تعليقة على معالم الأصول - ج2

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
551 /
3

[تتمة المقصد الثاني في تحقيق مهمات المباحث الأصولية]

[تتمة المطلب الأول في نبذة من مباحث الألفاظ]

[تتمة في تقسيمات اللفظ]

[تتمة الحقيقة و المجاز]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[تمهيد أمور يرجع إليها لتمييز الحقائق عن المجازات‏]

اعلم أنّ الاصوليين و ضعوا امورا يرجع إليها لتشخيص موارد ثبوت الوضع عن موارد انتفائه و تمييز الحقائق عن المجازات، و سمّوها بعلامات الوضع و أمارات الحقيقة و المجاز، و إن اختلفت في كون بعضها ممّا اتّفقوا على كونه أمارة، لاتّفاقهم فيه على الملازمة بينه و بين الوضع ثبوتا و انتفاء، و كون البعض الآخر ممّا اختلفوا في كونه أمارة و عدمه، من جهة الاختلاف في الملازمة و عدمها، و ينبغي قبل الخوض في بيانها التنبيه على عدّة امور مهمّة، لما في معرفتها من رفع بعض الاشتباهات الحاصلة في بعض الأمارات، و دفع بعض الاعتراضات الواردة على بعضها الآخر، و تأسيس ما يكون ضابطا كلّيا لمعرفة ما يصلح كونه أمارة و ما لا يصلح له.

الأمر الأوّل: [الأمر الأوّل: اعتبار الأمارات المعمولة في باب الوضع لمجرّد الطريقيّة]

إنّه ينبغي أن يعلم أنّ أمارات الحقيقة و المجاز المعمولة في باب إثبات الوضع و نفيه ليس حالها كحال الأمارات الشرعيّة المعمولة في الموضوعات الخارجيّة تعبّدا من الشارع، فإنّ الأمارات الشرعيّة كالبيّنة و قول العدل الواحد، و قول ذي اليد، و يد المسلم و فعله و سوقه، امور اعتبر فيها الشارع نحو موضوعيّة، حيث ليس غرضه من اعتبارها مجرّد إدراك الواقع و الوصول إليه، و إلّا استحال اعتباره لها إلّا على تقدير دوام مصادفتها الواقع. و قد علمنا خلافه ضرورة، بل الغرض من اعتبارها ترتيب آثار الواقع، و إجراء أحكامه على ما هي قائمة عليه‏

4

و إن لم تصادف الواقع، و لا نعني من اعتبار الأمارة من باب الموضوعيّة إلّا هذا، بخلاف الأمارات المعمولة في باب الوضع، فإنّ الغرض الأصلي من اعتبارها إنّما هو الوصول إلى الواقع و إدراك نفس الأمر، كما يظهر بملاحظة النقوض و الإبرامات المتعلّقتين بالأمارات، الّتي منها الاطّراد في علامة الحقيقة و عدمه في علامة المجاز، حيث إنّ منهم من أخذهما أمارتين و منهم من أخذ الأوّل أمارة دون الثاني، تعليلا بكونه أعمّ من المجاز، و منهم من أنكرهما معا تعليلا بكون كلّ أعمّ من ذيه، و مثله الخلاف في أماريّة صحّة التقسيم و غيرها، و ليس ذلك إلّا لمجرّد أنّ المراد من الأمارة هنا ما يتوصّل به إلى الواقع، و ما كان أعمّ منه يستحيل نهوضه موصلا إليه.

و قضيّة ذلك كون الأمارات معتبرة في هذا المقام لمجرّد الطريقيّة، و عليه فاللازم على الناظر في حال ما ادّعى كونه أمارة للوضع، أن يتحرّى في إثبات الملازمة بينه و بين الوضع، على معنى كونه ملزوما للوضع و إن لم يكن الوضع ملزوما له، بناء على إنّ العلامة إنّما يعتبر فيها الاطّراد و لا يعتبر فيها الانعكاس، فإن أثبتها فقد حصل عنده كبرى كلّية، ثمّ إذا أراد إعمال تلك الأمارة يجب عليه التحرّي في إحراز الملزوم ليتحصّل عنده صغرى تنضمّ إلى الكبرى المذكورة، فإن أحرزه بطريق العلم فقد توصل إلى الواقع المطلوب إدراكه بالنظر إلى الطريق، و لا حاجة له بعد ذلك إلى تجشّم الاستدلال على اعتباره، لأنّ اعتبار الطريق إنّما هو باعتبار كشفه و قد حصل، و إلّا فقد انقطع عن الطريق، فحينئذ ربّما يقع الشبهة في اعتباره من باب الموضوعيّة بحسب نظر أهل العرف و اللغة، على معنى كونه بحيث يترتّب على ما هو قائم به عرفا أحكام الوضع و الحقيقة، و إن لم يكن كذلك في الواقع أو بحسب نظر أهل الشرع على معنى كونه شرعا بتلك المثابة، و إن لم يكن كذلك عرفا، و إنّما حصلت هذه الشبهة لملاحظة ما في كلام جماعة من الأواخر و المعاصرين من تتميم التبادر الغير المقطوع معه بعدم مدخليّة القرائن الخارجة من اللفظ فيه، بضميمة الأصل، فيحكم من جهته بالوضع و الحقيقة، و هو الّذي يعبّر عنه بأنّ الأصل في التبادر أن يكون وضعيّا.

5

و لا ريب انّ الأصل قاصر عن إفادة العلم بنفي مدخليّة القرينة، فلا ينطبق ذلك إلّا على اعتبار التبادر من باب الموضوعيّة.

و وجه الشبهة عدم تبيّن كون هذا الأصل هل هو من الاصول العرفيّة على حدّ الاصول العرفيّة المعمولة في تشخيص المرادات، كما في أصالة الحقيقة و نحوها، فيلزم من ذلك كون التبادر المحرز باستمداده معتبرا من باب الموضوعيّة باعتبار نظر أهل العرف، أو هو من الاصول الشرعيّة على حدّ الاصول العدميّة المقام عليها الأدلّة الشرعيّة، فيلزم من ذلك كون التبادر ثابت الاعتبار من باب الموضوعيّة بحسب الشرع، أو أنّه أصل لا أصل له عرفا و لا مدرك عليه شرعا، و يظهر أثر هذه الشبهة أيضا فيما هو في كلام غير واحد أيضا من فرض التعارض بين الأمارات بعضها مع بعض، كما لا يخفى.

و إن لم يثبتها إمّا بتبيّن عدم الملازمة الواقعيّة بينهما، أو بعدم تبيّن شي‏ء من ثبوت الملازمة و انتفائها، فقد خرج عن كونه أمارة معتبرة من باب الطريقيّة، و حينئذ فربّما يقع الإشكال في اعتباره من باب الموضوعيّة باعتبار نظر العرف أو الشرع- حسبما تقدّم- و منشائه اختلافهم في حجّيّة نقل أئمّة اللغة، حيثما لم يفد التعيين بالحقيقيّة أو المجازيّة، كما هو قضيّة عدم الملازمة الواقعيّة عقلا و لا عادة بينه و بينهما.

فإنّا نرى القائلين بالحجّية بين من يستند إلى ما لو تمّ لقضى بالموضوعيّة العرفيّة، و من يستند إلى ما لو تمّ لقضى بالموضوعيّة الشرعيّة.

و يظهر أثر هذه الشبهة أيضا، في مسألة التعارض المفروض في قول نقلة اللغة حسبما تعرفه.

فتحقّق بما بيّنّاه أنّ الشبهة في الموضوعيّة تتأتّى تارة: عند العجز عن إحراز الطريق بطريق اليقين، بعدما ثبت كونه طريقا واقعيّا.

و اخرى: عند عدم ثبوت طريقيّة ما ادّعي كونه طريقا، و لو من جهة ثبوت عدم الطريقيّة.

6

فالناظر في حال الأمارة حينئذ لابدّ أن يلاحظها في مراتب ثلاث، على سبيل الترتّب:

اوليها: النظر إليها إحرازا للملازمة الواقعيّة.

و ثانيتها: النظر إليها طلبا لموضوعيّتها بحسب العرف، و إنّما يعدل إليها بعد اليأس عن الاولى.

و ثالثتها: النظر فيها استعلاما لموضوعيّتها بحسب الشرع، و إنّما يعدل إليها بعد اليأس عن الاوليين، و الوجه في الكلّ يظهر بالتأمّل.

الأمر الثاني: [نهوض أمارات الوضع للجاهل دون العالم‏]

في إنّ أمارة الوضع إنّما تنهض أمارة للجاهل، و أمّا العالم فلا يعقل له الحاجة إلى إعمالها إلّا إذا قصد به ضرب أمارة و نصب علامة لإرشاد الجاهل بمؤدّاها، و منه تمسّكهم بها في المسائل اللغويّة المختلف فيها، لكن ينبغي أن يعلم إنّ الجاهل بالوضع قد يكون جاهلا به بالجهل الساذج، بأن لا يكون الموضوع له معلوما لا باعتبار معلوميّة أجزائه المفصّلة و لا باعتبار معلوميّة صورته النوعيّة، و قد يكون جاهلا به بالجهل المشوب، و هو الجهل الّذي خالطه نحو علم، و يلزمه الشكّ في الفرديّة و لو قوّة، و هذا الشكّ في الفرديّة قد يكون باعتبار الشكّ في الصدق، و قد يكون باعتبار الشكّ في المصداق، و قد يكون باعتبار الشكّ فيهما معا.

و المراد بالأوّل: أن يكون الشكّ في الفرديّة، الّذي مرجعه إلى الشكّ في صحّة الحمل طارئا لشبهة في وصف المحمول، كما لو شكّ في فرديّة البليد للحمار نظرا إلى الشبهة في مفهوم الحمار، من حيث الوضع باعتبار تردّده بين النوع الخاصّ من الحيوان أو مطلق قليل الإدراك.

و بالثاني: أن يكون الشكّ في الفرديّة الراجع إلى ما ذكر طارئا لشبهة في وصف الموضوع، كما لو شكّ في فرديّة رجل مردّد بين كونه بليدا أو غير بليد للحمار، بعد البناء على كونه باعتبار الوضع لمطلق قليل الإدراك.

و بالثالث: أن يكون الشكّ في الفرديّة طارئا لشبهة في كلّ من وصفي المحمول و الموضوع.

7

و مرجع الشبهة الاولى إلى الشبهة في الكبرى بعد تبيّن الصغرى، و الثانية إلى الشبهة في الصغرى بعد تبيّن الكبرى، و الثالثة إلى الشبهة فيهما معا.

و الضابط الكلّي في الشكّ في الفرديّة باعتبار الصدق، أن يطلب رفع الشبهة بمراجعة العرف و اللغة إحرازا لأمارات الوضع و علامات الحقيقة و المجاز، من نصّ لغويّ أو تبادر و عدمه العرفيّين و غيرهما، و في الشكّ في الفرديّة باعتبار المصداق، أن يطلب رفعها بمراجعة أهل الخبرة خاصّة، و لا مجرى في ذلك للأمارات المعمولة في باب الوضع، لفرض عدم الشبهة في الوضع من هذه الجهة ليطلب رفعها بها، و إليه يرجع ما في كلام أفاضل المتأخّرين من معاصرينا (1) في الفرق بين الموضوعات المستنبطة و الموضوعات الصرفة، من كون المرجع في الأوّل هو العرف و اللغة، و في الثاني أهل الخبرة، فالشكّ في الفرديّة باعتبار المصداق ساقط عن محلّ الكلام، لخروجه عن معقد الأمارات المبحوث عنها هنا، فوجب الاقتصار حينئذ على الشكّ في الفرديّة باعتبار الصدق. و قد عرفت أنّ مآله إلى الجهل المشوب بالموضوع له.

فنقول: حينئذ إنّ العلم الّذي خالطه قد يكون علما بالموضوع له إجمالا، على معنى العلم الإجمالي به، و قد يكون علما به في الجملة.

و توضيح الفرق بينهما: إنّ الماهيّات المركّبة من الأجزاء الخارجيّة أو العقليّة الاعتباريّة أو الحقيقيّة تلاحظ باعتبارين، و تعتبر بلحاظين:

أحدهما: أن تلاحظ باعتبار صورها النوعيّة، و بها بالاعتبار المذكور يتعلّق نظر أئمّة اللغة في كتب متون اللغة عند ضبط معاني الألفاظ و بيانها و البحث عنها كما لا يخفى، و عليها مدار الإفادة بالألفاظ و الاستفادة عنها في المحاورات، كما هو واضح أيضا.

و ثانيهما: أن تلاحظ باعتبار أجزائها المفصّلة، خارجيّة أو عقليّة، حقيقيّة

____________

(1) لم أعرف قائله.

8

أو اعتباريّة، و بها بهذا الاعتبار يتعلّق نظر أهل المعقول، حيث لا غرض لهم إلّا معرفة الأشياء بحقائقها، و عليها مدار التعريفات و الحدود و الرسوم.

و ظاهر أنّ العلم بالماهيّة باعتبار صورته النوعيّة لا يستلزم العلم بها باعتبار أجزائها المفصّلة، كما أنّ الجهل بها باعتبار أجزائها المفصّلة لا يستلزم الجهل بها باعتبار صورتها النوعيّة، كما في علوم عوام الناس بل كثير من الخواصّ بالأشياء و معاني الألفاظ، ضرورة أنّ المركوز في الأذهان من تلك المعاني ليس إلّا صورها النوعيّة.

نعم الجهل بها باعتبار صورته النوعيّة يستلزم الجهل بها باعتبار أجزائها المفصّلة، كما أنّ العلم بها باعتبار أجزائها المفصّلة يستلزم العلم بها باعتبار صورتها النوعيّة، فحينئذ قد يكون الماهيّة معلومة بمعلوميّة أجزائها المفصّلة، و لازمه كونها معلومة باعتبار صورتها النوعيّة أيضا، و قد تكون مجهولة بمجهوليّة صورتها النوعيّة، و لازمه كونها مجهولة باعتبار أجزائها المفصّلة أيضا، و قد تكون معلومة بتمام صورتها النوعيّة فقط دون أجزائها المفصّلة، و قد تكون معلومة ببعض صورتها النوعيّة.

و معيار الفرق بينه و بين سابقه، أنّه قد يحصل في الذهن من الصورة النوعيّة ما ينطبق في الواقع على تمام الأجزاء المفصّلة، و إن لم يبلغ فطنته إليها بحسب الظاهر، و هو العلم بها بتمام الصورة النوعيّة، و قد يحصل فيه منها ما لا ينطبق في الواقع إلّا على بعض الأجزاء، و إن ذهل عنها كلّا أو بعضا بالمرّة، و هو العلم بها ببعض الصور النوعيّة.

أمّا القسم الأوّل فالعلم فيه تفصيلي لتعلّقه بالماهيّة باعتبار معلوميّة أجزائها المفصّلة، و هو الّذي إذا تعلّق بمسمّى اللفظ أوجب الاستغناء عن الأمارات.

و أمّا القسم الثاني فالجهل المفروض فيه هو الجهل الساذج، الموجب للحاجة إلى التشبّث بالأمارات الّتي تحرز بمراجعة الغير من العرف و اللغة، و لا يمكن معه إحرازها بمراجعة النفس حذرا عن الدور المستحيل.

9

و أمّا القسم الثالث فالعلم المفروض فيه هو العلم الإجمالي المنسوب إلى الإجمال، بمعنى الجمع لتعلّقه بالصورة النوعيّة الجامعة للأجزاء المفصّلة من جهة اشتمالها عليها بأجمعها.

و أمّا القسم الرابع فالعلم المفروض فيه هو العلم بالشي‏ء في الجملة، لتعلّقه ببعض الصورة النوعيّة قبالا للعلم به بتمام الصورة النوعيّة، و حكم هذا القسم لرفع الجهل كصورة الجهل الساذج في وجوب إحراز الأمارات، بمراجعة الغير من أهل العرف و اللغة لعين المحذور المذكور، و أمّا العالم بالعلم الإجمالي فإن لم يلتفت إلى معرفة الأجزاء المفصّلة أو التفت و عرفها من دون واسطة فيصير عالما بالتفصيل فيستغني عن الأمارات، و إن التفت و لم يعرفها كذلك بعروض الشكّ في مدخليّة بعض ما له دخل في الواقع، أو بعض ما لا دخل له في الواقع الّذي مرجعه بالأخرة إلى فرديّة ما خلا عمّا شكّ في مدخليّته، فإن كان ذلك الشكّ بحيث يسري إلى الصورة النوعيّة المعلومة حتّى أوجب انقلاب العلم الإجمالي إلى العلم في الجملة فيلحقه حكمه من وجوب إحراز الأمارة بمراجعة الغير، و إن لم يكن كذلك فوظيفته إحراز الأمارات إمّا بمراجعة غيره، أو بمراجعة نفسه لعدم أدائه حينئذ إلى الدور من حيث إنّ المتوقّف على الأمارة هو العلم التفصيلي، و المتوقّف عليه الأمارة هو العلم الإجمالي.

و لا ريب إنّ العلم التفصيلي ليس ممّا يتوقّف عليه الأمارة و لا العلم الإجمالي المتوقّف عليه الأمارة، و عليه ينزّل إطلاق من دفع الدور المتوهّم- حسبما تعرفه في بعض صوره- بإبداء المغايرة بين الطرفين بالإجمال و التفصيل، كما لا يخفى.

الأمر الثالث: إنّ كلّما هو من الآثار المترتّبة على الوضع للعالم بالوضع فهو أمارة كاشفة عنه للجاهل به،

فتبادر المعنى من اللفظ المجرّد و استعماله كذلك عند إرادة الإفهام، و عدم صحّة سلبه عن المورد من الأمارات الدالّة على الوضع، كما أنّ أضدادها من أمارات انتفاء الوضع.

الأمر الرابع: كلّما هو أمارة دالّة على الوضع فهو أمارة دالّة على الحقيقة،

كما

10

أنّ كلّ أمارة لانتفاء الوضع أمارة للمجاز، لما عرفت من أنّ الأمارة إنّما تنهض أمارة للجاهل، و لا يعقل منه الحاجة إليها إلّا في موضع الشكّ، الّذي لا يعقل عروضه إلّا بعد ثبوت مقدّمتين:

إحداهما: ثبوت أصل الاستعمال، و الاخرى صحّته، و حينئذ فيندفع ما عساه يعترض على بعض الأمارات كعدم صحّة السلب و صحّته من أنّ غاية ما يفيده الأوّل هو ثبوت الوضع و هو أعمّ من الحقيقة، لجواز حصول الوضع و انتفاء الاستعمال، كما أنّ غاية ما يفيده الثاني هو انتفاء الوضع و هو أعمّ من المجاز لاحتمال الغلط، فإنّ الأوّل يندفع بفرض ثبوت الاستعمال و الثاني بفرض صحّته.

و إذا تمهّدت الامور المذكورة، فاعلم أنّ ما ادّعي كونه أمارة من المتّفق عليه و المختلف فيه امور:

[أمارات الحقيقة و المجاز]

أوّلها تنصيص الواضع‏

و هو على أقسام:

منها: أن ينصّ بما يدلّ على الوضع بطريق المطابقة، كما لو قال: «اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني» أو قال- بعنوان الإخبار أو الإنشاء: «وضعته له» و مثله ما لو قال: «جعلته أو عيّنته له».

و منها: أن ينصّ بما يدلّ عليه بطريق الالتزام البيّن بالمعنى الأخصّ، كما لو قال: «اللفظ الفلاني اسم للمعنى الفلاني» بناء على أنّ اسم الشي‏ء عرفا عبارة عن اللفظ الموضوع له، و مثله ما لو قال: «إنّه حقيقة فيه» بناء على أنّ الوضع فيهما اعتبر بالقياس إلى اللفظ من باب الخارج اللازم، الّذي اعتبر تقييده به على وجه خرج معه القيد.

و منها: أن ينصّ بما يدلّ عليه بطريق الالتزام البيّن بالمعنى الأعمّ، كما لو قال:

«اللفظ الفلاني يدلّ بنفسه على المعنى الفلاني» فإنّه يحصل بملاحظة الوضع المأخوذ فيه الدلالة بنفس اللفظ و الدلالة على المعنى كذلك و النسبة بينهما، من حيث إنّهما بحسب الخارج لا ينفكّ أحدهما عن صاحبه الجزم باللزوم، و مثله ما لو قال: «يجوز استعماله فيه مجرّدا عن القرينة للإفهام».

11

و منها: أن ينصّ بما يدلّ عليه بطريق الالتزام الغير البيّن، من باب الإشارة الّتي مناطها حكم العقل باللزوم بملاحظة المنصوص، كما لو قال: «الجمع المعرّف باللام يجوز استثناء أيّ فرد منه» و قال أيضا: «الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل» فإنّ العقل بملاحظة هاتين المقدّمتين المنصوص عليهما يحكم بوضع الجمع للعموم، على معنى كونه لازم المراد منهما.

و منها: أن ينصّ بما لا دلالة عليه بشي‏ء من وجوهها، كما لو قال: «رضيت باستعمال اللفظ الفلاني في المعنى الفلاني» أو «أذنت أو رخّصت في استعماله فيه» و لا يتفاوت الحال في جميع الصور بين ما لو حصل العثور بالتنصيص على طريق المشافهة، أو على طريق النقل المتواتر، أو الواحد المحفوف بما يفيد العلم بالصدق، و أمّا الواحد الغير المحفوف بما ذكر فنتكلّم بعيد ذلك على اعتباره و عدمه.

ثمّ إنّ تنصيص الواضع بأحد الوجوه المتقدّمة ممّا لا يستراب في كبراه حيثما تحقّق.

نعم يتطرّق الاسترابة إلى صغراه، فإنّه فيما يجدينا من الموضوعات اللغويّة أو العرفيّة العامّة، أو الخاصّة الشرعيّة غير موجود، و فيما يوجد أو يمكن وجوده كالأعلام الشخصيّة أو الامور الاصطلاحيّة غير مجد.

و ثانيها: تنصيص أهل اللغة في كلّ لغة يقع بها التخاطب،

و هذا أيضا كتنصيص الواضع في انقسامه إلى الوجوه المتقدّمة مع نوع اختلاف في التعبير بالقياس إلى بعض الوجوه، و يمتاز عنه بعدم تطرّق الاسترابة إلى شي‏ء من صغراه و كبراه كما هو واضح.

نعم لا يثبت به إلّا ما يختصّ باصطلاح التخاطب، فلو احتيج إلى التعميم بالنظر إلى أصل اللغة الّذي يتبعه عرف زمان الشارع، فلا بدّ من انضمام مقدّمة اخرى، من أصالة عدم النقل، أو تشابه الأزمان أو نحوهما، كما قد يحتاج إليها في تتميم سائر الأمارات حسبما تقف عليه، و سنورد الكلام في حجّية هذه الاصول و عدمها.

12

و ثالثها: الترديد بالقرائن،

و المراد به تكرير اللفظ أو استعماله مقرونا بالقرينة المستقلّة في الدلالة على المعنى، للتنبيه على الوضع الثابت فيما بينهما، و هذا هو السديد من تعريفه، لا ما قيل من أنّه تكرير الاستعمالات المقرونة بالقرائن الدالّة على أنّ المقصود من هذا اللفظ هو هذا المعنى، و لا ما قيل أيضا من أنّه استعمال اللفظ متكرّرا مع القرينة الموجبة لفهم المقصود، و لا ما قيل أيضا من أنّه ذكر اللفظ مقترنا بالقرينة الدالّة على كون المستعمل فيه معنى حقيقيّا، فإنّه لا يخلو شي‏ء من ذلك عن شي‏ء، كما يتّضح بعيد ذلك.

و هذا الطريق طريق مألوف قطعيّ لمعرفة اللغات، و دليل معروف علميّ للتوصّل إلى حقائق الألفاظ، كما في الأطفال يتعلّمونها به، بل أهل كلّ لغة يتعلّمون لغة اخرى كالعجميّ القحّ يتعلّم اللغة العربيّة و العربيّ الصرف يتعلّم اللغة العجميّة، فإنّ تعليم هؤلاء ممّا لا يتأتّى بل لا يتيسّر إلّا بهذا الطريق، لتعذّر التصريح بالنسبة إلى من لا يعلم شيئا من لغة المعلّم أو ممّن لا يعلم شيئا من لغة المتعلّم، فهو مع كونه قطعيّا- كما هو المصرّح به في كلام غير واحد- ممّا لا يمكن القدح فيه و في طريقيّته، غير أنّه ربّما يتوجّه الإشكال من جهته في أمرين:

أحدهما: فتح باب السؤال على الاصوليّين، حيث إنّ الأكثرين من فحو لهم من العامّة و الخاصّة لم يتعرّضوا لذكر هذا الطريق في باب البحث عن الطرق المثبتة للوضع، بل لم يذكره هنا إلّا بعض الأواخر و إنّما أشاروا إليه في غير هذا الباب، كما في مسألة الحقائق الشرعيّة عند دفع احتجاج النافين لها بأنّ الألفاظ المتنازع فيها لو وضعها الشارع لمعانيها الشرعيّة لفهّمها المخاطبين ... إلى آخره، فإن كان ذلك يصلح طريقا فلم أهملوه في باب الطرق، و لم يدرجوه فيها عند التعرّض لذكرها، و إن كان لا يصلح طريقا فلم أشاروا إليه و اعتبروه و حكموا بكونه قطعيّا عند دفع الاحتجاج المشار إليه.

و ثانيهما: القدح في كبرى هذا الطريق، من حيث إنّ المستفاد من كلماتهم كما يشعر به التعريفات المتقدّمة، و هو المعلوم ضرورة بملاحظة مجاري هذا الطريق،

13

لزومه استعمال اللفظ و كون الاستعمال باعتبار القرينة و تضمّنه تفهيم المعنى بواسطة القرائن، على معنى افتقار التفهيم إلى مراعاتها.

و قد تقدّم أنّ أمارة الوضع و الطريق الموصل إليه لا بدّ و أن يكون من لوازمه و الآثار المترتّبة عليه.

و لا ريب أنّ لزوم كون الاستعمال باعتبار القرينة، و افتقار تفهيم المعنى إلى مراعاتها من لوازم المجاز، فكيف يصلح طريقا إلى الحقيقة و كاشفا عن الوضع.

و بالجملة، ما هو من لوازم ضدّ الشي‏ء لا يعقل كونه طريقا موصلا إلى ذلك الشي‏ء، و إلّا وجب كون الاستعمالات المجازيّة عند العالمين باللغة الحاصلة باعتبار القرائن بأسرها من علائم الحقيقة في نظر الجاهل، و إنّه بديهيّ البطلان.

فإن قلت: فرق واضح بين ما هو من لوازم المجاز، و ما هو المعتبر في مورد هذا الطريق، كما يعلم ذلك بملاحظة ما تقدّم عند البحث فيما يتعلّق بالوضع، من أنّ الدلالة على المعنى و فهمه من اللفظ مشروط بالوضع و العلم به، فالافتقار إلى مراعاة القرينة في تفهيم المعنى قد يكون من جهة انتفاء الشرط الأوّل، و قد يكون من جهة انتفاء الشرط الثاني.

و لا ريب أنّ لازم المجاز هو الأوّل، و المعتبر في المقام هو الثاني، و هو من الآثار المترتّبة على الوضع عند العالم به، إذا أراد تفهيم الموضوع له للجاهل به، فينهض بالنسبة إليه أمارة على الوضع و طريقا موصلا إليه.

قلت: قيام الفرق بينهما بحسب الواقع كما هو مسلّم، لا يقضي بتبيّن كونه عند تعريف الوضع بالترديد بالقرائن من قبيل الثاني في نظر الجاهل، لينهض طريقا موصلا له إلى الوضع، فكلّ استعمال مع القرينة إذا عثر عليه الجاهل فهو محتمل عنده كونه من قبيل الأوّل، و كونه من قبيل الثاني، و قضيّة ذلك أن لا يتوصّل به إلى الوضع أصلا.

فإن قلت: إنّ القرينة إنّما تعتبر هنا لإعلام الوضع، كما هو مفاد الأخير من التعريفات المتقدّمة، لا لإفادة المعنى كما هو لازم المجاز.

14

قلت: مع أنّه خلاف ما يساعد عليه النظر، كونه كذلك بحسب الواقع لا يجدي كونه كذلك بحسب نظر الجاهل الناظر في الأمارة، فيحتمل في نظره حينئذ كون القرينة إنّما اعتبرت لإفادة المعنى على قياس ما هو الحال في المجازات.

فالّذي يختلج بالبال في دفع السؤال و حلّ الإشكال معا، أن يقال: بمنع أنّهم أهملوا هذا الطريق، بل أدرجوه في تنصيص أهل اللغة الّذي ذكروه في باب الطرق، بدعوى: أن يكون مرادهم منه ما يعمّ الترديد بالقرائن أيضا، بناء على أنّه في موارده قائم مقام التنصيص بالمعنى المعهود المتعارف، فيكون هو بالنسبة إليه من باب البدل الاضطراريّ، و إن كان بالقياس إلى القدر الجامع الّذي يراد من التنصيص المطلق معتبرا من باب الفرديّة.

و توضيحه: إنّ الوضع- على ما بيّنّاه سابقا- نسبة بين اللفظ و المعنى، فالعلم بها الّذي هو عبارة عن الإذعان لتلك النسبة، مسبوق بتصوّرها و تصوّر طرفيها اللفظ و المعنى، و للتنصيص باعتبار موارده بالنظر إلى هذه القاعدة صور كثيرة، لأنّ الجاهل بلغة إذا ورد أهلها قد يكون بحيث يتصوّر معنى بعينه، و يجزم بوضع لفظ بإزائه عندهم و لكن لا يعرفه بعينه، فيؤدّون إليه عند تعريف الوضع بالتنصيص ما يعيّن اللفظ، و قد يكون بحيث يتصوّر لفظا بعينه و يجزم بوضعه عندهم لمعنى لا يعرفه بعينه، فيؤدّون إليه ما يعيّن المعنى، و قد يكون بحيث يتصوّر لفظا بعينه و معنى كذلك مع الشكّ في الوضع بينهما، فيؤدّون إليه ما يزول هذا الشكّ و يرفعه، و قد يكون غافلا بالمرّة فيؤدّون إليه ما يوجب تصوّر الطرفين و النسبة بينهما و الإذعان لتلك النسبة.

و هذا كلّه حيث يتمكّن أهل اللغة من التأدية بما يفيد المطلب من الألفاظ و يتمكّن الجاهل من استفادة المطلب من الألفاظ المؤدّات إليه، و قد يتعذّر ذلك بعدم تمكّن الجاهل من الاستفادة من شي‏ء من ألفاظ شي‏ء من ألفاظ شي‏ء من اللغات، كالطفل في أوائل تعلّمه اللغة، أو بعدم تمكّن أهل اللغة من التأدية بما يتمكّن الجاهل من الاستفادة منه، و عدم تمكّن الجاهل من الاستفادة ممّا يتمكّن أهل اللغة من التأدية

15

به من ألفاظ لغتهم، كالعربيّ القحّ الّذي لا يعرف شيئا من ألفاظ اللغة العجميّة، و العجمي القحّ الّذي لا يعرف شيئا من ألفاظ اللغة العربيّة إذا أراد أحدهما أن يتعلّم لغة صاحبه، فإنّ المعلّم في مثل هذا الفرض لا يتمكّن من التأدية بألفاظ لغة المتعلّم، الّذي هو أيضا لا يتمكّن من الاستفادة من ألفاظ لغة المعلّم، فعادة الناس في مثل ذلك جارية بإقامة الترديد بالقرائن مقام التنصيص بالنحو المتعارف، المتضمّن لأداء المطلب بألفاظ من لغة المعلّم أو المتعلّم، تدلّ على الوضع بأحد الوجوه المتقدّمة، و على المعنى المطلوب وضع اللفظ بأزائه.

و كيفيّته حينئذ على ما يشاهد بالوجدان، إنّه يقام من القرائن ما يستقلّ في الدلالة على المعنى مقام الألفاظ الدالّة عليه، الّتي يتضمّنها التنصيص بالنحو المتعارف لإحضار ذلك المعنى في ذهن الجاهل، طلبا لحصول تصوّره الّذي كان يستلزمه العلم بالوضع، ثمّ يذكر اللفظ المطلوب إعلام وضعه لذلك المعنى مقارنا للقرينة المذكورة، و يكرّر ذلك اللفظ أو استعماله ليوجب أصل ذكره إحضاره في ذهن الجاهل، طلبا لحصول تصوّره المعتبر في العلم بالوضع، و اقترانه بالقرينة تصوّر النسبة بينهما مع الإذعان لها، و تكرّره رفع الغفلة عن الجاهل أو رفع احتمال كون ذكره من باب سبق اللسان، أو من باب الهزليّة أو من باب المقارنات الاتفاقيّة، أو غير ذلك ممّا يمنع احتماله عن حصول الجزم بالنسبة.

و لا ريب أنّ الترديد بالقرائن حيثما انعقد و استكمل الامور المذكورة كان طريقا قطعيّا إلى الوضع كالتنصيص، كما نصّ عليه الجماعة في مسألة الحقيقة الشرعيّة، و لا يتفاوت الحال فيه بين كون الناصب لهذا الطريق إعلاما للوضع من قحّ أهل اللسان الّذين يستشهد بكلامهم، أو من خارج لسانهم المطّلع على أوضاعهم، و العارف بحقائقهم عن مجازاتهم من جهة شدّة مخالطته لهم، و كثرة مزاولته في محاوراتهم، فما سبق إلى بعض الأوهام من الفرق بينهما بكون الترديد من الأوّل مفيدا للقطع، و من الثاني مفيدا للظنّ ليس على ما ينبغي، و لا يشترط في ذلك تعدّد الناصب له المستعمل للفظ، كما قد يتوهّم أيضا.

16

و إذا كان مراد الأكثرين من تنصيص أهل اللغة الّذي تعرّضوا لذكره في باب الطرق ما يعمّ ذلك، اندفع عنهم السؤال المتقدّم، كما اندفع بما ذكرنا إشكال القدح في كبرى هذا الطريق، من حيث إنّ القرائن الّتي تلتزم بها في هذا المقام، إنّما تعتبر إقامة لها مقام الألفاظ الّتي يعبّر بها عن المعنى الموضوع له عند إعلام الوضع بطريق التنصيص بالنحو المتعارف، و ليس حالها كحال قرائن المجاز لاستقلالها في الدلالة على المعنى، و عدم كون اللفظ المقترن بها مقصودا به إفادة المعنى بخلاف قرائن المجاز، فإنّ الدلالة على المعنى ثمّة مقصودة من اللفظ باستمدادها مع عدم استقلالها في الدلالة لولاه، فعلم بما قرّرناه امور:

أحدها: إنّ الدلالة على الوضع هنا قائمة باقتران اللفظ بالقرينة المستقلّة في الدلالة على المعنى، و إنّها من باب الدلالة الالتزاميّة الإيمائيّة و التنبيهيّة، لوضوح أنّ الانتقال إلى الوضع مع ملاحظة استقلال القرينة في الدلالة على المعنى إنّما يحصل من جهة أنّه لولا كونه مقصودا لبعد اقترانه بها عرفا.

و ثانيها: إنّ اللفظ المذكور هنا لا يقصد به الدلالة على المعنى، و لا إعلام الوضع به، بل يقصد به إحضاره في ذهن الجاهل طلبا لتصوّره.

و ثالثها: إنّ القرينة المعتبرة هنا لا يقصد بها إعلام الوضع، بل إفادة المعنى على الاستقلال، و بذلك كلّه يتبيّن وجه خروج التعريفات الثلاث المتقدّمة عن السداد، و عدم خلوّ شي‏ء منها عن شي‏ء حسبما أشرنا إليه.

و رابعها: وجه الفرق بين التنصيص بالنحو المتعارف و بين هذا الطريق الّذي هو بدل عنه، فإنّه طريق لا ينفع في حقّ الأجنبيّ الّذي لا يعرف شيئا من اللسان، مع عدم اعتبار التكرير فيه.

و رابعها: نقل نقلة متون اللغة المعبّر عنه بقول اللغويّين،

كالخليل و الأصمعي و ابن أثير و أبي عبيدة و غيرهم، فإنّه الطريق الغالب المعوّل عليه فيما بين العلماء الأزكياء و الفضلاء الادباء، يرجع إليه في معرفة الأوضاع و التمييز بين الحقائق و المجازات غير أنّه يمتاز عمّا عداه من الطرق المتداولة في انطباق كبراه على‏

17

تقدير الثبوت على الثمرة المطلوبة من وضع الطرق، و هو استعلام حال خطاب الشرع، لمكان اختصاصه بألفاظ لغة العرب الّتي هي موضع تلك الثمرة، بخلاف سائر الطرق فإنّ كبراها عامّة تجري في سائر اللغات أيضا، فلا بدّ في أخذ الثمرة عنها من أخذ موضوع الصغرى من ألفاظ لغة العرب.

ثمّ إنّ هذا الطريق إنّما يحتاج إليه في استعلام أوضاع موادّ ألفاظ هذه اللغة، و أمّا معرفة أوضاع هيئآتها مفردة و مركّبة- كصيغتي الأمر و النهي، و الجملة الشرطيّة و نحوها- فتكفي في حصولها معرفة هيئآت سائر اللغات، لما هو معلوم بحكم الضرورة و الاستقراء القطعيّ كون اللغات المتخالفة باعتبار أوضاع هيئآتها ألفاظا مترادفة، و التباين إنّما حصل فيها باعتبار موادّها، فالحاصل إذا ثبت في الهيئآت المذكورة من اللغة الفارسيّة أو التركيّة أو الهنديّة كونها للإيجاب و التحريم و الانتفاء عند الانتفاء، فهو في معنى ثبوت كون صيغتي الأمر و النهي و الجملة الشرطيّة من اللغة العربيّة أيضا لهذه المعاني على سبيل الجزم، و لا حاجة معه إلى تكلّف النظر في قول اللغويّ.

نعم معرفة موادّ اللغة الفارسيّة أو التركيّة أو غيرها لا تغني عن معرفة موادّ لغة العرب.

ثمّ قول اللغوي في مثل «الصعيد: وجه الأرض» ليس المراد منه مجرّد اللفظ و العبارة، بل الرأي و الاعتقاد بمؤدّاهما، و لو اريد اللفظ و العبارة فإنّما يرادان باعتبار كشفهما عن الاعتقاد بالمؤدّى.

و بالجملة مناط الكلام اعتقاد اللغويّين، الّذي يكشف عنه الألفاظ الصادرة عنهم في مقام بيان المعاني و الأوضاع.

ثمّ إنّه لا ينبغي التكلّم في اعتبار قول اللغوي من باب كونه طريقا إلى الواقع، على معنى استلزامه كون المعتقد هو الواقع، حتّى يكون العلم به إحرازا للواقع نفسه، لوضوح أنّ الطريقيّة بهذا المعنى فرع على الملازمة الواقعيّة بينه و بين الواقع، و قد علمنا انتفاءها لقضاء الضرورة بجواز الخطأ على غير المعصوم، و إنّما يستحيل‏

18

تخلّف الواقع عن الاعتقاد في مظانّ العصمة لأدلّة العصمة، مع قضاء الوجدان عند النظر في قول لغويّ بالتزام التحرّي لاعتبار أمر زائد عليه، من تواتر أو تظافر أو اعتضاد بقرائن خارجيّة و شواهد عرفيّة ليفيد بإعانته العلم، و هذا من آثار انتفاء الملازمة الواقعيّة، مع أنّ ملاحظة ما قيل في أئمّة اللغة من الموهنات و القوادح، مثل التقصير في الاجتهاد أو البناء على أصل فاسد من قياس و نحوه، كما نقل عن المازني أنّ ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، و كون الغالب عليهم انتفاء العدالة بل و فساد المذهب، فلا يؤمن عليهم من تعمّد الكذب و الوضع إذا تعلّق به بعض الأغراض الفاسدة، كما عن روبة و ابنه إنّهما ارتجلا ألفاظا لم يسبقا إليها.

و عن الأصمعي، إنّه نسب إلى الحذاعة زيادة ألفاظ ممّا يمنع عن انكشاف الواقع لمجرّد قول لغويّ، و هذا كلّه آية انتفاء الملازمة، فجهة التكلّم في اعتباره حينئذ تنحصر في جهة الموضوعيّة، فإنّه الّذي يجوّزه العقل إمّا بحسب العرف، على معنى أنّه شي‏ء نزّله العرف و أهل اللسان الكاشف عن ترخيص الواضع منزلة الواقع بإجراء أحكام الوضع و الحقيقة و المجاز عليه، و إن تخلّف عنه الواقع بحسب الواقع، أو بحسب الشرع، على معنى كونه ممّا نزّله الشارع منزلة الواقع و إن خالفه، و على التقديرين فيجوز أن يكون مناط الاعتبار هو الذات، أعني قول اللغوي من حيث هو، أو ما هو المسبّب عنها و هو الظنّ الحاصل منها المتعلّق بالوضع أو الحقيقيّة أو المجازيّة، و لأجل ذا اختلفت الأنظار و اضطربت الآراء في حجّيته و عدمها، حتّى حصلت بينهم أقوال مختلفة، على ما عثرنا عليه من المحقّق و المحكيّ.

فقيل: بكونه حجّة و إن لم يفد الظنّ.

و قيل: بعدم كونه حجّة و إن أفاد الظنّ.

و قيل: بكونه حجّة إن أفاد الظنّ.

و قيل: بعدم كونه حجّة إلّا إذا انسدّ باب العلم، و لم يظهر منه أنّ المراد انسداد باب العلم في اللغات خاصّة و إن انفتح في الأحكام الشرعيّة، أو في الأحكام خاصّة و إن انفتح في اللغات، أو فيهما معا، و لكلّ وجه من الأدلّة الآتية.

19

و كيف كان، فالأقوى وفاقا لبعض مشايخنا العظام‏ (1) هو القول الثاني، و عليه الفاضل النراقي في مناهجه، و إن كان القول الثالث هو المشهور المدّعى عليه الإجماع على حدّ الاستفاضة، و من جملة ذلك ما عن العضدي من أنّا نقطع إنّ العلماء في الأعصار و الأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد، كنقلهم عن الأصمعي و الخليل و أبي عبيدة و سيبويه.

و ما عن المدقّق الشيرواني من أنّ المعنى اللغوي خرج عن قاعدة اعتبار القطع في الاصول بالإجماع، حيث لم يزل العلماء في كلّ عصر يعوّلون على نقل الآحاد في اللغة، كالخليل و الإصمعي و لم ينكر ذلك أحد عليهم من العصر السابق و اللاحق، فصار ذلك إجماعا.

و هذا الخلاف كما ترى و إن انعقد في قول اللغوي أو الظنّ الحاصل منه، غير أنّ الأولى أن يؤخذ العنوان على الوجه الأعمّ بالبحث عن حجيّة مطلق الظنون المتعلّقة باللغات، و إن حصلت من غير جهة قول اللغوي، كما صنعه بعض المشايخ و قبله بعض الأعاظم ليعمّ فائدته سائر الطرق و الأمارات ممّا لم يثبت فيه الملازمة إلّا بطريق ظنّي، أو لم يكن الملزوم محرزا إلّا بطريق ظنّي، كالتبادر الظنّي و نحوه مثلا، و معلوم أنّ المانع هنا في فسحة عن تجشّم الاستدلال، لكونه مستظهرا فلا يطالب بالدليل، بل التشبّث بالدليل من وظيفة مدّعي الحجيّة، لوضوح أنّ دعوى كون قول اللغوي أو الظنّ الحاصل منه أو مطلق الظنّ في اللغات ما نزّله العرف أو الشرع منزلة الواقع و إن لم يصادفه بحسب الواقع، بنفسها و بأعلى صوتها تنادي بلزوم مطالبة الدليل من مدّعيها، و مع ذلك فللمانع أن يستند لمنعه إلى أصل كلّي مقطوع به مقتضى لعدم الحجّية إلّا ما أثبته الدليل بخصوصه، على كلا الاعتبارين من اعتبار الحجيّة بحسب العرف و اعتبارها بحسب الشرع.

أمّا الأوّل: فلأصالة التوقيف في اللغات بالنسبة إلى جميع الجهات الراجعة إليها، من أوضاعها و مجازاتها و قرائنها و كيفيّة استعمالاتها.

____________

(1) هو الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه اللّه).

20

و أمّا الثاني: فلأصالة منع العمل بالظنّ في الامور المتعلّقة بالشرع، المستفادة من القاطع، فإنّ الأدلّة من العقل و الكتاب و السنّة و الإجماع بل الضرورة متطابقة عليه.

و دعاوى الإجماع بل الضرورة في كلام أساطين العلماء متكاثرة فيه، كما ستقف على تقريره و تقريب أدلّته مفصّلا في محلّه، و لأجل كون القول بالحجيّة واردا على خلاف الأصل المقطوع به، و اضطر أصحابه إلى الاحتجاج بوجوه كثيرة مرجعها إلى أقسام:

قسم، ما لو تمّ لقضى بها بحسب العرف.

و قسم، ما لو تمّ لقضى بها بحسب الشرع من باب الظنّ الخاصّ.

و قسم، ما لو تمّ لقضى لها عرفا من باب الاضطرار إلى العمل به خاصّة.

و قسم، ما لو تمّ لقضى بها شرعا من باب الاضطرار إلى العمل بمطلق الظنّ في الأحكام.

فمن حججهم: بناء العقلاء كافّة من جميع الملل و الأديان في جميع الأمصار و الأعصار من لدن أبينا آدم إلى يومنا هذا، فإنّ بنائهم مستقرّ على العمل بالظنون المتعلّقة بأوضاع الألفاظ و تشخيص الظواهر من كلّ لغة و اصطلاح، كما يشهد به اعتمادهم في إثبات اللغات على التبادرات و الترديدات بالقرائن، و أخبار الآحاد الّتي ليست إلّا طرقا ظنّية.

و هذا الوجه كما ترى لو تمّ لقضى بالاعتبار بحسب نظر العرف المنتهي إلى الواضع، لكون بناء العقلاء في أمر اللغات ممّا يكشف عن إذن الواضع و رضاه، غير أنّه في الضعف و الوهن بمثابة بيت العنكبوت بل أوهن منه، فإنّه دعوى غير مسموعة لمكان القطع بكذبها، فإنّا لم نعهد عن أحد من العقلاء و لا واحد من آحاد أهل كلّ لسان إنّه معتمد في لغته أو في شي‏ء من ألفاظ لسانه على الظنّ، على معنى التزامه بالوضع الظنّي الحقيقي أو المجازي، بإجراء أحكامه العرفيّة أو الشرعيّة عليه.

21

كيف و هذا البناء لو كان مستقرّا و هذا العمل لو كان ثابتا لشاع و ذاع، بحيث يعرفه كلّ أحد عن صاحبه، و يعهده عن نفسه و عن غيره من معاشريه و أهل لسانه، على قياس ما هو الحال في العمل بالظواهر لتشخيص المرادات و إحراز الدلالات، و المنصف يجد عند مراعاة الإنصاف و مجانبة الاعتساف أنّ ذلك ممّا لا أثر له في شي‏ء من اللغات، و لو كابر مكابر فنحن لا نجد من أنفسنا الاستناد إلى الظنّ في شي‏ء من ألفاظ اللغة المتداولة عندنا، من العربيّة أو الفارسيّة أو التركيّة- وحدانيّة أو ثنائيّة أو ثلاثيّة- و كذلك لا نجد من غيرنا من مشاركينا في تلك اللغة أنّ بناءه في عاداته و معاملاته و شرائعه على العمل بالظنّ، على معنى كون الوضع المعتبر فيه الّذي عليه مدار جميع أحكامه ثابتا في نظره بطريق ظنّي، أو قول لغوي غير مفيد للعلم على وجه يتفطّن بكونه متعمّدا فيه.

نعم استقرار بنائهم في الاعتماد على التبادرات و الترديدات بالقرائن و أخبار الآحاد أمر مسلّم لا يستراب فيه، غير انّ الاولى و الثانية من هذه الامور و نظائرها طرق علميّة حيثما احرزت بطريق علمي، و أمّا ما احرز منها بنحو الظنّ فلا يسلّم انّهم يعتمدون عليه.

و بالجملة إنّما يستند إلى هذه الطرق في محلّ العلم بالملزوم، و أمّا التبادر الظنّي فلم نعهد أحدا يستند إليه، و لو فرض الاستناد إليه في بعض الأحيان، فإنّما هو في الامور الّتي يتسامح فيها عرفا و شرعا لا مطلقا.

و أمّا أخبار الآحاد فإنّها و إن لم تكن في حدّ أنفسها مفيدة للعلم، غير أنّ الغالب فيها وجود القرائن المفيدة له، فإنّما يؤخذ ذبها في بناء العقلاء في موضع وجود القرائن لا مطلقا، إلّا في الامور المتسامح فيها.

ألا ترى أنّه لو أخبرنا عربيّ أو تركيّ أو غيرهما بوضع لفظ متداول في لغته لمعنى في موضع التعليم، خصوصا إذا كان مسبوقا بالسؤال، لحصل لنا بحكم العادة و قرائن المقام العلم بصدقه، و لا نشكّ في مطابقته للواقع.

و السرّ فيه أنّ ما يمنع عن حصول العلم بالخبر غالبا هو احتمال الخطأ و الكذب، و هما في المقام منفيّان بحكم العادة القطعيّة.

22

أمّا الأوّل: فلامتناع الخطأ عادة على أهل اللغة في أجزاء لغتهم المعتادة و اصطلاحهم المتعارف.

و أمّا الثاني: فلانتفاء دواعي الكذب في خصوص المقام.

و بالجملة: العلم الضروري بكون مبنى المحاورة في جميع اللغات و الألسنة على العلم بالأوضاع، و القطع بالموضوعات ممّا لا ينبغي إنكاره، بل المنكر له مكابر وجدانه.

و بما قرّرنا يتّضح فساد الاحتجاج على الحجّية، بأنّه: لولاها لزم سدّ باب الإفادة و الاستفادة، لانسداد باب العلم في اللغات. و كأنّ مبنى هذا التوهّم على اشتباه العمل بالظنّ في تشخيص الظواهر، بالعمل به في العمل بالظواهر.

و لا ريب أنّ المقامين بينهما بون بعيد، و على أيّ حال فدفع هذه الحجّة إنّما هو بمنع الملازمة، إذ لو اريد باللغات المسدود فيها باب العلم القدر الكافي منها في المحاورات، ممّا هو متداول في المخاطبات عند كلّ قوم في كلّ مصر من الألفاظ و المعاني، أصليّة كانت أو طارويّة، فلا ريب أنّ باب العلم بهذا المقدار بجميع جهاته و تفاصيله مفتوح لكلّ أحد من آحاد أهل كلّ لغة، و لا يجد أحد من نفسه إنّه في أقلّ قليل من أجزاء لغته المتداولة بان على الظنّ بالوضع بالتقريب المتقدّم.

و لو اريد بها المجموع من ذلك و من الألفاظ الأصليّة و غيرها المهجورين في المحاورة، فلا ريب أنّ باب العلم بأغلب اللغات بهذا المعنى و أكثرها أيضا مفتوح، لكون أكثرها ما يعلم به بملاحظة العرف و الأمارات العرفيّة المفيدين للقطع، كما هو الحال في القدر المكتفى به في المحاورة من الألفاظ و المعاني الموجودتين، و ما لا يعلم به بملاحظتهما فإنّما يعلم به بمراجعة أقوال اللغويّين في موضع تعاضد بعضها ببعض، كما لو اتّفقوا أو تعدّدوا على وجه يحصل من تعدّدهم العلم بالمطلب، و ما لا معاضد له فإنّما يؤخذ به لإفادته العلم بملاحظة قرائن المقام و شواهد الكلام، من الامور الجزئيّة الغير المنضبطة الّتي يطّلع عليها المتتبّع، فلا يبقى في المقام إلّا أقلّ قليل من الألفاظ المهجورة بأنفسها أو بمعانيها، و بانسداد

23

باب العلم في مثل ذلك و منع التعويل على النقل الغير المفيد للعلم، لا يلزم من ذكر من المحذور، لعدم مدخليّة لهذا المفروض في أمر الإفادة و الاستفادة.

نعم لو أراد الأجنبيّ عن لغة العرب أن يتعلّمها بمراجعة أقوال اللغويّين و كتبهم المتداولة، أمكن القول بعدم اتّفاق العلم له في كثير ممّا ضبطوه، بل في أكثرها بل في كلّها، مع قطع النظر عن الامور المكتنفة بها، الّتي لها دخل في إفادة العلم من التعاضد و القرائن الجزئيّة، غير أنّ ذلك أجنبيّ عن الملازمة المذكورة، و بعيد عن مظانّ الإفادة و الاستفادة كما لا يخفى.

و منها: إجماع العلماء بجميع أصنافهم قديما و حديثا من العامّة و الخاصّة، على مراجعة كتب اللغويّين و الأخذ بقولهم في معرفة معاني الألفاظ، و الاحتجاج به لقطع المشاجرات في المسائل العلميّة من غير نكير، و من دون أن يعهد من خصومهم إلّا التسليم أو السكوت أو المعارضة بقول لغوي آخر، و من دون المبادرة إلى الردّ و منع الاحتجاج، تعليلا بأنّه احتجاج بما لا عبرة به، و اعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه.

و نوقش فيه: تارة بأنّ الإجماع إنّما يعتبر لكشفه عن قول المعصوم و رأيه (عليه السّلام)، و لا يكون كاشفا إلّا في الامور الشرعيّة، و المقام أمر لغوي ليس بيانه من وظيفة المعصوم ليكون الإجماع كاشفا عن رأيه.

و اخرى: بأنّ الاجماع إنّما يعتبر إذا انعقد في زمان المعصوم (عليه السّلام)، أو كان المجمع عليه ثابتا في زمانه، و هذا الشرط في المقام منتف، لكون العمل بقول أهل اللغة أمرا حادثا من العلماء، متأخّرا حدوثه عن زمن المعصوم.

و ثالثة: بأنّ الإجماع في خصوص المقام تقييديّ لاختلاف مشاربهم في العمل، فإنّ منهم من يعمل بقول أهل اللغة لإفادته القطع، بملاحظة بعض القرائن الداخلة أو الخارجة، و منهم من يعمل به تعبّدا، و منهم من يعمل به بزعم كونه ظنّا خاصّا قام الدليل على اعتباره بالخصوص، و منهم من يعمل بزعم طروّ الاضطرار إلى العمل به، فلا إجماع على اعتباره من حيث إنّه سبب للظنّ.

24

و يمكن دفع الاولى: فأوّلا، بأنّ الإجماع قد يكون كاشفا عن حقّيّة مورده، و إن لم يكن من الامور الشرعيّة، إذا انضمّ إليه قضاء العادة بامتناع تواطئهم- مع كثرتهم و كونهم من أهل النظر و اختلاف مشاربهم- على الخطأ، نظير ما هو الحال في الخبر المتواتر المفيد للعلم بالصدق بضميمة العادة.

غاية الأمر، كون المراد به هنا المعنى اللغوي و هو الاتّفاق، دون المصطلح عليه الاصولي، و لا غائلة فيه بعد ملاحظة عدم ابتناء الاستدلال على اعتبار المعنى المصطلح عليه.

و ثانيا: بمنع عدم صلوحه للكشف عن رأي المعصوم، فإنّه إنّما يتمّ إذا اعتبر الإجماع بطريقة القدماء أو الشيخ، إذ دخول المعصوم مع المجمعين في العمل بقول اللغويّين غير معقول، كما أنّ الإجماع بطريقة الشيخ في مورد لا يجري فيه دليل اللطف غير معقول.

أمّا على طريقة الحدس عن الرضاء فلا مانع عن كونه كاشفا، و لا ينافيه عدم كون بيان الامور اللغويّة من وظيفة المعصوم، إذ ليس المراد به أنّ المعصوم ليس له هذا البيان، بل معناه أنّه ليس عليه على وجه ينافي عدمه عصمته و منصبه.

و أمّا على التقدير أنّه (عليه السّلام) بيّن شيئا من الامور اللغويّة، أو غير الشرعيّات فلا ريب في مطابقته الواقع.

و ثالثا: بمنع خروج المقام من الامور الشرعيّة، و لو باعتبار رجوعه إلى جواز العمل به فيما يرجع إلى خطابات الشارع، بل هو حكم شرعي حينئذ يكشف عنه و عن كونه مأخوذا عن المعصوم الإجماع العملي.

و دفع الثانية: بمنع تأخّر الحدوث، فإنّ بناء تدوين اللغة على ما روي، و ادّعي كونه متواترا كما في كلام بعض الأجلّة (1) إنّما حصل في المائة الثانية من الهجرة في عهد الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السّلام)، و قد شاع غاية الشيوع في المائة الثالثة.

____________

(1) هو السيّد مهدي بحر العلوم- في شرحه على الوافية-.

25

إلّا أن يقال: إنّ المبحوث عنه هو العمل بالمدوّن لا نفس التدوين، و العلم بحدوث الثاني في عصر الأئمّة لا يجدي نفعا في العلم بحدوث الأوّل فيه، بل احتمال تأخّره كاف.

و أمّا الثالثة: فيصعب دفعها، بل الظاهر و رودها لعدم ثبوت الإجماع على إحدى الجهات المذكورة، و لا سيّما ما هو محلّ البحث منها، و هو العمل بقول اللغوي الغير المفيد للعلم تعبّدا، أو من باب الظنّ الخاصّ.

هذا و لكنّ التحقيق في دفع الاحتجاج به منع أصل الإجماع، فإنّ عمل العلماء بجميع أصنافهم بقول اللغويّين و إن كان ثابتا في الجملة، لكنّه لا يجدي في ثبوت الإجماع على العمل به فيما هو محلّ النزاع، لأنّ المراد من عملهم به إمّا أن يكون هو العمل في أمر المحاورة و مقام الإفادة و الاستفادة، أو العمل به في الأحكام الشرعيّة و التكاليف الإلهيّة الّتي يعاقب فيها على العمل بغير العلم، و هو على كلا التقديرين محلّ منع.

أمّا على الأوّل: فلأنّ من العلماء من ليس من أهل لسان العرب، فهو ليس من أهل المحاورة باللغة العربيّة ليتصوّر في حقّه المراجعة إلى كتب اللغة، لينتفع بها في أمر المحاورة و مقام الإفادة و الاستفادة، و من كان من أهل هذا اللسان فحاله بالنسبة إلى المحاورة و مقام الإفادة و الاستفادة كحال عوام العرب في عدم الاحتياج إلى تلك الكتب في القدر الّذي يتمّ به المحاورة.

و أمّا على الثاني: فلأنّ الّذي يساعد عليه النظر، أنّ موارد عمل العلماء بقول اللغويّين في غير أمر المحاورة مختلفة.

منها: ما يعملون به في موضع تعاضد البعض ببعض من جهة الاتّفاق، أو التعدّد الّذي يحصل من جهته العلم بالصدق.

و منها: ما يعملون به لاعتضاده بالقرائن المفيدة للعلم، من مطابقة العرف أو مساعدة الأمارات المعمولة لتشخيص الموضوعات.

و منها: ما يعملون به في موضع يتسامح فيه، و لا يطالب فيه العلم، و لا يعاقب‏

26

على العمل بغير العلم، كما في تفسير التواريخ و الخطب و الأشعار و القصائد و المطالب الأدبيّة و الأدعية و الأحاديث الغير المتعلّقة بالأحكام الشرعيّة، و الآيات الغير الواردة في التكاليف الإلهيّة.

و منها: ما يعملون به في موضع الجدال و الغلبة على الخصم، فيستندون في إثبات المطلب إليه، لكونه مفيدا للغرض المقصود من المجادلة، و هو الغلبة على الخصم، فلا يبقى إلّا ما هو موضوع المسألة، و هو قول اللغوي الغير المفيد للعلم في الأحكام الشرعيّة، و لم يثبت إجماعهم على العمل به، و على المستدلّ إثباته و أنّى له بالإثبات.

و منها: تقرير الأئمّة (عليهم السّلام) لما روى متواترا من أنّ كتب اللغة إنّما دوّنت في عهد الأئمّة (عليهم السّلام) من دون ردعهم عنه، و إلّا لنقل إلينا لتوفّر الدواعي إليه.

و فيه: منع واضح و جواب لائح، فإنّ التقرير إنّما يجري في موارد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الردع إنّما يجب عليه (عليه السّلام) فيما لو كان محظورا، فبعدمه يستكشف عن عدم المحظوريّة، و المحظور على القول بعدم الحجّية إنّما هو العمل بقول اللغوي الغير المفيد للعلم في الأحكام الشرعيّة، و التقرير بالنسبة إليه غير ثابت، لعدم ثبوت كون العمل بقول اللغويّين و مراجعة كتبهم أمرا متداولا في عصرهم (عليهم السّلام)، و شيئا متعارفا في زمانهم، و إنّما علم التقرير بالنسبة إلى أصل التدوين، و هو ليس من العمل بشي‏ء و لا مستلزما له.

فإن قلت: إذا كان العمل محظورا فالتدوين إنّما حصل لغرض فاسد، فيكون هو أيضا فاسدا يجب الردع عنه من هذه الجهة، و المفروض خلافه.

قلت: أمّا أوّلا: فبمنع غرضيّة العمل، بمعنى كون الغاية المقصودة بالأصالة من التدوين، فإنّ تدوين كتب اللغة يجري مجرى تدوين العلوم العربيّة، المصرّح في كلامهم بعدم كون الغرض الأصلي من تدوينها استنباط الأحكام الشرعيّة، كما علم في تعريف اصول الفقه، و كونها ممّا له دخل في الاستنباط لا يقضي إلّا بكون مقام الاستنباط إنّما يترتّب عليها من باب الفائدة الغير المقصودة، و لا يلزم من‏

27

فساد فائدة من فوائد شي‏ء، فساد ذلك الشي‏ء، و إلّا كان جميع أجزاء العالم من المآكل و المشارب و الملابس و المساكن و غيرها محظورا.

و القول بأنّ الغرض من جمع اللغة، كون كتبها مرجعا لمن بعدهم من العلماء، و منهلا لمن يأتي من الفضلاء في فهم الكتاب و السنّة ليأخذوا عنها، و يصدروا عنها، و لذا اقتصر كثير منهم كأبي عبد اللّه و المازني‏ (1) و قطرب‏ (2) و أبي عبيدة (3) و ابن قتيبة (4) و البستي‏ (5) و الهروي‏ (6) و ابن الأثير (7) و غيرهم على إيراد غرائب القرآن و الحديث، أو غريب الحديث وحده، و لم يتعرّضوا لما سوى ذلك، لحصول الغرض الأصلي في اللغة بهذا المقدار، و انتفاء الفائدة المهمّة في غيره، ليس‏

____________

(1) أبو الحسن النضر بن شميل التميمي المازني النحوي البصري، كان عالما بفنون من العلم، له كتاب اسمه «غريب الحديث» و غيره من التصانيف، توفى في مسلخ ذي الحجّة سنة (204 ه. ق) [وفيات الأعيان 397: 5].

(2) هو أبو علي محمّد بن المستنير بن أحمد النحوي اللغوي البصري، مولى سالم بن زياد، المعروف بقطرب، كان من أئمّة عصره في الأدب و له من التصانيف «غريب الحديث» توفي سنة (206 ه. ق). [وفيات الأعيان 312: 4].

(3) أبو عبيد القاسم بن سلّام- بتشديد اللام- كان أبوه عبدا روميّا لرجل من أهل هراة و اشتغل أبو عبيد بالحديث و الأدب و الفقه و كان متفنّنا في أصناف العلوم من القراءات و الفقه و العربية و الأخبار، و يقال إنّه أوّل من صنّف في غريب الحديث، و له من التصانيف «الغريب المصنف» و «الأمثال» و «معاني الشعر» و غير ذلك. توفي في سنة (222 أو 223 ه ق) و قال البخاري سنة (224 ه ق). [وفيات الأعيان 60- 62: 4].

(4) ابن قتيبة: أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم، المتوفّى سنة (276 ه ق).

(5) أبو سليمان الخطابي، محمّد بن محمّد بن إبراهيم بن الخطاب البستي الشافعي المتوفّى سنة (388 ه ق).

(6) أبو عبيد الهروي: أحمد بن محمّد المتوفّى (سنة 401 ه ق) و كتابه في غريبي القرآن و الحديث أحد كتابين اعتمد عليهما ابن الأثير في تأليف كتابه.

(7) ابن الأثير: مبارك بن محمّد بن محمّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجرزي ثمّ الموصلي الشافعي، المتوفّى (سنة 606 ه ق) و اسم كتابه «النهاية في غريب الحديث» راجع مقدّمة النهاية في غريب الحديث 4: 1.

28

بمسموع، و الاقتصار على إيراد الغريبين لا ينافي كون الغرض غير جهة الاستنباط.

و أمّا ثانيا: فبمنع فساد هذا الغرض لو كان هو العمل به في موضع العلم، على معنى كون مقصودهم تحصيل القطع بمراجعة كتبهم و الاجتهاد في كلماتهم، و لو باعتبار اعتضاد بعضها ببعض، أو اعتضادها بقرائن تضمّ إليها، فرضى الأئمّة (عليهم السّلام) بذلك لصحّته، و على تقدير كون غرضهم إنّما هو المراجعة على كلّ تقدير- و لو في غير موضع القطع- فيجوز كون عدم الردع لعلمهم (عليهم السّلام) بعدم ترتّب هذا الغرض الفاسد عليه أصلا، و كون المترتّب عليه إنّما هو أمر صحيح و هو المراجعة المستتبعة للقطع إليها.

و أمّا ثالثا: فلمنع استلزام فساد الغرض فساد التدوين، إلّا إذا ساعد عليه قاعدة «حرمة مقدّمة الحرام»، أو قاعدة «حرمة المعاونة على الإثم»، و ليس شي‏ء منهما في مجراه.

أمّا الاولى، فلاشتراط كون المقدّمة في اتّصافها بالوجوب أو الحرمة من باب المقدّمة في كلّ من مقدّمتي الواجب و الحرام متّحد الفاعل مع ذبها، على معنى كونها فعلا للمكلّف بذيها، كما قرّر في محلّه.

و أمّا الثانية: فلاشتراط قاعدة المعونة على الإثم في انعقاد الحرمة، على ما قرّر في محلّه بامور:

منها، كون الإثم المعان عليه مع كونه إثما في الواقع، إثما في نظر المعاون.

و منها، ترتّبه بحسب الخارج على ما فعل من إيجاد بعض مقدّماته بقصد المعاونة، فلو أوجد ما هو من مقدّمات معصية الغير بقصد المعاونة عليها، و اتّفق عدم حصول المعصية المعان عليها في الخارج، لم يصدق عليه قضيّة المعاونة على الإثم.

نعم يصدق في حقّه قصد المعصية بالنسبة إلى عنوان المعاونة الغير المتحقّقة، فيعود الكلام إلى مسألة التجرّي، فكون هذا الفعل المقرون بالقصد المذكور محرّما

29

مبنيّ على كون عنوان التجرّي موجبا لقبح الفعل المتجرّي به، و هو خلاف التحقيق، بل غايته إنّه يوجب قبحا في الفاعل، لكشفه عن سوء سريرته و خبث باطنه، و تحقّق الشرطين في محلّ الكلام محلّ منع.

أمّا في الأوّل: فلجواز كون تدوين الكتب، إنّما حصل من أصحابها باعتقاد صحّة الغرض المطلوب منه.

و قضيّة ذلك عدم كونه محظورا عليهم، لانتفاء صدق قضيّة المعاونة على الإثم عليه.

و أمّا في الثاني: فلجواز عدم ترتّب ما هو مقصودهم على فعلهم، و إنّما ترتّب عليه ما يضادّه، و هو العمل في موضع القطع و لو بمعونة الغير، و قد علم به المعصوم (عليه السّلام) فلم يردع عنه.

و بالجملة، لم يتحقّق منهم عنوان المعاونة على الإثم، المحكوم عليه بالحرمة في النصّ و الفتوى، ليجب الردع عنه.

و أمّا رابعا: فلمنع تحقّق شروط التقرير، الّتي منها أن لا يكون لعدم ردعهم (عليهم السّلام) بعد اطّلاعهم على التدوين بالأسباب العاديّة جهة إلّا الرضاء، بانتفاء الخوف و التقيّة، و من الجائز استناد عدم الردع إلى نحو من التقيّة، خصوصا بعد ملاحظة كون أكثر المصنّفين لتلك الكتب من المخالفين.

و أمّا خامسا: فلمنع عدم الردع و العلم به، و لا قاضي بنقله إلينا، لجواز كونه من الأحكام الواقعيّة الصادرة عنهم (عليهم السّلام) المختفية علينا من جهة الحوادث.

و ربّما يمنع الاستدلال بالتقرير أيضا، بناء على العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم، بتخيّل أنّهم (عليهم السّلام) إنّما لم يردعوا عن التدوين أو عن العمل بالمدوّن، اكتفاء بورود تلك العمومات في الكتاب و السنّة، فإنّها لمن يراجعها كافية في الارتداع.

و يزيّفه: أنّ هذه العمومات من باب أدلّة الواقع، و الاكتفاء بأدلّة الواقع في مظانّ التقرير إنّما يصحّ لو كان ما اخذ فيه من الردع واجبا عليهم من باب اللطف،

30

على معنى كونه من باب بيان الوافع و إرشاد الجاهل إليه، لوجوب بيان الأحكام الواقعيّة عليهم- كما هو منصبهم- لأجل اللطف، و هو في حيّز المنع، بل الردع يجب عليهم فيما يعمّ موارد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، المخصوصين بالعالم بالأحكام الواقعيّة العاصي في عمله بترك ما علم وجوبه، أو فعل ما علم حرمته بحسب الشرع، كما نطق بوجوبه بالمعنى الأعمّ، قوله عزّ من قائل: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (1) بناء على أنّ المراد بالدعاء إلى الخير إرشاد الجاهل إلى الواقع، كما فسّر به، فحينئذ مجرّد ورود العمومات الناهية لا يكفي في سقوط تكليفهم بالردع عن المحظور مطلقا، لبقاء التكليف به من باب النهي عن المنكر، الّذي لا يغنى عنه أدلّة الواقع و لا بيان الحكم الواقعي، فعدمه في محلّ البحث- على فرض تسليمه- ينهض دليلا على انتفاء المنكريّة، لامتناع ترك الواجب على المعصوم (عليه السّلام)، فالوجه في منع الاستدلال ما ذكرناه، فاغتنم به.

و منها: قضيّة الانسداد، بتقريب: ثبوت التكليف بالأحكام المبتنية على معرفة اللغات، فلو كنّا كلّفنا فيها بالعلم بتلك اللغات لزم التكليف بما لا يطاق، لانسداد باب العلم بها غالبا، فتعيّن التعويل على الظنّ.

و ممّن اعتمد على هذا الوجه بعض الأجلّة في شرح الوافية (2) قائلا- في طيّ ذكر الأدلّة على الحجّية-: و أيضا فإنّ الحاجة ماسّة إلى قبول خبر الواحد في اللغة، لتوقّف الأحكام عليها و انسداد باب العلم بكثير منها، و مع ذلك فلو كان العلم باللغة مكلّفا به، لزم تكليف ما لا يطاق، أو سقوط التكاليف المبتنية على ما يتعذّر منه العلم على كثرتها، و حيث إنّ التكليف باق مع انتفاء العلم، فالحجّة هو الظنّ قطعا. انتهى كلامه رفع مقامه.

و دفع: بأنّ مناط حكم العقل بحجّية الظنّ إنّما هو الانسداد الأغلبيّ، الّذي هو في المقام واضح الانتفاء، لانفتاح باب العلم بأغلب اللغات، فإنّ جملة منها

____________

(1) آل عمران: 104.

(2) هو السيّد مهدي بحر العلوم (رحمه اللّه).

31

هيئاتها الّتي يمكن الوصول إلى حقائقها بمراجعة سائر اللغات، و منها موادّها الّتي تبلغ ثمانين ألف مادّة على ما قيل، و يمكن القطع بأوضاع أغلبها بالاجتهادات المنوطة بمراجعة العرف، و استعلام الأمارات من التبادر و غيره، فلا يبقى ممّا لم يقطع بها إلّا ألفاظ معدودة، قليلة بالغة نحوا من الخمسين أو أزيد.

و لا ريب أنّ مجرّد الانسداد بالنسبة إلى هذا المقدار لا يوجب حجّية الظنّ فيها.

و قد يقرّر أيضا: بمنع ما ذكر من الانسداد، لانفتاح باب العلم في أغلب اللغات الواردة في الكتاب و السنّة، لكون أكثرها ما يعلم به بملاحظة العرف و مراجعة الأمارات العرفيّة المفيدة للقطع، و ما لا يعلم بالعرف فإنّما يعلم بأقوال اللغويّين في موضع تعاضد بعضها ببعض، و ما لا معاضد له فإنّما يؤخذ به بملاحظة قرائن المقام، فلا يبقى إلّا ألفاظ قليلة، كما في خلافيّات أهل اللغة الّتي لا يعلم فيها حال العرف.

و لا ريب أنّ عدم حجّية الظنّ في هذا النحو من الألفاظ لا يستعقب محذورا لإمكان الاحتياط فيه من دون مانع عقلي و لا شرعي.

و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ قضيّة الانسداد دليل مصبّه الأحكام، و مناطه الانسداد الأغلبي و لولا هذان الأمران لم ينهض منتجا، و حينئذ فإمّا أن يراد بالوجه المذكور، أنّ الانسداد الأغلبي المفروض في الأحكام إنّما ينشأ عن الانسداد الأغلبي في اللغات و الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة، باعتبار أوضاعها و ظواهرها المستندة إلى تلك الأوضاع- أوّليّة و ثانويّة- و حيث إنّ سبيل امتثال الأحكام المنسدّ فيها باب العلم منحصر في الظنّ، فتعيّن التعويل على الظنّ في اللغات، الّذي لازمه قبول خبر الواحد فيها.

أو يراد به أنّ ما فرض في الأحكام من الانسداد الأغلبي ينشأ عن أمور منها:

ظنّيّة سندى الكتاب و السنّة مثلا في جملة منها.

و منها: ظنّية متون ألفاظهما في جملة ثانية.

32

و منها: ظنّية دلالات ألفاظهما في جملة ثالثة.

و منها: ظنّية أوضاع ألفاظهما في جملة رابعة، و حيث إنّ الظنّ فيها مطلقة لا بدّ من التعويل عليه، فلزم منه التعويل على الظنّ في الجهة الرابعة، الّذي هو في معنى التعويل على الظنّ في اللغات.

و على الأوّل فالدليل فاسد الوضع، و على الثاني غير منتج للمطلوب.

أمّا الأوّل: فلوضوح عدم انحصار الجهة المقتضية لانسداد باب العلم بمعظم الأحكام في اختلال أوضاع ألفاظ الكتاب و السنّة، بل العمدة في ذلك- بعد قلّة الطرق العلميّة- إنّما هو الاختلال في السند وجهة الدلالة و الاختلال من جهة المعارضة.

و مع الغضّ عن ذلك فيتطرّق المنع إلى دعوى الانسداد الأغلبي في اللغات، إذ المرتبط منها بالأحكام إنّما هو الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة، و لها جهتان:

إحداهما: الهيئات الموضوعة منها مفردة و مركّبة، و هي معلومة الأوضاع بمراجعة العرف و لو من غير اللغة العربيّة- حسبما تقدّم- من كون هيئآت جميع اللغات المختلفة باعتبار أوضاعها ألفاظا مترادفة.

و ثانيتهما: موادّها الموضوعة، و هي على أقسام:

منها: ما هو معلوم بمعلوميّة عرف زمان الشارع.

و منها: ما هو معلوم باعتبار كونه من الألفاظ الأصليّة الواصلة من أصل اللغة، بطريق التواتر أو التسامع و التظافر.

و منها: ما هو معلوم بمعلوميّة حال العرف، مع العلم بالمطابقة بينه و بين عرف زمان الشارع.

و منها: ما هو معلوم بمراجعة أقوال اللغويّين، في موضع العلم بالتعاضد أو مساعدة القرائن، مع العلم بمطابقته لعرف زمان الشارع.

و منها: ما هو معلوم المراد باعتبار القرائن الخارجيّة، من الأخبار المفسّرة للآيات أو الإجماع أو حكم العقل، و إن لم يعلم فيه بالوضع.

33

و منها: ما لا تعلّق له بالأحكام، فلا يبقى إلّا أقلّ قليل لم يعلم حاله باعتبار الوضع و المراد بشي‏ء من الوجوه المذكورة، فيلزم بانسداد باب العلم في ذلك انسداد بابه في قليل من الأحكام، و لا يوجب ذلك بمجرّده، تعيّن العمل بالظنّ، لعدم كون الرجوع إلى الاصول- كلّ في مورده- مستتبعا لمحذور، بل لو قيل بتعيّن العمل بالاحتياط حينئذ لم يلزم شي‏ء ممّا يلزم على تقدير الانسداد الأغلبي، و دليل الانسداد لا يتأتّى إلّا في موضع لا يمكن فيه الاحتياط، أو يوجب العسر و الحرج.

و أمّا الثاني: فلأنّ المطلوب، إثبات جواز العمل بالظنّ المتعلّق بأوضاع اللغات، باعتبار أنّه بهذا العنوان مخرج عن الأصل المقتضي لمنع العمل بالظنّ مطلقا بالدليل، و الاستدلال لا يفيده، فإنّ الظنّ المأخوذ في موضوع الأصل يندرج تحته أنواع، كلّ نوع [له‏] عنوان خاصّ يتكلّم في خروجه عن الأصل و عدمه.

منها: الظنّ في الأحكام الشرعيّة الاصوليّة.

و منها: الظنّ في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.

و منها: الظنّ في الموضوعات الصرفة، الّتي يعبّر عنها بالموضوعات الخارجيّة.

و منها: الظنّ في الموضوعات المستنبطة، باعتبار دلالاتها و تشخيص المرادات منها.

و منها: الظنّ في الموضوعات المستنبطة باعتبار أوضاعها.

و لا ريب أنّ القائل بحجّية الظنّ في كلّ من هذه الأنواع يرجع كلامه إلى دعوى خروج العمل به بعنوانه الخاصّ عن الأصل المقتضي للمنع، بالدليل المقتضي لكون الأصل الثانوي جواز العمل به مطلقا إلّا ما خرج منه بالدليل، فالمعتبر في حجّية كلّ نوع، خروجه عن الأصل بعنوانه الخاصّ، و لا يكفي فيه جواز العمل ببعض أفراد نوع معيّن من جهة الاضطرار إليه بوقوع التعبّد بنوع آخر على وجه يكون العمل به حاصلا على أنّه عمل به بعنوان هذا النوع المتعبّد به، لا بعنوان النوع الّذي هو من أفراده، فلو ثبت بالدليل مثلا جواز التعويل على الظنّ‏

34

في اصول الدين، كان الخارج من الأصل هو الظنّ بهذا العنوان، و حينئذ فلو استلزم العمل بالظنّ في اصول الدين الأخذ بالظنون الدلالتيّة لبعض ألفاظ الكتاب و السنّة المتضمّنة للمطالب الاصوليّة على وجه لم يتمّ العمل بالظنّ فيها إلّا بالأخذ بتلك الظنون، لم يكن ذلك من حجّية الظنّ في الدلالات، بتوهّم كون العمل به بهذا العنوان أيضا خارجا عن الأصل، بل العمل بها باعتبار ما ذكر عمل بالظنّ بعنوان أنّه ظنّ في اصول الدين و هو خارج عن الأصل.

و أمّا هي بعنوانها الخاصّ الممتاز عن عنوان الظنّ في اصول الدين فباقية بعد، تحت الأصل إلى أن يقوم على خروجها عنه دليل آخر، و لا يكفي فيه الدليل المخرج للظنّ في اصول الدين.

و يظهر الثمرة في الظنون الدلالتيّة المتحقّقة في غير اصول الدين، كما يظهر بالتأمّل، و حينئذ فدليل الانسداد إنّما ينهض دليلا على التعبّد بالظنّ في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة بعنوان أنّه ظنّ فيها، و حيث انّ هذا الظنّ لا بدّ و أن يكون إطمئنانيّا فلا ريب أنّ الظنّ الاطمئناني في معظم الأحكام المسدود فيها باب العلم، لا ينعقد إلّا بإحراز جميع جهات دليليّة الأدلّة الّتي عمدتها الكتاب و السنّة من الصدور وجهة الصدور و المتن و الدلالة، و الوضع بالمعنى الأعمّ ممّا هو في المجازات بالأسباب الظنّية في كلّها أو بعضها، إذا لم يكن من الظنون الّتي قام الدليل عليها بالخصوص، فإذا توقّف انعقاد هذا الظنّ على إعمال الظنون الغير الثابت حجّيتها بالخصوص في أوضاع نبذة من ألفاظ الكتاب و السنّة- كما هو القدر المسلّم ممّا يتعذّر فيه العلم- كان ذلك من باب الاضطرار إلى العمل بها من جهة تعيّن العمل بالظنّ في الأحكام، المتوقّف انعقاده على الأخذ بها، و ليس من باب حجّية الظنّ في اللغات، أو قول اللغويّين على وجه يكون أصلا ثانويّا مخرجا بالدليل عن أصالة منع العمل بالظنّ مطلقا كما هو المطلوب في المقام، و المنعقد لأجله المبحث، بل الأخذ بها على الوجه المذكور إنّما حصل بعنوان أنّه عمل بالظنّ في الأحكام، و هو الخارج عن الأصل بالدليل، و أمّا العمل بها بعنوان أنّه عمل بالظنّ‏

35

في باب اللغات و أوضاع الألفاظ فبعد باق تحت الأصل الأوّلي المقتضي للمنع.

و بالجملة، نحن نجد فرقا واضحا بين العمل بظنّ لكونه من أفراد نوع مرخّص في العمل به، و العمل به للاضطرار إليه من جهة إحراز ما هو من النوع الآخر الّذي وقع التعبّد به و تعيّن التعويل عليه.

و الفرق بين الوجهين يظهر عند عدم ثبوت التعبّد بهذا النوع، أو عدم الاضطرار على تقدير التعبّد إلى ما هو من أفراد النوع الأوّل، فإنّ العمل به حينئذ سائغ على التعبير الأوّل دون الثاني، و المطلوب في محلّ البحث إثبات حجّية الظنّ في اللغات على التعبير الأوّل، و الّذي ينتجه الدليل هو العمل به بالتعبير الثاني، و هو ليس من محلّ البحث في شي‏ء، بل ليس إلّا من باب العمل بالظنّ في الأحكام، و جوازه ليس بمحلّ الكلام.

و إن شئت قلت: إنّ هذا النحو من العمل بالظنّ إذا اضيف إلى الظنّ في اللغات كان من قبيل المستثنى في الأصل المتقدّم بالنسبة إليها، المعبّر عنه بقولنا: «الأصل في اللغات و في قول اللغويّين منع العمل بالظنّ إلّا ما خرج منه بالدليل» فالأصل غير منتقض بمجرّد خروج بعض أفراده للاضطرار إليه بانسداد باب العلم بمعظم الأحكام.

و بالتأمّل في ذلك- مضافا إلى ما سبق- يندفع ما قيل في الاستدلال على الحجّية، من أنّ الظنّ في اللغات يستلزم الظنّ بالأحكام، لوضوح أنّ الظنّ بكون «الصعيد» وجه الأرض مطلقا من قول لغوي، يلزمه الظنّ بجواز التيمّم على مطلق وجه الأرض و لو حجرا، و الظنّ بالأحكام حجّة مطلقا، فيلزمه أن يكون الظنّ في اللغات أيضا حجّة.

وجه الاندفاع أوّلا: منع كلّية المقدّمة الاولى، إذ كلّ ظنّ في اللغات لا يستلزم الظنّ في الأحكام، فإنّ من اللغات ما لا تعلّق له بالأحكام أصلا، كما لا يخفى.

و ثانيا: منع المقدّمة الأخيرة، إذ لا يلزم من حجّية الظنّ في الأحكام حجّية كلّ ظنّ في اللغات، غاية ما يسلّم منه جواز التعويل من الظنّ في اللغات على‏

36

ما حصل الاضطرار إليه من أفراد هذا النوع، إحرازا للظنّ في الحكم الّذي وقع التعبّد بنوعه، فالعمل عليه حينئذ حاصل على أنّه عمل بالظنّ في الأحكام لا غير.

و لو سلّم فهو داخل في المستثنى المأخوذ مع الأصل المقرّر بالقياس إلى الظنّ في اللغات، المقتضي لمنع العمل به إلّا ما خرج منه الدليل، فهذا الأصل باق على حاله و غير منقطع بانقلابه إلى أصالة الحجّية إلّا ما خرج بالدليل، كما هو المتنازع فيه.

و لأهل القول بالحجّية وجوه اخر، أوضح ضعفا من الوجوه المتقدّمة، فلا حاجة إلى الإطناب بإيرادها و التعرّض لما يرد عليها، فهي بالإعراض عنها أحرى،

و ينبغي ختم المسألة بإيراد امور مهمّة:

الأوّل: قضيّة ما قرّرناه من الأصل في منع العمل بالظنّ في اللغات، عدم جواز الاكتفاء بالظنّ في مباحث الألفاظ،

من المسائل الاصوليّة و مبادئها اللغويّة مطلقا، بل و في غيرها من المسائل و المبادئ الأحكاميّة بطريق الأولويّة، سواء رجع البحث فيها إلى إحراز الدلالة و تشخيص الظاهر المستند ظهوره إلى الوضع الحقيقي، كصيغة «افعل» في الإيجاب، و «لا تفعل» في التحريم و نظائرهما.

أو إلى الوضع المجازي لقرينة عامّة، كالأمر الواقع عقيب الحظر في رفع الحظر، الملازم للإذن في الفعل مطلقا، و النهي الواقع عقيب الإيجاب في رفع الإيجاب، الملازم للإذن في الترك مطلقا.

أو لقرينة خاصّة كالعامّ في إرادة الخصوص في العامّ و الخاصّ المتنافي الظاهر، أو إلى العقل الحاكم باعتبار الإطلاق بملاحظة السكوت عن ذكر القيد في معرض البيان، كالأمر المطلق الظاهر في إرادة الوجوب المطلق، بل كلّ مطلق في إرادة الإطلاق.

أو إلى ما يلتئم من الوضع الحقيقي و العقل، كالجملة الشرطيّة الظاهرة في المفهوم، بمعنى الانتفاء عند الانتفاء، حيث إنّ المفهوم فيها لا يثبت إلّا بظهورها في السببيّة التامّة المنحصرة، الّذي بالنسبة إلى تماميّة السببيّة ينشأ عن وضع الجملة أو

37

الأداة لها، و بالنسبة إلى كونها على وجه الانحصار عن إطلاق ورود الشرط في القضيّة، على معنى السكوت عن ذكر قيد آخر معه في معرض البيان، على ما ستعرف الكلام فيه.

أو إلى ما يلتئم من الوضع المجازي و العقل، كالعامّ المخصّص الظاهر في إرادة تمام الباقي، فإنّ العامّ بالنسبة إلى الباقي مجاز، و تمامه يستفاد من السكوت عن ذكر مخصّص آخر و ورود المخصّص المفروض في الكلام مطلقا.

أو لم يرجع إلى شي‏ء من إحراز الدلالة و تشخيص الظاهر في شي‏ء من الوجوه المذكورة، كجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى- مشتركا كان أو غيره- إلى غير ذلك من المباحث المتعلّقة بالألفاظ، فإنّ الكلّ من الامور المتعلّقة باللغة، فلا يكفي فيها الظنّ للأصل، و انفتاح باب العلم في الأكثر، و لو فرض منها ما تعذّر فيه العلم و كان مع ذلك ممّا لا مناص من إعماله في مقام الاستنباط، على معنى ابتناء الظنّ الاطمئناني بالحكم الشرعي على التعويل على هذا الظنّ، وجب الأخذ به لذلك بأحد الوجهين المتقدّم ذكرهما، لا لأصالة الحجّية في الظنّ في الاصول.

و على قياسه القواعد العربيّة من المطالب الصرفيّة المتعلّقة بتصاريف لغة العرب، أو المطالب النحويّة المتعلّقة بالتراكيب الكلاميّة، الحاصلة بتوارد العوامل على معمولاتها بصورها المختلفة، و وجوهها المتشتّتة، فإنّ باب العلم في أغلبها مفتوح، فلا يكفي فيها الظنّ للأصل، و إنّما يحصل العلم فيها تارة: باتّفاق أهلها، و في معناه التسامع و التظافر.

و اخرى: بكونها ممّا يرسلها العلماء إرسال المسلّمات، و يعاملون معها معاملة المقبولات.

و ثالثة، بالاستقراءات المفيدة للقطع.

نعم لو حصل الاضطرار إلى ما يتعذّر فيه العلم، كما في خلافيّات العربيّة لوقوع التعبّد بالظنّ في الأحكام المنوط إحرازه بإعمال هذه المسألة الظنّية، وجب البناء عليه بأحد التوجيهين الغير المنافي لأصالة منع العمل بالظنّ فيها.

38

و أمّا ما يستشمّ عن بعض العبائر من كون مبنى العلوم العربيّة بالنسبة إلى مقام الاستنباط على التقليد، فوضوح فساده يغني عن التعرّض لإفساده، فالحقّ أنّها امور اجتهاديّة لا يكفي فيها التقليد، و يعتبر فيها العلم فلا يكفي فيها الاجتهاد الظنّي إلّا في بعض الفروض النادرة.

و سيلحقك زيادة تحقيق للمقام في باب حجيّة الظنّ، و في باب الاجتهاد في مسألة التجزّي.

الثاني: قد علم من تضاعيف المسألة أنّ المعتبر في العمل بقول اللغوي- بمعنى اعتقاده- إنّما هو العلم،

لكن ينبغي أن يعلم أنّ المعتبر في هذا العلم إنّما هو العلم بمطابقة هذا الاعتقاد للواقع.

و أمّا أصل الاعتقاد فلا يعتبر في إحرازه العلم به أيضا، بل يكفي فيه الظنّ إذا استند إلى ظهور لفظي نشأ منه بنفسه، أو بواسطة مقدّمة خارجيّة.

و بعبارة اخرى: إنّما يعتبر العلم في كبرى قول اللغوي، و هو كون ما اعتقده مطابقا للواقع، لا في صغراه و هو كون ذلك ما اعتقده، فمهما كانت كبراه ظنّية فلا عبرة به و إن كانت الصغرى علميّة، و مهما كانت كبراه علميّة يكون معتبرا و إن كانت الصغرى ظنّية بالشرط المذكور.

و لا يقدح استلزامه لظنّية النتيجة من حيث إنّها تتبع أخسّ المقدّمتين.

و قد تقرّر أنّ الظنّ في اللغات ليس بحجّة و هذا منه، لأنّ هذا الظنّ من الظنون القائمة مقام العلم، لكونه إنّما سرى إلى النتيجة من الصغرى المحرزة بالظنّ اللفظي، و هو اللفظ الوارد في عبارة اللغوي عند بيان المعنى.

و من المقرّر- على ما سيجي‏ء في محلّه- حجّية ظواهر الألفاظ و الظنون المستندة إليها في جميع الموارد، من المحاورة و المكاتبة بعنوان المراسلة و غيرها، فصغرى هذا القياس باعتبار كون ما ينقله اللغوي قد يكون معنى متّحدا و قد يكون متعدّدا، يندرج فيها قسمان:

أمّا القسم الأوّل: [ما ينقله اللغوى قد يكون معنى متحدا]

يندرج فيه أيضا باعتبار أنّه قد يعلم باعتقاده بالحقيقيّة، و قد يظنّ به، و قد يشكّ فيه، صور ثلاث:

39

الصورة الاولى: كما إذا صرّح بالتسمية أو الحقيقيّة أو لازمها الّذي هو الوضع، أو الدلالة على المعنى بنفسه،

و لا إشكال في حجّيته حينئذ، سواء علم من العبارة أو القرائن باعتقاده الحقيقيّة مستمرّة عن صدر اللغة إلى زمن الصدور و ما بعده، أو ثابتة عن قديم الأيّام إلى زمن الصدور و ما بعده، أو مقدّمة على زمن الصدور إلى ما بعده، أو موجودة في زمن الصدور إلى ما بعده، أو متحقّقة فيما بعد زمن الصدور من دون معرفة ما قبله، أو حادثة فيما بعد زمن الصدور، أو لم يعلم منه إلّا الاعتقاد بأصل الحقيقيّة من دون معرفة شي‏ء من الاستمرار و القدم و الحدوث، و غيرها ممّا ذكر.

نعم الثمرة المطلوبة من وضع الطرق و هو استعلام حال خطاب الشرع، بحمله على ما ثبت كونه حقيقة لا يترتّب إلّا على ما عدا السادس، لكن بعد انضمام أصالة عدم النقل على الخامس و السابع كما لا يخفى، و ربّما يذكر للحكم بالاستمرار عند الشكّ فيه- كما على الأخير- وجه آخر، و هو على ما في موائد العوائد أنّ الظاهر فيما يورده اللغويّون في كتب اللغة، كونه لغة مستمرّة باقية ما لم ينبّهوا على خلافه، فإنّ الغرض الأصلي من تدوين اللغة و جمعها، كون كتبها مرجعا للعلماء في فهم الكتاب و السنّة و الآثار و الأشعار و غيرها، و مع احتمال النقل و الهجر فيما ذكروه ينتفي ذلك الغرض، و هذا ممّا لا ضير فيه و إن اختصّ بما لو لم ينكشف حاله بالقياس إلى التفاصيل المذكورة من حيث اعتقاده ببعضها أو جهله بها، و أمّا إذا انكشف أنّه لا يعتقد إلّا بأصل الحقيقيّة فلا مجرى لذلك.

الصورة الثانية: كما إذا ذكر المعنى على طريقة الحمل، أو مصدّر بلام الاختصاص،

أو كلمة التفسير أو غيره ممّا يكشف بظاهره عن دعوى الحقيقيّة، و هذا أيضا- على حسبما بيّناه- ممّا لا إشكال في الحجّية فيه، و الفروض المشار إليها بأسرها جارية هنا، و الكلام في ترتّب الثمرة و عدمها، و الحاجة إلى انضمام أصالة عدم النقل فيما يحتاج إليه، على حسبما تقدّم.

الصورة الثالثة: كما لو ذكر المعنى بعبارة توجب الشكّ في اعتقاد الحقيقيّة

40

أو اعتقاد المجازيّة، و هذا ممّا لا يترتّب عليه فائدة حجّية قول اللغوي كما هو واضح، و إنّما الإشكال في مثال هذه الصورة، و ربّما يمثّل بما لو قال: «اللفظ الفلاني يستعمل في المعنى الفلاني أو يطلق عليه» فإنّ غاية ما يعلم به بملاحظة مطابقة قوله للواقع إنّما هو وقوع أصل الاستعمال، المردّد بين كونه على وجه الحقيقة أو على وجه المجاز، فيصير حاله كالاستعمال المعلوم بطرق آخر، الّذي اشتهر كونه أعمّ من الحقيقة و المجاز.

و يمكن المناقشة فيه بالفرق بينه و بين ما حكم بكونه أعمّ، فإنّه عبارة عن أمر معنوي يعبّر عنه بلفظ «الاستعمال» و أخذ فصلا في تعريفي الحقيقة و المجاز، و كونه أعمّ لا يستلزم كون لفظه الوارد في كلام اللغوي أيضا أعمّ، لانصراف إطلاقه حينئذ- و لو بملاحظة المقام من حيث وروده في مقام التعريف- إلى دعوى الحقيقيّة، فيكشف بذلك عن اعتقاده بها، و قد يستظهر دعوى الحقيقة في مثل ذلك بوجهين آخرين:

أحدهما: قاعدة إلحاق النادر بمورد الغالب.

و ثانيهما: استبعاد ذكره المجاز تاركا للحقيقة.

و يخدش الأوّل: إنّ مورد الغالب الّذي يلحق به النادر غير واضح المراد، فإن اريد به أنّ الغالب فيما يورده اللغويّون في كتب اللغة من المعاني كونها معاني حقيقيّة، فيلحق به النادر الّذي محلّ البحث منه، ففيه: كما أنّ الغالب على تقدير صحّة الغلبة المدّعاة كون ما يورده اللغويّون معاني حقيقيّة، كذلك الغالب تعدّد ما يوردونه من المعاني، إذ قلّما تتّفق لفظ ذكروا له معنى واحدا، فيلزم غلبة الاشتراك في اللغة و هو واضح الفساد، فإنّ ندرة الاشتراك ممّا لا ينكره أحد، بل هو في الندرة بمثابة أنكر أصل وقوعه بل إمكانه قوم.

و إن اريد به أنّ الغالب فيما اتّحد معناه كونه حقيقة فيه، فيلحق به النادر الّذي محلّ الفرض منه، ففيه: أنّ كبرى هذه الغلبة ممّا لا إشكال فيه، و لا يمكن إنكارها بل لا يوجد لفظ اتّحد معناه إلّا و هو حقيقة فيه، لكن صغراها في حيّز المنع، فإنّ‏

41

غاية ما هنالك أنّ اللغوي لم يذكر له إلّا معنى واحدا كما هو المفروض، و هو لا يقضى بانحصار معناه فيه بحسب الخارج، لجواز أن يكون له معنى حقيقيّا لم يتعرّض له اللغوي اعتمادا على اشتهاره و معروفيّته، و إنّما تعرّض لذكر المجاز لخفائه باعتبار ندرة الاستعمال فيه، و كم من هذا القبيل في كلامهم، فتراهم كثيرا مّا يذكرون اللفظ بعنوان أنّه معروف من غير تصريح بذكر معناه المعروف، بل ربّما يقتصرون عند ذكر اللفظ بإيراد مستعملاته، أو موارد استعماله في الكتاب و السنّة أو غيرهما، من دون ذكر معناه الأصلي، لا بعنوان التصريح و لا بعنوان وصف المعروفيّة، مع إمكان عدم اطّلاعه بالحقيقة، كما إذا لم يكن من أهل لسان العرب، و لم يحصل له من التتبّع ما يؤدّيه إلى تعيين الحقيقة.

و ما يقال: في دفعه بعدم إمكانه، حيث إنّ معرفة المجاز فرع معرفة الحقيقة.

يدفعه: أنّ المستحيل إنّما هو تحقّق المجاز في الخارج من دون وضع، و أمّا تحقّقه في الذهن من دون معرفة الموضوع له بعينه فليس بمستحيل، كما هو واضح، و بما ذكر يندفع الاستبعاد المذكور، فإنّ ذكر المجاز مع ترك الحقيقة ليس بعزيز الوجود في كتب اللغة، بل المتتبّع يشهد بشيوعه، فطريق الاستظهار مقصور على ما نبهنا عليه، فإنّ دعوى الانصراف- حسبما قرّرناه- ليس خروجا عن الإنصاف، كما يجده المجانب عن الاعتساف.

و أمّا القسم الثاني: [فيما إذا كان ما ينقله اللغوي معنى متعددا]

فيندرج فيه أيضا صور:

إحداها: أن يوجد في عبارته الصادرة عند بيان المعاني المتعدّدة ما يكشف بصراحته أو ظهوره عن اعتقاده بالحقيقيّة في البعض و المجازيّة في الآخر،

كأن يقول: الأسد حقيقة في المفترس و مجاز في الشجاع، أو إنّه اسم للمفترس و يستعار أو يكنّى للشجاع، أو إنّه يدلّ على المفترس بنفسه و يستعمل في الشجاع لعلاقة أو للمناسبة، أو يقول: إنّه المفترس أو إنّه للمفترس و قد يستعمل في الشجاع، أو قد يطلق عليه أو قد يأتي أو قد يجي‏ء له، و هذا ممّا لا إشكال فيه من حيث الحجّية و لا من حيث حصول الثمرة، إلّا في بعض الفروض- على حسبما ما تقدّم ذكره- فإنّ الفروض السبعة المشار إليها آتية هنا.

42

و ثانيتها: أن يوجد في العبارة ما يكشف عن اعتقاده بالحقيقيّة في الكلّ،

و لازمه ثبوت الاشتراك فيعامل معه معاملة المشتركات، ففي أخذ الثمرة يتحرّى في طلب القرينة المعيّنة للمراد، و مع تعذّرها يتوقّف.

و ثالثتها: أن لا يوجد في العبارة ما يقضي بإحدى الصورتين المتقدّميتن،

فالوجه فيه أنّه يرجع إلى مسألة تعارض الاشتراك مع الحقيقة و المجاز، و لتحقيق الكلام فيها و تفصيل القول فيما هو أولى منهما محلّ آخر، يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و على تقدير الحكم بأولويّة المجاز، فالمحكوم بالحقيقيّة فيه إنّما هو أحد المعاني المفروضة و إن كثرت كما هو واضح، و أمّا تعيين ذلك الواحد فلا بدّ له من معيّن خارجي.

و في كلام غير واحد من أجلّة الاصوليّين، الحكم في التعيين بكون المقدّم ذكره من المعاني هو الواحد المحكوم بكونه حقيقة، و هذا ممّا لم يعلم له مدرك يعتمد عليه، عدا ما في كلام بعضهم من الاستناد إلى الاستبعاد، فإنّ تقديم المجاز على الحقيقة بعيد عن ذوي البصائر، سيّما بعد ملاحظة ما قيل من شدّة اهتمامهم بضبط الحقائق، و كثرة ما يترتّب عليها من الفوائد، الّتي منها الوصول إلى التجوّز بأنحائه المختلفة.

و الإنصاف: إنّ هذا الاستبعاد لا يصلح للتعويل عليه و لا الاستناد إليه، فلو قيل بكون الأمر موكولا إلى نظر الفقيه في مظانّ الابتلاء كان أوجه.

الثالث: في تعارض النقل من نقلة اللغة،

و إنّما يحصل التعارض في مواضع الاختلاف، الّذي يقع تارة: في وصف المعنى من حيث الحقيقيّة و المجازيّة، بأن يذكره بعضهم باعتقاد الحقيقة، و البعض الآخر باعتقاد المجاز.

و اخرى: في ذات المعنى من حيث التبائن، بالمعنى المتناول للتساوي أو العموم من وجه أو مطلقا، بأن يقول بعضهم: «القرء الطهر» و «الغناء ترجيع الصوت» و «الصعيد وجه الأرض» و البعض الآخر: «القرء الحيض» و «الغناء الصوت المطرب» و «الصعيد التراب» فيقع الكلام في مقامين:

43

أمّا المقام الأوّل: [التعارض في وصف المعنى من حيث الحقيقية و المجازية]

فيختلف الحال فيه على حسب اختلاف المذاهب في حجّية قول اللغوي، أمّا على المذهب المختار من اعتبار العلم في العمل به، فلا محيص من التحرّي في طلب العلم بالمطابقة، ثمّ الأخذ بموجبه سواء صادف نقل الحقيقة أو نقل المجاز، و مع تعذّره لا محيص من الوقف.

و أمّا على مذهب من يعتبره في موضع الظنّ فالأمر منوط بحصوله، فلا بدّ من التحرّي في طلبه، و مع تعذّره في كلا الجانبين يتوقّف أيضا.

و أمّا على القول به تعبّدا فلا بدّ من التحرّي في الجمع بينهما، فإن أمكن يتعيّن عملا بدليل الحجّية، كالخبرين المتعارضين- على القول بأولويّة الجمع حيثما أمكن- و إن كان يفارقه في طريق الجمع، من حيث إنّه في الخبرين إنّما يحصل بالإخراج عن الظاهر و تطرّق التصرّف إلى أحدهما بعينه، أو إليه لا بعينه أو إلى كليهما.

و في المقام يحصل بتصديق الناقلين معا فيما اعتقدا به، و لذا لا يتوجّه هنا المناقشة الواردة ثمّة باعتبار قضاء الجمع على الوجه المذكور بطرح الخبر في الحقيقة، لو التزم به مطلقا و لو مع فقد الشاهد الخارجي، فيما يحتاج إليه من الصور المشار إليها.

و الوجه في المغايرة أنّ التعارض ثمّة إنّما يحصل لشبهة في الدلالة، مع مطابقة المدلول للواقع على تقدير إحراز الدلالة، و هاهنا إنّما يحصل لشبهة في المطابقة للواقع مع الفراغ عن إحراز الدلالة كالسند.

و ليس الجمع هنا أيضا نظير الجمع الّذي يلتزم به في مسألة تعارض الجرح و التعديل، بتقديم الجرح نظرا إلى أنّه لا يستلزم تكذيب المعدّل، من حيث إنّه يخبر عن «لا أدري» و الجارح عن «أدري» و الأوّل لا يعارض الثاني، لكون كلّ من الناقلين مخبرا عن الدراية، و لا من باب ما يأتي من طريقه في المقام الثاني من الأخذ بإثبات كلّ و إلغاء نفيه، لأنّ ذلك إنّما يعقل إذا لم يكن الخلاف في قضيّة شخصيّة كما في المقام، لكون المعنى واحدا و حصل الخلاف في وصفه، فلا يمكن‏

44

الحكم بالاشتراك كما هو قضيّة الجمع بالمعنى المشار إليه، بل هو إرجاع للنقلين إلى ما يرفع المعارضة عمّا بينهما، و إن كان يستلزم الالتزام بضرب من النقل، و إنّما يمكن ذلك فيما لو كان تاريخ أحدهما مع كونهما معلومي التاريخ- متقدّما على تاريخ الآخر، و كذا مع الجهل بتاريخ أحدهما لو اعتبرنا أصالة التأخّر في نظائر المقام، و فيما تقدّم تاريخ نقل المجازيّة يصدق الناقلان بالتزام النقل التعيّني، إذ لا يبعد كون اللفظ في زمان ناقل المجازيّة مجازا في المعنى الّذي حكم بمجازيّته، ثمّ كثر استعمالاته المجازيّة إلى ما يقرب من زمان ناقل الحقيقيّة فبلغ حدّ الحقيقة، بحيث وجده في زمانه حقيقة فيه، و لمّا كان المجاز لا بدّ له من حقيقة أو معنى موضوع له، فينهض ذلك منقولا منه سواء نقله ناقل المجازيّة أيضا، أو لم ينقله بملاحظة ما ذكرناه من جوازه.

و فيما تقدّم نقل الحقيقيّة يصدقان أيضا، بالتزام النقل الّذي قد يطرء المشترك بين المعنيين، فيما لو غلب في أحدهما على وجه زال أثر الوضع عن الآخر، لكنّه يختصّ بما لو نقل كلّ منهما معنيين، أحدهما باعتقاد الحقيقيّة فيهما، و الآخر باعتقاد المجازيّة في أحدهما، إذ لا يبعد أن يكون اللفظ في زمان ناقل الحقيقيّة مشتركا بين المعنيين فغلب استعماله في أحدهما حتّى تعيّن له خاصّة، فإذا جاء ناقل المجازيّة وجد حقيقة فيه و مجازا في الآخر من دون اطّلاع بحالته السابقة، و أمّا إذا علم تاريخهما مع العلم بالمقارنة، كما لو جهل تاريخهما فلا يمكن الجمع بوجه، و حينئذ لا بدّ من الترجيح بمراجعة المرجّحات الراجعة إلى أصل النقل، من الصراحة أو الأظهريّة في الدلالة على اعتقاد الحقيقيّة أو المجازيّة تقديما للنصّ أو الأظهر على الظاهر، فيما لو اختلف النقلان من حيث الصراحة والظهور، أو الأظهريّة و الظهور، أو إلى الناقل فيما لو تساويا من الحيثيّة المذكورة التفاتا إلى أنّ لهما من حيث الصراحة و الظهور أربع صور، حاصلة من ضربهما بالنسبة إلى نقل الحقيقة فيهما بالنسبة إلى نقل المجاز.

و من المرجّحات الراجعة إلى الناقل العدالة و كثرة العدد، و كثرة التتبّع في كلام‏

45

العرب، و كثرة المهارة في فنون الأدب، و غلبة الضبط و قلّة الخلط بين الحقيقة و المجاز، و كون الناقل مشتهرا بين العلماء و معتمدا على نقله عند الأجلّاء، و كونه عربيّا إلى غير ذلك ممّا يوجب الظنّ الغالب بأحد النقلين، و مع فقد المرجّحات، أو وجودها في كلا الجانبين على جهة التعارض مع اتّحاد النوع أو اختلافه، تعيّن الوقف كما هو واضح.

و أمّا المقام الثاني: [التعارض في ذات المعنى من حيث التباين‏]

فيختلف فيه الحال أيضا على حسب اختلاف الأقوال، فعلى المختار و كذا على مختار من يعتبره لوصفه فالأمر واضح، بملاحظة ما سبق، بل فرض التعارض على هذين المذهبين مسامحة، حيث لا يعقل التعارض بين علميّين و لا بين ظنّيّين.

و على مذهب من يعتبره لذاته فطريق العلاج فيه إنّما هو مراعاة الجمع، بمعنى تصديق الناقلين معا، على معنى العمل بكلّ من النقلين، على وجه لا يلزم منه ترك العمل بالآخر حيثما أمكن.

و لا يذهب عليك أنّ دائرة الجمع هنا أوسع منها في المقام المتقدّم، و إنّما يتأتّى ذلك بجعل اللفظ في صور التساوي و التباين و العموم من وجه مشتركا بين معنيين «فالقرء» حينئذ إمّا الطهر و إمّا الحيض، و «الغناء» إمّا الصوت المطرب أو ترجيع الصوت، و الوجه في ذلك إنّ عدم تعرّض اللغوي لذكر المعنى المتنازع فيه، إمّا من جهة عدم الوجدان و هو الغالب، أو من جهة وجدان العدم، و مورد الشكّ ملحق بالغالب، فإذا علم بملاحظة القرائن الخارجيّة كون عدم التعرّض لذكر ما لم يذكر في محلّ الاختلاف من الصور المذكورة من جهة عدم الوجدان، فالحكم بالاشتراك على الوجه المذكور أخذ بكلا القولين، غير مستتبع لشي‏ء من الطرح، و عليه فطريق الجمع في صورة العموم مطلقا إنّما هو الأخذ بالأعمّ، لأنّ العمل به عمل بنقل الأخصّ.

و قد يتوهّم: أنّ ذلك ينافي قاعدتهم المقرّرة في بحث المطلق و المقيّد من وجوب حمل الأوّل على الثاني، فإنّ مقتضى هذه القاعدة تقديم القول بالأخصّ‏

46

لأنّه مقيّد فيحمل عليه القول بالأعّم لأنّه مطلق، بل في موائد العوائد جعل احتمال الأخذ بالأخصّ وجها من وجوه المسألة استنادا إلى تلك القاعدة، و ليس في محلّه، فإنّ قضيّة حمل المطلق على المقيّد إنّما يلتزم بها لرفع الشبهة في الدلالة، و المقام ليس من مظانّ تلك الشبهة كما عرفت في المقام الأوّل، مع أنّه ممّا لا يتصوّر له معنى، فإنّ الحمل عبارة عن الحكم بكون المراد من المطلق هو المقيّد، بجعل المقيّد قرينة عليه، و إنّما يصحّ ذلك إذا كانا من كلام متكلّم واحد حقيقي أو حكمي، كما في أخبار الأئمّة الأطهار (سلام اللّه عليهم)، و لا يصلح مقيّد متكلّم قرينة على مطلق متكلّم آخر، على معنى كونه كاشفا عن إرادته المقيّد من المطلق، و توهّم أنّ الناقلين هنا إنّما يخبران عن الواضع الّذي هو واحد.

يدفعه أوّلا: إنّه إخبار مبناه على الاجتهاد، فالواقع الصادر من الواضع بحسب نفس الأمر واحد، و هو إمّا الوضع للمطلق أو الوضع للمقيّد، و حصل الاختلاف في فهمه، فلا محالة أحد النقلين خطأ عن الاجتهاد، لا انّهما معا صادران من الواضع، فيحمل أحدهما على الآخر دفعا للتناقض.

و بما قرّرناه من وجه الجمع يظهر فساد إطلاق ما قيل من أنّ الواجب في صورة التعارض، الأخذ بما اتّفق فيه القولان، و ترك ما اختلفا فيه، لأنّ اللغة توقيفيّة و التعارض يوجب التساقط، فلم يحصل التوقيف إلّا في المتّفق عليه.

و قضيّة ذلك جعل اللفظ في العامّين من وجه لمادّة اجتماعهما، و في العامّ و الخاصّ المطلقين للأخصّ، فإنّ الوجه في عدم التعرّض لذكر المعنى إذا كان هو عدم الوجدان، فلا تعارض بين القولين في الحقيقة ليوجب التساقط.

نعم لو علم من الخارج كون الوجه في عدم التعرّض هو وجدان العدم، فحينئذ يمكن الجمع أيضا بالتزام الاشتراك في الصور الثلاث المذكورة، و بأخذ القول بالأعمّ في الصورة الأخيرة، لكون القول من كلّ قائل حينئذ منحلّا إلى قضيّتين، إيجابيّة بالنسبة إلى ما أثبته، و سلبيّة بالنسبة إلى ما نفاه، و الجمع المذكور طرح للقضيّة السلبيّة عن كلّ قول.

47

و إن شئت قلت: إنّه جمع في الجملة و طرح في الجملة، و إنّه تبعيض في العمل بالقول و ترك للعمل به، و هذا المعنى من الجمع هو الّذي يعبّر عنه بالأخذ بإثبات كلّ و إلغاء نفيه.

و هل يتعيّن الجمع بهذا المعنى أيضا، أو لا بدّ في نحو المفروض من إعمال الترجيح بمراجعة المرجّحات إن وجدت و إلّا فالوقف، أو يؤخذ بما اتّفق عليه القولان و يطرح ما اختلفا فيه إن كان هناك محلّ وفاق و إلّا فالوقف، أو يتوقّف مطلقا، وجوه يظهر من غير واحد اختيار أوّلها استنادا إلى قاعدة تقديم الإثبات على النفي.

و هذه القاعدة لو ثبت لها أصل يعوّل عليه و مدرك يعتمد عليه، كان المصير إلى موجبها متّجها، فيمكن الاستناد لها إلى وجوه:

أحدها: أنّ مرجع الإثبات و النفي إلى دعوى الاطّلاع و دعوى عدم الاطّلاع، فلا يلزم من تقديم الإثبات تكذيب القول بالنفي.

و يزيّفه: أنّه خلاف المفروض في هذه الصورة.

و ثانيها: أنّ الغالب على مدّعي النفي إنّما هو الاستناد إلى الأصل بخلاف مدّعي الإثبات، فإنّه لا يستند إلّا إلى الدليل، فمرجع تعارضهما إلى تعارض الأصل و الدليل، و كما أنّ الدليل يقدّم على الأصل في محلّ المعارضة، فلذا ترى تعيّن العمل بالتبادر الكاشف عن الوضع مع قضاء الأصل بخلافه، فكذلك الإثبات يقدّم على النفي.

و فيه: أنّ النفي إنّما يستند إلى الأصل في موضع عدم الوجدان، و أمّا في موضع وجدان العدم- كما هو المفروض- فالتعارض واقع حينئذ بين الدليلين، و لا معنى لإطلاق تقديم أحدهما على الآخر.

و ثالثها: أنّ القول بالنفي في نحو محلّ البحث إنّما يطرح لعدم تناول دليل الحجّية له، و يتأكّد ذلك بملاحظة أنّ ما قام على حجّية قول أهل اللغة من الوجوه المتقدّمة أدلّة لبّيّة، يؤخذ فيها في محلّ الإجمال بالقدر المتيقّن الّذي ليس في المقام إلّا القول بالإثبات.

48

و فيه: منع القصور في الأدلّة المذكورة بالنسبة إلى النفي، بشهادة أنّه لو ادّعى أهل اللغة قضيّة سلبيّة سليمة عن المعارض يؤخذ بها بلا تأمّل.

و رابعها: أنّ تقديم الإثبات في خصوص المقام إنّما هو بمقتضى دليل الحجّية، لأنّ فيه تصديقا لكلّ من القائلين، و حكما بصدق كلا القولين، فلا مخالفة فيه لدليل الحجّية الدالّ على وجوب تصديق أهل اللغة مهما أمكن، بخلاف ما لو قلنا بالترجيح المستلزم لطرح أحد القولين بالمرّة لفقده المرجّح، و هو خروج عن مقتضى قوله: «إذا أخبرك أهل اللغة بشي‏ء من اللغة فصدّقهم» على ما هو مفاد أدلّة الحجّية مع إمكان العمل به في الجملة، حسبما عرفت.

و فيه، المعارضة بالمثل.

و توضيحه: إنّ الناقلين المختلفين إمّا أن يصدّق كلاهما في تمام الدعوى، أو لا يصدّق كلاهما في شي‏ء من الدعوى، أو يصدّق أحدهما في تمام الدعوى و يطرح قول الآخر بتمام دعواه، أو يصدّق كلاهما في النفي الّذي هو جزء الدعوى أو في الإثبات الّذي هو الجزء الآخر من الدعوى، و لا سبيل إلى الأوّل في مورد التعارض لعدم إمكانه و إلّا لزم التناقض، و لا إلى الثاني لكونه مخالفة للحجّة بلا عذر فينفيه دليل الحجّية، و لا إلى الرابع لقضائه بإخلاء اللفظ عن المعنى و هو خلاف ما علم بالضرورة و اتّفق عليه القولان من أنّ له معنى، فانحصر الأمر في الوجه الثالث و الخامس، و ليس أحدهما أولى من الآخر باعتبار مراعاة العمل بدليل الحجّية أو الخروج عنها، إذ كما أنّ تمام الدعوى من أحدهما يصدق عليه قضيّة قول اللغوي فكذلك دعوى النفي من كليهما يصدق عليه تلك القضيّة، و كما أنّ ترك العمل بتمام الدعوى لأحدهما خروج عن مقتضى قوله: «إعمل بقول اللغوي» و مخالفة له فيكون حراما، فكذلك ترك العمل بنفي كليهما خروج عنه و مخالفة له فيكون حراما.

و توهّم أنّ دليل الحجّية مقيّد بالإمكان لا محالة، و لا ريب أنّ العمل بالنفيين بعد فرض العمل بالإثباتين غير ممكن جزما، فترك العمل به ليس مخالفة للدليل ليكون حراما.

49

يدفعه: المعارضة بالمثل، فإنّ عدم الإمكان المفروض إنّما ينشأ من اتّفاق المزاحمة بين فردي هذا العنوان في مقام العمل، و كما أنّ المزاحمة متحقّقة بين الإثباتين و النفيين على تقدير بناء العمل على الإثباتين فكذلك متحقّقة بين تمام الدعوى من أحدهما و تمامها من الآخر، على تقدير بناء العمل على تمام إحدى الدعويين.

فحينئذ نقول: إنّ العمل بتمام دعوى أحدهما بعد فرض العمل بتمام دعوى الآخر غير ممكن جزما، فترك العمل به ليس مخالفة للدليل المذكور، فالمتّجه حينئذ هو الرجوع إلى الترجيح و الأخذ بتمام أحد القولين إن ساعد عليه وجود المرجّح من الامور المتقدّم ذكرها تعويلا على الأقربيّة بالنظر إلى الواقع، فإنّ قول أهل اللغة على القول المفروض من التعبّد به لذاته و إن كان لا يعتبر فيه مراعاة الأقربيّة، غير أنّ ذلك إنّما هو إذا لوحظ بطبعه و نوعه مع قطع النظر عمّا يطرئه من موجبات التحيّر في مقام العمل، و أمّا مع طرو شي‏ء من ذلك كالتعارض على ما هو مفروض المسألة فلا محيص من مراعاة الأقربيّة حينئذ، و الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع كما يرشد إليه التدبّر في بناء العقلاء في الامور الّتي يؤخذ بها من باب السببيّة المحضة، كقول أهل الخبرة في جميع الصناعات و غيره. فليتدبّر.

ثمّ إنّه لو نقل بعضهم للفظ معنى كلّيا و خالفه الآخر فذكر له ما يكون فردا له، و ثالث فذكر له ما يكون فردا آخر له، أو ذكرهما واحد بتخيّل أنّ كلّا منهما موضوع له بالاستقلال، فهل يلتزم حينئذ بتعدّد وضع اللفظ حتّى يكون له ثلاثة أوضاع، أحدها للكلّي و الآخرين لفرديه فيكون مشتركا بين الكلّي و الفرد، أو لا يلتزم إلّا بوضع واحد للكلّي الجامع بين الفردين، أو يؤخذ بذي المرجّح إن وجد، أو يتوقّف، أوجه، أوجهها الثاني على فرض عدم الوجدان، أو الثالث في صورة وجدان العدم و الوجه ما تقدّم.

و قد يطلق في اختيار الوجه الثاني قبالا للوجه الأوّل استنادا إلى الأصل، و ندرة الاشتراك بين الكلّي و أفراده، و غلبة الاشتراك المعنوي فيلحق المشكوك‏

50

فيه بمورد الغالب، مع عدم تضمّنه تكذيب أحد من الناقلين، فإنّ كلّا منهم يدّعي كون اللفظ حقيقة فيما نقله، و لا ريب في حقيقيّة اللفظ بالنسبة إلى الكلّي و أفراده إذا كان استعماله فيها من باب الإطلاق، و ضعف الكلّ بالنسبة إلى محلّ البحث واضح، و لا سيّما الأخير، فإنّ كلّا من الناقلين على تقدير وجدان العدم إنّما يدّعي الحقيقيّة الخاصّة، فلم يحصل تصديقهما بالتزام الحقيقيّة من باب الإطلاق.

خاتمة: إذا ورد عن أهل العصمة من النبيّ و الأئمّة (عليهم السّلام) نصّ في بيان أمر لغوي،

كما ورد عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) في قصة ابن الزبعري‏ (1) في كون لفظة «ما» لما لا يعقل.

و عن أبي جعفر (عليه السّلام) في وجه كون المسح ببعض الرأس، تعليلا بكون «الباء» للتبعيض‏ (2) فجواز التعويل عليه مبنيّ على العلم بالسند، أو ثبوت حجّية خبر الواحد بالخصوص، أو الاضطرار إلى العمل به من جهة الاضطرار إلى العمل بالظنّ في الأحكام، و هذا ممّا لا إشكال فيه، بل في مفاتيح السيّد (رحمه اللّه)(3): دعوى بناء الأصحاب على العمل بمثل ذلك، المؤذنة بدعوى الإجماع.

نعم ربّما يناقش فيه التفاتا إلى عدم كون بيان اللغة من وظيفتهم، و قد تقدّم منّا ما يدفعه: فإنّ هذه القضيّة ليس معناها أن ليس لهم البيان بل ليس عليهم البيان، و إذا ثبت بيانهم فلا يمكن التأمّل في اعتباره و مطابقته للواقع لمكان عصمتهم.

و أمّا لو ورد بيان اللغة في كلام فقيه أو غيره من العلماء غير أئمة اللغة ففي حجّيته الكلام المتقدّم، فعلى المختار يعتبر العلم، أو الاضطرار إلى العمل بالظنّ الحاصل منه على تقدير حصوله، من جهة الاضطرار إلى العمل بمطلق الظنّ في الأحكام.

نعم اتّفاق حصول الظنّ منه لعلّه نادر بالإضافة إلى ما حصل منه من قول أئمّة اللغة، نظرا إلى عدم خبرتهم مع ملاحظة ما يقال: من أنّ الفقيه متّهم في حدسه.

____________

(1) تفسير القمّي 2: 57.

(2) حيث قال (عليه السّلام): «إنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء» راجع الكافي 3: 30 ح 4، الفقيه 1: 56 ح 212، التهذيب 1: 61 ح 168.

(3) مفاتيح الاصول: 62.

51

خامسها: التبادر و عدمه،

فإنّ الأوّل علامة للحقيقة كما أنّ الثاني علامة للمجاز، من التبادر تفاعل من البدور بمعنى السبق و السرعة، إلّا أنّ الظاهر إنّه في الإطلاقات يرد على حدّ ما هو الحال في التقاعد، و قد غلّب في اصطلاح الاصوليّين على معنى خاصّ اختلفت كلماتهم في تعريفه، إلّا أنّ أصحّها اعتبارا و أسلمها جمعا و منعا ما أفاده العلّامة الطباطبائي في شرحه للوافية من: «إنّه فهم المعنى من اللفظ مع التجرّد عن القرينة، أو قطع النظر عنها».

و العطف تنويع لتعميم التعريف بالقياس إلى ما حصل من لفظ لم يقارنه قرينة أصلا، و ما حصل من لفظ قارنه ما لا دخل له في فهم المعنى، فإنّ كلّا منهما من المعرّف عندهم.

و ممّن وافقه على هذا التعريف، الفاضل النراقي في مناهجه‏ (1) غير أنّه أسقط القيد الأخير، و كأنّه بناء منه على أخذ التجرّد عن القرينة على وجه يعمّ التجرّد الحقيقي و التجرّد الحكمي، كما في صورة الاقتران بما لا مدخل له في الفهم، فإنّ وجود مثل ذلك بمنزلة عدمه، فمؤدّى التعريف مع القيد المذكور و لا معه واحد، و إنّما يختلف الحال بالاعتبار.

و في كلام غير واحد تعريفه: «بسبق المعنى إلى الذهن» أو «سبق الذهن إلى المعنى» و كأنّه لتوهّم كون النقل هنا من باب النقل من العامّ إلى الخاصّ.

و يشكل: بظهور عدم كون التبادر بمعناه المصطلح عليه من أفراده بمعناه اللغوي، فإنّ السبق على ما يساعد عليه الاعتبار من الأفعال المسندة إلى ذي الإرادة و الشعور، المتوقّف في تحقّقها على سابق و مسبوق، فخرج بالاعتبار الأوّل تعريفه بالعبارة الاولى، و بالاعتبار الثاني تعريفه بالعبارة الثانية.

فإذا اضيف إلى المعنى أو الذهن لا بدّ و أن يكون لضرب من المسامحة و المجاز، و قضيّة ذلك أن يعتبر النقل من المبائن إلى مثله لمناسبة الشباهة، فإنّ المعنى في انفهامه عمّا بين المعاني يشبه الشي‏ء السابق في انسباقه عمّا بين الأشياء.

____________

(1) مناهج الاصول: 15.

52

هذا مع ما في التعريف بإحدى العبارتين من تناوله المجازات، فإنّ سبق المعنى إلى الذهن كسبق الذهن إلى المعنى ممّا يصدق على فهم المعنى المجازي أيضا.

غاية الأمر، إنّه ما يحصل بمعونة القرينة، فالتعريف حينئذ مسامحة في التعبير أو وارد على خلاف التحقيق.

و أضعف منه ما في موائد العوائد من تعريفه: «بانسباق المعنى إلى الذهن بعد التلفّظ باللفظ و نحوه» مع تصريحه بانقسامه إلى الغيري، و هو ما يستند إلى القرينة الخارجة من اللفظ، و النفسي و هو ما يستند إلى كثرة الاستعمال و شيوع الإطلاق، الّذي يعلم كونه كذلك بالاستقراء أو حمل عليه ترجيحا لمعارضه الأقوى، كصحّة السلب، و الحقيقي و هو ما يستند إلى حاقّ اللفظ. و واضح أنّ علامة الحقيقة مقصور على القسم الأخير.

وجه الأضعفيّة: إنّه إن اريد أنّ علامة الحقيقة عبارة عن هذا المعنى العامّ المنقسم إلى هذه الأقسام، فيردّه: أنّ الأعمّ لا يصلح علامة للأخصّ.

و إن اريد أنّ المعنى المصطلح عليه الاصولي هو هذا المعنى العامّ، و إن اختصّت العلامة بأحد أقسامه، فيردّه: أنّ المعلوم بالتتبّع في كلماتهم انعقاد اصطلاحهم على ما يكون علامة بالخصوص، و إطلاقه في بعض الأحيان على غيره مبنيّ على التجوّز كما يرشد إليه التزام القيد.

ثمّ إنّ أكثر كلماتهم تعطي كونه من صفات المعنى، بناء على أخذ «الفهم» في مفهومه بالمعنى المصدري من المبنيّ للمفعول و هو المفهوميّة بمعنى الانفهام، كما أنّ بعض كلماتهم لا يأبى عن كونه من صفات الذهن، بناء على أخذ «الفهم» من المبنيّ للفاعل أعني الفاهميّة.

و أمّا ترجيح أوّل الوجهين تعليلا: بانتفاء ما هو من لوازم السبق الّذي هو أمر نسبي لا يتحقّق إلّا بتحقّق منتسبيه السابق و المسبوق، و إذا كان الذهن هو السابق فلا مسبوق له، و معه يستحيل حقيقة السبق، بخلافه على الوجه الأوّل إذ السابق‏