جمع تابع، و مثله: خدم جمع خادم، أو ذوى تبع؛ أي: أتباع، أو هو وصف بالمصدر. }و «كُلٌّ» معرفة و التّنوين‏ (1) عوض من المضاف إليه؛ أي: كلّنا فيها} «لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ» و لم يقل: لخزنتها، لأنّ فى ذكر جهنّم تهويلا. و يحتمل أن يكون جهنّم هى أبعد النّار قعرا، من قولهم: بئر جهنّام: بعيدة القعر. } «أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ» إلزام للحجّة و توبيخ «قََالُوا فَادْعُوا» أنتم، فإنّا لا ندعوا إلاّ بإذن اللّه و لم يؤذن لنا فيه.

أي: نغلّب «رُسُلَنََا» فى الدّارين بالظّفر على مخالفيهم و بالحجّة. و لو غلبوا فى 1-ب: فيه

16

بعض الأحايين فالعاقبة لهم. و اليوم الثّاني بدل من الأوّل. و «اَلْأَشْهََادُ» : جمع شاهد، و هم الملائكة و الأنبياء و الأولياء. }و قرئ: «لاََ يَنْفَعُ» بالتّاء و الياء (1) . }و المراد بـ «اَلْهُدى‏ََ» ما آتاه اللّه فى باب الدّين من المعجزات و التّوراة و الشّرائع «وَ أَوْرَثْنََا» و تركنا على «بَنِي إِسْرََائِيلَ» من بعده «اَلْكِتََابَ» أي: التّوراة} «هُدىً وَ ذِكْرى‏ََ» أي: إرشادا و تذكرة، و هما مفعول لهما أو حالان «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ» فى ضمان‏ (2) نصرة رسله، و استشهد بحال موسى و نصرته على فرعون و جنوده و إبقاء آثار هداه فى بنى إسرائيل، فإنّ اللّه ينصرك كما نصره. «وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» تعبّده سبحانه بالدّعاء و الاستغفار ليزيد فى درجاته و يصير سنّة لأمّته‏} «إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاََّ كِبْرٌ» أي: تكبّر، و هو إرادة التّقدّم و الرّياسة و أن لا يكون أحد (3) فوقهم و لذلك عادوك و دفعوا معجزاتك، و ذلك أنّ النّبوّة تحتها كلّ ملك و رياسة، أو إرادة أن تكون لهم النّبوّة دونك. «مََا هُمْ بِبََالِغِيهِ» أي: ببالغي موجب الكبر و مقتضيه‏ (4) و هو متعلّق إرادتهم من الرّياسة أو النّبوّة «فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ» من شرّهم «إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ» لأقوالهم، «اَلْبَصِيرُ» بأحوالهم، و فيه تهديد. }و لمّا كان جدالهم و حجاجهم فى آيات اللّه مشتملا على إنكار البعث حجّوا بخلق «اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» لأنّهم كانوا يقرّون بأنّه سبحانه خالقهما، و خلق النّاس بالقياس إليهما أهون. }ثمّ ضرب «اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ» مثلا للمحسن و المسيئ. و قرئ: «يتذكّرون» بالياء و التّاء (5) . } «لاََ رَيْبَ فِيهََا» لا بدّ من مجيئها (6) و ليس بمرتاب فيها؛ لأنّه لا بدّ من الجزاء. } «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» إذا اقتضت المصلحة إجابتكم. و قيل معناه: ادعوني أثبتكم‏ (7) .

و فى الحديث :

1-حجّة القراءات: 643 2-هـ: زمان 3-زيادة فى ب و هـ 4-د و هـ: مقتضاه. و فى الكشّاف: 4/173: مقتضيه 5-قرأ عاصم و حمزة و كسائى بالتّاء على الخطاب و قرأ الباقون بالياء، إخبارا عن الكفّار. حجّة القراءات: ص 634 6-الف: حجّتها 7-رواه الزّمخشرىّ عن تفسير مجاهد، الكشّاف: 4/175 و رواه الطّبرسىّ فى الجمع عن ابن عبّاس

17

الدّعاء هو العبادة، و قرء هذه الآية.

5- و عن الباقر عليه السّلام : هو الدّعاء و أفضل العبادة الدّعاء.

«مُبْصِراً» من الإسناد المجازىّ و معناه: لتبصروا فيه. «إِنَّ اَللََّهَ لَذُو فَضْلٍ» لا يوازنه فضل. و كرّر ذكر «اَلنََّاسِ» تخصيصا بكفران النّعم بهم، و أنّهم هم الّذين لا يشكرونه. } «ذََلِكُمُ» المعلوم المختصّ بهذه الأفعال‏ (1) هو «اَللََّهُ رَبُّكُمْ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» و هى أخبار مترادفة، أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهيّة و الرّبوبيّة و إنشاء الأشياء و الوحدانيّة.

1-قال الزّمخشرىّ: (ذََلِكُمُ) المعلوم المتميّز بالأفعال الخاصّة الّتى لا يشاركه فيها أحد. الكشّاف: 4/176

18

«فَأَنََّى تُؤْفَكُونَ» فكيف تصرفون‏ (1) عن عبادته إلى عبادة الأصنام. }ثمّ ذكر أنّ كلّ من جحد «بِآيََاتِ اَللََّهِ» أفك، كما أفكوا. ثمّ وصف نفسه بأفعال أخر خاصّة به؛ }و هى أنّه جعل «اَلْأَرْضَ» مستقرّا «وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً» أي: قبّة، و مضارب العرب أبنيتهم؛ لأنّ السّماء فى منظر العين كالقبّة المضروبة على الأرض. } «فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ» الطّاعة من الشّرك فى دعائه و عبادته، قائلين:

«اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» . } «أَنْ أُسْلِمَ» أي: أستسلم لأمر ربّ «اَلْعََالَمِينَ» . } «لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ‏ (2) » متعلّق بفعل محذوف، و التّقدير: ثمّ يبقيكم لتبلغوا، و كذلك «لِتَكُونُوا شُيُوخاً» ، و يفعل ذلك «لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى» و هو وقت الموت، أو يوم القيمة. و قوله «مِنْ قَبْلُ» يريد من قبل الشّيخوخة، أو من قبل هذه الأحوال. «وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» هذه الأغراض المذكورة و تتفكّرون فى العبر و الحجج. } «فَإِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا» يكوّنه من غير كلفة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء و الإماتة، و ساير ما ذكر من أفعاله الدّالّة على أنّه لا يمتنع عليه شى‏ء من المقدورات، فكأنّه قال: فلذلك الاقتدار إذا قضى أمرا تيسّر له، و لم يمتنع عليه، و كان أهون شى‏ء و أسرعه.

1-قال ابن فارس: أفك، الهمزة و الفاء و الكاف أصل واحد، يدلّ على قلب الشّي‏ء و صرفه عن جهته. يقال أفك الشّي‏ء و أفك الرّجل إذا كذب. و الإفك الكذب. معجم مقاييس اللّغة: 1/118 2-قال ابن فارس: شدّ الشّين و الدّال أصل واحد يدلّ على قوّة فى الشّي‏ء... و الأشدّ: العشرون، و يقال أربعون سنة.

معجم مقاييس اللّغة: 3/180-179

19

«أَنََّى يُصْرَفُونَ» أي من أىّ جهة يقلبون عن الحقّ إلى الضّلال. } «إِذِ اَلْأَغْلاََلُ فِي أَعْنََاقِهِمْ» المعنى على إذا: لأنّ إخباره سبحانه لمّا كانت متيقّنة، عبّر عن الأمور المستقبلة فيها بلفظ ما قد كان، و وجد. و «يُسْحَبُونَ‏ (1) » حال، } «فِي اَلْحَمِيمِ» فى الماء الّذى انتهت حرارته «ثُمَّ فِي اَلنََّارِ يُسْجَرُونَ‏ (2) » و يقذفون فيها، و توقد بهم. } «بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً» أي: تبيّن لنا أنّهم لم يكونوا شيئا، و ما كنّا نعبد بعبادتهم شيئا «كَذََلِكَ» أي: مثل ضلال آلهتهم عنهم، يضلّهم اللّه عن آلهتهم‏ (3) حتّى لو طلبوها أو طلبتهم لم يتصادفوا. } «ذََلِكُمْ» الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح «فِي اَلْأَرْضِ» و المرح «بِغَيْرِ اَلْحَقِّ» و هو الشّرك و عبادة الأوثان.

«فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ» مثويكم‏ (4) ، أو (5) جهنّم.

1-سحب: جرّ شى‏ء مبسوط و مدّه. معجم مقاييس اللّغة: 3/142 2-قال الزمخشرىّ: يُسْجَرُونَ من سجر التّنور، إذا ملأه بالوقود... و معناه أنّهم فى النّار فهى محيطة بهم، و هم مسجورون بالنّار مملوءة بها أجوافهم. الكشّاف: 4/179-178 3-الف: يضلّوهم عن آلهتهم 4-ثوى: الإقامة، و مثويكم أي: مقامكم و منزلكم. المصباح المنير: مادة ثوى 5-ب: أي:

20

الأصل فإن نرك‏ (1) . و ما مزيدة لتأكيد معنى الشرط، و لذلك ألحقت النّون بالفعل.

لا يقال: إن تكرمنّى أكرمك، و لكن: إمّا تكرمنّى أكرمك‏ (2) . و قوله «فَإِلَيْنََا يُرْجَعُونَ» يتعلّق بـ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، و جزاء نُرِيَنَّكَ محذوف و تقديره: فَإِمََّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب فى حيوتك و هو القتل يوم بدر فذاك، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن يحلّ لهم ذلك، فَإِلَيْنََا يُرْجَعُونَ يوم القيمة، فنفعل‏ (3) بهم ما يستحقّونه‏ (4) و لا يغوثوننا. } «مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنََا عَلَيْكَ» ذكرهم و أخبارهم «وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ» ذكرهم. } «لِتَرْكَبُوا مِنْهََا» إلى الحجّ، و الغزو، و الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، و هذه أغراض دينية يتعلّق بها إرادة الحكيم، فأمّا الأكل فمن جنس المنافع المباحة الّتى لا يتعلّق بها إرادته. و على الأنعام‏} «وَ عَلَى اَلْفُلْكِ‏ (5) » فى البرّ و البحر} «تُحْمَلُونَ» . «`وَ يُرِيكُمْ آيََاتِهِ» أي: حججه و بيّناته، «فَأَيَّ آيََاتِ اَللََّهِ تُنْكِرُونَ» توبيخ لهم على الجحد.

1-ب: نُرِيَنَّكَ . 2-أي: ألا ترى أنّ المتكلّم لا يقول: إن تكرمنى أكرمك، و لكن يقول: إمّا تكرمنى أكرمك. 3-ب، هـ: نفعل 4-و فى الكشّاف: ننتقم منهم أشدّ الانتقام. الكشّاف 4/180 5-الفلك، بالضّمّ: السّفينة، تذكر و تؤنث و تقع على الواحد و الإثنين و الجمع. لسان العرب: 10/324

21

«آثار» هم: أبنيتهم العظيمة التي بنوها، و قصورهم و مصانعهم و قيل مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم «فَمََا أَغْنى‏ََ» ما نافية، أو استفهامية فى محلّ نصب، و ما الثّانية مصدريّة أو موصولة فى محلّ رفع، معناه: أىّ شى‏ء أغنى «عَنْهُمْ» مكسوبهم أو كسبهم.

«فَرِحُوا بِمََا عِنْدَهُمْ» من العلم. قيل فيه وجوه: أحدها: أنّه ورد على طريق التّهكّم كما فى قوله: «بَلِ اِدََّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ (1) » و علمهم فى الآخرة أنّهم كانوا يقولون: لا نبعث، و كانوا يفرحون بذلك و يدفعون به علم الأنبياء. و الآخر: أنّ المراد علم الفلاسفة، كانوا يصغّرون علم الأنبياء إلى علمهم. و عن سقراط أنّه قيل ائت موسى «عليه السّلام» و كان فى زمانه فقال: نحن قوم مهذّبون فلا حاجة بنا إلى من يهذّبنا (2) . و قيل إنّ الفرح للرّسل، و المعنى: أنّ الرّسل لما رأوا استهزاؤهم بالحقّ و جهلهم فرحوا بما أوتوا من العلم و شكروا اللّه عليه.

(وَ حََاقَ) (3) بالكافرين جزاء جهلهم و استهزائهم و قيل: إنّ المراد علمهم بأمور الدّنيا، كما قال:

(يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) (4) فلمّا جائهم الرّسل بعلوم الدّيانات لم يلتفتوا إليها، إذ كانت باعثة على رفض الشّهوات و ترك الدّنيا، و اعتقدوا أن لا علم أنفع من علمهم ففرحوا (5) به، } «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ» أي لم يصحّ أن ينفعهم إيمانهم «لَمََّا رَأَوْا» بأس اللّه «سُنَّتَ اَللََّهِ» 1-النمل: 66 2-ب، هـ: يهدينا 3-و هو نزول الشي‏ء بالشي‏ء، يقال حاق به السوء يحيق. معجم مقاسيس اللغة 2/125 4-الروم: 7 5-د، هـ. بها

22

بمنزلة وعد اللّه، و نحو ذلك من المصادر المؤكّدة. و «هُنََالِكَ» مكان مستعار للزّمان أي: و خسروا وقت رؤية البأس. و كذلك قوله: «وَ خَسِرَ هُنََالِكَ اَلْمُبْطِلُونَ‏ (1) » بعد قوله: «فَإِذََا جََاءَ أَمْرُ اَللََّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ» أي: خسروا وقت مجى‏ء أمر اللّه أو وقت القضاء بالحقّ.

1-غافر: 78

23

سورة حم «السجدة»

مكّيّة. أربع و خمسون آية كوفىّ، اثنان‏ (1) بصرىّ. عدّ الكوفىّ: «حم» آية، «عََادٍ وَ ثَمُودَ» آية.

14- و فى حديث أبىّ : «و من قرأ حم السّجدة أعطى من الأجر بعدد كلّ حرف منها عشر حسنات»

6- و عن الصّادق عليه السّلام : «من قرأ حم السّجدة كانت له نورا يوم القيمة مدّ بصره، و سرورا، و عاش فى هذه الدّنيا محمودا مغبوطا (2) »

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

} «تَنْزِيلٌ» مبتدأ و «كِتََابٌ» خبره. أو تَنْزِيلٌ خبر مبتداء محذوف، و كِتََابٌ بدل من تَنْزِيلٌ أو خبر بعد خبر «قُرْآناً عَرَبِيًّا» نصب على المدح. أي: أعنى بالكتاب المفصّل قرآنا بهذه الصّفة. و قيل: نصب على الحال‏ (3) ، أي: فُصِّلَتْ آيََاتُهُ فى حالكونه قُرْآناً عَرَبِيًّا «لِقَوْمٍ» 1-الف، د: اثنتان 2-ب: مغبوطا محمودا 3-الف: أو أي: ـ

24

عرب «يَعْلَمُونَ» ما نزّل عليهم من الآيات المفصّلة المبيّنة بلسانهم العربىّ لا يلتبس عليهم شى‏ء منه. و تعلّق اللاّم بـ فُصِّلَتْ أو بـ تَنْزِيلٌ ، أي: فُصِّلَتْ آيََاتُهُ لهم، أو تَنْزِيلٌ مِنَ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ لأجلهم. و أجود منهما أن يكون صفة مثل ما قبله و ما بعده، أي: قُرْآناً عَرَبِيًّا كائنا لقوم عرب لئلاّ يفرق بين الصّفات و الصّلات. } «بَشِيراً» يبشّر المؤمن بما تضمّنه من الوعد، «وَ نَذِيراً» ينذر الكافر بما فيه من الوعيد. «فَهُمْ لاََ يَسْمَعُونَ» لا يقبلون و لا يطيعون. } «قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ» أي: أغطية «مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ» فلا نفقه ما تقول «وَ فِي آذََانِنََا» ثقل و صمم عن استماع القرءان. «وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ» ساتر و حاجز منيع. و هذه تمثيلات لبنوّ (1) قلوبهم عن قبول الحقّ «فَاعْمَلْ» على دينك «إِنَّنََا عََامِلُونَ» على ديننا، أو فَاعْمَلْ فى إبطال أمرنا، إنّا عََامِلُونَ فى إبطال أمرك. و الفائدة في زيادة (من) في قوله (وَ مِنْ بَيْنِنََا) أنّه لو قال: و بيننا و بينك حجاب، لكان المعنى: أنّ حجابا حاصل‏ (2) وسط الجهتين. و معنى مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ : أنّ الحجاب ابتداء منّا و ابتداء منك، فالمسافة (3) المتوسّطة بجهتك و جهتنا مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. }و قوله: «إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» جواب لقولهم (قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ) لأنّ المعنى: أنّى لست بملك، و إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ و قد أوحى إلىّ دونكم، و إذا صحت بالوحى نبوّتى، وجب عليكم اتّباعى. «فَاسْتَقِيمُوا» فاستووا إِلَيْهِ بالتوحيد و إخلاص العبادة (4) «وَ اِسْتَغْفِرُوهُ» من الشّرك. و خصّ من أوصاف المشركين منع الزّكوة مقرونا بالكفر بالآخرة، لأنّ أحبّ الأشياء إلى الإنسان ماله، فإذا بذله للّه دلّ ذلك على ثباته فى الدّين، و صدق نيّته.

و فيه حثّ شديد على أداء «الزّكوة» ، و تخويف من منعها حيث جعله مقرونا بالكفر 1-أي: تجافى. العين: مادة (ن ب و) . 2-د: حجابنا. 3-الف، د، هـ: فالفراغ لجهتك. و فى الكشاف 4/185: فالمسافة المتوسّطة لجهتنا وجهتك. 4-د، هـ: الإخلاص بالعبادة.

25

«بِالْآخِرَةِ» ... } «لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» أي: غير مقطوع، بل هو متّصل دائم، أو هو خالص من المنّة.

«أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ» استفهام تعجيب أي: كيف تستجيزون أن تكفروا بمن «خَلَقَ اَلْأَرْضَ» فِي مقدار «يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدََاداً (1) » أمثالا و أشباها تعبدونهم «ذََلِكَ» الّذي قدر على الخلق «رَبُّ اَلْعََالَمِينَ» و مالك التّصرّف فيهم‏} «وَ جَعَلَ فِيهََا» أي: فى الأرض جبالا «رَوََاسِيَ» أي: ثوابت «مِنْ فَوْقِهََا» جعلها فوق الأرض ليكون منافعها حاصلة لمن طلبها.

«وَ بََارَكَ فِيهََا» و أكثر خيرها، «وَ قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا» أي: أرزاق أهلها، و منافعهم و معايشهم فِي تتمّة «أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ» من حين ابتداء الخلق، كأنّه قال: كلّ ذلك فِي أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ كاملة مستوية 1-النّد: ما كان مثل الشي‏ء يضاوه فى أموره. العين: مادة (ندّ)

26

بلا زيادة (1) و لا نقصان. و قرئ: «سَوََاءً» بالحركات الثّلث، فالجرّ على الوصف الأيّام، و النّصب على: استوت سواء، أي: استواء. و الرّفع على: هى سوآء، و تعلّق قوله «لِلسََّائِلِينَ» بمحذوف؛ فكأنّه قال: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض و ما فيها؟أو يقدّر أي: قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا لأجل الطّالبين لها، المحتاجين إليها من المقتاتين. } «ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ» من قولك: استوى إلى مكان كذا، إذا توجّه إليه توجّها لا يلوى على شى‏ء. و هو من الاستواء الذي هو ضدّ الاعوجاج، و نحوه قولهم: استقام إليه و امتدّ إليه. و منه قوله:

«فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ» و المعنى: ثمّ دعاه داعى الحكمة إلى خلق السّماء بعد خلق الأرض و ما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. و معنى أمر السّماء و الأرض بالإتيان، و قولهما «أَتَيْنََا طََائِعِينَ» : أنّه أراد تكوينهما و إنشائهما فلم تمتنعا عليه، و وجدتا كما أرادهما. و ليس هناك أمر على الحقيقة و لا جواب، و هو من المجاز الّذى يسمّى التّمثيل، بمعنى أنّهما كانتا كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. و خلق سبحانه جرم الأرض غير مدحوّة (2) ، ثمّ دحيها بعد خلق السّماء كما قال: «وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا (3) » فالمعنى: ائتيا على ما ينبغى أن تأتيا (4) من الشّكل و الوصف آياتي يا أرض مدحوّة قرارا لسكّانك، و آياتي يا سماء سقفا مبنيّا عليهم. و معنى الإتيان الحصول و الوقوع‏ (5) ، كما يقال: أتى عمل فلان مقبولا. و قوله:

«طَوْعاً أَوْ كَرْهاً» مثل للزوم تأثير قدرته فيهما. و انتصابهما على الحال أي: طائعتين أو مكرهتين. و لمّا خوطبن جعلن مجيبات و وصفن بالطّوع و الكره. قيل: «طََائِعِينَ» في موضع 1-زيادة في الف و ب 2-قال ابن الفارس: (د ح) الدال و الحاء أصل واحد يدل على اتساع و تبسط.

و قال الخليل: الدحو، البسط 3-النازعات: 30 4-د و هـ. عليه 5-راجع لسان العرب: 1/68-64

27

طائعات، نحو قوله‏ «وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (1) «رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ» 2 «فَقَضََاهُنَّ» يجوز أن يرجع الضّمير فيه‏ (3) إلى السّماء على المعنى، و يجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسّرا بسبع سماوات. و الفرق بينهما أنّ «سَبْعَ سَمََاوََاتٍ» على الوجه الأوّل نصب على الحال، و في الثّاني نصب على التّميز. «وَ أَوْحى‏ََ» أي: خلق، أو: أمر «فِي كُلِّ سَمََاءٍ أَمْرَهََا» ما أمر به فيها و دبّره من خلق الملائكة و النّيّرات و غير ذلك، أو شأنها و ما يصلحها «وَ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ» يهتدى بها «وَ حِفْظاً» أي: و حفظناها حفظا من استراق السّمع بالثّواقب. و يجوز أن يكون مفعولا له، أي: و خلقنا المصابيح زينة و حفظا. } «فَإِنْ أَعْرَضُوا» بعد ما تتلوا عليهم من هذه الحجج الدّالّة على الوحدانيّة و القدرة، فحذّرهم أن تصيبهم «صاعقة» أي: عذاب شديد الوقع‏ (4) كأنّها صاعقة. } «إِذْ جََاءَتْهُمُ اَلرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ» يريد: أتوهم من كلّ جانب فلم يروا منهم إلاّ العتوّ. و قيل معناه: أنذروهم من وقائع اللّه فيمن قبلهم من الأمم، و من عذاب الآخرة؛ لأنّهم إذا أحذروهم‏ (5) ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزّمان الماضي و ما جرى فيه على أمثالهم، و من جهة المستقبل و ما سيجرى عليهم. أن فى «أَلاََّ تَعْبُدُوا» بمعنى أي، أو مخفّفة من الثّقيلة. و أصله: بأنّه لا تعبدوا؛ أي: بأنّ الشّأن و الحديث قولنا لكم لا تعبدوا. و مفعول شاء محذوف؛ أي: «لَوْ شََاءَ رَبُّنََا» إرسال الرّسل «لَأَنْزَلَ مَلاََئِكَةً» ، و حقيقة القوّة زيادة القدرة، و هى فى الإنسان صحّة البنية و الاعتدال و الشّدّة و الصّلابة. } «وَ كََانُوا بِآيََاتِنََا يَجْحَدُونَ» كانوا يعرفون أنّها حقّ و لكنّهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة. و هو معطوف على «فَاسْتَكْبَرُوا» .

1-الأنبياء: 33 2-يوسف: 4 3-الف، د: منه 4-الف: الوقوع 5-الف، د: حذّروهم

28

«رِيحاً صَرْصَراً» عاصفة تصرصر أي: تصوّت. و الصّرة الصّيحة (1) . و قيل: باردة تحرق ببردها، من الصّر و هو البرد (2) الّذى يصرّ؛ أي: يجمع و يقبض‏ (3) . «نَحِسََاتٍ» قرئ بكسر الحاء و سكونها (4) ، يقال: نحس نحسا فهو: نحس. فالنّحس يجوز أن يكون مخفّف نحس، و أن يكون وصفا بالمصدر، نحو رجل عدل. و «عَذََابَ اَلْخِزْيِ» أضاف العذاب إلى الخزي، و هو الذّل و الهوان، على أنّه وصف للعذاب؛ كأنّه قال: عذاب خزى كما تقول: فعل السّوء، 1-قال أحمد بن فارس: الصّرة-شدّة الصّياح، معجم مقاييس اللّغة 3/284 2-قال أحمد بن فارس: البرد و الحرّ و هو الصّرّ، يقال: أصاب النّبت صرّ. إذا أصابه برد يضرّ به. معجم مقاييس اللّغة:

3/283 3-الف: يجمع و يقبّض. 4-قال أبو زرعة: قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو (فى أيّام نحْسات) ساكنة الحاء، و قرأ الباقون (نَحِسََاتٍ) بكسر الحاء.

قال الكسائي و الفرّاء: هما لغتان بمعنى واحد، يقال يوم نحس و نحس. حجّة القراءات، ص/635

29

تريد الفعل السّيّئ. و الدّليل عليه قوله‏ (1) «وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَخْزى‏ََ» و هو أبلغ فى الوصف، فإنّ قولك: هو شاعر، و له شعر شاعر، بينهما بون‏ 2 «وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ» أي: دللناهم على طريقى الضّلالة و الرّشد، و بيّنّا لهم سبيلى الخير و الشّرّ، كقوله: «وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ‏ (3) » «فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ» فاختاروا الكفر على الإيمان و الضّلال على الرّشد، «فَأَخَذَتْهُمْ صََاعِقَةُ اَلْعَذََابِ» أي: قارعة (4) العذاب، و داهية (5) العذاب و «الهون» الهوان‏ (6) ، وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه، و فى هذا حجّة بالغة على المجبرة. } «وَ يَوْمَ يُحْشَرُ» قرئ بالياء على البناء للمفعول‏ (7) . و «أَعْدََاءُ اَللََّهِ» بالرّفع، و يَحْشُرُ على البناء للفاعل و أعداءَ بالنّصب‏ (8) «فَهُمْ يُوزَعُونَ» يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: يستوقف سوابقهم حتّى يدركهم لواحقهم. }و ما فى قوله: «إِذََا مََا جََاؤُهََا» مزيدة للتّأكيد، أي: لا بدّ أن يكون وقت مجيئهم النّار، وقت الشّهادة عليهم. و أمّا كيفية نطق الجوارح فإنّ اللّه ينطقها كما أنطق الشّجرة، بأن يخلق فيها كلاما. و قيل: إنّ الجلود كناية عن الفروج. و أراد بـ «كلّ شيئ» من الحيوان، و معناه:

أنّ نطقنا ليس بعجب من قدرة اللّه الّذى أنطق كلّ حيوان. } «وَ هُوَ» أنشأكم «أَوَّلَ مَرَّةٍ» و هو القادر على إعادتكم و رجعكم إلى جزائه‏} «وَ مََا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ» بالحجب عند ارتكاب المعاصي مخافة «أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ» جوارحكم، لأنّكم لم تعلموا أنّها تشهد عليكم «وَ لََكِنْ 1-هـ: تعالى 2-ب: بون بعيد 3-البلد: 10 4-قال ابن فارس: القارعة، الشّديدة من شدائد الدّهر، و سمّيت بذلك لأنّها تقرع النّاس، أي تضربهم بشدّتها. معجم مقاييس اللّغة: 5/72 5-قال ابن فارس: دهى يدل على إصابة الشّي‏ء بالشّي‏ء بما لا يسرّ. يقال ما دهاه أي: ما أصابه. لا يقال ذلك إلاّ فيما يسوء. معجم مقاييس اللّغة 2/305 6-أي: الذّلّ معجم مقاييس اللّغة 6/21 7-حجّة القراءات: 635 و 636 8-حجّة القراءات: 635 و 636

30

ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يَعْلَمُ كَثِيراً» من أعمالكم. و عن ابن عبّاس: أنّهم قالوا: إنّ اللّه لا يعلم ما فى نفوسنا، إنّما يعلم ما يظهر. } «وَ ذََلِكُمْ» رفع بالابتداء. «ظَنُّكُمُ» و «أَرْدََاكُمْ» خبران، و يجوز أن يكون «ظَنُّكُمُ» بدلا من ذََلِكُمْ ، و أَرْدََاكُمْ الخبر.

6- و عن الصّادق عليه السّلام : إن اللّه عند ظنّ عبده: إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ.

أي: «فَإِنْ يَصْبِرُوا» لم ينفعهم الصّبر و لم ينفكّوا به من الثّواء (1) فى النّار. و إن يسألوا العتبى و يطلبوا الرّضا لم يعتبوا، و لم يجابوا إلى العتبى، و لم يعطوا الرّضا. } «وَ قَيَّضْنََا» أي: و 1-الثّواء: الإقامة. معجم مقاييس اللّغة: 1/393

31

قدّرنا «لَهُمْ قُرَنََاءَ» أخدانا (1) من الشّياطين، جمع قرين. و هو كقوله: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏ (2) » و المعنى: أنّه خذلهم، و منعهم التّوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشّياطين، «فَزَيَّنُوا لَهُمْ» ما تقدّم من أعمالهم و ما هم عازمون عليها. أو «مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» من أمر الدّنيا و اتّباع الشّهوات. «وَ مََا خَلْفَهُمْ» من أمر العاقبة، و أن لا بعث و لا حساب. «وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ» أي: كلمة العذاب «فِي أُمَمٍ» فى جملة أمم. و مثله قول الشاعر:

إن تك عن أحسن المروءة مأ # فوكا ففى آخرين قد أفكوا (3)

يريد: فأنت فى جملة آخرين أو فى عداد آخرين لست فى ذلك بأوحد. و «فِي أُمَمٍ» فى محلّ النّصب على الحال من الضّمير فى عَلَيْهِمُ ... «إِنَّهُمْ كََانُوا خََاسِرِينَ» تعليل لاستحقاقهم العذاب، و الضّمير لهم و للأمم. } «وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» بعضهم لبعض «لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ» الّذى يقرأه محمّد، و لا تصغوا إليه، «وَ اِلْغَوْا فِيهِ» يقال لغى يلغى، و اللّغو:

السّاقط من الكلام الّذى لا طائل تحته. أي: و اشتغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات‏ (4) و بالرّجز و الهذيان، حتّى تشوّشوا عليه قراءته لتغلبوه بذلك و لا يتمكّن أصحابه من الاستماع. } «اَلنََّارُ» عطف بيان للجزاء، أو خبر مبتداء محذوف. «لَهُمْ ... دََارُ اَلْخُلْدِ» معناه: أنّ النّار 1-قال ابن فارس: الخاء و الدّال و النّون أصل واحد، و هو المصاحبة. فالخدن: الصّاحب. معجم مقاييس اللّغة 2/163 2-الزخرف: 36 3-الوارد فى جميع النّسخ قوله‏

(إن تك عن أحسن المروءة... )

لكن ورد هذا البيت فى الكشّاف‏

(إن تك عن أحسن الصّنيعة... )

و هو الأصحّ، و البيت لعروة بن أذينة و معناها: إن تك مصروفا و منقلبا عن أحسن العطاء فلا عجب، فأنت فى جملة ناس قد أفكوا و صرفوا عن الإحسان. راجع الكشّاف: 4/197 4-الف: بالجزافات

32

فى نفسها دار الخلد، كقوله‏ «لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1) » معناه أنّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه و آله-أسوة حسنة: و تقول: لك فى هذا الدّار دار السّرور، و أنت تعنى الدّار بعينها. «جَزََاءً بِمََا كََانُوا» يلغون فيها، فذكر الجحود الّذى هو سبب اللّغو. }و قرئ: «أرْنا» بسكون الرّاء لثقل الكسرة (2) ، كما قيل: فخذ فى: فخذ. أي: الشيطانين «اَلَّذَيْنِ أَضَلاََّنََا مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ» لأنّ الشّيطان ضربان: جنّى و إنسىّ. «نَجْعَلْهُمََا تَحْتَ أَقْدََامِنََا» فى النّار، و المراد به ندوسهما و نطؤهما بأقدامنا لِيَكُونََا أشدّ عذابا منّا. } «ثُمَّ اِسْتَقََامُوا» ثمّ استمرّوا عليه و ثبّتوا على مقتضياته من أنواع الطّاعة.

8- و سأل محمّد بن الفضيل علىّ بن موسى الرّضا عليهما السّلام عن الاستقامة؟فقال: «هى و اللّه ما أنتم عليه» .

«تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ» عند الموت بالبشرى «أَلاََّ تَخََافُوا» بمعنى أي، أو مخفّفة من الثّقيلة. و أصله: بأنّه لا تخافوا، و الهاء ضمير الشّأن. و الخوف غمّ يلحق لتوقّع المكروه. و الحزن غمّ يلحق لوقوعه من فوت نفع أو حصول ضرر. و المعنى: أنّ اللّه كتب لكم الأمان من كلّ خوف و غمّ. و كما أنّ الشّياطين قرناء من تقدّم، فالملائكة أولياء هؤلاء و أحبّائهم فى الدّارين. } «وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَدَّعُونَ» أي: تتمنّون من النّعيم. و فى بشريهم بولاية الملائكة إيّاهم فى دنياهم و أخراهم، و إنالتهم فى الجنّة مشتهاهم، و غاية متمنّاهم، دلالة على شرف هذه الطّاعة الّتى هى الاستقامة، و أنّها أجلّ الدّيانات، و الدّرجة القصوى فيها. و النّزل: رزق النّزيل و هو الضّيف. و انتصب على الحال من الموصول، أو من الضّمير المنصوب المحذوف، لأنّ التّقدير: ما تدّعونه.

1-الأحزاب: 21 2-قال أبو زرعة: قرأ ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و أبو بكر «أرْنا» ساكنة الرّاء. و قرأ الباقون «أَرِنَا» بكسر الرّاء. حجة القراءات: ص 636

33

«من دَعََا إِلَى اَللََّهِ» هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (1) ، و الأئمّة (عليهم السّلام) (2) الدّعاة إلى الحقّ، القائمون مقامه. و قيل: هم المؤذّنون. و الآية عامّة فى كلّ من جمع بين الأوصاف الثّلاثة: أن يكون موحّدا، معتقدا للحقّ، عاملا بالخير (3) داعيا إليه. و المعنى: أنّ الحسنة و السّيّئة متفاوتتان فى أنفسهما، فلا تستوى الأعمال‏} «اَلْحَسَنَةُ» وَ لاَ الأعمال «اَلسَّيِّئَةُ» فخذ بالحسنة «الّتى هِيَ أَحْسَنُ» من أختها. إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السّيّئة الواردة عليك من بعض أعدائك. و مثال ذلك أن الحسنة أن تعفو عنه. و الّتى هِيَ أَحْسَنُ : أن تحسن إليه فى مقابلة إسائته، مثل أن يذمّك فتمدحه، فإنّك إذا فعلت ذلك صار الّذى هو عدوّك المناوى، مثل الولىّ الحميم المناسب المصافي. و ما يلقّى هذه الخصلة الحميدة و السّجيّة المرضيّة الّتى هى مقابلة الإساءة بالإحسان، و لا يؤتاها} «إِلاَّ اَلَّذِينَ صَبَرُوا» 1-زيادة فى د 2-زيادة فى د 3-ب: للخير

34

على كظم الغيظ و احتمال المكاره، «و إِلاََّ ذُو» نصيب و «حَظٍّ عَظِيمٍ» من الثّواب و الخير. و النّزغ‏ (1) و النّسغ‏ (2) بمعنى، و هو شبه النّخس. و كأنّ الشّيطان ينخس‏ (3) الإنسان إذا بعثه على بعض المعاصي. و أسند الفعل إلى النّزغ كما قالوا: جدّ جدّه. أو وصف الشّيطان أو تسويله بالمصدر، و المعنى: و إن صرفك الشّيطان عمّا وصّيت به من الدّفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ» من شرّه و لا تطعه. } «وَ مِنْ آيََاتِهِ» أي: حججه و أدلّته الدّالّة على وحدانيّته «اَللَّيْلُ وَ اَلنَّهََارُ» و تقديرهما على حدّ مستقرّ و نظام مستمرّ. «وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ» و ما ظهر فيهما من التّدبير و التّسيير فى فلك التّدوير. و الضّمير فى «خَلَقَهُنَّ» لجميعها؛ لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث. تقول: الدّور رأيتها، و رأيتهنّ. أو لأنّها فى معنى الآيات، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ .

و موضع السّجدة عند الشّافعىّ «تَعْبُدُونَ» ، و هو المروىّ عن أئمّتنا «عليهم السّلام» .

و عند أبى حنيفة «يَسْأَمُونَ» . و قوله «عِنْدَ رَبِّكَ» عبارة عن قرب المنزلة و الكرامة و الزّلفى.

1-قال ابن فارس: النّون و الذّاء و الغين كلمة تدل على إفساد بين اثنين، و نزع بين القوم: أفسد ذات بينهم. معجم مقاييس اللّغة 5/416 2-قال ابن فارس: نسغ: غرز شى‏ء بشى‏ء. معجم مقاييس اللّغة: 5/419 3-نخس: تغريزك مؤخّر الدّابّة بعود أو غيره. العين: مادة (نخس)

35

الخشوع فى وصف الأرض مستعار؛ لكونها يابسة غير ممطورة لا نبات فيها، و هو خلاف وصفها بالاهتزاز. و الرّبوّ: و هو الانتفاخ إذا أخصبت و تزيّنت بالنّبات تشبيها لها بالمختال فى زيه، و شبّهت قبل بالذّليل الخاضع فى الأطمار (1) الرثة. و قرئ: و ربأت ؛ أي:

ارتفعت. و لحد الحافر و ألحد، إذا مال عن الاستقامة، فحفر (2) فى شقّ فاستعير للانحراف فى تأويل ءايات القرآن عن جهة الصّحّة و الاستقامة. و قرئ باللّغتين‏ (3) . } «لاََ يَخْفَوْنَ عَلَيْنََا» وعيد.

و قوله «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» بدل من قوله «إِنَّ اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيََاتِنََا» . و «الذّكر» القرآن، لأنّهم لكفرهم به طعنوا فيه و حرّفوا تأويله. «وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ» منيع محمى بحماية اللّه. } «لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ» مثل أي: لا يتطرّق إليه الباطل «من» جهة من الجهات. و نحوه‏ «وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ‏ (4) » و

6,5- عن السّيّدين، الباقر و الصّادق «عليهما السّلام» : ليس فى إخباره عمّا مضى، و لا فى إخباره عمّا يكون فى المستقبل باطل، بل إخباره كلّها موافقة لمخبراتها.

«مََا يُقََالُ لَكَ» أي: ما يقول 1-قال ابن فارس: الطّمر، الثّوب الخلق. معجم مقاييس اللّغة: 3/424 2-الف و د: يحفر 3-قرأ حمزة: (يَلحدون) بفتح الياء، و قرأ الباقون: (يُلْحِدُونَ) بضمّ الياء. حجّة القراءات: ص 637-636 4-الحجر: 9

36

لك كفّار قومك، «إِلاََّ» مثل ما قال «لِلرُّسُلِ» كفّار قومهم من الكلمات المؤذية. «إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ» لمن آمن بك. «وَ ذُو عِقََابٍ أَلِيمٍ» لمن كذّبك، أو يكون المعنى: ما يقول لك اللّه إلاّ مثل ما قال لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ . و المقول: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقََابٍ أَلِيمٍ . و لو جعلنا القرآن‏} «أَعْجَمِيًّا» بغير لغة العرب، و سمّوا من لم يبيّن كلامه من أىّ صنف كان من النّاس:

أعجم. قال عنترة (1) :

حزق يمانية لأعجم طمطم‏

(2) «لَقََالُوا لَوْ لاََ فُصِّلَتْ آيََاتُهُ» أي: بيّنت بلسان تفقهه‏ (3) «أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ» و الهمزة للإنكار، أي: قرآن أعجمىّ و رسول عربىّ، أو مرسل إليه عربىّ، لأنّ مبنى الإنكار على تنافى حالتى الكتاب و المكتوب إليه، لا على أنّ المكتوب إليه واحد أو جماعة «قُلْ هُوَ» الضّمير للقرآن، «هُدىً» و إرشاد إلى الحقّ، «وَ شِفََاءٌ» .. لِمََا فِي اَلصُّدُورِ من الشّكّ، أو شفاء من الأدواء.

«وَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ» إن عطفته على «الّذين ءامنوا» كان فى موضع جرّ على معنى قولك و هو للّذين لا يؤمنون، «فِي آذََانِهِمْ وَقْرٌ» إلاّ أنّ فيه عطفا على عاملين، و قد أجازه الأخفش. و إن جعلته مبتداء، فالخبر هو «فِي آذََانِهِمْ وَقْرٌ» على حذف هو، أو فِي آذََانِهِمْ منه وَقْرٌ (4) . و 1-هو عنترة بن شدّاد بن عمرو الحبشىّ، من أشهر فرسان العرب فى الجاهليّة، و من الشّعراء الطّبقة الأولى، كان من أهل نجد و أمّه حبشيّة. عاش طويلا و قتله أسد الرهيص أو جبّار بن عمرو الطّائى. له ديوان شعر يقال أنّ أكثر ما فيه مصنوع. 2-هذا البيت من معلّقة عنترة، صدره:

(تأويله قلص النّعام كما أوت)

. القلوص من الإبل و النّعام بمنزلة الجارية من النّاس، و الجمع قلص. الحزق: الجماعات و الواحدة حزقة. الطمطم: الّذى لا يفصح، أي: العىّ الّذى لا يفصح. معناها:

تأوى إلى هذا الظليم صفائر النّعام كما تأوى الإبل اليمانية إلى راع أعجم عيّى لا يفصح. ديوان عنترة: ص 20، طبقة دار بيروت، سنة 1404 هـ-1984 م 3-ب: نفهمه 4-وقر: أصل يدل على ثقل فى الشّي‏ء، منه الوقر: الثّقل فى الأذن. معجم مقاييس اللّغة: 6/132

37

«يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ» يعنى أنّهم لا يقبلونه و لا يرعونه أسماعهم، فمثلهم فى ذلك مثل من يصوّت به من مكان لا يسمع من مثله الصّوت، فلا يسمع النّداء و «فَاخْتُلِفَ فِيهِ» أي: آمن به قوم، و كذّب‏ (1) به آخرون، و هو تسلية لنبيّنا (عليه السّلام) ، «وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» فى تأخير العذاب عن قومك لفرغ من‏ (2) عذابهم و استيصالهم، و هى كقوله: «بَلِ اَلسََّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ‏ (3) » .

1-الف: كذّبه آخرون 2-الف: عن 3-القمر: 46

38

«فَلِنَفْسِهِ» نفع صلاحه «فَعَلَيْهََا» وبال إسائته دون غيرها} «إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ» أي: إذا سئل عنها قيل: اللّه يعلم، أو لا يعلمها إلاّ اللّه. الأكمام: جمع كمّ بكسر الكاف، و هو وعاء الثّمرة. و قرئ: «مِنْ ثَمَرََاتٍ» على الجمع‏ (1) «أَيْنَ شُرَكََائِي» أضافهم إليه على زعمهم. و فيه تقريع على طريق التّهكّم «مََا مِنََّا مِنْ شَهِيدٍ» أي: ما منّا أحد اليوم يشهد بأنّهم شركاؤك، أو ما منّا أحد يشاهدهم، }و ذلك أنّهم ضلّوا «عَنْهُمْ» و معنى «آذَنََّاكَ» إنّك تعلم من نفوسنا ذلك، أو هو كما تقول: أعلم الملك أنّه كان كيت و كيت. و علّق مََا مِنََّا مِنْ شَهِيدٍ معنى الإعلام، لأنّ النّفى له حكم الاستفهام فى أنّ له صدر الكلام. و كذا (2) قوله «وَ ظَنُّوا مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ» و المعنى: علموا أن لا مخلص لهم من عذاب‏ (3) اللّه، عبّر بالظّنّ عن العلم. } «مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ» من طلب السّعة فى المال و الصّحّة «وَ إِنْ مَسَّهُ» البلاء و الشّدة (4) «فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ» شديد اليأس، مقطوع الرّجاء من فضل اللّه و روحه. و هذه صفة الكافر بدلالة قوله‏ «لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ‏ (5) » «لَيَقُولَنَّ هََذََا لِي» أي: هذا حقّى وصل إلىّ؛ لأنّى استوجبته بما عندى من فضل، أو هذا لى دائما أبدا. «وَ مََا أَظُنُّ اَلسََّاعَةَ» كائنة «وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى‏ََ رَبِّي» على ما يقوله‏ (6) المسلمون «إِنَّ لِي عِنْدَهُ» الحالة الحسنى و هى الجنّة، أي: سيعطينى فى الآخرة مثل ما أعطانى فى الدّنيا} «فَذُو دُعََاءٍ عَرِيضٍ» استعار العرض لكثرة الدّعاء و دوامه كما استعار الغلظ (7) لشدّة العذاب. و قرئ: و نائ بإمالة الألف و كسر النّون. و ناء على القلب، كما قيل: راء فى رأى. و يريد بجانبه نفسه و ذاته. فكأنّه قال: و ناء بنفسه، أو يريد بجانبه عطفه، و 1-قال ابو زرعة: قرأ نافع و ابن عامر و حفص (مِنْ ثَمَرََاتٍ مِنْ أَكْمََامِهََا) بالألف على الجمع. حجّة القراءات: 637 2-هـ: كذلك 3-زيادة فى ب و د 4-زيادة فى د 5-يوسف: 87 6-ب: يقول 7-الف: الغليظ

39

معناه: انحرف و ازورّ كما قيل: ثنى عطفه، و تولّى بركنه‏} «أَ رَأَيْتُمْ» أخبرونى «إِنْ كََانَ» القرآن «مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ» و قد «كَفَرْتُمْ بِهِ» . و كان الكسائىّ يحذف همزة رأى، إذا كان مع همزة الاستفهام نحو «أريتم» «أريتكم» فى جميع القرآن استثقالا للهمزتين، و لا يحذف فى غيرها، نحو: رأى القمر و رأى الشّمس «مَنْ أَضَلُّ» منكم و أنتم بلغتم الغاية فى المشاقة و المناصبة، فوضع «مِمَّنْ هُوَ فِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ» موضع منكم بيانا لصفتهم‏} «سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا» فى نصرة رسولنا محمّد «صلّى اللّه عليه و آله» فى آفاق الدّنيا من الفتوح، و من الإظهار على الأكاسرة و الملوك و تغليب العدد القليل على الكثير و الأمور الخارجة عن المعهود «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» يوم بدر أو يوم فتح مكّة «بِرَبِّكَ» مرفوع الموضع‏ (1) بأنّه فاعل كفى. و «أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» بدل منه على الموضع، و تقديره: أو لم يكفهم أنّ ربّك عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ، و المعنى: أنّ الموعود من إظهار آيات اللّه فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ سيرونه و يشاهدونه فيتبيّنون عند ذلك أنّ القرآن تنزيل عالم الغيب الّذى هو عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ، أي: مطّلع مهيمن يستوى عنده غيبه و شهادته، فيكفيهم ذلك دليلا على أنّه حقّ و أنّه من عنده.

1-ب: المحل

40

سورة حم عسق‏

مكيّة غير آيات منها. و هى ثلث و خمسون آية كوفىّ. خمسون فى الباقين. عدّ الكوفىّ‏ «حم‏ (1) » و «عسق‏ (2) » و «كَالْأَعْلاََمِ‏ (3) » .

14- و فى حديث أبىّ : «من قرأ سورة حم `عسق كان ممّن تصلّى عليه الملائكة و يستغفرون له»

6- و عن الصّادق «عليه السّلام» : «من قرأها بعثه اللّه يوم القيمة و وجهه كالقمر ليلة البدر»

الخبر بطوله.

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ 1-آية: 1 2-آية: 2 3-آية: 32 ـ

41

«كَذََلِكَ» أي: مثل ذلك الوحى «يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى» الأنبياء من قبلك «اَللََّهُ» يعنى أنّ ما تضمّنه هذه السّورة من المعاني قد أوحى اللّه إليك مثله فى غيرها من السّور، و أوحاه إلى من قبلك. على معنى أنّ اللّه كرّر هذه المعاني فى القرآن و فى جميع الكتب السّماوية لما فيها من‏ (1) المنافع الدّينيّة لعباده. و قرئ: «يوحى‏ََ إليك» و على هذا فإنّما يرتفع اسم اللّه بما دلّ عليه يوحى‏ (2) ، فكأنّ قائلا قال: من الموحى؟فقيل: اَللََّهُ .. } «تَكََادُ» قرئ: بالتّاء و الياء (3) .

و قرئ «يَتَفَطَّرْنَ» و ينفطرن (4) ، و معناه ينشققن من علوّ شأن اللّه و عظمته، بدلالة مجيئه بعد قوله «اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ» و قيل من دعائهم له ولدا «مِنْ فَوْقِهِنَّ» أي: يكاد يبتدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانيّة الّتى هى أعظم آيات الجلال و العظمة، و هى العرش و الكرسىّ. و قيل: من فوق الأرضين. «وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ» من المؤمنين‏} «اَللََّهُ حَفِيظٌ» يحفظ عَلَيْهِمْ أعمالهم و لم توكّل بحفظها (5) فلا يضيقنّ صدرك لتكذيبهم‏ (6) إيّاك. } «وَ كَذََلِكَ» و مثل ذلك «أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ» و ذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها من أنّ اللّه هو الحفيظ عليهم «وَ مََا أَنْتَ» بحفيظ «عَلَيْهِمْ» و لكن نذير لهم؛ لأنّه قد تكرّر ذكره فى مواضع من التّنزيل. فالكاف 1-هـ: معنى المنافع 2-قرأ ابن كثير «كذلك يوحى‏ََ إليك» بفتح الحاء على ما لم يسمّ فاعله، و قرأ الباقون: «يُوحِي» بكسر الحاء. حجّة القراءات: 639 3-قرأ نافع و الكسائي: «يكاد السّموات» بالياء لأنّ السّماوات جمع قليل و العرب تذكر فعل المؤنث إذا كان قليلا، و قرأ الباقون «تَكََادُ» بالتّأنيث لتأنيث «اَلسَّمََاوََاتُ» و الفعل متّصل بالاسم. حجّة القراءات: 640 4-قرأ أبو عمرو و أبو بكر «ينفطرن» بالنّون أي: ينشققن، و قرأ الباقون «يَتَفَطَّرْنَ» بالتّاء أي: ينشققن. و الأمر فى التّاء و النّون يرجع إلى معنى واحد إلاّ أنّ التّاء للتّكثير. حجّة القراءات: 640 5-ب: لحفظها 6-الف و د: بتكذيبهم

42

مفعول‏ (1) لـ أَوْحَيْنََا . و «قُرْآناً عَرَبِيًّا» حال من المفعول به، أي: أوحيناه إليك و هو قرآن عربىّ.

و يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر أَوْحَيْنََا ، أي: و مثل ذلك الإيحاء البيّن أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا بلسانك «لِتُنْذِرَ» أهل «أمّ القرى» و هى مكّة «وَ مَنْ حَوْلَهََا» من سائر النّاس. و تنذرهم «يَوْمَ اَلْجَمْعِ» و هو يوم القيمة يجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين. يقال: أنذرته كذا و أنذرته بكذا. و قد (2) عدّى الأوّل إلى المفعول الأوّل‏ (3) ، و الثّاني إلى المفعول الثّاني، و هو يَوْمَ اَلْجَمْعِ . و قيل: يجمع فيه بين الأرواح و الأجساد. و قيل: يجمع بين كلّ عامل و عمله، و «لاََ رَيْبَ فِيهِ» اعتراض لا محلّ له‏} «وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ» مشيّة قدرته لأجبرهم جميعا على الأيمان و لكنّه شاء مشيّة حكمته أن يكلّفهم، و يبنى‏ (4) أمرهم على الاختيار ليدخل المؤمنين فى رحمته‏} «أَمِ» منقطعة و معنى الهمزة فيها الإنكار «فَاللََّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ» هو الّذى يجب أن يتولّى وحده و يعتقد أنّه الحقيق بالولاية دون غيره. و الفاء جواب شرط مقدّر؛ كأنّه قال بعد إنكار كلّ ولىّ سواه: إن أرادوا وليّا بحقّ فَاللََّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ الحقّ. و من شأن هذا الولىّ أنّه «يُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» فهو الحرىّ بأن يتّخذ وليّا دون من لا يقدر على شيئ‏} «وَ مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» حكاية قول الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) للمؤمنين، و معناه ما تختلفون فيه من أمور الدّين فحكم ذلك المختلف فيه مفوّض إلى اللّه، يثيب المحقّ و يعاقب المبطل.

«ذََلِكُمُ» الحاكم «اَللََّهِ» هو «رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» فى ردّ كيد الأعداء «وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ» فى جميع الأمور.

1-د، هـ: مفعول به 2-الف: فقد 3-الف: المفعولين 4-ب: بنى

43

«فََاطِرُ» خبر بعد خبر ل ذََلِكُمُ ، أو خبر مبتداء محذوف؛ أي: خلق «لَكُمْ» من جنسكم «أَزْوََاجاً» و خلق «الأنعام» أيضا من أجناسها «أَزْوََاجاً يَذْرَؤُكُمْ» يكثركم «فِيهِ» فى هذا التّدبير، و هو أن جعل بين الذّكور و الإناث من النّاس و الأنعام التّوالد و التّناسل. و الضّمير فى يَذْرَؤُكُمْ يرجع إلى المخاطبين و الأنعام «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» و هو كقولهم: مثلك لا يبخل، و المراد نفى البخل عن ذاته و هو من باب الكناية؛ لأنّهم إذا نفوا الشّي‏ء عمّن يسدّ مسدّه فقد نفوه عنه. فالمعنى نفى المماثلة عن ذاته سبحانه. فلا فرق بين أن يقال: ليس كاللّه شيئ، و أن يقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ إلاّ فائدة الكناية. و قيل: كرّرت كلمة التّشبيه للتّأكيد كما كرّرت فى قول الشّاعر:

44

و صاليات ككما يؤثفين‏ (1)

«شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ» دين نوح و محمّد (2) و من بينهما من الأنبياء. ثمّ فسّر المشروع الّذى اشترك هؤلاء الرّسل فيه بقوله «أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» و المراد إقامة دين الإسلام الّذى هو توحيد اللّه و طاعته، و الإيمان برسله و حججه و باليوم الآخر. و محلّ أَنْ أَقِيمُوا نصب، بدل من مفعول شَرَعَ و المعطوفين عليه «كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ» أي: عظم عليهم و شقّ. «يَجْتَبِي إِلَيْهِ» و الضّمير للدّين، أي: يجتلب إليه بالتّوفيق «مَنْ يَشََاءُ» من يجدى عليهم لطفه‏} «وَ مََا تَفَرَّقُوا» يعنى أهل الكتاب بعد أنبيائهم «إِلاََّ مِنْ بَعْدِ» أن علموا أنّ الفرقة ضلال و فساد «وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» و هى عدة التّأخير إلى يوم القيمة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» حين افترقوا العظم ما اقترفوا «وَ إِنَّ اَلَّذِينَ أُورِثُوا اَلْكِتََابَ مِنْ بَعْدِهِمْ» و هم أهل الكتاب الّذين كانوا على عهد رسول اللّه‏ (3) «لَفِي شَكٍّ» من كتابهم، لا يؤمنون به حقّ الإيمان. و قيل: و ما تفرّق أهل الكتاب إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بمبعث رسول اللّه‏ (4) ، و أنّ الّذين أورثوا الكتاب من بعدهم العرب. و الكتاب القرآن‏} «فَلِذََلِكَ» أي: فلأجل ذلك التّفرّق «فَادْعُ» إلى الاتّفاق و الائتلاف على الملّة الحنيفة «وَ اِسْتَقِمْ» عليها و على الدّعوة إليها «كَمََا أُمِرْتَ وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ» المختلفة الباطلة «وَ قُلْ آمَنْتُ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ» من الكتب على الأنبياء قبلى «وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ» فى الدّعاء إلى الحقّ و لا أحابى أحدا. أو أعدل بينكم فى جميع الأشياء «لاََ 1-هذا البيت للشّاعر الإسلامىّ خطام المجاشعىّ و هو خطام بن نصر بن عياض بن يربوع الرّيح المجاشعىّ، من بنى الأبيض بن مجاشع بن دارم. و صدره:

و غير ودّ جازل أو و دين # و صاليات ككما يؤثقين‏

خزانة الأدب للبغدادىّ: 2/313 و 318 2-د: صلوات اللّه عليهما 3-د و هـ: صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 4-د و هـ: صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

45

حُجَّةَ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ» أي: لا خصومة؛ لأنّ الحقّ قد ظهر و الحجّة قد لزمتكم، فلا حاجة إلى المحاجّة. و المعنى لا إيراد حجّة بيننا و بينكم «اَللََّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنََا» يوم القيمة فيفصل بيننا (1) و ينتقم لنا منكم.

«اَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ» فِي دين اَللََّهِ «مِنْ بَعْدِ مََا اُسْتُجِيبَ لَهُ» أي: استجابوا للنّبىّ «صلّى اللّه عليه و آله» إلى ما دعاهم إليه و دخلوا فى الإسلام لظهور حجّته بالمعجزات و الآيات الّتى أظهرها اللّه سبحانه فيه «حُجَّتُهُمْ دََاحِضَةٌ» أي: باطلة، سمّى شبهتهم حجّة على حسب اعتقادهم‏} «اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْزَلَ» جنس «اَلْكِتََابَ» ... وَ اَلْمِيزََانَ ، أي: و أنزل العدل و التّسوية فى كتبه المنزلة. و قيل: الميزان الّذى يوزن به. أنزله من السّماء «بِالْحَقِّ» متلبّسا بالحقّ مقترنا به، أو بالغرض الصّحيح، كما اقتضته الحكمة. أو بالواجب من التّحريم و التّحليل و غير ذلك «السّاعة» فى تأويل البعث، فلذلك قال «قَرِيبٌ» أو لعلّ مجيئ السّاعة قريب‏} «يُمََارُونَ‏ (2) » 1-الف: و بينكم 2-مرى: المرية التّرددّ فى الأمر و هو أخصّ من الشّكّ. المفردات: 467 مادة (مرى)

46

يلاجّون و يخاصمون فى مجئ السّاعة «لَفِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ» من الحقّ، لأنّ قيام السّاعة غير مستبعد من قدرة القادر بالذّات. و لدلالة الكتاب المعجز على أنّها آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا* . و لقيام دليل العقل على أنّه لا بدّ من دار جزاء} «اَللََّهُ لَطِيفٌ بِعِبََادِهِ» أي: برّبهم، بليغ البرّ قد وصل برّه إلى جميعهم، و إلى حيث لا يبلغه و هم أحد منهم. سمّى ما يعمله العامل ممّا يبتغى به الفائدة حرثا على المجاز، و فرّق بين عمل العاملين بأنّ من عمل للآخرة وفّق فى عمله و ضوعفت حسناته، و من عمل للدّنيا أعطى شيئا منها ما لا يبتغيه‏} «وَ مََا لَهُ» نصيب قطّ «فِي اَلْآخِرَةِ» و لم يذكر فى معنى عامل الآخرة و له فى الدّنيا نصيب مع أنّ رزقه المقسوم له لا بدّ أن يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من الفوز و السّعادة فى المآب.

47

«أَمْ لَهُمْ شُرَكََاءُ» الهمزة فى أم للتّقريع و التّقرير. و شركاؤهم: شياطينهم الّذين زيّنوا لهم الشّرك و العمل للدّنيا و إنكار الحشر و الجزاء و ما لم يأمر اللّه به و لا أذن فيه «وَ لَوْ لاََ كَلِمَةُ اَلْفَصْلِ» فى تأخير عذاب هذه الأمّة إلى الآخرة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي: فرغ من عذابهم فى الدّنيا} «تَرَى اَلظََّالِمِينَ» فى الآخرة «مُشْفِقِينَ» خائفين خوفا شديدا أرق‏ (1) قلوبهم «مِمََّا كَسَبُوا» من السّيّئات «وَ هُوَ وََاقِعٌ بِهِمْ» و جزاؤه و وباله واقع بهم، و اصل إليهم أشفقوا أو لم يشفقوا. و الضّمير لكسبهم الّذى دلّ عليه ما كسبوا. و الرّوضة: الأرض الخضرة لحسن‏ (2) النّبات، و كان «روضات الجنّات» أطيب البقاع فيها و أنزهها «لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ» و يشتهون. و انتصب «عِنْدَ رَبِّهِمْ» بالظّرف لا بـ يَشََاؤُنَ .. «ذََلِكَ» الثّواب «هُوَ اَلْفَضْلُ» العظيم و النّعيم المقيم الّذى يستأهل أن يسمّى كبيرا} «ذََلِكَ» الثّواب «اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ» به «عِبََادَهُ» فحذف الجارّ كما فى قوله «وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ‏ (3) » ثمّ حذف الضّمير العائد إلى الموصول، و (4) ذََلِكَ التّبشير اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ به عِبََادَهُ المؤمنين الصّالحين ليستبشروا بذلك فى الدّنيا. و قرئ: يُبَشِّرُ (5) من بشّره، و يُبْشر من أبشره. و روى أنّ المشركين قالوا فيما بينهم: أ ترون محمّدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟و نزلت‏ (6) الآية «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ» على تبليغ الرّسالة «أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ» يجوز أن يكون استثناء متّصلا؛ أي: لا أسئلكم أجرا إلاّ هذا و هو أن توادّوا أهل قرابتى. و لم يكن هذا أجرا فى الحقيقة؛ لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم فى المروّة. و يجوز أن يكون استثناء منقطعا؛ أي: لا أسئلكم أجرا قطّ و لكن‏ (7) أسألكم أن توادّوا قرابتى و عترتى و 1-أرق: نفار النّوم ليلا. معجم مقاييس اللّغة: 1/82، العين: مادة (أرق) 2-د: بحسن 3-الأعرف: 155 4-الف: أو 5-د: يبشّرهم 6-الف، د: فنزلت 7-الف، د: و لكنّى

48

تحفظوني فيهم. و معنى فِي اَلْقُرْبى‏ََ أنّه جعلهم مكانا للمودّة و مقرّا لها، كما تقول: لى فى آل فلان مودّة و لى فيهم حبّ شديد؛ تريد: أحبّهم و هم مكان حبّى و مودّتى. و ليست فى بصلة للمودّة كاللاّم، إذا قلت: إلاّ المودّة للقربى إنّما هى متعلّقة بمحذوف كما يتعلّق الظّرف به فى قولك: المال فى الكيس، و تقديره: إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ ثابتة فِي اَلْقُرْبى‏ََ .

14,1,15,2,3- و عن ابن عبّاس «أنّها لمّا نزلت قالوا: من قرابتك هؤلاء الّذين أمرنا اللّه بمودّتهم؟قال: علىّ و فاطمة و ولدهما (1) »

1- و روى زاذان‏ (2) عن علىّ عليه السّلام قال : «فينا فى آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن، ثمّ قرأ (3) هذه الآية»

و إلى ذلك أشار الكميت‏ (4) (ره) فى قوله:

وجدنا لكم فى آل حم آية # تأوّلها منّا تقى و معرب‏ (5)

«وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً» عن السّدّى‏ (6) «إنّ الحسنة المودّة فى آل رسول اللّه‏ (7) » و زيادة 1-د، هـ: ولداهما 2-هو ابو عبد اللّه (ابو عمر) الكندىّ، مولاهم، الكوفىّ، الضّرير، البزّاز، ثقة. روى عن جماعة من الصّحابة فهم أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب (ع) و البراء بن عازب و حذيفة بن اليمان و سلمان الفارسىّ و عبد اللّه بن مسعود و غيرهم، و روى عنه نيف و عشرون تابعيا. (تهذيب الكمال: 9/263، الطّبقة الثّانية-مؤسسة الرّسالة-بيروت) 3-د، هـ: تلا 4-هو كميت بن زيد بن خنيس الأسدى الكوفي. شاعر شيعى و من الموالين و المدافعين عن أهل البيت-عليهم السّلام. ولد سنة 60 هـ و لم يدرك الدّولة العبّاسيّة و مات قبلها نبغ فى الشّعر منذ صغره، و كان يعلم الصبيان فى مسجد الكوفه. حارب بشعره الأمويّين دفاعا عن عقيدته فلاحقه الأمويّون و توارى عن الأنظار متخفيا فترة طويلة قبل عشرون سنة. كان شاعرا مقدما عالما بلغات العرب و خبيرا بأيّامها. قال معاذ الهراء: الكميت أشعر الأوّلين و الآخرين. 5-هذا البيت فى القصيدة الثّانية من القصائد الهاشميّات و صدر القصيدة:

طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب # و لا لعبا منى و ذو الشّوق يلعب‏

القصائد الهاشميّات: ص 30، طبقة الأعلمى-بيروت 6-هو إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّى، تابعي، حجازى الأصل، سكن الكوفة. يعد من المفسرين توفّى سنة 128 هـ. 7-د: صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

49

حسنها من جهة اللّه عزّ اسمه مضاعفتها كقوله‏ «فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً» و الشّكور فى صفة اللّه عزّ و جلّ مجاز للاعتداد بالطّاعة و توفية ثوابها و التّفضّل على المثاب‏} «أَمْ» منقطعة و معنى الهمزة فيها التّوبيخ؛ كأنّه قال: أ ينسبون مثله إلى الافتراء على اللّه الّذى هو أفحش الفري و أعظمها «فَإِنْ يَشَإِ اَللََّهُ» يجعلك من المختوم على قلوبهم حتّى تفترى عليه الكذب فإنّه لا يجترى على افتراء الكذب على اللّه إلاّ من كان فى مثل حالهم. و هذا الأسلوب مؤدّاه استبعاد الافتراء من مثله، و أنّه فى البعد مثل الشّرك باللّه و الدّخول فى جملة المختوم على قلوبهم. ثمّ أخبر سبحانه أنّه يبطل ما يقولونه بقوله: وَ يَمْحُ «اَللََّهُ اَلْبََاطِلَ» أي: و من عادة اللّه أن يمحوا الباطل «وَ يُحِقُّ اَلْحَقَّ» و يثبته «بِكَلِمََاتِهِ» بوحيه أو بقضائه، كما قال‏ «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبََاطِلِ فَيَدْمَغُهُ‏ (1) » فهو يمحوا الباطل الّذى هم عليه من تكذيبك و البهت عليك.

و يثبّت الحقّ الّذى أنت عليه، و ينصرك عليهم. يقال: قبلت الشّي‏ء منه و قبلته عنه، فمعنى قبلته منه: أخذته منه و جعلته مبدأ قبولى. و معنى قبلته عنه: عزلته عنه و أبنته عنه. و «التّوبة» أن يرجع عن القبيح و الإخلال بالواجب، بأن يندم عليهما و يعزم على أن لا يعاود (2) فى المستقبل، لأنّ المرجوع عنه قبيح و إخلال بالواجب. و إن كان فيه لعبد حقّ لم يكن بدّ من التّفصّى على طريقه. }و قرئ: «مََا تَفْعَلُونَ» بالتّاء و الياء (3) . } «وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا» و يستجيب لهم، فحذف اللاّم كما حذف فى قوله‏ «وَ إِذََا كََالُوهُمْ‏ (4) » أي: يقبل طاعاتهم و عباداتهم‏ (5) «وَ يَزِيدُهُمْ» على ما يستحقّونه من الثّواب تفضّلا. و (6) إذا دعوه‏ (7) استجاب لهم 1-الأنبياء: 18 2-ب: يعاودهما 3-قرأ حمزة و الكسائي و حفص: (وَ يَعْلَمُ مََا تَفْعَلُونَ) بالتّاء. و قرأ الباقون بالياء، و حجّتهم أنّه أخبر عن عباده المذكورين فى سياق الكلام فكأنّه قال: وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئََاتِ وَ يَعْلَمُ ما يفعل عباده. و حجّة الباقين أن الخطاب يدخل فيه الغائب و الحاضر. (حجّة القراءات: ص 641) 4-المطفّفين: 3 5-الف: عبادتهم 6-الف، د: أو 7-د، هـ: دعوا

50

دعائهم و زادهم على مطلوبهم.

14- و عن عبد اللّه عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله ، فى قوله «وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» : (إنّه الشّفاعة لمن وجبت له النّار ممّن أحسن إليهم فى الدّنيا)

«وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ» أي: لو وسع اللّه الرّزق على عباده على حسب ما يطلبونه «لَبَغَوْا» و ظلموا «فِي اَلْأَرْضِ» أي: يظلم هذا ذاك و ذاك هذا، لأنّ الغنى مأشرة مبطرة، و كفى بحال قارون عبرة. و لكنّه «يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ» أي: بتقدير.

14- و فى الحديث : (أخوف ما أخاف على أمّتى زهرة الدّنيا و كثرتها)

و يجوز أن يكون من البغي الّذى هو البذخ و التّكبّر، أي: لتكبروا فى الأرض، و فعلوا ما يدعوا إليه الكبر من الفساد فيها، و لا شبهة أنّ كلا الأمرين مع الفقر أقلّ، و مع البسط أكثر.

إِنَّهُ ... «خَبِيرٌ» بأحوال عباده «بَصِيرٌ» بمصالحهم و مفاسدهم.

يريد برحمته، بركات الغيث و منافعه و ما يحصل به من الخصب بإخراج النّبات و الثّمار. و يجوز أن يريد رحمته فى كلّ شيئ، أي: «يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ» و ينشر غيرها من رحمته‏