تعليقة على حاشية الأستاذ على الفرائد - ج2

- محمد سلطان العلماء المزيد...
237 /
1

المجلد السابع‏

هذا هو المجلد السابع من حاشية المعلقة على كفاية الاصول للمحقق المدقق الشيخ محمد «سلطان العلماء» مد ظله العالى على رءوس الانام الساكن فى بلدة سلطان‏آباد اراك‏

طبعت فى مطبعة الموسوية اراك‏

2

[التعادل و التراجيح‏]

[مقدمة المؤلف‏]

بسم الله الرحمن الرحيم

و اياه نستعين الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد خير خلقه و آله الطيبين الطاهرين و بعد فهذا هو المجلد السابع من حاشيتى المعلقة على مبحث التعارض و يتلوه مبحث الاجتهاد و التقليد من كفاية الاصول لاستادنا العلامة آية اللّه الخراسانى قده‏

[في معنى التعارض‏]

(قوله التعارض هو تنافى الدليلين او الادلة بحسب الدلالة و مقام الاثبات على وجه التناقض او التضاد حقيقة او عرضا بان علم بكذب احدهما اجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما اصلا) فلنقدم مقدمة فى المقام لتوضيح المرام فنقول الدليل فى اصطلاحهم هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه الى مجهول خبرى و انما يتوصل الى مجهول خبرى بعد انتزاع مفهوم مما يتكفله الخطاب الانشائى كمفهوم الوجوب مثلا من قوله تعالى‏ «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* فاذن يؤلف قضية خبرية و يقال الصلاة واجبة لان وجوبها مجعول بالخطاب الشرعى علما او علميا و ذلك لان الخطاب الانشائى لا يقع وسطا للاثبات الذى يتحصل بالاندراج البين لانه من سنخ التصورات كما نص عليه اهل الميزان لا من سنخ التصديقات و من البين ان دلالة الخطاب الانشائى على مفهوم الوجوب مثلا دلالة التزامية لا مطابقية و انما تتحقق الدلالة الالتزامية بعد تعلق الانشاء بالوجوب لوضوح امتناع انتزاع مفهوم الحكم الا بعد جعل مدلول الخطاب و ليس التنافى فى المدلول المطابقى للخطاب الانشائى اذ المفروض ثبوت الخطابين المشتملين على المدلول الانشائى و إلّا يلزم اخلاء اللفظ عن المعنى رأسا فاذن لا يتحقق موضوع التعارض اصلا و كذا حكايتها عن الخارج باعتبار الدلالة الالتزامية ثابتة متحققة بثا و انما الممتنع مطابقة الحكايتين للخارج فيما اذا كانا حاكيين عن المتقابلين بواحد من انحاء التقابل الاربع فدائما يكون التنافى بين الخطابين باعتبار الدلالة الالتزامية لا المطابقية و ح ان كان الصدق و المطابقة فى الدليلين ممتنعة اتصفت الدلالة

3

الالتزامية بالتنافى اذ المفروض ان المطابقى الذى يكون متعلقا للانشاء لا يتصف بالصدق و الكذب و لا يقع وسطا للاثبات و يمتنع كون التقابل الخارجى سببا لحصول التنافى فى المدلول لان الحكاية و الدلالة التى تتصف بالمطابقة للخارج و اللامطابقة لها نسبة الصدور الى المتكلم و نسبة الوقوع الى الكلام كما فى الايجاب و الوجوب و نحوه فالعلة لحصولها هو المتكلم و المطابقة و عدمها من باب المفاعلة قائمة بالطرفين احدهما هو الحكاية و الآخر هو الخارج؟؟؟ امتناع المطابقة تتصف الحكاية باللامطابقة و الكذب فيقع التنافى بين الدليلين و من ثبوت كل منهما يلزم انتفاء الاخرى و لا بأس بالقول بكون منشإ تنافى الدليلين تنافى المدلول اعنى التقابل الخارجى لان المطابقة بين الاثنين فرع ثبوتهما و لو اعتبارا فيكون لثبوت الشى‏ء و عدمه دخل فى تنافى الدليلين بمعنى ان كون الشى‏ء و عدمه نقيضان لا يجتمعان فى الخارج منشأ لاتصاف المطابقة بالامتناع لا بمعنى العلية و التأثير (قال الاستاد فى حاشيته على كلام الشيخ قده و غلب فى الاصطلاح على تنافى الدليلين و تمانعهما باعتبار مدلولهما) ثم ان هذا احسن مما ذكروه فى تعريفه اذ عليه يكون وصفهما به من باب الوصف بحال المتعلق فحينئذ فالتعارض عندهم وصف لهما بحالهما قائم بانفسهما و لا ينافى ذلك كون المنشا تنافى المدلولين سراية التنافى اليهما بما هما دليلان ايضا فلا تغفل انتهى) و التنافى من باب التفاعل بمعنى نفى كل من الدليلين بظاهره للآخر وصف مخصوص حقيقة للدليلين بما هما دليلان و ليس التنافى بهذا المعنى وصفا للمتقابلين فى الخارج بل هما انما يتصفان بعدم الاجتماع فى الخارج و اطلاق التنافى عليهما بمعنى عدم اجتماعهما يسرى الى الدليلين اذ لو لا ذلك لم يكن تناف بين الدليلين و هذا هو المراد من السراية لا بمعنى عدم الاجتماع فى الخارج اذ المفروض ثبوت الانشائين و الحكايتين و انما الممتنع مطابقتهما معا للخارج فعدم الاجتماع منشأ لامتناع مطابقة الدلالة فى الدليلين للخارج و مما ذكرنا يظهر انه لا معنى لاخذ عنوان المدلول قيدا لذات المدلول حتى يكون مفاد قولهم تنافى مدلول الدليلين متحدا مع مفاد تنافى الدليلين لانه ليس هناك إلّا الخطابان الانشائيان و دلالتهما الالتزامية على مفهوم الحكم و التقابل بواحد من انحاء التقابل الاربع الذى هو خارج عنهما و من المعلوم ان دلالتهما

4

هى الحكاية عن واحد من انحاء التقابل و المدلول المحكى هى التقابل و هى المدلول بالدلالة الالتزامية و بعد ثبوت الحكاية عن التقابل يتصف التقابل بصفة المدلول فالاتصاف بصفة المدلول متأخر رتبة عن وجود الحكاية و الدلالة فلو اخذ التقابل بقيد عنوان المدلول لم يكن هناك دلالة على ذلك اذ المفروض ان الدلالة متقدمة رتبة على تعنون التقابل بعنوان المدلول فيلزم من اخذ عنوان المدلول فى التقابل تأخر رتبة ما هو متقدم رتبة (هف) فلا دلالة على ذات المدلول المقيد بعنوان المدلول مع ان المفروض ان التعارض وصف للدلالتين فى رتبة متقدمة و الدال و المدلول و ان كانا متضايفين متكافئين بلا ترتب فى البين إلّا انهما مفهومين منتزعين من وجود الرابط الذى هو مرآة للخارج بذاته‏

[نقل و تعقيب فى اقسام التعارض‏]

(نقل و تعقيب قال فى اوثق الوسائل فى شرح قول الشيخ قده ثم ان توضيح الكلام فى اقسام التعارض ان تعارض مدلول الدليلين اما ان يكون بمدلولهما المطابقة مثل قولنا اكرم زيدا و لا تكرم زيدا او بالمدلول المطابقة من احدهما و التضمن من الآخر مثل قولك اكرم العلماء و لا تكرم قوما كذا اذا كان بعضهم من العلماء او الالتزامى كك مثل تعارض المفاهيم مع ساير الادلة و هكذا و على التقادير اما ان يكون التعارض ذاتيا او عرضيا ناشيا من امر آخر كما ورد انه (صلّى اللّه عليه و آله) متى خرج من مكة الى عرفات كان يقصر فى الصلاة و ما دل على عدم جواز التقصير فى الصوم فى اربعة فراسخ اذ التعارض بينهما انما هو بواسطة ما ورد من قولهم ع كلما قصرت افطرت و كلما افطرت قصرت و إلّا فلا تعارض بينهما بالذات لاختلاف موردهما و ان شئت قلت ان تنافى مدلولى الدليلين اما بالمطابقة او التضمن او الالتزام سواء كان اللزوم عقليا ام عاديا ام شرعيا انتهى) و فيه ان التعارض وصف للدليلين لا المدلولين باعتبار الدلالة الالتزامية دائما و لا باس بانقسامها الى الذاتية و العرضية و يندرج فى العرضية ما اذا علم بكذب احدهما اجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما ذاتا كما علم بكذب احد الخبرين و لو كان احدهما فى باب الطهارات و الآخر فى الديات اذا الخبر الدال على ثبوت مدلوله ناف لما ينافيه و يخالفه فينطبق نفيه على نفى ما علم بكذب احدهما و كذا العكس و اما فى التنافى الذاتى فكل ينفى الآخر بخصوصه فالتعارض بين الدليلين بالدلالة الالتزامية فى كلتا القبيلتين و قد نقل فى بحر الفوائد عن استاده الشيخ قده انه‏

5

صرح فى مجلس البحث بعدم اتصاف المدلول بالتنافى عندهم و كون هذا التعريف يعنى تنافى مدلولى الدليلين مبنيا على الارشاد الى كون تنافى الدليلين انما هو باعتبار مدلوليهما انتهى) و عليه فقول الشيخ قده «و لذا ذكروا ان التعارض تنافى مدلولى الدليلين الخ» تعليل لقوله «باعتبار مدلولهما» فان اراد ان تنافى المدلولين يسرى الى الدليلين كسراية الحرارة من النار المماسة للماء الى الماء فيكون تنافى المدلولين واسطة للثبوت فاتصاف الدليلين بالتنافى على نحو الحقيقة ففيه ان المدلول هو التقابل الخارجى بين واحد من انحاء التقابل و هو لا يسرى الى الدليلين اذ التقابل بمعنى عدم اجتماع المتقابلين فى الخارج و المفروض اجتماع الانشائين المدلولين للخطابين بالمطابقة و اجتماع الحكايتين المدلولتين بالالتزام فلم يبق هناك الا التقابل الخارجى المحكى بهما كما ان تنافى الدليلين بمعنى نفى كل واحد منهما للآخر بمعونة الظهور لا يسرى الى المتقابلين اذ هما امران خارجيان لا ظهور هناك و لا لسان النفى بل العقل يستقل بامتناع اجتماعهما فى الخارج فالتقابل امر لبى لا يسرى الى الدليلين و التمانع نطق ظهورى فى الدليلين لا يسرى الى التقابل اللهم إلّا ان يكون مراده انه لو لا التقابل الخارجى لم يتحقق التمانع فى الدليلين اذ اتصاف المطابقة بالامتناع عقلا فرع امتناع اجتماع المتقابلين فى الخارج حسبما مر بيانه مستوفى اذا تمهد ذلك فلعند الى شرح كلمات الاستاد فنقول التعارض من باب التفاعل من العرض بمعنى الظهور و الاظهار فى مقابلة الخفاء و الاخفاء يأتى متعديا كقوله «تعالى‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ و قوله تعالى‏ «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ» و قوله تعالى‏ «وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً» و لازما قال فى القاموس و عرض له كذا يعرض ظهر عليه و بدا كعرض كسمع و الشى‏ء له اظهره له و عليه اراه اياه انتهى) و قد يأتى بمعنى المنع قال فى مجمع البحرين و لا تجعلوا اللّه عرضة لايمانكم اى حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير؟؟؟ لكم مخالفة و فيه ايضا عرض لى فى الطريق عارض اى منعنى مانع صدنى عن المضى فيه (و فى القاموس و الاعتراض المنع و الاصل فيه ان الطريق اذا اعترض فيه بناء او غيره منع السابلة من سلوكه مطاوع العرض انتهى) يعنى يقال عرضته فاعترض اى منعته فامتنع و لا يخفى ان الانسب بالمعنى المصطلح عليه هو هذا المعنى على تقدير كونه منقولا لوضوح‏

6

ان الدليلين المتنافيين متمانعان يمنع كل واحد منهما بظهوره عن صدق الآخر (و انما حصر الاستاد تنافى الدليلين على وجه التناقض و التضاد مع ان انحاء التقابل لا ينحصر فيهما و امكان تحقق التقابل بين مفاد الخبرين على وجه العدم و الملكة مثلا اذا دل خبر على ان فاقد عقيدة كذا كافر و خبر آخر على انه مؤمن بناء على كون الكفر هو عدم الايمان و لو كان شاكا بمعنى ترتيب آثار الكفر فى الدنيا على الشاك و لو لم يكن مقصرا لان المفروض ان تنافيهما فى مقام الاثبات و من المعلوم ان الحكم المجعول اما امر ثبوتى كالحرمة و الوجوب او احدهما ثبوتى و الآخر عدمى كالحرمة و عدمها كما اذا كان مفاد دليل انه يحرم العصير العنبى و مفاد الآخر انه لا يحرم و كان خبر التحريم فى مقام الانشاء و التقابل فى الاول تقابل التضاد و فى الثانى تقابل التناقض سواء كانت الاحكام واقعية ام كانت ظاهرية لان المفروض تعلق الجعل التشريعى بالمتنافيين فى الاول و تعلق الجعل بالحرمة خاصة لا بعد مهما الازلى و ان كان عدم الحكم موردا للاستصحاب حسبما مر بيانه فى مبحث الاستصحاب فى التنبيه الثامن و قد جروا فى اطلاقهم الضدين على الامرين الاعتباريين كالوجوب و التحريم على اصطلاحهم فى معنى الضد فى مبحثه و هو ما لا يمكن اجتماعهما لذاتهما و قد مر ان المتضايفين خارجان عن حريم البحث (قيل يرد على المصنف ان قوله على وجه التناقض او التضاد ان كان قيدا لقوله تنافى الدليلين بحسب الدلالة كما هو ظاهر العبارة ففيه او لا ان هذا التنافى دائما من قبيل التضاد لان حجتى دليلين من قبيل الامرين الوجودين و ليستا من العدم و الوجود و ثانيا ان الحجتين الثابتتين لهما فى موضوعين فدائما يكون من قبيل التضاد العرضى و ان كان قيدا المقدر بان يكون مراده ان التعارض تنافى الدليلين الناشى من تنافى المدلولين على وجه التناقض او التضاد ففيه اولا انه خلاف الظاهر لا يصار الى مثله فى التعريفات و ثانيا انه لا حاجة ح الى ذكر التضاد بعد كون الدلالة اعم اذ ما دل على حرمة شى‏ء بالمطابقة يدل على عدم وجوبه بالالتزام فيكون المدلول الالتزامى منه نقيضا للمدلول المطابقى لما دل على وجوبه و هكذا الكلام فيما دل على الوجوب انتهى) الجواب ان الحجتين مثلان فى موضوعين لا يمتنع اجتماعهما فيهما لا ضدان فى موضوع واحد و من سنخ الانشاءات لا خارج لهما يطابقهما اولا

7

يطابقهما و لازمهما حكم عقلى بالتنجز على تقدير المصادفة للواقع لا حكم شرعى كى يتألف من كل لازم قضية خبرية كان لها خارج و التنافى الذاتى انما يكون بين الخبرين على وجه التناقض او التضاد فى موضوع واحد و هو يوجب العلم بعدم مصادفة واحد من الخبرين النصين للواقع اما من جهة عدم الصدور او من جهة كون الصدور تقية و من ذلك يحصل العلم بعدم حجية الخبر الغير المصادف فعلا و ان كان حجة شأنا لوضوح ان جعل حجية الطريق انما يكون بداعى تنجيز الواقع و مع العلم بعدم المصادفة فى واحد منهما يعلم اجمالا بعدم حجية ذلك الخبر و التعارض بين عموم دليل الحجية او اطلاقه بالنسبة الى الخبرين تعارض عرضى لا ذاتى اذ التماثل فى موضوع واحد ممتنع ذاتا كالتضاد فى موضوع واحد لا فى موضوعين فليس هناك تماثل فى موضوع واحد حتى يزيد على التضاد و التناقض و حيث ان العلم الاجمالى بكذب دليل الحجة ناش عن تنافى الخبرين فلا محالة انه يصرف وجه البحث الى تنافى الخبرين لكى يتفرع عليه حال دليل الحجتين اذ استعلام حاله متأخر رتبة عن استعلام حال الخبرين كما هو ظاهر و من ثم جعل البحث فيهما كما صنع القوم ثم لا ينبغى ان يخفى على احد ان معنى التمانع الذاتى فى التضاد ان يكون وجود كل واحد من الضدين رفعا للآخر فى مقام الثبوت فوجود الحرمة فى الموضوع رفع للوجوب و بالعكس فليس عدم كل واحد عند وجود الآخر لازما خارجا للمدلول المطابقى حتى تكون الدلالة عليه دلالة التزامية و هذا بخلاف مفهوم الحكم المنتزع من الوجود الانشائى فانه لازم خارج امكن ان يتألف منه قضية خبرية كان لها خارج فاذن ينقدح الحكم بامتناع المطابقة فى التناقض و التضاد و كذا فى الحجتين المجعولتين من حيث المصادفة و عدمها و فى دليلهما من حيث عدم تعلق الجعل بواحد منهما (قال فى المقالة و عرف التعارض بتنافى مدلولى الدليلين على وجه التناقض او التضاد و لا يخفى ان التنافى المزبور فى الحقيقة قائم بنفس الواقع بلا مساس له بمرحلة الدليل بما هو دليل إلّا بنحو من العناية بملاحظة كون حكاية الدليلين عن المتنافيين موجبة لتنافيهما فى حكاية بعناية ان الحاكى عين المحكى فيصير ان بحسب الدلالة و الحكاية كانهما متنافيين و ح فاتصاف الدليلين بالتنافى المزبور نظير وصف‏

8

الشى‏ء بحال متعلقه و إلّا فبالنسبة الى نفسه لا يكون بينهما إلّا بالعرض و المجاز نعم ربما يكون تلك جهة كون التنافى تنافيا حقيقيا قائما بنفس الدليلين بلا عناية و هو فى الحقيقة مساوق عرض كل واحد نفسه فى الدخول تحت دليله و مثل ذلك المعنى من التناسب انسب الى شرح التعارض من التنافى السابق اذ هو قريب الى تعريف الشى‏ء بسببه و لعل ذلك هو النكتة فى عدول الاستاد فى تعريفه عن تنافى مدلولى الدليلين الى تنافيهما فى مرحلة الدلالة و مقام الاثبات بل و مثل هذا المعنى يناسب لفظ التعارض الوارد فى موضوع الاخبار العلاجية المنصرفة عن موارد الجمع العرفى لعدم صدق تنافى الدليلين فى مرحلة الاثبات بالنسبة الى موارد الجمع بخلاف المعنى السابق اذ هو صادق على موارد الجمع ايضا فشرح التعارض بمثله يوجب شموله لموارد الجمع ايضا فتقع المغايرة بين ذلك العنوان الواقع موضوعا للبحث و بين العنوان الواقع موضوع الاخبار العلاجية نعم لازم ذلك كون البحث عن الجمع و تميز موارده فى مثل هذا المبحث عن المقاصد نظير البحث عن التعادل و التراجيح و هذا بخلاف المعنى الاول اذ البحث من احكام الجمع و ما يتعلق به فى مثل هذا البحث استطرادى محض و لعله مثل هذه الجهة ايضا دعى الشيخ قده فى تعريفه عنوان التعارض الواقع موضوع البحث بما افيد كى يجمع المسائل الثلث و يكون البحث عن كل واحد منهما كما لا يخفى انتهى) و فى كلماته مواقع للنظر الاول فى قوله ان التنافى قائم بنفس الواقع الخ فيه ان التنافى من باب التفاعل بمعنى نفى كل منهما للآخر صفة حقيقة لدلالة الدليلين فى مقام الاثبات اذ بعد امتناع صدقهما معا يكون لسان كل من الدليلين نفيا للآخر و لا لسان للمتقابلين فى الخارج بل امتناع اجتماعهما امر واقعى قد ادركه العقل فالتقابل صفة للمتقابلين و التنافى فى الدلالة صفة للدليلين بما هما دليلان فلا هذا يتصف بصفة ذاك و لا ذاك يتصف بصفة هذا و لو بنحو العناية (الثانى فى قوله بعناية ان الحاكى عين المحكى الخ فيه ان الحكاية و المرآتية من كيفيات اللحاظ لا من حالات الملحوظ بمعنى ان الدلالة اللفظية فيما اذا جعلت مرآة للخارج توجه اللحاظ بالاستقلال الى الخارج و النظر المرآتى نظر آلى لم يتعلق الالتفات اليه ما دام كونها مرآة فمهما التفت اليها فى النظرة الثانية صح وصف الدلالة بالتنافى فلو كان‏

9

ح فى الدليل الملحوظ علاقة مصححة لنسبة صفة الخارج الى الدلالة صح ان يقال ان تلك الصفة ثابتة للدلالة بالعرض و المجاز و انه من باب وصف الشى‏ء بحال متعلقه و من البين ان صفة اللحاظ اجنبى عن ذات الملحوظ و هى تنتفى بانتفاء اللحاظ و لا معنى لنسبة ذلك الى الملحوظ اصلا و لو بنحو العناية أ لا ترى انه اذا قطع النظر عن المرآة الحسية لم يجز نسبة صفات المرئى بها اليها كان يقال المرآة حسن الوجه او قبيحه و لو بنحو التجوز بل هى ركيكة عند اهل اللسان نعم يسرى قبح المرئى حقيقة الى اللفظ بما هى حاك عنه كقبح لفظ الشيطان من جهة كونه مرآة عنه حين التلفظ كما ان ضيق فم المرآة يسرى الى ضيق دائرة المفهوم المرئى بها حسبما مر بيانه فى مبحث اجتماع الامر و النهى و غيره (الثالث فى قوله ربما يكون تلك جهة كون التنافى تنافيا حقيقيا قائما بنفس الدليلين بلا عناية الخ فيه انه ليس هناك تأثير و تأثر حتى تكون التقابل الخارجى واسطة للثبوت كوساطة النار لحرارة الماء المماس له و قد مر بيانه مستوفى‏

[المراد من تنافى الادلة]

(ثم ان المراد من تنافى الادلة ما اذا كان التنافى حاصلا بالثلاثة بمعنى انه لو لا الثالث لم يكن بين الدليلين تنافى اصلا كما اذا قال المولى اكرم زيدا يوم الخميس و قال ايضا اكرم عمروا فى ذلك اليوم ثم قال لا يجب اكرام شخصين يوم الخميس و من المعلوم انه لا تعارض و لا تنافى بين الدليلين الاولين و لا بين واحد منهما و بين الثالث و انما يتحقق التنافى بينهما و بين الثالث و هذا انما يتم فيما اذا كان الثالث ظنيا و اما اذا كان الثالث قطعيا حصل التنافى بين الدليلين خاصة كقيام الاجماع على عدم وجوب صلاتين فى ظهر الجمعة فان التنافى حاصل بين دليلهما بسبب الاجماع و لو كان فى كل اثنين من الادلة الثالثة تنافيا كان التنافى بينهما ثابتا سواء كان الثالث مقطوعا ام لا مثلا اذا ورد دليل يدل على وجوب شى‏ء و الآخر على حرمته و الثالث على استحبابه كان التعارض بين الثلاثة و بين الاثنين منهما فيما اذا كانت الثلاثة ظنية و بين الاثنين خاصة فيهما اذا كان واحد منهما قطعيا اذ المفروض ان التنافى بين اثنين منهما ثابت مع قطع النظر عن الثالث (قوله فلا تعارض بينهما بمجرد تنافى مدلولهما) اقول المراد من المدلولين المتنافيين عدم الحكم و ثبوته على نحو التناقض او ثبوتهما على نحو التضاد و المراد من التنافى عدم اجتماعهما

10

فى الخارج و من المعلوم ثبوت التنافى بهذا المعنى فى الدليلين المتنافيين فى المدلول فى مقام الثبوت و لو كان احدهما شارحا للآخر و انما لا يكون التنافى بين الظهورين فى مقام الاثبات لاجل كون لسان الشارح مبينا للمراد من المشروح (قوله او كانا على نحو اذا عرضا على العرف وفق بينهما بالتصرف فى خصوص احدهما كما هو مطرد فى مثل الادلة المتكفلة لبيان احكام الموضوعات بعناوينها الاولية مع مثل الادلة النافية للعسر و الحرج و الضرر و الاكراه و الاضطرار مما يتكفل لاحكامها بعناوينها الثانوية حيث يقدم فى مثلها الادلة النافية و لا تلاحظ النسبة بينهما اصلا و يتفق فى غيرهما كما لا يخفى) اقول قد تقدم شطر من الكلام فى انحاء الحكومة و الورود و الجمع العرفى و نزيد بيانا فنقول الفرق بين التخصص و الورود ان التخصص عبارة عن خروج شى‏ء عن موضوع الدليل ذاتا كخروج الجاهل عن قول المولى اكرم العالم و اما الورود فهو عبارة عن خروج شى‏ء عن موضوع احد الدليلين بسبب التعبد بالآخر كانتفاء الشك الذى هو موضوع الاصول العقلية بالتعبد بالاصول الشرعية و كانتفاء النقض اليقين بالشك بسبب التعبد بالامارة فان العمل بها نقض بالحجة لا بالشك فالورود يشارك التخصيص فى كون الخروج فى كل منهما على وجه الحقيقة لكن الخروج فى التخصص يكون ذاتا بلا توقف على التعبد و فى الورود بواسطة التعبد و اما امتياز الحكومة و التخصص و الجمع العرفى عنهما ببقاء الموضوع فى الثلاثة و كون الاخراج عن الدليل حكميا لا موضوعيا بخلافه فيهما فانه خروج موضوعى و العمدة فى المقام بيان الفرق بين الجمع العرفى و التخصيص و لو على نحو الايجاب الجزئى فمورد افتراق الجمع العرفى عن التخصيص فيما اذا كان تفاوت رتبة بين الدليلين كما فى الامارات بالنسبة الى الاصول التعبدية فان الامارات ناظرة الى الحكم الواقعى و موضوع الاصول هو الشك فى الحكم الواقعى فلا يكون دليل الامارة مخصصة لدليلها و لو على تقدير كون النسبة بينهما عموما و خصوصا لان لسان التخصيص نفى الحكم الايجابى عن بعض ما كان داخلا فى العموم او اثبات الحكم السلبى للعام لبعض الافراد بحيث يكون حكم العام بعد التخصيص مقصورا على بعض ما يتناوله و من المعلوم انه ليس مدلول قوله ع خذ بخبر الثقة الذى هو امر طريقى بداعى تنجيز

11

الواقع نفى حرمة النقض بالشك فى مورد الاجتماع كما انه ليس مدلول الامارة القائمة على حكم واقعى نفى حرمة النقض بالشك و كذا بالنسبة الى حكم الحلية و نحوها فى ساير الاصول التعبدية اذ الشك المأخوذ فيها فى رتبة متأخرة عن الحكم الواقعى الذى هو مدلول الامارة و يكون فى طوله و مدلول دليل العام و الخاص فى عرض واحد سواء كان من سنخ الحكم الواقعى او من سنخ الحكم الظاهرى فاذن يكون التنافى بين المدلولين فى مقام الثبوت و انما يكون رفع التنافى فى مقام الاثبات بمعونة الجمع العرفى على تقدير عدم تمامية الورود و الحكومة بان يقال اذا كان احد العامين اقل افرادا عن الآخر بمعنى انه يلزم من تقديم الآخر عليه ان لا يبقى تحته الا افراد قليلة بحيث لا ينبغى ان يكون القاء ذلك العام من المتكلم بلحاظ تلك الافراد القليلة كان ذا وجه التقديم عند اهل العرف هذا اذا لوحظت النسبة بين الامارة و واحد من الاصول التعبدية كالاستصحاب و اما اذا لوحظت بالنسبة الى مجموع الاصول الشرعية فللأمارة حق التقدم عليها لئلا يلزم لغوية جعل الحجية للامارة بعد استيعاب الاصول لموارد الامارة باسرها و قد تقدم بيانه مستوفى فى مبحث الاستصحاب عند شرح قول الاستاد (و اما التوفيق الخ (و من موارد الافتراق قاعدة لا ضرر فان تقدمها على ادلة الاحكام الواقعية انما يكون بمعونة الجمع العرفى لا بالتخصيص و إلّا يلزم تخصيص الاكثر اذ عليه يلزم رفع اليد عن عمومها فى موارد كثيرة كالموارد التى يكون الضرر لازما للموضوع الالزامى كباب النفقات كوجوب نفقة الوالدين و الاولاد و الحقوق المالية كوجوب الزكاة و الخمس و الحج و البدنية كوجوب الجهاد و بالجملة كل فعل واجب ملازم للضرر غير منفك عنه خارج عن عموم قاعدة لا ضرر فبعد كون دليل ذلك الحكم الخاص اخص بالنسبة الى عموم القاعدة يلزم محذور تخصيص الاكثر و هذا المحذور انما يلزم على تقدير التخصيص لا على تقدير الجمع العرفى بيانه ان عنوان الضرر من مفاهيم العامة المنطبقة على الافعال الخاصة الضارة و لا مصداق له بحياله فى قبالها و تكون تلك الافعال الخاصة مصاديق لعنوان الضرر فالحكم المترتب عليه منسحب الى تلك الافعال بما هى معنونة بعنوان الضرر و لاجل ذا يرى العرف حق التقدم لدليل العنوان الطولى على كل واحد من ادلة الاحكام‏

12

للعناوين الاولية و ان كانت النسبة بين دليله و دليل كل واحد منها هى العموم من وجه فان الوضوء الغير الضررى هى مادة الافتراق من جانب دليل وجوبه كما ان الغسل الضررى مادة الافتراق من جانب القاعدة و يستكشفون من ذلك ان الحكم للعناوين الاولية اقتضائى فى مقام الثبوت بالنسبة الى العنوان الثانوى لاجل كونه مانعا فى مرتبة المقتضى و عليه فلو احرز من الخارج بضرورة او اجماع ان الحكم فى بعض العناوين الاولية على نحو العلية التامة لم يكن مشمولا للقاعدة كما فى الموارد التى يكون الضرر لازما للموضوع لا ينفك اذ كون الضرر مانعا عن اقتضاء المقتضى للحكم الواقعى مقصور على الافعال التى يطرأ عليها الضرر احيانا لا فيما يكون الضرر لازما للموضوع لوضوح انه لا يسع للشارع نفيه لان نفى الحكم فى ذلك الموضوع الملزوم للضرر ابطال لحكمه رأسا مع اقتضاء المصلحة الملزمة جعله و تشريعه فالقاعدة على طريقة الجمع العرفى لا تشمل تلك المراد فيكون تخصصا لا تخصيصا فعلى هذا لا يلزم محذور تخصيص الاكثر بسبب خروج تلك الموارد عن تحت عموم القاعدة (و لا يذهب عليك ان هذا المحذور لا يسرى الى مثل قاعدة البسر التى قد نص فى الآية المباركة ان العلة هى المنة بقوله تعالى‏ (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) اذ العلة المنصوصة مخصصة لعموم القاعدة فلا تشمل تلك الموارد حتى يلزم محذور تخصيص الاكثر فلا يكون هذا من باب المانعية فى رتبة المقتضى حتى يكون الحكم الواقعى اقتضائيا عند طرو العسر بخلاف قاعدة الضرر فان المنة ليست منصوصة فى الرواية و ان علم من الخارج ان الشارع فى مقام المنة فى نفى الضرر و قد مر بيان ذلك مستوفى فى مبحث قاعدة لا ضرر نعم يكون تقدم قاعدة اليسر على الادلة الواقعية من باب الجمع العرفى لما ذكرنا فى قاعدة لا ضرر طابق النعل بالنعل و من ثم لا يلاحظون النسبة بينهما و بين ادلة الاحكام بمعنى ان يلاحظ كون شمول قاعدة العسر للوضوء العسرى و نحوه شمولا عموميا بالاضافة الى حالات الافراد و شمول الادلة الواقعية لحالة الضرر شمول اطلاقى بالاضافة الى حالات الافراد و من المعلوم ان شمول العموم وضعى يصلح بيانا للمطلق و معه لا تتم مقدمات الحكمة فى المطلق و لحاظ هذه النسبة حتى يكون تقديم دليل العسر على ادلة الاحكام الواقعية من باب تقديم العام على المطلقات بمعزل عن‏

13

نظر العرف بتاتا فيكون من باب الجمع العرفى فيكون هذا هو الوجه فى كل عنوان طولى بالنسبة الى العناوين الاولية التى لا مصداق لها بحيالها فى قبال تلك العناوين (ثم لا يذهب عليك انه لا ينحسم محذور تخصيص الاكثر فى قاعدة لا ضرر بمعونة الحكومة اذ هى بيان للمراد الجدى من تلك العناوين الواقعية بمعونة ظهور واحد متساوى النسبة اليها و لا يمكن التجزى فى ظهور واحد بالنسبة الى الموارد لكى يرفع اليد عنه فى جملة منها و يبقى حجة فى جملة اخرى و ليس حال الحاكم حال العام المخصص الذى هو حجة فى الباقى اذ معارضة الخاص مع العام فى الحجية فيكون الخاص نافيا لحجية العام فى القدر المتيقن من الخاص و يبقى حجية العام فى الباقى و هذا بخلاف الحاكم فانه بيان للظهور فى المحكوم و الظهور فى الحاكم لا يتجزى و من هنا يمكن دعوى سراية اجمال الحاكم الى المحكوم فيما اذا كان مدلول الحاكم مرددا بين الاقل و الاكثر فلا يؤخذ بمدلول المحكوم بالنسبة الى المقدار الذى يكون دليل الحاكم مجملا فيه و فيه اشكال نظرا الى ان للعام ظهورا مستقلا فتكون حكومة الحاكم عليه فيما هو دليل عليه و هو الاقل و لا يذهب عليك ان ما نحن فيه ليس من هذا القبيل لان للحاكم ظهورا بالنسبة الى الجميع كما لا يخفى مضافا الى عدم تمامية الحكومة فى نفسها بالنسبة الى تلك العناوين الطولية حسبما أوضحنا سبيله فى ذلك المبحث بما لا مزيد عليه (و لا يذهب عليك ان الجمع العرفى فى العنوان الثانوى بالنسبة الى الادلة الواقعية انما يتم فيما اذا كان للعنوان الثانوى لفظ مطلق او عام كدليل الضرر و العسر و إلّا كان تخصيصا كقوله تعالى‏ (وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) اللهم إلّا ان يكون قاعدة كلما غلب اللّه عليه فهو اولى بالعذر من الادلة العامة و كذا فى الاكراه و للموصولة فى قوله ص (رفع عن امتى ما اكرهوا عليه عموم بالنسبة الى الادلة الواقعية (و قوله تعالى‏ لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) مشتمل على لفظ العموم إلّا ان فى شموله للفروع تأمل و قول الاستاد (و يتفق فى غيرهما) مورده فيما اذا لم يكن الموضوع فى احد الدليلين من المفاهيم العامة فى طول العناوين الاولية بل يكونان فى عرض واحد كما اذا كان الشك موضوعا فى كليهما كاصالة الصحة بالنسبة الى الاستصحاب بناء على كون النسبة بين الدليلين عموما

14

من وجه فان صيرورة اقلية موارد اصالة الصحة و اكثرية موارد الاستصحاب على تقدير تقديم الاستصحاب على اصالة الصحة تكون وجها فى نظر العرف فى تقديم دليل اصالة الصحة على دليل الاستصحاب لوضوح انه على تقدير تقديم دليل الاستصحاب على دليل اصالة الصحة لم يبق لاصالة الصحة الا موارد قليلة لا ينبغى اعطاء هذه القاعدة الكلية لمجرد تلك الموارد القليلة فان العرف بعد الاطلاع على ذلك يرى تقديمها عليها فهذا ايضا جمع عرفى فى غير العناوين العامة الطولية و العناوين الخاصة (قوله او بالتصرف فيهما فيكون مجموعه قرينة على التصرف فيهما) اقول اذا ورد عامان متباينان و كان فى كل منهما قدر متيقن مركوز فى اذهان العرف كان مجموعهما قرينة على التصرف فيهما فيحمل كل واحد منهما على ذلك فاذن يرتفع التنافى بينهما مثلا لو سئل عن المولى هل يجب اكرام العالم العادل فقال اكرم العلماء و سئل عنه فى مجلس آخر هل يجب اكرام العالم الفاسق فاجاب بانه لا تكرم العلماء فالقدر المتيقن المركوز فى الذهن يصير قرينة على التصرف فيهما معا فيحملان على وجوب اكرام العالم العادل و حرمة اكرام العالم الفاسق و هذا بخلاف ما اذا كان هناك قدر متيقن غير مركوز فى الاذهان كما فى ثمن العذرة سحت و لا بأس ببيع العذرة فان المنقول عن شيخ الطائفة قده حمل الاول على عذرة غير ماكول اللحم و الثانى على عذرة ماكول اللحم فان هذا جمع تبرعى لا جمع عرفى لعدم كون القدر المتيقن بينهما مركوزا فى اذهانهم و كان دأب الشيخ قده حمل المتعارضين على محامل بعيدة كما فى كتاب الاستبصار و لعل مقصوده المحافظة على اهل العصمة عن اعتراض المخالفين عليهم و الصون لعقائد الشيعة من كثرة ما رأوا من الاختلاف بين الاخبار المنقولة عن الائمة (ع) كما نبه عليه قده فى اول كتابه و اطلاق الجمع العرفى على انحاء الجمع الدلالى حتى على الجمع بين العام و الخاص بالتخصيص و المطلق و المقيد بالتقييد انما يكون فى مقابلة الجمع التبرعى و قد عرفت المراد من الجمع العرفى بالمعنى الاخص (و لا يذهب عليك ان القدر المتيقن اذا فهم من نفس الدليلين و كان هو القدر المتيقن فى مقام التخاطب بحيث يصح الاتكال عليه فى بيان تمام مرامه لم يكن اطلاق فى مدخول أداة العموم لانها تفيد العموم فى مقدار مدخوله و مهما لم يكن هناك اطلاق فيه لم تمس الحاجة الى الجمع بالتصرف فى الدليلين‏

15

اذا ليس هناك ظهوران متخالفان بل هما مهملان من هذه الجهة فالجمع بالتصرف فيهما انما يكون فيما اذا كان هناك قدر متيقن مفهوم من الخارج مركوز فى الاذهان و يكون لكل من الدليلين ظهور فى نفسه مخالف لظهور الآخر و بملاحظة ذلك القدر المتيقن الخارجى المركوز فى الاذهان يتصرف فى كل واحد منهما بالحمل على ذلك القدر المتيقن و بهذا يرتفع التنافى بينهما (قوله او فى احدهما المعين و لو كان من الآخر اظهر) اقول النسخ مختلفة و فى بعضها هكذا و هذا هو الصحيح و فى بعضها (و لو كان الآخر اظهر) باسقاط كلمة من الجارة و هذه ليست بصحيحة لانها تدل على خلاف المراد اذ المراد انه يتصرف فى خصوص احدهما و يحمل على خلاف ظاهر الآخر و لو كان اظهر كما فى ادلة الاصول التعبدية فانها مشتملة على ادوات العموم فتكون اظهر من ادلة الامارات الخالية عنها و مع ذلك يقدم الامارة عليها لانها حجة على الاطلاق فلا يكون رفع اليد عن الاستصحاب نقضا بالشك حتى يكون محرما بل هو نقض بالحجة عند اهل العرف لا نقض بالشك فتكون اظهرية دليل الاصل ملقاة فى نظرهم و لا كك الامر فى التعارض بين العام و الخاص المنفصل فان الخاص بظهوره مزاحم لحجية العام بالنسبة الى الخاص و لا جرم انه لا بد ان يكون الخاص اظهر من ظهور العام بالنسبة الى الخاص و إلّا لم يصلح الخاص للمزاحمة لحجية العام و اما تقديم الامارة على الاصل فلا لاجل المزاحمة لحجية الظهور فى دليل الاصل بل لاجل الورود و كونه معد ما لموضوع الاصل بعد مساعدة فهم العرف على كون الاخذ بمدلول الامارة اخذا بالحجية لا نقضا بالشك و قد مر بيان الورود بالنسبة الى الاصول الشرعية فظهر مما ذكرنا ان هذه العبارة فى النسخة الاخرى غير صحيحة و فى نسخة ثالثة (لو كان الآخر اظهر) باسقاط كلمة الواو و هذه ايضا غير صحيحة لان الاستاد سيتعرض فى ذيل كلامه لتقديم الاظهر على الظاهر و ذا لاجل المزاحمة مع الحجية و ذلك لاجل اعدام الموضوع فشتان ما بين المرحلتين (قوله مع احتمال ان يقال انه ليس قضية الحجية شرعا الا لزوم العمل على وفق الحجة عقلا و تنجز الواقع مع المصادفة و عدم تنجزه فى صورة المخالفة) اقول قد تقدم فى مبحث الاحكام الوضعية ان الحجية قابلة لتعلق الجعل بها بنفسها و يترتب عليها اثر عقلى و هو حكم العقل بتنجز

16

الواقع عند المصادفة و العذر عند عدم المصادفة و هى من سنخ الحكومة الواقعية لا من باب الحكومة الظاهرية لان جعلها لخبر الواحد مثلا توسعة لدائرة الحجية و تعميم لها فى مقام الثبوت فيصير خبر الواحد حجة حقيقة بمجرد تعلق الجعل بها له و ليست بمنزلة الحجة فى مقام الاثبات بمعنى تنزيل الخبر الواحد منزلة القطع الذى هو حجة عقلا بنفسه اذ هذا اثر عقلى للقطع الطريقى المحض و لا بد ان يكون وجه التنزيل اثرا شرعيا مضافا الى كونها قابلة لتعلق الجعل بها بنفسها فلم يبق معه موقع للتنزيل و لا تصل النوبة الى ذلك اصلا و من المعلوم ان الحكومة الظاهرية مقصورة على مقام الاثبات و جعل الحجية تصرف فى الموضوع للاثر العقلى فى مقام الثبوت فظهر ان الحكومة الظاهرية باطلة على هذا التقدير و اما بناء على تعلق الامر الشرعى الطريقى بخبر الواحد كقوله (ع) اعمل و خذ و نحوهما فانما تتم الحكومة فى مقام الاثبات فيما اذا دل و لو بالالتزام على وجوب القاء احتمال الخلاف تعبدا كى يختلف الحال و يكون مفاده فى الامارة نفى حكم الاصل حيث انه حكم الاحتمال بخلاف مفاده فيه لاجل ان الحكم الواقعى ليس حكم احتمال خلافه لكن ذا ممنوع جدا و سند لمنع ان الامر الطريقى امر مولوى من سنخ الاوامر المولوية التى يستقل العقل بلزوم اطاعته و حيث ان اطاعته بعين اطاعة الواقع و لا مصداق له بحياله فى مقابلة الواقع فلا جرم ان العقل يحكم بالاتيان بالواقع و ان المخالفة فى صورة المصادفة توجب استحقاق العقوبة و فى صورة عدم المصادفة لا تستتبع العقوبة و هذا معنى التنجز المترتب على الامر الطريقى و ليس ما وراء عباد ان قربة و لم تمس الحاجة الى التنزيل مع تحقق غرض الشارع من توجيه الامر الطريقى الى الواقع اعنى تنجيز الواقع القاطع للعذر فثبت مما ذكرنا انه لا دلالة للامر الطريقى على وجوب القاء احتمال الخلاف تعبدا فلا حكومة ظاهرية لادلة الامارات على الاصول الشرعية و قد مر شطر من الكلام فى ذلك فى مبحث الاستصحاب و قد تكلم الاستاد هناك بمثل هذه الكلمات و اشبعنا الكلام فى شرحها بما لا مزيد عليه‏

[لا تعارض اذا كان احدهما قرينة على التصرف فى الآخر كما فى الظاهر مع النص او الاظهر]

(قوله و لا تعارض ايضا اذا كان احدهما قرينة على التصرف فى الآخر كما فى الظاهر مع النص او الاظهر مثل العام و الخاص و المطلق و المقيد او مثلهما مما كان‏

17

احدهما نصا او اظهر حيث ان بناء العرف على كون النص او الاظهر قرينة على التصرف فى الآخر)

[وجه تقديم الخاص على العام‏]

اقول هل تقديم الخاص على العام من باب الحكومة او الورود او لا هذا و لا ذاك و ربما يتراءى من الشيخ قده التفصيل فى انحاء الخاص (قال ثم ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار فى الاصول اللفظية ايضا فان اصالة الحقيقة او العموم معتبرة اذا لم يعلم هناك قرينة على المجاز فان كان المخصص قطعيا من جميع الجهات كان واردا على الاصل المذكور فالعمل بالنص فى مقابلة الظاهر كالعمل بالدليل العلمى فى مقابلة الاصل العملى و ان كان المخصص ظنيا معتبرا كان حاكما على الاصل لان معنى حجية الظن جعل احتمال مخالفة مؤداه للواقع بمنزلة العدم فى عدم ترتب ما كان يترتب عليه من الاثر لو لا حجية هذه الامارة و هو وجوب العمل بالعموم عند احتمال وجود المخصص و عدمه فثبت ان النص وارد على اصالة الحقيقة اذا كان قطعيا من جميع الجهات و حاكم عليه اذا كان ظنيا فى الجملة كالخاص الظنى السند مثلا و يحتمل ان يكون الظن ايضا واردا عليه بناء على كون العمل بالظاهر عرفا و شرعا معلقا على عدم التعبد بالتخصيص فحالها كحال الاصول العقلية فتأمل هذا كله على تقدير اصالة كون الظهور من حيث اصالة عدم القرينة و اما اذا كان من جهة الظن النوعى الحاصل بارادة الحقيقة الحاصل من الغلبة او من غيرها فالظاهر ان النص وارد عليه مطلقا و ان كان النص ظنيا لان الظاهر ان دليل حجية الظن الحاصل بارادة الحقيقة الذى هو مستند اصالة الظهور مقيد بصورة عدم وجود ظن معتبر على خلافه فاذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل نظير ارتفاع موضوع الاصل بالدليل ثم قال نعم لو فرض الخاص ظاهرا خرج عن النص و صار من باب تعارض الظاهرين فربما يقدم العام انتهى) و يتراءى من كلماته التثليث بحسب الاقسام ورود فى بعضها و حكومة فى بعضها و تعارض فى بعض آخر و الملاك فى الورود و الحكومة معلومية قرينية الخاص و فى التعارض عدمها فان كان الخاص نصا فهو قرينة على خلاف الظهور فى العام و ح فان كان مقطوعا من جهة اخرى بحيث يعلم كون مؤداه حكما واقعيا كان ذا من باب الورود اذ اصالة عدم القرينة او اتباع الظهور من باب الظن النوعى مغياة بعدم العلم بخلاف مفاد العام و مع العلم بذلك لا مجرى للاصل و لا لحجية الظهور اصلا و

18

ان كان سند الخاص النص الذى هو قرينة من حيث الدلالة قطعا ظنيا من باب حجية خبر الواحد كان تقدمه على ظهور العام من باب الحكومة اذ لسان دليل حجيته القاء احتمال الخلاف الذى هو موضوع اصالة القرينة كما هو كك بالنسبة الى الاصول التعبدية و ان كان الخاص ظنيا بحسب السند و لم يكن نصا كان بين ظهوره و ظهور العام تعارض و كذا اذا كان قطعى السند مع كون العام ايضا كذلك كالعام الكتابى و خاصه فان بين ظهوريهما تعارض و ربما يقدم ظهور العام على ظهور الخاص و جعل قده النص الظنى الصدور واردا اذا كان مستند اصالة العموم الظن النوعى بارادة الحقيقة الحاصلة من الغلبة و قد سبق فى مبحث الاستصحاب فى تقدم الاستصحاب على القرعة ان الغلبة امارة حيث لا امارة و كذا ما استند اليها فيكون الظن النوعى المستند الى الغلبة حجة عند العرف معلقة ما لم تقم قرينة على خلافه و بقيامها على خلافه ينتفى حجيته عندهم لكن الاستناد اليها ممنوع جدا اذ لازم ذلك عدم الاعتداد باصالة الظهور قبل حصول الغلبة مع انه ليس كك ضرورة اعتبارها عند اهل اللسان قبل حصول الغلبة فانهم لا يزالون يتشبثون بذيل اصالة الظهور فى كلام كل متكلم منذ علم اللّه الانسان البيان كما هو جلى غنى عن البرهان (و قد اهمل الشيخ قده ذكر الاظهرية فى كلامه هاهنا لكنه صرح فى كلامه الآتى بكون الاظهر قرينة فمع ان الخاص الاظهر قرينة قطعا صارفة عن ظهور العام عند اهل اللسان يكون فى حكم الخاص النص فلو كان قطعيا من جميع الجهات كان واردا على اصالة العموم و احتمال الخلاف لا يقدح فى ذلك لان المفروض القطع بكون الاظهر قرينة و ان احتمل عدم كون مؤداه حكما واقعيا و المفروض القطع بصدوره لبيان الحكم الواقعى و من البين ان اصالة العموم مغياة بالعلم بالقرينة الصادرة و لو كان ظنيا من جهة السند كان الخاص الاظهر حاكما على اصالة العموم كما فى النص الظنى السند على قول الشيخ هذا و يظهر من كلام الشيخ قده الفرق بينهما (قال نعم الفرق بينه و بين القسم الاول ان التعبد بصدور النص لا يمكن إلّا بكونه صارفا عن الظاهر و فيما نحن فيه يمكن التعبد بصدور الاظهر و ابقاء الظاهر على حاله و صرف الاظهر لان كلا من الظهورين مستند الى اصالة الحقيقة إلّا ان العرف يرجحون احد الظهورين على الآخر فالتعارض موجود و الترجيح بالعرف بخلاف النص و الظاهر

19

انتهى) و فيه ان الوجه فى التقديم هو القطع بكون الاظهر قرينة فيكون كالنص حسبما اوضحنا سبيله و قد افاد الاستاد توجيها لكلام الشيخ قده بما يوافق مذاقه فى كون تقديم الاظهر على الظاهر من باب الحكومة لا من باب الورود و لكن التحقيق انهما سيان حسبما ياتى بيانه من ذى قبل و قد سبق فى مبحث حجية الظواهر ان الظهور طريق لاستكشاف مراد المتكلم و ليس هناك اصول عدمية و لا اصول وجودية اصلا و قد اشبعنا الكلام فى ذلك (و قال الاستاد فى حاشيته على قول الشيخ قده «و ما ذكرنا من الحكومة و الورود جار» فيه ان الحكومة لا يعقل جريانها فيها اذ دليل حجيتها السيرة و هى كسائر الادلة اللبية لا بد ان يكون موضوعها محرزا كمية و كيفية بالجزم و اليقين فكيف يمكن ان تنالها يد التصرف باى نحو كان فلا يجرى فيها غير الورود ان قلت سيرة العقلاء ليست بنفسها حجة و دليلا على اعتبارها ما لم يمضها الشارع و لو بعدم الردع و هو مما يتطرق اليها الاحتمال بلا اشكال ضرورة امكان ان يكون الممضى بعدم الردع مطلق اصالة العموم او خصوص ما اذا لم يتعبد بالنص فدليل التعبد به يشرحه و يبينه قلت نعم و لكن اذا كانت السيرة على الحجية مطلقا و اما اذا كانت على هذا النهج كما هو كك فالممضى هو مطلق ما استقرت عليه بلا زيادة و نقصان اللهم إلّا ان يكون المصنف قده بصدد مجرد الفرض و الامكان لا فعلية الوقوع و الجريان فافهم) توضيحه انه لا مرية ان السيرة من سنخ العمل بلا مزيد تعبد منهم و لا من الشارع اصلا و معنى امضاء الشارع كون عمله على طبق سيرتهم بلا تصرف زائد على ذلك لا على وفقها و لا على خلافها و السيرة تكون باقية حتى يقع عنهم العمل على خلافها فتكون السيرة اللاحقة رافعة حقيقة للسيرة السابقة و لا بد من احرازها بحدودها فى مقام تقديم الخاص على عموم العام كما هو قضية التبعية لاهل اللسان فى العمل بالظواهر بان يحرز انهم لا يزالون يعلمون على طبق العموم بالنسبة الى افرادها حتى يقوم الخاص النص الظنى المعتبر على خلاف العام فحينئذ يتبدل السيرة السابقة الى السيرة اللاحقة على تقدم الخاص على عموم العام و من البين ان السيرة السابقة ترتفع ح من اصلها لا انهم يرفعون اليد عن العموم بملاحظة القاء الشارع احتمال الخلاف و لو فرض ان سيرتهم لا ترتفع بمجرد العثور على حجية الخاص بل بضميمة امر

20

الشارع بالقاء الاحتمال كان نفس الامر بذلك غاية لتبديل سيرتهم بمعنى ان التعبد بالقاء الاحتمال من حيث كونه تعبدا غاية لسيرتهم لا من حيث نظر الدليل الى القاء الاحتمال و كونه بيانا لحكم الاحتمال كما فى الامارة فانها مبينة لالقاء حكم الاصل على قول الشيخ قده و المفروض عدم حكم لاحتمال الخلاف لا منهم و لا من الشارع بل استقر سيرتهم على العمل بالعموم عند احتمال عدم كون العموم مرادا للمولى حتى عثروا على حجية اقوى على خلافه فالتعبير باصالة العموم او عدم القرينة منا لا منهم و امضاء الشارع ليس من سنخ الحكم المجعول على الاحتمال بل هو عمل على طبق السيرة تبع لها سعة و ضيقا فلو فرض انهم لا يرفعون اليد عن العموم الا فيما اذا علم بالمراد بان يكون الخاص نصا قطعيا من جميع الجهات و يرون التنافى بين الدليلين فى غيره دخلا فى المتعارضين و قول زرارة و هو واحد من اهل اللسان «إذا جاء عنكم خبر ان متعارضان» يشملها نعم لو كانوا حيارى فى تقدم النص الظنى مثلا لا يدرون ما يفعلون كان دليل التعبد به بيانا رافعا للحيرة إلقاء لاحتمال الخلاف و المفروض ان السيرة مبينة كما و كيفا فالممضى هو مطلق ما استقرت السيرة عليه بلا زيادة و نقصان و حيث ان البناء على الاخذ بظهور عند الشك يكون مغيا بعدم الحجة على وجود الخاص النص فلا محالة بالعثور عليها يرتفع البناء المذكور حقيقة فيكون من باب الورود لا الحكومة لكنها ليس ورودا اصطلاحيا اذ فيه بالتعبد بدليل الورود ينتفى موضوع الورود حقيقة و فيما نحن فيه لم ينتف الموضوع لا موضوع العام و لا الشك الموضوع لاصالة العموم بل البناء الذى هو مستندها ترتفع بالعثور على التعبد بالخاص النص على خلاف العموم (نقل و تعقيب قال فى المقالة قد يتوهم عدم مجى‏ء الحكومة فى المقام بتقريب ان الدليل على التعبد بالظهور لبى و لا معنى لمثل هذا العنوان فى غير باب الالفاظ و فيه انه انما يصح على شرح الحكومة بكونها شارحا لمدلول غيره بما هو مدلوله و إلّا فلو كانت الحكومة متقومة بنظر الحاكم الى توسعة مفاد غيره بما هو امر واقعى ام تضييقه لما كان قصور فى اطلاقها على المقام اذ بعد كون موضوع التعبد بالظهور مقيدا بالفرض بعدم قيام الاقوى على خلافه فيكون مثل ذلك حكما واقعيا بالاضافة الى التعبد بسند الاظهر فيكون لسان التعبد به ايضا ناظرا الى توسعة موضوع‏

21

التعبد بالظهور او تضييقه بلحاظ العمل فى مرتبة الشك به و لا يقتضى هذا المقدار ايضا رفع التعبد بالظهور واقعا من البين نظرا الى عدم تضاد بين التعبدين كعدم تضاد بين ساير الاحكام الواقعية و الظاهرية فحينئذ صح دعوى امكان وجود البنائين اللبيين مع كون احدهما ناظرا الى توسعة الآخر او تضييقه فى مرحلة الظاهر المتأخر رتبة عن مرتبة البناء الواقعى كما هو الشأن فى اقتضاء دليل التعبد بالواقعيات توسعة الواقع او تضييقه فى مرحلة الظاهر ثم قال قده لو فرض كون موضوع التعبد بالظهور مقيدا بعدم العلم بالاظهر فلا يبقى مجال حكومة لسند الاظهر و ان كان ناظرا الى تتميم كشفه اذ من البديهى ح تضاد البنائين وجودا فمع البناء الثانى لا يعقل بناء الاول فلا يكون له وجود يصلح لرفعه تنزيلا لا حقيقة كما انه لا يكون موضوع التعبد بالظهور مقيدا بعدم الحجة على خلافه كى يكون التعبد بسند الاقوى رافعا حقيقة لموضوع الآخر و واردا عليه انتهى) اقول ان كان مراده قده ان الشك الموضوع فى البناء اللبى على العمل على طبق الظهور مقيد بعدم وجود الاقوى على خلافه واقعا ففيه ان لازم ذلك لزوم الفحص عن القيد و التوقف فى العمل على طبق العموم الى حصول اليأس بعد الفحص عن القيد و التالى فاسد قطعا لوضوح مبادرتهم الى العمل على طبق العموم بمجرد العثور عليه بلا توقف اصلا اما بيان الملازمة فان المفروض فان الشك المقيد تمام الموضوع لا مجرد الشك فلا بد من احراز حدود الموضوع فى مقام العمل ما لم يتم اذ كان الموضوع عندهم لم يقدموا على العمل و هذا امر ضرورى ارتكازى فى الاذهان و ان كان مراده قده ان وجود الاقوى واقعا غاية نهاية لبنائهم على العمل على طبق العموم و غب العثور على الاظهر يرفعون اليد عن ظهور العام و لو لم يحصل لهم العلم بالمراد الواقعى فيما اذا كان تعبدية فيكون التعبد بسند الاظهر توسعة فى الحكم الواقعى الذى هو غاية لبنائهم اذ لسان دليله ان الواقع بيدك و انت واصل اليه كما هو الشأن فى دليل التعبد بالواقعيات فانه توسعة للحكم الواقعى فى مرحلة الظاهر فمع عدم حصول الغاية حقيقة لبنائهم على العمل بالعموم يرفعون اليد عنه لاجل تعبد الشارع بالغاية و التوسعة فيها ظاهرا و هذا سنخ من الحكومة و ليس فيها نظر و بيان لمدلول غيره بما هو مدلوله (ففيه انه على تقدير كون مفاد دليل‏

22

السند هو التنزيل انما يكون مفاده تنزيل المؤدى منزلة الواقع لا تنزيل الاقوى الذى هو وصف لظهور لفظ الخبر منزلة الاقوى الواقعى و بعبارة اخرى انما يكون مفاده تنزيل الحكم الذى اخبره عن المعصوم (ع) منزلة الحكم الواقعى لا تنزيل ظهور اللفظ بما هو اقوى منزلة الاقوى الواقعى و المفروض ان غاية عملهم بالعموم هو الاقوى الواقعى بما هو اقوى لا مجرد الحكم الواقعى و من البين ان لحاظ الشارع متوجه الى المؤدى الذى هو المنزل و الى الحكم الواقعى الذى هو المنزل عليه لا الى لفظ الخبر بما هو متصف بالاقوى و الى الواقع بما هو اقوى و ليس ذا لازما لتنزيل المؤدى اصلا بل يمكن ان يقال انه لا يمكن الجمع بين لحاظ اللفظ و المعنى فى لحاظ واحد و لو لغير اللافظ المريد للمعنى لعدم الجامع المنطبق على اللفظ و المعنى معا و لو كان عرضيا حتى يكون ذلك الجامع ما به ينظر اليهما فى لحاظ واحد مضافا الى منع دلالة دليل السند على التنزيل رأسا و قد مر سند المنع عند بيان انحاء الحكومات فى مبحث الاستصحاب و حيث ان الظهور النوعى طريق كاشف عن المراد بلا ضميمة اصل وجودى او عدمى فلا محالة ان بنائهم على اتباع الظهور الاضعف يرتفع عند العثور على ظهور اقوى يكون معتبرا شرعا نعم لو فرض اتكائهم على اصالة عدم القرينة فى مقام العمل بالظهور العام كانت مغياة بالاقوى الواقعى لا بالعلم به ضرورة ان عدم العلم به امر وجدانى كاف للعمل على طبق العموم بلا حاجة الى اصالة العدم و لكن دليل سند الاقوى ليس ناظرا الى القاء احتمال الخلاف و عليه فالغاية الواقعية غير واصلة اليهم لا بنفسها و لا بطريقها اذ قد عرفت ان مفاد الدليل مجرد التعبد بالسند بلا افادة تنزيل اصلا و لازم ذلك توقفهم عن العمل على طبق الاقوى مع انا نشاهد من حالهم جريهم على طبق ظهور الاقوى فنستكشف من ذلك ان الملاك عندهم هو الاقوائية فى الظهور المعتبر علما او علميا و ليس عندهم ما عدا ذلك من الاصول العدمية اصلا (و ربما يتراءى من صاحب المقالة ان مراده من التقييد هو التقييد بدليل التعبد (قال قبل هذه العبارة ثم ان فى وجه تقديم الاظهر على الظاهر اشكال و هو انه هل هو من جهة اخذ عدم وجود الاقوى واقعا او عدم الحجة على الاقوى فى موضوع التعبد بالظهور او انه من باب تقديم اقوى المناطين بمناطية الاهمية على الاضعف بلا تقييد فى‏

23

موضوع التعبد بالظهور اصلا كما هو الشأن فى تقديم الاهم على المهم فى ساير ابواب المزاحمات وجهان امكن المصير الى الاخير بل احتمال ذلك كاف فى عدم الالتزام بتقييد موضوعه و لازم ذلك عدم الالتزام بالورود عند قطعية سنده و الالتزام بالحكومة عند ظنية سند الاظهر و وجه ذلك ظاهر من جهة عدم نظر فى دليل التعبد بسند الاقوى ح الى توسعة مفاد التعبد بظهور غيره لعدم تقيد فى دليل التعبد بالظهور انتهى) و فيه انه ان كان التقييد من الشارع على خلاف بناء اهل اللسان كان ذا ردعا لهم و هذا ظاهر البطلان و ان كان على وفقه فهو ح امضاء عملى منه و ليس هناك تعبد منه اصلا و على فرض التعبد يرد عليه ما اوردناه من لزوم الفحص و انه لا معنى للحكومة بالنسبة الى لفظ الاظهر حسبما مر بيانه ثم فى ادراج ذلك فى باب الاهمية نظر اذ التزاحم انما هو فى الملاكات التى هى من سنخ العلل الغائية المتقدمة رتبة على الجعل فى مقام التصور و المتأخرة وجودا عن فعل المكلف و الاقوائية فى مرحلة الظهور صفة لما هو اظهر من حيث كشفه النوعى عن المراد و ليس هناك ملاك خارج مباين للظهور حتى يتصف بالاقوى بالنسبة الى ظهور آخر فلا مجال للرجوع الى حكم العقل فى معلوم الاهمية و مشكوكه اصلا و قد فرع فى ذيل كلامه تقديم الاظهر على الظاهر على ذلك فظهر مما ذكرنا انه ليس هناك إلا بناء عملى ابكم من اهل المحاورة على الاخذ بالاقوى ظهورا و التصرف فى الظاهر بما يوافق الاظهر و جعلهما طريقا الى مراد واحد للمتكلم فالاظهر قرينة بنائية و الحاكم قرينة لسانية بالنسبة الى المحكوم فالحق ما افاده الاستاد من استقرار بناء العرف على كون النص او الاظهر قرينة على التصرف فى الآخر (و ربما يقال انتصارا لصاحب المقالة انما يمتنع بناءان اذا كانا عرضيين و اما اذا كانا طوليين و فى مرتبتين فلا تنافى بينهما لعدم كون بنائهم صرف عملهم بل العمل انما يكون مترتبا على بنائهم لكونه فى الحقيقة اطاعة و امتثالا لبنائهم و بالجملة نقول ان نسبة العمل الى بنائهم انما هو كنسبة الوفاء بنذورهم و عهودهم فى كونه اطاعة و فى مرتبة متأخرة عن بنائهم و عليه فلا بأس بالتزام بناءين طوليين من حيث الواقعية و الظاهرية مع الالتزام بكون عملهم الفعلى على طبق الاظهر بمناط الحكومة بعناية كونه هو الواقع الراجع الى توسعة للبناء

24

الآخر او تضييقا فى مرحلة الظاهر حكما و تنزيلا انتهى) و فيه ان بنائهم بناء عملى لا التزام قلبى فان البناء العملى هو الذى ينقدح فى القلب مقدمة للعمل مغفول عنه حين العمل بخلاف الالتزام القلبى فانه فعل قلبى مستقل فى اللحاظ و له حكم شرعى و عقلى و الالتزام القلبى فى النذور و العهود من هذا القبيل و العمل اطاعة مترتبة عليه و بنائهم فى باب الاصول العقلائية انما يكون بناء عمليا و يمتنع بناءان منهم فى عرض واحد و يرتفع السابق باللاحق حسبما مر بيانه مستوفى فالحق هو القول بالورود لا الحكومة و معنى التصرف فى الظاهر حمله على ما يوافق النص و الاظهر حملا عرفيا لا عقليا و عليه فلا وجه لما يقال انه يعتبر بقاء مقدار من الدلالة للظاهر و إلّا ففى اقتضاء تقديم الاظهر طرح ظهوره رأسا لا يشمله دليل التعبد بالسند فيكونان من باب التعارض انتهى) و فيه ان المفروض جعلهما طريقين للمراد عند اهل العرف بالتصرف فيه بما يوافق الاظهر فلا وقع لما ذكر (قد فصل فى تقريرات بعض الاعلام بين الموارد مقدمة لشرح كلام الشيخ قده و بنى ذلك على ان الدلالة التصديقية تطلق على معنيين احدهما دلالة جملة الكلام على ما هو المتفاهم منه عند اهل المحاورة و هو الذى يقع فى جواب السؤال عما قال المتكلم فيقال قال كذا و كذا و لا ينعقد لجملة الكلام ظهور الا بعد فراغ المتكلم عن كلامه ثانيهما دلالة الكلام على ارادة المتكلم مؤداه و هذا المعنى من الدلالة هى التى تقع فى جواب السؤال عما اراد المتكلم فيقال اراد كذا و كذا و لا يصح الجواب بذلك اذا علم ان المتكلم اعتمد فى بيان تمام مراده على القرائن المنفصلة او كان عادته ذلك و ان لم يعلم اعتماده على المنفصل فى هذا الكلام الخاص كما هو الشأن فيما صدر من الائمة (ع) فانه جرت عادتهم (ع) على الاعتماد على المنفصلات غالبا و اما اذا لم يكن كك فلا اشكال فى جواز الاخذ بظاهر كلامه و لو احتمل انه اعتمد على المنفصل ما لم يعلم ذلك لان الطريقة العقلائية قد استقرت على اتباع ظهور الكلام و عدم الاعتناء باحتمال مخالفته للمراد النفس الامرى فان كان الوجه فى عمل العقلاء على الظهور كون الكلام كاشفا فى نوعه عن المراد النفس الامرى فلا يحتاج فى استخراج المراد الى اصالة عدم القرينة المنفصلة و ان كان الوجه فيه اصالة عدم القرينة فلا يكفى كون الكلام كاشفا

25

فى نوعه عن المراد فيكون بناء العقلاء او لا على اصالة عدم القرينة ثم يعتمدون على اصالة الظهور و التحقيق يقتضى التفصيل بين الموارد فانه فى المورد الذى يتعلق الغرض باستخراج واقع مراد المتكلم لا يكتفى بمجرد ظهور الكلام بل لا بد من احراز عدم القرينة المنفصلة و لو بالاصل و فى غيرها يكتفى بظهور الكلام كما اذا كان صدور الكلام لاجل البعث و الزجر فان العبد ملزم بظاهر الكلام و ليس له الاعتذار باحتمال وجود القرينة المنفصلة ثم قال فى شرح كلام الشيخ قده اذا كان الخاص ظنى السند و قطعى الدلالة فان بنينا على كون الوجه فى تقديم الخاص اصالة عدم القرينة يكون الخاص حاكما على العام و ان بنينا على كون الوجه فى ذلك الظن النوعى يكون الخاص واردا عليه و الاقوى هو الحكومة مط و لعل نظر الشيخ قده فى احتمال الورود فى الوجه الاول الى ان بناء العقلاء على متابعة الظهور مقيد من اول الامر بعدم قيام القرينة على خلاف الظهور و الخاص يكون قرينة على عدم ارادة الظهور فانه قطعى الدلالة و كونه ظنى السند لا يمنع عن قرينيته لان المفروض انه قام الدليل القطعى على التعبد لسنده فيكون التعبد بسند الخاص رافعا لموضوع اصالة الظهور فى طرف العام حقيقة و فيه ان الخبر الخاص بما هو خبر لا يكون قرينة على ارادة خلاف الظهور لاشتراك العام و الخاص فى ذلك و ليس بناء العقلاء مقيدا بعدم ورود مطلق الخبر الخاص و الخاص انما يكون قرينة باعتبار كونه مثبتا لمؤداه فان كان ثبوت المؤدى قطعيا كان رافعا لموضوع اصالة الظهور حقيقة و تصح دعوى الورود و قرينية الخاص انما تتم بمقدمتين التعبد بسنده و ثبوت المؤدى به و ضابط الورود هو ان يكون احد الدليلين رافعا لموضوع الآخر بنفس التعبد و اما اذا توقف الرفع على ثبوت المتعبد به فلا يكون احدهما رافعا واردا على الآخر بل يكون حاكما عليه هذا كله اذا كان الوجه فى بناء العقلاء على متابعة الظهور هو اصالة عدم القرينة و ان كان الوجه فيه هو حصول الظن النوعى بكون الظهور كاشفا عن كونه هو المراد النفس الامرى فالاقوى فيه ايضا الحكومة فانه لا موجب لتوهم الورود الا دعوى ان بناء العقلاء على حجية الظهور مقيد بما اذا لم يكن فى البين حجة اقوى توجب بطلان اقتضاء الظهور للحجية بداهة ان المقتضى لحجية الظهور و الاخذ به انما هو حيثية كشفه‏

26

و حكاية عن المراد و إراءته لمتعلق الارادة الواقعية و الخاص اذا كان قطعى الدلالة مع التعبد بصدوره يوجب بطلان كشف العام عن كونه هو المراد و تبطل إراءته عن كونه متعلق الارادة الواقعية فيكون الخاص رافعا لموضوع اصالة الظهور فى طرف العام حقيقة و هذا هو الورود و بالجملة الفرق بين الوجهين انه بناء على كون المدرك فى اعتبار اصالة الظهور اصالة عدم القرينة يمكن ان يقال ان الخبر الخاص بنفسه لا يكون قرينة بل قرينيته باعتبار كونه مثبتا للمؤدى بتوسط التعبد بالسند فلا يتم فيه الورود و اما بناء على كون المدرك فيه هو جهة كشفه و لو نوعا عن المراد النفس الامرى فلا محيص الا عن كون الخاص واردا على اصالة الظهور لبطلان كشفه رأسا و لعله لذلك جزم الشيخ قده بالورود فى هذا الوجه و لكن مع ذلك لا يتم الورود فانه على كل حال الخاص انما يكون رافعا لموضوع اصالة الظهور بتوسط اثباته للمؤدى و لا يكفى فى ذلك مجرد التعبد بالسند ما لم يقتض ثبوت المتعبد به و المخبر عنه و مهما كان رفع موضوع احد الدليلين بتوسط ثبوت المتعبد به فى الآخر يخرج عن ضابط الورود و يندرج فى ضابط الحكومة انتهى ملخصا و قال قده فى وجه الحكومة الاقوى وجوب الاخذ بظهور الخاص و تخصيص العام به و لو كان ظهوره اضعف من ظهور العام فان اصالة الظهور فى طرف الخاص تكون حاكمة على اصالة الظهور فى طرف العام لان الخاص يكون بمنزلة القرينة على التصرف فى العام كما يتضح ذلك بفرض وقوع العام و الخاص فى مجلس واحد من متكلم واحد فانه لا يكاد يشك فى كون الخاص قرينة على التصرف فى العام كما لا ينبغى الشك فى حكومة اصالة الظهور فى القرينة على اصالة الظهور فى ذى القرينة و لو كان ظهور القرينة اضعف من ظهور ذيها كما يظهر ذلك من قياس ظهور يرمى فى قولك رأيت اسدا يرمى فى رمى النبل على ظهور الاسد فى الحيوان المفترس لانه بالوضع و ذلك بالاطلاق و مع ذلك لم يتأمل احد فى حكومة اصالة ظهور يرمى فى رمى النبل على اصالة ظهور اسد فى الحيوان المفترس و ليس ذلك إلّا لاجل كون يرمى قرينة على التصرف فى الاسد و نسبة الخاص الى العام كنسبة يرمى الى الاسد انتهى) و فى كلامه مواضع للنظر الاول فى تقسيم الدلالة التصديقية الى قسمين و فيه انه لا بد لحصول الدلالة التصديقية

27

من احراز كون المتكلم فى مقام البيان و لو بالاصل العقلائى و هى واحدة من مقدمات الحكمة فى حمل المطلقات على اطلاقها لوضوح انه لو كان المتكلم فى مقام الاهمال و الاجمال لم يصح ان يقال قال كذا و كذا و انما يصحح ذلك فيما اذا أحرز أنه فى مقام القاء تمام مقصوده الى المخاطب فى مجلس التخاطب و غب ذلك ينعقد لكلامه ظهور فى الدلالة التصديقية بمعنى ان مجموع كلامه بما حفه من القرائن يصير قالبا للمعنى الذى يصح للسامع ان يخبر عن مقول قوله بانه قال كذا و كذا و قد سمينا ذلك بالمراد الاستعمالى القابل للتقييد و التخصيص بالمنفصلات و من المعلوم ان هذا الظهور طريق لدى ابناء المحاورة لاستكشاف المراد الجدى و ليس ما وراه ظهور آخر و دلالة اخرى فى عرضه لعدم المكشوف و المدلول سوى المراد الجدى المكشوف المدلول بذلك الظهور و يمتنع وجود الكاشف و الدال بلا مكشوف و مدلول و يرتبون عليه آثار المراد الجدى ما لم يعثر و اعلى خلافه و و بعد العثور عليه لا ينتفى الظهور المنعقد سابقا و انما يتركون العمل على طبقه فليس ح حجة على المراد الجدى و قد مر شطر من ذلك فى مبحث المطلق و المقيد (الثانى فى قوله قده و لا يصح الجواب بذلك الخ) و فيه ان غلبة عادة الائمة (ع) على القرائن المنفصلة موجبة للظن بخلاف الظهور و ليس الظن النوعى الحاصل من الظهور مقيدا بعدم الظن بالخلاف حسبما مر بيانه فى مبحث حجية الظواهر و لو كانت الغلبة امارة عندهم لكانت امارة حيث لا امارة و هى امارة معلقة و الظهور امارة منجزه و قد مر الفرق بينهما فى اواخر مبحث الاستصحاب و المشاهد من بناء اهل اللسان عدم الفرق بين ظواهر اقوال الائمة (ع) و غيرها و هذا ديدن اصحابهم قديما و جديدا و هل لاحد ان يتقول ان الرواة الذين كانوا اصحاب الاصول الاربعة مائة لم يكونوا مطلعين على عادة ائمتهم (ع) و بالضرورة كانوا يعملون بما سمعوا من امام (ع) كان حكما ترخيصيا او الزاميا او حكما وضعيا بلا حالة منتظرة و ربما كانوا ينقلون الحديث بالمعنى لغيرهم و كان من نقل اليه يعمل به لدى الحاجة و ليس ذلك إلّا لكون الظهور التصديقى طريقا الى المراد الجدى و اما اذا علم السامع باعتماد المتكلم فى كلامه هذا على القرينة المنفصلة علم بكون المتكلم فى مقام الاهمال و هذا داخل فى الجملات (قال الشيخ قده فى مبحث سرد جملة من المرجحات النوعية الدلالية ان قلت اللازم من ذلك عدم جواز التمسك باصالة عدم التخصيص فى العمومات‏

28

بناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين او فرض الخطاب فى غير الكتاب اذ لا يلزم من عدم المخصص لها فى الواقع ارادة العموم لان المفروض ح جواز تأخير المخصص عن وقت العمل بالخطاب (قلت المستند فى اثبات اصالة الحقيقة باصالة عدم القرينة قبح الخطاب بالظاهر المجرد و ارادة خلافه بضميمة ان الاصل الذى استقر عليه طريقة التخاطب هو ان المتكلم لا يلقى الكلام الا لاجل ارادة تفهيم معناه الحقيقى او المجازى فاذا لم ينصب قرينة على ارادة تفهيم المجاز تعين ارادة الحقيقة فعلا و ح فان اطلعنا على التخصيص المتأخر كان هذا كاشفا عن محالفة المتكلم لهذا الاصل لنكتة و اما اذا لم نطلع عليه و نفيناه بالاصل فاللازم الحكم بارادة الظاهر من المخاطبين فيشترك الغائبون معهم انتهى) و سيأتى لذلك مزيد بيان عند تعرض الاستاد إن شاء اللّه تعالى (الثالث فى قوله بالتفصيل فى الموارد الخ و فيه ان الطلب الذى هو عين الارادة و الكراهة موضوع لحكم العقل بلزوم الاطاعة و الانشاء بداعى الامتحان و نحوه ليس موضوعا لحكم العقل بالاطاعة فلو اطلع العبد على ذلك لم يكن فى مخالفته استحقاق العقوبة اصلا فالظهور طريق الى الارادة و الكراهة عند اهل المحاورة و من ثم ليس العبد معذورا فى المخالفة ما لم ينكشف الخلاف و لا يسعه الاعتذار باحتمال القرينة المنفصلة فصدور الكلام للبعث و الزجر او لغيرهما سيان (الرابع فى تعليل تقديم اصالة الظهور فى طرف الخاص على اصالة الظهور فى طرف العام يكون الخاص قرينة على التصرف فى العام و فيه ان الخاص انما يكون قرينة باعتبار اقوائيته بمعنى ان القرينة صفة لاقوائية ظهور الخاص من ظهور العام بخلاف الحاكم فان القرينة صفة لنفس الظهور فمهما كان ظهور الدليل بنفسه قرينة بالنسبة الى دليل آخر كان حاكما على المحكوم اذ لا تتم قرينيته إلّا اذا كان بيانا للدليل الآخر بلسان المسالمة و لا كك الامر فى الخاص فان نفس ظهوره ليس كك بل يكون بلسان المناقضة مع ظهور العام و لاقوائية ظهوره من ظهور العام له حق التقدم على ظهور العام و لو على تقدير سريان الاقوائية فى انحاء الخاص باجمعها و بناء اهل اللسان مستقر على ترك العمل بظهور العام عند العثور على الخاص الاقوى فتكون حجية الظهور مغياة عندهم بالظهور الاقوى فلا معنى للحكومة اصلا (الخامس فى قياس القرينة المنفصلة بالمتصلة فى قولك‏

29

رأيت اسدا يرمى) و فيه انه ليس فى كلام واحد مشتمل على القرينة و ذيها إلّا ظهور واحد يكون طريقا الى المراد الواحد و دلالة بعضه بالوضع و بعضه بالاطلاق لا دليل على حكومة اصالة ظهور يرمى فى رمى النبل على اصالة ظهور الاسد فى الحيوان المفترس اذ ليس هناك اصالتان فى ظهور واحد حتى تكون إحداهما حاكمة و الاخرى محكومة لوضوح ان الظهور البدوى الانسباقى قبل اتمام الكلام ليس طريقا عند العقلاء لاستكشاف شى‏ء مع كون المراد و الغرض من سوق الكلام واحدا و الاشتهار فى استعمال لفظ الرمى فى رمى النبل يوجب انعقاد ظهور هذا الكلام فى الرجل الشجاع و الوجه فى انعقاد الظهور فى الرجل الشجاع مطلب آخر لا شهادة فيه على الحكومة اصلا و كون الحكومة فى الظهورين فى الدليلين لا فى ظهور واحد فى كلام واحد جلى غنى عن البرهان و قال قده فى ذيل كلامه يقدم الخاص مط على العام سواء كان الخاص ظنى الدلالة و السند او كان قطعى السند و ظنى الدلالة غايته انه فى الاول يكون الخاص حاكما على العام من جهتين من جهة السند و من جهة الدلالة و سيأتى لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى و بذلك يندفع ما ربما يتوهم من ان تقديم الخاص على العام لو كان بالحكومة فما الفرق بينها و بين التخصيص فان التخصيص على هذا يرجع الى الحكومة فلا وجه للمقابلة بينهما بيان الدفع هو ان المقابلة بينهما انما يكون لمكان ان احد الدليلين تارة يكون بنفسه حاكما على الآخر و لو كانت النسبة بينهما العموم من وجه و اخرى يكون احد الدليلين فى نفسه معارضا للدليل الآخر إلّا ان اصالة الظهور فيه تكون حاكمة على اصالة الظهور فى الآخر كالعام و الخاص فان الخاص فى حد نفسه معارض مع العام و لو فى بعض المدلول و لكن اصالة ظهوره فى التخصيص تكون حاكمة على اصالة الظهور فى العام انتهى) و فيه ان الظهورين لو كانا متساويين امتنع حكومة الاصالة فى إحداهما على الاصالة فى الآخر فلا محالة انهما متعارضين فلا محيص الا عن ان يكون احدهما اقوى فيكون الوجه فى بناء العقلاء على ترك العمل باصالة الظهور فى العام هو اقوائية ظهور الخاص فلو كان الخاص قطعى السند كان ذا من باب الورود لحصول الغاية لبنائهم حقيقة و لو كان الخاص ظنى الدلالة و السند فان كان دليل السند دالا على القاء الشك الذى هو موضوع اصالة الظهور فى العام‏

30

كان حاكما حسبما يتراءى من كلام الشيخ و إلّا فلا و من البين انه بعد قيام الدليل على التعبد بالسند لا يكون الخاص مثبتا للمؤدى اذ ليس فى حجية الخبر جعل حكم مماثل واقعى او ظاهرى بل فيها تنجيز الواقع على تقدير المصادفة فدليل السند ليس مثبتا لمؤدى الخبر فقوله «و اما اذا توقف الرفع على ثبوت المتعبد به فلا يكون احدهما رافعا واردا على الآخر بل يكون حاكما عليه» منظور فيه و اما ثبوت المؤدى تنزيلا اما بتنزيل المؤدى منزلة الواقع فقد عرفت ما فيه فى كلام المقالة او تنزيل الظن منزلة العلم او بجعل الانكشاف فى عالم التشريع فلا يجدى فى باب حكومة دليل التعبد بالظهور فى الخاص على اصالة عدم القرينة فى العام اذ بناء العقلاء ليس مقيدا بالعلم و لا مغيا به لوضوح ان عدم العلم امر وجدانى فلا تصل النوبة ح الى الاصل العقلائى فى حالة عدم العلم و الشك فى ورود الخاص فليس اصالة عدم القرينة عند العقلاء على هذا الفرض حتى تكون محكومة بالتعبد بالخاص الظنى السند مضافا الى ان دليل الخاص الظنى السند لا دلالة فيه على هذا التنزيل اصلا بمعنى ان دليل التنزيل لا ينزل الظن بالظهور الاقوى منزلة العلم به بما هو وصف للفظ الخاص بل ينزل الظن بالحكم الواقعى منزلة العلم به بما هو حكم واقعى فيكون جعلا للانكشاف فى الحكم الواقعى فى عالم التشريع لا جعل الانكشاف فى وصف اللفظ و هذا وارد سواء كان حجية العموم من باب اصالة عدم القرينة او من باب حجية الظن النوعى لوضوح انه مغيّا بالعلم باقوائية ظهور الخاص لا بالعلم بالحكم الواقعى و كذا هذا وارد سواء قيل بكون بناء العقلاء على العمل بالعموم مقيدا او مغيّا بالعلم بالخاص الاقوى ظهورا او قيل بكونه مقيدا او مغيا بالخاص الواقعى بما هو ظهور اقوى من ظهور العام لوضوح ان دليل الخاص الظنى لا يفى بمثل هذا التنزيل سواء كان تنزيلا للمؤدى منزلة الواقع او تنزيلا للظن بالحكم الواقعى منزلة العلم به او كان من باب جعل الانكشاف بالنسبة الى الحكم الواقعى فى عالم التشريع اذ فى ذلك كله قصور عن تنزيل ظهور الخاص الظنى منزلة ظهور الخاص القطعى بما هما ظهور صفة للفظ كما هو واضح‏

[نقل و تعقيب فى وجه تقديم الخاص النص الظنى السند]

(نقل و تعقيب) قال فى الدرر الذى يخطر بالبال فى المقام فى وجه التقديم يعنى تقديم الخاص النص الظنى السند ان دليل اعتبار السند يجعل ظهور العموم فى الخاص‏

31

بمنزلة معلوم الخلاف فان الاخذ بسند الخاص الذى لا احتمال فيه بعد الاخذ بالسند سوى المعنى الخاص الذى هو فى مقابل العام يكون معناه جعل هذا المضمون بمنزلة المعلوم فيحصل غاية حجية الظواهر بنفس دليل اعتبار السند بخلاف دليل حجية الظاهر فانه ليس معناه ابتداء جعل الغاية لحجية خبر الواحد بل مقتضاه ابتداء هو العمل بالظاهر و انه مراد من العام نعم لازم كونه مرادا من العام عدم كون الخبر الدال على خلافه صادرا من الامام (ع) اذ المفروض كونه نصا من جميع الجهات فدليل حجية السند موضوعه محقق فى رتبة تعلقها به بخلاف دليل حجية الظاهر فانه يردد معه ما يرفع موضوع الحجية و معلوم انه اذا كان مع الحكم ما يرتفع به موضوعه لا يصح تحقق ذلك الحكم و بعبارة اخرى يرفع دليل حجية السند موضوع حجية الظاهر بنفس وجوده بخلاف العكس فان دليل حجية الظاهر لا يرفع موضوع حجية السند بنفس وجوده اذ من الواضح انه ليس معنى جعل الظاهر مرادا واقعيا هو عدم صدور ذلك الخاص من الامام (ع) نعم يرفع موضوع حجية السند فى الرتبة المتأخرة من مجى‏ء الحكم ففى المرتبة الاولى لا مانع من مجى‏ء دليل اعتبار السند لتحقق موضوعه فى هذه الرتبة فاذا جاء هذا الدليل لتحقق موضوعه يرتفع به موضوع ذلك الدليل انتهى) اقول ان كانت الغاية لبناء العقلاء على العمل على طبق العموم هو الخاص النص الواقعى لا مطلق الخاص النص المعتبر شرعا فلا بد ان يكون دليل سند الخاص متكفلا لتنزيل النص الظنى منزلة المعلوم الواقعى فيكون حكومة تنزيلية فلننظر فيما هو المنزل عليه و فى وجه التنزيل و لا شك ان دليل سند الخاص متكفل لتنزيل المؤدى منزلة الواقع او تنزيل الظن به منزلة العلم به على تقدير دلالته على اصل التنزيل و من البين ان المؤدى هو الحكم المخبر به و هو او العلم به منزل منزلة الحكم الواقعى و ليس المغيى و لا الغاية هو الحكم بل المغيى هو الظهور الذى هو وصف للعام كما ان الغاية هى المنصوصية الذى هو صفة للفظ الخاص لوضوح ان العقلاء يرفعون اليد عن ظهور العام بسبب ظهور الخاص الذى هو نص قطعى الدلالة و دليل السند ليس ناظرا الى صفة اللفظ اصلا حسبما مر بيانه سابقا و اما وجه التنزيل فلا بد ان يكون حكما شرعيا زمامه بيد الشارع و بناء العقلاء عمل منهم كما ان امضاء الشارع‏

32

ايضا عمل منه على طبق بنائهم بلا جعل حكم شرعى هناك اصلا فالتنزيل المذكور خال عن وجهه بتاتا و قد اورد قده على الشيخ قده بعد نقل كلامه و هذا لفظه (اقول و فيما ذكره قده نظر اما اولا فلانه بناء على اعتبار العموم من باب اصالة عدم القرينة ايضا لو قدمنا الخاص فلا يكون وجهه الا الورود لعدم تعقل الحكومة فى اللبيات كما لا يمكن القول بالتخصيص فلا بد ان يلتزم القائل بتقدم الخاص الظنى السند على العام فى هذا الفرض بان اصالة عدم القرينة معتبرة ما لم يكن فى البين دليل معتبر على القرينة و ان كان غير علمى و ثانيا انه قده و ان اصاب فيما افاد من انه لا نجد من انفسنا موردا يقدم فيه العام من حيث هو على الخاص و ان كان اضعف الظنون المعتبرة و لكنا ايضا لا نجد من انفسنا كون حجية الظواهر مقيدة بعدم وجود ظن معتبر على خلافها نعم ترفع اليد عنها فى بعض الموارد و ان لم يعلم بالقرينة لكن ليس ذلك من جهة قصورها فى الحجية بل من جهة تقديم ما هو اقوى منها انتهى) و هذا هو الحق و لا وجه لعدوله قده عنه الى الحكومة التنزيلية التى لا اساس لها اصلا (قوله و لا فرق فيها بين ان يكون السند فيها قطعيا او ظنيا او مختلفا فيقدم النص او الاظهر و ان كان بحسب السند ظنيا على الظاهر و لو كان بحسبه قطعيا انتهى) اقول قد عرفت ان الملاك فى تقديم النص و الاظهر على الظاهر هو الاقوائية بحسب الدلالة و ان بناء العقلاء على العمل على طبق الظاهر مغيّا بالعثور على النص و الاظهر و لو كان اعتبارها تعبدا و من المعلوم انه ح لا تصل النوبة الى ملاحظة دليل السند اذ بمجرد التعبد و جعل الحجية و الاعتبار للنص و الاظهر تتحقق الغاية لحجية الظهور و دليل السند فى الظاهر انما يدل على اعتبار الظهور ما لم تتحقق الغاية فاعتباره معلق على عدم ورود الغاية و المفروض ان دليل السند فى النص و الاظهر متكفل للتعبد بالغاية بمعنى جعل الحجية للنص و الاظهر فاذن يمتنع ان يكون دليل سند الظاهر نافيا لمدلول دليل سند النص و الاظهر و من ثم لا تمس الحاجة الى ملاحظة النسبة بين دليلى السندين اصلا) (ثم ان كان العام قطعى السند من باب عمومات الكتاب المجيد و الخاص ظنى السند مما قام عليه الخبر الواحد كان داخلا فى مبحث جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد و قد مر فى مبحث خبر الواحد ان الخبر المباين للكتاب مطروح مضروب على الجدار لا

33

الخاص و انه يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد و ظهر مما ذكرنا من ان حجية ظهور العام مغياة بالعثور على الاقوى انه لا فرق بين ان يكون السند فيهما قطعيا كان يكونا من عمومات الكتاب و خصوصاتها او من الاخبار المتواترة او المحفوفة بالقرائن القطعية او يكون واحد من هذه و الآخر من تلك و بين ان يكون كلاهما ظنى السند او مختلفين فان الخاص الاقوى مقدم على ظهور العام فى جميع الاقسام بلا كلام‏

[فيما اذا لم يكن التوفيق بالتصرف فى البعض او الكل‏]

(قوله فيما اذا لم يكن التوفيق بالتصرف فى البعض او الكل) اقول ربما يكون الظهور ناشيا من ضم كلامين من متكلم واحد بان يكون لكل واحد منهما فى نفسه ظهور فى معنى مناف لظهور الآخر و للمجموع بعد ضم بعضها الى بعض ظهور فى معنى آخر و هذا انما يصح فيما اذا احتمل كون الجملتين ملقاتين فى مجلس واحد و ح يكون بناء اهل المحاورة على المعاملة مع الجملتين معاملة جملة واحدة ملقاة فى مجلس واحد و لعل وجه استقرار بنائهم على ذلك عند احتمال اتحاد مجلس التخاطب انه اذا دار الامر بين كون الكلامين لالقاء كونهما طريقا الى مراد واقعى و كونهما لالقاء نفس الكلامين لمصلحة اخرى لا لافهام المرام وجب حمل ذلك على كونهما للافهام لا على القاء الظهورين المتعارضين لمصلحة اخرى نعم لو علموا كون كل واحد منهما ملقى فى مجلس مغاير لمجلس آخر لكانوا يعاملون معهما معاملة المتعارضين المتساقطين لست اقول ان اهل المحاورة يتوقفون عن العمل بالظهور الملقى فى مجلس التخاطب عند احتمال ذلك لما مر فى مبحث المطلق ان البيان الذى يكون من مقدمات الحكمة هو عدم البيان فى مجلس التخاطب لا عدم البيان الى الابد بل اقول لو اتفق انهم عثروا على جملة اخرى من متكلم واحد و احتملوا القاء الجملتين فى مجلس واحد و فرض ظهورهما فى معنى به يرتفع التنافى بين الظهورين لعملوا على طبق هذا الظهور مثلا اذ قال المولى لعبده لا تجالس زيدا ثم قال بلا فصل فى مجلس واحد جالس معه كان من باب ورود الامر عقيب الحظر و يحمل النهى على الكراهة و الامر على الجواز و الاباحة و هذا بخلاف ما اذ صدر منه الامر بالمجالسة فى مجلس آخر فانه يعد معارضا للكلام الاول و مع احتمال صدورهما من المولى فى مجلس واحد لم يكونا عندهم من المتعارضين نعم لو كان عادة المتكلم فصل الجمل المتممة

34

لفهم مرامه لكان الانفصال فى حكم الاتصال و مع ذلك لا يتوفقون عن العمل بالظهور فى كلام واحد بمجرد احتمال ذلك بلا علم اجمالى بذلك أ لا ترى ان العلماء الذين هم من اهل اللسان مع علمهم بتقطيع الاخبار و احتمال كون جملة اخرى متممة فى قطعة اخرى لا يتأملون فى العمل بالظهور فى جملة مستقلة اطلعوا عليها بمجرد الاحتمال و الشك البدوى و إلّا يلزم ان يتفصحوا من باب الطهارة الى باب الديات اذ ربما يكون الجملتان المتفرقتان الملقاتان فى مجلس واحد مشتملتين على ما يوجب انقلاب الظهور فى جملة واحدة و لو القى هذا الاحتمال فى بال اهل العرف لم يبالوا به و جروا على طبق ظهور جملة مستقلة لم تحف بقرينة متصلة كل ذا لاجل ان البيان يتم بالقاء الكلام التام فى مقام الافهام مع عدم نصب قرينة على خلاف المرام و هذا بنائهم فى محاوراتهم و ديدن عبيدهم مع مواليهم و لم يردع الشارع عنه اصلا (و اعترض فى تقريرات بعض الاعلام على الاستاد قال و دعوى ان الذى يكون من مقدمات الحكمة هو عدم البيان فى مقام التخاطب لا مط فالعام المتأخر عن المطلق لا يصح لان يكون بيانا واضحة الفساد فان الذى يكون من مقدمات الحكمة هو عدم البيان المطلق لا عدم البيان فى خصوص مقام التخاطب كما اوضحناه فى محله و المحقق الخراسانى قد افاد فى بعض فوائده الاصولية من ان اللازم علينا جمع كلمات الائمة (ع) المتفرقة فى الزمان و تفرض انها وردت فى زمان و مجلس واحد و يؤخذ ما هو المتحصل منها على فرض الاجتماع و هذا الكلام منه ينافى ما ذهب اليه من ان العبرة على عدم البيان فى مقام التخاطب لا مط انتهى) و لعل مقصود الاستاد انه اذا علمنا اجمالا بوجود القرائن المنفصلة و المشتملة على احكام الزامية فى كلمات الائمة (ع) المتفرقة كان اللازم علينا جمعها من مضانها و عند اذ اذا نحصل من المجموع ظهور آخر سوى ظهور جملة فى نفسها لزم العمل على طبقه و بالجملة فرق بين القول بعدم انعقاد الظهور التصديقى الطريق الى المراد الجدى لاجل العلم بديدن الشارع على ابراز مرامه الجدى بالقرائن المنفصلة و بين القول بانعقاد الظهور التصديقى الطريق الى المراد الجدى بالبيان للافهام مع عدم نصب قرينة متصلة فى مقام التخاطب و ان كان العلم بوجود القرائن المنفصلة مانعا عن حجية الظهور قبل الفحص عن القرائن المنفصلة لا عن اصل الظهور و هذا مختار الاستاد و لم‏

35

يظهر خلافه من هذا الكلام و قد تقدم نقل كلامه قده فى مبحث عدم حجية العام قبل الفحص و ما يرد عليه قوله «فانه ح لا معنى للتعبد بالسند فى الكل اما للعلم بكذب احدهما او لاجل انه لا معنى للتعبد بصدورها مع اجمالها فيقع التعارض بين ادلة السند ح كما لا يخفى» اقول اذا كان الخبران الجامعان لشرائط الحجية قطعيين دلالة وجهة اى جهة الصدور بان لا يكون الصدور لجهة التقية مثلا فلا جرم انه يعلم بكذب احدهما اذ يمتنع ان يكون مؤدى المتنافيين حكما واقعيا و هذا ليس من باب اشتباه الحجة بلا حجة بل كلاهما مشمول لدليل الحجية و يكون كل واحد حجة ذاتا و لا يكون كلاهما حجة بالفعل و هذا بخلاف ما اذا اشتبه الخبر الضعيف الغير المعتبر بالخبر الصحيح المعتبر فان ذا من باب اشتباه الحجة بلا حجة و لا تجرى فيهما احكام التعارض من الترجيح و التخيير و سيأتى له مزيد بيان إن شاء الله‏

[في انحاء التعارض بين الخبرين المعتبرين الظنيين سندا]

ثم التعارض بين الخبرين المعتبرين الظنيين سندا على انحاء

(الاول ان يكونا نصين قطعى الدلالة و الجهة

فحينئذ يعلم بكذب احدهما بمعنى عدم كون مؤدى واحد منهما حكما واقعيا

(الثانى ان يكونا نصين مع عدم العلم بالجهة

بمعنى احتمال التقية فى واحد منهما و فى هذه الصورة أيضا يعلم بكذب واحد منهما للعلم بعدم كون مؤدى واحد منهما حكما واقعيا سواء كان صدور واحد منهما للتقية ام لا

[الثالث ان يكونا ظاهرين‏]

(الثالث ان يكونا ظاهرين و ح لا يحصل العلم بكذب واحد منهما لاحتمال الاحتفاف مثلا بالقرينة المتصلة الساقطة عن الرواية و حيث لا يكون ظاهر كليهما طريقا الى المراد الواقعى عند اهل اللسان لمكان التنافى بينهما دلالة فلا جرم انهما صارا مجملين بالعرض فكما لا يصح التعبد بالسند فى ما هو مجمل ذاتا كك فيما عرض الاجمال عليها لاجل تنافيهما فى انفسهما (و لا يذهب عليك ان محل الكلام ما اذا حصل العلم الاجمالى بكذب واحد منهما بملاحظتهما فى انفسهما مع قطع النظر عن العلم الاجمالى الحاصل من سبب خارجى فلو فرض العلم الاجمالى بعدم صدور واحد من الخبرين عن الامام (ع) لم يصح تقديم النص او الاظهر على الظاهر اذ الجمع بين الخبرين بتقديم الاقوى على غيره انما يتأتى على تقدير امكان كون الخبرين صادرين من متكلم واحد او كالواحد كالائمة (ع) فيكونا معا طريقا الى مراد واحد عند اهل المحاورة و اما مع العلم بعدم صدور واحد منهما عنه يمتنع كونهما طريقا الى‏

36

مراد واحد لاحتمال كون الظاهر صادرا منه لا الاقوى فكيف يكون قرينة على خلاف ظهور الظاهر و كذلك اذا صدر كل من كلامين من متكلم لم يصح الجمع بين الظاهر و الاقوى الصادرين من متكلمين لعدم كونهما طريقا الى مراد واحد كما هو مقتضى الجمع العرفى كك فيما اذا كان كلاهما صادرين من متكلم واحد بل لا يجرى على الخبرين المرويين عن الامام (ع) حكم تعارض الدليلين اذ لا يدخل ذا فى قوله «اذا جاء عنكم خبر ان متعارضان» اذ المفروض العلم بعدم صدور واحد منهما عن الامام (ع) فيكون من باب اشتباه الحجة بلا حجة) و هذا بخلاف ما اذا علم من الخارج بعدم واحد من مؤدى الخبرين حكما واقعيا مع احتمال صدورهما عن الامام (ع) كما اذا علم اجمالا بعدم وجوب الظهر و الجمعة فى ظهر يوم الجمعة مع كون الخبرين المشتملين على وجوبهما معتبرين مرويين عن الامام بلا علم اجمالى بعدم صدور واحد منهما عنه (ع) فلو كان واحد منهما ظاهرا و الآخر اظهر صح الجمع بينهما بحمل الظاهر على الاظهر اذ يمكن ان يكون كلاهما طريقا الى مراد واحد فلا يجرى فيهما حكم التعارض لانسحاب الجمع العرفى اليهما و هذا العلم الاجمالى اوجب التعارض بينهما بالعرض لا حقيقة و لا تجرى فى هذا القسم تلك الانحاء الثلاثة الجارية فى التعارض الحقيقى اذ المفروض عدم التنافى الذاتى بين مؤدى الخبرين حتى يحصل العلم الاجمالى بكذب احدهما فيما اذا كانا نصين و الاجمال العرضى فيما اذا كانا ظاهرين ففيما اذا كانا نصين او ظاهرين فى هذه الصورة حصل التعارض بحسب السند بسبب العلم الاجمالى بكذب واحد منهما بلا تفاوت بين القسمين و كذا فيما اذا علم اجمالا بعدم صدور واحد من الخبرين المعتبرين عن الامام (ع) فانه بمجرد هذا العلم الاجمالى يحصل التعارض بينهما بحسب السند بلا فرق بين كونهما نصين او ظاهرين او كون واحد منهما نصا او اظهر و الآخر ظاهرا حسبما مر بيانه آنفا بمعنى حصول العلم بان دليل السند لا يشملهما لا ذاتا و لا فعلا و ان كان شاملا لواحد منهما فلا يدخلان فى موضوع التعارض المشمول لحكم التخيير و الترجيح و لو حصل العلم الاجمالى من سبب خارجى بعدم كون واحد منهما صادرا من الامام (ع) مع كونهما متنافيين بالذات حصل التعارض بينهما بحسب السند و لو كان واحد منهما نصا او اظهر و الآخر ظاهرا و يحصل العلم الاجمالى‏

37

بعدم كون واحد منهما حكما واقعيا فيما اذا كانا نصين لتفاوت متعلقى العلمين اذ متعلق العلم الاجمالى الاول هو عدم صدور واحد منهما عن الامام (ع) مع احتمال كونه حكما واقعيا و متعلق الآخر عدم كونه حكما واقعيا و لكن العلم الاجمالى من سبب خارجى لا يكون موجبا للتعارض العرضى اذ بعد اتصافهما بالتعارض الذاتى بالعلم الاجمالى الداخلى يمتنع اتصافهما بالتعارض العرضى بالعلم الاجمالى الخارجى كما هو جلى غنى عن البرهان و هذه الصورة أيضا غير داخلة فى موضوع التعارض المبحوث عنه باعتبار اشتباه الحجة بلا حجة و من جميع ما ذكرنا ظهر انحاء التعارض بحسب السند

[نقل و تعقيب فى التعارض بحسب السند]

(نقل و تعقيب قال الشارح فى شرح قول الاستاد (و انما يكون التعارض بحسب السند الخ) «لا يخفى ان استفادة الحكم من الدليل تتوقف على صدور لفظه ممن له الحكم و كونه لبيان الواقع لا لغيره لتقية او غيرها و حجيته فى معناه و الحافظ للجهة الاولى دليل الحجية المعبر عنه باصالة السند و للثانية الاصل العقلائى الراجع الى ظهور حال المتكلم فى ذلك او تعبدا المعبر باصالة الجهة و للجهة الثالثة اصالة الظهور فمع تعارض الدليلين يعلم اجمالا بمخالفة احدهما للواقع فيعلم بكذب احد الاصول الثلاثة فى احد الدليلين فيكون التعارض بين الاصول الستة فيهما و ربما يكون التعارض فى خصوص اصالتى السند فيهما كما لو كانا مقطوعى الجهة و الدلالة او فى خصوص اصالتى الظهور لو كانا مقطوعى السند و الجهة و هكذا و الحكم فى الجميع اجراء احكام التعارض لعدم المرجح الذاتى (قوله دلالة وجهة الخ فيتعارض اصالة السند فيهما لا غير قوله او ظنيا الخ فيتعارض الاصول الستة انتهى ملخصا) و فى كلماته مواضع للنظر (الاول فى قوله تتوقف على صدور لفظه الخ و فيه ان دليل السند لا دلالة فيه على التعبد بلفظ الرواية بل هو تعبد بمؤدى الخبر الذى هو من سنخ الحكم الشرعى سواء كان دالا على تنزيل المؤدى منزلة الواقع فان المنزل و المنزل عليه هو الحكم الواقعى بما هو حكم واقعى لا بمعنى الخطاب الانشائى اللفظى و ربما يكون اللفظ لفظ الراوى يكون مفاده الحكم المنقول عن الامام (ع) و سواء كان دالا على القاء الاحتمال اى احتمال خلاف الواقع او كان دالا على تنزيل الظن بالحكم منزلة الحكم الواقعى و اوضح من ذلك كله ان لا يكون هناك إلّا جعل‏

38

الحجية لمجرد تنجيز الواقع عند المصادفة و العذر عند عدمها ثم من المعلوم ان دليل السند بعمومه او اطلاقه شامل لكلا المتعارضين قطعا و انما الممتنع جعل الحجية الفعلية لهما معا و لو فرض شموله لواحد منهما لا لكليهما كان ذا من باب اشتباه الحجة بلا حجة و لم يكونا ح مشمولين لاحكام المتعارضين فلا معنى لاصالة السند بمعنى اصالة عموم دليل السند او اطلاقه و انما تمس الحاجة الى ذلك و الى اصالة الظهور و اصالة عدم التقية فى مقام العمل بالخبر المعتبر الغير المعارض حتى يترتب عليه حكم العقل بالتنجيز و مع عدم جريان واحد من الاصول الثلاثة لا يترتب ذلك الاثر و هذا بخلاف مقام التعارض فان ذا يحصل بتنافيهما فى مقام الدلالة بالنصوصية او بالظهور بعد شمول دليل التعبد لهما معا طبعا و لا معنى لاصالة الظهور فى النصين المقطوعى الدلالة و لا فى الظاهرين مع طرو الاجمال العرضى عليهما لمكان تنافيهما اذ بناء العقلاء على العمل بالظهور بناء عملى لبى و لا معنى للتعارض فيه و انما يتأتى التعارض فى الدليل اللفظى بمعنى تعارض اصالة العموم او الاطلاق فى الدليلين اللفظيين المتنافيين و لا غرو فى اطلاق التعارض على اصالتى الظهور فى السند على تقدير الشك فى الشمول (الثانى فى قوله فيكون التعارض بين الاصول الستة الخ) و فيه ان التعارض هو تنافى الدليلين بحسب الدلالة و لا يتأتى إلّا فى النصين او الظاهرين و فيما اذا كانا نصين حصل العلم بكذب واحد منهما و لو مع احتمال التقية فى واحد منهما فلا تمس الحاجة الى اصالة عدم التقية و فيما اذا كانا ظاهرين حصل الاجمال العرضى فيهما و لو مع احتمال التقية فيهما و انما تمس الحاجة الى اصالة عدم التقية فى مقام العمل بالخبر المعتبر فى نفسه و كذا الكلام فى اصالة السند و اصالة الظهور حسبما مر بيانه آنفا و لو كان مدرك اصالة الجهة بناء العقلاء على حمل كلام المتكلم على كونه لبيان الواقع لا للتقية كان ذلك بناء عمليا لبيا فلا يتأتى فيه التعارض و فى دلالة اخبار العلاج عليه منع جلى حسبما يأتى بيانه فى آخر مبحث التعارض ثم لا مرية انه لا علم بكذب واحد من الظاهرين اصلا لا بمعنى العلم بعدم كون واحد منهما حكما واقعيا و لا بمعنى العلم بعدم صدور واحد منهما من الشارع و ذلك لاحتمال سقوط القرينة المتصلة الموجبة لصرف الظهورين الى ظهور واحد الذى لا تنافى هناك اصلا و انما يطرأ عليهما الاجمال العرضى لاجل‏

39

عدم امكان كونهما طريقا الى مراد واحد واقعى بخلاف النص و الظاهر فانهما معا طريق الى مراد واحد واقعى فظهر مما ذكرنا انه ليس فى الظاهرين علم بكذب واحد منهما فلا معنى للتعارض بين اصالتى الظهور فيهما ثم قال الظاهر ان الاصول الثلاثة لا ترتب بينهما بحيث يكون بعضها مأخوذا فى موضوع الآخر فيكون جريانه شرطا فى جريان الآخر بل هى متلازمة فى مقام الحجية لا يكون بعضها حجة الا فى ظرف حجية الآخر لاجل ان الاثر العملى العقلى انما يكون فى ظرف حجية الجميع و قد يظهر من المصنف بقوله فيقع التعارض الخ حيث فرع المعارضة بين ادلة السند على اجمال الدليلين ان اصالة الظهور متقدمة رتبة على اصالة السند فبعد تعارض اصالة الظهور فى الدليلين الموجب لاجمالهما يقع التعارض بين اصالتى السند و يظهر من بعض الاعيان عكس ذلك و هو غير ظاهر الوجه فاذا اللازم الحكم بكون التعارض بين تمام الاصول فى احدهما و تمامها فى الآخر مضافا الى انه بعد تعارض اصالتى الظهور و الحكم بالاجمال لا معنى لفرض التعارض بين اصالتى السند للغوية حجية السند ح فتسقط بذاتها لا بالمعارضة انتهى و فيه ان اصالة الظهور بمعنى جعله طريقا لمراد المتكلم يتفرع على احراز التعبد بالسند لوضوح ان الظهور التصديقى انما يحصل بعد احراز كون المتكلم فى مقام البيان فبعد كون مؤدى الخبر صادرا عن الامام (ع) و لو تعبدا تجرى اصالة الظهور لكن ذا فى الخبر الواحد فى نفسه لا بالنسبة الى خبر آخر معارض له اذ سند الخبر الآخر بالنسبة الى هذا غير مرتبط به فلا ترتب بين هذا و سند الآخر و اصالة السند بمعنى شمول دليله لكل خبر متفرع على وجود الظهور فى المؤدى اذ لا معنى للتعبد بالمجمل ذاتا او عرضا و المفروض عروض الاجمال على الظهورين المتعارضين ذاتا (ان الدليلين المتنافيين سواء كانا مقطوعى الصدور كالكتاب المجيد ام لا لا يخلو اما ان اهل اللسان لم يكونوا متخيرين فى كيفية الجمع بعد فرضهما كلاما واحدا مع قطع النظر عن جهة الصدور بحيث يكونان طريقا الى استكشاف مراد واحد منهما فعند اذ يتعين الجمع بلا ريب لوضوح عدم التزاحم بين التعبد بسندهما فيما اذا كانا ظنى السند و بين حجية الظهور و اما ما لم يكن ظهور اصلا بعد فرضهما كلاما واحدا فحينئذ يصيران مجملا بالعرض‏

40

بمعنى عدم كونهما طريقا الى استكشاف المراد الواحد عند اهل المحاورة فعند اذ يتعين طرحهما من غير فرق بين القطع بصدورهما ام لا و لا يصير القطع بالصدور قرينة على صيرورتهما ظاهرين فى معنى واحد ضرورة ان القطع بالصدور لا يوجب انقلاب المجمل الى المبين و قال اللّه تعالى‏ «مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ» فما قال الشيخ قده لا اشكال و لا خلاف فى انه اذا وقع التعارض بين ظاهرى مقطوعى الصدور كآيتين او متواترين وجب تأويلهما و العمل بخلاف ظاهرهما فيكون القطع بصدورهما عن المعصوم (ع) قرينة صارفة لتأويل كل من الظاهرين انتهى) منظور فيه اذ القرينة اما لفظية او حالية او مقامية و ليس القطع بالصدور واحدا منهما كما لا يخفى و الظاهر من حيث كونه ظاهرا و ان لم يكن داخلا فى المتشابه الممنوع عن اتباعه إلّا ان الظاهرين المتنافيين من جهة انقطع بعدم ارادة ظاهرهما داخلان فى المشكلات فيدخلان فى المتشابهات اذ المتشابه اعم من المشكل لا خصوص المجمل و قد مر بيانه فى مبحث حجية لظواهر و لو صدر المتنافيان من واحد من المولى العرفية فلا غرو فى صدورهما منه فى زمانين خطاء و غفلة و يمكن صدورهما من المولى الحكيم احيانا لمصلحة فى التعمية كصدور الآيات المتشابهات فى الكتاب المجيد و بالجملة ليس مجرد السند القطعى قرينة صارفة عن خلاف الظاهر و لو فرس ذلك لكان القطع بالسند سببا للقرينة لا انه بنفسه قرينة كما نبه عليه الاستاد (قال ان القطع بالصدور قطع بالقرينة لا انه بنفسه قرينة كما يشهد بذلك صحة تعليق لزوم الصرف و التأويل الى ما يتعين الصرف اليه لو كان على نفس الصدور بان يقال لو كانا صادرين وجب تأويلهما و لو كان القطع بنفسه قرينة لما صح التعليق كما لا يخفى انتهى) و التأويل لا يستتبع ظهورا آخر بل تصرف عقلى و الحمل على معنى يوافق حكم العقل و قد سبق انحاء التأويل فى مبحث حجية الظواهر فى القرآن و مما ذكرنا يظهر انه لا معنى للعبد بالسند فيما اذا كان الخبر مجملا بالذات بمعنى امتناع شمول دليل حجية السند للمجمل بالذات اذ المفروض انه ليس له مؤدى و لا دلالة له على حكم منقول عن الشارع كى يصح التعبد بالسند و هذا بخلاف الخبرين الظاهرين المتنافيين فان لكل واحد فى نفسه مؤدى منقولا عن الشارع فدليل التعبد بالسند يشمله لوجود الموضوع و هو الخبر

41

المعتبر المروى عن الشارع فان نفس ظهور الخبر مع قطع النظر عن التعارض العارض المتأخر رتبة مشمول للعموم اذ التعارض هو تنافى الدليلين بعد ثبوت الحكم فى مقام الثبوت و ثبوت الدلالة فى مقام الاثبات و يمتنع لحاظ ما هو متأخر رتبة عن الحكم و الدلالة فى عالم التشريع التعبد بالسند كما هو ظاهر و سيأتى له مزيد بيان فى شرح الفصل الآتي لكنا يمتنع جعل الحجة الفعلية لكليهما و لا مانع لجلها لواحد منهما فى الواقع و حيث ان مفاد كل واحد من الخبرين نفى الآخر فلا جرم انه يقع التعارض بينهما لمكان اثبات مؤداه و نفى الآخر و لا معنى للتعارض فى السند الا كون كل من الدليلين مثبتا لمؤداه نافيا للآخر فى مقام الاثبات اذ ليس هناك ما يدل على الحجية و ما ينفيها فى الخبرين المتنافيين حتى يقال ان دليلى السند متنافيان متعارضان فى هذين الخبرين فلا معنى للتعارض بين اصالة السند و اصالة الظهور و لا لتعارض اصالتى الظهور اذ بناء العقلاء على الاخذ بالظهور من سنخ العمل و لا معنى لتعارض العملين الموجودين بل دائر بين الوجود و العدم بخلاف الظهور اللفظ فان الظهورين متعارضان و لا لتقدم اصالة الظهور رتبة على اصالة السند و لا لعكس ذلك و ان كان الظهور التصديقى متفرعا على احراز صدور الخبر حسبما مر بيانه آنفا فان دليل السند كقوله (ع) اعمل و اقبل و نحوهما مقطوع الصدور شامل لكل من المتعارضين باطلاقه او عمومه و لاجل تنافيهما يحصل القطع بعدم كونهما حجة فعلية و هذا معنى التعارض فى السند و هذا بخلاف ما اذا كان بينهما جمع دلالى بحسب متفاهم العرف فانهما حجة فعلية طريق عندهم لاستكشاف مراد المتكلم و انما يطلق التعارض فى السند فى مقابلة الخبرين الذين لهما جمع دلالى كما هو المصرح به فى كلام الاستاد و غيره و مما ذكرنا اندفع الاعتراض الذى ذكره الشارح فى ذيل كلامه و سيأتى لذلك مزيد ايضاح إن شاء اللّه تعالى‏

[في أن التعارض يوجب سقوط احد المتعارضين عن الحجية]

(قوله التعارض و ان كان لا يوجب إلّا سقوط احد المتعارضين عن الحجية رأسا حيث لا يوجب إلّا العلم بكذب احدهما فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر إلّا انه حيث كان بلا تعيين و لا عنوان واقعا فانه لم يعلم كذبه الا كذلك و احتمال كون كل منهما كاذبا لم يكن واحد منهما بحجة فى خصوص مؤديه لعدم التعيين فى الحجية اصلا كما لا يخفى) و لتوضيح المرام فى تأسيس الاصل نقدم مقدمة فى المقام و هى ان الطبيعة المتعلقة

42

للعلم الاجمالى مهملة لا مطلقة و تقع فى المنفصلة المرددة كان يقال هذا الحكم المؤدى لهذا الخبر كذب ام مؤدى الآخر و هذا بخلاف المطلقة فانها واقعة فى المنفصلة الحقيقية كما يقال الحيوان اما ناطق او ناهق و الفرق بينهما ان الحكم و الاثر للمطلقة يسرى الى العدلين كالحركة بالارادة مثلا و لا كك الامر فى المرددة فان الحكم للمرددة لا يسرى اليهما معا فوجوب الاجتناب مثلا لا يسرى الى الطرفين اذ فى المهملة ترديد فى ثبوت الحكم فى اى واحد من الطرفين فظهر ان الخبر المعلوم الكذب منطبق على واحد من الطرفين على نحو الاهمال و اما حديث عدم انطباق المعلوم بالاجمال الذى هو صورة ذهنية و هى المعلومة بالذات على الخارج الذى هو معلوم بالعرض بمعنى عدم اتحادهما وجودا كاتحاد الكلى الطبيعى مع فرده فى الخارج فصحيح لا ننكره إلّا ان قضية كون العلم مرآة للخارج صحة ان يقال ان هذا او ذاك كذا و إلّا لم يكن العلم مرآة للخارج أ لا ترى انك تحكم على الصورة المنطبقة فى المرآة ان هذه وجه فلان حسن مع انها مباينة لوجه الرجل الخارجى و لا اتحاد بينهما وجودا اصلا و هذا شأن المرآة خارجية كانت او ذهنية و لو لا ذلك لم يسع للعقل ان يحكم بوجوب الاجتناب عن طرفى العلم الاجمالى لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال عليهما و قد تكرر منا بيان ذلك فى مطاوى كلماتنا فظهر ان الحمل لمكان الاتحاد وجودا مغاير للحمل لمكان المرآتية هذا انطباق مرآتى و ذاك انطباق اتحادى ثم تارة يكون للمعلوم بالاجمال واقع معين كالعلم الاجمالى بنجاسة واحد من الإناءين و كالعلم الاجمالى بكذب واحد من الخبرين و اخرى لا يكون له واقع معين اصلا كالعلم الاجمالى بعدم واحد من معلوم الكذب طريقا الى الواقع لوضوح ان الخبر المعلوم الكذب ليس طريقا بما هو معلوم الكذب لا بما هو كذب واقعا لعدم اعتبار الصدق فى الحجة الموجبة للعذر عند عدم المصادفة بل الخبر المشكوك الكذب طريق الى الواقع ما دام كونه مشكوكا فكما اذا علم كذبه تفصيلا سقط عن وصف الطريقية كك اذا علم كذبه اجمالا فالمعلوم الكذب اجمالا و ان كان له واقع معين لكن معلوم الطريقية ليس له واقع معين كالمعلوم عدم الطريقية على نحو الاجمال لاختصاص وصف الطريقية بواحد منهما بلا عنوان اذ مجرد القطع بالكذب ملق للخبر عن الطريقية و لو

43

لم يكن مصادفا للواقع فاذن يكون مشكوك الكذب و الصدق طريقا الى الواقع و الطريقية متقومة بحالة الشك فمتى انقلب الى العلم انتفى عنه الطريقية و المفروض ان المعلوم بالاجمال منطبق على واحد من الطرفين على نحو الترديد فبما هو كذلك ليس طريقا الى الواقع فواحد منهما ليس بطريق و آخر طريق و الحجة الفعلية تتبع ما هو طريق الى الواقع و الطريقية فى الخبر جهة تعليلية لا تقيديه بمعنى كون الخبر طريقا الى الواقع يصير داعيا للشارع لجعل الحجية على الخبر المعتبر لاجل تنجز الواقع عند المصادفة لا ان عنوان الطريق او الخبر المقيد بوصف الطريقية موضوع للحجية حتى يكون دليل الحجية شاملا لواحد طريق الى الواقع دون الآخر فيلزم ان يكون من باب اشتباه الحجة بلا حجة الذى هو خارج عن حريم البحث بل مركز الحجة نفس الخبر المعتبر على نحو الاطلاق و دليل الحجية شامل لكليهما فى انفسهما بالنظر الى ذات الخبر من دون ملاحظة طرو التعارض عليه و انه بحيث لا ينافى ان يمنع عن الحجة الفعلية طرو حالة التعارض فكل من المتعارضين و ان لم يكن حجيته بالفعل إلّا انه حجة ذاتا كما هو الحال فى المباحات الذاتية التى طرأ عليها العناوين المحرمة و الوجه ان دليل حجية الخبر يمتنع شموله لحالة التعارض اذ التعارض هو تنافى الدليلين فى دلالتهما على الحكم و الحالة العارضة عليها بلحاظ الحكم متأخرة عن الحكم طبعا فى مقام الثبوت و عن الدلالة فى مقام الاثبات بمعنى انه بعد تمامية دلالة الدليلين على الحكم المدلول عليهما بعرض عليهما التنافى فى الدلالة فلا يمكن شمول دليل الحجية بمثل هذه الحالة المتأخرة طبعا و لازم ذلك ان تكون الحجية الثابتة للمتعارض بمعونة دليل الحجية حجة ذاتية لا فعلية و الوجه فى عدم شمول دليل الحجية انه يدل على حجية ما هو مدلول الخبر عموما و اطلاقا فما لا يشمله مدلوله لا يشمله دليل الحجية و إلّا يلزم جعل الحجية مما هو خارج عن حيز الدلالة اللفظية و هذا فاسد جدا و قصر الحجية الفعلية على ما هو طريق دون الآخر انما هو بحكم العقل بعد احراز المقتضى لحجيتهما معا من شمول الخطاب الشرعى لهما و التعارض لا يصلح إلّا للمنع عن الحجية الفعلية لكليهما عن واحد منهما و ليس جعل الحجية الفعلية للواحد المبهم من ناحية الشارع لوضوح عدم دلالة دليل الحجية على حجية

44

واحد لا على التعين لعدم كونه فردا آخر فى مقابلة افراد الخبر الخارجية فلا بد من جعل جديد يكون متعلقا به و ليس هناك ما يدل على ذلك مضافا الى ان الداعى على جعل الحجية بداعى تنجيز الواقع هو جعل الداعى للمكلف للعمل على طبقه و من البين انه يمتنع العمل على طبق المبهم و نفى الثالث متفرع على جعل الحجية الفعلية لواحد غير معين فظهر مما ذكرنا ان دليل الحجية شامل لكليهما و قضية شموله لهما ليست إلّا كونهما حجة ذاتا و ان قصر الحجية الفعلية على واحد غير معين انما هو بحكم العقل و الطريقية جهة تعليلية لحكم العقل لا تقييدية بمعنى ان الطريقية انما تكون على نحو العرفية عند العقل لادراك كون الحجة الفعلية هو الخبر بما هو طريق و ليس ذا حكم مستقل من العقل يكون موضوعه الخبر المقيد بكونه طريقا او عنوان الطريق و ذلك لكيلا يقال ان مركز الحجة الذاتية هو نفس الخبر فلو كان مركز الحجية الفعلية هو المقيد او عنوان الطريق لكان ذا من اسراء حكم موضوع الى موضوع آخر و هذا باطل قطعا (لا يقال لازم انتفاء الطريقية بانتفاء الشك عدم الحجية الفعلية لكلا الخبرين فيما اذا علم اجمالا بصدق واحد منهما سواء احتمل كذب الآخر ام لا بيان الملازمة انه لا مرية ان معلوم الصدق تفصيلا ليس بطريق قطعا و كك المعلوم الصدق اجمالا المنطبق على واحد منهما لاشتراكهما فى انتفاء الشك الذى هو موضوع للطريقية فحال معلوم الصدق كحال معلوم الكذب فى امتناع جعل الحجية لهما معا و اما بطلان التالى فجلى غنى عن البيان ضرورة كون الخبرين فى هذه الصورة حجة فعلية و ليس ذا الا من جهة كون الشك موردا للحجية فكما ان العلم بصدق احد الخبرين لا يمنع عن حجيتهما معا كك العلم بكذب احدهما (لانا نقول فرق بين الكذب و الصدق فان كذب الخبر بمعنى عدم مصادفة الواقع مناف للطريقية عند العقلاء بخلاف الصدق فانه و ان لم يكن شرطا للحجية إلّا انه ليس منافيا للطريقية و انما يرفع اليد عن مقطوع الصدق تفصيلا لعدم الحاجة الى الطريق الناقص مع الوصول الى الواقع فى نظر القاطع و بالجملة يرتفع الظن النوعى للعقلاء فيما اذا علموا اجمالا بكذب واحد من الخبرين من المعلوم الكذب بما هو معلوم الكذب و طفقوا يتفحصون عن حالهما و يكفون عن العمل على طبقهما ما لم يتميز عندهم الكاذب منهما

45

و لا كك الامر فى صورة العلم بصدق واحد منهما فانه يزيد كشفا نوعيا لهم و هذا ظاهر لا سترة فيه و من جميع ما ذكرنا ظهر انه لا ابتناء لحجية الواحد الغير المعين النافى للثالث على سريان العلم الاجمالى الى الخارج كما نسب ذلك الى الاستاد بل الوجه انتفاء الطريقية عن المعلوم الكذب اجمالا حسبما اوضحنا سبيله و قيل بكون التعارض بينهما فى المؤدى من باب اشتباه الحجة بلا حجة على مبنى الاستاد و قد عرفت منع ذلك آنفا اذا تمهد ذلك فلنعد الى شرح كلمات الاستاد فنقول المراد من العلم بالكذب هو العلم بعدم المصادفة للواقع لا العلم بالكذب بمعنى العلم بعدم صدور واحد منهما من الشارع اذ الحجة ح هو الصادر المعين واقعا فيكون من باب اشتباه الحجة بلا حجة كالخبر المعتبر المشتبه بغيره و نفى الثالث انما يكون بما هو معين واقعا فلو قام واحد منهما على وجوب فعل فى زمان و قام خبر آخر على وجوب ضده فى ذلك الزمان حكم العقل بالتخيير لان المفروض كون واحد منهما حجة مشتبهة بلا حجة و لازمه قيام الحجة على وجوب واحد من الضدين و حيث لا يمكن الجمع بينهما حكم العقل بالتخيير و متى قام واحد منهما على وجوب شى‏ء و آخر على حرمته كان ذا من باب الدوران بين المحذورين و الحكم التخيير اللاحرجى و اما اذا قام واحد على حكم الزامى و آخر على عدمه او على حكم ترخيصى لم يحكم العقل بالاشتغال لاحتمال كونه مؤدى الخبر المعتبر واقعا و هذا بخلاف ما اذا علم بكذب واحد منهما بمعنى عدم مصادفته للواقع مع احتمال صدورهما معا عن الشارع فان دليل الحجية شامل لهما معا و بشموله لهما يحرز الاقتضاء فى مقام الثبوت فيثبت لهما الحجية الذاتية و التعارض لا يكون مانعا الا عن الحجية الفعلية لهما معا فلا محالة يثبت الحجية الفعلية لواحد منهما بلا عنوان حسبما اوضحنا سبيله فيكون نفى الثالث به بحسب الدلالة المطابقية و لا ثمرة عملية للحجية الفعلية له الا نفى الثالث لعدم امكان العمل على طبق ما لا تعين له عند المكلف و لو كان معينا واقعا فضلا عما لا تعين له واقعا (و لا يذهب عليك ان ذا ينسحب فيما لا علم بكذب احدهما كتعارض الظاهرين الذين لم يكن فيهما وجه جمع عرفى بعد صرفهما عن ظاهرهما فلاجل انهما ليسا طريقين الى استكشاف المراد يمتنع ان يكونا حجتين فعلتين و لاجل اجتماع شرائط الحجية فى كل واحد منهما يشملها دليل الحجة و لازم‏

46

ذلك كونهما حجة بالذات و التعارض لا يمنع الا عن الحجة الفعلية لكليهما فلا جرم انه تثبت الحجة الفعلية لواحد منهما بلا عنوان كما فى معلوم الكذب اجمالا طابق النعل بالنعل فالمانع هو تنافى الدليلين فى مقام الاثبات سواء علم بكذب احدهما كما فى النصين ام لا كما فى الظاهرين الذين لا علم بكذب واحد منهما لمكان احتمال سقوط القرينة المتصلة (ثم لا يخفى عدم صحة مقايسة باب الامارة بباب الاستصحاب فى عدم محذور فى المخالفة الالتزامية فيما اذا لم يلزم مخالفة عملية من العمل على طبقهما حسبما مر بيانه فى آخر مبحث الاستصحاب لان الطريقية ملحوظة فى باب حجية الامارة بمعنى ان الشارع جعل الامارة حجة لاجل طريقيتها الى الواقع بداعى تنجيز الواقع عند المصادفة و مع العلم الاجمالى بكذب واحد منهما ينتفى الطريقية عن المعلوم بالاجمال كما ينتفى الطريقية عن المعلوم المخالفة تفصيلا و مع انتفاء الملاك للحجية يمتنع كون كلا الامارتين حجة فعلية و قد مر بيان انتفاء الطريقية عن المعلوم بالاجمال و اوضحنا سبيله بما لا مزيد عليه و هذا بخلاف الاستصحاب الذى موضوعه الشك فى الحكم الواقعى و المفروض ثبوت الموضوع اعنى الشك فى طرفى العلم الاجمالى فيعمه حكم الاستصحاب فيما اذا لم يلزم مخالفة عملية فقياس باب الامارة بباب الاستصحاب قياس مع الفارق‏

[في ان ما ذكر فى التعارض بالذات سار فى التعارض بالعرض‏]

(ثم اعلم ان ما ذكرنا فى التعارض بالذات سار فى التعارض بالعرض كما اذا علم اجمالا بعدم وجوب الظهر و الجمعة معا فى ظهر الجمعة و تعارض خبر ان فى ذلك كان كل واحد من الخبرين حجة بالذات و يكون الحجة الفعلية واحد منهما لا بعينه و نفى الثالث مستند اليه اذ كما ان التعارض بالذات متأخر رتبة عن جعل الحكم فى مقام الثبوت و عن دلالة الدليل على الحكم فى مقام الاثبات و فى مرتبة انشاء الحكم يمتنع لحاظ ما يطرأ عليه فليس هناك اطلاق و لا تقييد لدليل الحكم بالنسبة الى تنافى الدليلين فيكون ذات الخبر المعتبر من حيث حكايته عن قول الشارع مشمولا لدليل الحجية لا بالنظر الى حالة التعارض لوضوح ان مفاد دليل الحجية ليس إلّا جعل الحجية لمؤدى الخبر عموما و اطلاقا لا لما هو خارج عن مدلول الخبر اذ ليس هناك دلالة على شى‏ء حتى يتكفل دليل الحجية لاعتبارها و هذا جلى غنى عن البرهان فلا معنى لاطلاق دليل الحجية لحالة التعارض التى يمتنع شمول المؤدى له حسبما اوضحناه‏

47

سبيله و لازم ذلك ان الخبر المعارض بذاته حجة بلا لحاظ حالة التعارض و لا نعنى بالحجية الذاتية الا ذلك كك العلم بكذب واحد من الخبرين فى مثل وجوب الظهر او الجمعة لوضوح ان كذب الخبر و هو عدم مطابقة نسبة الحكم للخارج متأخر رتبة عن جعل الحكم و عن ايقاع نسبته الى الموضوع و العلم بالكذب متأخر عنه بمرتبتين فلا محالة ان كل واحد من الخبرين حجة ذاتا لا بالفعل و لاجل احراز المقتضى من جهة شمول دليل الحجية لهما يكون المانع غير صالح للمنع عن الحجة الفعلية لكليهما و لازم ذلك كون واحد منهما لا بعينه حجة فعلية فيكون نفى الثالث مستندا اليه كما فى التعارض بالذات حسبما مر بيانه مستوفى و هذا بخلاف القول بكون نفى الثالث بدلالة الدليلين المتعارضين بالالتزام فان ذا لا يتأتى فى التعارض العرضى لان المفروض ان التعارض بينهما للعلم الاجمالى من سبب خارجى و الخبر ان فى انفسهما لا يكونان متنافيين لا مكان كون الصلاتين مثلا واجبتين فلا يتوافقان فى نفى الثالث و لا يشتر كان فى الدلالة على وجوب احدهما و نفى وجوب ما عداهما فليس لكل منهما دلالة التزامية على عدم وجوب الثالث و لازم ذلك صحة الرجوع الى البراءة عن وجوب فريضة رأسا بعد سقوط كل منهما فى اثبات المؤدى بالمعارضة و فى تقريرات بعض الاعلام الالتزام بالبراءة فى هذه الصورة و هذه فيما اذا لم يعلم اجمالا بوجوب واحد من الفريضتين بل علم اجمالا بعدم وجوبهما معا و إلّا فقضية العلم الاجمالى هو الاشتغال لاجل العلم الاجمالى لا لاجل نفى الثالث بالدلالة الالتزامية فى الخبرين و لتوضيح المرام لا بد من تمهيد مقدمة فى المقام و هى انه لا بد فى كل امرين ثبوتيين الممتنع اجتماعهما فى محل واحد من مقسم مشترك منطبق على كليهما منقسم اليهما كما هو الشأن فى المقسم بالنسبة الى القسمين فان كانا من المركبات الوجودية الخارجية التى لهما مادة و صورة فلا محالة يكون ذلك المقسم المأخوذ من المادة عند اعتباره لا بشرط جنسا لهما ان كان التقسيم الى النوعين من جنس واحد و كذا اذا كان لهما مادة عقلية كالبسائط الخارجية التى تكون من سنخ الكيف كالالوان و نحوها و اما اذا لم يكونا كذلك فلا جرم ان ذلك المقسم مفهوم عرضى يبتدعه العقل لضرورة التقسيم كتقسيم الشى‏ء الى الجوهر و العرض و تقسيم العرض الى المقولات التسع اذ لا جامع ذاتى بين الجوهر و العرض‏

48

و لا بين الاعراض التسعة حسبما حقق فى محله و كذا الحال فى كل امرين ثبوتيين الذين يكونان من الامور الاعتبارية التى لا وجود لها فى الخارج فان العقل يبتدع مفهوما عرضيا يجعله مقسما لهما كالاحكام الخمسة التكليفية حسبما تكرر بيانه فى مطاوى كلماتنا هذا فى مقام الثبوت و اما فى مقام الاثبات فان كان الدليلان متعارضين بالذات بمعنى دلالة واحد منهما على حكم من تلك الاحكام و دلالة آخر على حكم آخر قسيمه الذى لا يجتمع معه فى موضوع واحد كالحرمة و الوجوب فى شى‏ء واحد فلا شك ان منشأ تنافيهما فى الدلالة كون المؤديين قسمين و لازم ذلك دلالتهما بالدلالة التزامية على ثبوت المقسم الذى منطبق على القسمين فهناك دلالة على ثبوت المؤدى و دلالة على نفى الآخر الذى قسيمه و دلالة على ثبوت المقسم المشترك بينهما فهما متنافيان على ثبوت القسم متوافقان على ثبوت المقسم و قد يكون القسمان من سنخ حكم واحد كالوجوب مثلا المدلول لدليلين لموضوعين ضدين بان يدل واحد منهما على ثبوت الوجوب لفعل و آخر على ثبوته لضده فى زمان واحد فان المقسم ح نفس الوجوب و القسمان هما الوجوبان الخاصان و بالجملة لازم تشكيل المنفصلة فى مدلول المتعارضين فى مقام الاثبات ثبوت مقسم ينقسم الى المؤديين و لو كانت المنفصلة مرددة فان الترديد فى ثبوت واحد من القسمين لا فى ثبوت القدر المشترك بينهما بحسب الدلالة اللفظية على ثبوته و ان احتمل كذب المتعارضين مثلا اذا دل دليل على وجوب شى‏ء و دل دليل آخر على حرمة ذلك صح ان يقال ان الالزام المشترك بينهما اما وجوب او حرمة فيكون الدليلان متوافقين فى الدلالة على الالزام المشترك بينهما و انما يكون نفى الثالث اعنى نفى غيرهما من الاحكام الأخر لاجل دلالتهما على ثبوت المقسم بينهما خاصة فان لازم ثبوت الالزام مثلا نفى الاحكام الغير الالزامية و من البين ان لازم مجرد دلالة كل واحد منهما على نفى الآخر ليس هو نفى الثالث اذ من الجائز انتفاء الموديين مع ثبوت الثالث و الشرط فى الدلالة الالتزامية اللزوم عقلا او عرفا و هذا بخلاف ما اذا توافق الدليلان المتعارضان على ثبوت القدر المشترك بينهما بحيث لا ينقسم الا اليهما فان لازم ثبوت القدر المشترك كك نفى الثالث الذى لا ينقسم المقسم اليه و مهما استبان من هذه المقدمة ان نفى الثالث انما هو لاجل دلالة المتعارضين‏

49

على ثبوت القدر المشترك بينهما خاصة ظهران الدلالة على نفى الثالث لا يتأتى فى مؤدى الدليلين الذين يجتمعان فى موضوع واحد كوجوب الظهر و الجمعة لوضوح انهما ليسا قسمين حتى تحصل الدلالة على ثبوت المقسم بينهما خاصة المستتبع لنفى الثالث الذى هو مغاير للمقسم و مجرد العلم الاجمالى بعدم وجوبين فى ظهر يوم الجمعة او العلم الاجمالى بوجوب واحد منهما لا يوجب الظهور فى ثبوت الوجوب القدر المشترك كما ان دلالة دليل على ثبوت حكم من الاحكام الخمسة لا يستلزم الدلالة على نفى حكم آخر يكون ضدا له و ان كان العلم به يستلزم العلم بعدم ضده فى ذلك الموضوع اذ اثبات شى‏ء لا ينفى ما عداه بحسب الدلالة اللفظية فظهر ان مؤدى الدليلين فيما اذا لم يكونا متنافيين لم يكن هناك ظهور فى نفى الثالث بمعونة الدلالة الالتزامية و هذا بخلاف كون الحجة الفعلية واحدا من المتعارضين لا على التعيين فانه ينهض دالا على نفى الثالث حسبما اوضحنا سبيله آنفا نعم فيما اذا لم يكن هناك مقسم لمؤدى المتعارضين اصلا لم يكن واحد منهما حجة فعلية الدالة على نفى الثالث كما اذا ورد دليل على وجوب شى‏ء مثلا و دليل آخر على عدمه فان بين الثبوت و العدم الذى هو نقيضه لا جامع ذاتى و لا عرضى بينهما اذ مفهوم الشى‏ء الذى هو اعم الاشياء مفهوما لا ينقسم الى الثبوت و عدمه و إلّا يلزم ان يكون العدم شيئا مع انه لا شى‏ء و حيث ان كون الواحد لا على التعيين بين المتعارضين حجة فعلية انما هو بحكم العقل حسبما مر بيانه و لا معنى لها فى الواحد المردد بين الحكم الالزامى و عدمه اذ على تقدير انطباقه على طرف العدم لم يكن تترتب ثمرة نفى الثالث لوضوح ان الاصل فى كل واحد من الاحكام الاربعة الباقية موافق لطرف العدم الذى هو مؤدى واحد من المتعارضين و كذا على قول الشيخ قده اذ قد عرفت ان نفى الثالث كان مستندا الى ثبوت القدر المشترك بين المتعارضين خاصة و مع عدم ذلك لم يكن هناك دلالة على نفى الثالث فظهر مما ذكرنا ان الوجه فى عدم نفى الثالث فى هذه الصورة على قول الاستاد هو ان واحدا من الاحكام الاربعة سوى مؤدى المتعارضين الدائرين بين الثبوت و العدم موافق للعدم فيكون الاصل الجارى فى كل واحد من الاحكام الاربعة موافقا لواحد المتعارضين لا مخالفا لهما معا فكون الواحد لا على التعيين حجة فعلية لغو عار

50

عن الثمرة بتاتا و ان الوجه فى عدم نفى الثالث على قول الشيخ عدم المقسم بين الثبوت و العدم مضافا الى عدم ترتب الثمرة على نفى الثالث فى هذه الصورة

[في بيان تميز الاصل الموافق و المخالف‏]

اذ قد عرفت ذلك فينبغى ان ننظر فى انحاء التعارض بين الاحكام الخمسة لتعيين الاصل الموافق و المخالف فنقول قد عرفت ان نفى الثالث مستند الى الدلالة على القدر المشترك بين مؤدى المتعارضين فلا بد من ان لا يكون الاصل الجارى مزاحما للقدر المشترك و إلّا كان اصلا مخالفا لهما فاذا دل دليل على حرمة شى‏ء و آخر على وجوبه فالقدر المشترك بينهما خاصة هو الالزام فتكون الاصول الثلاثة الجارية فى الاحكام الثلاثة الترخيصية مخالفة و متى دل دليل على الحرمة او الوجوب و آخر على الاباحة الواقعية الذاتية اللااقتضائية التى تجتمع مع الحكم الالزامى و غيره فالاصول الجارية فى الاحكام الثلاثة غير مخالفة فضلا عن الاصل الجارى فى واحد من المؤديين و كذا الحال فيما اذا دار مؤداهما بين الكراهة و الاباحة او الندب و الاباحة و القدر المشترك بين الجميع هو الحكم المشترك بين الاقتضائى و اللااقتضائى و من البين ان هذه الاصول لا تكون مزاحمة للقدر المشترك نعم لو كان مؤدى الدليل المعارض هو الاباحة الفعلية كان القدر المشترك هما الحكمين الاقتضائيين فتكون الاصول مزاحمة له مخالفة للطرفين و مهما دل دليل على الوجوب و آخر على الكراهة فلما لم يكن بين الفعل و الترك قدر مشترك فلا محالة انه يجعل القدر المشترك بينهما الطلب المشترك بين طلب الفعل و الترك خاصة فتكون الاصول الثلاثة مخالفة لوضوح ان الطلب فى الحرمة طلب للترك و ليس قابلا لانقسامه الى طلب الفعل و الترك و الطلب فى الندب طلب الفعل خاصة و ليس فى الاباحة طلب اصلا فيكون الاصل الموافق هو الاصل الجارى فى واحد من المؤديين خاصة و كذا الحال فيما اذا دار مؤداهما بين الندب و الكراهة و اذا دار مؤدّاهما بين الحرمة و الكراهة فطلب الترك مشترك بينهما خاصة و لازمه كون الاصول الثلاثة مخالفة فظهر مما ذكرنا انه لا بد لتميز الاصل المخالف عن الاصل الموافق من تعيين القدر المشترك بين مؤدى المتعارضين خاصة فالاصل المخالف ما يكون مزاحما للقدر المشترك و الاصل الموافق ما لا يكون كك (قوله لا بها) اقول هذا ناظر الى كلام الشيخ قده قال اما لو جعلناها من باب الطريقية بمعنى ان الشارع لاحظ الواقع و امر