إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
3

الجزء الثالث‏

19 شرح إعراب سورة مريم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قال أبو جعفر: لا اختلاف في إسكانها. قال أبو إسحاق: أسكنت لأنها حروف تهجّ النيّة فيها الوقف. قرأ أهل المدينة بين التفخيم و الإمالة، و روى محمّد بن سعدان عن أبي محمد عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ كهيعص (1) الياء ممالة و الهاء بين التفخيم و الإمالة و الصاد مدغمة، و حكى أبو عبيد أنّ حمزة كان يميل الياء و يفخم الهاء، و أن عاصما و الكسائي كانا يكسران الهاء و الياء، و حكى خارجة أن الحسن كان يضمّ كاف، و حكى غيره أنه كان يضم «ها» ، و حكى إسماعيل بن إسحاق أن الحسن كان يضمّ يا، قال أبو حاتم لا يجوز ضم الكاف و لا الهاء و لا الياء. قال أبو جعفر:

قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا و الإمالة جائزة في «ها» و في «يا» و ما أشبههما نحو با و تا و ثا إذا قصرت، و هذا قول الخليل و سيبويه‏ (2) . قال: و حكى لي علي بن سليمان أنّ البصريين ينفردون بالكلام في الإمالة، و أن الكوفيين لم يذكروا ذلك كما ذكروا غيره من النحو و إنما جازت الإمالة عند سيبويه و الخليل‏ (3) فيما ذكرناه لأنها أسماء ما يكتب ففرقوا بينها و بين الحروف، نحو «لا» و «ما» ، و من أمال منها شيئا فهو مخطئ، و كذلك «ما» التي بمعنى الذي، و لا يجيز أن تمال «حتّى» و لا «إلاّ» التي للاستثناء؛ لأنهما حرفان و إن سمّيت بهما جازت الإمالة، و أجازا «أنّى» لأنها اسم ظرف كأين و كيف، و لا يجوز إمالة كاف لأن الألف متوسطة. فأما قراءة الحسن فقد أشكلت على جماعة حتّى قالوا: لا تجوز، منهم أبو حاتم. و القول فيها ما بينه هارون القارئ.

قال: كان الحسن يشمّ الرفع فمعنى هذا أنه كان يومئ، كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول: الصلاة و الزكاة يومئ إلى الواو، و لهذا كتبت في المصاحف بالواو.

____________

(1) انظر تيسير الداني 120.

(2) انظر الكتاب 4/248.

(3) انظر الكتاب 4/248.

4

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ في رفعه ثلاثة أقوال: قال الفراء (1) : و هو مرفوع بكهيعص. قال أبو إسحاق: هذا محال لأن «كهيعص» ليس هو مما أنبأنا اللّه جلّ و عزّ به عن زكرياء، و قد خبّر اللّه جلّ و عزّ عنه و عما بشّره به و ليس «كهيعص» من قصّته. قال الأخفش:

التقدير: فيما نقص عليكم ذكر رحمة ربك، و القول الثالث أن المعنى: هذا الذي نتلوه عليكم ذكر رحمة ربك عبده، و رحمة بالهاء تكتب، و يوقف عليها، و كذلك كلّ ما كان مثلها. لا نعلم بين النحويين اختلافا في ذلك إذا لم يكن في شعر بل قد اعتلّوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء و فرقوا بينها و بين الأفعال.

قال الأخفش: عَبْدَهُ منصوب برحمة. زَكَرِيََّا (2) بدل منه و لم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث. هذا فيمن جعله مشتقا عربيا، و لا يصرفه في معرفة و لا نكرة، و من جعله عجميا صرفه في النكرة.

إِذْ في موضع نصب على الظرف. نََادى‏ََ رَبَّهُ نِدََاءً مصدر مؤكّد خَفِيًّا من نعته.

قََالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ اَلْعَظْمُ مِنِّي و المستقبل يهن أصله يوهن حذفت الواو لوقوعها بين ياء و كسرة. وَ اِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً في نصبه قولان: أحدهما أنه مصدر، لأن معنى اشتعل شاب، و هذا قول الأخفش سعيد. قال أبو إسحاق: هو منصوب على التمييز، و قول الأخفش أولى لأنه مشتقّ من فعل، و المصدر أولى به. وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعََائِكَ رَبِّ شَقِيًّا خبر أكن.

وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوََالِيَ مِنْ وَرََائِي نصب بخفت و حركت الياء في موضع النصب لخفته و أسكنتها في موضع الرفع و الخفض لثقلهما، كما روي عن عثمان رضي اللّه عنه أنه قرأ خفّت الموالي من ورائي (3) و هذه قراءة شاذّة و إنما رواها كعب مولى سعيد بن العاص عن سعيد عن عثمان، و هي بعيدة جدا، و قد زعم بعض العلماء أنها لا تجوز.

قال: كيف يقول: خفّت الموالي من بعد موتي و هو حيّ؟و التأويل لها أن لا يعني بقوله

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/161.

(2) انظر تيسير الداني 120

(3) انظر مختصر ابن خالويه 83، و البحر المحيط 6/165 و هي قراءة زيد بن ثابت و ابن عباس، و سعيد ابن العاص و ابن يعمر و ابن جبير و علي بن الحسين و غيرهم.

5

من ورائي من بعد موتي و لكن من ورائي في ذلك الوقت، و هذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنّهم خفّوا في ذلك الوقت و قلّوا، و قد أخبر اللّه عزّ و جلّ عنهم بما يدلّ على الكثرة حين قالوا: أيّهم يكفل مريم؟ وَ كََانَتِ اِمْرَأَتِي عََاقِراً أي لا تلد كأنّ بها عقرا.

و الفعل منه عقرت مسموع من العرب، و القياس عقرت. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا و المستقبل يهب، و الأصل يوهب بكسر الهاء، و من قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو و كما لم تحذف في يوجل، و إنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء و كسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق.

و قرأ أهل الحرمين و الحسن و عاصم و حمزة يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (1)

برفعهما، و قرأ يحيى بن يعمر و أبو عمرو و يحيى بن وثاب و الأعمش و الكسائي يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2) بالجزم فيهما. قال أبو جعفر: القراءة الأولى بالرفع أولى في العربية و أحسن، و الحجّة في ذلك ما قاله أبو عبيد فإن حجّته حسنة. قال: المعنى:

فهب لي من لدنك الوليّ الذي هذه حاله و صفته لأن الأولياء منهم من لا يرث، فقال:

هب الّذي يكون وارثي، و ردّ الجزم؛ لأن معناه إن وهبته لي ورثني، فكيف يخبر اللّه جلّ و عزّ بهذا و هو أعلم به منه؟و هذه حجة مقتضاة لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط و المجازاة. تقول: أطع اللّه جلّ و عزّ يدخلك الجنة و المعنى: إن تطعه يدخلك الجنة. فأما معنى يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة:

قيل: هي وراثة نبوّة، و قيل: هي وراثة حكمة، و قيل: هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوة محال؛ لأن النبوة لا تورث، و لو كانت تورث لقال قائل: الناس كلّهم ينسبون إلى نوح صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو نبيّ مرسل. و وراثة الحكمة و العلم مذهب حسن. و في الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» (3) و أما وراثة المال فلا يمتنع و إن كان قوم قد أنكروه لقول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «لا نورث ما تركنا صدقة» (4) فهذا لا حجّة فيه؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجميع و قد يؤول هذا بمعنى لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لم يخلف شيئا يورث عنه، و إنما كان الذي له أباحه اللّه عزّ و جلّ إياه في حياته بقوله جلّ و عزّ وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ [الأنفال: 41]لأن معنى للّه جلّ و عزّ لسبل اللّه جلّ ثناؤه، و من سبل اللّه تبارك و تعالى ما يكون في مصلحة الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم ما دام حيّا فإن قيل: ففي بعض الروايات «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعا أن يكون «ما» بمعنى الذي، و الآخر لا يورث من

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/165.

(2) انظر تيسير الداني 120.

(3) أخرجه ابن ماجة في سننه في المقدمة 17-حديث 223، و الدارمي في سننه 1/98.

(4) أخرجه مالك في الموطأ باب 12 حديث 27، و الترمذي في سننه-السير 7/112، و أبو داود في سننه رقم (2977) .

6

كانت هذه حاله. مِنْ آلِ يَعْقُوبَ لم ينصرف لأنه أعجمي و زعم عاصم الجحدري أنهم لو قالوا هو يعقوب آخر غير يعقوب بن إسحاق لصروفه، و قال: إنّهم قالوا: إنه غير يعقوب بن إسحاق عليهما السلام.

يََا زَكَرِيََّا منادى مفرد. اِسْمُهُ يَحْيى‏ََ مبتدأ و خبر و لم ينصرف يحيى لأنه في الأصل فعل مستقبل و كتب بالياء فرقا بينه و بين الفعل لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قد ذكرناه، و قد قيل: معناه لم نأمر أحدا أن يسمّي ابنه يحيى قبلك.

أَنََّى في موضع نصب على الظرف. وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ اَلْكِبَرِ عِتِيًّا (1) قال قتادة:

أي سنّا، و التقدير في العربية: سنّا عتيّا. و الأصل عتوّا لأنه من ذوات الواو فأبدل من الواو ياء لأنها أختها، و هي أخفّ منها و الآيات على الياء، و من قرأ عِتِيًّا كره الضمة مع الكسرة و الياء.

قََالَ كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكَ الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ قال الفراء (2) : أي خلقه عليّ هين، قرأ أهل المدينة و أهل البصرة و عاصم وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ، و قرأ سائر الكوفيين و قد خلقناك (3) قال أبو جعفر: و القراءة الأولى أشبه بالسواد.

قََالَ آيَتُكَ مبتدأ و خبره (أن) و صلتها تُكَلِّمَ نصب بأن لأن «لا» غير حائلة، و أجاز الكسائي و الفراء (4) «أن لا تكلّم الناس» بالرفع: بمعنى أنك لا تكلم الناس، و هذا كما قال: [الطويل‏] 282-

ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني # كبرت و أن لا يشهد اللهو أمثالي‏ (5)

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/166، و كتاب السبعة لابن مجاهد 407، و هي قراءة ابن أبي ليلى و الأعمش و حمزة و الكسائي، و باقي السبعة بالضم و عبد اللّه بفتح العين.

(2) انظر معاني الفراء 2/162.

(3) انظر البحر المحيط 6/167، و تيسير الداني 120.

(4) انظر معاني الفراء 2/162.

(5) مرّ الشاهد رقم (124) .

7

قال الأخفش: سَوِيًّا نصب على الحال. قال أبو جعفر: و المعنى: يكفّ عن الكلام في هذه الحال.

فَأَوْحى‏ََ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا ظرفان، و زعم الفراء أنّ العشيّ يؤنّث و يجوز تذكيره إذا أبهمت. قال: و قد يكون العشيّ جمع عشيّة.

يََا يَحْيى‏ََ خُذِ اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ و من أخذ يأخذ. الأصل أوخذ، حذفت الهمزة الثانية لكثرة الاستعمال، و قيل لاجتماع حرفين من حروف الحلق، و استغني عن الهمزة و كسرت الذال لالتقاء الساكنين. وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا على الحال.

وَ حَنََاناً عطف على الحكم. و في معناه قولان عن ابن عباس أحدهما قال:

تعطّف اللّه جلّ و عزّ عليه بالرحمة، و القول الآخر: ما أعطيه من رحمة الناس حتّى يخلّصهم من الكفر و الشرّ. وَ زَكََاةً في معناه قولان: أحدهما أنه أعطي الزيادة في الخير و النماء فيه، و القول الآخر أنّ اللّه جلّ و عزّ زكّاه بأن وصفه أنه زكيّ تقيّ فقال جلّ و عزّ: وَ كََانَ تَقِيًّا .

وَ بَرًّا بِوََالِدَيْهِ عطف على تقي.

وَ سَلاََمٌ عَلَيْهِ رفع بالابتداء، و حسن الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى الدعاء.

و معنى سلام عليك و سلام اللّه عليك واحد في اللغة.

فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا و هو جبرائيل عليه السلام. سمّي روحا لأنه يأتي بما يحيا به العباد من الوحى فلما كان ما يأتي به يحيا العباد به سمّي روحا و لهذا سمّي عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم روحا فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَراً سَوِيًّا على الحال.

8

قََالَ إِنَّمََا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ابتداء و خبر. لِأَهَبَ لَكِ (1) قراءة أكثر الناس و هي الصحيحة عن نافع بن أبي نعيم. حكى ذلك أبو عبيد و إسماعيل بن إسحاق و غيرهما من أهل الضبط إلاّ ورشا فإنه روى عنه ليهب (2) و قراءة أبي عمرو ليهب (3) بلا اختلاف عنه. قال أبو عبيد: و هذا مخالف لجميع المصاحف كل‏ها: قال: و لو جاز أن يغيّر حرف من المصحف للرأي لجاز في غيره. قال: و في هذا تحويل القرآن حتى لا يعرف المنزل منه من غيره قال أبو جعفر: «ليهب» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد لأهب ثم يخفف الهمزة، و الآخر يكون على غير تخفيف الهمزة: و يكون معناه ارسلني ليهب، و من يقرأ «لأهب» فتقديره: قال لأهب لأن في قوله: إِنَّمََا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ما يدلّ على هذا.

وَ لَمْ يَمْسَسْنِي ظهر التضعيف لما سكن الحرف الثاني. بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا الأصل أكن و قد ذكرناه‏ (4) .

وَ كََانَ أَمْراً مَقْضِيًّا الأصل مقضويّ ثم أدغمت الواو في الياء.

ظرف و إن شئت كان مفعولا أي قصدت به مكانا قصيا.

فَأَجََاءَهَا اَلْمَخََاضُ إِلى‏ََ جِذْعِ اَلنَّخْلَةِ قيل: لأنها طلبت الظلّ. قََالَتْ يََا لَيْتَنِي مِتُّ من قال متّ ففي تقديره قولان: أحدهما أنه من متّ أمات مثل خفت أخاف، و الآخر هو قول سيبويه أنه من متّ أموت، و زعم سيبويه‏ (5) أنه جاء في كلام العرب على فعلت أفعل: فضل يفضل، و متّ تموت، و لا يعرف غيرهما. وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (6) قراءة أهل الحرمين و أبي عمرو و عاصم و الكسائي، و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة وَ كُنْتُ نَسْياً بفتح النون. قال أبو جعفر: كسر النون في هذا أولى في العربية لجهتين: إحداهما أن

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/170.

(2) انظر تيسير الداني 120، و معاني الفراء 2/163، و البحر المحيط 6/170.

(3) انظر تيسير الداني 120، و معاني الفراء 2/163، و البحر المحيط 6/170.

(4) مرّ في إعراب الآية 109-هود.

(5) انظر الكتاب 4/486.

(6) انظر تيسير الداني 121.

9

المفتوحة مصدر و المكسورة اسم، و الاسم هاهنا أولى من المصدر، و الجهة الأخرى أن المصدر إنما تستعمله العرب هاهنا على فعلان فيقولون: نسيت نسيانا.

فَنََادََاهََا مِنْ تَحْتِهََا فأما أهل المدينة و أهل الكوفة و أهل البصرة إلاّ الحسن و أبا عمرو النّخعي و عاصما فإنهم قرءوا من تحتها (1) بفتح الميم. فزعم أبو عبيد أن من قرأ «من تحتها» جاز في قراءته أن يكون لجبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم و لعيسى عليه السلام، و من قرأ «من تحتها» فهو لعيسى صلّى اللّه عليه و سلّم خاصّة. قال أبو جعفر: «من» اسم و «تحتها» ظرف و لا يمتنع أن يكون معناه لجبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم كما كان في الأول‏ (2) .

فيه ستّ قراءات: قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و عاصم و الكسائي تُسََاقِطْ بالتاء و تشديد السين، و قرأ الأعمش و حمزة تساقط بالتاء و تخفيف السين، و قرأ البراء بن عازب يسّاقط بالياء و تشديد السين، و قرأ مسروق بن الأجدع تسقط و القراءتان الباقيتان تُسََاقِطْ و نساقط . قال أبو جعفر: فالقراءة الأولى أصلها تتساقط ثم أدغمت التاء في السين، و الثانية على الحذف، و الثالثة على الإدغام و لا يجوز معها الحذف. و نصب رطب في هذه القراءات الثلاث على البيان كما قال: [الطويل‏] 283-

فلو أنّها نفس تموت سويّة # و لكنّها نفس تساقط أنفسا (3)

و حكى أبو إسحاق عن أبي العباس أنه منصوب بهزّي، و القراءة الرابعة على أن يكون منصوبا بتسقط أو بهزّي، و كذا الخامسة. قال أبو إسحاق: و من قرأ نساقط أراد: نساقط نحن عليك رطبا جنيّا ليكون ذلك آية. قال أبو جعفر: و الرطب يذكّر على معنى الجنس و يؤنث على معنى الجماعة.

فَكُلِي وَ اِشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً قال أبو إسحاق: فكلي من الرطب و اشربي من الماء.

قال و عَيْناً منصوب على التمييز. قال أبو جعفر: الأصل أ أكلي بهمزتين فحذفت

____________

(1) انظر تيسير الداني 121.

(2) انظر البحر المحيط 6/175، و تيسير الداني 121، و معاني الفراء 2/166.

(3) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 107، و سرّ صناعة الإعراب 2/648، و شرح المفصّل 9/8، و لسان العرب (جمع) ، و تفسير الطبري 13/152، و شرح القصائد السبع لابن الأنباري 423.

10

إحداهما لاجتماعهما و كثرة الاستعمال، و كان القياس أن تخفّف الثانية فتكون واوا فيقال أوكل كما يقال: أوجر فلان من الأجر، فلمّا حذفت الهمزة الثانية استغني عن الأولى فقيل: كلي، و حذفت النون لأن الفعل غير معرب و للجزم عند الكوفيين و كذا و اشربي و قرّي. قال الأصمعي: قررت به عينا، مشتقّ من القرّ أي بردت عيني فلم تدمع فتسخن، و قال أبو عمرو الشيباني: هو من قررت في المكان أي قرّت عيني فنامت و لم تسهر، و قيل: معناه قررت أي هدأت لمّا نلت ما كنت متطلعا إليه. فَإِمََّا تَرَيِنَّ في موضع جزم بالشرط. و الأصل فإما تريي، زيدت النون توكيدا، و صلح ذلك في الخبر لدخول «ما» ، و حكى سيبويه‏ (1) ، «بألم ما تختننّه» (2) و لو نطق به بغير نون لكان «فإما ترى» فلمّا زدت النون رددته إلى أصله و كسرت الياء لالتقاء الساكنين، و كانت الكسرة أولى للفرق بين المذكّر و المؤنّث ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على الراء و حذفت فصار ترين. فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنْسِيًّا مشتق من آنس إذا علم و أبصر، و الانسيّ مبصر معلوم به و الجمع «أناسي» ، تزاد الألف ثالثة، كما يعمل في المجموع فتقول: بختيّ و بخاتيّ و ذلك كثير معروف.

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهََا تَحْمِلُهُ في موضع الحال.

يََا أُخْتَ هََارُونَ نداء مضاف. و الأصل أخوة يدلّ على ذلك أخوات و قال محمد بن يزيد: حذفت الواو فرقا بين المتشبّث و غير المتشبّث. و لا نعلم أحدا سبق أبا العباس إلى هذا القول مع حسنه و جودته. و زعم الفراء أنه إنما ضمّت الهمزة في قولهم أخت و كسرت الباء في قولهم: بنت للفرق بين ما حذفت منه الواو و بين ما حذفت منه الياء فالضمة علم الواو و الكسرة علم الياء. و ذكر محمد بن يزيد أن هذا القول خطأ.

قال أبو جعفر: في قوله: «يا أخت هارون» قولان للعلماء: أحدهما أن هارون كان رجلا صالحا فقالوا يا أخت هارون أي يا شبيهته في الصّلاح، و إنما المؤمنون إخوة من هذا، و آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بين أصحابه. و روى جعفر عن سعيد بن جبير أنه كان رجل فاسق يقال له هارون فقالوا لها: يا أخت هارون. قال أبو جعفر: و القول الأول أولى لأن فيه حديثا مسندا.

____________

(1) انظر الكتاب 3/580.

(2) ورد المثل في خزانة الأدب 11/403، و مجمع الأمثال 1/107، و المعنى: لا يكون الختان إلا بألم، أي إنّ الخير لا يدرك إلا باحتمال المشقّة.

11

قََالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن تكون «كان» زائدة و نصب صَبِيًّا على الحال، و العامل فيه الاستقرار، و قيل: «كان» بمعنى وقع نصب صبيّ على الحال إلاّ أن العامل فيه كان، و القول الثالث قول أبي إسحاق. قال:

من للشرط، و المعنى: من كان في المهد صبيا فكيف نكلّمه؟قال: كما تقول: من كان لا يسمع و لا يبصر فكيف أخاطبه؟قال أبو جعفر: و إنما احتاج النحويون إلى هذه التقديرات؛ لأن الناس كلّهم كانوا في المهد صبيانا و لا بد من أن يبيّن عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم بشي‏ء منهم و قد حكى سيبويه زيادة كان، و أنشد: [الوافر] 284-

فكيف إذا مررت بدار قوم # و جيران لنا كانوا كرام‏ (1)

و حكى النحويون: ما كان أحسن زيدا و قالوا على إلغاء كان.

قََالَ إِنِّي عَبْدُ اَللََّهِ آتََانِيَ اَلْكِتََابَ في معناه قولان: أحدهما قدّر أن يؤتينيه، و الآخر أنّ اللّه جلّ و عزّ أكمل عقله و آتاه الكتاب و جعله نبيا و هو في المهد. قال قتادة: في المهد أي في الحجر.

وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا مشتقّ من البركة و هو الثبوت على الخير. و كان ثابتا على الخير مشبا، كما قال عمرو بن قيس: معنى «و جعلني مباركا» معلّما مؤدبا. و بيّن هذا ما رواه شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلميّ عن عثمان عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و روى عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «خيركم من علم القرآن و علّمه» (2)

و روى شريك عن عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن عن عبد اللّه بن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «خيركم من علم القرآن و أقرأه» . وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ قال أبو إسحاق: «الزكاة» الطهارة، و قال غيره و أوصاني بالزكاة أن أؤدّيها إذا وجبت علي و آمر بها، مََا دُمْتُ حَيًّا خبر دمت و على الحال عند الفراء.

وَ بَرًّا بِوََالِدَتِي قال الكسائي: هو نسق على مبارك أي و جعلني برا. و قرأ ابن

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (81) .

(2) أخرجه الترمذي في سننه-فضائل القرآن 11/32، و ابن ماجة في سننه-المقدمة الحديث 211، 212، و أبو داود في سننه حديث رقم (1452) .

12

نهيك و برّ بوالدتي بمعنى و أوصاني بالصلاة و الزكاة و برّ بوالدتي.

وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا آخر كلام عيسى عليه السلام فلمّا تكلّم في حجر أمّه ظهرت لهم الآية.

ذََلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اَلْحَقِّ قال الكسائي: «قول الحقّ» نعت، و قال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق، و قيل: التقدير هذا الكلام قول الحق. و قرأ عاصم و عبد اللّه بن عامر قَوْلَ اَلْحَقِّ بالنصب. قال الفراء (1) : بمعنى حقّا. قال أبو إسحاق: هو مصدر أي أقول قول الحق؛ لأن ما قبله يدلّ عليه.

مََا كََانَ لِلََّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أَنْ في موضع رفع اسم كان مِنْ وَلَدٍ في موضع نصب و «من» زائدة للتوكيد، و حقيقة هذا أنك إذا قلت: ما اشتريت فرسا، جاز أن يكون المعنى أنك ما اشتريت شيئا البتة، و جاز أن يكون المعنى أنك اشتريت أفراسا.

فإذا قلت: ما اشتريت فرسين، جاز فيه ثلاثة أوجه: منها أن يكون لم تشتر شيئا، و جاز أن تكون اشتريت واحدا، و جاز أن تكون اشتريت أكثر من اثنين. فإذا قلت: ما اشتريت من فرس صار المعنى أنك لم تشتر من هذا الجنس شيئا البتة. سُبْحََانَهُ مصدر فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2) قراءة الجماعة، و قرأ ابن عامر الشامي فيكون .

وَ إِنَّ اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ قراءة أهل المدينة و قراءة أهل الكوفة و «إنّ» (3) بكسر الهمزة على أنه مستأنف، و في الفتح أقوال: فمذهب الخليل و سيبويه رحمهما اللّه أن المعنى و لأن «ربّي و ربّكم» ، و كذا عندهما وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلاََ [الجنّ: 18]فإنّ في موضع نصب عندهما، و أجاز الفراء (4) أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، و أجاز أيضا أن يكون في موضع خفض بمعنى «و أوصاني بالصلاة و الزكاة و بأن اللّه ربي و ربكم» ، و أجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى «و الأمر أن اللّه ربي و ربكم» ،

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/168.

(2) انظر تيسير الداني 121.

(3) انظر تيسير الداني 121 و هي قراءة ابن عامر و الكوفيين.

(4) انظر معاني الفراء 2/168.

13

و فيها قول خامس حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله، و هو أن يكون المعنى:

و قضى أنّ اللّه ربّي و ربكم.

أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا مبني على السكون لأن لفظه لفظ الأمر و معناه معنى التعجّب: ما أسمعهم و ما أبصرهم!

وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْحَسْرَةِ قد ذكرناه و روي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال: ما من أحد يدخل النار إلاّ و له بيت في الجنة فيتحسّر عليه، و قيل: تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. و أن معنى: إِذْ قُضِيَ اَلْأَمْرُ عرّف كلّ إنسان ما له و ما عليه، و قيل: التقدير:

و أنذرهم خبر يوم الحسرة إذ قضي الأمر فخبّر أنّهم معذّبون.

إِنَّهُ كََانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا خبر «كان» و «نبيّا» من نعته، و يجوز أن يكون خبرا ثانيا، و أن يكون حالا من المضمر.

قال أبو إسحاق: الوقف إذ قال لأبيه يا أبه بالهاء لأنها هاء تأنيث، و قال أبو الحسن بن كيسان: الوقف بالتاء لأنه مضاف إلى ما لا ينفصل، كما تقول: هذه نعمتي. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا (1) هذا في سورة «يوسف» بأكثر من هذا. قال الكسائي: عصيّ و عاصي واحد.

قََالَ أَ رََاغِبٌ رفع بالابتداء، و «أنت» فاعل سدّ مسدّ الخبر، كما تقول: أ قائم أنت؟ و حسن الابتداء بالنكرة لما تقدمها.

قََالَ سَلاََمٌ عَلَيْكَ صلح الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى المنصوب و فيها في هذا الموضع معنى التفرّق و الترك، و مثله‏ وَ إِذََا خََاطَبَهُمُ اَلْجََاهِلُونَ قََالُوا سَلاََماً [الفرقان: 63].

سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي أي إن أسلمت و تبت. إِنَّهُ كََانَ بِي حَفِيًّا قال علي بن أبي

____________

(1) انظر إعراب الآية 4: يوسف.

14

طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنه: أي لطيفا. قال الكسائي: قال: حفي به حفاوة و حفوة. و قال الفراء (1) : «إنه كان بي حفيا» أي عالما يجيبني إذا دعوته. قال أبو إسحاق: و يقال: قد تحفّى فلان بفلان حفوة إذا ألطفه و برّه.

وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ «ما» في موضع نصب لأنها معطوفة أي و اعتزل ما تدعون.

وَ جَعَلْنََا لَهُمْ لِسََانَ صِدْقٍ أي قول صدق، كما قال أعشى باهلة: [البسيط] 285-

إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها # من علو لا عجب فيها و لا سخر (2)

و أنّث اللسان في هذا البيت، و هي لغة معروفة، و إن كان القرآن قد جاء بالتذكير.

قال جلّ و عزّ عَلِيًّا و هو نعت للسان، و قال الآخر: [الوافر] 286-

ندمت على لسان فات منّي # فليت بيانه في جوف عكم‏ (3)

وَ كََانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا مشتقّ من الرّضوان، و الأصل مرضوّ عند سيبويه أبدل من الواو ياء؛ لأنها أخفّ، و كذا مسنيّة و إنما أبدل من الواو ياء لأنها قبلها ضمة و الساكن ليس بحاجز حصين، و قال الكسائي و الفراء (4) من قال: مرضي بناه على رضيت. قالا:

و أهل الحجاز يقولون: مرضو، و فيه قول ثالث حكاه الكسائي و الفراء (5) قالا: من العرب من يقول: رضوان و رضيّان فرضوان على مرضو و رضيّان على مرضي، و لا يجيز البصريون أن يقال إلاّ رضوان و ربوان. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يقول:

يخطئون في الخطّ فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشدّ من هذا فيكتبون ربيان، و لا يجوز إلاّ ربوان و رضوان قال اللّه جلّ و عزّ وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوََالِ اَلنََّاسِ [الروم: 39].

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/169.

(2) الشاهد لأعشى باهلة في إصلاح المنطق 26، و الأصمعيات 88، و جمهرة اللغة 950، و خزانة الأدب 6/511، و سمط اللآلي 75، و شرح المفصّل 4/90، و لسان العرب (سخر) و (لسن) ، و المؤتلف و المختلف 14، و بلا نسبة في خزانة الأدب 1/191، و لسان العرب (علا) .

(3) الشاهد للحطيئة في ديوانه 122، و تخليص الشواهد 292، و خزانة الأدب 4/152، و شرح شواهد الإيضاح 503، و لسان العرب (عكم) ، و (لسن) ، و نوادر أبي زيد 33، و بلا نسبة في خزانة الأدب 10/ 244.

(4) انظر معاني الفراء 2/169.

(5) انظر معاني الفراء 2/169.

15

وَ قَرَّبْنََاهُ نَجِيًّا نصب على الحال. قال الفراء: نجيّ مثل جليس قال: و نجيّ و نجوى يكونان اسمين و مصدرين.

وَ وَهَبْنََا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنََا أَخََاهُ هََارُونَ بدل من الأخ و لم ينصرف لأنه معرفة عجمي، و كذا إدريس عليه السلام.

خَرُّوا سُجَّداً على الحال. وَ بُكِيًّا عطف عليه و قيل هو مصدر أي و بكوا بكيا.

و يقال: بكى يبكي بكاء و بكي و بكيّا إلاّ أن الخليل رحمه اللّه قال: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن أي ليس معه صوت. قال: [الوافر] 287-

بكت عيني و حقّ لها بكاها # و ما يغني البكاء و لا العويل‏ (1)

فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا الغيّ في اللغة الخيبة. قال أبو جعفر: و قد ذكرناه.

إِلاََّ مَنْ تََابَ في موضع نصب على الاستثناء. قال أبو إسحاق: و يجوز أن يكون المعنى لكن من تاب. فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ وَ لاََ يُظْلَمُونَ شَيْئاً .

جَنََّاتِ عَدْنٍ على البدل. قال أبو إسحاق: و يجوز جنّات عدن» على الابتداء.

قال أبو حاتم: و لو لا الخطّ لجاز جنّة عدن، لأن قبله يدخلون الجنة. إِنَّهُ كََانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا قال الكسائي: أي يؤتى إليه و يصار، و زعم القتبيّ‏ (2) : أنّ مأتيا بمعنى آت و مائتي مهموز لأنه من أتى يأتي و من خفّف الهمزة جعلها ألفا.

____________

(1) الشاهد لحسان بن ثابت في جمهرة اللغة 1027، و ليس في ديوانه، و لعبد اللّه بن رواحة في ديوانه ص 98، و تاج العروس (بكى) ، و لكعب بن مالك في ديوانه ص 252، و لسان العرب (بكا) ، و لحسان أو لكعب أو لعبد اللّه في شرح شواهد الشافية ص 66، و بلا نسبة في أدب الكاتب ص 304، و مجالس ثعلب 109، و المنصف 3/40.

(2) القتبيّ: هو ابن قتيبة، انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة 274.

16

لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً إِلاََّ سَلاََماً قال الأخفش سعيد: و هذا على الاستثناء الذي ليس من الأول، قال: و إن شئت كان بدلا أي لا يسمعون إلا سلاما. وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهََا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا ظرفان. قال أبو إسحاق: أي يقسم لهم في هذين الوقتين ما يحتاجون إليه في كلّ ساعة. قال الأخفش: أي على مقادير الغداة و العشيّ مما في الدنيا لأنه ليس هناك ليل و لا نهار إنما هو نور العرش.

قال الأخفش: لَهُ مََا بَيْنَ أَيْدِينََا أي قبل أن نخلق وَ مََا خَلْفَنََا ما يكون بعد الموت. وَ مََا بَيْنَ ذََلِكَ مذ خلقنا.

فَاعْبُدْهُ وَ اِصْطَبِرْ لِعِبََادَتِهِ الأصل اصتبر فثقل الجمع بين التاء و الصاد لاختلافهما فأبدل من التاء طاء، كما تقول من الصوم: اصطام.

قرأ أهل الكوفة إلا عاصما و أهل مكة و أبو عمرو و أبو جعفر أ و لا يذكر الإنسان (1) و قرأ شعبة و نافع و عاصم أَ وَ لاََ يَذْكُرُ بالتخفيف، و في حرف أبيّ أ و لا يتذكّر و هذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخطّ المصحف؛ لأن الأصل في يذّكّر يتذكر فأدغمت التاء في الذال. و معنى يتذكّر: يتفكّر، و معنى يذكر يتنبّه و يعلم.

فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ اَلشَّيََاطِينَ عطف على الهاء و الميم و الشياطين الذين أغووهم ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (2) نصب على الحال. و الأصل جثوّ أبدل من الواو ياء؛ لأنها ظرف، و الجمع بابه التغيير. و من قال: جثيّ أتبع الكسرة الكسرة.

و هذه آية مشكلة في الإعراب لأن القراء كلّهم يقرءون أَيُّهُمْ بالرفع إلاّ

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 410، و البحر المحيط 6/195، و هذه قراءة أبي بحرية و الحسن و شيبة و ابن أبي ليلى و ابن مناذر و أبي حاتم.

(2) انظر تيسير الداني 121.

17

هارون القارئ، فإن سيبويه حكى عنه ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة أيّهم (1) بالنصب أوقع على أيّهم لننزعنّ. قال أبو إسحاق: في رفع «أيّهم» ثلاثة أقوال: قال الخليل بن أحمد-حكاه عنه سيبويه‏ (2) -إنه مرفوع على الحكاية، و المعنى عنده: ثم لننزعنّ من كلّ شيعة الذي يقال من أجل عتوّه أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، و أنشد الخليل: [الكامل‏] 288-

و لقد أبيت من الفتاة بمنزل # فأبيت لا حرج و لا محروم‏ (3)

أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج و لا محروم. قال أبو جعفر: و رأيت أبا إسحاق يختار هذا القول و يستحسنه، قال: لأنه بمعنى قول أهل التفسير، و زعم أن معنى «ثم لننزعنّ من كلّ شيعة» ثم لننزعنّ من كلّ فرقة الأعتى فالأعتى، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم عتيا ثمّ الذي يليه. و هذا نص كلام أبي إسحاق في معنى الآية. و قال يونس: لننزعن بمنزلة الأفعال التي تلغى فرفع «أيّهم» بالابتداء. و قال سيبويه‏ (4) : «أيّهم» مبني على الضم لأنها خالفت أخواتها في الحذف لأنك لو قلت: رأيت الذي أفضل منك، و من أفضل، كان قبيحا حتى تقول: من هو أفضل، و الحذف في أيّهم جائز. قال أبو جعفر: و ما علمت أن أحدا من النحويين إلاّ و قد خطّأ سيبويه في هذا. سمعت أبا إسحاق يقول: ما يبين لي أنّ سيبويه غلط في كتابه إلاّ في موضعين هذا أحدهما، قال:

و قد علمنا سيبويه أنه أعرب «أيّا» و هي منفردة؛ لأنها تضاف فكيف يبنيها و هي مضافة؟ و لم يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. قال أبو جعفر: و فيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق، قال الكسائي: لننزعنّ واقعة على المعنى كما تقول: لبست من الثياب، و أكلت من الطعام، و لم يقع لننزعن على أيّهم فينصبها. و قال الفراء: المعنى ثم لننزعن بالنداء. و معنى لننزعن لننادين إذا كان معناه لننزعن بالنداء. قال أبو جعفر: و حكى أبو بكر بن شقير أنّ بعض الكوفيين يقول:

في أيّهم معنى الشرط و المجازاة، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها، و المعنى ثم لننزعن من كلّ فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا كما تقول: ضربت القوم أيّهم غضب، و المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا، فهذه ستة أقوال، و سمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال: أيّهم متعلّق بشيعة فهو مرفوع لهذا، و المعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/196، و مختصر ابن خالويه 86.

(2) انظر الكتاب 2/420.

(3) الشاهد للأخطل في ديوانه 616، و الكتاب 2/81، و تذكرة النحاة 447، و خزانة الأدب 3/254، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 488، و شرح المفصّل 3/146، و لسان العرب (ضمر) ، و بلا نسبة في الإنصاف 1/710، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 80، و شرح المفصّل 7/87.

(4) انظر الكتاب 2/420.

18

أيهم، أي من الذين تعاونوا فنظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيا. و هذا قول حسن. و قد حكى الكسائي: إنّ التشايع التعاون، «عتيا» على البيان.

وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا قد ذكرنا فيه أقوالا: قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة قالوا: يا ربنا إنك وعدتنا أن نرد النار، فيقال لهم: إنكم وردتموها و هي خامدة.

قال أبو جعفر: و من أحسن ما قيل فيه، أعني في الآية-أن المعنى: و إن منكم إلاّ وارد القيامة لأن اللّه جلّ و عزّ قال في المؤمنين: لاََ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهََا [الأنبياء: 108]، و قال جلّ ثناؤه: فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ* [المائدة: 69 و الأنعام: 48] و دلّ على أنّ المضمر للقيامة فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ فالحشر إنما هو في القيامة ثم قال جلّ و عزّ: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا كََانَ عَلى‏ََ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا و اسم كان فيها مضمر أي كان ورودها. }فأما وَ نَذَرُ اَلظََّالِمِينَ فِيهََا جِثِيًّا فالإضمار للنار لأنها في القيامة فكنى عنها لمّا كانت فيها. و هذا من كلام العرب الفصيح الكثير. و قرأ عاصم الجحدري و معاوية بن قرة ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا (1) بفتح الثاء، و قرأ ابن أبي ليلى ثمة (2) :

«ثم» ظرف إلاّ أنه مبني لأنه غير محصّل فبني كما بني «ذا» و الهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف لأن الحركة في الوصل بيّنة، و يجوز أن تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاءا.

خَيْرٌ مَقََاماً منصوب على البيان، و كذا نَدِيًّا }و كذا أَحْسَنُ أَثََاثاً وَ رِءْياً فيه خمس قراءات‏ (3) : قرأ أهل المدينة و ريّا بغير همز، و قرأ أهل الكوفة و أبو عمرو وَ رِءْياً بالهمز، و حكى يعقوب أنّ طلحة قرأ و ريا بياء واحدة مخفّفة و روى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس هم أحسن أثاثا و زيّا بالزاي فهذه أربع قراءات، قال أبو إسحاق و يجوز هم أحسن أثاثا و ريئا بياء بعدها همزة. قال أبو جعفر: قراءة أهل المدينة في هذا حسنة، و فيها تقديران: أحدهما أن يكون «من رأيت» ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء و أدغمت الياء. و كذا هذا حسنا لتتّفق رؤوس الآيات

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/198.

(2) انظر البحر المحيط 6/198.

(3) انظر البحر المحيط 6/198، و كتاب السبعة لابن مجاهد 411، و معاني الفراء 2/171، و المحتسب 2/43.

19

لأنها غير مهموزات و على هذا قال ابن عباس: الريّ المنظر. و المعنى: هم أحسن أثاثا و لباسا، و الوجه الثاني أن يكون المعنى أنّ جلودهم مرتوية من النعمة فلا يجوز الهمز لأنه مصدر من رويت ريّا، و في رواية ورش: و ريّا، و من رواه عنه و رئيا بالهمز فهو يكون على الوجه الأول. و قراءة أهل الكوفة و أبي عمرو من رأيت على الأصل و قراءة طلحة بن مصرف و ريا بياء واحدة مخفّفة أحسبها غلطا، و قد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها و رئيا ثم حذفت الهمزة و الزيّ الهيأة: و القراءة الخامسة على قلب الهمزة.

حكى سيبويه راء بمعنى رأى.

قُلْ مَنْ كََانَ فِي اَلضَّلاََلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمََنُ مَدًّا قيل: المعنى: فليعش ما شاء فإنّ مصيره إلى الموت و العذاب. حَتََّى إِذََا رَأَوْا مََا يُوعَدُونَ إِمَّا اَلْعَذََابَ وَ إِمَّا اَلسََّاعَةَ . قال أبو إسحاق: هذا على البدل من «ما» و المعنى: حتّى إذا رأوا العذاب أو الساعة.

أَطَّلَعَ اَلْغَيْبَ ألف الاستفهام و فيه معنى التوبيخ، و حذفت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها.

وَ يَأْتِينََا فَرْداً على الحال.

فيه تقديران: أحدهما أن يكون «من» في موضع رفع البدل من الواو أي لا يملك الشفاعة إلا من اتّخذ، و التقدير الآخر: أي يكون من في موضع نصب استثناء ليس من الأول. و المعنى: لكن من اتّخذ عند الرحمن عهدا بأنّه يشفع له، و المعنى عند الفراء (1)

لا يملكون الشفاعة إلا لمن اتّخذ عند الرحمن عهدا، ليس أنّ اللام مضمرة و لكن المعنى عنده على هذا.

قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و عاصم وَلَداً بفتح الواو و اللام، و قرأ سائر

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/172.

20

الكوفيين ولدا بضم الواو و إسكان اللام. و فرّق أبو عبيد بينهما: فزعم أن الولد يكون للأهل و الولد جميعا. قال أبو جعفر: و هذا قول مردود عليه لا يعرفه أحد من أهل اللغة، و لا يكون الولد و الولد إلاّ لولد الرجل و ولد ولده إلاّ أن ولدا أكثر في كلام العرب، كما قال النابغة: [البسيط] 289-

مهلا فداء لك الأقوام كلّهم # و ما أثمّر من مال و من ولد (1)

قال أبو جعفر: و سمعت محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون ولد جمع ولد، كما يقال: وثن و وثن و أسد و أسد، و يجوز أن يكون ولد و ولد جمعا بمعنى واحد، كما يقال: عجمّ و عجم و عرب و عرب.

و قرأ أبو عبد الرحمن بفتح الهمزة، و يجوز شيئا أادّا كما تقول: رادّا، يقال؛ أدّ يؤدّ أدّا فهو أادّ، و الاسم الأدّ إذا جاء بشي‏ء عظيم منكر.

تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ على تأنيث الجماعة و يكاد على تذكير الجمع ينفطرن (2)

بالياء و النون قراءة أبي عمرو و عاصم و حمزة، و قرأ الأعمش و الحسن و نافع و الكسائي يَتَفَطَّرْنَ (3) بالياء و التاء و الأولى اختيار أبي عبيد، و احتجّ بقوله جلّ و عزّ إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ [الانفطار: 1]و لم يقل: تفطّرت. قال أبو جعفر: يتفطّرن بالياء و التاء في هذا الموضع أولى لأن فيه معنى التكثير فهو أولى لأنهم كفروا فكادت السموات تتشقّق فتسقط عليهم عقوبة بما فعلوه. وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا مصدر لأن معنى تخرّ تهدّ.

أَنْ في موضع نصب عند الفراء (4) بمعنى لأن دعوا و من أن دعوا و زعم الفراء أن الكسائي قال: هي في موضع خفض.

لأن اللّه جلّ و عزّ لا يشبهه شي‏ء، و ولد الرجل يشبهه.

____________

(1) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه 26، و الأشباه و النظائر 7/90، و خزانة الأدب 6/181، و لسان العرب (فدي) ، و بلا نسبة في خزانة الأدب 6/237، و شرح المفصّل 4/73.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 412. و البحر المحيط 6/205.

(3) انظر البحر المحيط 6/205.

(4) انظر معاني الفراء 2/173.

21

«آتِي» بالياء في الخط و الأصل التنوين فحذف تخفيفا و أضيف.

وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ على لفظ كلّ، و على المعنى آتوه.

سَيَجْعَلُ لَهُمُ اَلرَّحْمََنُ وُدًّا أي في قلوب المؤمنين. و لدّ جمع ألدّ، مثل أصمّ و صمّ.

هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ في موضع نصب أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً أي قد ماتوا و حصلوا على أعمالهم.

22

20 شرح إعراب سورة طه‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قراءة أهل المدينة و أبي عمرو بغير إمالة (1) ، و قراءة الكوفيين بالإمالة إلا عاصما فإنه روي عنه اختلاف. قال أبو جعفر: لا وجه للإمالة في هذا عند أكثر أهل العربية لعلتين: إحداهما أنه ليس هاهنا ياء و لا كسرة فتكون الإمالة، و العلة الأخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة فهاتان علتان بينتان. و قد اختار بعض النحويين الإمالة، فقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري: من كسر «طه» أمال إلى الكسر لأن المقصور الأغلب عليه الكسر إلى الإمالة، قال أبو جعفر: و هذا ليس بحجّة، و لا يجوز في كثير من المقصور الإمالة و لكن زعم سيبويه‏ (2) أن الإمالة تجوز في حروف المعجم فيقال: با تا ثا لأنها أسماء فيفرق بينها و بين الحروف نحو «لا» فإنها لا تمال لأنها حرف. قال أبو إسحاق: من قرأ طه‏`مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ (3) فالأصل عنده طأ، أي طإ الأرض بقدميك جميعا في الصلاة. فأبدل من الهمزة هاء، كما يقال: إيّاك و هيّاك و أرقت الماء و هرقت الماء. قال: و يجوز أن يكون على البدل الهمز فيكون الأصل: ط يا هذا، ثم جاء بالهاء لبيان الحركة في الوقف.

بعض النحويين يقول هذه لام النفي، و بعضهم يقول لام الجحود. قال أبو جعفر: و سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول في مثلها: إنها لام الخفض. و المعنى عنده: ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء. و الشقاء يمدّ و يقصر، و هو من ذوات الواو.

قال أبو إسحاق: هو بدل من يشقى أي ما أنزلناه إلاّ تذكرة. قال أبو جعفر: و هذا

____________

(1) انظر تيسير الداني 122.

(2) انظر الكتاب 4/248.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 87.

23

وجه بعيد، و القريب أنه منصوب على المصدر أو مفعول من أجله.

تَنْزِيلاً مصدر. مِمَّنْ خَلَقَ اَلْأَرْضَ وَ اَلسَّمََاوََاتِ اَلْعُلى‏ََ و لا يجوز عند الخليل و سيبويه أن يأتي مثل هذا إلاّ بالألف و اللام، و هو قول الكوفيين، و قال: محال: سقطت له ثنيّتان علييان لا سفليان، لأنه إنما يراد به المعرفة فإن أردت النكرة، و تفضيل شي‏ء على شي‏ء جئت بمن فقلت: سقطت له ثنية أعلى من كذا.

و يجوز النصب على المدح. قال أبو إسحاق: و يجوز الخفض على البدل من من، و قال سعيد بن مسعدة: الرفع بمعنى هو الرحمن. قال أبو جعفر: و يجوز الرفع بالابتداء و على البدل من المضمر الذي في خلق.

لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ في موضع رفع بالابتداء وَ مََا بَيْنَهُمََا وَ مََا تَحْتَ اَلثَّرى‏ََ عطف عليه.

وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ مجزوم بالشرط، و الجواب فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ أي و أخفى منه.

اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ مرفوع على البدل مما في «يعلم» ، أو على إضمار مبتدأ، أو بالابتداء. لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ رفع بالابتداء اَلْحُسْنى‏ََ من نعتها.

قرأ حمزة فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا (1) و كذا في القصص‏ (2) . قال أبو جعفر: و هذا على لغة من قال: مررت بهو يا هذا، فجاء به على الأصل، و هو جائز إلاّ أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة.

لأن معنى نودي: قيل له. قرأ الحسن و أبو جعفر و أبو عمرو نودي يا موسى

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/215، و كتاب السبعة لابن مجاهد 417، و قراءة حمزة و طلحة و نافع بضمّ الهاء.

(2) القصص: 29.

24

أنّي (1) بفتح الهمزة بمعنى نودي «بأنّي» و «أنّ» في موضع نصب، و من كسر فالمعنى عنده: قال إني.

و قرأ أهل المدينة و أهل البصرة بالواد المقدّس طوى (2) بغير تنوين، و قرأ أهل الكوفة طُوىً بالتنوين. قال أبو جعفر: الوجه ترك التنوين؛ لأنه مثل «عمر» معدول، و هو معرفة، و يجوز أن يكون اسما للبقعة فلا ينصرف أيضا، و من نوّن فزعم أبو إسحاق أنه يقدّره اسما للمكان غير معدول، مثل حطم و صرد. قال: و من قال: طوى فصرف جعله كضلع، و معى على أنه اسم للمكان، و يجوز ترك صرفه على أنه اسم للبقعة. قال أبو جعفر: من جعل طوى بمعنى ثنى نوّن لا غير، يأخذه من ثنيت الشي‏ء ثنى أي قدّس مرّتين. و في الحديث «لا ثنى في الصّدقة» (3) أي لا تثنى فتؤخذ مرّتين.

قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و عاصم و الكسائي وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ و قرأ سائر الكوفيين و إنّا اخترناك (4) و المعنى واحد إلاّ أن «و أنا اخترتك» هاهنا أولى من جهتين: إحداهما أنه أشبه بالخطّ، و الثانية أنه أولى بنسق الكلام لقوله جلّ و عزّ يََا مُوسى‏ََ`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ و على هذا النسق جرت المخاطبة.

وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي قال أبو إسحاق: فيه قولان يكون المعنى: أقم الصلاة لأن تذكرني فيها لأن الصلاة لا تكون إلاّ بذكر، و القول الآخر: أقم الصلاة متى ذكرتها كان ذلك في وقت صلاة. قال أبو جعفر: و فيها قول ثالث يكون المعنى: أقم الصّلاة لأن أذكرك بالمدح. و قرأ أبو عبد الرحمن و أبو رجاء و الشعبي أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِذِكْرِي (5) و في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تكون هذه ألف التأنيث، و الوجه الآخر أن تكون هذه الألف أبدلت من الياء، كما يقال: يا غلاما أقبل، و فعل ذلك لتتّفق رؤوس الآيات.

إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا آية مشكلة. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا شيئا مما قيل فيها. و عن سعيد بن جبير روايتان: إحداهما ما حدّثناه الحسن بن الفرج بغزّة قال:

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 417.

(2) انظر البحر المحيط 6/217.

(3) أخرجه الترمذي في سننه-الزكاة 3/174.

(4) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 417.

(5) انظر البحر المحيط 6/35، و معاني الفراء 2/176، و مختصر ابن خالويه 87.

25

حدّثنا يوسف بن عديّ قال: حدّثنا محمد بن سهل الكوفي عن ورقاء و هو ابن إياس عن سعيد بن جبير أنه قرأ أَكََادُ أُخْفِيهََا (1) بفتح الهمزة قال: أظهرها و ليس لهذه الرواية طريق غير هذا، و قد رواها أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل هذا. و أجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطّان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قرأ أَكََادُ أُخْفِيهََا (2) بضم الهمزة. قال أبو جعفر: يقال: خفى الشي‏ء يخفيه إذا أظهره، و قد حكي أنه يقال: أخفاه إذا أظهره، و ليس بالمعروف. قال أبو جعفر: و رأيت علي ابن سليمان لما أشكل عليه معنى أخفيها عدل إلى هذا القول، و قد قال معناه كمعنى أخفيها أي أظهرها. قال أبو جعفر: ليس المعنى على أظهرها و لا سيّما و أخفيها قراءة شاذة. فكيف نردّ القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة؟و معنى الضم أولى و يكون التقدير أنّ الساعة آتية أكاد آتي بها، و دلّ آتيه على آتي بها ثم قال جلّ و عزّ: أُخْفِيهََا على الابتداء. و هذا معنى صحيح لأن اللّه جلّ و عزّ قد أخفى الساعة التي هي يوم القيامة: و الساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل، و الأمر عنده مبهم و لا يؤخّر التوبة. و قيل: المعنى: أكاد أخفيها أي أقارب ذلك لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم، يجوز أن يكون قام، و أن يكون لم يقم، و دل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب، و قيل: إن المعنى أنّ الساعة آتية لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ و قيل:

المعنى أقم الصلاة لذكري لتجزى كلّ نفس بما تسعى.

فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا أي عن الإيمان بها، و بما فيها، مَنْ لاََ يُؤْمِنُ بِهََا وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ أي في الكفر بها فَتَرْدى‏ََ من ردي يردى إذا هلك.

وَ مََا تِلْكَ ابتداء و خبر، و فيه معنى التنبيه. و زعم الفراء أن تلك هاهنا اسم ناقص و صلته: بيمينك. قال أبو جعفر: و رأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول و يقول به، و المعنى عندهما: و ما التي بيمينك. و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس ينكر هذا القول، و يقول: لا يجوز أن توصل الأسماء المبهمة. }و يقال:

أَهُشُّ و «أهشّ» .

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/176.

(2) انظر البحر المحيط 6/219.

26

فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ ابتداء و خبر، و يجوز النصب، يقال: خرجت فإذا زيد جالس، و جالسا، على الحال. قال أبو جعفر: و قد شرحناه فيما تقدم. و الوقف حيه بالهاء.

سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: التقدير إلى سيرتها، مثل‏ وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ [الأعراف: 155]قال: و يجوز أن يكون مصدرا لأن معنى سنعيدها سنسيرها.

وَ اُضْمُمْ يَدَكَ إِلى‏ََ جَنََاحِكَ و يجوز في غير القرآن ضمّ بفتح الميم و كسرها و ضمّها لالتقاء الساكنين، و الفتح أجود لخفته، و الكسر على الأصل، و الضم اتباع. فإن جئت بالألف و اللام كان الكسر أجود، فإن جئت بمضمر غائب كان الضمّ أكثر و إظهار التضعيف، لأن الثاني قد سكن. و يد أصلها يدي على فعل. يدلّ على ذلك أيد، و تصغيرها يديّة لأنها مؤنّثة. تَخْرُجْ بَيْضََاءَ نصب على الحال، و لم تنصرف لأن فيها ألفي التأنيث لا يزايلانها فكأن لزومها علّة ثانية فلم تنصرف في النكرة و خالفتها الهاء لأن الهاء تفارق الاسم آيَةً أُخْرى‏ََ قال الأخفش: على البدل من بيضاء: و هو قول حسن؛ لأن المعنى في بيضاء: مبيّنة. قال أبو إسحاق: المعنى آتيناك آية أخرى، أو نؤتيك آية لأنه لما قال: تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ دلّ على أنه قد آتاه آية أخرى. قال:

و يجوز آية بالرفع بمعنى: هذه آية.

أي تجاوز في الكفر.

أي وسّعه و سهّل عليّ أداء ما أمرتني به.

و لم يقل: احلل كلما بلساني، فلذلك قال فرعون: و لا يكاد يبين.

مجزوم لأنه جواب الطلب.

}يكون على التقديم و التأخير، و يكونان مفعولين، و الأخ نعت، و التقدير و اجعل‏

27

هارون أخي وزيرا لي، و يجوز أن يكون هارون بدلا من وزير لأن المعرفة تبدل من النكرة، و يجوز الرفع.

على الدعاء، و عن الحسن و ابن أبي إسحاق أنهما قرءا اُشْدُدْ (1) بفتح الهمزة و ضم الدال الأولى و إسكان الثانية} وَ أَشْرِكْهُ (2) بضم الهمزة و إسكان الكاف يجعلان الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله: اجعل لي وزيرا من أهلي. و هذه القراءة شاذّة بعيدة؛ لأن جواب مثل هذا إنما ينجزم بمعنى الشرط و المجازاة فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيرا من أهلي أشدد به أزري و أشركه في أمري. و أمره النبوة و الرسالة، و ليس هذا إليه صلّى اللّه عليه و سلّم فيخبر به، و إنما يسأل اللّه جلّ و عزّ أن يشركه معه في النبوة. و عن ابن عباس «أشدد به أزري» أي قوّني، و عنه أي ظهري. قال أبو جعفر: و هو مشتقّ من الإزار، لأنه يشدّ به. و قد يقال للظهر: أزر لما فيه من القوة. و آزره قواه و ليس وزير من هذا، إنّما هو مشتقّ من الوزر، و هو الجبل.

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نعت لمصدر أي تسبيحا كثيرا و يجوز أن يكون نعتا لوقت، و الإدغام حسن، }و كذا وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً مدغم، }و كذا إِنَّكَ كُنْتَ بِنََا بَصِيراً لأن الحرفين من كلمتين «بصيرا» أي عليما بما يصلحنا.

أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي اَلتََّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ الضمير للتابوت فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُّ بِالسََّاحِلِ أمر. قال الفراء (3) : و فيه معنى المجازاة أي اقذفيه يلقه اليم. و كذا عنده‏ اِتَّبِعُوا سَبِيلَنََا وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ [العنكبوت: 12]. وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ََ عَيْنِي أي على علمي بك. و الإدغام جائز ليس في حسن الأول لبعد حروف الحلق.

ثُمَّ جِئْتَ عَلى‏ََ قَدَرٍ يََا مُوسى‏ََ في الوقت الذي أراد اللّه جل و عزّ أن يرسله.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/178، و البحر المحيط 6/225.

(2) انظر معاني الفراء 3/178.

(3) انظر معاني الفراء 2/179.

28

أي قوّيتك و علّمتك لتبلغ عبادي أمري و نهيي.

اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ عطف على المضمر، و حسن العطف عليه لمّا وكّدته.

إِنَّهُ طَغى‏ََ أي تجاوز في الكفر.

لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ قال أبو جعفر: قد ذكرناه‏ (1) .

قال الضحاك: يفرط يعجل، قال: و يطغى يعتدي. قال أبو جعفر: التقدير:

نخاف أن يفرط علينا منه أمر أي يبدر أمر. قال الفراء: يقال فرط منه أمر، قال: و أفرط أسرف، قال: و فرّط ترك. قال أبو إسحاق: أصله كلّه من التقديم.

إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرى‏ََ أي أسمع كلامه، و أرى فعله، و لا أخلّي بينه و بينكما.

وَ اَلسَّلاََمُ عَلى‏ََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدى‏ََ قال أبو إسحاق: أي من اتّبع الهدى سلم من سخط اللّه جلّ و عزّ و عذابه. قال: و ليس بتحية، قال: و الدليل على ذلك إنه ليس بابتداء لقاء، و لا خطاب. و روى زائدة عن الأعمش أنه قرأ اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ (2) بفتح اللام.

قََالَ فَمََا بََالُ اَلْقُرُونِ اَلْأُولى‏ََ قال: كيف يحيون و يجارون أي إن هذا بعيد، فأجابه موسى صلّى اللّه عليه و سلّم بأن اللّه جلّ و عزّ يعلمهما. } قََالَ عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتََابٍ و في معناه قولان:

أحدهما أنه تمثيل مجاز، و الآخر أنه حقيقة، و أنّ ذلك مكتوب تقرأه الملائكة فتستدلّ

____________

(1) ذكر في إعراب الآية 152: الأنعام.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 87، و هي قراءة أبي نهيك و نصير عن الكسائي أيضا.

29

على قدرة اللّه جلّ و عزّ و على عظمته. لاََ يَضِلُّ رَبِّي وَ لاََ يَنْسى‏ََ في معناه ثلاثة أقوال:

ذكر أبو إسحاق منها واحدا أنه نعت لكتاب أي لا يضلّه ربي و لا ينساه، و القول الثاني أنه قد تمّ الكلام ثم ابتدأ فقال: لا يضلّ ربي أي لا يهلك من قوله: أ إذا ضللنا في الأرض، و لا ينسى شيئا، و القول الثالث أشبهها بالمعنى أخبر اللّه جلّ و عزّ أنه لا يحتاج إلى كتاب، فالمعنى لا يضلّ عنه علم شي‏ء من الأشياء، و لا معرفتها، و لا ينسى علمه منها. و قرأ الحسن و قتادة و عيسى و عاصم الجحدري فِي كِتََابٍ لاََ يَضِلُّ رَبِّي (1) أي لا يضيّعه ربّي و لا ينساه.

اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً و قرأ الكوفيون مَهْداً (2) ، و مهادا هاهنا أولى؛ لأن مهدا مصدر و ليس هذا موضع مصدر إلاّ على حذف: أي ذات مهد. وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهََا سُبُلاً مجاز أي جعل لكم فيها السبل. وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً أي من نواحيها.

مِنْهََا خَلَقْنََاكُمْ أي من الأرض. قال أبو إسحاق: لأن آدم صلّى اللّه عليه و سلّم خلق من الأرض، و قال غير أبي إسحاق: النطفة مخلوقة من التراب. يدلّ على هذا ظاهر القرآن.

وَ لَقَدْ أَرَيْنََاهُ آيََاتِنََا كُلَّهََا المعنى: و لقد أرينا فرعون آياتنا التي أعطينا لموسى صلّى اللّه عليه و سلّم كلها. و الفائدة في هذا أن فرعون رأى الآيات كلّها عيانا لا خبرا فَكَذَّبَ وَ أَبى‏ََ أن يؤمن.

فَاجْعَلْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لاََ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لاََ أَنْتَ مَكََاناً سُوىً .

و قرأ الكوفيون سُوىً بضم السين، و الكسر أشهر و أعرف‏ (3) . قيل: معناه سوى ذلك المكان. و أهل التفسير على أن معنى سوى نصف و عدل، و هو قول حسن، و أصله من قولك: جلس في سواء الدار، أي في وسطها و في سواها. و وسط كلّ شي‏ء

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/233، و مختصر ابن خالويه 87.

(2) انظر البحر المحيط 6/234، و كتاب السبعة لابن مجاهد 418.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 418، و البحر المحيط 6/236.

30

أعدله. و في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم‏ وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: 143]أي عدلا. قال زهير: [الوافر] 290-

أرونا خطّة لا ضيم فيها # يسوّى بيننا فيها السّواء (1)

قََالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ مبتدأ و خبره. قال أبو إسحاق: المعنى وقت موعدكم يوم الزينة. و قرأ الحسن مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ (2) على الظرف. قال أبو إسحاق: أي يقع يوم الزينة وَ أَنْ يُحْشَرَ اَلنََّاسُ ضُحًى (أن) في موضع رفع، يعني على قراءة من قرأ «يوم الزينة» ظرف و أَنْ يُحْشَرَ اَلنََّاسُ بمعنى المصدر، فلا يعطف أحدهما على صاحبه إلا على حذف بمعنى و يوم أن يحشر الناس، و أولى من هذا أن تكون «أن» في موضع خفض عطفا على الزينة، و اَلضُّحى‏ََ مؤنثة تصغّرها العرب بغير هاء لئلاّ يشبه تصغيرها تصغير ضحوة.

قََالَ لَهُمْ مُوسى‏ََ وَيْلَكُمْ بمعنى المصدر. قال أبو إسحاق: أي الزمهم اللّه جلّ و عزّ ويلا، قال: و يجوز أن يكون نداء مضافا. فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذََابٍ (3) جواب النهي، و قرأ الكوفيون: فَيُسْحِتَكُمْ و الأولى لغة أهل الحجاز، و هذه لغة بني تميم، قال الفرزدق: [الطويل‏] 291-

و عضّ زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلاّ مسحتا أو مجلّف‏ (4)

و معنى لاََ تَفْتَرُوا عَلَى اَللََّهِ كَذِباً لا تقولوا: إنّ الذي أجي‏ء به من البراهين سحر وَ قَدْ خََابَ مَنِ اِفْتَرى‏ََ أي خاب من الرحمة و الثواب.

} قََالُوا إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ فيه ست قراءات‏ (5) قرأ المدنيون و الكوفيون إنّ هذان

____________

(1) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 84، و لسان العرب (سوا) ، و المخصص 12/60، و تهذيب اللغة 13/126، و تاج العروس (سوا) .

(2) انظر البحر المحيط 6/237.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 419.

(4) مرّ الشاهد رقم (432) .

(5) انظر القراآت في كتاب السبعة لابن مجاهد 419، و البحر المحيط 6/238، و معاني الفراء 2/183.

31

لساحران و قرأ أبو عمرو إنّ هذين لساحران و هذه القراءة مروية عن الحسن و سعيد بن جبير و إبراهيم النخعي و عيسى بن عمر و عاصم الجحدري، و قرأ الزهري و إسماعيل بن قسطنطين و الخليل بن أحمد و عاصم في إحدى الروايتين إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ بتخفيف إن.

فهذه ثلاث قراءات، قد رواها الجماعة عن الأئمة. و روي عن عبد اللّه بن مسعود إن هذان إلاّ ساحران و قال الكسائي: في قراءة عبد اللّه إن هذان ساحران بغير لام، و قال الفراء (1) : في حرف أبيّ إن ذان إلاّ ساحران فهذه ثلاث قراءات أخرى، تحمل على التفسير، إلا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف. قال أبو جعفر: القراءة الأولى للعلماء فيها ستة أقوال: منها أن يكون إنّ بمعنى نعم، كما حكى الكسائي عن عاصم قال العرب:

تأتي بإنّ بمعنى نعم، و حكى سيبويه: أنّ «إنّ» تأتي بمعنى أجل. و إلى هذا القول كان محمد بن يزيد و إسماعيل بن إسحاق يذهبان. قال أبو جعفر: و رأيت أبا إسحاق و أبا الحسن علي بن سليمان يذهبان إليه. و حدّثنا علي بن سليمان قال: حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن عبد السّلام النيسابوري، ثمّ لقيت عبد اللّه بن أحمد هذا فحدّثني قال: حدّثنا عمير بن المتوكل قال: حدّثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب قال: حدّثنا عمرو بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي و هو علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه. قال: لا أحصي كم سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على منبره يقول: «إنّ الحمد للّه نحمده و نستعينه ثم يقول: أنا أفصح قريش كلّها و أفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص» (2) قال أبو محمد: قال عمير: إعرابه عند أهل العربية في النحو إنّ الحمد للّه بالنصب إلاّ أن العرب تجعل «إنّ» في معنى نعم كأنه أراد: نعم الحمد للّه، و ذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح في خطبتها بنعم، و قال الشاعر في معنى نعم: [الكامل‏] 292-

قالوا: غدرت فقلت إنّ و ربّما # نال العلى و شفى الغليل الغادر (3)

و قال ابن قيس الرقيات‏ (4) : [مجزوء الكامل‏] 293-

بكر العواذل في الصّبوح # يلمنني و ألومهنّه

و يقلن شيب قد علاك # و قد كبرت، فقلت: إنّه‏

فعلى هذا جائز أن يكون قول اللّه عزّ و جلّ: إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ بمعنى نعم.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/184، و البحر المحيط 6/238.

(2) انظر تفسير الطبري 11/218.

(3) الشاهد بلا نسبة في تذكرة النحاة 732، و جواهر الأدب 348، و شرح المفصل 3/130.

(4) البيتان في ديوانه ص 66، و خزانة الأدب 11/213، و شرح أبيات سيبويه 2/375، و شرح شواهد المغني 1/126، و لسان العرب (أنن) ، و بلا نسبة في الكتاب 3/172، و أمالي ابن الحاجب ص 354، و جمهرة اللغة ص 61، و الجنى الداني 399، و جواهر الأدب 348، و رصف المباني 119، و سرّ صناعة الإعراب 2/492 و شرح المفصل 8/6، و لسان العرب (بيد) .

32

قال أبو جعفر: أنشدني داود بن الهيثم قال: أنشدني ثعلب: [الخفيف‏] 294-

ليت شعري هل للمحبّ شفاء # من جوى حبّهنّ إنّ اللّقاء (1)

أي: نعم، فهذا قول. و قال أبو زيد و الكسائي و الأخفش و الفراء: هذا على لغة بني الحارث بن كعب. قال الفراء: يقولون: رأيت الزّيدان، و مررت بالزّيدان و أنشد: [الطويل‏] 295-

فأطرق إطراق الشّجاع و لو يرى # مساغا لناباه الشّجاع لصمّما (2)

و حكى أبو الخطاب أنّ هذه لغة بني كنانة، و للفراء قول آخر قال: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا و لم أغيرها، كما قلت: الذي، ثم زدت عليها نونا فقلت: جاءني الذين عندك، و رأيت الذين عندك. قال أبو جعفر: و قيل: شبّهت الألف في قولك: هذان بالألف في يفعلان، فلم تغير. قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون: الهاء هاهنا مضمرة، و المعنى: إنّه هذان لساحران. فهذه خمسة أقوال، قال أبو جعفر: و سألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، و إن شئت أجبتك بقولي فقلت: بقولك، فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال: هذا في موضع الرفع و النصب و الخفض على حال واحدة، و كانت التثنية يجب أن لا يغيّر لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد، فقال: ما أحسن هذا لو تقدّمك بالقول به حتى يؤنس به، فقلت: فيقول القاضي «به» حتى يؤنس به؛ فتبسّم. قال أبو جعفر: القول الأول أحسن إلاّ أنّ فيه شيئا لأنه إنما قال: إنما يقال: نعم زيد خارج، و لا يكاد يقع اللام هاهنا، و إن كان النحويون قد تكلّموا في ذلك فقالوا: اللاّم ينوى بها التقديم. و قال أبو إسحاق: المعنى إنّ هذان لهما ساحران، ثمّ حذف المبتدأ كما قال: [الرجز] 296-

أمّ الحليس لعجوز شهربه‏ (3)

و القول الثاني من أحسن ما حملت عليه الآية إذ كانت هذه اللّغة معروفة، و قد

____________

(1) لم أجده في المراجع اللغوية.

(2) الشاهد للمتلمّس في ديوانه 34، و الحيوان 4/263، و خزانة الأدب 7/487، و المؤتلف و المختلف ص 71، و بلا نسبة في جمهرة اللغة 757، و سرّ صناعة الإعراب 2/704، و شرح الأشموني 1/34، و شرح المفصّل 3/128.

(3) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص 170، و شرح التصريح 1/174، و شرح المفصّل 3/130، و له أو لعنترة بن عروس في خزانة الأدب 10/323، و الدرر 2/187، و شرح شواهد المغني 2/604، و المقاصد النحوية 1/535، و بلا نسبة في لسان العرب (شهرب) ، و جمهرة اللغة ص 1121، و تاج العروس (شهرب) و (لوم) ، و أوضح المسالك 1/210، و تخليص الشواهد 358، و الجنى الداني ص 128، و رصف المباني 336، و سرّ صناعة الإعراب 1/378، و شرح الأشموني 1/141، و شرح ابن عقيل ص 185، و شرح المفصل 7/57، و مغني اللبيب 1/230، و همع الهوامع 1/140.

33

حكاها من يرتضى علمه و صدقه و أمانته، منهم أبو زيد الأنصاري، و هو الذي يقول؛ إذا قال سيبويه: حدّثني من أثق به فإنما يعنيني. و أبو الخطاب الأخفش، و هو رئيس من رؤساء أهل اللغة، روى عنه سيبويه و غيره. و من بين ما في هذا قول سيبويه: و اعلم أنّك إذا ثنّيت الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مدّ و لين، و هو حرف الإعراب. قال أبو جعفر: فقول سيبويه: و هو حرف الإعراب، يوجب أنّ الأصل أن لا يتغير إنّ هذان، جاء على أصله ليعلم ذلك و قد قال اللّه جلّ و عزّ: اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اَلشَّيْطََانُ [المجادلة: 19]و لم يقل: استحاذ، فجاء على هذا ليدل على الأصل إذ كان الأئمة قد رووها و تبيّن أنها الأصل، و هذا بيّن جدا. وَ يَذْهَبََا بِطَرِيقَتِكُمُ اَلْمُثْلى‏ََ تأنيث أمثل، كما يقال: الأفضل و الفضلى، و أنّثت الطريقة على اللفظ، و إن كان يراد بها الرجال، و يجوز أن يكون التأنيث على معنى الجماعة.

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قراءة أهل الأمصار إلاّ أبا عمرو فإنه قرأ فاجمعوا (1)

بالوصل و فتح الميم، و احتج بقوله جلّ و عزّ: فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى‏ََ [طه: 60]و فيما حكى عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو و من بحجّته أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، و هي القراءة التي عليها أكثر الناس، قال: لأنه احتجّ بجمع و قوله جلّ و عزّ: فَجَمَعَ كَيْدَهُ قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده فاجمعوا، و يقرب أن يكون بعده فأجمعوا أي اعزموا و جدّوا لما تقدّم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه.

يقال: أمر مجمع عليه. و قال أبو جعفر: تصحيح قراءة أبي عمرو فأجمعوا كلّ كيد و كلّ حيلة فضمّوه مع أخيه. ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا منصوب بوقوع الفعل عليه. و قول أبي عبيدة قال: يقال: أتيت الصفّ أي المصلى، فالمعنى عنده: أتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد. و زعم أبو إسحاق أنه يجوز أن يكون منصوبا على الحال.

قال هارون القارئ: لغة بني تميم عصيهم (2) و بها يأخذ الحسن. قال أبو جعفر: من كسر العين أتبع الكسرة الكسرة و قد ذكرناه‏ (3) . يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهََا تَسْعى‏ََ قال أبو إسحاق: «أن» في موضع رفع أي يخيل إليه سعيها، و زعم الفراء: «أنّ» موضعها موضع نصب أي بأنها ثم حذف الباء. و قرأ الحسن تخيّل (4) بالتاء. قال أبو عبيد:

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 419، و البحر المحيط 6/239.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 88، و البحر المحيط 6/241 و الإتحاف 186.

(3) انظر إعراب الآية 11 من سورة النساء.

(4) انظر البحر المحيط 6/241، و معاني الفراء 2/182.

34

أراد الحبال. قال أبو إسحاق: من قرأ بالتاء جعل «أنّ» في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي. قال: و يجوز أن تكون في موضع رفع على البدل، بدل الاشتمال، كما حكى سيبويه: ما لي بهم علم أمرهم. أي ما لي بأمرهم علم. قال: و أنشد: [الرجز] 297-

و ذكرت تقتد برد مائها (1)

أي ذكر برد ماء تقتد.

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ََ يقال: إنه خاف أن يفتن الناس لمّا ألقى السحرة حبالهم و عصيّهم، و كانوا بالبعد من الناس في ناحية، و فرعون و جنوده في ناحية، و موسى و هارون صلّى اللّه عليهما في ناحية. فخاف موسى صلّى اللّه عليه و سلّم أن يشبّه على النّاس إذ كانوا يتخيّلون أنّ الحبال و العصيّ تسعى، و أنها حيات فيتوهمون أنهم قد ساووا موسى صلّى اللّه عليه و سلّم فيما جاء به. }و يقال: إن موسى صلّى اللّه عليه و سلّم إنما خاف لأنه أبطأ عليه الأمر بإلقاء العصا فأوحى اللّه جلّ و عزّ إليه لاََ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلى‏ََ أي لا تخف الشّبه فإنّا سنبيّن أمرك حتى تعلو عليهم بالبرهان.

وَ أَلْقِ مََا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا فألقى العصا فتلقّفت حبالهم و عصيهم، و كانت حمل ثلاثمائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال و العصيّ إلاّ اللّه جل و عزّ. قال أبو إسحاق: الأصل في «خيفة» خوفة أبدل من الواو ياء لانكسار ما قبلها.

قال: و يجوز تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا بالرفع يكون فعلا مستقبلا في موضع الحال المقدّرة.

قال: و يجوز «أنّ ما صنعوا» بفتح الهمزة. أي لأن ما. كَيْدُ سََاحِرٍ بالرفع على خبر إنّ؛ و «ما» بمعنى الذي، و النصب على أن تكون ما كافة. و قرأ الكوفيون إلاّ عاصما كيد سحر (2) على إضافة النوع و الجنس، كما تقول: ثوب خزّ.

إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ اَلَّذِي عَلَّمَكُمُ اَلسِّحْرَ الضمير عائد على موسى صلّى اللّه عليه و سلّم، احتال فرعون في

____________

(1) الرجز لجبر بن عبد الرحمن في شرح أبيات سيبويه 1/285، و لأبي و جزة السعدي في معجم البلدان (تقتد) ، و لأحد الاثنين في المقاصد النحوية 4/183، و بلا نسبة في جمهرة اللغة 402، و الكتاب 1/ 204، و بعده:

«و عتل البول على أنسائها»

(2) انظر البحر المحيط 6/242، و كتاب السبعة لابن مجاهد 420.

35

التشبيه على الناس بهذا. فقال للسحرة: إن موسى كبيركم أي هو أحذق منكم بالسحر فواطأكم على هذا، و علّمكم إيّاه. فقطّع أيديهم و أرجلهم من خلاف، و صلّبهم حتّى ماتوا. وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنََا أَشَدُّ عَذََاباً وَ أَبْقى‏ََ قال أبو إسحاق: رفعت أيّا لأن لفظها لفظ الاستفهام فلم يعمل فيها ما قبلها لأنه خبر.

قال أبو إسحاق: «الذي» في موضع خفض على العطف. و المعنى: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و على اللّه جلّ و عزّ. قال: و يجوز أن يكون في موضع خفض على القسم.

فَاقْضِ مََا أَنْتَ قََاضٍ بحذف الياء في الوصل لسكونها و سكون التنوين، و تحذف في الوقف دلالة على أنها في الوصل بغير ياء و اختار سيبويه إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علّة التقاء الساكنين إِنَّمََا تَقْضِي هََذِهِ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا منصوبة على الظرف. و المعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. و أجاز الفراء (1) الرفع على أن يجعل «ما» بمعنى الذي.

مََا في موضع نصب معطوفة على الخطايا، و قيل: لا موضع لها و هي نافية أي ليغفر لنا خطايانا من السحر و ما أكرهتنا عليه، و الأولى أولى.

إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً الهاء كناية عن الحديث و الجملة خبر إنّ.

أَنْ أَسْرِ من أسرى، و أن أسر من سرى، لغتان فصيحتان. فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي اَلْبَحْرِ يَبَساً لاََ تَخََافُ دَرَكاً قراءة أهل الحرمين و أبي عمرو و عاصم و الكسائي و قرأ الأعمش و حمزة لا تخف دركا (2) و القراءة الأولى أبين لأنه بعده وَ لاََ تَخْشى‏ََ مجمع عليه بلا جزم. فالقراءة الأولى فيها ثلاث تقديرات: يكون في موضع الحال، و في موضع النعت لطريق على حذف فيه، و مقطوعة من الأول. و القراءة الثانية فيها تقديران: أحدهما الجزم على النهي، و الآخر الجزم على جواب الأمر و هو فاضرب. فأما وَ لاََ تَخْشى‏ََ إذا جزمت لا تخف فللنحويين فيه تقديران: أحدهما و هو الذي لا يجوز غيره أن يكون

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/187.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 421، و البحر المحيط 6/245، و هي قراءة أبي حيوة و طلحة أيضا.

36

مقطوعا من الأول، مثل‏ يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبََارَ ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ [آل عمران: 111]، و التقدير الآخر-ذكره الفراء (1) : أن يكون «و لا تخشى» ينوى به الجزم و تثبت فيه الياء-زعم كما قال الشاعر: [البسيط] 298-

هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا # من سبّ زبّان لم تهجو و لم تدع‏ (2)

و أنشد: [الوافر] 299-

ألم يأتيك و الأنباء تنمى # بما لاقت لبون بني زياد (3)

قال أبو جعفر: هذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب اللّه جلّ و عزّ على شذوذ من الشعر، و أيضا فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا؛ لأن الواو و الياء مخالفتان للألف لأنهما تتحركان و الألف لا تتحرك، فللشاعر إذا اضطر أن يقدّرهما متحرّكتين ثم يحذف الحركة للجزم، و هذا محال في الألف. و أيضا فليس في البيتين اضطرار يوجب هذا لأنهما إذا رويا بحذف الواو و الياء كانا وزنا صحيحا من البسيط و الوافر، يسمي الخليل الأول مطويا و الثاني منقوصا (4) .

على معنى التعظيم و المعرفة بالأمر.

أي أضلّهم عن الرشد، و ما هداهم إلى خير و لا نجاة لأنه قدّر أنّ موسى صلّى اللّه عليه و سلّم و من تبعه لا يفوتونه لأن بين أيديهم البحر، فلما ضرب موسى صلّى اللّه عليه و سلّم البحر بعصاه انفلق منه اثنا

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/187.

(2) الشاهد لزبّان بن العلاء في معجم الأدباء 11/158، و بلا نسبة في تاج العروس (زبب) ، و (زبن) ، و الإنصاف 1/24، و خزانة الأدب 8/359، و الدرر 1/162، و سرّ صناعة الإعراب 2/630، و شرح التصريح 1/87، و شرح شافية ابن الحاجب 3/184، و شرح شواهد الشافية 406، و شرح المفصّل 10/104، و لسان العرب (يا) ، و المقاصد النحوية 1/234، و الممتع في التصريف 2/537، و المنصف 2/115، و همع الهوامع 1/52.

(3) الشاهد لقيس بن زهير في الأغاني 17/131، و خزانة الأدب 8/359، و الدرر 1/162، و شرح أبيات سيبويه 1/340، و شرح شواهد الشافية 408، و شرح شواهد المغني 328، و المقاصد النحوية 1/ 230، و لسان العرب (أتى) ، و بلا نسبة في أسرار العربية 103، و الأشباه و النظائر 5/280، و الإنصاف 1/30، و أوضح المسالك 1/6، و الجنى الداني ص 50، و خزانة الأدب 9/524، و الخصائص 1/ 333، و رصف المباني 149، و سرّ صناعة الإعراب 1/87، و شرح الأشموني 1/168، و شرح شافية ابن الحاجب 3/184، و شرح المفصل 8/24، و مغني اللبيب 1/108.

(4) الطيّ: هو حذف الرابع الساكن من تفعيلة (مستفعلن) .

و النقص: هو حذف السابع الساكن من تفعيلة الوافر (مفاعلتن) بعد تسكين الخامس.

37

عشر طريقا، و بين الطرق الماء قائما كالجبال. فأخذ كلّ سبط طريقا، فلما أقبل فرعون و رأى الطرق في البحر و الماء قائما أوهمهم أنّ البحر فعل ذلك لهيبته فدخل هو و أصحابه فانطبق البحر عليهم.

أي أمرنا موسى صلّى الله عليه و سلّم أن يأمركم بالخروج معه ليكلّمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام.

وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى‏ََ أي في البرية.

أي لا تحملكم السّعة و العافية أن تعصوا؛ لأن الطغيان: التجاوز إلى ما لا يجب.

فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‏ََ و أكثر الكوفيين يقرأ يحلل (1) حكى أبو عبيد و غيره أنه يقال: حلّ يحلّ إذا وجب، و حلّ يحلّ إذا نزل. و المعنيان متقاربان إلاّ أن الكسر أولى لأنهم قد أجمعوا على قوله: وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذََابٌ مُقِيمٌ* [الزمر:

40]قال أبو إسحاق: فَقَدْ هَوى‏ََ فقد هلك صار إلى الهاوية و هي قعر النار.

قال وكيع عن سفيان: كنّا نسمع في قوله عزّ و جلّ: وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ أي من الشرك وَ آمَنَ أي بعد الشرك وَ عَمِلَ صََالِحاً صلى و صام ثُمَّ اِهْتَدى‏ََ مات على ذلك. و هذا أحسن ما قيل في الآية، و قال الفراء (2) : ثُمَّ اِهْتَدى‏ََ علم أنّ لذلك ثوابا و عليه عقابا.

-الآية-أمر أن يأمر قومه بالخروج معه ليسمعوا كلام اللّه جلّ و عزّ.

قََالَ هُمْ أُولاََءِ عَلى‏ََ أَثَرِي أي هم قريبا منّي. قال أبو حاتم: قال عيسى: بنو تميم يقولون هم أولى مرسلة مقصورة، و أهل الحجاز يقولون: أُولاََءِ ممدودة، و حكى الفراء (3) هم أولاء على أثري و زعم أبو إسحاق أن هذا لا وجه له، و هو كما قال: لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي، و لا يخلو من إحدى جهتين: إما أن

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/246، و كتاب السبعة لابن مجاهد 422.

(2) انظر معاني الفراء 2/188.

(3) انظر معاني الفراء 2/188.

38

يكون اسما مبهما فإضافته محال، و إما أن يكون بمعنى الذي فلا يضاف أيضا؛ لأن ما بعده من تمامه و هو معرفة. و قرأ عيسى هُمْ أُولاََءِ عَلى‏ََ أَثَرِي (1) و هو بمعنى أثر وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ََ أي عجلت بالمصير إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عنّي.

قََالَ فَإِنََّا قَدْ فَتَنََّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ أي اختبرناهم و امتحناهم بأن يستدلّوا على اللّه وَ أَضَلَّهُمُ اَلسََّامِرِيُّ أي دعاهم إلى الضلالة فاتّبعوه.

فَرَجَعَ مُوسى‏ََ إِلى‏ََ قَوْمِهِ غَضْبََانَ أَسِفاً على الحال قََالَ يََا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً وعدهم جل و عز الجنة إذا قاموا على طاعته، و وعدهم أنه يسمعهم كلامه.

أَ فَطََالَ عَلَيْكُمُ أي أ فطال عليكم الوقت الذي ينجز لكم فيه وعده فتوهمتم أنه لا ينجزه. حقيقته في النحو: أ فطال عليكم إنجاز العهد فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي لأنهم وعدوه أنهم يقيمون على إطاعة اللّه جلّ و عزّ.

قََالُوا مََا أَخْلَفْنََا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنََا أي قيل: هذا عامّ يراد به الخاصّ أي قال: الذين ثبتوا على طاعة اللّه ما أخلفنا موعدك بملكنا أي لم نملك ردّهم عن عبادة العجل.

وَ لََكِنََّا حُمِّلْنََا أَوْزََاراً مِنْ زِينَةِ اَلْقَوْمِ فَقَذَفْنََاهََا أي ثقل علينا حمل ما كان معنا من الحليّ فقذفناه في النار ليذوب. فَكَذََلِكَ أَلْقَى اَلسََّامِرِيُّ الكاف في موضع نصب أي فألقى السامريّ إلقاء مثل ذلك.

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً قيل: معناه متجسّدا عظيما، و قيل: معناه جسد لا روح فيه. لَهُ خُوََارٌ لأنه خرقه و ثقبه ليحتال في إخراج الصوت منه.

أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَلاََّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً بمعنى أنه لا يرجع إليهم. قال أبو إسحاق: و يجوز

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/248، و مختصر ابن خالويه 88.

39

أَلاََّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً (1) بالنصب على أن تنصب بأن، و الرفع أولى و قد ذكرناه.

وَ إِنَّ رَبَّكُمُ اَلرَّحْمََنُ اسم إنّ و خبرها.

لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عََاكِفِينَ خبر نبرح، و على الحال حَتََّى يَرْجِعَ إِلَيْنََا مُوسى‏ََ نصب بحتى، و لا يجوز الرفع لأنه مستقبل لا غير.

} أَلاََّ تَتَّبِعَنِ أي ألاّ تلحق بي. أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي لأنه كان أمره أن يلحق به معهم.

قََالَ يَا بْنَ أُمَّ بالفتح يجعل الاسمين اسما واحدا، و بالخفض على الإضافة. قال أبو إسحاق: و يجوز في غير القرآن «يا ابن أمّي» بالياء. لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي أي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف و عقوبة، و قد قيل: إنّ موسى عليه السلام إنما فعل هذا على غير استخفاف و لا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه، و اللّه أعلم بما أراد نبيّه صلّى اللّه عليه و سلّم. إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرََائِيلَ أي خشيت أن أخرج و أتركهم و قد أمرتني أن أخرج معهم، فتقول: فرّقت بينهم و لم ترقب قولي لأنك أمرتني بأن أكون معهم.

قال أبو إسحاق أي ما أمرك الذي تخاطب به.

قََالَ بَصُرْتُ بِمََا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ و كان بصر بجبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم حين نزل إلى موسى صلّى اللّه عليه و سلّم

____________

(1) و هي قراءة أبي حيوة، انظر البحر المحيط 6/250.

40

فظنّ أن له بذلك فضلا عليهم فأخذ قبضة من أثر دابّة جبرائيل عليه السلام و نبذها في العجل، و إنما فعل هذا ليوهمهم أنه يجب أن يعظّم العجل لهذا قال أبو إسحاق:

و يجوز قبضة مثل غرفة. و القبضة مقدار مل‏ء الكفّ، و القبضة بالفتح مل‏ء الكفّ كلّها.

و قرأ الحسن فَقَبَضْتُ قَبْضَةً (1) و فسّرها بأطراف الأصابع.

على التبرية، قال هارون و لغة العرب «لا مساس» بكسر السين و فتح الميم. و قد تكلم النحويون في هذا. فأما سيبويه‏ (2) فيذهب إلى أنه مبني على الكسر، كما يقال:

اضرب الرّجل، و شرح هذا أبو إسحاق فقال: لا مساس نفي و كسرت السين لأن الكسر من علامة المؤنّث. تقول: فعلت يا امرأة، و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا اعتلّ الشي‏ء من ثلاث جهات وجب أن يبنى و إذا اعتلّ من جهتين وجب أن لا يصرف لأنه ليس بعد ترك الصرف إلاّ البناء فمساس و دراك اعتلّ من ثلاث جهات: منها أنه معدول، و منها أنه مؤنث، و أنه معرفة. فلمّا وجب البناء فيها و كانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين، كما يقال: اضرب الرجل. قال أبو جعفر: و رأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ، و ألزم أبا العباس إذا سمّى امرأة بفرعون أن يبينه و لا يقول هذا أحد. و قرأ البصريون وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ (3) بكسر اللام فيحتمل معنيين: أحدهما لن تجده مخلفا، كما يقال:

أحمدته أي وجدته محمودا، و المعنى الآخر على التهديد أي لا بدّ لك من أن تصير إليه، و في قراءة ابن مسعود رحمة اللّه عليه اَلَّذِي ظَلْتَ (4) بكسر الظاء. و يقال:

ظللت أفعل ذاك إذا فعلته نهارا، و ظلت و ظلت: فمن قال: ظلت حذف اللام تخفيفا، و من قال: ظلت ألقى حركة اللام على الظاء. عََاكِفاً خبر. يروى عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه (لنحرقنّه) (5) و كذلك يروى عن أبي جعفر، و قرأ الحسن (لنحرقنّه) (6) ، و عن سائر الناس لَنُحَرِّقَنَّهُ (7) . يقال: حرقه يحرقه، و يحرقه إذا نحته

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 89، و البحر المحيط 6/254 و قال: (و قرأ عبد اللّه و أبيّ و ابن الزبير و حميد و الحسن بالصاد، و هو الأخذ بأطراف الأصابع) .

(2) انظر الكتاب 3/307.

(3) انظر البحر المحيط 6/256، و كتاب السبعة لابن مجاهد 424.

(4) انظر مختصر ابن خالويه 89، و البحر المحيط 6/257.

(5) انظر معاني الفراء 2/191، و البحر المحيط 6/257.

(6) انظر البحر المحيط 6/257.

(7) انظر البحر المحيط 6/257.

41

بمبرد أو غيره، و أحرقه يحرقه بالنار و حرقه يحرّقه يكون منهما جميعا على التكثير.

و يروى عن قتادة أنه قرأ وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً (1) أي ملأه.

كَذََلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ مََا قَدْ سَبَقَ الكاف في موضع نصب و المعنى: نقصّ عليك كما قصصنا عليك قصة موسى عليه السلام و فرعون و السامريّ. آتَيْنََاكَ مِنْ لَدُنََّا ذِكْراً كَذََلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ مََا قَدْ سَبَقَ الكاف في موضع نصب و المعنى: نقصّ عليك كما قصصنا عليك قصة موسى عليه السلام و فرعون و السامريّ. آتَيْنََاكَ مِنْ لَدُنََّا ذِكْراً و هو القرآن.

مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي فلم يتدبّره و لم يؤمن به.

حِمْلاً على البيان‏}و زُرْقاً على الحال، و كذا قََاعاً صَفْصَفاً و عَشْراً منصوب بلبثتم، و الكوفيون يقولون في المعنى: ما لبثتم إلاّ عشرا.

إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ (من) في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأول.

قال أبو إسحاق: يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة و جميع ما يكون وَ مََا خَلْفَهُمْ ما قد وقع من أعمالهم، و قال غيره: معنى وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لا يحيطون بما ذكرنا، و اللّه أعلم.

وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ في معناه قولان: أحدهما أنّ هذا في الآخرة، و روى عكرمة عن ابن عباس وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ قال: الركوع و السجود. و معنى عنت في اللغة خضعت و أطاعت، و منه فتحت البلاد عنوة أي غلبة.

فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مجاز أي لا تقبلا منه فيكون سببا لخروجكما فَتَشْقى‏ََ و لم يقل:

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 89، و البحر المحيط 6/257، و هذه قراءة مجاهد أيضا.

42

فتشقيا؛ لأن المعنى معروف، و آدم صلّى اللّه عليه و سلّم هو المخاطب و المقصود. قال الحسن: في قوله: فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ قال: يعني شقاء الدنيا لا ترى ابن آدم إلاّ ناصبا.

قال الفراء: هو أن يأكل من كدّ يديه.

}قراءة أبي عمرو و أبي جعفر و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ عاصم و نافع و إنك (1) بكسر الهمزة. فالفتح على أن تكون «أنّ» اسما في موضع نصب عطفا على «أن» و المعنى: و إنّ لك أنّك لا تظمأ فيها، و يجوز أن يكون في موضع رفع عطفا على الموضع، و المعنى: ذلك أنّك لا تظمأ فيها، و الكسر على الاستئناف و على العطف على «إن لك» .

قال الفراء (2) : وَ طَفِقََا .

في العربية أقبلا: و قيل: جعلا يلصقان عليهما الورق ورق التين.

وَ عَصى‏ََ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ََ قلبت الياء ألفا لتحرّكها و تحرّك ما قبلها، و لهذا كتبه الكوفيون بالياء ليدلّوا على أصله.

ثُمَّ اِجْتَبََاهُ رَبُّهُ أي اختاره فَتََابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ََ أي و هداه للتوبة و روى حمّاد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في قول اللّه جلّ و عزّ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً قال: عذاب القبر.

أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ أي يبيّن لهم، و هذه قراءة أبي عبد الرحمن و قتادة بالياء. و قد تكلّم النحويون فيه لأنه مشكل من أجل الفاعل ليهد. فقال بعضهم: «كم» الفاعل، و هذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها، و قال أبو إسحاق: المعنى: أ فلم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكنا. قال: و حقيقة «أ فلم يهد لهم» أ فلم يبيّن لهم بيانا يهتدون به لأنهم كانوا يمرّون على منازل عاد و ثمود فلذلك قال جلّ و عزّ: يَمْشُونَ فِي مَسََاكِنِهِمْ

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 424، و البحر المحيط 6/263.

(2) انظر معاني الفراء 2/194.

43

و في مسكنهم على أنه مصدر. و قال محمد بن يزيد، فيما حكاه لنا عنه علي بن سليمان: و هذا معنى كلامه. قال: يهدي يدلّ على الهدى، فالفاعل هو الهدى. قال أبو إسحاق: «كم» في موضع نصب بأهلكنا. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِأُولِي اَلنُّهى‏ََ قال: لأولي التّقى.

قال: لَكََانَ لِزََاماً أي موتا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى معطوف على «كلمة» ، و واحد الإناء إني. لا يعرف البصريون غيره، }و حكى الفراء في واحد الإناء إنّى-مقصورة واحد الآنية- إنا ممدود، و للفراء في هذا الباب في كتاب «المقصور و الممدود» أشياء-قد جاء بها على أنها فيها مقصور و ممدود، مثل الإناء و الإنى، و الوراء و الورى-قد أنكرت عليه، و رواها الأصمعي و ابن السكيت و المتقنون من أهل اللغة على خلاف ما روي، و الذي يقال في هذا أنه مأمون على ما رواه غير أنّ سماع الكوفيين أكثره عن غير الفصحاء.

وَ لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ََ مََا مَتَّعْنََا بِهِ أَزْوََاجاً مِنْهُمْ و هم الأغنياء، أي لا تنظر إلى ما أعطي الكفار في الدنيا. و قرأ عيسى بن عمر و عاصم الجحدري زَهْرَةَ (1) بفتح الهاء. قال أبو إسحاق «زهرة» منصوبة بمعنى متّعنا، لأن معناه جعلنا لهم الحياة الدّنيا زهرة لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنختبرهم، و نشدّد التعبّد عليهم؛ لأن الأغنياء يشتد عليهم التواضع، و المحنة عليهم أشدّ. وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ قال الفراء (2) : أي ثواب ربك. و حكى الكسائي أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مََا فِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ قال: و يجوز على هذا بَيِّنَةُ مََا فِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ قال أبو جعفر: إذا نوّنت بيّنة و رفعت جعلت «ما» بدلا منها، و إذا نصبتها على الحال. و المعنى: أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبيّنا.

وَ لَوْ أَنََّا أَهْلَكْنََاهُمْ بِعَذََابٍ مِنْ قَبْلِهِ قيل: من قبل التنزيل، و قال الفراء: من قبل الرسول. فَنَتَّبِعَ آيََاتِكَ جواب لو لا.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/269، و مختصر ابن خالويه 90.

(2) انظر معاني الفراء 2/196.

44

قال أبو إسحاق: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحََابُ «من» في موضع رفع، و قال الفراء (1) :

يجوز أن يكون في موضع نصب، مثل‏ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ اَلْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ [البقرة:

220]. قال أبو إسحاق: و هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله و من هاهنا استفهام؛ لأن المعنى: فستعلمون أ أصحاب الصراط نحن أم أنتم، و قرأ يحيى بن يعمر و عاصم الجحدري فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحََابُ اَلصِّرََاطِ اَلسَّوِيِّ (2) على فعلى بغير همز، و تأنيث الصراط شاذ قليل. قال اللّه جلّ و عزّ اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6] فجاء مذكّرا في هذا و في غيره. و قد ردّ هذا أبو حاتم فقال: إن كان من السّوء وجب أن يكون السوءى، و إن كان من السواء وجب أن يقول: السيّى بكسر السين، و الأصل السويا، قال أبو جعفر: جواز قراءة يحيى بن يعمر و الجحدري أن يكون الأصل السوءى، و الساكن ليس بحاجز حصين فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها، و الساكن ليس بحاجز ألفا إذا انفتح ما قبلها. وَ مَنِ اِهْتَدى‏ََ معطوف على «من» الأولى.

و الفراء (3) يذهب إلى أنّ معنى من أصحاب الصراط السّويّ: من لم يضلّ، و إلى أن معنى «و من اهتدى» من ضلّ ثم اهتدى.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/197.

(2) انظر البحر المحيط 6/271.

(3) انظر معاني الفراء 2/197.

45

21 شرح إعراب سورة الأنبياء

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اِقْتَرَبَ لِلنََّاسِ حِسََابُهُمْ و لا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للنّاس لئلا يتقدّم مضمر على المظهر لا يجوز أن ينوى به التأخير وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ابتداء و خبر، و يجوز النصب في غير القرآن على الحال. و المعنى: و هم في غفلة معرضون عن التأهب للحساب.

مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ نعت لذكر، و أجاز الكسائي و الفراء: محدثا بمعنى ما يأتيهم محدثا، و أجاز الفراء (1) رفع محدث على تأويل ذكر لأنك لو حذفت «من» رفعت ذكرا. إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ .

لاََهِيَةً قُلُوبُهُمْ قال الكسائي: أي إلاّ استمعوه لاهية قلوبهم، و أجاز الفراء (2) أن يكون مخرّجا من المضمر الذي في يلعبون، و أجاز هو و الكسائي لاََهِيَةً قُلُوبُهُمْ (3)

بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية، و أجاز غيرهم الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر أو على إضمار مبتدأ. وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا و لم يقل: و أسرّ النجوى، و الفعل متقدّم لأن الفعل إذا تقدّم الأسماء وحد، و إذا تأخّر ثنّي و جمع للضمير الذي فيه، فكيف جاء هذا

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/197 و البحر المحيط 6/275، و هي قراءة ابن أبي عبلة.

(2) انظر معاني الفراء 2/197.

(3) انظر معاني الفراء 2/197، و البحر المحيط 6/275، و هي قراءة ابن أبي عبلة و عيسى.

46

متقدما مجموعا؟ففيه ستة أقوال: يكون بدلا من الواو، و على إضمار مبتدأ، و نصبا بمعنى أعني، و أجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، و أجاز الأخفش أن يكون على لغة من قال: «أكلوني البراغيث» ، و الجواب السادس أحسنها و هو أن يكون التقدير: يقول الذين ظلموا، و حذف القول مثل‏ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ‏`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23]فالدليل على صحّة هذا الجواب أنّ بعده هَلْ هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فهذا الذي قالوه و المعنى: هل هذا إلاّ بشر مثلكم. و قد بين اللّه جلّ و عزّ أنه لا يجوز أن يرسل إليهم بشرا ليفهموا عنه و يعلّمهم، ثمّ قال أَ فَتَأْتُونَ اَلسِّحْرَ و السحر في اللغة كلّ مموّه لا حقيقة له و لا صحة وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ قيل: معناه و أنتم تبصرون أنه إنسان مثلكم، و قيل: و أنتم تعقلون لأن العقل هو البصر بالأشياء.

قل ربي و في مصاحف أهل الكوفة قََالَ رَبِّي (1) فقيل: إنّ القراءة الأولى أظهر و أولى؛ لأنهم أسرّوا هذا القول فأظهر اللّه عليه نبيّه و أمره أن يقول لهم هذا. قال أبو جعفر: و القراءتان صحيحتان. و هما بمنزلة الآيتين، و فيهما من الفائدة أنه صلّى اللّه عليه و سلّم أمر و أنه قال كما أمر.

بَلْ قََالُوا أَضْغََاثُ أَحْلاََمٍ قال أبو إسحاق: أي بل قالوا الذي يأتي به أضغاث أحلام، و قال غيره: هو أحلام اختلاط. و المعنى كالأحلام المختلطة فلما رأوا أن الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا: بَلِ اِفْتَرََاهُ ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا: بَلْ هُوَ شََاعِرٌ فَلْيَأْتِنََا بِآيَةٍ كَمََا أُرْسِلَ اَلْأَوَّلُونَ أي كما أرسل موسى صلّى اللّه عليه و سلّم بالعصا و غيرها من الآيات، و كان هذا منهم تعنّتا إذ كان اللّه جلّ و عزّ قد أعطاه من الآيات ما فيه كفاية، و يبيّن اللّه جلّ و عزّ أنّهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوا كقوله: وَ لَوْ عَلِمَ اَللََّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23].

مََا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أي من أهل قرية و «من» زائدة للتوكيد.

____________

(1) انظر تيسير الداني 125، و البحر المحيط 6/276.

47

ثُمَّ صَدَقْنََاهُمُ اَلْوَعْدَ أي بإنجائهم و نصرهم، و إهلاك مكذّبيهم.

فِيهِ ذِكْرُكُمْ رفع بالابتداء و الجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب ثم نبّههم بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال جلّ و عزّ: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ .

وَ كَمْ قَصَمْنََا «كم» في موضع نصب بقصمنا مِنْ قَرْيَةٍ لو حذفت «من» لجاز الخفض لأن «كم» هاهنا للخبر، و العرب تقول: «كم قرية قد دخلتها» . فتخفض. و فيه تقديران: أحدهما أن تكون «كم» بمنزلة ثلاثة من العدد، و الفراء (1) يقول بإضمار «من» فإذا فرقت جاز الخفض و النصب، و أنشد النحويون: [السريع‏] 300-

كم بجود مقرفا نال العلى # و كريما بخله قد وضعه‏ (2)

و أجود اللّغات فيه إذا فرقت أن تأتي بمن، و بها جاء القرآن في هذا الموضع و غيره.

قََالُوا يََا وَيْلَنََا نداء مضاف.

فَمََا زََاَلَتْ تِلْكَ دَعْوََاهُمْ «تلك» في موضع رفع إن جعلت دعواهم خبرا، و في موضع نصب إن جعلت دعواهم الاسم.

أي: ما خلقنا السماء و الأرض ليظلم الناس بعضا و يكفر بعضهم و يخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا فلا يجازوا بأفعالهم، و لا يؤمروا في الدنيا بحسن، و لا ينهوا عن قبيح. و هذا اللعب المنفي عن الحكيم و ضدّ الحكمة.

لَوْ أَرَدْنََا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنََاهُ مِنْ لَدُنََّا لأنهم نسبوا إلى اللّه جلّ و عزّ الولد، و الصاحبة. فالمعنى: لو أردنا أن نتّخذ ولدا أو صاحبة لما اتّخذناه من البشر الذين

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/125.

(2) مرّ الشاهد رقم (45) .

48

تلحقهم الآفات، و الحجارة التي لا تعقل فبيّن به اللّه عزّ و جلّ جهلهم بنسبهم إليه مثل هذا بلا حجّة و لا شبهة.

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي بالحجج و البراهين. عَلَى اَلْبََاطِلِ و هو قولهم فَإِذََا هُوَ زََاهِقٌ حكى أهل اللغة زهق يزهق زهقا و زهوقا إذا انكسر و اضمحلّ.

يُسَبِّحُونَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ ظرفان.

لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا التقدير عند سيبويه و الكسائي «غير اللّه» فلمّا جعلت إلاّ في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير، كما قال: [الوافر] 301-

و كل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلاّ الفرقدان‏ (1)

و حكى سيبويه لو كان معنا رجل إلاّ زيد لهلكنا، و قال الفراء (2) : إلا هاهنا في موضع سوى، و المعنى: لو كان فيهما آلهة سوى اللّه لفسد أهلهما، و قال غيره: أي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير؛ لأن أحدهما إذا أراد شيئا و أراد الآخر ضدّه كان أحدهما عاجزا.

و حكى أبو حاتم أنّ يحيى بن يعمر و طلحة قرأ: هََذََا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي (3) فزعم أنه لا وجه لهذا. و قال أبو إسحاق في هذه القراءة: المعنى هذا ذكر مما أنزل إليّ و مما هو معي، و ذكر ممّن قبلي، و قال غيره: التقدير فيها هذا ذكر ذكر من معي مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. و روي عن الحسن أنه قرأ: اَلْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (4) بالرفع بمعنى هو الحقّ و هذا الحقّ.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (205) .

(2) انظر معاني الفراء 2/200.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 91.

(4) انظر المحتسب 2/61، و مختصر ابن خالويه 91.

49

سُبْحََانَهُ بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ قال أبو إسحاق: المعنى: بل هم عباد مكرمون يعني الملائكة و عيسى عليهم السلام. قال: و يجوز في غير القرآن بل عبادا مكرمين بمعنى بل اتخذ عبادا مكرمين، و أجازه الفراء (1) أيضا على أن تردّه على ولد أي لم نتّخذهم ولدا بل اتّخذناهم عبادا مكرمين.

أي لا يفعلون شيئا إلا بإذنه ثم خبّر بحكمه جلّ و عزّ في كلّ أحد فقال:

الكاف في موضع نصب.

قال الأخفش: قال: كََانَتََا لأنهما صنفان كما تقول العرب: هما لقاحان أسودان، و كما قال جلّ و عزّ إِنَّ اَللََّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاََ [فاطر: 41]قال أبو إسحاق: كانتا لأنه يعبّر عن السموات بلفظ الواحد بسماء و لأن السموات كانت سماء واحدة، و كذا الأرضون. قال: و قال: رتقا و لم يقل رتقين لأنه مصدر و المعنى: كانتا ذواتي رتق. قال أبو جعفر: و روي عن الحسن أنه قرأ كََانَتََا رَتْقاً (2) قال عيسى: هو صواب و هي لغة. وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ نعت لشي‏ء، و أجاز الفراء (3) : كلّ شي‏ء حيا بمعنى: و جعلنا كلّ شي‏ء حيّا من الماء.

وَ جَعَلْنَا اَلسَّمََاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً نعت لسقف، و لو كان محفوظة على أن يكون نعتا للسماء لجاز.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/201.

(2) انظر المحتسب 2/762 و مختصر ابن خالويه 91، و البحر المحيط 6/287، و هي قراءة أبي حيوة و عيسى و زيد بن علي أيضا.

(3) انظر معاني الفراء 2/201.

50

فيه من النحو أنه لم يقل: يسبحن و لا يسبح. و مذهب سيبويه‏ (1) أنه لما خبّر بفعل من يعقل، و جعلهنّ في الطاعة بمنزلة من يعقل خبّر عنهن بالواو و النون، و قال الفراء: (2) لمّا خبّر عنهنّ بأفعال الآدميين قال: يسبحون، و قال الكسائي يسبحون لأنه رأس آية، كما قال: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر: 44]، و لم يقل منتصرون.

أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ اَلْخََالِدُونَ جي‏ء بالفاء التي في فهم عند الفراء (3) لتدلّ على الشرط لأنه جواب قولهم: ستموت، و يجوز أن يكون جي‏ء بها لأن التقدير فيها: أفهم الخالدون إن متّ. قال الفراء: و يجوز حذف الفاء و اضمارها لأن هم لا يتبيّن فيها الإعراب، أو لأن المعنى أهم الخالدون إن مت.

وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً قال الكسائي: و المصدر بلاء.

«متى» عند الكوفيين في موضع نصب و كذا الجواب عندهم في المعرفة إذا قيل:

متى وعدك قيل: يوم الجمعة فإن كان نكرة رفعت فقلت: موعدك يوم قريب، و كذا ظروف المكان، و حكى الفراء (4) : اجتمع الجيشان فالمسلمون جانب و الكفار جانب صاحبهم. الثاني منصوب لأنه معرفة و الأول مرفوع لأنه نكرة فاعتل في النصب مع المعرفة لأن الخبر مسند إليها لأنها معرفة، فحسنت الصفة، و بنوا المسائل على هذا فتقول: عبد اللّه جانب المسجد، و زيد جانب منه. و أما البصريون فالرفع عندهم الوجه إذا كان الظرف متمكنا. قال سيبويه‏ (5) و تقول: موعدك غدوة و بكرة و موعدك بكرا لأن بكرا لا يتمكن. و الدليل على صحة قول البصريين قراءة القراء، إلاّ من شذّ منهم قال:

مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ [طه: 59]. و حكى الفراء (6) في النكرة: إنما البرد شهران، و إنما الصيف شهران، و زيد دون من الرجال، و هو دونك بالنصب في المعرفة.

هُمْ في موضع رفع بالابتداء و لا تعمل إلا في معرفة. يُنْظَرُونَ في موضع الخبر.

____________

(1) انظر الكتاب 2/44.

(2) انظر معاني الفراء 2/201.

(3) انظر معاني الفراء 2/202.

(4) انظر معاني الفراء 2/203.

(5) انظر الكتاب 1/279.

(6) انظر معاني الفراء 2/203.

51

قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ فإن خفّفت الهمزة جعلتها بين الهمزة و الواو، و لهذا كتبت واوا و حكى الكسائي و الفراء (1) في التخفيف وجهين آخرين: «قل من يكلوكم» بفتح اللام و إسكان الواو، و حكيا «من يكلاكم» قال: فأما «يكلاكم» فخطأ من جهتين إحداهما: أنّ بدل الهمزة إنما يجوز في الشعر، و الجهة الأخرى: أنهما يقولان في الماضي: كليته فينقلب المعنى؛ لأن المعنى كليته أوجعت كليته، و من قال لرجل: كلأك اللّه، فقد دعا عليه بأن يصيبه اللّه بوجع في كليته، و الدليل على هذا أنه لا يقال: رجل مكليّ إلاّ من هذا، هكذا السماع، و لا نلتفت إلى سماع لا يصحّ. و أما يَكْلَؤُكُمْ فقد حكى مثله سيبويه‏ (2) في آخر الكلمة إنّ من العرب من يقول: هو الوثو (3) فيبدل من الهمزة واوا حرصا على تبيينها، و في الخفض من الوثي، و هو الكلو، و من الكلي، و أخذت الكلا.

قال الفراء (4) : و من قال: يكلوهم قال في الماضي: كلات فيترك النبرة.

قرأ أبو عبد الرحمن السلمي و لا تسمع الصم الدعاء (5) جعلهما مفعولين فردّ عليه بعض أهل اللغة و قال: كان يجب على قوله إذا ما تنذرهم. قال أبو جعفر: و ذلك جائز لأنه قد عرف المعنى.

مِثْقََالَ حَبَّةٍ (6) اسم كان و لا خبر لها؛ لأنها بمعنى وقع، و يجوز النصب على أن تضمر فيها اسمها.

و روي عن ابن عباس و عكرمة و لقد آتينا موسى و هارون الفرقان ضياء (7) بغير واو، و زعم الفراء (8) أنّ حذف الواو و المجي‏ء بها واحد، كما قال جلّ و عزّ:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/204.

(2) انظر الكتاب 4/290.

(3) الوث‏ء: الوهن.

(4) انظر معاني الفراء 2/205.

(5) انظر معاني الفراء 2/205.

(6) انظر تيسير الداني 126.

(7) انظر المحتسب 2/64.

(8) انظر معاني الفراء 2/205.

52

وَ حِفْظاً* [الصافات: 6 و 7]و ردّ عليه هذا القول أبو إسحاق؛ لأن الواو تجي‏ء لمعنى فلا تزاد. قال: و تفسير الفرقان: التوراة، لأنّ فيها الفرق بين الحلال و الحرام. قال:

«و ضياء» مثل‏ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ [المائدة: 46]، و أجاز الفراء (1) وَ هََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ بمعنى أنزلناه مباركا.

وَ لَقَدْ آتَيْنََا إِبْرََاهِيمَ رُشْدَهُ مفعولان. قال الفراء: «رشده» هداه.

إِذْ قََالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ قال أبو إسحاق «إذ» في موضع نصب أي آتيناه رشده في ذلك الوقت.

وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِدْرِيسَ فجاء مذكّرا لأنهم جعلوا الأصنام بمنزلة ما يعقل في عبادتهم إياها إِلاََّ كَبِيراً لَهُمْ على الاستثناء.

قال أبو إسحاق: إبراهيم، يرتفع من جهتين على معنى: هو إبراهيم و المعروف به إبراهيم، و على النداء. قال أبو جعفر: و اسم ما لم يسمّ فاعله على مذهب الخليل رحمه اللّه و سيبويه له، كما تقول: سيريه. و على مذهب محمد بن يزيد اسم ما لم يسمّ فاعله مضمر أي يقال له القول و احتيج إلى الإضمار، لأن إبراهيم لا يجوز أن يكون اسم ما لم يسمّ فاعله بل ذلك محال على كل قول؛ لأنه من قال: قلت زيدا منطلقا، على اللغة الشاذة لم يقل:

كلّمته فقلت له إبراهيم و لم يقل هذا إلاّ بالرفع، و إن كانت تلك اللغة شاذة لا يتكلّم بها في كتاب اللّه عزّ و جلّ لشذوذها و خروجها على القياس، و لو لا أنّ هذا القول لم يقله أحد من العلماء علمناه لزدنا في الشرح و لكن غنينا عن ذلك بما تقدّم و بما وصفناه، و أنه يلزم من رفع هذا على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله أن يقول: قلت زيدا، كما أنه إذا قال: يضرب زيد قال: ضربت زيدا، و لا يقول أحد: قلت زيدا، و لا له معنى، و يلزمه أن يقرأ سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ [الكهف: 5]بالنصب، فإذا لزمه ما لا يقوله أحد استغنى عن الزيادة. و لو لم يكن في هذا إلاّ أنّ النحويين يعلّمون المتعلّم أنّ ما بعد القول محكيّ، فيقولون: قلت له زيد خارج، و كذا قيل له، لا فرق بين الفعلين في الحكاية.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/206.