تسديد الأصول‏ - ج2

- السيد محمد المؤمن القمي المزيد...
563 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا مقدّمة:

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في الفرائد: فاعلم أنّ المكلّف اذا التفت الى حكم شرعيّ: فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه أو القطع أو الظنّ؛ فإن حصل له الشكّ فالمرجع فيه هو القواعد الشرعية الثابتة للشاكّ في مقام العمل، و تسمّى بالاصول العمليّة ...

الى أن قال بعد ذكر مجاري الاصول: فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الاوّل في القطع، و الثاني في الظن، و الثالث في الاصول العملية المذكورة التي هي المرجع عند الشك. انتهى.

و الظاهر أنّ مراده (قدّس سرّه): بيان السرّ الطبيعي لتقسيم مباحث كتابه، فإنّ القطع بنفسه طريق و حجّة، و يستتبع أحكاما خاصّة، و الظنّ بنفسه ليس حجّة و طريقا، إلّا أنّه قابل لأن يعتبر طريقا، فتارة يعتبر و يكون طريقا كالقطع، و اخرى لا يعتبر و يكون بمنزلة الشك، و الشكّ بنفسه ليس طريقا، و لا قابلا لأن يعتبر طريقا، فهذا التقسيم مطابق للاعتبار، و داع إلى جعل مباحث الكتاب ثلاثة أقسام- كما فعله الشيخ (قدّس سرّه) و تبعه غيره حتّى صاحب الكفاية- و إن كان ربما يجرّ البحث الى جعل بعض أقسام الظن بحكم الشكّ، كما أشرنا.

4

نعم، لو قيل في مقام التقسيم: إنّ المكلف إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر عقلا أو شرعا، أو لا، فيبحث عن القطع و سائر الأمارات حتّى الظنّ الانسداديّ على الكشف في القسم الأوّل، و عن الاصول العملية و الظنّ الانسداديّ على الحكومة في القسم الثاني لكان له وجه، إلّا أنّ ما فعله الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أولى و أنسب، كما لا يخفى، و الأمر سهل.

ثمّ إنّه لمّا كان الغرض الأصلي هنا مجرّد ذكر تقسيم يكون فهرسا طبيعيا لمباحث الكتاب- كما عرفت- فلا عناية بخصوصية القيود المأخوذة و عمومها فليس هاهنا محلّ البحث عن أنّ أخذ قيد الالتفات هل يصحّ أم لا؟ و أنّ عموم المكلّف للمجتهد و غيره صحيح أم لا؟ الى غير ذلك بل محلّ البحث الأوّل بحث الأمارات و الاصول، و محلّ الثاني مباحث الاجتهاد و التقليد.

نعم، ظاهر كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أنّه بصدد بيان مجاري الاصول العملية، و حينئذ فتوضيحا و تحقيقا للمقام و تمهيدا لبيان ما هو الصحيح في مجاري الاصول الأربعة ينبغي بيان امور:

الأوّل: أنّ مجرى الاستصحاب لا يختص بالأحكام الإلزامية، بل يجري في الوضعيات و الموضوعات الخارجية و الأحكام التكليفية غير الإلزامية، بخلاف أصلي البراءة، و الاحتياط، بل و التخيير أيضا، فإنّها مختصّة بالأحكام الإلزامية، فإنّها التي يقبح العقاب عليها، و ترفع عن المكلف فيما لم يعلم بها، و يلزم على المكلف الاحتياط فيها، أو التخيير بينها. و عليه فتخصيص مجرى الاستصحاب بالتكاليف الإلزامية- كما هو ظاهر كلام الشيخ- لا وجه له.

الثاني: أنّ التكليف المجهول بعينه كما يتنجّز بالعلم الإجمالي بأصل الإلزام كذلك يتنجّز بالدليل الخاصّ على الاحتياط، كما في مورد الدماء و الفروج بل الأموال، فجعل مجرى البراءة مطلق ما إذا لم يعلم بالتكليف ممّا لا وجه له.

الثالث: انّه إذا لم يعلم بأصل التكليف و الإلزام و لم يقم دليل خاصّ على الاحتياط فهو مجرى قاعدة البراءة الشرعية و النقلية، و إن لم يمكن فيه الاحتياط

5

التام، كما اذا احتمل الوجوب و الحرمة و غيرها من الأحكام، فجعل مطلق موارد عدم إمكان الاحتياط مجرى التخيير- كما في بعض نسخ أوّل الفرائد، و في أوّل مبحث البراءة منه- ممّا لا وجه له.

الرابع: أنّه ينبغي التنبّه لنكتة، هي: أنّ القول بأصالة التخيير مبني على أنّ مجرّد العلم الإجماليّ بوجود التكليف الإلزاميّ مانع عن إجراء الاصول النافية في أطراف العلم، و إلّا فلو كان المانع منحصرا في استلزامه لتجويز المخالفة العقلية للتكليف المنجّز. لما كان لهذا الأصل مجرى أصلا و ببالي أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) صرّح بذلك في مبحث أصالة التخيير.

إذا عرفت هذه الامور تعرف أنّ الأولى في ضبط مجاري الاصول الأربعة أن يقال: إنّ من لم يقم عنده طريق معتبر على خصوص حكم المورد: فإمّا أن يلاحظ في الحكم الشرعيّ الحالة السابقة أم لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني: إمّا ان يكون المشكوك فيه الحكم الإلزامي، أو غيره، فالثاني ليس مجرى الاصول الثلاثة الباقية، و الأوّل: إمّا أن يقوم دليل معتبر على أصل التكليف الإلزامي سواء أ كان قطعا أم أمارة أم استصحابا- مثلا- أو دليل خاصّ على الاحتياط أم لا، فالثاني مجرى البراءة، و الأوّل إن أمكن فيه الاحتياط فهو مجرى أصالة الاشتغال، و إلّا فمجرى أصالة التخيير.

و هذا البيان- كما عرفت- مبنيّ على القول بأصالة التخيير، و إلّا كان التقسيم غير ذلك، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ حصر مجاري الاصول الأربعة في ما ذكروه غير صحيح، فضلا عن أن تكون عقليا؛ لما عرفت من أنّ الاستصحاب يجري في الموضوعات و الأحكام الغير الإلزامية، و سائر الاصول لا يجري فيها. نعم، لو جعلنا موضوع البحث خصوص التكاليف الإلزامية لكان لما ذكروه وجه، إلّا أنّه لا وجه صحيح للتخصيص.

***

6

مباحث القطع‏

و كيف كان فلا بدّ أوّلا من ذكر ما يتعلّق بالقطع من الأحكام، و بيان أحكامه و أقسامه- كما في الكفاية- يستدعي رسم امور:

الأمر الأوّل في حجّية القطع‏

لا شكّ في أنّه إذا حصل القطع فالقاطع يرى الواقع منكشفا لديه، فلا يحتمل الخلاف أصلا، و القطع منتهى ما أمكن من انكشاف الأشياء للإنسان، إلّا أنّه مع ذلك كلّه قد لا يصيب الواقع فيكون جهلا مركّبا، فهذه الكاشفية المذكورة بها قوام القطع و من ذاتيّاته، و سلبها عنه سلب لحقيقته، و لذلك لا يتصوّر فيه جعل تأليفي، و هو واضح.

ثمّ إنّ للقطع بالحكم أو الموضوع خاصّتين:

إحداهما: صحّة نسبة ذاك الحكم المقطوع به الى المولى الحاكم، فيقول مثلا:

إنّ اللّه تعالى أوجب صلاة الجمعة، أو: إنّ رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، شرّع وجوبها، مع أنّه لا يجوز لغير العالم أن ينسب حكما إليه لا عقلا و لا شرعا.

و الثانية: أنّ القطع حجّة منجّزة للتكليف على العبد، فيعاقب على مخالفته اذا أصاب، و معذّرة له يعتذر به عند المولى مع إطاعته اذا أخطأ. و لا نعقل من وجوب الحركة على وفقه معنى قابلا للتصديق أزيد من تلك المنجّزية، و إلّا فلا يحكم‏

7

العقل العمليّ و لا العقلاء بوجوب موافقة القطع أزيد من هذه المنجّزية. نعم، لا نضايق من التعبير بالوجوب الإرشادي؛ لئلّا يقع في عقاب مخالفة التكليف المنجّز.

و كيف كان فقد تعدّ هذه المعذّرية و المنجّزية من لوازم القطع و ذاتياته، و لو بذاتيّ باب البرهان، فيقال بامتناع جعلها له جعلا تأليفيا، كما في الكفاية و غيرها.

إلّا أنّ التحقيق خلافه، فإنّ ذاتيّ باب البرهان: إمّا أن يكون نفس ذاتيّ باب الكلّيات الخمس، و إمّا أن يكون من الأعراض اللازمة و ما بحكمها. و من المعلوم أنّ المنجّزية ليست جنسا للقطع و لا فصلا و لا نوعا، كما أنّها ليست من الأعراض الخارجية له، كالحرارة و البرودة للماء و البياض للجصّ، بل إن مجرّد وضع القطع لا يكفي لانتزاع هذه الصفة عنه، كما ينتزع الإمكان من الماهيات أو الوجودات الإمكانية.

فبالجملة: ليست صفة المنجّزية للقطع من أي أقسام الذاتيّ المتصوّرة، بل لو ثبتت له فإنما هي من الأحكام التي يحكم بها له العقل العملي الذي وظيفته الحكم في ما يتعلّق بتنظيم امور الأشخاص و الجوامع، إذ يحكم بها العقلاء بما أنّهم عقلاء لهم هذا العقل العملي.

و الإنصاف أنّ العقلاء و ذاك العقل يحكم بها للقطع، و يرونه حجّة بين الموالي و العبيد في باب الإطاعة و العصيان، و الشارع الأقدس قد أمضى هذا الحكم العقليّ و الطريقة العقلائية، بدليل أنّ الأنبياء (عليهم السّلام) إنّما بيّنوا أحكام اللّه تعالى النازلة عليهم للناس، و لم يشرّعوا طريقا خاصّا لمقام الإطاعة، فيفهم كلّ أحد أنّ الطريق للطاعة و المعصية بعينه هو الطريقة المألوفة في ذلك عند العقلاء أنفسهم.

و حينئذ يقع الكلام في أنّه هل للشارع أن يتصرّف في هذا الحكم العقلي و يمنع عن حجّية بعض أقسام القطع، كالقطع الحاصل من القياس، أو من الرمل و الاسطرلاب مثلا؟

قد شاع في كلماتهم القول بامتناع ذلك، و استدلّ له تارة بأنّ الطريقية

8

و المنجّزية ذاتيّ للقطع، و الذاتيّ لا يختلف و لا يتخلّف، و اخرى بأنّه يلزم منه اجتماع الضدّين أو النقيضين اعتقادا مطلقا و حقيقة في صورة الإصابة.

أقول: و الوجهان كما ترى: أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ المنجّزية للقطع حكم عقليّ عقلائيّ له، و ليست من ذاتياته و لوازمه.

و أمّا الثاني: فلأنّ لزوم التضادّ أو التناقض مبنيّ على استلزام المنع عن التنجيز لجعل حكم آخر مضادّ أو مناقض للمقطوع، و هو ممنوع، فإنّ المنع عن المنجّزيّة إنّما هو تصرّف في مرحلة لزوم إطاعة الحكم لا غير، فلا ينافي أن لا يكون في البين إلّا حكم واحد هو الحكم الواقعي، فكما أنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان و الشرع يحكم برفع ما لا يعلمون، و بعد قيام الدليل على اشتراك الحكم بين الجاهل و العالم، يكون هذا الحكم العقليّ و الشرعيّ راجعا الى عدم تنجّز الحكم الواقعيّ بالجهل. و كما أنّ العقل يجوّز الترخيص للعاجز عن الامتثال في ترك الامتثال، مع بقاء شمول التكليف له، فهكذا لا مانع من أن يجعل المولى- العالم بالمصالح- الاستناد في تحصيل القطع الى القياس موجبا لعدم تنجّز التكليف و لو مع إصابة القطع للواقع.

و بالجملة: فالحكم الواقعيّ هنا واحد فعلي، و هو ما شرّعه اللّه تعالى في الواقع، أصاب القطع اليه أم أخطأ، و المانع الذي يجعل مانعا يمنع عن تنجّزه كما منع الجهل عنه في مورده. نعم ما لم يدلّ دليل على هذا المنع كان المتّبع هو ذلك الحكم العقلائي كما عرفت ...

و منه تعرف أنّ القول بالعليّة التامّة للقطع بالنسبة إلى تنجّز الحكم المقطوع به، و أنّ الترخيص في خلافه ترخيص في المعصية ليس على ما ينبغي، بل هو مقتض للتنجّز، و الترخيص ترخيص في مخالفته، كما في موارد الجهل فلا يصل مرتبة التنجز، لكي تكون مخالفته معصيته، و يكون ترخيصا في المعصية، كما لا يخفى.

و الحاصل: أنّ الحكم بعد هذا المنع يتوقّف في مرحلة الفعلية كما في موارد الجهل و الظنون الغير المعتبرة، و لا يترتّب على مخالفته العقاب، كما في سائر

9

موارد الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهري، إلّا أنّه ربما كان في تلك الموارد حكم شرعيّ تكليفيّ ظاهريّ مخالف للحكم الواقعي، كما في أصالة الحلّ و الطهارة عند الشك، لكنّه ليس في محلّ الكلام سوى المنع عن التنجيز، و ترتب العقاب على مخالفته، كما في قبح العقاب بلا بيان.

و منه تعرف أنّ قياس ما نحن فيه بالمنع عن العمل بالظن الحاصل من القياس صحيح واقع في محلّه.

و ما قيل: من أنّ الحكم حيث كان قد وصل بالقطع كان حكما حقيقيا، فإنّه البعث بداعي جعل الداعي، و لا يمكن كونه داعيا إلّا بالوصول، و أمّا الظن فلم يصل فيه الحكم فلا يكون حكما حقيقيا فافترقا فيرد عليه: أنّ توقّف الحكم الحقيقيّ على الوصول ممنوع، بل لا يتصوّر للحكم عند العقلاء إلّا مرتبتان: مرتبة الإنشاء، و مرتبة الفعلية، فاذا جعل الأحكام و لم يجعل بمورد الإجراء و العمل، كما اذا جعلت أحكام لأن يعمل بها بعد سنة- مثلا- فهذه أحكام إنشائية، و اذا جعل الحكم بمرحلة الإجراء كان الحكم حينئذ فعليا، سواء أعلم به المكلف أم لا، فحقيقة الحكم و إن كانت هو البعث بداعي جعل الداعي إلّا أنّ فعليّة داعويّته موقوفة على العلم به، أو قيام حجة اخرى عليه بشرط أن يكون العبد في مقام الامتثال، و قوامه ليس بفعلية الداعوية، بل مجرّد إمكانها كاف، نعم، إنّ اللازم أن يوضع بيد الإجراء و العمل، و لا يعتبر فيه و في فعليّته أزيد من ذلك، و اللّه العالم و العاصم.

الأمر الثاني في التجرّي و الانقياد

توضيح الحقّ في المقام بالتكلّم في امور:

الأوّل: في أنّ المطيع و العاصي هل يستحقّان الثواب و العقاب؟.

فنقول: لا ينبغي الريب في أنّ الأفعال و الموادّ المتعلقة للأوامر و النواهي‏

10

تكون في الغالب مشتملة على مصالح و مفاسد هي الداعية على الأمر بها أو النهي عنها، فهي تترتّب عليها و إن لم يتعلق بها أمر أو نهي، بل ربما كانت تتشكّل بأشكال و صور برزخية مناسبة لها، متفرقة عن النفس، أو حالة و ملكة لها، يتنعّم العبد بها أو يعذّب، و في الأخبار بل الآيات ما يدلّ على كلا الأمرين؛ إلّا أنّه ليس شي‏ء منهما مرادا في هذا المقام.

بل المقصود هنا: أنّ المولى إذا أمر العبد بشي‏ء أو نهاه عنه مولويّا فأطاع العبد أمره أو نهيه أو عصاه و لم يعتن به فهل هو يستحقّ جزاء حسنا و ثوابا بإطاعته، أو يستحقّ عليه المولى أن يعاقبه بمعصيته؟

و الإطاعة أو العصيان يتصوّر على نحوين: فتارة يراد بهما مجرّد الإتيان بالمأمور به و ترك المنهي عنه، أو ترك المأمور به و إتيان المنهي عنه، و اخرى يراد منهما قصد العبد إلى عنوان الإطاعة أو المعصية، المتحقّق في المعنى الأوّل بأن ترك شرب الخمر، لأنّه إطاعة نهى المولى، أو أتى به- نعوذ باللّه- لأنّه معصية اللّه تعالى.

و كيف كان فقد نفى الريب في الكفاية عن استحقاق العقوبة على المخالفة، و المثوبة على الاطاعة.

و الحقّ أن يقال: إن اللّه موالى الموالي الذي قد أعطى عبيده كمال الوجود و كمالات الوجود، و كان أصل وجود العبد و ما يتنعم به و كمالات وجوده منه تبارك و تعالى، و هو ملك له تعالى بحقيقة معنى الملك و السلطنة، فالعقل يحكم قطعا بانّ لهذا المولى حقّ أن يأمر العبد أو ينهاه مولويا، و أنّه اذا عصى العبد هذا المولى فالمولى يستحقّ عليه أن يعاقبه، و كان استحقاقه للعذاب في ما اذا قصد الى عنوان المعصية أشدّ و أقوى ممّا اذا عصاه بمجرّد اللامبالاة بأمره و نهيه، و غلبته شقوته، فهو قد استحقّ في مورد العمد الى عنوان المعصية استحقاقين؛ لأنّه هتك حرمة المولى هتكين هتكا بعدم المبالاة بطلبه، و هتكا آخر قد صار في مقام الطغيان عليه نعوذ باللّه، و هذا ممّا لا ينبغي الريب فيه.

11

و أمّا إذا أطاع العبد هذا المولى: فإن كان بمجرّد إتيان المأمور به و ترك المنهيّ عنه: فقد أدّى الى مولاه حقّه الذي كان له من الطاعة، و لا يرى العقل له حقّا على مولاه المالك المعطي لوجوده و جميع ما يتعلق به و يتنعم منه، بل و كذلك إذا قصد عنوان الإطاعة فهو و إن فعل فعلا حسنا إلّا أنّه بعد ما كان هو نفسه و جميع نعمه و كمالاته و توفيقاته من مولاه فلا يرى العقل له حقّا ثابتا على هذا المولى. نعم، لا ريب في أنّه قد فعل فعلا حسنا في كلتا الصورتين، بل كأنّه فعل حسنتين في الصورة الثانية، و حينئذ فقد افترق هذا العبد عمّن لا يبالي بأوامر هذا المولى العظيم افتراقا بيّنا، فلو أعطاه المولى الكريم- الّذي يحبّ لعبيده الكمال في نفوسهم الشخصية، و جوامعهم- جزاء حسنا كان هذه المجازاة واقعة في محلّها، و كان العبد المطيع حريّا بها و لائقا لها. بل اذا جاز اللّه عبيده الفاعلين لنفس الأعمال الصالحة المفيدة، أو التاركين لنفس الأعمال القبيحة الضارة بجزاء حسن لكانت هذه المجازاة حريّة لائقة واقعة في محلّها، و كانت ممّا ينبغي و يتوقّع من مولى الموالي الّذي أعطى كلّ شي‏ء خلقه ثمّ هدى، و لا يرضى لعباده الكفر رحمة منه تعالى بهم.

و من ذلك ما ورد في الأخبار من مجازاة الكفّار على الأعمال الحسنة بالذات كالسخاء، و عليه فالعبد المطيع و إن لم يستحقّ على اللّه شيئا إلّا أنّه لائق و حريّ للإحسان من وجهين: بما أنّه مطيع لأمر اللّه تعالى، و بما أنّه فاعل للفعل الحسن و المادة المفيدة.

و أمّا العبد العاصي فقد استحقّ اللّه عليه العقوبة حسب مرتبة عصيانه، و لو حرمه اللّه تعالى بعض ما يعطيه غيره من المراحم و العنايات كان لائقا بذلك واقعا في محلّه. و لتفصيل الكلام محلّ آخر، و اللّه الهادي الى الصواب.

الأمر الثاني: في أنّ الاستحقاق المذكور هل هو على العمل أو على العزم؟

و الحقّ أنّ العمل الخارجيّ بما أنّه معنون بعنوان إطاعة أمر المولى متّصف بالحسن، و بما أنّه إبراز لمخالفة المولى و لا مبالاة بأمره و نهيه و معنون بمعصية

12

المولى متّصف بالقبح، و العقل و العقلاء يرون أنّ للمولى حقّ أن يعاقب عبده على عمله هذا السيّئ بما أنّها معصيته. و من الواضح أنّ عنوان المعصية و الطاعة متأخّر عن التكليف و مترتب عليه، فالأمر أو النهي متعلّق بذات العمل، و عنوان الإطاعة و العصيان يعرض على العمل بما أنه مخالفة للأمر أو النهي أو موافقته، و العقاب يستحقّ على المعصية، فموضوع التكليف و مركبه ذات العمل و مفاد المادة، و منشأ العقاب هو مخالفة التكليف و مفاد الهيئة.

و على أيّ حال فالعمل الخارجيّ مصداق المعصية، و هو الذي يستحقّ عليه العقاب، و هكذا في جانب الإطاعة مصداقها العمل الخارجي، و هو الموجب للياقة الثواب و ابتغائه.

كما أنّ الانبغاء الذي قلنا به في الاتيان بالأفعال الصالحة المفيدة أو غير الصالحة المضرّة موضوعه العمل الخارجي، فالمكلّف بما أنّه فعل و أتى بفعل ذي مصلحة فلو أحسن اليه كان الإحسان واقعا في محلّه، و بما أنّه أتى بفعل ذي مفسدة كان حرمانه من بعض الألطاف و المراحم واقعا في محلّه.

نعم، لو جازى اللّه تعالى على عزم الطاعة، أو حرم المكلف لأجل مجرّد العزم على المعصية بعض المواهب، لكانت المجازاة أو الحرمان أيضا واقعا في محلّه، إلّا أنّه لا ريب في أنّ استحقاق العقاب إنّما يكون بحكم العقل العمليّ و العقلاء على العصيان و المخالفة العملية، لا على العزم بالمعصية، سواء أ تجرّد عن العمل أم قارنه.

هذا كلّه بالنسبة إلى الإطاعة و المعصية الحقيقيتين.

الأمر الثالث: هل التجرّي موجب لاستحقاق العقاب؟

و الحقّ: أنّ الوجدان السليم يقضي بأنّه يوجب استحقاق العقاب كما في الكفاية، إلّا أنّ موضوعه و منشأ العقاب هنا أيضا هو العمل الخارجي، حذو ما مرّ في العصيان الحقيقي.

بيانه: أنّ القاطع بالقطع الطريقيّ إذا قطع- مثلا- بأنّ شرب التتن حرام، أو بأنّ‏

13

صلاة العيد واجبة، أو بأنّ هذا المائع خمر محرّمة فهو يرى أنّ المولى كأنّه قد حضر عنده يطلب منه ترك ما قطع بحرمته و فعل ما قطع بوجوبه، فالمكلّف القاطع الواقع في هذا المجال اذا فعل الأوّل و ترك الثاني كان فعله و تركه هتكا لحرمة المولى و إساءة اليه عملا، كما كان ذلك في المعصية الحقيقية، و انكشاف الخلاف و الخطأ في قطعه لا يؤثّر في ارتفاع عنوان الهتك و الإساءة و أمثالهما عن العمل الخارجي.

و بعبارة اخرى: انّ حقيقة المعصية ليست تأثيرا للتكليف المجعول المولويّ في العمل الخارجيّ تأثيرا تكوينيا طبيعيا، كيف و التكليف أمر اعتباريّ مجعول لا يترقّب منه أثر خارجي؟! بل إنّ هذا الأمر المجعول حيث إنّه قد جعله المولى إعمالا لمولويّته فيجب على المكلّف بحكم العقل إذا قام عنده الحجّة عليه بالعلم به- مثلا- أن يمتثله، بمعنى: أنّه لو لم يعتن به فبما أنّه مظهر لمولويّة المولى فقد أهان المولى و استحقّ عقابه، فالإهانة أيضا أمر عقلائي ينتزع من عمله الخارجي، لتعلّقه بما هو مرتبط بالمولى، فهذه الإهانة و اللامبالاة بطلب المولى المعلوم لديه هي المعصية الحقيقية.

و عليه، فاذا حصل عند المكلّف من مقدمات القطع بالتكليف جميعها و مع ذلك لم يعتن بالتكليف المعلوم عنده فبمجّرد عدم الاعتناء يكون عمله إهانة و إساءة بالمولى يستحق بها العقاب و إن تبين خطؤه في قطعه؛ لما عرفت من أنّ المعصية ليست تأثيرا و تأثّرا خارجيّين من ناحية طلب المولى، بل هي منتزعة من العمل اذا لم يبال بحضور المولى و طلبه، و قوام هذا الانتزاع بقطعه بطلب المولى، يعني:

أنّ القطع حيثية تعليلية تامة لانتزاعها عن العمل بما أنّه مخالفة لذات ما يقطع بأنّه طلب المولى، فنحن أيضا لو جلسنا مجلس القاطع و كنّا موضعه و فعلنا فعله لما كان فعلنا إلّا لا مبالاة بحرمة المولى و هتكا لها، و كان قطعنا موجبا لصدق عنوان الهتك و التجرّي على عملنا، فالعمل الذي بنفسه معصية المولى عند القاطع و يفعله بالمبادئ الإرادية الموجودة في نفسه يكون عملا إراديّا و هتكا للمولى،

14

غاية الأمر أنّه يعبّر عن هذا الهتك بالعصيان إذا أصاب قطعه الواقع، و بالتجرّي إذا أخطأ. و بما أنّ ميزان الصدق هو انتساب ذات المقطوع به الى المولى و أنّه قطع بطلب المولى فلا يضرّ بصدق الهتك انكشاف خطئه في قطعه.

و منه تبيّن أنّ عنوان التجرّي- كعنوان المعصية- عنوان متأخّر عن مرتبة ذات العمل الموضوع للمصلحة و المفسدة، و للأمر و النهي، و كالمتفرّع على طلب المولى و تكاليفه، فمرتبته مرتبة العصيان و الامتثال، و من قبيل المتفرّعات على مفاد الهيئات لا المواد.

فلا نتوقّع من ترتّب استحقاق العقاب على التجرّي أن يكون ذات العمل بعنوانه الذاتيّ قبيحا حتى يقال- كما في الكفاية و غيرها- بعدم حدوث ما يغيّر حسنه، بداهة بقاء قتل الابن على ما كان عليه من المفسدة و إن قطع بوجوبه خطأ، بل نقول: إنّ القبيح هو العمل الخارجيّ بما أنّه هتك لحرمة المولى، كما كان كذلك في استقباح العصيان الحقيقي، فقبح العصيان من لوازم مفاد الهيئات و من آثار التكليف، لا من لوازم المادّة و من آثار الملاك، و هكذا الأمر في التجرّي.

و ليس القصد الى مقطوع الحرمة أو الوجوب بما أنّه مقطوع ملاك صدق التجرّي، بل القطع كما عرفت حيثية تعليلية، و علّة لكون الفعل أو الترك الخارجيّ مصداق العصيان أو التجرّي، و عليه فلا يضرّ كون عنوان المقطوع غير ملتفت إليه و لا مقصودا.

كما أنّ تمام الملاك لكون الفعل لا مبالاة هتكا بالمولى عدم القيام مقام الإطاعة لما يراه واجبا أو حراما، و هو لا يتوقّف على أزيد من الإتيان بفعل يقطع بكونه معصية للمولى، و لا يحتاج الى قصد هتك جناب المولى بعنوانه، بل اذا دعاه شقوته الى العمل لكان عمله هتكا لحرمة المولى، و مصداقا للمعصية مع الإصابة، و للتجرّي مع الخطأ، فلا يرد عليه ما في الدرر (1).

____________

(1) درر الفوائد: ج 2 ص 336.

15

و أمّا ما في رسائل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): من أنّ حكم العقل و بناء العقلاء إنّما هو لكشف التجرّي عن سوء سريرة الفاعل فاستحقاق الذمّ على المنكشف لا الكاشف فهو ممنوع؛ لما عرفت من أنّ ملاك الاستحقاق الموجود في المعصية موجود في التجرّي، فكما أنّ مصداق العصيان و موجب الاستحقاق هو الفعل الخارجيّ فكذلك في التجرّي.

و من التأمّل في ما ذكرنا تقدر على دفع جميع الشبهات المذكورة في كلمات القوم أو المتوهّمة، فلا نطيل الكلام بالتعرّض لهما و لبيان اندفاعها، و اللّه العاصم و هو الهادي الى الصواب.

الأمر الرابع: في أنّ استحقاق العقاب على التجرّي لا يستلزم حرمته.

و قد ظهر الوجه فيه ممّا ذكرنا، و حاصله: أنّ استحقاق العقاب عليه كاستحقاقه على المعصية الحقيقية من فروع و تبعات التكليف و متأخّر عنه، فكما أنّ استحقاقه على المعصية إنّما هو مجرّد مجازاة على التكليف المولويّ من دون أن يوجب حرمة مولوية للمعصية عند العقل العمليّ و العقلاء فهكذا الأمر في التجرّي حرفا بحرف.

و ما يقال: من أنّه لا ريب في حكم العقل بقبح التجرّي، و لا في أنّ كلّ ما يحكم العقل بقبحه فهو حرام شرعا، فلازمه، حرمة التجرّي.

فيه: أنّا لا نسلّم كلّية الكبرى، بل القبح أو الحسن: تارة يكون منشؤه ذات العمل الذي يكون مادة التكاليف، مع قطع النظر عن تعلّق طلب المولى به، كقبح الظلم و حسن العدل، و اخرى يكون منشؤه تعلق تكليف المولى به و مفاد الهيئة، و ما يمكن أن يقال باستلزامه لأمر المولى و نهيه هو القسم الأوّل لا الثاني، و سند التفصيل مراجعة وجدان العقلاء و العقل العملي.

و أمّا ما قيل‏ (1): من أنّ مجرّد الحسن أو القبح لا يوجب حكما مولويا، و إنّما

____________

(1) كما عن المحقّق الخراساني في التعليقة، و تبعه غيره.

16

يوجبه إذا لم يكن بنفسه موجبا للثواب أو العقاب، و أمّا إذا أوجبه بنفسه كما هنا فلا يبقى مجال لإعمال المولوية ففيه: أنّ هذا الحسن أو القبح الموجب للمجازاة أيضا إذا كان ناشئا عن ذات العمل و مادّة الأفعال كالخضوع له تعالى و سبّه- و العياذ باللّه- فلا نسلّم أن لا يبقى معها مجال لإعمال المولوية، فإنّ إعمالها يوجب ثوابا أو عقابا أزيد، ناشئا عن الامتثال أو المعصية المتفرّع على مفاد الهيئة، و ربما يوجب هذا العقاب الزائد حركة العبد.

فقد تحصّل من جميع ما مرّ: أنّ التكليف الذي هو مفاد الهيئة يلزمه استحقاق المولى على عبده أن يعاقبه إذا أحرز هذا التكليف، سواء أ كان إحرازه موافقا للواقع أم لا، و لم يوافقه، و أنّ مسألة استحقاق العقاب من فروع التكاليف و تبعاتها، و لا يلزمه حكم مولويّ آخر، بل هو من تبعات كلّ حكم إلزاميّ مولويّ كما بيّنّاه.

و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: الظاهر أنّ كلّ تكليف إلزاميّ إنّما يوجب المؤاخذة و استحقاق العقاب إذا خالفه المكلّف و عصاه بترك الواجب و فعل الحرام، و أمّا المراحل السابقة من الاشتياق و العزم و الإرادة لهذه المخالفة فليست موجبة لاستحقاقه، سواء تعقّبها العصيان أو تجرّدت عنه، و السند هو حكم العقل و العقلاء الذين هم المرجع في هذا الباب و إذا كانت المعصية الحقيقية كذلك يعلم منه حكم التجرّي الذي لا يزيد على المعصية في إيجاب الاستحقاق قطعا.

و هذا ليس بمعنى عدم إمكان توجيه التكليف نحو العزم و القصد، كما لا يخفى، بل إنّما معناه: أنّ التكليف اذا توجّه نحو عمل فلا يترتّب العقاب إلّا على المخالفة العملية له لا على العزم أو الإرادة المجرّدة أو المقارنة.

الثاني: أنّ التجرّي علّة تامّة للاستحقاق المذكور، و حيث إنّه من فروع التكليف الذي هو مفاد الهيئة و لا ربط له بالمادة و ملاكها فملاك المادة لا يزاحمه لكي يحدث موضوع رعاية الأهمّ، بل لو فرضت له مزاحمة فإنّما هي بأن يتّحد مع‏

17

طاعة تكليف آخر، ربما كان ما يلزمها من الانقياد و الامتثال أقوى ممّا يترتّب على هذا التجرّي، فما عن الفصول هنا من التفصيل ممّا لا وجه له.

الثالث: قد ظهر ممّا مر حكم الانقياد، و أنّه يوجب ابتغاء الثواب و لياقته على نفس العمل الخارجي بلا لزوم محذور أصلا. نعم، إنّ مرحلة و مرتبة من هذه اللياقة و الابتغاء متحقّقة في القصد و العزم على الإطاعة أو الانقياد و إن انفك عن العمل، فإنّ إعطاء الثواب و الجزاء الحسن للقاصد و العازم أيضا ممّا يدعو الى تكامل العباد، فيستحسن من اللّه خالقهم الذي لا يرضى لعباده إلّا الحسن.

بل لا يبعد أن يقال: بأنّه لو حرم القاصد للمعصية أو التجرّي بعض الإحسانات و المراحم الابتدائية لكان واقعا في محلّه أيضا، فالعازم و إن لم يستحقّ العقاب إلّا أنّه يستحقّ- بمعنى الابتغاء- حرمان بعض المراحم و الإحسانات الابتدائية.

الرابع: قد ظهر ممّا ذكرناه: أنّ ما ذكرناه في التجرّي لا يختصّ بما اذا حصل للمكلّف قطع بالتكليف غير مطابق للواقع، بل يجري في كلّ أمارة غير واثقة و لا مطابقة للواقع، بل و في كلّ حجّة غير مطابقة للواقع، و وجهه ظاهر. نعم، اذا كان مجرّد قيام الأمارة أو الحجّة الاخرى تمام موضوع لحكم إلزاميّ واقعي فهو يخرج عن موضوع التجرّي، و يكون من مصاديق العصيان الحقيقي، فلا تغفل.

الأمر الثالث أقسام القطع و أحكامها

القطع: إمّا طريقيّ محض، و هو ما كان الأثر مترتّبا على متعلّقه. و إمّا موضوعيّ يكون دخيلا في موضوع الحكم و الأثر.

و الموضوعي: إمّا تمام الموضوع، و إمّا جزءه أو قيده. و كلّ منهما: إمّا يؤخذ في الموضوع بما أنّه أحد الطرق المعتبرة، و إمّا يؤخذ فيه بما أنّه كاشف تام بنفسه عن متعلّقه، و إمّا يؤخذ بما أنّه صفة نفسانية للقاطع قبال السخاء و الشجاعة

18

مثلا. فأقسامها ستة تضاف على الطريقيّ المحض فتكون سبعة.

و المراد من القطع الموضوعي هنا: ما اخذ في موضوع حكم آخر متعلّق بموضوع آخر، كما لو وجب التصدّق على من قطع بوجوب غسل الجمعة أو بخمريّة هذا الشي‏ء. أو في موضوع حكم مخالف للحكم المتعلق بما تعلق به القطع، كما لو كان حكم النجاسة مترتّبا على ما قطع بحرمته أو بخمريّته. و أمّا أخذه في موضوع نفس الحكم المقطوع به، أو في موضوع حكم مماثل، أو مضادّ فسيأتي البحث عنه- إن شاء اللّه تعالى- في الفصل التالي.

و كيف كان فلا ينبغي الريب في إمكان الأقسام المذكورة.

و قد يستشكل إمكان القطع الموضوعيّ الذي اخذ تمام الموضوع على وجه الطريقية، من جهة أنّ مقتضى كونه طريقيّا أن يكون للواقع ذي الطريق دخل في تحقّق الموضوع، كما هو الشأن في كلّ طريق، مع أنّ مقتضى كونه تمام الموضوع عدم ذلك الدخل، و هما متنافيان.

إلّا أنّ فيه: أنّ المراد بالطريقية هنا أن العناية فيه هو انكشاف المتعلق به بالحدّ الممكن في القطع، سواء أ كان في الواقع انكشافا أم لا، كما مرّ بيانه في باب التجرّي، حيث قلنا: إنّ منشأ استحقاق العقاب أنّ ما هو حكم المولى منكشف للقاطع، بحيث لو كان كلّ أحد مكان المتجرّي ليرى حكم المولى و تكليفه الإلزامي، و هذا هو المراد من تعبيرنا ب «الحدّ الممكن في القطع»، قبال ما إذا كان العناية الى حصول هذه الصفة في نفس القاطع، و إن كان لا محالة لا تنفك عن انكشاف المتعلق، إلّا أنّه ربما يكون تمام العناية بانكشاف المتعلّق بالحدّ الممكن للقاطع فيؤخذ القطع طريقيا، و ربما يكون بحصول هذه الصفة في نفسه فيؤخذ على وجه الصفتيّة.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من اعتباره في الموضوع على وجه الطريقية، هو ما اخذ فيه بما أنّه أحد الطرق المعتبرة، و من اعتباره فيه من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص هو أن يؤخذ فيه بما أنّه طريق حالّ كاشف‏

19

بنفسه عن متعلقه، و في الحقيقة كلاهما من أقسام القطع الطريقي المأخوذ في موضوع الأحكام، إلّا أنّ أحدهما بما أنّه مصداق للطريق المعتبر، و الثاني بما أنّه طريق خاصّ كاشف بنفسه عن متعلّقه، و الشاهد عليه أنّه جعل من الثاني اعتبار القطع بالمشهود به في جواز الشهادة به على قول، و عدم جواز أدائها استنادا الى البيّنة و اليد، مع أنّ من الواضح أنّه لو اعتبر القطع بالمشهود به فإنّما هو لأن يتّضح المشهود به لدى الشاهد كما يرى كفّه، لا لمجرّد حصول صفة القطع له، كما لا يخفى. و عليه فالحقّ في تفسير كلام الشيخ (قدّس سرّه) مع الدرر (1)، لا مع نهاية الدراية (2)، فراجع.

اذا عرفت أقسام القطع فيقع الكلام في أنّه هل تقوم الطرق المعتبرة و الاصول العملية مقام القطع بنفس أدلّة اعتبارها أم لا؟ فالكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في قيام الطرق المعتبرة مقامه؛ فنقول: لا بدّ من ذكر مقدمة لاتّضاح ما هو التحقيق عندنا، و هي: أنّه لا ينبغي الريب في أنّ أساس حجّية الأمارات الغير العلمية عند العقلاء ليس إلّا أنّهم يرون قيام تلك الطرق إحرازا و وصولا لما قامت عليه، و لذلك لمّا احرز و كان متحقّقا، فلا محالة تترتّب عليه آثاره و أحكامه، و أمّا أنّ هذا الوصول و الإحراز منزّل منزلة القطع بحيث يكون هذا الظنّ وجودا تنزليا و ادّعائيا للقطع، أو أنّ ما احرز و قام الطريق عليه فهو نازل منزلة الواقع، بحيث يكون ما قام الطريق عليه وجودا ادّعائيا للواقع، أو أنّ ما قام الطريق عليه فهو محكوم فعلا بحكم الواقع، بحيث يكون حكم فعلي مترتّبا عليه، سواء وافق الواقع أو خالفه فلا، بل ليس من التنزيل في نفس الأمارات، و لا في مؤدّاها، و لا من ثبوت حكم مماثل على مؤدّاها عين و لا أثر عند العرف و العقلاء، بل القطع عند العقلاء فرد و مصداق جلي من الإحراز و الوصول، و الامارة أيضا مصداق آخر منه في عرضه، لا أنّ أحد الإحرازين أو مؤدّى أحدهما نازل منزلة الآخر و في‏

____________

(1) الدرر: ج 2 ص 330- 332 طبع جماعة المدرسين.

(2) نهاية الدراية: ج 3 ص 47- 50.

20

طوله بحيث يكون لأحدهما الأصالة و للآخر التنزيل و التبعية. و كما أنّ القطع في ما أخطأ لا يوجب إنشاء حكم شرعيّ مماثل لما يتخيّله القاطع فهكذا الأمر في الطريق المخطئ حرفا بحرف.

و هذه الدعوى من الوضوح بمكان لا تحتاج إلى البيان، و يكفي في التصديق و الإذعان البيّن بها مراجعة الوجدان في ما أخبر الثقة المعتبر- مثلا- بأنّ هذه دار زيد فإنّه لا ريب في أنّه بخبره يحرز دار زيد و لا محالة يطرق بابها من يريد الدخول فيها، إلا أنّه لا ينزّل هذه الدار منزلة دار زيد، و لا يحكم عليها عندهم بحكم داره و لا يجعل إحرازها بمنزلة الإحراز القطعي بحيث يعدّ قطعا تنزيليا ادّعائيّا، بل هو احراز كما أنّ القطع إحراز، و يعامل معه كما يعامل مع نفس القطع كما لا يخفى.

هذا كيفية الأمر في الاعتبار العقلائيّ للأمارات المعتبرة و من المعلوم أنّه ليس للشارع في باب الطرق اصطلاح جديد و اختراع حديث، بل الغالب منه إمضاء الطرق العقلائية، و نهاية الأمر أن يزيد عليها مصداقا آخر اعتباره كاعتبارها.

و بعد هذه المقدمة نقول: إنّه إذا قام طريق معتبر على ما كان القطع فيه طريقا محضا فحيث إنّ هذا الطريق إحراز للواقع فلا محالة تترتّب عليه آثار الواقع، إلّا أنّه ليس هذا من بركة التنزيل أو محكومية ما قام عليه الطريق بحكم مماثل، بل لمّا احرز الواقع بالطريق فلا محالة تترتب آثار الواقع من غير حالة منتظرة. فكما أنّ القطع كان إحرازا للواقع و موجبا لترتّب آثاره فهكذا الطرق المعتبرة حرفا بحرف.

نعم، حيث إنّ القطع و الطريق المعتبر مشتركان في ما يتعقّبهما و يترتّب عليهما من الآثار يصحّ أن يعبّر بأنّه يعامل مع الطريق المعتبر معاملة القطع في مقام العمل، كما عبّر به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في الفرائد، إلّا أنّه كما ترى غير مسألة التنزيل مقامه أو مقام المؤدّى أو جعل الحكم المماثل، كما لا يخفى. و حينئذ فسرّ

21

هذا التعبير و مصحّحه هو مجرّد شدّة وضوح المطلب في باب القطع، و إلّا فليس من الفرعيّة و التنزيل و أمثالهما عين و لا أثر. هذا في القطع الطريقيّ المحض.

و أمّا القطع الموضوعي بأقسامه الستّة فيعرف حكمه ممّا ذكرناه، فإنّه في المأخوذ منه على نحو الصفتية أو الطريقية المختصّة به بمعنى الكاشفية التامّة لا تدلّ أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات على تنزيلها منزلة القطع أصلا، فلا دليل من هذه الجهة على قيامها مقامه و ترتّب آثاره عليها.

و أمّا المأخوذ منه على نحو الطريقية بمعناها المشترك بين القطع و سائر الطرق المعتبرة فأدلّة اعتبار الطرق و إن لم تدلّ على التنزيل- كما عرفت- إلّا أنّها لا ريب في دلالتها على اعتبار الأمارات طريقا، فتدلّ على أنّ خبر الثقة أو الظواهر- مثلا- طريق معتبر الى مؤدّاه، فيصير خبر الثقة أو ظاهر الخطاب مصداقا و فردا من أفراد الطريق المعتبر، فلا محالة يترتب عليه أيضا ما كان مترتبا على القطع بما أنّه طريق معتبر، كما لا يخفى، و هذا هو مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في قوله بقيام الأمارات و الاصول مقام القطع المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الطريقية.

إلّا أنّه قد يستشكل فيما لم يكن لنفس ما قامت عليه الأمارة أثر شرعي، و لا سيّما إذا كان القطع الطريقيّ تمام موضوع الحكم؛ و ذلك أنّه اذا لم يكن أثر مترتبا عليه لم يمكن شمول عموم أدلّة اعتبار الأمارات له، إذ لا معنى لاعتبار شي‏ء أمارة على أمر إلّا وجوب ترتيب آثار واقع ذلك الأمر على مؤدّى الأمارة، فاذا لم يكن له أثر أصلا لما كان لاعتبار الأمارة القائمة عليه معنى.

و الحقّ عدم وقع لهذا الإشكال، لما عرفت من أنّ حقيقة اعتبار الطرق إنّما هي كونها إحرازا لما قام الطريق عليه، غاية الأمر أنّه يشترط عدم لزوم اللغوية من اعتبارها في الموارد، و يكفي فيه أن يكون نفس قيام الطريق عليه موضوعا للحكم الشرعي، فبعموم أدلّة حجّية الأمارات يصير المورد ممّا قام عليه الأمارة، و يتحقق مصداق موضوع الحكم المذكور و يترتب عليه، كما لا يخفى.

و قد ظهر ممّا حقّقناه أنّه لا تدلّ أدلّة اعتبار الأمارات على تنزيل الظنّ منزلة

22

القطع أصلا، فلا تصل نوبة البحث عن إمكان انعقاد الإطلاق لها و شموله لتنزيل الظنّ الطريقي المحض منزلة القطع الطريقي المحض، و تنزيل الظنّ الموضوعيّ منزلة القطع الموضوعي، و الإيراد عليه بأنّه جمع بين لحاظين متنافيين في لحاظ واحد، كما في الكفاية و تعليقة الفرائد، و إلّا أمكن الذبّ عنه بأنّه إن جعل الموضوع في دليل التنزيل عنوان الظنّ كان عنوانا واحدا ملحوظا استقلاليا و شاملا للظنّ الطريقيّ و الموضوعي، فينزّل منزلة القطع المطلق الشامل لكلا القسمين، و كون الظن في ما اذا اخذ طريقا ملحوظا آليا لا يمنع عن توجّه اللحاظ الاستقلالي اليه، كما لا يخفى.

كما لا تصل نوبة البحث عن إمكان الاستدلال باطلاق دليل تنزيل مؤدّى الأمارات منزلة الواقع، و إلّا فقد أمكن توجيه هذا الاستدلال بوجهين:

أحدهما: أن يقال: إنّ دليل التنزيل بإطلاقه يدلّ على وجوب فرض مؤدّى الأمارات منزلة الواقع من دون أيّ فرق بينهما، و حينئذ فيترتّب بمقتضى هذا الإطلاق الآثار المترتبة على الواقع على نفس مؤدّى الأمارات، و يترتّب أيضا الآثار المترتبة على القطع بالواقع على القطع بمؤدّاها.

و ثانيتهما: أن يقال- كما في التعليقة و الكفاية- بأنّ العرف يرى ملازمة بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع؛ فاذا دلّت أدلّة اعتبار الأمارات بالمطابقة على تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع يفهم منها بالملازمة العرفية أنّ القطع بالمؤدّى أيضا نزّل منزلة القطع بالواقع، فيترتّب عليها الآثار المترتبة على القطع بالواقع.

و عمدة الإشكال على الوجهين: أنّه لا تدلّ أدلّة اعتبار الأمارات على التنزيل أصلا كما عرفت، مضافا الى ما يرد على ثاني الوجهين من إنكار تلك الملازمة المذكورة.

و أمّا ما في الكفاية من الإيراد على الوجه الثاني باستلزامه الدور لأنّ دلالته على تنزيل المؤدّى تتوقّف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة، و لا دلالة له‏

23

كذلك إلّا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى. انتهى.

ففيه أوّلا: أنّه مختصّ بما لم يترتّب على الواقع بنفسه أثر شرعي، و إلّا فدلالته على تنزيل المؤدّى لا تتوقّف على التنزيل الآخر.

و ثانيا: أنّ دلالته على تنزيل المؤدّى لا تتوقّف إلّا على عموم أو إطلاق دليل الاعتبار، و هو حاصل على الفرض، و المانع من الأخذ بهذا الظهور إنّما هو لزوم اللغوية، و هي لا تلزم إلّا فيما لا ينتهي الى ترتّب أثر أصلا. و أمّا في ما نحن فيه ممّا يترتّب على القطع به أثر شرعيّ فليس تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لغوا محضا، و عليه فدلالته على تنزيل القطع بالمؤدّى منزلة القطع بالواقع و إن كانت موقوفة على دلالته على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع قضاء لحقّ التلازم إلّا أنّ دلالته على تنزيل المؤدّى لا تتوقّف إلّا على الظهور في الشمول، فلا دور.

و الى ما ذكرنا يرجع الجواب عنه: بأنّه مبنيّ على القول باحتياج تنزيل الجزء الى وجود الأثر الفعلي، و إلّا فبناء على كفاية الأثر التعليقيّ للجزء بأنّه لو انضمّ اليه جزؤه الآخر لوجب فعلا، فلا يرد محذور الدور؛ نظرا الى صحة تنزيل المؤدّى حينئذ بلحاظ أثره التعليقي، بلا توقّفه على شي‏ء انتهى.

هذا كلّه في قيام الطرق بأدلّة اعتبارها مقام القطع، و هو المقام الأوّل.

المقام الثاني: في أنّه هل تقوم الاصول العملية بأدلّة اعتبارها مقام القطع؟

و التحقيق هنا أيضا: أنّ أدلّة الاصول غير الاستصحاب حجّة على اعتبار تلك الاصول و حجّيتها في موارد جريانها، من دون دلالة على تنزيل أصلا، فلا مجال لتوهّم قيامها مقام القطع بجميع أقسامه، إلّا أن يراد: أنّها أيضا حجّة في مجاريها كما كان القطع و الطرق المعتبرة حجّة، و أمّا أن تكون الاصول قطعا في عالم العناية و التنزيل فليس عليه في أدلّتها عين و لا أثر أصلا، هذا في غير الاستصحاب.

و أمّا هو: فقد يتوهّم دلالة دليل اعتباره الوارد بلسان «لا تنقض اليقين بالشك» على بقاء اليقين السابق في عالم التعبّد و محيط القانون في زمان الشكّ؛ و الحكم ببقاء اليقين دالّ بإطلاقه على ترتّب جميع الآثار المترتبة على القطع في‏

24

زمان الشك، سواء كان قطعا طريقيا محضا، أو موضوعيا بأحد الوجوه الماضية، فالوجهان المشار اليهما في أدلّة اعتبار الأمارات و إن كانا فرضيّين هناك إلّا أنّهما لهما واقعية هاهنا. هذا.

لكنّه كما ترى؛ فإنّ الظاهر من دليله أنّ اليقين المذكور فيه قد اريد منه ما هو طريق الى المتيقن، و المراد منه التعبّد ببقاء المتيقّن في زمان الشك، كما يشهد له- مضافا الى ظهوره بنفسه- الاستدلال بهذه القاعدة في أخبار الباب على الحكم ببقاء الطهارة الحدثية و الخبثية، فراجع، فلا إطلاق له يستدلّ به على إثبات ترتيب آثار القطع، و اللّه العالم.

الأمر الرابع أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه، أو مثله، أو ضدّه‏

أمّا الأوّل فلا ينبغي الشكّ في استحالته، إلّا أنّه لا لمكان لزوم الدور، فإنّه غير لازم، إذ وجود الحكم و فعليّته حينئذ و إن كان متوقّفا على وجود القطع توقّف الحكم على موضوعه إلّا أنّ وجود القطع غير متوقف على وجود الحكم، فإنّ تحقّق القطع ممكن و لو مع عدم حكم في الخارج، فهو يكشف عن أنّ وجود الحكم خارجا ليس واقعا في سلسلة علل وجود القطع به، غاية الأمر أنّ القطع اذا طابق الواقع كان ملازما لوجود المقطوع، لكن التلازم أعمّ من التوقّف، كما لا يخفى.

بل سرّ الاستحالة: أنّ حقيقة صفة القطع- كالظنّ و الشكّ و الوهم، بل و الحبّ و البغض و العشق و كثير آخر من الصفات النفسانية-: إنّما تكون صفات تعلّقية و يكون متعلّقها أمرا متقوّما بنفسه و بحيال ذاته- أعني به ما اصطلح عليه بالمقطوع بالعرض و المظنون بالعرض، أي إنّ المفروض في كلّ من هذه الصفات أنّ المصداق الخارجيّ الّذي يعبّر عنه و لو مجازا بأنّه متعلق هذه الصفات يكون في تحقّقه الخارجيّ منوطا بعلله، ثمّ يتعلق به هذه الصفات بحيث لا تكون هذه‏

25

الصفات واقعة في سلسلة علله، بل خارجة عنها متعلقة به- فمتعلق هذه الصفات بطبعه أمر يتحقّق بحيال ذاته، و حينئذ فجعله متوقّفا على هذه الصفات- كما يقتضيه أخذ هذه الصفات في موضوع شخص هذا الأمر- خلف بيّن.

نعم، إنّ هذا الإشكال أيضا إنّما يلزم مع وحدة الرتبة، لا مع اختلافها كما أفاده في الكفاية أيضا.

ثمّ إنّ لازم ما ذكرنا أنّ الحكم و مبادئه مترتّب و متفرّع على ذات موضوعه، من دون دخل للقطع أو الجهل بحكمه فيه، و ذات الموضوع بجميع قيوده لمّا كانت منحفظة في موارد القطع و الظنّ و الشكّ و الوهم فلا محالة يكون الحكم أيضا ثابتا في جميع هذه الحالات على نفس الموضوع، من غير دخل أيّ من هذه القيود، و هو بعينه معنى الإطلاق و حقيقته، فإنّه قد مرّ أنّ حقيقة الإطلاق في غالب الموارد هي كون ذات الموضوع تمام ما هو موضوع حكم الحاكم، بلا دخل للقيود فيه، و هو قد يثبت ببركة مقدّمات الإطلاق المعروفة، و هو الغالب، و قد يثبت ببركة هذا البرهان العقلي، كما في أمثال ما نحن فيه، و لا تتوقّف حقيقة الإطلاق على ملاحظة المقيّدات و تسرية الحكم اليها، فإنّ الإطلاق ليس جمعا بين القيود، و لا على إمكان هذه الملاحظة؛ لعدم الدليل عليها.

نعم، ربما يتوقّف الأخذ بالإطلاق من ناحية المقدمات المعهودة على هذا الإمكان، إلّا أنّه ليس بمعنى انحصار انعقاد الإطلاق و إثباته على قيام تلك المقدمات، بل ربما يجلس برهان قطعيّ عقليّ مكانها و ينتج نتيجتها.

و ممّا ذكرنا تعرف أن تخصيص الحكم بخصوص مورد ثبوت هذه القيود غير ممكن، لترتّبه على ذات الموضوع المحفوظة في كلتا حالتي وجود هذه الصفات و عدمها، فما في كلمات بعض الأعلام‏ (1)، من إمكانه بنحو نتيجة التقييد ممّا لا يمكننا تصديقه، بل المسلّم هو ثبوت الإطلاق، إلّا أنّه بالبرهان لا بالمقدمات.

____________

(1) و هو الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

26

كما أنّ ما في كلمات بعض المحقّقين‏ (1) من تصحيح نتيجة التقييد بطريقة الحصّة التوأمة بجعل الحكم للذات التوأمة. مع خصوص العلم بحكمها لا مقيّدا به و لا مطلقا ممنوع جدّا؛ لما ذكرناه معه غير مرّة: من أنّه إن كان لهذه التوأميّة دخل في الموضوع رجع الى التقييد المفروض استحالته، و إلّا فالذات ثابتة في حالة التوأميّة و غيرها، و يتبعها حكمها. اللهمّ إلّا أنّ يجعل الحكم على الذات اذا حصل العلم و مشروطا بحصوله، و هو أيضا هنا غير صحيح؛ لأنّ جعل حصول العلم بالحكم شرطا لفعلية الحكم مستلزم للخلف على التحقيق؛ و لتقدّم الشي‏ء على نفسه أو الدور عندهم.

هذا كلّه في أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه.

و أمّا أخذه في موضوع ضدّه أو مثله فقد افيد في امتناعه باستلزامه اجتماع الضدّين أو المثلين.

لكنّك خبير بأنّ الأحكام ليست من الأعراض الخارجية التي يكون الضدّان أو المثلان الاصطلاحيّان من جملتها، بل إنّما هي امور اعتبارية تتبع في إمكان اجتماع كلّ منها مع الآخر صحّة اعتباره عند العقلاء و عدمها.

و عليه فلا ينبغي الريب في عدم صحّة اعتبار حكم مضادّ للآخر على موضوع واحد و إن اختلفا بأن يكون أحدهما على الذات و الآخر على الذات المقطوع حكمها، كأن يقال: «صلاة الجمعة واجبة، و صلاة الجمعة المعلوم وجوبها محرّمة أو مكروهة».

و أمّا المثلان كأن يقال في الفرض: «صلاة الجمعة واجبة، و صلاة الجمعة المعلوم وجوبها واجبة» فلا دليل على امتناعه، بل و لا على امتناع أن يقال أيضا:

«و صلاة الجمعة المعلوم وجوبها مستحبّة». و هكذا اذا قيل: «الخمر حرام، و الخمر المعلوم حرمتها مكروهة» على تأمّل فيهما، إلّا أنّه لا ريب هنا في صحة اجتماع‏

____________

(1) هو المحقّق العراقي (قدّس سرّه).

27

المثلين من الأحكام باصطلاحهم، و اللّه العالم.

هذا كلّه في القطع.

و أمّا الظنّ فهو مثل القطع إذا اخذ في موضوع شخص الحكم، أو فرض كونه طريقيا معتبرا الى الواقع المظنون، و أمّا أخذ الظنّ غير المعتبر في موضوع حكم مضادّ لما ظنّه أو مماثل له فلا بأس به، كما لا يخفى لمن تدبّر.

الأمر الخامس في الموافقة الالتزامية

قد يستشكل فيقال: إنّ حقيقة القطع و العلم هو الإذعان بالنسبة، فلا يتصوّر للقاطع أن لا يوافق مقطوعه التزاما، بل الموافقة الالتزامية ضروريّة الثبوت للقاطع و من لوازم قطعه، فلا مجال لتوهّم عدمها، و لا لاتّصاف مثلها بالوجوب من باب وجوب امتثال التكاليف، فإنّ المعتبر في الواجب أن يكون أمره بيد المكلّف.

و الجواب: أنّ المراد بها هو الخضوع القلبيّ لما قطع به و ثبت لديه في قبال الاستكبار النفسانى، فمن علم بنبوّة النبيّ: فتارة يبني في قلبه على أن يراه في مقام الإظهار و الإثبات نبيّا فيذعن له قولا، و ربما يعمل بأحكامه عملا، فهو ملتزم بالنبوّة مؤمن بها. و اخرى يكون ذا قلب متكبّر يبني على جحوده و إنكاره، فينادي بالإنكار، و لا يطيع ما ينبئ به من الأحكام، فيكون من الكفّار، و الظاهر أنّه المراد في مثل قوله تعالى الوارد في وصف الكفّار: وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا، و عليه فالإيمان و الكفر أمر وراء مجرّد العلم و اليقين، و مع ذلك فهما من الامور و الصفات القلبية التي أمرها بيد المكلّف كالأعمال الجوارحيّة.

و حينئذ فالحقّ أنّه لا دليل على وجوب الموافقة الالتزامية، فإنّها ليست من مراتب الامتثال الواجب في حكم العقل، كما أوضحه الأعلام شكر اللّه سعيهم، و لا ممّا يلزمه وجوب الاعتقاد بالنبوّة، فإنّ معنى الاعتقاد بها أن يبنى على أنّ ما يخبر به فهو ممّا حكم به و قاله اللّه تعالى، و هو كما ترى غير البناء القلبيّ على موافقته،

28

فإنّ غاية ما يقتضيه الإيمان بالنبوّة أن يكون ما أنبأ به، كما اذا سمعه من اللّه بلا واسطة، فكما يتصوّر للحكم المسموع من المولى أن يوافقه التزاما أو لا يوافقه فكذلك في ما ثبت له بواسطة النبيّ الذي يعتقد بنبوّته و يبني على تصديقه.

و أمّا استنباط القول بوجوبها من قول الأصحاب بمنع الرجوع الى حكم علم عدم كونه حكم الإمام (عليه السّلام)، و تفريعهم عليه عدم جواز الفصل في ما علم كون الفصل طرحا لقوله (عليه السّلام)،- كما في رسالة الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)- فغير متين، فإنّ الذهاب الى التفصيل في المسألة المذكورة من مصاديق الإفتاء بغير ما أنزل اللّه، و الإفتاء من أفعال المكلّف المحكومة بالحرمة اذا كان على خلاف ما أنزل اللّه، و هو غير مجرّد عدم الالتزام قلبا بالحكم الذي ثبت له أنّه قد حكم به اللّه، كما لا يخفى.

الأمر السادس في قطع القطّاع‏

قد عرفت منّا أنّ الحجّية للقطع الطريقي المحض ليست من لوازمه الذاتية، و أنّ للشارع إذا رأى مصلحة أن يمنع عن العمل به، كما مرّ ذلك كلّه تفصيلا، و عليه فلا غرو في منعه عن عمل القطّاع بقطعه، أو عن العمل بالقطع الحاصل من أسباب خاصّة، لكنّه قد عرفت أيضا أنّ بناء العقلاء على حجّيّة مطلق القطع، و هو حجّة شرعا أيضا مع عدم ثبوت ردع الشارع عنه، و لم يثبت ردع عنه في مورد قطع القطاع، و إن لا يبعد دعوى الردع عنه في خصوص القطع الحاصل من مثل القياس الموجب لمحق الدّين، فإنّ إطلاق أدلّة المنع عن اتّباعه شامل لما اذا أوجب القطع بالحكم أيضا، كما لعلّه ظاهر لمن راجعها.

الأمر السابع في العلم الإجمالي‏

هل العلم الإجماليّ كالعلم التفصيليّ في تنجيز التكليف به و في سقوطه‏

29

بالامتثال الإجمالي؟

فهنا مقامان:

الأوّل: في تنجّز التكليف به، و لا يخفى أنّ البحث هنا لمّا كان عن القطع و آثاره و مقتضياته فكلّ ما هو من مقتضيات العلم الإجماليّ بما أنّه علم و قطع فها هنا محلّ البحث عنه. كما أنّ كلّ ما هو من آثار الجهل و الشكّ بالخصوصيّة الموجود مع العلم الإجماليّ فمحلّ البحث عنه مباحث الشكّ، فالمناسب هنا أن يبحث عن أنّ العلم الإجماليّ هل يؤثّر في التنجيز أم لا؟ و على الأوّل فهل هو بنحو العلّية التامّة أم الاقتضاء؟ فلو قيل بأنّه كالشكّ كان كالشبهات البدوية، ينبغي أن يبحث عن حكمها الشرعيّ في مباحث البراءة، كما أنّه لو قيل بعلّيّته التامة في التنجيز لما بقي معه مجال بحث عن الترخيص الشرعيّ على خلافه و لو كان لأجل الشكّ الموجود معه.

نعم، اذا قيل بكونه مقتضيا بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية أو حرمة المخالفة القطعية كان للبحث عن الترخيص الشرعيّ بخلافه كمال مجال، و هو مناسب لمباحث البراءة و الاشتغال.

و كيف كان فالحقّ أنّ العلم الإجماليّ يتميّز عن التفصيلي بأنّ متعلّقه في النفس.

و بعبارة اخرى: قوامه فيها بصورة نفسية و وجود نفسانيّ مفهومه التردّد بين الخصوصيّتين، بخلاف العلم التفصيلي، فكلا العلمين قوامهما بوجود متعيّن نفسانيّ هو مفهوم حاك عن الواقع و فان فيه، و العلم إجماليّا كان أم تفصيليّا إذعان بمفاد هذه الصورة المتعيّنة، إلّا أنّ مفاد إحدى الصورتين الحكاية عن أمر غير مشوب بأيّ ترديد، و مفاد الاخرى الحكاية عن تحقّق إحدى الخصوصيّتين أو الخصوصيات، و نعبّر عن مثل هذه الحكاية بأنّ المحكيّ الخاصّ موجود على نحو الترديد، فهذا الفرق البيّن موجود بين العلمين، لكن لا يلزمه القول بإمكان الفرد المردّد؛ و ذلك أنّ الصورة النفسانية التي بها قوام العلم تكوينا التي يعبّر عنها في‏

30

كلماتهم ب «المعلوم بالذات» أمر متعيّن غير مردّد، و شخصيّ ذو وحدة عينية في الذهن إلّا أنّ علميّة العلم إنّما هي بتعلّق الإذعان النفساني بمفاد هذه الصورة و محكيّها، و المحكيّ في أحدهما أمر لا مجال للترديد فيه، و هو العلم التفصيلي، و في الآخر مشوب بالترديد في الخصوصيّتين أو الخصوصيات، و هو العلم الإجمالي.

و لو كان حقيقة العلم الإجماليّ هو العلم التفصيليّ و كان الفرق بينهما بضمّ الجهل الى العلم- كما في نهاية الدراية (1)- لما كان لنا طريق الى التصديق بتحقّق إحدى الخصوصيّات؛ فإنّ القول بتصوير جامع ينطبق على كلّ من الخصوصيّتين لا غير- كما عن بعض أهل الدقّة (2)- تناقض، إذ الخصوصيّة هي ما به امتياز الشي‏ء عن غيره فكيف يقال بوجود جامع بينها و بين خصوصيّة اخرى مثلها؟! بل الجامع هو ما به الاشتراك، و الخصوصيات ما بها الامتياز، و هما متقابلان، و حل الإعضال إنّما هو بما ذكرناه من المقال، و من اللّه العصمة و به الاتّكال.

اذا عرفت هذا فالحقّ أنّ العلم الإجماليّ عند العقلاء موجب لتنجّز التكليف و عدم جواز مخالفته القطعية، بل و وجوب موافقته القطعيّة، إلّا أنّه معلّق بعدم ورود ترخيص من المولى الحاكم في ترك الموافقة القطعية، و لا في جواز مخالفته القطعية، و هذا التعليق هو المعبّر عنه في كلام الكفاية و غيرها: بأنّ تأثيره في حرمة المخالفة و وجوب الموافقة على نحو الاقتضاء، و ليس المراد به الاقتضاء المذكور في الفلسفة و الأسباب التكوينية، فلا مجال للإيراد عليه بمثل ما في نهاية الدراية (3)، كما لا يخفى.

و كيف كان فالدليل على هذا التعليق- مضافا الى ما عرفت من أنّ الأمر كذلك حتّى في العلم التفصيليّ- أنّه ممّا يحكم به العقلاء هاهنا، فهم يرون أنّ للمولى أن‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 3 ص 89- 90.

(2) هو المحقّق العراقي على ما في تقرير بحثه، راجع نهاية الأفكار: ج 3 ص 299.

(3) نهاية الدراية: ج 3 ص 92- 93.

31

يجعل الجهل بالخصوصيّة موجبا لسهولة الأمر على المكلّف، فيمنّ عليه و يجعله سببا لترخيصه في ترك الموافقة القطعية، و في فعل المخالفة القطعية، فإن قام المولى بصدد هذا الترخيص و جعل المكلّف في إحدى الفسحتين فمآل هذا الترخيص الى تجويزه لمخالفة التكليف الفعليّ مخالفة قطعيّة أو احتمالية، كما أنّه اليه يؤول تجويزه للاقتحام في الشبهات البدوية؛ و ذلك أنّ التحقيق المسلّم أنّ الأحكام الفعلية التي اودعت بيد الإجراء هي الأحكام المشتركة بين العالم و الجاهل بها، فالجاهل بالحكم الذي ورد في حقّه مثل: «رفع ما لا يعلمون» و «الناس في سعة ما لا يعلمون» اذا كان الحكم الذي مورد شكّه ثابتا في الواقع، فهذا الحكم فعليّ بالمعنى المذكور، و لا معنى لرفعه و كون الجاهل في سعة منه، إلّا أنّ المولى لمصالح مرعية في نظره قد رخّص للجاهل في مخالفة هذا الحكم الفعلي، فكما أنّ الحكم هناك فعلي جاز الترخيص في مخالفته لتلك المصالح فهكذا في مورد العلم الإجمالي إذا قام المولى بصدد الترخيص.

و كما أنّ مآل ترخيصه هناك لم يكن و لا يكون الى التناقض فكذلك هاهنا حرفا بحرف.

نعم، لو قلنا بكون العلم الإجماليّ علّة تامّة لتنجز التكليف المعلوم إجمالا بالنسبة الى خصوص حرمة مخالفته القطعية أو وجوب موافقته القطعية لما كان حينئذ مجال ترخيصه، فإنّ معنى هذا التنجز القطعيّ: أنّه لم يمكن ورود الترخيص على خلافه، فيناقضه ورود الترخيص منه، إلّا أنّ الشأن كلّه في تلك العلّيّة التامّة.

و أمّا ما في الكفاية من التعبير بانحفاظ رتبة الحكم الظاهريّ مع العلم الإجماليّ: فإن اريد به هذا الذي ذكرناه فهو، و إلّا فمجرّد انحفاظ رتبته بمعنى تصوّر الشكّ في الحكم الذي هو في رتبة متأخّرة عن الحكم لا يجدي لحلّ مشكلة التناقض؛ لما تقرّر في مسألة الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ: أنّ مجرّد ذلك غير نافع ما لم نقل بجواز الترخيص في مخالفة الحكم المجهول، و معه‏

32

فهو نفسه تمام الملاك في صحّة هذا الترخيص و في جعل الأحكام الظاهرية، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيل المقال في ذلك المبحث.

هذا كلّه في منجّزية العلم الإجمالي.

المقام الثاني: في أنّه هل يجوز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيليّ أم لا؟

و الحقّ جوازه حتّى في العبادات، و حتّى في ما كان مستلزما للتكرار؛ و ذلك لعدم اعتبار قصد الوجه و لا التميز، بل تمام اللازم في العبادات أن تقع للّه تعالى، و هذا القيد حاصل مع التكرار أيضا.

و شبهة اللعب بأمر المولى- مضافا الى عدم مجال لها اذا كان للمكلّف غرض عقلائيّ في التكرار، و إن كان هو مجرّد الاستراحة عن الرجوع الى المدارك، أو الى العالم بالحكم أو الموضوع حسب اختلاف الموارد- مدفوعة: بأنّ الامتثال إنّما يقع بمصداق واحد لا غير، و إتيانه خال عن اللعب، كما لا يخفى، و الظاهر أنّه المراد ممّا يقال: إنّ اللعب في طريق الامتثال لا في نفس الامتثال.

كما أنّ دعوى الإجماع الذي قد يستظهر من كلام السيّد الرضي، المؤيد بتقرير أخيه الأجلّ المرتضى أيضا مندفعة:

أوّلا: بأنّه من المحتمل استناد المجمعين إلى بعض هذه الوجوه غير التامة.

و ثانيا: بأنّ مورد دعوى السيّد الرضيّ ظاهر في خصوص ما إذا صار الجهل بحكم العبادة موجبا لوقوعها فاقدة لبعض الشرائط أو الأجزاء، كما في الجهل بأعداد الركعات، و لا يعمّ مثل ما نحن فيه الذي يكون المفروض إتيان المصداق الكامل منها.

و حيث إنّ الداعي الأصليّ للمحتاط بالتكرار هو أن يوافق و يطيع أمر المولى، و هذا الداعي يدعوه الى الإتيان بكلّ المحتملات؛ لمكان احتمال اتّحاد المأمور به معها، فالعبارة الواقعية قد أتى بها لأمر اللّه تعالى بها. فأمره تعالى هو داعيه‏

33

الأصيل، فلا مجال لأن يقال‏ (1): إنّ داعيه إلى العمل هو مجرّد احتمال الأمر و المعتبر في صحة العبادة أن يأتي بها بدعوة نفس الأمر. هذا.

مضافا الى ما عرفت من أنّ اللازم و المعتبر في صحّة العبادة أن يكون إتيانها للّه تعالى، و من المعلوم أنّه اذا كان الداعي اليها احتمال تعلق أمر اللّه بها فهي قد أتى بها للّه تعالى، و تكون بذلك واجدة لهذا الشرط، كما هو واضح، و اللّه وليّ العصمة.

و ممّا ذكرنا تعرف الجواب عن سائر الشبهات المتوهمة هنا، فإنّ ما ذكرناه أو أشرنا اليه هو عمدها.

***

____________

(1) كما عن الميرزا النائينيّ (قدّس سرّه) فانظر فوائد الاصول: ج 3 ص 73 و ما بعدها.

34

مباحث الأمارات الظنّية

و قبل الخوض فيها ينبغي تقديم أمرين:

الأمر الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ و امتناعه‏

لا ريب في أنّ الظن بنفسه ليس يقتضى الطريقية، و إنّما الكلام في أنّه يقبل التعبّد بطريقيّته أم لا؟

فقد حكي عن ابن قبة امتناعه؛ لاستلزامه تحليل الحرام، و بالعكس، و قد بيّنه أساتذة الفنّ بأنّه بعد ما كان التصويب باطلا فلنا حكم واقعيّ كما أنزله اللّه و أنشأه، و حكم ظاهريّ على ما يدلّ عليه الظنّ المتعبّد به، فإن طابق الواقع لزم اجتماع المثلين في الملاك و في مرحلة جعل الحكم، و إن خالفه لزم التضادّ أو التناقض في مرحلة الملاك و في مرحلة جعل الأحكام، و ربما أدّى الى طلب الضدّين، كما يؤدّي الى تفويت المصلحة اللازمة الاستيفاء إذا اقتضى الظنّ عدم وجوب الواجب الواقعي، أو الى الإيقاع في المفسدة اذا اقتضى عدم حرمة الحرام الواقعي.

و حقّ الجواب أن يقال: إنّ الأمارات اذا اعتبرت فهي طرق الى الواقع لا غير، فإنّ العقلاء يرون خبر الواحد- مثلا- طريقا محضا الى الواقع، يصلون به الى الواقع، بحيث كان تمام الموضوع عندهم للآثار هو متن الواقع، و لو أخطأ فقد

35

فاتهم الواقع، و ما كان في مورده ملاك و مصلحة أصلا، و السببيّة عندهم قطعيّ البطلان، و هذه الطريقية ليست عندهم بمعنى مجرّد حصول الظنّ بالواقع الذي به قوام الأمارة و جوهرها لكي يقال: إنّه حقيقته التكوينية، بل معناها: أنّ العقلاء يرون من قام عنده الخبر مصيبا للواقع واصلا اليه، و بما أنّه واصل الى الواقع فعليه ترتيب آثار الواقع، كما هو كذلك في القاطع، فهذا المعنى- أي: إصابة الواقع و الوصول إليه- هي الطريقية، و هي المجعولة لخبر الواحد و سائر الطرق العقلائية عند العقلاء، و الشارع اذا أمضى سيرة العقلاء فقد أمضى هذه الطريقية المجعولة، و هو معنى «مجعولية الطريقية للأمارات» في الشرع؛ بل اذا أسّس الشارع طريقية طريق آخر- لو كان- فقد زاد على مصاديق الطرق بدعا.

و هذا الذي ذكرناه بيّن جدّا، و لا أظن إنكاره من أحد إلّا بلسانه، و إلّا فقلبه مطمئن بالإيمان به.

و عليه فاذا قامت أمارة معتبرة على حكم أو موضوع: فإن أصابت الواقع فليس هنا إلّا متن الواقع و نفس الحكم الواقعيّ المرتّب على موضوعه الواقعي، و إن خالفه فليس من ناحية قيام الأمارة حكم حتّى يستلزم ملاكا، و حصل مضادّة أو مناقضة بين الحكمين أو الملاكين، أو لزم اجتماع طلب ضدّين.

نعم، لا ريب في أنّ هذه الطريقية تجويز للعمل على طبق الطريق، فربما كان فيه تفويت المصلحة أو الإيقاع في المفسدة، إلّا أنّه لا بأس به اذا كان في عدم جعلها مفسدة أعظم، و لو كانت هي مفسدة تنفّر طباع الناس و انزجارهم عن أصل الدّين و الشريعة فإنّه لا ريب في أنّ كون الشريعة سهلة غير ضيّقة يدعو الناس و يرغّبهم في الدخول اليها.

فقد ارتفعت الإشكالات بحذافيرها.

إلّا أنّه بقي مع ذلك أن يقال: إنّ الطريقية- كما اعترفت به- تستلزم تجويز الحركة العمليّة طبق الطريق، و حينئذ فاذا كان الحكم الواقعيّ هو الوجوب- مثلا- و اقتضى الطريق غيره فتجويز تركه مناقض للوجوب الواقعي، كما أنّه إذا كان‏

36

الواقع هي الحرمة و قام الطريق على خلافه فتجويز فعله مناقض للحرمة الواقعية.

و الجواب الحق هنا أيضا: أنّ الأحكام الشرعية و غيرها أحكام قانونية و قوانين مجعولة، و لها- بما أنّها قوانين و أحكام- مرتبتان: مرتبة الإنشاء الذي ينشأ و يجعل فيها القانون و لا يودع بيد الإجراء، بلحاظ أنّ الزمان المنظور لإجرائه سنتان بعد ذلك، مثلا. و مرتبة الفعلية التي يجعل فيها القانون بيد الإجراء، بحيث يجب العمل به و الحركة على طبقه على من اجتمع شرائط التكليف و حدود موضوعه.

فهاتان المرتبتان قد اختلف فيهما جوهر الحكم، حيث لا يطلب منه في المرتبة الاولى أن يعمل به مع أنّه حكم و قانون حقيقة، بخلاف الثانية المطلوب فيها ذلك، و لذلك فالعلم بالحكم الإنشائيّ لا يؤثّر في حقّ العالم أن يؤاخذ على مخالفته، إذ المفروض أنّه لم يحن بعد حين العمل به، بخلاف الحكم الفعلي فإنّ العالم به يؤاخذ على مخالفته.

و أمّا مرتبة الاقتضاء المذكور في كلامهم فليس فيها من الحكم أثر، كما أنّ مرتبة التنجّز. لا يكون للحكم فيها حالة جديدة، بل ترتّب العقاب على الخلاف من آثار نفس فعلية الحكم اذا قامت حجّة اليه على المكلّف.

و كيف كان فالأحكام الّتي بيّنها النبي و الأئمّة (عليهم السّلام) للامّة الإسلامية إنّما هي أحكام فعلية انشئت و بيّنت للامّة حتّى يعملوا بها، فاذا تخلّفت الأمارة عن الواقع فالحكم الواقعيّ حكم فعلي و الأمارة قد أخطأت و لم تصل و لم توصل اليه، و لازمها تجويز مخالفة الحكم الفعلي، و هو مصبّ الإشكال.

و حلّه: أنّ حقيقة الأحكام الشرعية قوانين مجعولة كالقوانين المجعولة في مجالس وضع القوانين العقلائية، و من الواضح فيها أنّها و إن كانت مبتنية على مصالح و ملاكات إلّا أنّ حقيقتها ليست إلّا مجعولات اعتبارية عقلائية ليس قوامها بإرادة من المقنّنين متعلّقة بالأفعال الموضوعة لها، بل إنّها بنفسها قوانين، و إنّما إرادة المقنّن تتعلّق بجعلها و وضعها، لا بالأفعال أو التروك المتعلّقة لها، و نفس هذه‏

37

القوانين عند العقلاء موضوع لزوم الحركة على طبقها اذا كانت في مرتبة الفعلية و قامت على المكلّف حجّة عليها، فهكذا الأمر في الأحكام الشرعية، فإنّ الظاهر أنّها أيضا قوانين وضعها اللّه تعالى و رسوله لإيصال ملاكاتها الى الأفراد أو المجتمع، أو لأغراض أخر أيضا، و لا وجه للالتزام بتعلّق إرادة و اشتياق فعليّ الى متعلّقاتها و موضوعاتها لكي يقال- بعد امتناع وجود هذه الإرادة أو الانزجار في اللّه تعالى المنزّه عن عروض الحوادث- بعروضها في النفس النبوية أو الولوية، بل الظاهر المنسبق من أدلّة الأحكام أنّ ما تضمّنتها فإنّما هي قوانين كالقوانين الجارية بين الملل و الأقوام، غاية الأمر أنّ واضعها و مقنّنها هو الوحي الإلهيّ الّذي لا يأتيه الباطل من ناحية أبدا.

و حينئذ فهذا الحكم و القانون الفعليّ الذي هو أمر اعتباريّ مجعول، من آثاره و أحكامه العقلائيّة أنّه اذا قامت حجّة عند المكلّف عليه يعاقب على مخالفته اذا خالفه، و اذا لم تقم حجّة عليه و كان مجهولا فالتكليف و القانون و إن كان قانونا فعليا إلّا أنّ العقلاء يأذنون بمخالفته و يحكمون بأنّ الجهل عذر للجاهل به اذا لم يكن جاهلا مقصّرا، فهذا القانون يتحمّل الإذن في مخالفته و عدم امتثاله، فكما أنّ الأمر فيه هكذا عند العقلاء في مرحلة الجهل به لا عن تقصير فكذلك اذا جعل المقنّن أمارة اليه و أخطأ عنه، فخطؤه عن الواقع لا يغيّر القانون الواقعيّ عمّا هو عليه، إلّا أنّ مقتضى جعل الطريقية لهذه الأمارة تجويز الحركة على طبقها، و لازمه الإذن في مخالفة القانون، و قد عرفت أنّ القانون يتحمّل هذا الإذن في خلافه. هذا.

و هذا الحلّ كما يجري في الأمارات فهكذا يجري في الاصول الشرعيّة أيضا حرفا بحرف.

و ممّا ذكرنا في بيان حقيقة القانون تعرف أنّه أمر مجعول و حكم حقيقي و إن كان يتحمّل الإذن في خلافه أيضا، فما عن سيّدنا الاستاذ «أدام اللّه ظلّه العالي»:

من عدّ مضمون العمومات أو الإطلاقات التي ليس الجدّ على طبقها، بل ورد تخصيص أو تقييد فيها، فعدّها في موارد التخصيص و التقييد من الأحكام القانونيّة

38

خلاف التحقيق جدّا، فإنّه بعد العثور على المخصّص و المقيّد ينكشف أنّه لم يكن في موردهما إرادة و جدّ أصلا، و لا جعل و تقنين أبدا، و إنّما كان فيهما تخيّل وجود القانون اتكالا على أصالة العموم أو الإطلاق التي قد انكشف بطلانهما. فكما أنّه إذا صدر عن المولى و المقنّن أمر ظاهر في الوجوب ثمّ قام قرينة على إرادة الاستحباب لا يصحّ أن يقال: إنّ الحكم القانونيّ هو الوجوب، فهكذا الأمر في العامّ أو المطلق الذي اريد منه خلافه، كما لا يخفى.

و بالجملة: فأساس حلّ الإشكال هنا هو قانونية الأحكام، كما عرفت، و إلّا فإشكال تناقض تجويز الحركة على طبق الأمارة المعتبرة مع فعلية الإرادة المقوّمة لها لا مدفع عنه بشي‏ء من الوجوه المذكورة في كلمات الأعلام و المشايخ (قدس اللّه أسرارهم).

و أمّا القول بأنّ المجعول- في باب الأمارات المعتبرة- هو الحجّيّة كما في الكفاية فهو غير متين، إذ مجرّد الحجّية و إن سوّغت ترتّب العقاب إلّا أنّها لا تجوّز نسبة مفاد الأمارة الى المولى، كما في أطراف العلم الإجمالي، و الشبهة قبل الفحص عن الحكم، و من المعلوم جواز إسناد مفاد الأمارات القائمة على الحكم اليه تعالى، فلا بدّ و أن يكون المجعول هي الطريقية.

و لو سلّمنا إنشاء حكم مماثل في مورد الأمارات فكما أنّ الجمع بينه و بين الحكم الواقعيّ بأنّ الواقعيّ حينئذ واقف في مرتبة الإنشاء غير صحيح؛ لما عرفت من أنّ الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل هو حكم لو علم به لما كان معذورا في مخالفته، و هذا شأن الحكم الفعليّ لا الإنشائي، فهكذا الجمع بأنّ الحكم الظاهريّ طريقيّ دعا الى جعله مصلحة في نفسه، و لذلك لا يضادّ الحكم الواقعي المبتنى على الملاك في المتعلق و الإرادة و الكراهة و لو في النفس الولوية، كما في الكفاية. و ذلك أنّه إذا سلّم أنّ للحكم الطريقيّ أيضا بعثا فعليا حقيقيا مولويّا. فهو لا يجتمع مع نهي واقعيّ فعليّ مولويّ مثلا نحو شي‏ء واحد، و منشأ المضادّة فعلية البعث و الزجر المولويّين، طريقيا كان أم نفسيا.

39

بل الحقّ في الجواب: هو ما عرفت من تحمّل الحكم القانونيّ الفعليّ للإذن في مخالفته.

و هذا الجواب كما يجري في الأمارات جار بعينه في الاصول الشرعية التي جعل فيها حكما ظاهريا، كما في أصالة الحلّية، فإنّ الحلّية الظاهرية مصداق للترخيص في الحرام الواقعيّ في فرض المخالفة للواقع، و هو يحتمل هذا الترخيص كما مرّ.

و أمّا الجواب عنه- هنا و في الأمارات- بأنّ الشكّ في الحكم الواقعي بما أنّه حالة طارئة على الواقع و إن لم يمكن أخذه موضوعا للحكم الظاهري لانحفاظ الحكم الواقعي معه، و مضادّته له، إلّا أنّه بما أنّه حالة للمكلّف موجبة للحيرة في الواقع يمكن أخذه موضوعا لحكم ظاهريّ هو متمّم جعل الحكم الواقعي، و منجّز له موصل إليه، كما يمكن أخذه موضوعا لما يكون مؤمّنا عن الواقع، حسب اختلاف مراتب ملاكات الحكم الواقعي ... كما عن الاستاذ العلّامة النائيني (قدّس سرّه) في تقريراته‏ (1).

ففيه: أنّ كون الشكّ حالة من حالات المكلّف و إن لم يستدع فرض وجود الحكم الواقعي إلّا أنّه لا ريب في أنّه لا ينفيه أيضا، و حينئذ فاذا كان الحكم الواقعيّ حكما إلزاميا، و انجرّت الأمارة الى نفيه، أو اقتضت أصالة البراءة أو الإباحة الشرعيّة جواز تركه فمجرّد أنّ الشكّ اخذ موضوعا لدليل الأمارة أو الأصل بما أنّه حالة للمكلّف لا يوجب جواز الاجتماع و ارتفاع التضادّ، كما لا يخفى.

كما أنّ الجواب عنه بأنّ الأحكام مجعولة على العناوين، و مركز الحكم الواقعيّ هو ذات الشي‏ء في مرتبة متقدّمة على الذات بما أنّها موجودة في موارد الشكّ و الجهل- كما عن المحقّق العراقي‏ (2) (قدّس سرّه)- فيه: أنّه اذا كان المفروض عدم‏

____________

(1) فوائد الاصول ج 3 ص 100- 101.

(2) نهاية الأفكار: ج 3 ص 298.

40

اعتبار الرتبة لا سابقة و لا لاحقة قيدا للموضوع فلا محالة يسري الحكم الى عنوان نفس الذات المتحقّقة في المصداق المتحقّق في رتبة لاحقة، فيجتمع الضدّان، و كما أنّ الرتب العقلية لا تمنع التضادّ في الوجودات الخارجية فهكذا في الوجودات العنوانية الذهنية.

الأمر الثاني في تأسيس الأصل عند الشك في التعبّد بالظنّ‏

إنّ التعبّد بالظنّ في قالبه الموافق للواقع و ما يراه المحققون في الظنون و الأمارات المعتبرة: عبارة عن اعتباره طريقا إلى الواقع، و لا محالة له خاصّتان:

إحداهما: جواز إسناد مؤدّاه- فيما كان حكاية أمر عن المولى- الى المولى، و الى الشرع و الشارع.

و ثانيتهما: كونه حجّة بمعنى كونه منجّزا للتكليف الواقعيّ عند المطابقة، و عذرا للعبد مع المخالفة، و كون موافقته حينئذ انقيادا و مخالفته تجرّيا؛ فتحليل اعتباره الى مجرّد حجّيّته التي هي الخاصّة الثانية- كما في الكفاية- غير سديد.

و لا يبعد دعوى أنّ قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (1) ينفي الطريقية عن الظنّ، فإنّ طريقيّته عبارة اخرى عن إغنائه من الحقّ، و كونه موصلا اليه بحيث يتبعه جواز الإسناد و الحجّية، فالحكم عليه بأنّه لا يغني من الحقّ شيئا حكم بنفي الطريقية، و نفي ترتيب أثر جواز الإسناد و الحجّية.

كما أنّ قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ... وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2) يحكم صريحا بحرمة أن يسند الى اللّه ما لم يعلم أنّه تعالى قاله، و قد عدّ القول على اللّه بما لا يعلم ممّا يأمر به الشيطان في قوله تعالى: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (3). كما قد وبّخ اللّه تعالى‏

____________

(1) يونس: 36، و النجم: 28.

(2) الاعراف: 33.

(3) البقرة: 169.

41

عليه في آيات عديدة كثير، فراجع سورة البقرة الآية (80)، و سورة الأعراف الآية (28)، و سورة يونس الآية (68)، و سورة النور الآية (15)، و سورة الأنعام الآية (119) و (144).

و كما أنّ قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (1) نهى عن اتّباع ما لا علم به، و المصداق الواضح له هو الاتّكال على ما لا يعلم في مقام عمله بحيث يكتفي به في إثبات التكاليف و إسقاطها، و لا يبعد أن يعدّ منه إسناده الى اللّه تعالى، فتدلّ الآية على أنّ الأصل في غير العلم عدم الاعتبار إسنادا و عملا، نظير الآية الاولى، فتدبّر جيّدا.

و أمّا ما استدلّ به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (2) بتقريب أنّه بمقتضى المقابلة دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللّه من إسناد الحكم الى الشارع فهو افتراء فيعمّ موارد عدم العلم بالاعتبار أيضا ففيه: أنّه ليس من البعيد أن يكون في مورد الآية أمر جعلهم دائرا بين الافتراء و غيره، و نفي ذاك الغير بالاستفهام الإنكاريّ إثبات لكونه افتراء، و يؤيّده التعبير فيها عن متعلّق حكمهم بأنّه رزق، و الرزق لا يكون إلّا حلالا، و لا محالة فهم قد حرّموا ما أحلّ اللّه افتراء عليه تعالى.

و كيف كان فحيث إنّ الحجّية في قالب الطريقية لها لا زمان: جواز الإسناد، و مجرّد الحجية، صحّ الاستدلال لأن الأصل في أحد لازميه الحرمة بجميع ما دلّ من الكتاب و السنّة على حرمة القول على اللّه بغير علم، و إن كان في عدّ خبر تقسيم القضاة الى أربعة منها نظر، بل منع، لاحتمال دخل خصوصية القضاء في حكم الحرمة، و عدم كون مجرّد إسناد غير المعلوم إليه تعالى علّة كافية له.

نعم، لا ينبغي الريب في حكم العقلاء بها أيضا، و بأنّ المولى يستحقّ أن‏

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) يونس: 59.

42

يعاقب عبدا أسند اليه ما لم يثبت له أنّه قد قاله، كما يحكمون بأنّ ما لم يثبت حجّيّته فليس بحجّة، لا إثباتا؛ و لا إسقاطا. هذا.

ثمّ إنّ الحرام- كما عرفت- هو نفس إسناد ما لم يعلم الى اللّه تعالى، و نفس القول بغير علم، و هو غير العمل الخارجيّ و التعبّد العملي بالظنّ. اللهمّ إلّا اذا كان العمل واقعا في مورد يفهم منه عرفا هذا الاسناد.

و بالجملة: الحرام هو الاسناد لا العمل، و هذه الحرمة كما ترى غير مسألة حرمة البدعة التي هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، فإنّها بملاك آخر و عنوان آخر. كما أنّها ليست حرمة إرشادية و من توابع حرمة المعصية، و لا من بابها؛ و ذلك أنّ أمر المولى أو نهيه إذا كان إلزاميا يستتبع ترتّب العقاب على معصيته، بما أنها عصيان له و مخالفة، و لذلك لا يكون النهي عنها بملاك جديد لكي يبحث عن أنّه مولوي. و أمّا مسألة إسناد ما لم يعلم به إليه تعالى فليس من توابع التكاليف الأخر حتّى يتوهّم فيها الإرشادية، و حكم العقلاء بترتّب العقاب عليه مثل حكمهم بترتّبه على الظلم لا بأس فيه أن يجتمع مع الحرمة المولوية التي هي ظواهر الأدلّة الشرعية، فما في تعليقة المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) هنا (1) غير سديد.

و قد يقرّر الأصل هنا: بأنّ مقتضى الاستصحاب هو عدم طريقيّة ما شكّ في طريقيّته، و عدم حجّية ما يشكّ في حجّيّته، و لازمه عدم تنجّز ما قام عليه من التكليف و عدم سقوطه به، و أنّ جواز الإسناد الذي من خاصّة الطرق لا يثبت من قبل هذا المشكوك الطريقيّة.

و قد يستشكل بأنّ مجرّد الشكّ في الطريقية و الحجّيّة كاف في حكم العقل بعدم الحجّيّة، و بعدم جواز الاسناد استنادا اليه، و لا حاجة معه إلى إحراز عدمهما، فإنّ هذا الحكم العقليّ مترتّب على معنى أعمّ من عدم الطريقيّة و الحجّيّة و من الشكّ فيهما.

____________

(1) التعليقة، حاشية فرائد الاصول للمحقّق الآخوند الخراساني ص 42 و ما بعدها.

43

و الجواب عنه حينئذ ما أفاده المحقّق الخراساني في التعليقة: من أنّ عموم دليل الاستصحاب يرفع الشكّ تعبّدا، و يجعلنا موقنين بعدم الحجيّة و الطريقيّة، فيترتّب الحكم بما أنّه ليس بطريق و لا حجّة، لا بما أنّه مشكوك الطريقية و الحجّية.

و الصحيح في الإيراد على هذا الاستصحاب: أنّه لا مجال له مع وجود عموم مثل قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (1) فإنّه دليل اجتهاديّ يحكم على كلّ ظنّ بأنّه لا يغني من الحقّ شيئا، لا في ثبوت طريق الى الحقّ حتّى يجوز إسناد مفاده اليه تعالى، و لا في تنجّز التكليف أو إسقاطه به، و من المعلوم أنّه مع الدليل الاجتهاديّ لا يصل النوبة الى الاصول العملية.

و أورد الشيخ الأعظم على تقرير الاستصحاب: بأنّ حرمة العمل بالظنّ يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبّد، من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبّد به ليحتاج في ذلك الى الأصل ثمّ إثبات الحرمة. «انتهى».

و فيه: أنّ حرمة الإسناد موضوعها عدم العلم بأنّ الحكم الكذائيّ كحرمة شرب التتن ممّا شرعه اللّه تعالى، و ليست مترتبة، لا على عدم ورود التعبّد بالظنّ المشكوك الطريقيّة، و لا على عدم العلم بورود التعبّد به، بل لو ورد التعبّد بطريقيّة ظنّ جاز إسناد مؤدّاه الى اللّه تعالى، و لو لم يرد أو لم يعلم وروده لكان جواز الاسناد الّذي يترتّب على طريقية هذا الظنّ منتفيا، و هو- كما ترى- أعمّ من حرمة الاسناد، و موضوع الحرمة أيضا- كما عرفت- هو عدم العلم بتشريع ذاك الحكم مثلا، من غير أن يترتّب على عدم ورود التعبّد بذاك الظنّ و لا على عدم العلم به، فلا يمكن إثبات هذه الحرمة من العلم بعدم ورود التعبّد بهذا الظنّ فضلا عن عدم العلم به‏ (2).

____________

(1) النجم: 28.

(2) و يمكن أن يقال: إنّ عدم طريقيّة الظنّ بنفسه نفي حكم وضعيّ يترتّب عليه عدم جواز إسناد مؤدّاه- بما أنّه مؤدّاه- الى الشارع، و كفى به في صحّة الاستصحاب، و إن كان‏

44

نعم، لمّا كان ذلك الحكم الواقعيّ بعد غير معلوم يحرم إسناده اليه تعالى، كما أنّه لمّا كان غير معلوم جرى فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و عدم جواز الاكتفاء به في إسقاط التكليف القطعي، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا تعرف الخلط الواقع في كلمات المشايخ العظام تبعا للشيخ الأعظم (قدّس سرّه). نعم، لو سلّمنا ترتّب حرمة الإسناد على معنى أعمّ من عدم ورود التعبّد بالظنّ و الشكّ فيه لكان الحقّ ما أفاده المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه)؛ لأنّ عموم دليل الاستصحاب شامل لما نحن فيه قهرا، و يرفع موضوع الشكّ تعبّدا و حكومة.

و بعد هذين الأمرين يقع الكلام في مباحث الأمارات في فصول:

____________

- حرمة إسناد الحكم الشرعيّ مطلقا الى الشارع لا يترتب على هذا الاستصحاب، بل يترتب على كونه مشكوكا فيه. (منه عفي عنه).

45

الفصل الأوّل في حجّية الظواهر

لا ريب في أنّ ما يفهم من كلام المتكلّم و يدلّ عليه كلامه بمقتضى وضع الألفاظ أو احتفافه بالقرينة حجّة في تشخيص مراده، و يحكم عليه أنّه مراده، و يكون كلامه طريقا كاشفا عنه؛ لسيرة العقلاء القطعيّة عليها و استمرارها في زمن الشارع، و المعلوم عدم طريقة مخترعة للشارع مغايرة لها.

و حيث نحتمل إرادة خلاف الظاهر و لو مع عدم نصب قرينة كما إذا قال:

اغتسل للجمعة- بناء على ظهور الهيئة وضعا في الوجوب- من دون قرينة أصلا فإنّا نحتمل أن يريد الاستحباب و لم يذكر القرينة لمصلحة. أو قال: «أوفوا بالعقود»، أو في مقام البيان: «أحل اللّه البيع» فإنّا نحتمل أن لا يريد ثبوت الحكم في بعض الأفراد، و لم ينصب قرينة لمصلحة يراها، فبعد ذلك لا وجه لإرجاع أصل حجّيّة الظواهر الى أصالة عدم القرينة.

كما لا وجه لإرجاعها الى اصول مختلفة مثل أصالة الحقيقة أو العموم و الإطلاق، فإنّ ذلك لا يلائم ما عليه ارتكازنا العقلائيّ الذي لا نرتاب فيه، من أنّ مرجع الأمر في جميع الموارد الى أصل واحد، هو: «أنّ ما هو ظاهر كلام المتكلّم فهو مراد له، و كلامه دليل عليه».

نعم، إنّ العمدة هو إحراز ما هو ظاهر كلامه بإحراز الألفاظ الصادرة عنه و القرائن المقالية و المقامية المحفوف بها كلامه، و هو في ما يتلقّى الكلام عنه بلا

46

واسطة سهل، و في ما ينقل عنه بواسطة الثقات يحرز بنقلهم، و احتمال الغفلة محكوم بالعدم بحكم العقلاء، كما أنّ كون الناقل ثقة ينفي احتمال تعمّده في ترك نقل ما هو دخيل في ظهور الكلام.

و أمّا احتمال القرائن المنفصلة فهو غير مضرّ بظهور الكلام، و إنّما يوجب الفحص عنها في كلمات من كان كلامه معرضا لها، و بعد الفحص فأصالة الظهور في كلامه أيضا حجّة بلا كلام.

نعم، قد يتوهّم المنع عن هذه السيرة شرعا بالأدلّة الناهية عن اتباع غير العلم و الدالّة على أنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئا، و أنّ القول بغير علم حرام. و سيأتي الجواب عنه عند البحث عن حجّية خبر الواحد إن شاء اللّه تعالى.

و بالجملة: فأصل حجّية الظواهر ممّا لا ريب فيه، و لا ريب في عدم الفرق فيها بين حصول الظنّ الشخصيّ بالوفاق أو الشكّ الشخصيّ أو الظنّ بالخلاف، و لا بين من قصد إفهامه و غيره؛ لعموم السيرة في جميع هذه الموارد. كما لا فرق في ذلك بين كلام اللّه و الرسل و الائمّة (عليهم السّلام) و غيرهم لذلك.

إلّا أنّه قد يقال بعدم حجّية ظواهر الكتاب المجيد. و الوجوه المذكورة لهذا القول قسمان: قسم ينظر إلى أنّ مقتضى القواعد عدم حجّيتها، و قسم آخر ناظر الى قيام دليل تعبّديّ نقليّ عليه.

أمّا الأوّل: فتارة يستند الى عدم إمكان فهمه، لاشتماله على مضامين عالية، مع أنّ اشتماله عليها لا ينافي حجّيته في ما هو ظاهر فيه، و هو كثير، مضافا الى أنّ علوّ المضمون أيضا يرجع الى عدم وضوح المصداق، لا إلى إجمال المفهوم.

و اخرى إلى أنّ الظاهر من مصاديق المتشابه المنهي عن اتّباعه، مع أنّ المتشابه ما كان فيه احتمالان أو أكثر شبيهان: إمّا بحسب المفهوم، أو بحسب المصداق مع وضوح المفهوم، و الظواهر ليست عرفا ممّا فيها احتمالان، بل الاحتمال المفهومي العرفيّ فيه واحد، و أصالة الظهور تجري و تكشف عن المراد الجديّ، و في موارد تشابه المصداق، فلا مانع من انفهام المفهوم الكلّي، و حجّية

47

الظاهر فيه و اسناده إلى قائله العزيز المجيد. هذا، مضافا إلى أنّ الاستدلال بالنهي عن المتشابه جدل محض.

و ثالثة الى العلم الإجمالي بإرادة خلاف الظاهر من ظواهره، و هو مانع عن العمل به ما احتمل كون ظاهر من أطراف هذا العلم.

و فيه: أنّ الإنصاف أنّ هذا العلم قد نشأ عن العثور على مخصّصات متفرّقة في السنّة فهي بحيث يعلم بها تفصيلا بالفحص عنها في مظانّها، و مثله ليس يمنع عند العقلاء إلّا عن العمل بالظواهر قبل الفحص و اليأس عن القرائن على خلافها.

و رابعة الى اشتماله على التحريف و التصحيف، فلا يؤمن على ظواهره أن لا تكون كتاب اللّه تعالى كما أنزله على نبيّه العظيم فكيف تكون حجة؟

و فيه: أنّ المسلّم من التصحيف الواقع فيه ليس أزيد من الذي يقتضيه اختلاف القراءات، فإنّ القرآن نزل على حرف واحد من عند واحد كما ورد في روايات متعدّدة:

منها: صحيح الفضيل بن يسار «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء اللّه، و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد» (1).

و بناء عليها فاذا اختلفت القراءات فلا محالة ليس القرآن الواقعيّ إلّا واحدة من هذه القراءات ليس إلّا، فسائر القراءات تحريف للقرآن عمّا انزل عليه، و هذا هو المذكور في معتبرة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، و لكنّ الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة» (2) و هذا التحريف لا يقتضي أزيد من الأخذ بالمتيقّن ممّا تقتضيه القراءات المختلفة إذا اختلف مقتضاها، و أمّا موارد عدم اختلاف القراءة أو عدم اختلاف مقتضاها فلا إشكال فيها أصلا.

و أمّا التحريف بحذف الكلمة أو الآية و الآيات فقد ادّعي الإجماع على‏

____________

(1 و 2) الكافي: ج 2 ص 630، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، الحديث 12 و 13.

48

خلافه، و استدلّ بأدلّة لفظية أيضا على عدم وقوعه.

و الذي يسهّل الخطب ورود طوائف مختلفة من الأخبار على جواز التمسّك بالقرآن الشريف- و ستأتي الإشارة اليها- في عرض الأخبار عليه و ردّ الشرط المخالف له، الى غير ذلك، و هذا يكشف عن أنّ ما بأيدينا لم يقع فيه تحريف مضرّ بظواهره، سواء في ذلك آيات الأحكام و غيرها، فإن الخبر المخالف- مثلا- يردّ، سواء كان مضمونه حكما تكليفيا أو قصّة قرآنية، فانتظر.

و أمّا القسم الثاني: فهو الأخبار الدالّة على أنّه ليس لغير المعصوم تفسير القرآن، و هي بألسنة مختلفة:

فطائفة منها تنهى عن تفسير القرآن بالرأي، ففي صحيح الريان بن الصلت، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قال اللّه جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي ... الحديث» (1).

و في خبر عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: «من فسّر برأيه آية من كتاب اللّه فقد كفر» (2).

و في خبر عبد الرحمن بن سمرة: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال «في حديث»: من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب» (3).

و في حديث قتادة مع الباقر (عليه السّلام) الآتي: «يا قتادة، إن كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت .. الحديث» (4). إلى غير ذلك.

و طائفة اخرى تدلّ على أنّ أبعد الأشياء من عقول الناس تفسير القرآن، يعني: أنّهم لا يتمكّنون من تفسيره.

ففي خبر المعلّى بن خنيس قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في رسالة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّه ليس شي‏ء أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن ... الحديث» (5).

و في رواية جابر بن يزيد الجعفي، عن الباقر (عليه السّلام) (في حديث): «و ليس شي‏ء

____________

(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 6 من أبواب صفات القاضي الحديث 22 و 45.

(3 و 4 و 5) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 37 و 25 و 38.

49

أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن» (1). و مثله رواية زرارة المرويّة عن تفسير العيّاشي، عنه (عليه السّلام)(2). و لعلّ اليها يؤول ما عنه عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال عن القرآن» (3).

و طائفة ثالثة تدلّ على اختصاص العلم بتفسير القرآن بهم (عليهم السّلام):

ففي خبر سلمة بن محرز قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: إنّ من علم ما اوتينا تفسير القرآن و أحكامه ... الحديث» (4).

و في الحديث المرويّ عن الاحتجاج، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الغدير: «عليّ تفسير كتاب اللّه ... الى أن قال: فو اللّه لن يبيّن لكم زواجره و لا يوضّح لكم عن تفسيره إلّا الذي أنا آخذ بيده» (5).

و في المرويّ عنه، عن أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) أنّه قال: «نحن حزب اللّه الغالبون، و عترة نبيّه الأقربون، و أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثاني كتاب اللّه، فيه تفصيل لكلّ شي‏ء، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و المعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله، بل نتّبع حقائقه ... الحديث» (6).

و في رواية سعد بن طريف المرويّة عن تفسير فرات بن إبراهيم، عن أبي جعفر (عليه السّلام) (في حديث): «فإنّما على الناس أن يقرءوا القرآن كما انزل، فاذا احتاجوا الى تفسيره فالاهتداء بنا و إلينا» (7).

و اليها يرجع ما في حديث الباقر (عليه السّلام) مع قتادة: «ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (8) فإنّ ما قبله قرينة واضحة على أنّ المراد بعرفان القرآن عرفان تفسيره، الى غير ذلك.

فهذه الأخبار بكثرتها بما فيها من أخبار معتبرة في نفسها تدلّ على أنّه ليس لأحد تفسير القرآن سوى المعصومين (عليهم السّلام)، و الأخذ بظاهر القرآن و العمل به من‏

____________

(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 41 و 73 و 69.

(4) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 13.

(5 و 6 و 7 و 8) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 43 و 45 و 64 و 25.

50

مصاديق تفسيره، فلا يجوز لنا إلّا بعد وروده عنهم (عليهم السّلام). هذا.

و فيه أوّلا: منع صدق التفسير على مجرّد إسناد معاني الظواهر اليه تعالى و الأخذ بها.

ففي مجمع البيان في الفن الثالث من مقدمته: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ... الى أن قال: و قيل: الفسر كشف المغطّى، و التأويل انتهاء الشي‏ء و مصيره، و ما يؤول إليه أمره. انتهى.

فاذا لم يكن اللفظ مشكلا ذا أكثر من احتمال واحد أو مجملا و لم يكن على معناه غطاء فلا يصدق التفسير على حمله على معناه الظاهر منه.

و المستفاد من بعض الكلمات و إن كان مرادفة التفسير للمعنى، ففي مجمع البيان: و قال أبو العباس المبرّد: «التفسير و التأويل و المعنى واحد» إلّا أنّه خلاف ما يدلّ عليه أخبار متعدّدة، فإنّ المستفاد منها: أنّ التفسير هو بيان المصداق الذي اريد من معنى اللفظ و مفهومه، فالمفهوم الذي يدلّ عليه اللفظ أمر واضح كلّي، إلّا أنّ مصداقه الذي اريد منه هو تفسيره. كما ربّما يستفاد منها: أنّ المراد بالتأويل أيضا هذا المصداق الذي اريد منه. أو أنّ التفسير بيان معنى هو كالبطن للقرآن الذي لا ينافي أن يكون له ظاهر و ظهر.

ففي صحيحة أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جل: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ... قال: فقال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلّا اللّه و الراسخون في العلم من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ... الى أن قال: و كان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، و كان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، و كانوا لناحيته أرجى منهم لملك فارس، فلمّا غلب ملك فارس ملك الروم كره ذلك المسلمون و اغتمّوا به، فأنزل اللّه عزّ و جلّ بذلك كتابا قرآنا «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ» يعني: غلبتها فارس في أدنى الأرض، و هي الشامات و ما حولها، «و هم» يعني و فارس‏ «مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ» الروم‏ «سَيَغْلِبُونَ» يعني يغلبهم المسلمون‏ «فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ‏

51

يَشاءُ» عزّ و جلّ. فلمّا غزا المسلمون فارس و فتحوها فرح المسلمون بنصر اللّه عزّ و جلّ، قال: قلت: أ ليس اللّه عزّ و جلّ يقول: «فِي بِضْعِ سِنِينَ» و قد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في أمارة أبي بكر؛ و إنّما غلب المؤمنون فارس في أمارة عمر؟! فقال: أ لم أقل لكم إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا، و القرآن يا أبا عبيدة ناسخ و منسوخ، أما تسمع لقول اللّه عزّ و جلّ: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» يعني اليه المشيئة في القول أن يؤخّر ما قدّم و يقدّم ما أخّر في القول الى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، فذلك قوله عزّ و جلّ:

«وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ» أي يوم يحتم القضاء بالنصر (1).

فتراه (عليه السّلام) قد بيّن المصداق الذي اريد من الغلبة في قوله تعالى: «وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» بأنّ المراد منها: هي الغلبة المتحقّقة في أمارة عمر، و أنّ قوله تعالى‏ «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» اريد منه ما نعبّر عنه بالبداء، و قد حصل هذا البداء في ما دلّ عليه قوله «بضع سنين»، فإنّ البضع أقلّ من عشر، و قد وقعت هذه الغلبة بعد أكثر من عشر سنوات، فقد بدا للّه تعالى في البضع، و غلب المؤمنون فارس في أمارة عمر. و كيف كان فقد سمّى هو (عليه السّلام) هذا البيان للمصداق تفسيرا و تأويلا و هو (عليه السّلام) قد ذكر في أوّل الكلام: «أنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلّا اللّه و الراسخون في العلم» و أشار اليه و أكّده ثانيا في آخر مقاله بقوله: «أ لم أقل لك إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا»، ففي كلامه (عليه السّلام) دلالة واضحة على وحدة المراد بالتفسير و التأويل، و هي ممّا يحتمله لفظهما، إذ التأويل ما يؤول اليه أمر الشي‏ء، و هو المصداق الّذي يراد من المفهوم، و التفسير هو كشف المغطّى، و المصداق يكشف الغطاء عن الإبهام الذي في المفهوم من هذه الجهة.

ثم إنّ الظاهر أنّ هذا التفسير منه (عليه السّلام) مبنيّ على أنّ القراءة «سيغلبون» مبنيا للمجهول، و إلّا فلو كان مبنيا للفاعل كما هي القراءة المعروفة فلا محالة يرجع‏

____________

(1) الكافي كتاب الروضة: ص 269- 270، الحديث 397.

52

الضمير المنفصل أوّل الجملة و ضمير نائب الفاعل كلاهما الى الروم، كما أفاده المفسّرون، فراجع.

و في رواية زيد الشحّام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السّلام) فقال:

يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر (عليه السّلام): بلغني أنّك تفسّر القرآن، فقال له قتادة: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السّلام): بعلم تفسّره أم بجهل؟ قال: لا بعلم، فقال له أبو جعفر (عليه السّلام): فإن كنت تفسّره بعلم فأنت أنت، و أنا أسألك، قال قتادة: سل، قال: أخبرني عن قول اللّه عزّ و جل في سبأ «وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ»- و فيها ما حاصله: أنّ قتادة فسّر «آمِنِينَ» بمن يخرج الى بيت اللّه بزاد و كري حلال، و أبطله الإمام (عليه السّلام) ثمّ فسّره (عليه السّلام) بمن يخرج من الشيعة الى البيت و أنّه آمن يوم القيامة، ثم فيها-: قال قتادة: لا جرم و اللّه لا فسّرتها إلّا هكذا، فقال أبو جعفر (عليه السّلام)، ويحك يا قتادة! إنّما يعرف القرآن من خوطب به‏ (1).

فتراه (عليه السّلام) قد سأل عن تفسير الجملة الظاهرة في قوم سبأ، و فسّره بمن يخرج من الشيعة الى بيت اللّه الحرام، و لا يكون هذا إلّا من قبيل بيان البطن، و منه تعرف أنّه لا داعي الى دعوى سقوط جملات من الحديث كما في الوافي، فراجع روضة الوافي باب تفسير الآيات.

و في خبر جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن شي‏ء من التفسير فأجابني، ثمّ سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا؟ فقال: «يا جابر، إنّ للقرآن بطنا، و له ظهر و للظهر ظهر، يا جابر، و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية يكون أوّلها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء و هو كلام متّصل يتصرّف على وجوه» (2).

____________

(1) روضة الكافي: 311- 312، الحديث 485، و أخرجه عنه الوسائل مختصرا في 25/ 13 من أبواب صفات القاضي.

(2) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 41.