إعراب القرآن - ج2

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
311 /
3

الجزء الثاني‏

6 شرح إعراب سورة الأنعام‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ ابتداء و خبر. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا بأكثر من هذا في «أمّ القرآن» و المعنى: قولوا الحمد للّه. اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ نعت. وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ بمعنى خلق فإذا كانت جعل بمعنى خلق لم تتعدّ إلا إلى مفعول واحد. ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ابتداء و خبر و من العرب من يقول: الذون و المعنى ثم الذين كفروا يجعلون للّه عزّ و جلّ عدلا و شريكا و هو خلق هذه الأشياء وحده.

هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ابتداء و خبر و في معناه قولان: أحدهما هو الذي خلق أصلكم يعني آدم صلّى اللّه عليه و سلّم، و الآخر تكون النطفة خلقها اللّه جلّ و عزّ من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الإنسان منها. ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً مفعول. وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ابتداء و خبر. و قال الضحّاك: قضى أجلا يعني أجل الموت و أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل القيامة فالمعنى على هذا أحكم أجلا و أعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت و لم يعلمكم بأجل القيامة و قيل: قضى أجلا ما أعلمناه من أنه لا نبيّ بعد محمد صلّى اللّه عليه و سلّم وَ أَجَلٌ مُسَمًّى أمر الآخرة، و قيل: قضى أجلا ما نعرفه من أوقات الأهلّة و الزروع و ما أشبههما، و أجل مسمّى أجل الموت لا يعلم الإنسان متى يموت. ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ابتداء و خبر أي تشكّون في أنه إله واحد و قيل: تمارون في ذلك.

وَ هُوَ اَللََّهُ ابتداء و خبر. قال أبو جعفر: و قد ذكرناه و من أحسن ما قيل فيه: أنّ المعنى: و هو اللّه يعلم سرّكم و جهركم في السموات و في الأرض. وَ يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُونَ (ما) في موضع نصب يعلم.

4

(ما) نفي، و ليست بشرط فلذلك ثبتت الياء في تأتيهم و إعراضهم عنها كفرهم بها.

(كم) في موضع نصب بأهلكنا و لا يعمل فيه يروا و إنما يعمل في الاستفهام ما بعده. مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ و لم يقل «لهم» لأنه جاء على تحويل المخاطبة.

وَ أَرْسَلْنَا اَلسَّمََاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرََاراً على الحال. وَ جَعَلْنَا اَلْأَنْهََارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ مفعولان.

و يقال قرطاس. فَلَمَسُوهُ عطف، و جواب لو لَقََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ .

وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ بمعنى هلاّ. وَ لَوْ أَنْزَلْنََا مَلَكاً لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ اسم ما لم يسم فاعله.

وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً أي لو أنزلنا إليهم ملكا على هيئته لم يروه فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم أيضا ما يلبسون على أنفسهم فكانوا يقولون: هذا ساحر مثلك و قال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر و ليس بينه و بينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا و يشكّكونهم فأعلم اللّه جل و عز أنه لو أنزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللّبس كما يفعلون.

وَ لَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بكسر الدال و ضمّها لالتقاء الساكنين، الكسر الأصل، و الضم لأن بعد الساكن ضمة. فَحََاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عقابه.

كَتَبَ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ قال الفراء: إن شئت كان هذا تمام الكلام ثم استأنفت لَيَجْمَعَنَّكُمْ و إن شئت كان في موضع نصب. اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ قال الأخفش:

إن شئت كان اَلَّذِينَ في موضع نصب على البدل من الكاف و الميم، و زعم أبو العباس أن هذا القول خطأ لأنه لا يبدل من المخاطب، و لا المخاطب، لا يقال مررت‏

5

بك زيد و لا مررت بي زيد، لأن هذا لا يشكل فيبيّن، و قيل: «الذين» نداء مفرد، و قيل قول ثالث و هو أجودها يكون الذين في موضع رفع بالابتداء و خبره فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ .

قُلْ أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا مفعولان. فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ (1) نعت و أجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: و يجوز النصب على المدح، و قال الفراء (2) :

على القطع. وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاََ يُطْعَمُ و هي قراءة العامة و قرأ سعيد بن جبير و مجاهد و الأعمش وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاََ يُطْعَمُ (3) .

مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و قرأ الكوفيون مَنْ يُصْرَفْ (4) بفتح الياء و هو اختيار أبي حاتم و أبي عبيد، و على قول سيبويه الاختيار «من يصرف» بضم الياء لأن سيبويه قال: و كلّما قلّ الإضمار كان أولى. فإذا قرأ من يصرف بفتح الياء فتقديره من يصرف اللّه عنه العذاب و إذا قرأ من يصرف فتقديره من يصرف عنه العذاب. وَ ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْمُبِينُ ابتداء و خبر.

قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً ابتداء و خبر. شَهََادَةً على البيان، و المعنى أيّ شي‏ء من الأشياء أكبر شهادة حتى استشهد به عليكم. قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ ابتداء و خبر وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هََذَا اسم ما لم يسم فاعله. اَلْقُرْآنُ نعت له. لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ نصب بلام كي. وَ مَنْ بَلَغَ في موضع نصب عطف على الكاف و الميم. و في معناه قولان أحدهما و أنذر من بلغه القرآن، و الآخر و من بلغ الحلم و دلّ بهذا على أنّ من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب و لا متعبّد. أَ إِنَّكُمْ بهمزتين على الأصل و إن خففت الثانية قلت:

أينّكم و روى الأصمعي عن أبي عمرو و نافع أاإنكم و هذه لغة معروفة يجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما. وَ إِنَّنِي على الأصل و يجوز و إني على الحذف بَرِي‏ءٌ خبر «إن» .

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/90.

(2) انظر معاني الفراء 1/328.

(3) انظر البحر المحيط 4/91.

(4) انظر تيسير الداني 84، و البحر المحيط 4/91 و هي قراءة أبي بكر و حمزة و الكسائي.

6

اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ في موضع رفع بالابتداء. يَعْرِفُونَهُ في موضع الخبر.

اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في موضع رفع نعت للذين الأول، و يجوز أن يكون مبتدأ و خبره فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ .

وَ مَنْ أَظْلَمُ ابتداء و خبر.

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ .

أي اختبارهم يقرأ على خمسة أوجه: قرأ حمزة الكسائي ثم لم يكن (1) بالياء.

فِتْنَتُهُمْ نصب و هذه قراءة بيّنة لأنّ: أَنْ قََالُوا اسم «يكن» و لفظه مذكّر «فتنتهم» خبر، و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو بن العلاء ثُمَّ لَمْ تَكُنْ (2) بالتاء، فِتْنَتُهُمْ نصب أنّث «أن قالوا» عند سيبويه، لأنّ «أن قالوا» هو الفتنة، و نظيره عند سيبويه‏ (3) قول العرب: ما جاءت حاجتك، و قراءة الحسن تلتقطه بعض السيّارة [يوسف: 10] و أنشد سيبويه: [الطويل‏] 130-

و تشرق بالقول الذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدّم‏ (4)

و قال غير سيبويه: جعل «أن قالوا» بمعنى المقالة و قرأ عبد اللّه بن مسعود و أبيّ ابن كعب و ما كان فتنتهم إلاّ أن قالوا (5) و قرأ الأعرج و مسلم بن جندب و ابن كثير و عبد اللّه بن عامر الشامي و عاصم من رواية حفص و الأعمش من رواية المفضل و الحسن و قتادة و عيسى بن عمر. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء فِتْنَتُهُمْ بالرفع اسم تكن و الخبر إِلاََّ أَنْ قََالُوا فهذه أربع قراءات و الخامسة ثم لم يكن بالياء. (فتنتهم) (6) بالرفع يذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون و مثله فمن‏ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: 275].

وَ اَللََّهِ خفض بواو القسم و هي بدل من الباء لقربها منها. رَبِّنََا نعت و من نصب

____________

(1) انظر تيسير الداني 84.

(2) انظر تيسير الداني 84.

(3) انظر الكتاب 1/92.

(4) الشاهد للأعشى في ديوانه ص 173، و الكتاب 1/93، و الأزهية 238، و الأشباه و النظائر 5/55 و خزانة الأدب 5/106، و الدرر 5/19، و شرح أبيات سيبويه 1/54، و لسان العرب (صدر) و (شرق) ، و المقاصد النحوية 3/378، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/105، و الخصائص 2/417، و المقتضب 4/197، و همع الهوامع 2/49.

(5) انظر البحر المحيط 4/99.

(6) انظر البحر المحيط 4/99، و مختصر ابن خالويه 36.

7

فعلى النداء أي يا ربّنا و هي قراءة حسنة لأن فيها معنى الاستكانة و التضرّع.

أَنْ يَفْقَهُوهُ في موضع نصب أي كراهة أن يفقهوه. وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً عطف يقال: و قرت أذنه بفتح الواو و حكى أبو زيد عن العرب: أذن موقورة فعلى هذا و قرت بضم الواو. واحد الأساطير اسطارة و يقال: أسطورة، و يقال: هو جمع أسطار و أسطار جمع سطر يقال: سطر و سطر.

و قرأ الحسن و هم ينهون عنه و ينون عنه (1) ألقى حركة الهمزة على النون و حذفها.

و يجوز في العربية إذ أقفوا على النّار مثل‏ أُقِّتَتْ [المرسلات: 11]. قرأ أهل المدينة و الكسائي يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (2) رفع كلّه. قال أبو جعفر: و هكذا يروى عن أبي عمرو، و يروى عنه وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا بالإدغام، و قرأ الكوفيون و عيسى بن عمر و ابن أبي إسحاق يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ وَ لاََ نُكَذِّبَ بالنصب. وَ نَكُونَ مثله، و قرأ عبد اللّه بن عامر يا ليتنا نرد و لا نكذب بالرفع وَ نَكُونَ (3) بالنصب، و قرأ أبي و ابن مسعود يا ليتنا نردّ و لا نكذّب بآيات ربّنا (4) بالفاء و النصب. قال أبو جعفر:

القراءة الأولى بالرفع على أن يكون منقطعا مما قبله هذا قول سيبويه و قيل: هو عطف و الإدغام حسن و النصب بالواو على أنه جواب التمنّي و كذا بالفاء و رفع الأول على قراءة ابن عامر على القطع مما قبله أو العطف و يجعل «و نكون» جوابا.

بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ في معناه قولان: أحدهما أنه للمنافقين لأن اسم الكفر مشتمل عليهم فعاد الضمير على بعض المذكور و هذا من كلام العرب الفصيح و القول الآخر أن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم خافوا و أخفوا ذلك الخوف لئلا

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/104.

(2) انظر تيسير الداني 84.

(3) انظر البحر المحيط 4/107، و تيسير الداني 84.

(4) انظر البحر المحيط 4/107.

8

يفطن بهم ضعفاؤهم فظهر ذلك يوم القيامة، و قرأ يحيى بن وثاب وَ لَوْ رُدُّوا بكسر (1)

الراء لأن الأصل رددوا فقلب كسرة الدال على الراء كما يقال: قيل و بيع و بينهما فرق لأنّ قيل إنما قلبت فيه الحركة لأنه معتل و ليس حكم الياء و الواو حكم غيرهما لكثرة انقلابهما.

وَ قََالُوا إِنْ هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا ابتداء و خبر وَ مََا نَحْنُ اسم ما. نَحْنُ الخبر.

قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقََاءِ اَللََّهِ أي قد خسروا أعمالهم و ثوابها. حَتََّى إِذََا جََاءَتْهُمُ اَلسََّاعَةُ بَغْتَةً نصب على الحال و هي عند سيبويه‏ (2) مصدر في موضع الحال كما تقول:

قتلته صبرا و أنشد: [الطويل‏] 131-

فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا # على ظهر محبوك ظماء مفاصله‏ (3)

و لا يجيز سيبويه أن يقاس عليه. لا يقال: جاء فلان سرعة. وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ أي ذنوبهم جعلها لثقلها بمنزلة الحمل الثقيل الذي يحمل على الظّهر و قيل: يعني عقوبات الذنوب لأن العقوبة يقال لها وزر. أَلاََ سََاءَ مََا يَزِرُونَ أي يحملون.

وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ ابتداء و خبر أي الذين يشتهون الحياة الدنيا لا عاقبة له فهو بمنزلة اللهو و اللعب. وَ لَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ ابتداء و خبر و قرأ ابن عامر و لدار الآخرة خفيفة و بالخفض، و الدار الآخرة خير لبقائها. لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي يتقون معاصي اللّه جلّ و عزّ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ إنّ الأمر هكذا فتزهدوا في الدنيا.

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ كسرت «إنّ» لدخول اللام. فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ قد ذكرناه و حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: يكذبونك و يكذّبونك بمعنى واحد قال: و قد يكون لا يكذبونك بمعنى لا يجدونك تأتي بالكذب كما تقول: أبخلت الرجل، و قال

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/108.

(2) انظر الكتاب 1/438.

(3) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 133، و الكتاب 1/438، و شرح شواهد للشنتمري 1/186.

9

غيره: معنى لا يكذّبونك لا يكذّبونك بحجّة و لا برهان و دلّ على هذا وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ .

وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ على تأنيث الجماعة. رُسُلٌ اسم ما لم يسمّ فاعله، و إن شئت حذفت الضمة فقلت: رسل لثقل الضمة. فَصَبَرُوا عَلى‏ََ مََا كُذِّبُوا أي فاصبر كما صبروا.

وَ أُوذُوا حَتََّى أَتََاهُمْ نَصْرُنََا أي فسيأتيك ما وعدت به. وَ لاََ مُبَدِّلَ لِكَلِمََاتِ اَللََّهِ مبيّن لذلك أي ما وعد اللّه عز و جل فلا يقدر أحد أن يدفعه.

وَ إِنْ كََانَ شرط. كَبُرَ فعل ماض و هو خبر عن كان. فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ مفعول به. أَوْ سُلَّماً فِي اَلسَّمََاءِ عطف عليه أي سببا إلى السماء و هذا تمثيل لأن السّلّم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع و ما يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث السلّم. فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ عطف و أمر اللّه جلّ و عزّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أن لا يشتدّ حزنه عليهم إذ كانوا لا يؤمنون كما أنه لا يستطيع هذا. فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ من الذين اشتدّ حزنهم و تحسّروا حتّى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد و إلى ما لا يحلّ.

إِنَّمََا يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي يسمعون سماع إصغاء و تفهّم و إرادة للحقّ. وَ اَلْمَوْتى‏ََ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ و هم الكفار و هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون و لا يصغون إلى حجّة.

وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ و كان منهم تعنّتا بعد ظهور البراهين و إقامة الحجّة بالقرآن الذي عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله لما فيه من الوصف و علم الغيوب. وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ أن اللّه جلّ و عزّ إنّما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة للعباد.

وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ عطف على اللفظ، و قرأ الحسن و عبد اللّه‏

10

ابن أبي إسحاق وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ (1) جعله عطفا على الموضع، و التقدير: و ما دابة و لا طائر يطير بجناحيه. إِلاََّ أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ أي هم جماعات مثلكم في أن اللّه جلّ و عزّ خلقهم و تكفّل بأرزاقهم و عدل عليهم فلا ينبغي أن تظلموهم و لا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. و دابّة يقع لجميع ما دبّ. مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا و قد دللنا عليه في القرآن إما دلالة مبيّنة مشروحة و إما مجملة نحو وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7]، ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ فدلّ بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة.

وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا صُمٌّ وَ بُكْمٌ ابتداء و خبر. مَنْ يَشَأِ اَللََّهُ يُضْلِلْهُ شرط و مجازاة و كذا وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ بتحقيق‏ (2) الهمزتين قراءة أبي عمرو و عاصم و حمزة و قرأ نافع بتخفيف الهمزتين يلقي حركة الأولى على ما قبلها و يأتي بالثانية بين بين، و حكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة و يعوّض منها ألفا و هذا عند أهل اللغة غلط عليه لأن الياء ساكنة و الألف ساكنة و لا يجتمع ساكنان، و قرأ عيسى بن عمر و الكسائي قل أريتكم (3) بحذف الهمزة الثانية و هذا بعيد في العربية و إنما يجوز في الشعر و العرب تقول: أريتك زيدا ما شأنه. قال الفراء (4) : الكاف لفظها لفظ منصوب و معناها معنى مرفوع، كما يقال: دونك زيدا أي خذه. قال أبو إسحاق: هذا محال و لكن الكاف لا موضع لها و هي زائدة للتوكيد كما يقال: ذاك و العرب تقول على هذا في التثنية أريتكما زيدا ما شأنه، و في الجمع أريتكم زيدا و في المرأة أريتك زيدا ما شأنه، يدعون التاء موحّدة و يجعلون العلامة في الكاف فإن كانت الكاف في موضع نصب قالوا في التثنية:

أريتما كما عالمين بفلان و في الجمع أريتموكم عالمين بفلان و في جماعة المؤنث أريتكنّ عالمات بفلان و في الواحدة أريتك عالمة بزيد. قال اللّه عزّ و جلّ‏ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ [العلق: 6، 7]فهو من هذا بعينه.

____________

(1) و هذه قراءة ابن أبي عبلة أيضا، انظر البحر المحيط 4/125.

(2) انظر تيسير الداني 84.

(3) انظر تيسير الداني 84.

(4) انظر معاني الفراء 1/331، و البحر المحيط 4/131.

11

إِيََّاهُ نصب بتدعون فَيَكْشِفُ مََا تَدْعُونَ إِلَيْهِ فعل مستقبل. وَ تَنْسَوْنَ و تتركون مثل‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: 115]و يجوز أن يكون المعنى و تتركون فتكونون بمنزلة الناسين. و قرأ عبد الرحمن الأعرج. مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اَللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ بضم الهاء على الأصل لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه و قد ذكرنا توحيد الهاء.

قال الكسائي: يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا و بغتة إذا أتاهم فجاءة و قرأ الحسن و الأعمش اَلْعَذََابُ بِمََا (1) مدغما و هكذا روي عن أبي عمرو مدغما و قرأ يحيى بن وثّاب و الأعمش بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ (2) بكسر السين و هي لغة معروفة.

وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ جزم بالنهي و علامة الجزم حذف الضمة و كسرت الدال لالتقاء الساكنين. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ غداة نكرة فعرفت بالألف و اللام و كتبت بالواو كما كتبت الصلاة بالواو و قرأ أبو عبد الرحمن السلميّ و عبد اللّه بن عامر و مالك بن دينار بِالْغَدََاةِ (3) و باب غدوة أن تكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكّر الأسماء الأعلام فإذا نكّرت دخلتها الألف و اللام للتعريف، و عشيّ و عشيّة نكرتان لا غير. مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (من) الأولى للتبعيض و الثانية زائدة للتوكيد و كذا. وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي. فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ جواب النهي.

لام كي و هذا من المشكل يقال: كيف فتنوا ليقولوا هذا لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم و في هذا جوابان: أحدهما أنّ المعنى اختبرنا الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم عند النبي صلّى اللّه عليه و سلّم واحدة ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار أَ هََؤُلاََءِ مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنََا ، و الجواب الآخر أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/136.

(2) انظر البحر المحيط 4/136.

(3) انظر تيسير الداني 85، و البحر المحيط 4/139.

12

إلى أن قالوا هذا سبيل الإنكار صار مثل قوله جلّ و عزّ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8].

فَقُلْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ رفع بالابتداء و فيه معنى المنصوب عند سيبويه‏ (1) فلذلك ابتدئ بالنكرة. كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ أي أوجب فخوطب العباد على ما يعرفون من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه و قيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ قال أبو جعفر: و قد ذكرنا قراءة (2) من قرأ (أنّه) (فأنه) ففتحهما جميعا و قراءة من كسرهما جميعا و قراءة من فتح الأولى و كسر الثانية، و قرأ عبد الرحمن الأعرج بكسر الأولى و فتح الثانية كذا روى عنه ابن سعدان فمن فتحهما جميعا جعل الأولى بدلا من الرحمة أو على إضمار مبتدأ أي هي كذا و الثانية مكرّرة عند سيبويه‏ (3) كما قال اللّه جلّ و عزّ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمََا أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمََا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاََ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفََازَةٍ مِنَ اَلْعَذََابِ [آل عمران: 188]و قال جلّ و عزّ إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا ثم قال بعد إِنَّ اَللََّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ [الحج: 17]و قال الأخفش و أبو حاتم: «أنّ» الثانية في موضع رفع بالابتداء أي فالمغفرة له و هذا خطأ عند سيبويه، و سيبويه لا يجوز عنده أن يبتدأ بأنّ و لكن قال بعض النحويين يجوز أن تكون «أنّ» الثانية في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي فالذي له أنّ اللّه غفور رحيم و من كسرهما جميعا جعل الأولى مبتدأة و جعل كتب بمعنى قال و كسر الثانية لأنها بعد الفاء في جواب الشرط، و من كسر الأولى و فتح الثانية جعل الأولى كما قلنا و فتح الثانية على إضمار مبتدأ، و أنكر أبو حاتم هذه القراءة و لم يقع إليه، و من فتح الأولى و كسر الثانية جعل الأولى كما ذكرنا فيمن فتحهما جميعا و كسر الثانية على ما يجب فيها بعد الفاء فهذه القراءة بيّنة في العربية.

وَ كَذََلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ اَلْمُجْرِمِينَ يقال: هذه اللام تتعلّق بالفعل فأين الفعل الذي تعلّقت به فالكوفيون يقولون: التقدير و كذلك نفصّل الآيات لنبيّن لكم

____________

(1) انظر الكتاب 1/395.

(2) القراءات كلّها في البحر المحيط 4/144.

(3) انظر الكتاب 3/153.

13

و لتستبين سبيل المجرمين. قال أبو جعفر: و هذا الحذف كلّه لا يحتاج إليه و التقدير و كذلك نفصّل الآيات، و لتستبين سبيل المجرمين فصّلناها. و السبيل يذكر و يؤنّث و التأنيث أكثر، }و قرأ يحيى بن وثّاب و طلحة بن مصرف قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً (1) بكسر اللام و قال أبو عمرو بن العلاء ضللت لغة تميم.

قُلْ إِنِّي عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ الضمير يعود على البيّنة و ذكّرت لأن البيان و البيّنة واحد و قيل: التقدير: و كذّبتم بما جئت به. قال أبو جعفر: قد ذكرنا (2) يقضي الحقّ و يَقُصُّ اَلْحَقَّ .

قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب. لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ أي لانقطع إلى آخره.

وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ الذي هو يفتح علم الغيب إذا أراد جلّ و عزّ أن يخبر به نبيّا أو غيره، و مفاتح جمع مفتح هذه اللغة الفصيحة و يقال مفتاح و الجمع مفاتيح. و قرأ الحسن و عبد اللّه بن بي إسحاق و لا رطب لا يابس إلاّ في كتاب مّبين (3) عطفا على المعنى و يجوز وَ لاََ حَبَّةٍ فِي ظُلُمََاتِ اَلْأَرْضِ على الابتداء و الخبر. إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ أي كتبها اللّه لتعتبر الملائكة بذلك.

وَ هُوَ اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ ابتداء و خبر أي يستوفي عددكم. بِاللَّيْلِ و في الليل واحد و قرأ أبو رجاء و طلحة بن مصرّف ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلا مسمّى (4) .

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/145.

(2) انظر البحر المحيط 4/146، و معاني الفراء 1/38.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 37، و البحر المحيط 4/15، و هي قراءة ابن السميفع أيضا.

(4) انظر مختصر ابن خالويه 37.

14

حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ هذا اختيار الخليل و هي قراءة نافع على تخفيف الهمزة الثانية و يجوز تخفيفهما (1) و حذف إحداهما. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا على تأنيث الجماعة كما قال: فَلَمََّا جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ [غافر: 83]و قرأ حمزة توفّاه رسلنا (2) على تذكير الجمع و قرأ الأعمش يتوفّاه رسلنا بزيادة ياء في أوله و التذكير.

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ على النعت و قرأ الحسن الحقّ (3) بالنصب يكون مصدرا و بمعنى أعني، و معنى مولاهم الحقّ أنه خالقهم و رازقهم و نافعهم و ضارهم و هذا لا يكون إلا اللّه جلّ و عزّ أَلاََ لَهُ أي اعلموا و قولوا له الحكم وحده.

تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً مصدر و يجوز أن يكون حالا و المعنى ذوي تضرّع و روى أبو بكر ابن عيّاش عن عاصم وَ خُفْيَةً (4) بكسر الخاء و روي عن الأعمش و خيفة الياء قبل الفاء و هذا معنى بعيد لأن معنى تضرعا أن يظهروا التذلّل، و خفية أن يبطنوا مثل ذلك قرأ الكوفيون لَئِنْ أَنْجََانََا (5) و اتّساق الكلام بالتاء كما قرأ أهل المدينة و أهل الشام.

أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً و روي عن أبي عبد اللّه المدني أَوْ يَلْبِسَكُمْ (6) بضم الياء أي يجلّلكم العذاب و يعمّكم به و هذا من اللّبس بضم اللام و الأول من اللّبس بفتحها و هو موضع مشكل و الإعراب يبيّنه. قيل: التقدير أو يلبس عليكم أمركم فحذف أحد المفعولين و حرف الجر كما قال جلّ و عزّ وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: 3]

____________

(1) انظر تيسير الداني 85.

(2) انظر البحر المحيط 4/152.

(3) و هذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط 4/153، و مختصر ابن خالويه 37.

(4) انظر البحر المحيط 4/153، و تيسير الداني 85.

(5) انظر البحر المحيط 4/154، و تيسير الداني 85.

(6) انظر البحر المحيط 4/155.

15

و هذا اللبس بأن يكون يطلق لبعضهم أن يحارب بعضا أو يريهم آية يتفرقون عندها فيروا شيعا، و شِيَعاً نصب على الحال أو المصدر، و قيل: معنى يلبسكم شيعا يقوّي عدوكم حتى يخالطكم فإذا خالطكم فقد لبسكم فرقا وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالحرب.

قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لم أومر أن أحفظكم من التكذيب و الكفر.

روي عن ابن عباس لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي لكل خبر حقيقة.

وَ إِذََا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا التقدير و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب و الردّ و الاستهزاء. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ منكرا عليهم. حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ فأدّب اللّه جلّ و عزّ نبيه فهذا صلّى اللّه عليه و سلّم لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم و يدعوهم فيستهزءون بالقرآن فأمره اللّه عزّ و جلّ أن يعرض عنه إعراض منكر و لا يقبل عليه و كان في هذا ردّ في كتاب اللّه عزّ و جلّ على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج و اتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين و يصوبوا آراءهم تقية، و قرأ عبد اللّه بن عامر وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ (1) على التكثير.

وَ لََكِنْ ذِكْرى‏ََ في موضع نصب على المصدر و يجوز أن تكون في موضع رفع بمعنى «و لكن الذي يفعلونه ذكرى» أي و لكن عليهم ذكرى، و قال الكسائي:

المعنى و لكن هذه ذكرى.

وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ في موضع نصب أي كراهة أن تبسل. بِمََا كََانُوا يَكْفُرُونَ في موضع نصب على خبر كانوا.

____________

(1) انظر تيسير الداني 85، و البحر المحيط 4/157.

16

قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَنْفَعُنََا أي ما لا ينفعنا إن دعوناه. وَ لاََ يَضُرُّنََا إن تركناه. وَ نُرَدُّ عَلى‏ََ أَعْقََابِنََا أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. و واحد الأعقاب عقب و هي مؤنّثة تصغيرها عقيبة. كَالَّذِي الكاف في موضع نصب نعت لمصدر. اِسْتَهْوَتْهُ اَلشَّيََاطِينُ على تأنيث الجماعة، و قرأ حمزة استهواه الشياطين (1) على تذكير الجمع، و روي عن ابن مسعود استهواه الشيطان (2) و عن الحسن استهوته الشياطون (3) رواه محبوب عن عمرو عن الحسن و هو لحن. حَيْرََانَ نصب على الحال و لم ينصرف لأنّ أنثاه حيرى. لَهُ أَصْحََابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى اَلْهُدَى اِئْتِنََا و في الابتداء ائتنا و الأصل بهمزتين أبدلت من إحداهما ياء لئلا يجتمعا. وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ لام كي. قال أبو جعفر: و سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام الخفض و اللامات كلها ثلاث لام خفض و لام أمر و لام توكيد لا يخرج شي‏ء عنها.

وَ أَنْ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ فيه ثلاثة أقوال: فمذهب الفراء أنّ المعنى و أمرنا لأن نسلّم و أن أقيموا، و الجواب الثاني أن يكون المعنى و بأن أقيموا الصلاة و الثالث أن يكون عطفا على المعنى أي يدعونه إلى الهدى و يدعونه أن أقيموا الصلاة، لأن معنى «ائتنا» أن ائتنا.

وَ هُوَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ابتداء و خبر}و كذا وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ . وَ يَوْمَ يَقُولُ فيه ثلاثة أجوبة يكون عطفا على الهاء في وَ اِتَّقُوهُ ، و الثاني أن يكون عطفا على السموات، و الثالث أن يكون بمعنى اذكر. كُنْ فَيَكُونُ فيه ثلاثة أجوبة: قال الفراء (4) : يقال إنه للصور خاصة «و يوم يقول للصور كن فيكون» ، و الجواب الثاني أن يكون المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس و حياتهم و على هذين الجوابين قَوْلُهُ اَلْحَقُّ ابتداء و خبر، و الجواب الثالث أن يكون قوله رفعا بيكون و الحقّ من نعته. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فيه ثلاثة أجوبة: يكون بدلا من يوم، و الجواب الثاني أن يكون التقدير قوله الحقّ يوم ينفخ في الصور، و الجواب الثالث أن يكون التقدير و له الملك يوم ينفخ في الصّور. عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ فيه ثلاثة أجوبة يكون نعتا للذي أي

____________

(1) انظر الحجة لابن خالويه 117.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 38.

(3) انظر البحر المحيط 4/162.

(4) انظر معاني الفراء 1/340.

17

و هو الذي خلق السموات عالم الغيب، و يكون على إضمار مبتدأ و قرأ الحسن و الأعمش و عاصم عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ (1) يكون بدلا من الهاء التي في (له) ، و الجواب الثالث في الرفع أن يكون محمولا على المعنى أي ينفخ فيه عالم الغيب لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر اللّه كان منسوبا إلى اللّه جلّ و عزّ و أنشد سيبويه: [الطويل‏] 132-

ليبك يزيد ضارع لخصومة # و أشعث ممّن طوّحته الطّوائح‏ (2)

وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ تكلّم العلماء في هذا فقال الحسن: كان اسم أبيه آزر، و قيل كان له اسمان آزر و تارح، و روى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، قال: و هي أشدّ كلمة قالها إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم لأبيه، و قال الضحاك: معنى آزر شيخ.

قال أبو جعفر: يكون هذا مشتقا من الأزر و هو الظّهر و لا ينصرف لأنه على أفعل و يكون بدلا كما يقال: رجل أجوف أي عظيم الجوف، و كذا آزر يكون عظيم الأزر معوّجه، و روي عن ابن عباس أنه قرأ و إذ قال إبراهيم لأبيه أازرا (3) بهمزتين فالأولى مفتوحة و الثانية مكسورة هذه رواية أبي حاتم و لم يبيّن معناه فيجوز أن يكون مشتقا من الأزر أي الظّهر و يكون معناه القوة و يكون مفعولا من أجله، و يجوز أن يكون بمعنى وزر كما يقال: و سادة و إسادة و في رواية غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين و في الروايتين تَتَّخِذُ بغير ألف. أَصْنََاماً آلِهَةً مفعولان و فيه معنى الإنكار. إِنِّي أَرََاكَ وَ قَوْمَكَ عطفا على الكاف.

و قرأ أبو السمّال العدوي وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بإسكان اللام و لا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفّتها و لعلّها لغة. وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ أي و ليكون من الموقنين أريناه.

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/165.

(2) الشاهد للحارث بن نهيك في الكتاب 1/345، و في خزانة الأدب 1/303، و شرح شواهد الإيضاح 94، و شرح المفصل 1/80، و للبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه 362، و لنهشل بن حريّ في خزانة الأدب 1/303، و معاهد التنصيص 1/202، و للحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه 1/110، و لنهشل أو للحارث أو لضرار أو لمزرد بن ضرار أو للمهلهل في المقاصد النحوية 2/454، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/345، و أمالي ابن الحاجب ص 447، و تخليص الشواهد 478، و خزانة الأدب 8/139، و الخصائص 2/353، و شرح الأشموني 1/171، و شرح المفصل 1/80، و مغني اللبيب 620، و المقتضب 3/282، و همع الهوامع 1/160، و عجز البيت «و مختبط ممّا تطيح اللوائح» .

(3) انظر مختصر ابن خالويه 38 و البحر المحيط 4/169 و هذه قراءة أبي إسماعيل الشامي أيضا.

18

فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ رَأى‏ََ كَوْكَباً مفعول. قََالَ هََذََا رَبِّي ابتداء و خبر و من أحسن ما قيل في هذا ما صحّ عن ابن عباس رحمه اللّه أنه قال في قول اللّه جلّ و عزّ نُورٌ عَلى‏ََ نُورٍ [النور: 35]قال: كذا قلب المؤمن يعرف اللّه جلّ و عزّ و يستدلّ عليه بقلبه فإذا عرفه ازداد نورا على نور و كذا إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم عرف اللّه عزّ و جلّ بقلبه و استدلّ عليه بدلائله فعلم أن له ربّا و خالقا فلما عرّفه اللّه جلّ و عزّ بنفسه ازداد معرفة فقال: أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانِ [الأنعام: 80].

فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً نصب على الحال لأن هذا من رؤية العين. قََالَ هََذََا رَبِّي قال الكسائي و الأخفش: أي قال هذا الطالع ربي، و قال غيرهما: أي هذا الضوء قال أبو الحسن علي بن سليمان: أي هذا الشخص كما قال الأعشى‏ (1) : [السريع‏] 133-

قامت تبكّيه على قبره # من لي من بعدك يا عامر

تركتني في الدّار ذا غربة # قد ذلّ من ليس له ناصر

أي قصدت بعبادتي و توحيدي للّه جلّ و عزّ وحده. وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اسم «ما» و خبرها، و إذا وقفت قلت: أنا، زدت الألف لبيان الحركة و من العرب من يقول «انه» .

وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي قرأ نافع أ تحاجّوني (2) بنون مخفّفة، و حكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: هو لحن و أجاز سيبويه‏ (3) ذلك و قال: استثقلوا التّضعيف، و أنشد: [الوافر]

____________

(1) البيتان بلا نسبة في أمالي المرتضى 1/71، و الأشباه و النظائر 5/177، و الإنصاف 2/507، و سمط اللآلي 1/174، و شرح المفصل 5/101، و لسان العرب (عمر) .

(2) هذه قراءة ابن عامر أيضا، انظر البحر المحيط 4/174، و تيسير الداني 86.

(3) انظر الكتاب 4/4.

19

134-

تراه كالثّغام يعلّ مسكا # يسوء الفاليات إذا فليني‏ (1)

قال أبو عبيدة: و إنما كره التثقيل من كره للجمع بين ساكنين و هما الواو و النون فحذفوها. قال أبو جعفر: و القول في هذا قول سيبويه و لا ينكر الجمع بين ساكنين إذا كان الأول حرف مدّ ولين و الثاني مدّغما. وَ قَدْ هَدََانِ بحذف الياء لأن الكسرة تدلّ عليها و النون عوض منها إذا حذفتها و إثباتها حسن. وَ لاََ أَخََافُ مََا تُشْرِكُونَ بِهِ أي لأنه لا ينفع و لا يضرّ و مََا في موضع نصب. إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ رَبِّي شَيْئاً في موضع نصب استثناء ليس من الأول. وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً بيان.

وَ كَيْفَ أَخََافُ مََا أَشْرَكْتُمْ مفعول و كذا وَ لاََ تَخََافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللََّهِ مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََاناً أي حجة. فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ابتداء و خبر. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم تعلمون فإنّ من خاف من ينفع و يضر أولى بالأمن منكم.

اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ مبتدأ. أُولََئِكَ ابتداء ثان. لَهُمُ اَلْأَمْنُ خبره و الجملة خبر الأول. وَ هُمْ مُهْتَدُونَ ابتداء و خبر.

و كذا وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا قراءة أهل الحرمين و أبي عمرو نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ (2) بالإضافة و قرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ بتقدير و نرفع من نشاء إلى درجات ثم حذفت «إلى» .

وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ اسمان أعجميان لا ينصرفان في المعرفة و ينصرفان في النكرة فإن أخذت إسحاق من أسحقه اللّه انصرف و كذا يعقوب إن كان منقولا

____________

(1) الشاهد لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 180، و الكتاب 4/4، و خزانة الأدب 5/371، و الدرر 1/ 213، و شرح أبيات سيبويه 2/304، و شرح شواهد الإيضاح 213، و لسان العرب (فلا) و المقاصد النحوية 1/379، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 1/85، و جمهرة اللغة 459، و شرح المفصل 3/91، و لسان العرب (حيج) ، و المنصف 2/337، و همع الهوامع 1/65.

(2) انظر تيسير الداني 86.

20

انصرف بكل حال يقال لذكر القبح: يعقوب. كُلاًّ نصب بهدينا. وَ نُوحاً نصب بهدينا الثاني. وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ قال الفراء (1) عطف على نوح، و قال الأخفش: عطف على إسحاق و كذا وَ أَيُّوبَ و ما بعده و لم ينصرف داود لأنه اسم أعجميّ و كل ما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف و اللام لم ينصرف و سليمان اسم أعجمي و يجوز أن يكون مشتقا من السلامة و لا ينصرف لأن فيه ألفا و نونا زائدتين، و أيوب اسم عجمي و كذا يوسف، و قرأ طلحة بن مصرف و عيسى بن عمر وَ يُوسُفَ (2) بكسر السين. قال أبو زيد: يقول العرب يؤسف بالهمزة و كسر السين و فتحها يؤسف مهموز، و موسى اسم عجميّ، فأما موسى الحديد فإن سمّيت بها رجلا لم تنصرف لأنها مؤنّثة، و عيسى اسم عجمي و إن جعلته مشتقا لم ينصرف لأن في آخره ألفا تشبه ألف التأنيث و اشتقاقه من عاسه يعوسه انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها و يجوز أن يكون مشتقا من العيس و هو ماء الفحل‏ (3) .

وَ زَكَرِيََّا اسم عجميّ و يجوز أن يكون عربيا فيه ألف تأنيث و لا ينصرف في معرفة و لا نكرة. وَ يَحْيى‏ََ لم ينصرف لأن أصله من الفعل و كتب بالياء فرقا بين الاسم و الفعل. وَ إِلْيََاسَ عجميّ و قرأ الأعرج و الحسن و قتادة وَ إِلْيََاسَ بوصل الألف، قال الفراء (4) : و يجوز في هذا كلّه الرفع كما تقول: أخذت صدقاتهم لكلّ مائة شاة شاة و شاة.

وَ إِسْمََاعِيلَ عجميّ، و قرأ أهل الحرمين و أبو عمرو و عاصم وَ اَلْيَسَعَ بلام مخفّفة، و قرأ الكوفيون إلا عاصما و اللّيسع (5) ، و كذا قرأ الكسائي و ردّ قراءة من قرأ «و اليسع» قال: لأنه لا يقال: اليفعل مثل اليحيى و هذا الردّ لا يلزم و العرب تقول:

اليعمل و اليحمد و لو نكّرت يحيى لقلت: اليحيى، و ردّ أبو حاتم على من قرأ (الّيسع) و قال: لا يوجد ليسع. قال أبو جعفر: و هذا الردّ لا يلزم قد جاء في كلام العرب حيدر و زينب و الحق في هذا أنه اسم عجميّ و العجميّة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤدّى سماعا و العرب تغيّرها كثيرا فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين وَ يُونُسَ عجميّ و إن قلت: يونس

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/342.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 62، و البحر المحيط 4/178.

(3) انظر تاج العروس (عيس) .

(4) انظر معاني الفراء 1/342.

(5) انظر البحر المحيط 4/178، و تيسير الداني 86.

21

أو يونس لم تصرفه لأن أصله من الفعل. وَ لُوطاً عجميّ لخفته.

وَ اِجْتَبَيْنََاهُمْ أي اخترناهم مشتقّ من جبيت الماء في الحوض أي جمعته.

أُولََئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ ابتداء و خبر. فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ شرط، و جوابه فَقَدْ وَكَّلْنََا بِهََا قَوْماً أي بالإيمان بها قوما. لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ الباء الثانية توكيد.

أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ ابتداء و خبر. فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ فيه قولان: أحدهما أن المعنى اصبر كما صبروا، و الآخر أنه صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنه كان يحبّ أن يتّبع أهل الكتاب فيما لم ينه عنه و لم ينسخ و قرأ عبد اللّه بن عامر فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (1) و هذا لحن لأن الهاء لبيان الحركة في الوقف و ليست بهاء إضمار و لا بعدها واو و لا ياء أيضا و لا يجوز فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً و من اجتنب اللحن و اتبع السواد قرأ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ فوقف و لم يصل لأنه إن وصل بالهاء لحن و إن حذفها خالف السواد.

وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مصدر. قال أبو جعفر: و قد ذكرناه أنه قيل المعنى: و ما عظّموا اللّه حقّ تعظيمه و هذا يكون من قولهم: لفلان قدر. و شرح هذا أنهم لما قََالُوا مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ عَلى‏ََ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ نسبوا اللّه جلّ و عزّ إلى أنه لا يقيم الحجّة على عباده و لا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح فلم يعظّموه حق تعظيمه و لا عرفوه حقّ معرفته و قد قيل: المعنى:

و ما قدروا نعم اللّه حقّ تقديرها، و قرأ أبو حيوة وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (2) بفتح الدال و هي لغة. تَجْعَلُونَهُ قَرََاطِيسَ أي في قراطيس مثل‏ وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ [الأعراف: 155].

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/180، و الحجة لابن خالويه 120، و تيسير الداني 86.

(2) و هذه قراءة الحسن و عيسى الثقفي أيضا، انظر البحر المحيط 4/181.

22

وَ هََذََا كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ مُبََارَكٌ نعت و يجوز نصبه في غير القرآن على الحال و كذا مُصَدِّقُ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرى‏ََ أي أنزلناه لهذا.

وَ مَنْ قََالَ في موضع خفض أي و من أظلم ممن قال سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ فِي غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ و حذف الجواب أي لرأيت عذابا عظيما. وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ ابتداء و خبر و الأصل باسطون أيديهم يقولون أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ و حذف أي أخرجوا أنفسكم من العذاب أي خلّصوها. اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ أي عذاب الهوان.

بِمََا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ أي تدعون معه شريكا و تقولون: لم يبعث محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم.

وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادى‏ََ كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ مََا خَوَّلْنََاكُمْ وَرََاءَ ظُهُورِكُمْ وَ مََا نَرى‏ََ مَعَكُمْ شُفَعََاءَكُمُ اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكََاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مََا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادى‏ََ في موضع نصب على الحال و لم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث و قرأ أبو حيوة فرادا (1) بالتنوين قال هارون: لغة تميم فرادا بالتنوين و هؤلاء يقولون:

في موضع الرفع فراد، و حكى أحمد بن يحيى فراد بلا تنوين مثل ثلاث و رباع. قال أبو جعفر: المعنى: و لقد جئتمونا منفردين ليس معكم ناصر ممن كان يصاحبكم في الغيّ.

كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فيه ثلاثة أقوال: يكون منفردين كما خلقوا، و يكون عراة، و يكون كما خلقناكم أعدناكم. وَ مََا نَرى‏ََ مَعَكُمْ شُفَعََاءَكُمُ أي الذين عبدتموهم و جعلتموهم شركاء في أموالكم لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (2) قال أبو عمرو أي وصلكم و بَيْنَكُمْ (3) على الظرف.

إِنَّ اَللََّهَ فََالِقُ اَلْحَبِّ وَ اَلنَّوى‏ََ أي يشقّ النواة الميتة فيخرج منها ورقا أخضر و كذا

____________

(1) و هذه قراءة عيسى بن عمر أيضا، انظر البحر المحيط 4/185.

(2) هي قراءة السبعة بضم الميم، انظر البحر المحيط 4/186.

(3) هذه قراءة نافع و الكسائي و حفص بالفتح، انظر البحر المحيط 4/186.

23

الحبة و يخرج من الورق الأخضر نواة ميتة و حبة و هذا معنى يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ اَلْمَيِّتِ مِنَ اَلْحَيِّ و روي عن ابن عباس: يخرج البشر الحيّ من النطفة الميتة و النطفة من البشر الحي. ذََلِكُمُ اَللََّهُ ابتداء و خبر. فَأَنََّى تُؤْفَكُونَ فمن أين تصرفون عن الحق مع ما ترون من قدرة اللّه جلّ و عزّ.

فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ نعت و هو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين إلا عند الكسائي و معنى فالق الإصباح الذي خلق له فلقا و هو الفجر. يقال للفجر: فلق الصّبح و فرقه و قرأ الحسن و عيسى بن عمر فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ (1) بفتح الهمزة و هو جمع صبح و روى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ فلق الإصباح (2) على فعل و الهمزة مكسورة و الحاء منصوبة، و قرأ الحسن و عيسى بن عمر و حمزة و الكسائي وَ جَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً (3) أي جعله يصلح أن يسكن فيه و قرأ أهل المدينة و جاعل الليل سكنا (4) .

وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ حُسْبََاناً نصب الشمس و القمر عطفا على المعنى أي و جعل، و الخفض بعيد لضعف الخافض و أنك قد فرقت، و قد قرأ يزيد بن قطيب السكوني و جاعل الليل سكنا و الشمس و القمر (5) بالخفض عطفا على اللفظ و قال الأخفش: حسبانا أي بحسبان. قال: و هو جمع حساب مثل شهاب و شهبان و قال يعقوب: حسبان مصدر حسبت الشي‏ء أحسبه حسبا و حسبانا، و الحساب الاسم و قال غيره: جعل اللّه جلّ و عزّ سير الشمس و القمر بحساب لا يزيد و لا ينقص فدلّهم اللّه جلّ و عزّ بذلك على قدرته و وحدانيته. ذََلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ ابتداء و خبر.

و قرأ ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و أبو عمرو و عيسى و الأعرج و شيبة و النخعي فَمُسْتَقَرٌّ . بكسر القاف.

و قرأ أبو جعفر و نافع و حمزة و الكسائي فَمُسْتَقَرٌّ بفتح القاف و الرفع بالابتداء فيها إلا أن التقدير فيمن كسر القاف: فمنها مستقرّ و الفتح بمعنى فلها مستقر: قال عبد اللّه بن مسعود: فلها مستقر في الرحم و مستودع في الأرض و هذا التفسير يدلّ على

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/190، و مختصر ابن خالويه 39.

(2) و هذه قراءة ابن وثاب و أبي حيوة أيضا، انظر البحر المحيط 4/190.

(3) هذه قراءة الكوفيين، انظر البحر المحيط 4/190.

(4) انظر تيسير الداني 87، و البحر المحيط 4/190.

(5) انظر مختصر ابن خالويه 39.

24

الفتح، و قال الحسن فمستقرّ في القبر و أكثر أهل التفسير يقولون: المستقرّ ما كان في الرحم و المستودع ما كان في الصلب.

وَ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً و الأصل في ماء «ماه» و الهاء خفيّة و الألف كذلك فأبدل من الهاء همزة لأن الهمزة جلدة. فَأَخْرَجْنََا بِهِ نَبََاتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ أي كل شي‏ء نابت.

فَأَخْرَجْنََا مِنْهُ خَضِراً قال الأخفش: أي أخضر كما يقول العرب: «أرنيها نمرة أركها مطرة» (1) . وَ مِنَ اَلنَّخْلِ مِنْ طَلْعِهََا قِنْوََانٌ دََانِيَةٌ رفع بالابتداء، و أجاز الفراء (2) في غير القرآن «قنوانا دانية» على العطف على ما قبله. قال سيبويه: و من العرب من يقول‏ (3) : قنوان.

قال الفراء: هذه لغة قيس، و أهل الحجاز يقولون: قنوان، و تميم تقول: قنيان ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قنو و قنو. وَ جَنََّاتٍ مِنْ أَعْنََابٍ قراءة العامة بالنصب عطفا أي فأخرجنا جنات، و قرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى و الأعمش و هو الصحيح من قراءة عاصم و جنات بالرفع و أنكر هذه القراءة أبو عبيد و أبو حاتم حتى قال أبو حاتم: هي محال لأن الجنات لا تكون من النخل. قال أبو جعفر: و القراءة جائزة و ليس التأويل على هذا و لكنه رفع بالابتداء و الخبر محذوف أي و لهم جنات كما قرأ جماعة من القراء. وَ حُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22]و أجاز مثل هذا سيبويه و الكسائي و الفراء، و مثله كثير و على هذا أيضا و حورا عينا (4) حكاه سيبويه و أنشد: [البسيط] 135-

جئني بمثل بني بدر لقومهم # أو مثل أسرة منظور بن سيّار (5)

فأما وَ اَلزَّيْتُونَ وَ اَلرُّمََّانَ فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك. اُنْظُرُوا إِلى‏ََ ثَمَرِهِ إِذََا أَثْمَرَ قراءة أبي عمرو و أهل المدينة جمع ثمرة و قراءة يحيى ابن وثاب و حمزة و الكسائي إِلى‏ََ ثَمَرِهِ (6) بضمتين جمع ثمار و قيل: هذا المال المثمّر و روي عن

____________

(1) النّمرة: واحدة النّمر، و السحاب النّمر الذي ترى في خلله نقاطا كلون النمر، و المثل من قول أبي ذؤيب الهذليّ، و هو يضرب لما يتيقّن وقوعه إذا لاحت مخايله. انظر تاج العروس (نمر) .

(2) انظر معاني الفراء 1/347.

(3) هذه قراءة الأعرج و هارون و أبي عمرو، انظر البحر المحيط 4/193.

(4) هذه قراءة أبيّ، انظر الكتاب 1/149.

(5) الشاهد لجرير في ديوانه 237، و الكتاب 1/148، و شرح أبيات سيبويه 1/66، و المقتضب 4/153، و بلا نسبة في شرح المفصل 6/69، و المحتسب 2/78.

(6) و هي قراءة مجاهد أيضا، انظر البحر المحيط 4/195.

25

الأعمش إِلى‏ََ ثَمَرِهِ بضمّ الثاء و إسكان الميم، حذفت الضمة لثقلها. و يجوز أن يكون جمع ثمر مثل بدنة و بدن، و قرأ محمد بن السميفع اليماني و يانعه (1) أي و مدركه، و قرأ ابن محيصن و ابن أبي إسحاق و ينعه (2) بضمّ الياء. قال الفراء: الضم لغة بعض أهل نجد.

وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ اَلْجِنَّ «الجنّ» مفعول أول و شُرَكََاءَ مفعول ثان و التقدير و جعلوا للّه الجن شركاء و يجوز أن يكون الجن بدلا من شركاء و المفعول الثاني للّه، و أجاز الكسائي رفع الجنّ بمعنى هم الجن. و قرأ ابن مسعود و هو خلقهم و قرأ يحيى بن يعمر وَ خَلَقَهُمْ (3) بإسكان اللام. قال: أي و جعلوا خلقهم لأنهم كانوا يخلقون الشي‏ء ثم يعبدونه.

بَدِيعُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بمعنى هو بديع و أجاز الكسائي خفضه على النعت للّه عزّ و جلّ و نصبه بمعنى بديعا السموات و الأرض. قال أبو جعفر: و ذا خطأ عند البصريين لأنه لما مضى. أَنََّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صََاحِبَةٌ اسم «تكن» أي من أين يكون له ولد؟ و ولد كلّ شي‏ء شبيهه و لا شبيه له.

ذََلِكُمُ في موضع رفع بالابتداء. اَللََّهُ رَبُّكُمْ على البدل. خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خبر الابتداء و يجوز أن يكون ربكم الخبر و «خالق» خبرا ثانيا أو على إضمار مبتدأ و أجاز الكسائي و الفراء النصب فيه.

قَدْ جََاءَكُمْ بَصََائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي آيات و براهين يبصّر بها و يستدلّ و بصائر مهموز لئلا

____________

(1) و هي قراءة ابن أبي عبلة أيضا، انظر البحر المحيط 4/195، و تيسير الداني 87.

(2) و هي قراءة الضحاك أيضا، انظر البحر المحيط 4/195.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 39.

26

يلتقي ساكنان و الألف لا يتحرك. فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أي فمن استدلّ و تعرّف وَ مَنْ عَمِيَ فلم يستدلّ فصار بمنزلة الأعمى. وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي لم أومر بحفظكم عن أن تهلكوا أنفسكم.

وَ كَذََلِكَ نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ الكاف في موضع نصب أي و نصرف الآيات مثل ما تلونا عليك. وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ قال أبو جعفر: قد ذكرنا ما فيه من القراءات و روى شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ (1) قال قرأت و تعلّمت و في الكلام حذف أي و ليقولوا درست صرّفناها. قال أبو إسحاق: هذا كما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لحتفه أي آل أمره إلى ذا و كذا لما صرّفت الآيات آل أمرهم إلى أن قالوا درست و تعلّمت. قال أبو جعفر: و في المعنى قول آخر حسن و هو أن يكون معنى نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ نأتي بها آية بعد آية ليقولوا درست علينا فيذكرون الأول بالآخر فهذا حقيقة و الذين قال أبو إسحاق مجاز، و من قرأ دَرَسْتَ (2) فأحسن ما قيل فيه أن المعنى و لئلا يقولوا انقطعت و امّحت و ليس يأتي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم بغيرها، و أحسن ما قيل في دارست (3) أن معناه دارستنا فيكون معناه كمعنى درست و قيل: معناه دارست أهل الكتاب فهذا أيضا مجاز كما قال: [المتقارب‏] 136-

فللموت ما تلد الوالده‏ (4)

وَ لاََ تَسُبُّوا نهي و حذفت منه النون للجزم نهى اللّه عز و جل المؤمنين أن يسبّوا أوثانهم لأنه علم أنهم إذا سبّوها نفر الكفار و ازدادوا كفرا و نظيره قوله عزّ و جلّ:

فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه: 44]. فَيَسُبُّوا جواب النهي بالفاء. عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ مصدر و مفعول من أجله و روي عن أهل مكة أنهم قرءوا عدوا فهذا نصب على الحال و هو واحد يؤدّي عن جمع مثل‏ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ الشعراء:

____________

(1) انظر المحتسب 1/225، و البحر المحيط 4/200.

(2) هذه قراءة ابن عامر، انظر تيسير الداني 87.

(3) انظر البحر المحيط 4/200.

(4) الشاهد لنهيكة بن الحارث المازني، أو لشتيم بن خويلد في خزانة الأدب 9/530، و لشتيم أو لسماك بن عمرو في لسان العرب (لوم) و بلا نسبة في شرح شواهد المغني 2/572، و مغني اللبيب 1/ 214.

27

[الشعراء: 77]و روي عنهم عدوا (1) بضم العين و الدال و تشديد الواو و هذه قراءة الحسن و أبي رجاء و قتادة.

و قرأ طلحة بن مصرّف وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ جََاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بالنون الخفيفة. قال سيبويه: قال الخليل: وَ مََا يُشْعِرُكُمْ ثم أوجب فقال: (إنّا) . قال أبو جعفر: هذه قراءة مجاهد و أبي عمرو و ابن كثير، و قرأ أهل المدينة و الأعمش و حمزة أَنَّهََا (2) بفتح الهمزة قال الخليل: «أنها» بمعنى «لعلها» (3) . قال أبو جعفر:

التمام على هذه القراءة أيضا وَ مََا يُشْعِرُكُمْ ثم ابتدأ فقال (أنّها) و فيه معنى الإيجاب و هذا موجود في كلام العرب أن تأتي لعل و عسى بمعنى ما سيكون فأما قول الكسائي:

أنّ «لا» زائدة فخطأ عند البصريين لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل و قرأ حمزة وحده لا تؤمنوا (4) بالتاء.

وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ «أول مرة» هذه آية مشكلة و لا سيما و فيها وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ فالمعنى و نقلّب أفئدتهم و أبصارهم يوم القيامة على لهب النار كما لم يؤمنوا في الدنيا و نذرهم في الدنيا أي نمهلهم و لا نعاقبهم فبعض الآية في الآخرة و بعضها في الدنيا و نظيرها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خََاشِعَةٌ [الغاشية: 2]فهذا في الآخرة عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ [الغاشية: 3]فهذا في الدنيا.

أَنَّنََا في موضع رفع. وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً (5) قال هارون القارئ:

أي عيانا و قال محمد بن يزيد يكون قبلا بمعنى ناحية كما تقول: لي قبل فلان مال و (قبلا) بضم القاف و الباء و فيه ثلاثة أقوال: فمذهب الفراء أنه بمعنى ضمناء كما قال أَوْ تَأْتِيَ بِاللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ قَبِيلاً [الإسراء: 92]و قول الأخفش بمعنى قبيل و على

____________

(1) انظر المحتسب 1/226.

(2) انظر البحر المحيط 4/203.

(3) انظر معاني الفراء: 1/350.

(4) انظر تيسير الداني 87، و البحر المحيط 4/204.

(5) انظر تيسير الداني 87.

28

القولين هو نصب على الحال، و قال محمد بن يزيد وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً أي مقابلا، و منه‏ إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف: 26]و منه قبل الرجل و دبره لما كان من بين يديه و من ورائه و منه قبل الحيض، و قرأ الحسن وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً حذف الضمة من الباء لثقلها. مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ «أن» في موضع نصب استثناء ليس من الأول.

وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا حكى سيبويه (جعل) بمعنى وصف عَدُوًّا مفعول أول. لِكُلِّ نَبِيٍّ في موضع المفعول الثاني. شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يدل على عدوّ و يجوز أن تجعل «شياطين» مفعولا أول «و عدوّا» مفعولا ثانيا. و معنى شيطان متمرّد في معاصي اللّه تعالى لاحق ضرره بغيره فإذا كان هكذا فهو شيطان كان من الإنس أو من الجن و معناه ممتد في الشرّ مشتقّ من الشطن و هو الحبل و سمّي ما توسوس به شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس وحيا لأنه إنما يكون خفية و جعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه و غُرُوراً نصب على الحال لأن معنى يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ يغرّونهم بذلك غرورا و يجوز أن يكون في موضع الحال، و روى ابن عباس بإسناد أنه قال في قوله يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ لإبليس مع كل جنّي شيطان و مع كل إنسيّ شيطان فيلقى أحدهما الآخر فيقول له: إني قد أضللت صاحبي فأضلل صاحبك بمثله، و يقول له الآخر: مثل ذلك هذا وحي بعضهم إلى بعض. قال أبو جعفر: و القول الأول يدلّ عليه‏ وَ إِنَّ اَلشَّيََاطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ََ أَوْلِيََائِهِمْ لِيُجََادِلُوكُمْ [الأنعام: 121]فهذا يبيّن معنى ذلك.

فَذَرْهُمْ أمر فيه معنى التهديد. قال سيبويه: و لا يقال و ذر و لا ودع استغنوا عنه بترك.

قال أبو إسحاق: الواو ثقيلة فلمّا كان ترك ليست فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو و هذا معنى قوله و ليس بنصّه.

وَ لِتَصْغى‏ََ إِلَيْهِ لام كي و كذا وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا إلا أن الحسن قرأ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا (1) بإسكان اللام جعلها لام أمر فيه معنى التهديد كما قال: افعل ما شئت.

أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ نصب بابتغي. حَكَماً نصب على البيان و إن شئت على الحال.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 40، و البحر المحيط 4/211.

29

وَ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ اَلْكِتََابَ ابتداء و خبر و كذا وَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاََ تَكُونَنَّ نهي مؤكدة بالنون الثقيلة و فتحت لالتقاء الساكنين و قيل لأنهما شيئان ضمّ أحدهما إلى الآخر.

وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً مصدر و حال.

وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ أي الكفّار. يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ أي عن الطريق التي تؤدّي إلى ثواب اللّه عزّ و جلّ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَخْرُصُونَ بمعنى «ما» .

(من) في موضع رفع بالابتداء مثل‏ لِنَعْلَمَ أَيُّ اَلْحِزْبَيْنِ [الكهف: 12].

فَكُلُوا مِمََّا ذُكِرَ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ اسم ما لم يسمّ فاعله و الذكر عند أهل اللغة باللسان و يكون بالقلب مجازا.

وَ مََا لَكُمْ ابتداء و خبر. أَلاََّ في موضع نصب و المعنى و أيّ شي‏ء لكم في أن لا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه و سيبويه يجيز أن تكون «أن» في موضع جرّ بإضمار الخافض. إِلاََّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ في موضع نصب بالاستثناء. وَ إِنَّ كَثِيراً اسم «إن» و صلح أن يكون اسمها نكرة لأنّ فيها فائدة و ليس الخبر معرفة.

و هذا حسن عند سيبويه، و أنشد: [الطويل‏] 137-

و إنّ شفاء عبرة لو سفحتها # فهل عند رسم دارس من معوّل‏ (1)

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس من مطوّلته (قفا نبك) صفحة 9، و الكتاب 2/143، و خزانة الأدب 3/448، و الدرر 5/139، و سرّ صناعة الإعراب 1/257، و شرح أبيات سيبويه 1/449، و شرح شواهد المغني 2/772، و لسان العرب (عول) و (هول) ، و المنصف 3/40، و بلا نسبة في خزانة الأدب 9/274، و الدرر 6/154، و شرح الأشموني 2/434، و شرح شواهد المغني 2/872، و همع الهوامع 2/77.

30

وَ لاََ تَأْكُلُوا نهي. مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ كسرت الراء لالتقاء الساكنين.

وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ خبر «إنّ» .

و روى المسيّبي عن نافع بن أبي نعيم أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ بإسكان الواو و قال أبو جعفر: يجوز أن يكون محمولا على المعنى أي انظروا و تبيّنوا أغير اللّه أبتغي حكما أو من كان ميتا فأحييناه. و من فتح الواو جعلها واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام.

لام كي قيل: إنه مجاز كما قال‏ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8].

فَمَنْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ أي يوسعه ثوابا إلى طاعته و هي شرط و مجازاة. وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً مثله، و قرأ ابن كثير ضَيِّقاً (1)

بتخفيف الياء كما يقال: ليّن و لين و هيّن و هين. حرج اسم الفاعل و حرج مصدر وصف به كما يقال: رجل عدل و رضى و قيل: حرج جمع حرجة و معناه شدّة الضيق و منه فلان يتحرّج أي يضيّق على نفسه في تركه هواه للمعاصي. كَأَنَّمََا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمََاءِ (2) قد ذكرناه. كَذََلِكَ الكاف في موضع نصب و كذا ما مرّ من قوله «و كذلك جعلنا في كلّ قرية» .

____________

(1) انظر تيسير الداني 88، و البحر المحيط 4/219.

(2) قراءات (يصّعّد) في البحر المحيط 4/220.

31

وَ هََذََا صِرََاطُ رَبِّكَ ابتداء و خبر. مُسْتَقِيماً على الحال.

لَهُمْ دََارُ اَلسَّلاََمِ ابتداء و خبر و كذا وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ .

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ نصب بالفعل المحذوف أي و يوم يحشرهم نقول جَمِيعاً على الحال. يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ نداء مضاف. قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ اَلْإِنْسِ وَ قََالَ أَوْلِيََاؤُهُمْ مِنَ اَلْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنََا بِبَعْضٍ أبين ما قيل فيه أن الجنّ استمتعت من الإنس أنهم تلذّذوا بطاعة الإنس إيّاهم و تلذّذ الإنس بقبولهم من الجنّ حتّى زنوا و شربوا الخمور. و قيل: الجنّ هم الذين استمتعوا من الإنس لأن الإنس قبلوا منهم، و الأول أولى لأن كلّ واحد منهما قد استمتع بصاحبه. و التقدير في العربية: استمتع بعضنا ببعضنا. قََالَ اَلنََّارُ مَثْوََاكُمْ ابتداء و خبر. خََالِدِينَ فِيهََا نصب على الحال. إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ استثناء ليس من الأول. إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ أي عقوبتهم و في جميع أفعاله. عَلِيمٌ بمقدار مجازاتهم.

أحسن ما قيل فيه أنّ معنى منكم في الخلق و التكليف و المخاطبة. يَقُصُّونَ في موضع رفع نعت لرسل.

ذََلِكَ في موضع رفع عند سيبويه بمعنى الأمر ذلك، لأنّ ربك لم يكن مهلك القرى بظلم و أجاز الفراء (1) أن يكون في موضع نصب بمعنى فعل ذلك.

كَمََا أَنْشَأَكُمْ الكاف في موضع نصب بمعنى و يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافا مثل ما أنشأكم. مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ و قرأ زيد بن ثابت

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/355.

32

ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ (1) بكسر الذال و تشديد الراء و الياء، و قرأ أبان بن عثمان ذريّة (2) بفتح الذال و تخفيف الراء و تشديد الياء.

(ما) اسم (إنّ) و الخبر لآت و اللام توكيد.

قُلْ يََا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى‏ََ مَكََانَتِكُمْ إِنِّي عََامِلٌ أي على ما أنا عليه. مَنْ تَكُونُ لَهُ عََاقِبَةُ اَلدََّارِ اسم تكون و يجوز «من يكون» (3) لأنه مصدر و تأنيثه غير حقيقي كتأنيث الجماعة، و قرأ الأعرج يا معشر الجنّ و الإنس أ لم تأتكم على تأنيث الجماعة. مَنْ تَكُونُ لَهُ عََاقِبَةُ اَلدََّارِ في موضع رفع لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله و يجوز أن يكون بمعنى الذي فتكون في موضع نصب.

فَقََالُوا هََذََا لِلََّهِ بِزَعْمِهِمْ هذه لغة أهل الحجاز، و لغة بني أسد بِزَعْمِهِمْ و هكذا قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و الكسائي، و لغة تميم و قيس فيما حكى الفراء و الكسائي «بزعمهم» بكسر الزاي و إن كان أبو حاتم قد أنكر كسرها و قد حكاه الكسائي و الفراء فَمََا كََانَ لِشُرَكََائِهِمْ فَلاََ يَصِلُ إِلَى اَللََّهِ سمّوا شركاء لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم فقالوا هم شركاؤنا فيها. سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ قال الكسائي (ما) في موضع رفع أي ساء الشي‏ء يفعلون. قال أبو إسحاق «ما» في موضع رفع و المعنى ساء الحكم يحكمون.

وَ كَذََلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاََدِهِمْ شُرَكََاؤُهُمْ هذه قراءة أهل

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 40، أما في البحر المحيط 4/228، فقال: «و قرأ زيد بن ثابت «ذرّيّة» بفتح الذال، و أبان بن عثمان «ذرية» بفتح الذال و تخفيف الراء المكسورة» .

(2) هذه قراءة حمزة و الكسائي، انظر البحر المحيط 4/229.

(3) انظر معاني الفراء 1/356، و البحر المحيط 4/230.

33

الحرمين و أهل الكوفة و أهل البصرة إلا أبا عبد الرحمن و الحسن فإنهما قرءا وَ كَذََلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاََدِهِمْ برفع قتل و خفض أولادهم.

شُرَكََاؤُهُمْ (1) بالرفع و حكى أبو عبيد أن ابن عامر و أهل الشام قرءوا وَ كَذََلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي. (لكثير من المشركين قتل أولادهم) برفع قتل و نصب أولادهم شركائهم (2) بالخفض و حكى غير أبي عبيد عن أهل الشام أنهم قرءوا وَ كَذََلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاََدِهِمْ برفع قتل و خفض أولادهم شركائهم (3) بالخفض أيضا. قال أبو جعفر: فهذه أربع قراءات الأولى أبينها و أصحّها تنصب «قتلا» بزيّن و خفض «أولادهم» بالإضافة، شُرَكََاؤُهُمْ رفع بزيّن لا بالقتل لأنهم زيّنوا و لم يقتلوا و هم شركاؤهم في الدين و رؤساؤهم، و القراءة الثانية أن يكون «قتل» اسم ما لم يسمّ فاعله. «شركاؤهم» رفع بإضمار فعل لأن زيّن يدلّ على ذلك أي زيّنه شركاؤهم و يجوز على هذا: ضرب زيد عمرو بمعنى ضربه عمرو و أنشد سيبويه: [الطويل‏] 138-

ليبك يزيد ضارع لخصومة (4)

و قرأ ابن عامر و عاصم من رواية ابن عباس‏ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ‏`رِجََالٌ [النور: 36]و قرأ إبراهيم بن أبي عبلة قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ`اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ [البروج: 4، 5]بمعنى قتلتهم النار، فأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر و أهل الشام فلا يجوز في كلام و لا شعر و إنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف و المضاف إليه في الشعر بالظرف لأنه لا يفصل فأما بالأسماء غير الظروف فلحن، و أما ما حكاه غير أبي عبيد و هي القراءة الرابعة فهو جائز على أن تبدل شركاؤهم من أولادهم لأنهم شركاؤهم في النسب و الميراث. لِيُرْدُوهُمْ لام كي. وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أي يأمرونهم بالباطل فيصير الحقّ مغطى عليه فبهذا يلبسون.

وَ قََالُوا هََذِهِ أَنْعََامٌ ابتداء و خبر. وَ حَرْثٌ حِجْرٌ عطف على الخبر و قرأ أبان

____________

(1) انظر تيسير الداني 88.

(2) انظر تيسير الداني 88.

(3) انظر البحر المحيط 4/231.

(4) مرّ الشاهد رقم 132، و عجزه:

«و أشعث ممّن طوّحته الطوائح»

34

ابن عثمان وَ حَرْثٌ حِجْرٌ (1) بضم الحاء و الجيم و قرأ الحسن و قتادة وَ حَرْثٌ حِجْرٌ (2)

بضم الحاء و اسكان الجيم لغات بمعنى، و روي عن ابن عباس و ابن الزبير و حرث حرج (3)

الراء قبل الجيم و كذا في مصحف أبيّ و فيه قولان: أحدهما أنه مثل جبذ و جذب، و القول الآخر و هو أصحّ أنه من الحرج و هو الضيق فيكون معناه الحرام و منه فلان يتحرّج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه بالحرام. اِفْتِرََاءً مفعول من أجله و مصدر.

وَ قََالُوا مََا فِي بُطُونِ هََذِهِ اَلْأَنْعََامِ خََالِصَةٌ لِذُكُورِنََا تقرأ على أربعة أوجه: قراءة العامة وَ قََالُوا مََا فِي بُطُونِ هََذِهِ اَلْأَنْعََامِ خََالِصَةٌ برفع خالصة و التأنيث و قرأ قتادة خََالِصَةٌ بالنصب و قرأ ابن عباس وَ قََالُوا مََا فِي بُطُونِ هََذِهِ اَلْأَنْعََامِ خََالِصَةٌ لِذُكُورِنََا على الإضافة و قرأ الأعمش خالص لذكورنا بغير هاء و القراءة الأولى على الابتداء و الخبر، و في تأنيث مََا ثلاثة أقوال: قال الكسائي و الأخفش هذا على المبالغة و قال الفراء (4) : تأنيثها لتأنيث الأنعام و هذا القول عند قوم خطأ لأن ما في بطونها ليس منها فلا يشبه تلتقطه بعض السيارة [يوسف: 10]لأن بعض السيارة سيارة و هذا لا يلزم الفراء لأنه إنما يؤنث هذا لأن الذي في بطونها أنعام كما أنها أنعام، و القول الثالث أحسنها يكون التأنيث على معنى ما و التذكير على اللفظ و الدليل على هذا أنّ بعده وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ََ أَزْوََاجِنََا على اللفظ فالتقدير و قالوا الأنعام التي في بطون هذه الأنعام خالصة، و النصب عند الفراء على القطع و عند البصريين على الحال مما في المخفوض الأول و لا يجوز أن يكون حالا من المضمر الذي في الذكور كما يجوز زيد قائما في الدار لأن العامل لا يتصرف و إن كان الأخفش قد أجازه في بعض كتبه، و القراءة الثالثة على أن يكون خََالِصَةٌ ابتداء ثانيا و الخبر «لذكورنا» و الجملة خبر «ما» و يجوز أن «خالصه» بدلا من «ما» . و القراءة الرابعة على تذكير «ما» في اللفظ.

يَكُنْ بمعنى و إن يكن ما في بطونها ميتة و التأنيث بمعنى و إن تكن الحمول ميتة.

قال أبو حاتم: و إن تكن النسمة ميتة. قال أبو عمرو بن العلاء: الاختيار يكن بالياء لأن بعده فَهُمْ فِيهِ و لم يقل: فيها و إن يكن ميتة بالرفع بمعنى تقع و قال الأخفش: أي و إن تكن في بطونها ميتة.

____________

(1) و هي قراءة عيسى بن عمر أيضا، انظر البحر المحيط 4/233، و مختصر ابن خالويه 41.

(2) انظر البحر المحيط: 4/233.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 41.

(4) انظر معاني الفراء 1/258.

35

سَفَهاً مصدر و مفعول من أجله.

وَ هُوَ اَلَّذِي أَنْشَأَ جَنََّاتٍ في موضع نصب و كسرت التاء لأنه جمع مسلّم.

مَعْرُوشََاتٍ نعت أي عليها حيطان، و قيل: لأن بعض أغصانها على بعض. وَ اَلنَّخْلَ وَ اَلزَّرْعَ عطف. مُخْتَلِفاً على الحال. قال أبو إسحاق: هذه مسألة مشكلة من النحو لأنه يقال: قد أنشأها و لم يختلف أكلها و هو ثمرها. ففي هذا جوابان: أحدهما أنه أنشأها بقوله‏ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ* [الأنعام: 102]فأعلم اللّه عزّ و جلّ أنه أنشأها مختلفا أكلها، و الجواب الآخر أنه أنشأها مقدّرا ذلك فيها، و قد بيّن هذا سيبويه‏ (1) بقوله:

مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، على الحال كما تقول: ليدخلنّ الدار آكلين شاربين أي مقدّرين ذلك. وَ اَلزَّيْتُونَ وَ اَلرُّمََّانَ عطف. مُتَشََابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشََابِهٍ على الحال. و يقال: حصاد و حصاد و جداد و جدّاد و صرام و صرام. وَ لاََ تُسْرِفُوا نهي.

إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ أي لا يثني عليهم و لا يثيبهم.

وَ مِنَ اَلْأَنْعََامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً عطف، أي و أنشأ حمولة و فرشا من الأنعام و للعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال: أحدها أنّ الأنعام الإبل خاصة، و قيل: النعم الإبل وحدها و إذا كان معها غنم و بقر فهي أنعام أيضا، و القول الثالث أصحّها قال أحمد بن يحيى: «الأنعام» كلّ ما أحلّه اللّه جلّ و عزّ من الحيوان و يدلّ على صحّة هذا قوله جلّ و عزّ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ اَلْأَنْعََامِ إِلاََّ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ [المائدة: 1]. و قد ذكرنا الحمولة و الفرش، و من أحسن ما قيل فيهما أنّ الحمولة المسخّرة المذلّلة للحمل، و «الفرش» ما خلقه اللّه عزّ و جلّ من الجلود و الصوف مما يجلس عليه و يتمهّد. وَ لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ جمع خطوة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/358.

36

و يجوز الضمّ و الفتح و قرأ أبو السمال خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ (1) بفتح الخاء و الطاء.

ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ في نصبه ستة أقوال: قال الكسائي: هو منصوب بإضمار أنشأ، و قال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من حمولة و فرش، و إن شئت على الحال، و قال الأخفش علي بن سليمان: يكون منصوبا بكلوا أي كلوا لحم ثمانية أزواج، و يجوز أن يكون منصوبا على البدل من «ما» على الموضع، و يجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح ثمانية أزواج مِنَ اَلضَّأْنِ اِثْنَيْنِ قرأ طلحة بن مصرّف و عيسى مِنَ اَلضَّأْنِ (2) بفتح الهمزة، و قرأ أبان بن عثمان من الضأن اثنان و من المعز اثنان (3) رفعا بالابتداء و قرأ أبو عمرو و الحسن و عيسى و من المعز (4) بفتح العين و في حرف أبيّ و من المعزى اثنين (5) ، قال أبو جعفر: الأكثر في كلام العرب المعز و الضأن بالإسكان، و يدلّ على هذا قولهم في الجمع: معيز هذا جمع معز كما يقال:

عبد و عبيد، و قال امرؤ القيس: [الوافر] 139-

و يمنحها بنو شمج بن جرم # معيزهم حنانك ذا الحنان‏ (6)

و اختار أبو عبيد و من المعز أيضا بإسكان العين، قال: لإجماعهم على الضأن و قد ذكرنا أنه قد قرئ اَلضَّأْنِ و ما عزّ و معز مثل تاجر و تجر فأما معز فيجوز لأن فيه حرفا من حروف الحلق و كذا ضأن. قُلْ آلذَّكَرَيْنِ منصوب بحرّم. أَمِ اَلْأُنْثَيَيْنِ عطف عليه و كذا أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحََامُ و زدت مع ألف الوصل مدة فقلت الذكرين لنفرق بين الخبر و الاستفهام، و يجوز حذف المدة لأن «أم» تدلّ على الاستفهام كما قال: [المتقارب‏] 140-

تروح من الحيّ أم تبتكر (7)

____________

(1) انظر الكتاب 2/46.

(2) انظر المحتسب 1/233.

(3) و هي قراءة الحسن أيضا، انظر البحر المحيط 4/241.

(4) انظر البحر المحيط 4/241.

(5) انظر البحر المحيط 4/241، و مختصر ابن خالويه 41.

(6) الشاهد لامرى القيس في ديوانه ص 143، و لسان العرب (حنن) ، و بلا نسبة في مجالس ثعلب 2/ 543، و المقتضب 3/224.

(7) مرّ الشاهد رقم (7) .

37

قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ و قرأ أبو جعفر محمد بن علي يَطْعَمُهُ و الأصل فيه يطتعمه‏ (1) فأدغم بعد قلب التاء طاء. يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ أي إلا أن يكون المأكول ميتة. قال الأصمعي: قال لي نافع بن أبي نعيم مفسرا إلا أن يكون ذلك ميتة و قرأ ابن كثير و الأعمش و حمزة إلا أن تكون ميتة (2) و التقدير على هذا: إلا أن يكون المأكولة ميتة و قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع إلا أن تكون ميتة (3) بالرفع. أَوْ دَماً بالنصب و بعض النحويين يقول هو لحن لأنه عطف منصوبا على مرفوع و سبيل المعطوف سبيل المعطوف عليه و القراءة جائزة و قد صحّت عن إمام على أن يكون أو دما معطوفا على أن لأن «أن» في موضع نصب و هي اسم و التقدير إلاّ كون ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً نعت. أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ عطف و كذا أَوْ فِسْقاً فإنّه رجس ينوى به التأخير و في الآية إشكال يقال: قد حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كلّ ذي ناب من السباع و كلّ ذي مخلب من الطير، و ليس هما في الآية ففي هذا أقوال: منها أنّهم سألوا عن شي‏ء بعينه فوقع الجواب مخصوصا و هذا مذهب الشافعي رضي اللّه عنه، و قيل: ما صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فهو داخل في الآية معطوف على ما بعد إلا، و هذا قول حسن و مثله كثير، و في الآية قول ثالث بيّن و هو أن ما حرّمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فهو ميتة فالآية على هذا مشتملة على هذه الأشياء.

وَ عَلَى اَلَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ و قرأ الحسن ظفر (4) بإسكان الفاء و قرأ أبو السمّال ظفر (5) بإسكان الفاء و كسر الظاء، و أنكر أبو حاتم كسر الظاء و أنكر أبو حاتم كسر الظاء و إسكان الفاء و لم يذكر هذه القراءة قال: و يقال: أظفور و حكى الفراء في الجمع أظافير و أظافرة و أظافر و أظفارا. وَ مِنَ اَلْبَقَرِ وَ اَلْغَنَمِ حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمََا إِلاََّ مََا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمََا

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/242.

(2) انظر تيسير الداني 89، و البحر المحيط 4/242.

(3) انظر البحر المحيط 4/242، و تيسير الداني 89.

(4) و هي قراءة أبيّ و الأعرج أيضا، انظر البحر المحيط 4/245، و مختصر ابن خالويه 41.

(5) و هي قراءة الحسن أيضا، انظر البحر المحيط 4/245، و مختصر ابن خالويه 41.

38

(ما) في موضع نصب على الاستثناء. ظُهُورُهُمََا رفع بحملت. أَوِ اَلْحَوََايََا في موضع رفع عطف على الظهور. حاوية و حوايا و حاوياء مثل نافقاء و نوافق و ضاربة و ضوارب و أبدل من الياء ألف كما يقال صحارى. أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ (ما) في موضع نصب عطف على ما حملت و في هذا أقوال هذا أصحّها و هو قول الكسائي و الفراء (1) و أحمد بن يحيى و النظر يوجبه أن يعطف الشي‏ء على ما يليه إلا أن لا يصحّ معناه أو يدل دليل على غيره. ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ أي الأمر ذلك.

وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ خبر إنّ و الأصل إنّنا.

فَإِنْ كَذَّبُوكَ شرط و الجواب فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وََاسِعَةٍ أي لأنه حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا و الأصل في «ذو» ذوى و لو نطق به على الأصل لقيل: ذوى مثل عصا و قد جاء في القرآن على الأصل و هو ذَوََاتََا أَفْنََانٍ [الرحمن: 48]ثم أخبر اللّه جلّ و عزّ بالغيب عما سيقولونه فقال:

سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا عطف على النون و الألف و حسن ذلك لما جئت بلا، توكيدا و قد أفادت معنى النفي عن الجميع و قيل: معنى قوله: لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا أي لو شاء اللّه لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك و عن تحريم ما أحلّ فانتهوا فاتبعناهم على ذلك و ألفناه و لم تنفر طباعنا عنه فردّ اللّه عزّ و جلّ عليهم ذلك فقال هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنََا أي أ عندكم دليل على أنّ هذا كذا. إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ في هذا القول وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَخْرُصُونَ فتوهمون ضعفتكم أنّ لكم حجّة.

قُلْ فَلِلََّهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبََالِغَةُ أي التي تقطع عذر المحجوج و تزيل الشكّ عمن نظر فيها.

قُلْ هَلُمَّ شُهَدََاءَكُمُ فتحت الميم لالتقاء الساكنين كما تقول: ردّ يا هذا. و لا يجوز

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/363.

39

ضمها و لا كسرها. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا معناها إلاّ أنّ في كتاب العين للخليل رحمه اللّه أنّ أصلها: «هل أؤمّ» . أي هل أقصدك ثم كثر استعمالهم إياها حتى صار المقصود يقولها، كما أن «تعالى» أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل فكثر استعمالها إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي: تعالى.

قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ جواب الأمر. مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ (ما) في موضع نصب بالفعل. أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً الفراء يختار أن يكون (لا) للنهي لأن بعده وَ لاََ تَقْتُلُوا .

قال أبو جعفر: و يجوز أن تكون «أن» في موضع نصب بدلا من «ما» أي أتل عليكم تحريم الإشراك و يجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى كراهة أن تشركوا و يكون المتلو عليهم‏ قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الأنعام: 145]الآية، و يجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى هو أن لا تشركوا به شيئا. وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً مصدر. وَ لاََ تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ مِنْ إِمْلاََقٍ أي من خوف الفقر. وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلْفَوََاحِشَ نصب بالفعل. مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ بدل منها. ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ أي الأمر ذلكم و يجوز أن يكون بمعنى بيّن لكم وصاكم به. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لتكونوا على رجاء من ذلك.

وَ لاََ تَقْرَبُوا مََالَ اَلْيَتِيمِ نهي كلّه فلذلك حذفت منه النون. وَ بِعَهْدِ اَللََّهِ أَوْفُوا أي إذا عاهدتم اللّه جلّ و عزّ على شي‏ء أو حلفتم لإنسان فأوفوا. ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ مثل الأول و أدغمت التاء في الذال لقربها منها و يجوز حذفها للدلالة.

وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً هذه قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم و تقديرها عند الخليل و سيبويه‏ (1) : و لأن هذا صراطي كما قال جلّ و عز: وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ

____________

(1) انظر الكتاب 3/146.

40

[الجن: 18]و الفراء (1) يذهب إلى أنها في موضع خفض بمعنى «ذلكم وصّاكم به» و وصّاكم بأنّ هذا صراطي مستقيما، و الكسائي يذهب إلى أنها في موضع نصب على هذا المعنى إلا أنه لمّا حذف الباء نصب و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي وَ أَنَّ هََذََا (2)

بكسر الهمزة و هذا مستأنف و من قرأ وَ أَنَّ هََذََا (3) بالتخفيف فهذا عنده في موضع رفع بالابتداء و يجوز النصب و معنى و أنّ هذا صراطي مستقيما لا يعرّج من سلكه.

مُسْتَقِيماً على الحال. فَاتَّبِعُوهُ وَ لاََ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ أي لا تتبعوا الديانات المختلفة.

فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ جواب النهي. ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مثل الأول.

ثُمَّ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ مفعولان تَمََاماً مفعول من أجله و مصدر. عَلَى اَلَّذِي خفض بعلى أَحْسَنَ فعل ماض داخل في الصلة و هذا قول البصريين و أجاز الكسائي و الفراء (4) أن يكون اسما نعتا للذي و أجاز: مررت بالذي أخيك، ينعتان الذي بالمعرفة و ما قاربها و ذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم و المعنى عندهم على المحسن، و أجاز الكسائي و الفراء أن يكون الذي بمعنى الذين أي على المحسن، و حكي عن محمد بن يزيد قول رابع قال: هو مثل قولك: إذا ذكر زيد مررت بالذي ضرب أي الذي ضربه فالمعنى تماما على الذي أحسنه اللّه إلى موسى من الرسالة و غيرها وَ تَفْصِيلاً عطف و كذا وَ هُدىً وَ رَحْمَةً .

وَ هََذََا كِتََابٌ ابتداء و خبر. مُبََارَكٌ نعت، و يجوز في غير القرآن: مباركا.

على الحال.

أَنْ تَقُولُوا في موضع نصب بمعنى كراهة أن تقولوا و قال الفراء (5) أي: و اتّقوا أن تقولوا.

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/364، و البحر المحيط 4/254.

(2) انظر تيسير الداني 89.

(3) انظر تيسير الداني 89، و البحر المحيط 4/254، و هذه قراءة ابن عامر.

(4) انظر معاني الفراء 1/365، و البحر المحيط 4/255.

(5) انظر معاني الفراء 1/366، و البحر المحيط 4/257.

41

أَوْ تَقُولُوا عطف عليه. فَقَدْ جََاءَكُمْ بَيِّنَةٌ لأن البينة و البيان واحد.

يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ و يجوز تأتي مثل‏ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: 8]أو مثل تلتقطه بعض السيارة [يوسف: 10]و قرأ ابن سيرين لا تنفع نفسا إيمانها .

قال أبو حاتم: هذا غلط من ابن سيرين. قال أبو جعفر: في هذا شي‏ء دقيق من النحو ذكره سيبويه و ذلك أنّ الإيمان و النفس كلّ واحد منهما مشتمل على الآخر فجاز التأنيث و أنشد سيبويه: [الطويل‏] 141-

مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت # أعاليها مرّ الرّياح النواسم‏ (1)

لأن المرّ و الرياح كل واحد منهما مشتمل على الآخر، و فيه قول آخر أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكّر المصدر المؤنث مثل‏ فَمَنْ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ [البقرة: 275] لأن موعظة بمعنى الوعظ و كما قال: [الطويل‏] 142-

فقد عذرتنا في صحابته العذر (2)

ففي أحد الأقوال أنه أنّث العذر لأنه بمعنى المعذرة.

إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي آمنوا ببعض و كفروا ببعض و كذا من ابتدع فقد جاء بما لم يأمر اللّه جل و عز به فقد فرّق دينه و فارقوا دينهم يعني الإسلام و كلّ من فارقه فقد فارق

____________

(1) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ص 754، و خزانة الأدب 4/225، و شرح أبيات سيبويه 1/58، و الكتاب 1/94، و المحتسب 1/237، و المقاصد النحوية 3/367 و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 5/239، و الخصائص، 2/417، و شرح الأشموني 2/310، و شرح عمدة الحافظ 838، و لسان العرب (عرد) و (صدر) ، و (قبل) ، و (سفه) ، و المقتضب 4/197.

(2) الشاهد بلا نسبة في تذكرة النحاة ص 583، و للأبيرد اليربوعي في الحماسة البصرية 1/268، و نسب للأخطل في لسان العرب (عذر) . و صدره:

«فإن تكن الأيام فرّقن بيننا»

42

دينه الذي يجب أن يتّبعه لست منهم في شي‏ء فأوجب براءته منهم إنما أمرهم إلى اللّه تعزية للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم.

مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ ابتداء و هو شرط و الجواب فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا أي فله عشر حسنات أمثالها و حكى سيبويه‏ (1) : عندي عشرة نسّابات أي عندي عشرة رجال نسابات، و قرأ الحسن و سعيد بن جبير و الأعمش فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا (2) و تقديرها: فله حسنات عشر أمثالها أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له و يجوز أن يكون له مثل و يضاعف المثل فيصير عشرة. فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا خبر ما لم يسمّ فاعله.

قُلْ إِنَّنِي هَدََانِي رَبِّي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قال الأخفش: هو نصب بهداني و قال غيره:

هو نصب بمعنى عرّفني مثل: هو يدعه تركا. قال أبو إسحاق: و يجوز أن يكون محمولا على المعنى لأن المعنى هداني صراطا مستقيما كما قال جلّ و عزّ وَ يَهْدِيَكَ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2]: قِيَماً من نعمته و قيّما أعلّ على الإتباع. مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ بدل. حَنِيفاً قال أبو إسحاق: هو حال من إبراهيم و قال علي بن سليمان: هو نصب بإضمار أعني.

قُلْ إِنَّ صَلاََتِي اسم «إنّ» . وَ نُسُكِي وَ مَحْيََايَ وَ مَمََاتِي عطف عليه و قرأ أهل المدينة وَ مَحْيََايَ (3) بإسكان الياء في الإدراج و هذا لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس لأنه جمع بين ساكنين و إنما أجازه يونس لأن قبله ألفا و الألف المدّ التي فيها تقوم مقام الحركة و أجاز يونس اضربان زيدا و إنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين و ليس في الثاني إدغام، و من قرأ بقراءة أهل المدينة و أراد أن يسلم من اللحن وقف على «محياي» فيكون غير لاحن عند جميع النحويين، و قرأ ابن أبي إسحاق و عيسى و عاصم الجحدري وَ مَحْيََايَ وَ مَمََاتِي (4) بالإدغام و هذا وجه جيد في العربية لمّا كانت الياء يغيّر

____________

(1) انظر الكتاب 4/46.

(2) انظر البحر المحيط: 4/261، و مختصر ابن خالويه 41.

(3) انظر تيسير الداني 89، و البحر المحيط 4/262.

(4) انظر البحر المحيط 4/262.

43

ما قبلها بالكسر و لم يجز في الألف كسر صيّر تغييرها قلبها إلى الياء كما أنشد أهل اللغة: [الكامل‏] 143-

سبقوا هويّ و أعنقوا لهواهم‏ (1)

خبر. قال الأخفش: يقال: وزر يوزر و وزر يزر و وزر يوزر وزرا و يجوز إزرا كما يقال: إسادة.

وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ اَلْأَرْضِ مفعولان. لِيَبْلُوَكُمْ نصب بلام كي و هو بدل من «أن» . إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقََابِ اسم «إنّ» و خبرها و كذا وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ .

____________

(1) مرّ الشاهد رقم 18، و عجزه:

«فتخرّموا و لكلّ جنب مصرع»

44

7 شرح إعراب سورة الأعراف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ ربّ يسّر و أعن:

} المص‏`كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ قال الكسائي: أي هذا كتاب أنزل إليك، و قال الفراء (1) :

المعنى الألف و اللام و الميم و الصاد من حروف المقطّع كتاب أنزل إليك مجموعا. قال أبو إسحاق: هذا القول خطأ من ثلاث جهات: منها أنه لو كان كما قال لوجب أن يكون بعد هذه الحروف أبدا كتاب و قد قال اللّه جلّ و عزّ: الم‏`اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ [آل عمران: 1، 2]و منها أنه لو كان كما قال ما لكانت «الم» في غير موضع كذا «حم» ، و منها أنه أضمر شيئين لأنه يحتاج أن يقدّر «الم» بعض حروف كتاب أنزل إليك و لا يكون هذا كقولك: ا ب ت ث ثمانية و عشرون حرفا، لأن هذا اسم للسورة كما تقول: الحمد سبع آيات و الدليل على هذا أنه لا يجوز ط ظ ر ن ثمانية و عشرون حرفا. قال أبو جعفر: و قد أجاز الفراء هذا. فَلاََ يَكُنْ نهي و علامة الجزم فيه حذف الضمة من النون و حذفت الواو لسكونها و سكون النون و كانت أولى بالحذف لأن قبلها ضمة تدلّ عليها. حَرَجٌ اسم يكن و النهي في اللفظ للحرج و في المعنى المخاطب. لِتُنْذِرَ بِهِ نصب بلام كي. وَ ذِكْرى‏ََ لِلْمُؤْمِنِينَ (2) لم تنصرف لأن في آخرها ألف تأنيث و تكون في موضع رفع و نصب و خفض، الرفع عند البصريين على إضمار مبتدأ، و قال الكسائي: هي عطف على «كتاب» ، و النصب عند البصريين على المصدر، و قال الكسائي: هي عطف على الهاء في «أنزلناه» ، و الخفض بمعنى للإنذار و ذكرى للمؤمنين خفض باللام.

اِتَّبِعُوا أمر و هو جزم عند الفراء و بناء عند سيبويه وَ لاََ تَتَّبِعُوا جزم. مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/368.

(2) انظر البحر المحيط 4/268.

45

مفعول و لم ينصرف لأن فيه ألف التأنيث أي لا تعبدوا معه غيره قَلِيلاً نعت لظرف أو لمصدر. مََا تَذَكَّرُونَ (1) تكون «ما» زائدة و تكون مع الفعل مصدرا و الأصل تتذكّرون فأدغمت التاء في الذال لقربها منها و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي تذكرون فحذف التاء الثانية لاجتماع تاءين.

وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا في موضع رفع بالابتداء و يجوز النصب بإضمار فعل.

فَجََاءَهََا بَأْسُنََا بَيََاتاً أَوْ هُمْ قََائِلُونَ قال الفراء (2) : خفّفت الواو و المعنى أو و هم قائلون. قال أبو إسحاق: هذا خطأ إذا عاد الذكر استغني عن الواو تقول: جاءني زيد راكبا أو هو ماش و لا يحتاج إلى الواو.

فَمََا كََانَ دَعْوََاهُمْ خبر كان و اسمها إِلاََّ أَنْ قََالُوا .

فدلّ بهذا على أن الكفار يحاسبون و هذه لام القسم و حقيقتها أنها للتوكيد}و كذا فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ مََا كُنََّا غََائِبِينَ خبر كان و بطل عمل ما.

وَ اَلْوَزْنُ رفع بالابتداء اَلْحَقُّ خبره، و يجوز أن يكون الحق نعتا له و الخبر يَوْمَئِذٍ و يجوز نصب الحق على المصدر. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ شرط و جوابه، }و كذا وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَظْلِمُونَ مصدر أي بظلمهم.

و قرأ الأعرج معائش (3) بالهمز و كذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/268.

(2) انظر معاني الفراء 1/372، و البحر المحيط 4/268.

(3) و هي قراءة زيد بن علي و الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط 4/271، و مختصر ابن خالويه 42.

46

أبو جعفر: و الهمز لحن لا يجوز لأن الواحد معيشة فزدت ألف الجمع و هي ساكنة و الياء ساكنة فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف و الألف لا تحرّك فحرّكت الياء بما كان يجب لها في الواحد و نظيره من الواو منارة و مناور و مقامة و مقاوم كما قال: [الطويل‏] 144-

و إنّي لقوّام مقاوم لم يكن # جرير و لا مولى جرير يقومها (1)

و كذا مصيبة و مصاوب هذا الجيد و لغة شاذّة مصايب. قال الأخفش: إنما جاز مصايب لأن الواحدة معتلّة. قال أبو إسحاق: هذا خطأ يلزمه أن يقول: مقايم، و لكن القول عندي أنه مثل و سادة و إسادة.

قال أبو جعفر: فقد ذكرنا معنى وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاََّ إِبْلِيسَ استثناء من موجب. لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلسََّاجِدِينَ في موضع الخبر.

قََالَ مََا مَنَعَكَ مََا في موضع رفع بالابتداء، و عند الكسائي بالعائد. و المعنى أيّ شي‏ء منعك أَلاََّ تَسْجُدَ في موضع نصب أي من أن تسجد. قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ابتداء و خبر. في أنا ثلاث لغات أفصحها: أنا فعلت بحذف الألف في الإدراج لأنها زائدة لبيان الحركة في الوقف. قال الفراء: و بعض بني قيس و ربيعة يقولون: أنا فعلت بإثبات الألف في الإدراج. قال الكسائي: و بعض قضاعة يقولون: أان فعلت، مثل عان. و في الوقف ثلاث لغات: أفصحها: أنا. قال الكسائي: و من العرب من يقول: «أنه» قال الأخفش: و من العرب من يقول: «أن» في الوقف.

قََالَ فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي فيها ثلاثة أجوبة: يكون من الغيّ و يكون مثل أحمدت الرجل، و قيل: أغواه أي خيّبه. لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ أي لأقعدن لهم في الغيّ على

____________

(1) الشاهد للأخطل في ديوانه ص 233، و حماسة البحتري ص 212، و الخصائص 3/145، و شرح المفصل 10/90، و للفرزدق في المقتضب 1/122، و بلا نسبة في شرح المفصل 10/97، و المنصف 1/306.

47

صراطك حذفت «على» كما حكى سيبويه: ضرب الظّهر و البطن و أنشد: [الكامل‏] 145-

لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه # فيه كما عسل الطّريق الثّعلب‏ (1)

و التقدير على صراطك و في صراطك و سمّي الدين صراطا لأنه الطريق إلى النجاة.

و أحسن ما قيل في معنى ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ في الضلالة.

قََالَ اُخْرُجْ مِنْهََا مَذْؤُماً على الحال و قرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عيّاش لَمَنْ تَبِعَكَ (2) بكسر اللام و أنكره بعض النحويين و تقديره-و اللّه أعلم-من أجل من تبعك كما يقال: أكرمت فلانا لك و قد يكون المعنى: الدّحر لمن تبعك منهم. قال أبو إسحاق من قرأ «لمن تبعك» بفتح اللام فهي عنده لام قسم و هي توطئة لقوله لَأَمْلَأَنَّ و قال غيره: لمن تبعك هي لام توكيد لأملأنّ لام قسم الدليل على هذا أنه يجوز في غير القرآن حذف اللام الأولى و لا يجوز حذف الثانية، و في الكلام معنى الشرط و المجازاة أي من تبعك عذّبته، و لو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز إلاّ أن تريد لأعذبنه.

وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ نهي. فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ جواب و يكون عطفا.

قال الأخفش: فَوَسْوَسَ لَهُمَا أي إليهما. مََا وُورِيَ و يجوز في غير القرآن أوري مثل «أقّتت» . إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ خبر تكونا و «أن» في موضع نصب بمعنى كراهة و الكوفيون يقولون: لئلاّ و قرأ يحيى بن أبي كثير و الضحّاك إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ بكسر اللام و يجوز على هذه القراءة إسكانها و لا يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة، و زعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله‏ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ [طه:

____________

(1) الشاهد لساعدة بن جؤيّة الهذليّ في الكتاب 1/69، و تخليص الشواهد 503، و خزانة الأدب 3/83، و الدرر 3/86، و شرح أشعار الهذليين 1120، و شرح التصريح 1/312، و شرح شواهد الإيضاح ص 155، و شرح شواهد المغني ص 885، و لسان العرب (وسط) و (عسل) ، و المقاصد النحوية 2/ 544، و نوادر أبي زيد ص 15، و بلا نسبة في أسرار العربية 180، و جمهرة اللغة 842، و الخصائص 3/319، و شرح الأشموني 1/197، و مغني اللبيب ص 11، و همع الهوامع 1/200.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 42، و هي قراءة عاصم.

48

120]حجّة بيّنة و لكنّ الناس على تركها فلهذا تركناها (1) . قال أبو جعفر: إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ قراءة شاذة و قد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام و جعل من الخطأ الفاحش و هل يجوز أن يتوهّم آدم صلّى اللّه عليه و سلّم أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة و هي غاية الطالبين و إنما معنى‏ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ المقام في ملك الجنّة و الخلود فيه و قد بيّن اللّه جلّ و عز فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن فمنها هذا و هو إلاّ أن يكونا ملكين و منها وَ لاََ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: 50]و منه‏ وَ لاَ اَلْمَلاََئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ [النساء: 172]و قال الحسن: فضّل اللّه عزّ و جلّ الملائكة بالصور و الأجنحة و الكرامة، و قال غيره: فضّلهم اللّه جلّ و عزّ بالطاعة و ترك المعصية فبهذا يقع التفضيل في كلّ شي‏ء.

ليس «لكما» داخلا في الصلة و للنحويين فيه ثلاثة أقوال: قال هشام: التقدير إني ناصح لكما لمن الناصحين، و قال محمد بن يزيد: يكون لكما تبيينا كما تقول: مرحبا بك و بك مرحبا. قال محمد بن يزيد و قال المازني: و هو اختياري الألف و اللام بمنزلتها في الرجل و ليست بمعنى الذي ألا ترى أنك تقول: نعم القائم. و لا يجوز:

نعم الذي قام.

و قرأ الحسن فلمّا ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما على واحدة و الأجود الجمع و يجوز التثنية و قد ذكرناه في «سورة المائدة» (2) . وَ طَفِقََا (3) و يجوز إسكان الفاء.

و حكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب و قرأ الحسن يَخْصِفََانِ (4) بكسر الخاء و الأصل يختصفان فأدغم و كسر الخاء لالتقاء الساكنين و قرأ ابن بريدة و يعقوب يَخْصِفََانِ (5) بفتح الخاء ألقى حركة التاء عليها، و يجوز يخصّفان بضم الياء من خصف يخصف و المعنى أنهما أمرا بترك اللّباس فبدت سوآتهما.

قََالاََ رَبَّنََا نداء مضاف و الأصل يا ربنا و قيل في معنى «يا» معنى التعظيم.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 42.

(2) انظر المائدة: 31.

(3) و قرأ أبو السّمال (و طفقا) بالفتح، انظر البحر المحيط 4/281.

(4) و هي قراءة الأعرج و مجاهد و ابن وثاب أيضا، انظر البحر المحيط 4/281.

(5) انظر البحر المحيط 4/281، و مختصر ابن خالويه 42.

49

وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وقعت (إن) على (لم) لأن معناها مع ما بعدها الفعل الماضي.

يََا بَنِي آدَمَ نداء مضاف. قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ و هو القطن و الكتّان لأنهما يكونان من الماء الذي يكون من السماء، و قرأ أبو عبد الرحمن و الحسن و عاصم من رواية المفضّل الضبّي و أبو عمرو و من رواية الحسين بن عليّ الجعفيّ و رياشا (1)

و لم يحكه أبو عبيد إلا عن الحسن و لم يفسّر معناه و هو جمع ريش و هو ما كان من المال و اللباس قال الفراء (2) : ريش و رياش كما تقول: لبس و لباس وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ (3)

هذه قراءة أهل المدينة و الكسائي، و قرأ أبو عمرو و ابن كثير و عاصم و الأعمش و حمزة وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ بالرفع، و النصب على العطف و تم الكلام و الرفع بالابتداء. و ذََلِكَ من نعته و خبر الابتداء خَيْرٌ و يجوز أن يكون «لباس» مرفوعا على إضمار مبتدأ أي و ستر العورة ذلك لباس المتّقين و روي عن محمد بن يزيد أنه قال: الرفع و النصب حسنان إلاّ أن النصب يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون ذلك إشارة إلى اللباس و الآخر أن يكون إشارة إلى كل ما تقدّم فأما لباس التقوى ففيه قولان: أحدهما أن معنى أنزل لباس التقوى ما علّمه اللّه جلّ و عزّ و هدى به هذا في النصب، و في الرفع على التمثيل، و القول الآخر أن معنى لباس التقوى لبس الصوف و الخشن من الثياب مما يتواضع به للّه جلّ و عزّ. و أولى ما قيل في النصب أنه معطوف و «ذلك» مبتدأ، أي ذلك الذي أنزلناه من اللباس و الريش لباس التقوى خير من التقوى و التجرّد في طوافكم فإن رفعت فقرأت وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ فأولى ما قيل فيه أن ترفعه بالابتداء. و ذََلِكَ نعته أي و لباس التقوى ذلك الذي علمتموه خير لكم من لباس الثياب التي يواري سوآتكم و من الرياش الذي أنزلناه إليكم فألبسوه ذََلِكَ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ أي مما يدل على أنّ له خالقا. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ليكونوا على رجاء من التذكير.

يََا بَنِي آدَمَ نداء مضاف. لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ نهي و هو مجاز مثل

____________

(1) انظر البحر المحيط 4/283، و مختصر ابن خالويه 43.

(2) انظر معاني الفراء 1/375.

(3) انظر تيسير الداني 90.

50

وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102]أي كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. كَمََا في موضع نصب نعت لمصدر. أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ أب و أبة للمؤنث فعلى هذا قيل: أبوان و يقال في النداء: يا أبة للمذكر و بضم الهاء و بفتح.

يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا في موضع نصب على الحال و يكون مستأنفا. لِيُرِيَهُمََا نصب بلام إِنَّهُ يَرََاكُمْ الأصل يرأاكم ثم خفّفت الهمزة. هُوَ وَ قَبِيلُهُ عطف على المضمر و هو توكيد و هذا يدلّ على أنه يقبح رأيتك و عمر و أنه ليس المضمر كالمظهر، و قيل:

إن قوله إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ يدلّ على أن الجنّ لا يرون إلا في وقت نبيّ ليكون ذلك دلالة على نبوّته لأن اللّه جلّ و عزّ خلقهم خلقا لا يرون فيه و إنما يرون إذا نقلوا عن صورهم و ذلك من المعجزات التي لا تكون إلاّ في وقت الأنبياء صلّى اللّه عليه و سلّم مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ و حكى سيبويه: حيث. قال أبو إسحاق هي مبنيّة لعلّتين: إحداهما أنها لا تدلّ على موضع بعينه، و الأخرى أنّ ما بعدها صلة لأنها لا تضاف و يقال: حوث و حوث و حكى الكوفيّون الكسر و الإضافة. إِنََّا جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ أي وصفناهم بهذا.

كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ الكاف في موضع نصب. أي تعودون كما بدأكم أي كما خلقكم أول مرّة يعيدكم. قال أبو إسحاق: هو متعلّق بما قبله أي و منها تخرجون كما بدأكم تعودون.

فَرِيقاً هَدى‏ََ نصب بهدى. وَ فَرِيقاً نصب بإضمار فعل أي و أضلّ فريقا و أنشد سيبويه‏ (1) : [المنسرح‏] 146-

أصبحت لا أحمل السّلاح و لا # أملك رأس البعير إن نّفرا

و الذّئب أخشاه إن مررت به # وحدي و أخشى الرّياح و المطرا

و قال الكسائي و الفراء: التقدير يعودون فريقا هدى و فريقا أي يعودون فريقين.

قال الكسائي: و في قراءة أبيّ تعودون فريقين فريقا هدى و فريقا حقّ عليهم

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (113) .

51

الضلالة (1) قال الفراء: و لو كان مرفوعا لجاز و قرأ عيسى بن عمر أنّهم بفتح الهمزة بمعنى لأنهم.

قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا خََالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ابتداء و خبر أي هي خالصة يوم القيامة للذين آمنوا في الدنيا و هذه قراءة ابن عباس و بها قرأ نافع و سائر القراء يقرءون خََالِصَةً على الحال أي يجب لهم في هذه الحال، و خبر الابتداء لِلَّذِينَ آمَنُوا و الاختيار عند سيبويه النصب لتقدم الظرف. كَذََلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر.

قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ نصب بوقوع الفعل عليها. مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ بدل.

وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ قال الفراء (2) : الإثم ما دون الحدّ، و البغي الاستطالة على الناس. قال أبو جعفر: فإمّا أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك و تحريم الخمر موجود نصّا في كتاب اللّه جل و عز و هو قوله‏ إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصََابُ وَ اَلْأَزْلاََمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: 90]و حقيقة الإثم أنه جميع المعاصي كما قال: [الكامل‏] 147-

إنّي وجدت الأمر أرشده # تقوى الإله، و شرّه الإثم‏ (3)

و البغي التجاوز في الظلم. وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللََّهِ في موضع نصب عطف و كذا وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ يبيّن أن كلّ مشرك يقول على اللّه ما لا يعلم.

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ أي الوقت المعلوم عند اللّه. لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً ظرف زمان. وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ فدلّ بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله.

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/376، و البحر المحيط 4/290.

(2) انظر معاني الفراء 1/378.

(3) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ص 316، و لسان العرب (ألا) ، و ديوان المفضليات 224.

52

يََا بَنِي آدَمَ إِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ شرط و دخلت النون توكيدا لدخول ما. فَمَنِ اِتَّقى‏ََ وَ أَصْلَحَ شرط و ما بعده جوابه و هو و جوابه جواب الأول، و أصلح منكم و قيل المعنى فمن اتقى و أصلح فليطعم و حذف هذا و دلّ قوله جلّ و عزّ فَمَنِ اِتَّقى‏ََ وَ أَصْلَحَ فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ إن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون و لا يحزنون و لا يلحقهم رعب و لا فزع.

وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ اِسْتَكْبَرُوا عَنْهََا ابتداء. أُولََئِكَ ابتداء ثان. أَصْحََابُ اَلنََّارِ خبر الثاني و الثاني و خبره خبر الأول.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً ابتداء و خبر و كذا أُولََئِكَ يَنََالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ اَلْكِتََابِ لأن التقدير نائل لهم. حَتََّى إِذََا جََاءَتْهُمْ قال الخليل و سيبويه‏ (1) في «حتّى» و «أمّا» و «إلا» لا يملن لأنهم حروف ففرق بينهنّ و بين الأسماء نحو حبلى و سكرى. قال أبو إسحاق:

تكتب «حتى» بالياء لأنها أشبهت سكرى و لو كتبت «إلا» بالياء لأشبهت «إلى» و لم تكتب «إما» بالياء لأنها «إن» ضمّت إليها «ما» .

كُلَّمََا دَخَلَتْ أُمَّةٌ ظرف. حَتََّى إِذَا اِدََّارَكُوا أي اجتمعوا و قرأ الأعمش تداركوا (2) و هذا الأصل ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل و قرأ مجاهد حتى إذا أدركوا (3) أي أدرك بعضهم بعضا. جَمِيعاً على الحال. قََالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لََكِنْ لاََ تَعْلَمُونَ ما تجدون من العذاب.

____________

(1) انظر الكتاب 4/248.

(2) و هي قراءة ابن مسعود أيضا، انظر البحر المحيط 4/298.

(3) انظر البحر المحيط 4/298.