تعليقة على معالم الأصول - ج5

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
555 /
3

[تتمة المقصد الثاني في تحقيق مهمات المباحث الأصولية]

[المطلب الخامس و السادس و السابع في الأدلة الشرعية و العقلية]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[الأدلة الشرعية]

و بعد فالقول في نبذة ممّا يتعلّق بالأدلّة و ما يستتبعها من القطع و الظنّ من حيث الدليليّة و الحجّيّة و عدمهما،

و ينبغي قبل الخوض في أصل المطلب رسم مقدّمتين من باب المبادئ‏

أو لتعين في زيادة البصيرة في البحث.

المقدّمة الاولى في شرح ماهيّة الدليل و الحجّة

ببيان المهمّ ممّا يتعلّق بهذا المقام، فنقول: إنّ الدليل و الحجّة متّحدان بالذات متغايران بالاعتبار، لأنّهما بحسب الاصطلاح اسمان لشي‏ء واحد ذي جهتين:

إحداهما: كونه بحيث يهتدى به الإنسان إلى مطلوب خبري، و يتوصّل به إلى مجهول تصديقي.

و اخراهما: كونه بحيث يغلب به الإنسان على خصمه، و يلزمه على الإذعان بالمطلوب الخبري، فبالاعتبار الأوّل يقال: «له الدليل» لمناسبة أنّه من الدلالة، و هي لغة الهداية و الإرشاد، فالدليل هو الهادي و المرشد.

و بالاعتبار الثاني يقال له: «الحجّة» لمناسبة أنّ الحجّة لغة الغلبة، فهو ما يحتجّ به الإنسان على الخصم و يغلب عليه، تسمية للسبب باسم المسبّب، فهما مقولان على الشي‏ء الواحد بالتساوي لا الترادف، لمكان ما بينهما من التغاير بالاعتبارين، و لو اكتفينا في الترادف بمجرّد الاتّحاد في المفهوم و المصداق، و لم نعتبر فيه اتّحاد الجهة و الاعتبار كانا مترادفين.

ثمّ إنّ ذلك الشي‏ء الواحد عرّف عند الاصوليّين ب «ما يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى‏

4

مطلوب خبري»، و قد يزاد قيد «الإمكان»، فيقال: «ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري»، بتخيّل أنّه لولاه لم يتناول التعريف الأدلّة المغفول عنها، و فيه نظر.

و عند المنطقيّين: «بأنّه قولان فصاعدا يلزمهما لذاتهما قول ثالث» و المراد بالقول الثالث هو النتيجة المعبّر عنها في التعريف الأوّل بالمطلوب الخبري، و اعتبار القولين فصاعدا لأنّ الإنتاج الّذي هو الدلالة بمعنى الهداية و الغلبة لا يتأتّى بل لا يمكن بأقلّ من مقدّمتين يطلب في إحداهما إثبات لازم لموضوع المطلوب و هو الأصغر، و جعل ذلك اللازم في اخراهما ملزوما لمحموله الّذي هو الأكبر.

و لأجل ذا وجب اشتمال إحدى المقدّمتين على موضوع المطلوب و تسمّى «الصغرى» و اخراهما على محموله و تسمّى «الكبرى»، و لقد اشير إلى اعتبار التعدّد على الوجه المذكور في التعريف الأوّل بعبارة «النظر»، نظرا إلى كونه عبارة عن ترتيب امور معلومة.

و الأصل في اشتمال المقدّمتين على موضوع المطلوب و محموله، أنّ التوصّل بهما إلى المطلوب لا يتأتّى إلّا بأن يكون بين موضوع المطلوب و محموله أمر مشترك يكون لازما للأوّل و ملزوما للثاني، فتحرز الصغرى من ملاحظة كونه لازما للأوّل، و الكبرى من ملاحظة كونه ملزوما للثاني.

و قد جرت العادة بتسمية ذلك الأمر المشترك- لمجرّد كونه مشتركا بينهما على الوجه المذكور- بحدّ الوسط، و قد يعبّر بالوسط، أو الأوسط كالمتغيّر فيما بين العالم و الحادث في دليل حدوث العالم، فإنّه لازم للعالم و ملزوم للحادث.

هذا إذا كان تأليف القياس بطريق الشكل الأوّل، و إلّا فقد يكون الأمر المشترك لازما لكلّ من الموضوع و المحمول كما في الشكل الثاني، أو ملزوما لهما كما في الشكل الثالث، أو ملزوما للأوّل و لازما للثاني كما في الشكل الرابع.

و بما بيّنّاه علم أنّ قضيّة الاعتبار المذكور في الأمر المشترك إذا كان تأليف القياس بطريق الشكل الأوّل أن يكون الأكبر لازما للأوسط و الأوسط لازما للأصغر، و لأجل ذلك يتأتّى الإنتاج و يحصل العلم بالنتيجة، لضابطة أنّ لازم اللازم لازم، و ملزوم الملزوم ملزوم، و كأنّه من ثمّ يقال: بأنّ الشكل الأوّل بديهي الإنتاج.

و كيف كان فالعمدة من أجزاء الدليل، بل الجزء الأعظم منه إنّما هو الأمر المشترك المذكور المسمّى وسطا. و من هنا شاع في لسانهم- و لا الاصوليّين- إطلاق الدليل على‏

5

الوسط تسمية للجزء الأعظم باسم الكلّ، فيقال: إنّ دليل حدوث العالم هو التغيّر.

و من ذلك أيضا إطلاق الدليل عند الاصوليّين على الأدلّة الأربعة، و لشيوع هذا الإطلاق في لسان الاصوليّين قد يتوهّم أنّ الدليل عندهم اصطلاح في المفرد، و ليس كما توهّم بل هو مجرّد شيوع إطلاق مجازا، و قد يطلق الوسط أيضا على الدليل تسمية للكلّ باسم جزئه الأعظم، كما يقال: هذه الدعوى تحتاج إلى وسط، أي إلى دليل، و هذا الإطلاق أيضا شائع إلّا أنّ العكس أشيع.

و بالتأمّل- في جميع ما قرّرناه- يتبيّن أنّ النتيجة بعينها مندرجة في كلّ من الصغرى و الكبرى، و أنّ العلم بها مندرج في كلّ من العلم بالصغرى و العلم بالكبرى و لكن اندراجا إجماليّا.

فالفرق بين العلم بنفسها الّذي يستحصل بالنظر، و العلم بها في ضمن الصغرى أو الكبرى إنّما هو بالإجمال و التفصيل، و ذلك أنّ الحكم على العالم بكونه متغيّرا مثلا يتضمّن الحكم عليه بجميع لوازم التغيّر و منها الحدوث، فقولنا: «العالم متغيّر» يتضمّن قولنا: «العالم حادث»، و أنّ الحكم بالحادث على المتغيّر يتضمّن الحكم به على جميع ملزومات المتغيّر و منها العالم، فقولنا: «كلّ متغيّر حادث» أيضا يتضمّن قولنا: «العالم حادث» و لكن تضمّنا إجماليّا أيضا.

فالعلم بحدوث العالم في ضمن قولنا: «العالم متغيّر» و قولنا: «كلّ متغيّر حادث» إجمالي، إمّا لإجمال في محمول القضيّة، أو لإجمال في موضوعها، و إنّما يكون تفصيليّا حيث لم يكن معه إجمال في موضوع القضيّة و لا في محمولها.

و من ذلك يعلم أنّ إنتاج المقدّمتين للنتيجة عبارة عن صيرورة العلم الإجمالي المندرج في كلّ منهما علما تفصيليّا، و هو العلم بثبوت الأكبر بعنوان أنّه أكبر للأصغر بعنوان أنّه أصغر، أعني العلم بثبوت الحادث بعنوان أنّه حادث للعالم بعنوان أنّه عالم، لا العلم بثبوت الحادث بعنوان أنّه متغيّر للعالم، و لا العلم بثبوت الحادث بعنوان أنّه حادث للعالم بعنوان أنّه متغيّر.

ثمّ بالتأمّل أيضا يعلم أنّ الحجّة بالمعنى المرادف للدليل لا تطلق على القطع و لا على الظنّ، كما لا يطلق عليهما الدليل، و لا يلحقهما وصف الحجّيّة أيضا كوصف الدليليّة، لأنّ القطع أو الظنّ ما يستحصل من الدليل، و الحجّة اسم للسبب فلا يطلق على المسبّب الحاصل منها.

نعم يطلق على كلّ منهما الحجّة بمعنى آخر من الحجّيّة بمعنى وجوب متابعته، و قد

6

يعبّر عنه بوجوب العمل به، و هو عبارة عن ترتيب آثار الواقع على متعلّق القطع أو الظنّ و هو المقطوع أو المظنون به، و الحجّيّة بمعنى وجوب المتابعة ليس بعين الحجّيّة بمعنى الدليليّة و لا من لوازمها، لأنّ النسبة بينهما بحسب المورد عموم من وجه.

فالافتراق من الحجّيّة بمعنى الدليليّة في أحد المتعارضين حيث يرجّح عليه المعارض الآخر مثلا، و من الحجّيّة بمعنى وجوب المتابعة في القطع و الظنّ، و من موارد اجتماعهما ظواهر الكتاب مثلا، فيقال: «إنّها حجّة» قبالا لمن أنكر الحجّيّة كالأخباريّة، فيمكن أن يراد بها الدليليّة، في مقابلة من ينكر الحجّيّة بدعوى طروّ الإجمال لها كما عليه فرقة منهم، كما يمكن أن يراد بها وجوب المتابعة، في مقابلة من ينكر الحجّيّة بدعوى منع الشارع من العمل بها كما عليه طائفة منهم.

[في صحّة اطلاق الدليل على القطع و الظنّ‏]

ثمّ قد ذكرنا سابقا أنّ «الدليل» يطلق شائعا على الأوسط و على قياسه «الحجّة»، و هل يصحّ إطلاقها بهذا المعنى على القطع؟

قد يقال: بأنّ كون القطع حجّة غير معقول، و علّل- بما ملخّصه- أنّ الحجّة عبارة عن الوسط الّذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر، فهي ممّا يوجب القطع بالمطلوب فلا تطلق على نفس القطع، و هذا هو الّذي يساعد عليه ظاهر النظر، لما عرفت من أنّ الحجّة بهذا المعنى عبارة عن الأمر المشترك بين موضوع المطلوب و محموله، و القطع إذعان للنسبة بينهما فيتغايران.

و لكنّ الّذي يقتضيه دقيق النظر هو أن يقال: بأنّ ذلك مبنيّ على دخول القطع في موضوع الحكم المقطوع به، و وقوعه جزءا لذلك الموضوع، فرجع الكلام إلى أنّ الأحكام الشرعيّة المثبتة بالأدلّة القطعيّة هل تثبت لموضوعاتها الواقعيّة، أو لموضوعاتها المعلومة بالتفصيل؟ بدعوى دخول العلم في وضع ألفاظ موضوعات الأحكام، أو بدعوى انصراف ألفاظها في خطابات الشرع إلى المعلومات بالتفصيل، أو بدعوى قيام دليل من خارج على دخول العلم في الموضوع بحسب الجعل الشرعي.

ففي نحو قوله عزّ من قائل‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ‏ الخمر (1) إمّا أن تكون الحرمة المقطوع بها من جهة الآية ثابتة للخمر الواقعي، أو للخمر المقطوع به بإحدى الاعتبارات الثلاث.

فعلى الأوّل يقال- في الاستدلال على حرمة خمر خارجي-: هذا خمر، و كلّ خمر

____________

(1) آية في سورة المائدة: 3 و في المصحف الشريف: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...» فما في المتن سهو من قلمه الشريف.

7

حرام، فهذا حرام.

و على الثاني يقال: هذا مقطوع الخمريّة، و كلّ مقطوع الخمريّة حرام، فهذا حرام، و يظهر ثمرة الفرق فيما جهل خمريّته.

فعلى الوجه الثاني لا يثبت له الخمريّة لانتفاء جزء موضوع الحرمة، و على هذا الوجه يصحّ إطلاق «الحجّة» بمعنى الوسط على القطع، لفرض وقوعه وسطا في الدليل المذكور، باعتبار دخوله في موضوع الحكم الشرعي، بخلافه على الوجه الأوّل.

و أمّا تحقيق المقام و ترجيح أحد الوجهين فموكول إلى مباحث اخر، قد فرغنا عن إثبات ما هو الحقّ فيها، بمنع دخول العلم في مسمّيات الألفاظ بحسب الوضع، و منع انصراف ألفاظها في الخطابات إلى المعلومات، و منع قيام دليل على جزئيّة العلم لموضوعات الأحكام على الوجه الكلّي.

و حيث ثبت ذلك بدليل خاصّ، فلا إشكال في إطلاق «الحجّة» على القطع في خصوص هذا المورد لا مطلقا و التعرّض لتعيينه خارج عن وظيفة الفنّ.

و أمّا الظنّ ففي كونه حجّة بمعنى الوسطيّة ممّا لا محيص عن الالتزام به، أخذا بموجب أدلّة حجّيّة الظنّ المطلق في الأحكام، أو هي مع الموضوعات مطلقا على القول بالتعميم.

فعلى الأوّل: يقال- عند قيام دليل ظنّي بحرمة الخمر مثلا-: الخمر مظنون الحرمة، و كلّ مظنون الحرمة يجب اجتنابه، فالخمر يجب اجتنابه.

و على الثاني: يقال- عند قيام أمارة ظنّيّة بخمريّة شي‏ء-: هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب اجتنابه، فهذا يجب اجتنابه.

فإنّ هذه مخرجة عن أصالة حرمة العمل بالظنّ، و مخصّصة لأدلّتها الّتي منها الآيات الناهية عن اتّباع الظنّ، و مفاد [ه‏] وجوب متابعة الظنّ في الأحكام، أو هي مع موضوعاتها إلّا ما خرج بالدليل، و قضيّة وجوب متابعته وقوعه وسطا في الدليل المستدلّ به، لترتيب الأحكام المترتّبة على متعلّقه كوجوب الاجتناب في المثالين.

لكن ينبغي أن يعلم أنّ لمتابعة الظنّ معنيين:

أحدهما: متابعته على أنّه طريق مجعول من الشارع إلى الواقع، فوجوب المتابعة حينئذ يراد به وجوب ترتيب أحكام الواقع على المظنون، فمع مصادفته الواقع كان للمكلّف أجران، أحدهما ما يترتّب على امتثال الحكم الواقعي، و الآخر ما يترتّب على سلوك هذا

8

الطريق من حيث كونه إطاعة و انقيادا للمولى.

و ثانيهما: متابعته على أنّه من حيث هو هذه الصفة وجه و اعتبار يتبعه الحكم الشرعي الواقعي، على معنى حدوث جعله من الشارع عند طروّ هذه الصفة، و الصحيح هو الأوّل لكون الثاني من التصويب الباطل، و سيأتي تفصيل هذا المقام مشروحا في محلّه.

و بالجملة الظنّ على أوّل المعنيين واسطة لترتيب أحكام الواقع على متعلّقه، و على ثانيهما واسطة لإثبات حدوث متعلّقه، أو حدوث متعلّق متعلّقه حكما واقعيّا، فالظنّ على التقديرين حجّة بمعنى الوسطيّة.

المقدّمة الثانية فيما يتعلّق بالقطع و الظنّ من حيث الطريقيّة و الموضوعيّة.

[في القطع الطريقي و الموضوعي‏]

فليعلم أنّ الطريق بحسب الأصل هو السبيل الّذي يوصل إلى الشي‏ء، فطريق بغداد هو السبيل الموصل إلى الشي‏ء، ثمّ غلّب في الاصطلاح على الدليل الّذي يتوصّل به إلى مطلوب خبريّ، و التوصّل إليه عبارة عن القطع أو الظنّ به الّذي يحصل بالدليل.

و حاصل معناه انكشاف الواقع في نظر القاطع أو الظانّ، فالقطع انكشاف لا يحتمل معه الخلاف، و الظنّ انكشاف يحتمل معه خلاف الواقع، و لأجل ذا توسّع في الاستعمال و اطلق الطريق على نفس القطع و الظنّ، فيقال: إنّ القطع طريق إلى الواقع.

فحاصل معنى طريقيّة القطع- مثلا- بالنسبة إلى المقطوع به انكشاف الواقع فيما هو من قبيل الموضوع كالخمر مثلا، أو الحكم وضعا كنجاسته، أو تكليفا كحرمته.

و بالتأمّل: في ذلك يظهر أنّ الطريقيّة بهذا المعنى حاصل للقطع بنفسه، و ليست بجعل الشارع بل ليست قابلة للجعل، لأنّ الشي‏ء إنّما يقبل الإثبات إذا كان قابلا للنفي، و طريقيّة القطع إلى الواقع ليست قابلة للنفي لأدائه إلى التناقض، لأنّه يرجع إلى أن يقال: إنّ انكشاف الواقع ليس بانكشاف الواقع، بل يرجع ذلك إلى نفي الواقع نفسه، فالقطع بخمريّة شي‏ء أو نجاسته أو حرمته بالمعنى المذكور حكم عليه بأنّه خمر أو نجس أو حرام، و نفي طريقيّة القطع إليه حكم عليه بأنّه ليس خمرا أو نجسا أو حراما، و لا ريب في تناقض الحكمين.

و لذا يقال: لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به لأنّه مستلزم للتناقض، و السرّ فيه أنّ القطع بخمريّة شي‏ء مثلا يوجب أن يترتّب عليه جميع آثار الخمر الواقعي الّتي منها وجوب‏

9

الاجتناب عنه، و نهي الشارع عن العمل به نفي لوجوب الاجتناب عنه، و لا ريب في مناقضة «لا يجب الاجتناب عنه» ل «يجب الاجتناب عنه».

أو أنّ انكشاف الواقع في الشي‏ء يقتضي وجوب ترتيب آثار الواقع على المنكشف، و نهي الشارع عن العمل به يتضمّن نفي وجوب ترتيب آثار الواقع على المنكشف و هما متناقضان.

و بالتأمّل في ذلك يعلم أنّ وجوب ترتيب آثار الواقع على المقطوع به أيضا ليس بجعل الشارع بل هو حكم عقلي، لأنّه إنّما يكون بجعل الشارع إذا كان قابلا لنهي الشارع عن العمل به، و ليس قابلا له للزوم التناقض.

كما يعلم- بالتأمّل في جميع ما قرّرناه- عدم كون طريقيّة القطع قابلة للتخصيص للزوم التناقض في المستثنى، فلا فرق في كونه طريقا إلى الواقع بين أفراده من حيث القاطع من مجتهد أو مقلّد أو عالم أو عامّي، و المقطوع به من موضوع حكم شرعي، أو نفس الحكم الشرعي فرعيّا كان أو اصوليّا، عمليّا كان أو اعتقاديّا، و أسباب القطع من المتعارفة الضروريّة، أو النظريّة العقليّة أو النقليّة الحسّيّة، أو الحدسيّة اللفظيّة، أو اللبّيّة، أو الغير المتعارفة من الرمل، أو الجفر، أو النوم، أو طريق المكاشفة، أو أزمان القطع من زمن الحضور، أو أزمنة الغيبة.

و بالجملة: من خواصّ القطع الطريقي عدم قبول طريقيّته التخصيص في شي‏ء من أفراده.

ثمّ إنّ هذا كلّه في القطع بالنسبة إلى القاطع في عمل نفسه بالقياس إلى المقطوع به و الأحكام المترتّبة عليه، و قد يعتبر القطع في موضوع حكم آخر غير الأحكام المترتّبة على المقطوع به، كوجوب عمل المقلّد بفتوى المجتهد المقطوع بها، فإنّ موضوع عمل المقلّد هو الحكم المفتى به و القطع مأخوذ فيه، و مرجعه إلى أنّه يجب على المقلّد أن يعمل بما قطعه المجتهد حكم اللّه.

و هذا هو المسمّى بالقطع الموضوعي، و يمتاز عن القطع الطريقي في امور:

الأوّل: أنّ الموضوعيّة لا تكون إلّا بجعل الشارع، لأنّ اعتبار القطع في موضوع الحكم الشرعي لابدّ له من معتبر و ليس إلّا الشارع، و لا نعني من جعله إلّا هذا، بخلاف القطع الطريقي، لما عرفت من أنّ الطريقيّة ليست مجعولة و لا قابلة للجعل.

الثاني: أنّه يقبل كلّا من التعميم و التخصيص و الإطلاق و التقييد، بخلاف القطع الطريقي، لما عرفت من أنّه لا يقبل التخصيص و لا التقييد للزوم التناقض.

10

و السرّ في قبول الأوّل أنّ كونه معتبرا في موضوع الحكم الشرعي إنّما يثبت بدليل ذلك الحكم، فيتبع في عمومه و خصوصه و إطلاقه و تقييده دلالة ذلك الدليل، فقد يدلّ دليل الحكم على اعتباره على وجه عامّ، من دون مدخليّة خصوصيّة فيه من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه.

و قد يدلّ على اعتباره على وجه خاصّ لمدخليّة الخصوصيّة فيه من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه، و بينهما متوسّطات، لدلالة الدليل على اعتبار خصوصيّة في بعض الجهات المذكورة دون اخرى.

و من القسم الأوّل: حكم العقل بحسن إتيان العبد بما قطع كونه مطلوبا لمولاه، فإنّ حسن الإتيان حكم عقلي، و موضوعه ما قطع العبد كونه مطلوبا للمولى، و القطع مأخوذ فيه، و الحسن لأجل كون الإتيان به إطاعة و انقيادا و حسنه ذاتي.

و من القسم الثاني: وجوب عمل المقلّد بما قطع غيره كونه حكم اللّه، و اعتبر فيه الخصوصيّة من جميع الجهات، فمن جهة القاطع لما اعتبر فيه كونه مجتهدا مسلما إماميّا عادلا، فخرج قطع غير المجتهد و قطع المجتهد الكافر و قطع المجتهد المخالف و قطع المجتهد الفاسق، لعدم العمل للمقلّد بشي‏ء من ذلك، نظرا إلى ما دلّ على اشتراط التقليد باجتهاد المقلّد و إسلامه و إيمانه و عدالته.

و من جهة المقطوع به يشترط كونه حكما فرعيّا لا اصوليّا إعتقاديّا أو عمليّا، لما دلّ على عدم جواز التقليد في اصول الدين و لا الاصول العمليّة.

و من جهة أسباب القطع يشترط كون مستنده الأدلّة المعهودة المتعارفة عند المجتهدين، كالكتاب القطعي الدلالة، و السنّة المتواترة، و الإجماع، و العقل المستقلّ، دون غيرها من رمل أو جفر أو نوم أو طريق مكاشفة، إذ لا يجوز لغيره تقليده في ذلك القطع.

و من جهة أزمانه يعتبر كونه في زمان عدم تيسّر المقلّد عن العلم لتعذّره أو تعسّره.

و من المتوسّطات وجوب عمل الحاكم بشهادة شاهد علم المشهود به، فيشترط كون علمه عن حسّ لا عن حدس، و منه نشأ عدم قبول الشهادة العلميّة.

الثالث: أنّه لا يقوم مقامه الأمارات الغير العلميّة إلّا حيث ساعد عليه دليل خاصّ، بخلاف القطع الطريقي في حكم شرعي فيقوم مقامه خبر العدل الواحد و الاستصحاب و غيرهما من طرق الاجتهاد الغير، العلميّة، أو في موضوع خارجي فيقوم مقامه البيّنة و اليد

11

و السوق و الاستصحاب و غيره.

و السرّ في ذلك أنّ وجه اعتبار القطع إذا كان وجه الطريقيّة فيقوم مقامه الأمارات المعتبرة أيضا على وجه الطريقيّة، لأنّ مفاد أدلّة اعتبارها أنّ الشارع اكتفى عن العلم في إحراز الواقع بها.

و أمّا القطع الموضوعي فلمّا كان المعتبر في موضوع الحكم الشرعي صفة القطع و اليقين، فغيرها من الأمارات الغير العلميّة غيرها، فلا يقوم مقامها شي‏ء منها إلّا لدليل خاصّ، فلو أنّ الشارع اعتبر في حفظ عدد الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الأوليين من الرباعيّة صفة اليقين، فلا يقوم مقامها الظنّ بمعنى رجحان أحد الطرفين، و لا أصالة عدم الزائد إلّا بدليل خاصّ غير أدلّة حجّية الظنّ أو أصالة عدم الأكثر في الصلاة، و لو أنّه اعتبر في سقوط المائيّة و العدول إلى الترابيّة صفة اليأس عن الماء، بمعنى علم المكلّف بعدمه فلا يجوز في إحرازه التعويل على البيّنة و لا استصحاب الحالة السابقة.

و لو فرض أنّه اعتبر في جواز أداء الشهادة صفة اليقين للشاهد بالمشهود به، فلا يجوز له أن يستند في أدائها، أو تحملّها للأداء إلى الاستصحاب أو البيّنة أو اليد، إلّا أنّه يظهر من رواية حفص‏ (1) جواز الاستناد فيها إلى اليد، و لذا لو كان مستند الشاهد في تحمّله الشهادة إقرار المديون بالدين فعند الشكّ في بقاء اشتغال ذمّته بالدين لا يجوز له أن يشهد بالبقاء استنادا إلى استصحاب حكم الإقرار السابق، بل الواجب عليه الشهادة بالاقرار السابق، لأنّه محلّ اليقين له، و استصحاب حكم الإقرار بعد ثبوته بالبيّنة من وظيفة الحاكم.

و من فروع المسألة: ما لو نذر أن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ولده، فإنّه لو شكّ في زمان في حياته لا يجب عليه التصدّق لأجل استصحاب الحياة، أو عند قيام البيّنة ببقائها، فأمّا لو علّق النذر بنفس حياة الولد فيكفي في وجوبه الاستصحاب.

ثمّ اعلم أنّ المرجع في معرفة أنّ العلم في موارد اعتباره من أيّ القسمين، ليترتّب عليه قيام غيره من الأمارات مقامه و عدمه إلى الأدلّة المقامة لإعطاء ذلك الحكم الّذي يضاف إليه العلم المردّد بين الطريقي و الموضوعي، و ليس لها طريق منضبط سوى الرجوع إليها.

و حينئذ يختلف الحال في مفاد الأدلّة على حسب اختلاف المقامات، فعلى المستنبط التحرّي و حسن التأمّل لئلّا يختلط الأمر، فإنّه ربّما يشتبه الحال فيتوهّم العلم الطريقي علما

____________

(1) الوسائل: 27: 292/ 2، ب 25 من أبواب كيفيّة الحكم.

12

موضوعيّا، و قد ينعكس الأمر فيتوهّم العلم الموضوعي علما طريقيّا.

و من أمثلة الأوّل: ما في خبر إسماعيل بن جابر المروي عن تفسير النعماني عن الصادق (عليه السّلام) عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «إنّ اللّه تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس الّتي جعلها دليلا على أوقات الصلاة، فموسّع عليهم تأخير الصلاة ليتبيّن لهم الوقت بظهورها و يستيقنوا أنّها قد زالت‏ (1)» حيث توهّم كون موضوع الحكم- و هو وجوب الصلاة- هو اليقين بالزوال، على معنى كون وجوبها معلّقا على الزوال المتيقّن، و ليس كما توهّم لقضاء الأدلّة من الإجماع و النصوص المعتبرة بإناطة وجوب الصلاة بالزوال الواقعي، فتحمل الرواية على الإرشاد إلى طريق إحراز الواقع، فيقوم مقامه غيره من الطرق الاخر الغير العلميّة.

و من الثاني: ما وقع من العلّامة في بعض كتبه و لعلّه التحرير- على ما حكي في مسألة الجاهل بحكم الغصب- من أنّه «ليس معذورا، لأنّ التكليف ليس متوقّفا على العلم به، و إلّا لزم الدور (2)».

و فيه: أنّ نفي توقّف التكليف على العلم- مع أنّه إنكار لما تطابق عليه العقل و النقل، و قضى به إجماع الأمّة من كون العلم من شرائط التكليف- مبنيّ على توهّم العلم الموضوعي علما طريقيّا، و منشأه اختلاط الأمر عليه في الفرق بين الحكم الواقعي و التكليف الفعلي، فيدفع لزوم الدور على تقدير توقّف التكليف بالعلم دون الحكم الواقعي بتعدّد الطرفين الّذي أحدهما ما يتوقّف على العلم، و الآخر ما لا يتوقّف عليه.

فإنّ الّذي لا يتوقّف على العلم إنّما هو الحكم الواقعي، لأنّ علم المكلّف بالنسبة إليه تابع و متأخّر عنه طبعا من حيث تعلّقه به، و المتوقّف عليه إنّما هو التكليف الّذي قد يقال الحكم الظاهري، و قد يعبّر عنه بالحكم الفعلي فلا دور، و العلم بالنسبة إلى الأوّل طريق، و بالنسبة إلى الثاني موضوع، لأنّ الحكم الواقعي المعلوم تكليف و حكم فعلي.

و توضيح الفرق بينهما: أنّ الحكم الواقعي عبارة عن الطلب النفساني القائم بنفس المتكلّم قبل أن يعلمه أحد، و هو الّذي لو أفاده المتكلّم بعبارة قوله: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* (3)، وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (4)، و نحو ذلك من الخطابات كان معنى إنشائيّا، و هو المطابق لعلم اللّه المكتوب في اللوح المحفوظ، المنزّل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، المودّع عند

____________

(1) الوسائل 4: 279/ 2، ب 58 من أبواب المواقيت.

(2) لم نجده في التحرير بل وجدناه في المنتهى 4: 230.

(3) سورة البقرة: 43.

(4) سورة آل عمران: 97.

13

أوصيائه (عليهم السّلام)، و هو الّذي يقبل كلّا من علم المكلّف و جهله به، و يقبل الغفلة عنه و الالتفات إليه، فهو بمجرّده ليس مناطا لوجوب الإطاعة و حرمة المعصية، و لا يدور عليه استحقاق الثواب و العقاب، بل المناط في وجوب الإطاعة و حرمة المعصية الّذي عليه مدار الثواب و العقاب إنّما هو التكليف الفعلي، المتوقّف انعقاده على علم المكلّف بالمعنى الإنشائي المذكور.

فليس كلّ حكم واقعي تكليفا فعليّا، لجواز الانفكاك في الجاهل و الغافل، و لذا كثيرا مّا يأتي المكلّف بما هو واجب واقعي، أو يترك ما هو حرام واقعي، و لا يثاب عليهما لجهله بالوجوب و الحرمة، أو يترك ما هو واجب واقعي، أو يأتي بما هو حرام واقعي، و لا يعاقب عليهما لجهله بالوجوب و الحرمة أيضا.

و إن شئت قلت: إنّ المعنى الإنشائي الّذي ينشأه المتكلّم بخطاب قوله: «إفعل، أو لا تفعل» مثلا مع قطع النظر عن علم مخاطبه به حكم واقعي، و إذا علم به المخاطب ببلوغ الخطاب إليه يصير تكليفيّا، فعلم المكلّف بالنسبة إلى الأوّل من حيث تعلّقه به طريق، و بالإضافة إلى الثاني من حيث دخوله في موضوعه يعتبر على وجه الموضوعيّة فإنّ موضوعه الحكم الواقعي من حيث ما علم به المكلّف، فالتكليف عنوان ينوط انعقاده و تحقّقه في نظر العرف و العقل و الشرع بعلم المكلّف بالمعنى الإنشائي الّذي أنشأه المولى بخطابه.

و الحاصل: مدلول قوله: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* (1) وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (2) مثلا الّذي هو معنى إنشائي له اعتباران لا يدخل في أحدهما علم المكلّف أصلا، و يتّصف بهذا الاعتبار بالواقعيّة و يسمّى بالحكم الواقعي.

و يدخل العلم في الآخر على وجه الموضوعيّة فيكون عنوانا آخر غير الأوّل، و يسمّى بهذا الاعتبار بالتكليف، و قد يسمّى حكما ظاهريّا، و قد يعبّر عنه بالحكم الفعلي.

[في الظنّ الطريقي و الموضوعي‏]

ثمّ إنّ الظنّ أيضا كالقطع في انقسامه إلى الظنّ الطريقي و الظنّ الموضوعي، غير أنّ الظنّ الطريقي يمتاز عن القطع الطريقي في كونه طريقا مجعولا من الشارع بخلاف القطع الطريقي لما بيّناه من أنّه بنفسه طريق إلى الواقع و لا يحتاج في طريقيّته إلى جعل الشارع.

و السرّ في الفرق أنّ القطع انكشاف لا يحتمل معه خلاف المنكشف، فلا يحتاج في كونه طريقا إلى إحراز الواقع [إلى جعل الشارع‏] ليترتّب على المقطوع به آثار الواقع، و الظنّ انكشاف يحتمل معه خلاف المنكشف، فلا يكون بنفسه طريقا إلى إحراز الواقع بحيث‏

____________

(1) سورة البقرة: 43.

(2) سورة آل عمران: 97.

14

يترتّب على متعلّقه و هو المظنون آثار الواقع، بل يحتاج إلى جعل الشارع، و لأجل كون طريقيّته مجعولة يقبل من التخصيص من حيث الظانّ و المظنون و أسباب الظنّ و أزمانه [و] كلّ ما شاءه الجاعل و أراد، فيجوز أن يخصّص من حيث المظنون بالحكم الشرعي دون موضوعه، و هذا هو معنى عدم حجّية الظنّ في الموضوعات.

و في الحكم الشرعي بالحكم الفرعي دون الاصولي الاعتقادي، و هذا هو معنى عدم حجّيّة الظنّ في اصول الدّين.

و من حيث الظانّ بالمجتهد دون المقلّد، و هذا هو معنى عدم حجّيّة ظنّ المقلّد في الأحكام، و من حيث أسباب الظنّ بالظنّ الحاصل من الأدلّة المعهودة المتعارفة بين المجتهدين، دون ما يحصل منه من الأسباب الغير المتعارفة.

و هذا هو معنى عدم حجّية الظنّ الحاصل من الرمل و الجفر و النوم، و من حيث أزمانه بظنّ أزمنة انسداد باب العلم دون ما يحصل منه حال الانفتاح.

نعم الظنّ الطريقي مثل القطع الطريقي، حيث يعتبر [فيه‏] (1) قيام الأمارات الاخر المعتبرة الغير المنوط اعتبارها بالظنّ الفعلي- كالأصل و البيّنة و اليد و سوق المسلمين و ما أشبه ذلك- مقامه، و إن كان أكثر هذه الامور لا يجري إلّا في الموضوعات الخارجيّة، فقيامها مقامه مقصور على الظنّ في الموضوعات إن كان حجّة فيها.

و بالتأمّل في كلماتنا يظهر أنّ الظنّ الطريقي و الظنّ الموضوعي كلاهما مجعولان، على معنى أنّه كما أنّ طريقيّة الظنّ الطريقي تثبت بجعل الشارع كذلك موضوعيّة الظنّ تثبت بجعله، و معنى طريقيّة المجعولة في الأوّل أنّه يجب شرعا على الظانّ أن ترتّب على مظنونه آثار الواقع، على أنّه الواقع لا على أنّه مظنونه.

و معنى موضوعيّة الثاني أنّه يجب عليه أن يرتّب على مظنونه من حيث إنّه مظنونه- أي لأجل صفة الظنّ المأخوذة معه- الأحكام المجعولة له من الحيثيّة المذكورة، فلو فرض أنّ الشارع جعل لمظنون الخمريّة، أو لمظنون الحرمة، من حيث إنّه مظنون حكما خاصّا- كحرمة التكسّب به مثلا- يجب ترتيبه عليه، بأن يقال: «هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يحرم التكسّب به» أو «هذا مظنون الحرمة و كلّ مظنون الحرمة يحرم التكسّب به» فإنّ حرمة التكسّب حكم جعله الشارع للمظنون بوصف كونه مظنونا، أي‏

____________

(1) في الأصل «في» بدل «فيه» و الصواب ما أثبتناه.

15

باعتبار صفة الظنّ المأخوذة معه على وجه الجزئيّة.

ثم إنّ الظنّ من حيث هو ظنّ يمتاز عن القطع من حيث هو كذلك في أمرين:

أحدهما: أنّه يقبل منع الشارع عن العمل به، و يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، بحيث يقطع الظانّ بحرمة العمل من غير أن يلزم منه محذورا، و هذا هو معنى حرمة العمل به عموما الثابتة بعمومات الآيات و الأخبار، و حرمة العمل بظنّ القياس الثابتة بالضرورة و الأخبار الناهية عن القياس، بخلاف القطع فإنّه لا يقبل المنع و النهي، للزوم التناقض أو اجتماع النقيضين، فإنّ مقتضى القطع بالشي‏ء أن ينعقد في ضمير القاطع أنّه يجب ترتيب آثار الواقع على المقطوع به، و مقتضى نهي الشارع- لو فرض- أن ينعقد في ضميره أنّه لا يجب أو يحرم ترتيب آثار الواقع عليه، و هما متناقضان.

و ثانيهما: أنّه يجوز للشارع أن يجعل للظانّ من حيث كونه ظانّا حكما كلّيّا بالنظر إلى احتمال مخالفة الواقع، من باب جعل الحكم الظاهري حكما على خلاف الحكم المجعول للواقعة من حيث هي، بحيث يقطع الظانّ بهذا الحكم المجعول له، كجواز تناول ما ظنّه حراما، و جواز ترك ما ظنّه واجبا من غير أن يلزم محذور، بخلاف القطع فإنّه لا يجوز أن يجعل للقاطع بوصف كونه قاطعا- نظرا إلى احتمال مخالفة قطعه الواقع- نحو الحكم المذكور، على أن يكون حكما ظاهريّا له بحيث يقطع به للزوم اللغو في جعل ذلك الحكم، فإنّ فائدة جعل الحكم الظاهري بالقياس إلى شخص المكلّف أن يلتزم به و يجريه في حقّه، و لا يتمكّن من ذلك إلّا بأن يندرج في موضوع ذلك الحكم و يلتفت إلى اندراجه فيه.

و القاطع ما دام قاطعا لا يلتفت إلى اندراجه في موضوع الحكم المذكور، لعدم احتماله الخلاف في قطعه فيلغو جعل الحكم رأسا، بخلاف الظنّ لقيام احتمال الخلاف في ظنّه عنده فيلتفت إلى اندراجه في موضوع حكم جعله الشارع للظانّ من حيث احتمال مخالفة ظنّه الواقع، فليتدبّر.

هذا تمام الكلام في مقدّمات الباب المنعقد له الكتاب. و أمّا الكلام في نفسه ففيه مقصدان:

***

16

المقصد الأوّل في أحكام القطع‏

و فيه مطالب:

المطلب الأوّل [في التجري‏]

في حكم القطع المخالف للواقع الّذي يقال له: الجهل المركّب، فنقول: إنّ القطع بمقتضى كونه انكشافا للواقع، يقتضي ترتّب أحكام الواقع على متعلّقة على أنّه الواقع، كما لو قطع بخمريّة الشي‏ء فيحرم شربه، و هذه الحرمة يجب موافقته و يحرم مخالفته، و يستحقّ الثواب بموافقته و العقاب على مخالفته.

و هذه الأحكام في ترتّبها لا تحتاج إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لها من العقل و النقل للخمر، و هذا في القطع المطابق.

و أمّا الغير المطابق ما لم ينكشف خلافه فلا إشكال في حسن موافقته عقلا، و استحقاق الفاعل بسببه المدح عند العقلاء لكونه انقيادا، و الانقياد حسن لكشفه عن حسن سريرة العبد و كونه مع مولاه في مقام الإطاعة، كما لا إشكال في قبح مخالفته عقلا، و استحقاق الفاعل بسببه الذمّ عند العقلاء لكونه تجرّيّا و التجرّي قبيح، لكشفه عن خبث سريرة العبد و كونه مع مولاه في مقام العصيان.

و إنّما الإشكال في كون هذه المخالفة عصيانا أيضا بحيث يستحقّ العقاب عليه أولا؟

و قد اختلفوا فيه على أقوال، فقيل: بكونه عصيانا كما يظهر المصير إليه من جماعة في الواجب الموسّع، في مسألة ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر ثم انكشف الخلاف حيث حكموا بأنّه يعصي بالتأخير.

17

و عن جماعة (1) دعوى الإجماع عليه، فإنّ تعبيرهم بظنّ الضيق على ما قيل لبيان أدنى فردي الرجحان فيشمل القطع بالضيق أيضا بل بطريق أولى.

و يظهر العدم من العلّامة في التذكرة (2) حيث استوجه عدم العصيان في مسألة ظنّ ضيق الوقت، و استقربه السيّد الطباطبائي في مفاتيحه‏ (3)، و من الفضلاء (4) من فصّل و سيأتي بيان تفصيله، و عن النهاية (5) و شيخنا البهائي‏ (6) الوقف.

و حيث إنّ العصيان عبارة عن مخالفة الخطاب فلا يصدق إلّا إذا كان هناك حكم و تكليف إلزامي، و لا خطاب على القول بالعصيان إلّا بان أنّ الشارع جعل بطروّ صفة القطع للمورد حكما مثل الحكم المجعول للموضوع الواقعي، فإنّ الحكم المجعول للخمر الواقعي هو حرمة الشرب، و قد جعل لمقطوع الحرمة على خلاف الواقع أيضا حرمة الشرب، و هذا مع الأوّل كلاهما حكمان واقعيّان، إلّا أنّ الأوّل تبع الصفة الكامنة في الخمر الواقعي، و هي المفسدة الواقعيّة الكامنة فيه.

و الثاني صفة القطع الطارية للمورد، فرجع النزاع حينئذ إلى أنّ صفة القطع الطارية للشي‏ء على خلاف الواقع هل تؤثّر في حدوث حكم إلزامي للمورد؟ مثل الحكم الواقعي المجعول للموضوع الواقعي، و مرجعه إلى أنّ قبح التجرّي أوجب قبح الفعل المتجرّى به المقتضي لجعل الحكم الإلزامي من إيجاب الفعل أو تحريمه حسبما اعتقده القاطع.

و الأقوى من أقوال المسألة ثانيها.

لنا: أنّ الحكم الإلزامي المفروض لا بدّ له من حاكم و هو إمّا الشرع أو العقل و لا سبيل إلى شي‏ء منهما.

أمّا الأوّل: فلافتقاره إلى دليل، و ليس في الأدلّة الشرعيّة ما يدلّ على ذلك، و ستعرف ضعف ما تمسّك به للقول بالعصيان.

و أمّا الثاني: فلعدم استقلال العقل بإدراك حكم إلزامي يترتّب عليه العصيان و استحقاق العقوبة و النيران.

____________

(1) منهم العلّامة في المنتهى: 4: 107 و الفاضل الهندي في كشف اللثام: 3: 109 و السيّد العاملى في مفتاح الكرامة: 2: 61.

(2) التذكره: 2/ 391.

(3) مفاتيح الاصول: 308.

(4) هو صاحب الفصول.

(5) نهاية الوصول (مخطوط): 11 و 94.

(6) الزبدة: 41.

18

و توهّم أنّ العقل يلزم المكلّف على العمل بمعتقده، و يخاطبه بقول: «إعمل بمعتقدك» فإنّه خطاب عقلي يتولّد منه الحكم الإلزامي، فكيف ينكر استقلال العقل بذلك؟

يدفعه: أنّ هذا الخطاب العقلي المتوجّه إلى المكلّف ممّا لا كلام فيه و لا مجال لإنكاره، و لكنّه لا يشمل ما نحن فيه، فإنّ ما ذكر إلزام للمكلّف على العمل بمعتقده على أنّه الواقع لا من حيث أنّه معتقده، فإذا انكشف الخلاف تبيّن أنّ الحكم العقلي لم يصادف محلّه، أو عدم اندراج المورد في موضوعه، و هذا أوجه حذرا عن تخطئة العقل.

و استدلّ للقول الآخر بوجوه:

منها: الإجماع على ما حكي ادّعائه عن جماعة في مسألة ظانّ ضيق الوقت على العصيان بالتأخير مع انكشاف الخلاف، كما تقدّم.

و منها: أنّ مخالفة الاعتقاد ما يستقلّ العقل بقبحه، و كلّما يستقلّ العقل بقبحه محرّم شرعا، فمخالفة الاعتقاد محرّم شرعا.

أمّا الكبرى: فبحكم الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي المعبّر عنها بأنّ كلّما حكم به العقل حكم به الشرع.

و أمّا الصغرى: فلأنّه تجرّي و التجرّي قبيح، مضافا إلى أنّه بالنسبة إلى المولى ظلم و الظلم قبيح- فإنّ الظلم وضع الشي‏ء على غير مستحقّه- و المولى من حيث مولويّته يستحقّ الإطاعة و الانقياد لا المخالفة و العصيان، و مخالفة الاعتقاد تعريض للنفس على معصية المولى فيكون ظلما.

و منها: بناء العقلاء على الذمّ على معنى كون القاطع المخالف لاعتقاده مستحقّا للذمّ عند العقلاء مطلقا من غير توقّف إلى [ان‏] يظهر لهم المصادفة.

و منها: أنّه مكلّف بالعمل على قطعه و قد خالفه فيكون عاصيا، يظهر التمسّك به من بعض الأعلام‏ (1) في مسألة ظانّ ضيق الوقت، حيث إنّه ثمّة بعد ما اختار القول ببقاء المعصية بعد تبيّن الخلاف استدلّ عليه بأنّه مكلّف على العمل بظنّه و قد خالفه فيكون عاصيا، و نحوه يجري فيما نحن فيه أيضا.

____________

(1) و هو المحقّق القمّي في القوانين 1: 120.

19

و منها: ما قرّره بعضهم‏ (1) من أنّا لو فرضنا شخصين قطع كلّ منهما خمريّة مائع عنده فشرباهما، فاتّفق مصادفة قطع أحدهما الواقع و عدم مصادفة قطع الآخر، فإمّا أن يستحقّا العقاب أو لا يستحقّاه، أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع دون من لم يصادفه، أو ينعكس الأمر، و لا سبيل إلى الثاني و الرابع، لمنافاتهما لأدلّة الواقع المثبتة للحرمة للخمر الواقعي المقتضية لعصيان شربها و استحقاق العقوبة عليه، و لا إلى الثالث لاستلزامه إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار و هو باطل لمنافاته العدل و الحكمة.

أمّا الملازمة: فلأنّ التفرقة بين الشخصين لا بدّ و أن يكون عن فارق موضوعي بينهما، و ليس إلّا مصادفة قطع أحدهما و عدم مصادفة الآخر لتساويهما في الحركات الاختياريّة، و المصادفة و العدم قد حصلا لضرب من الاتّفاق من غير اختيار لهما فيهما، فيلزم ما ذكر من الإناطة بأمر خارج عن الاختيار و هو المصادفة و العدم، فتعيّن الأوّل و هو المطلوب‏ (2).

و الجواب عن الأوّل:- بعد الإغماض عن منع الإجماع مع فرض وجود الخلاف، و عدم كفاية منقوله لأنّ أقصاه الظنّ الغير الكافي في نظائر المقام- أنّ الإجماع على العصيان إن اريد به الإجماع المصطلح الّذي حجّيّته باعتبار كشفه عن رأي المعصوم، ففيه: أنّ محصّله غير حاصل و منقوله غير نافع.

أمّا الأوّل: فلأنّ المسألة عقليّة تطلب من العقل لا من الشرع حتّى يستكشف فيها رأي المعصوم، لا لأنّ بيان الامور العقليّة ليس من شأن الشارع، بل لقبح أن يتوجّه إلى القاطع بخلاف الواقع خطاب من الشرع بالحكم الإلزامي المفروض كونه مجعولا في حقّه، و هو حرمة شرب ما اعتقده خمرا على خلاف الواقع في مقابلة الواقع و هو حرمة شرب الخمر الواقعي، لكونه من خطاب الجاهل الصرف بما جهله، و خطاب الغافل فيما غفل عنه، فإنّ القاطع بخلاف الواقع ما دام قاطعا لا يجوّز في اعتقاده الخلاف، و لا يرى معتقده إلّا واقعا، فهو لا يعتقد في حقّه إلّا حرمة شرب الخمر الواقعي، و لا يلتفت إلى الحكم الآخر المفروض في مقابله، و هو حرمة شرب الخمر المعتقد بوصف كونه معتقدا، لعدم التفاته إلى اندراجه في موضوع ذلك الحكم، فيكون خطابه به مع جهله و غفلته خطابا للجاهل الغافل و هو قبيح، مضافا إلى كونه من اللغو السفه.

و حينئذ يقال: إنّ العصيان المجمع عليه بالإجماع الكاشف، إن كان المراد به مخالفة

____________

(1) المقرّر هو المحقّق السبزواري في الذخيرة.

(2) ذخيرة المعاد: 209- 210.

20

الخطاب لأجل أنّ المخالف لقطعه الغير المطابق خالف الواقع، و هو حرمة شرب الخمر الواقعي فهو كذب، و من المستحيل انعقاد الإجماع الكاشف على القضيّة الكاذبة، و إن كان المراد به مخالفة الخطاب لأجل أنّه خالف الحكم الإلزامي الآخر المقابل للواقع، و هو حرمة شرب ما اعتقده خمرا على خلاف الواقع، ففيه: أنّ صدق العصيان في حقّه بهذا الاعتبار، موقوف على تنجّز التكليف في هذا الحكم الإلزامي عليه، و هو مشروط بعلمه به تفصيلا أو إجمالا حال كونه قاطعا، و المفروض خلافه لكونه غافلا عنه بالمرّة، فيقبح على الشارع أن يخاطبه- و الحال هذه- بذلك الحكم الإلزامي المفروض كونه مجعولا في مقابلة الواقع.

و الأصل فيما ذكرناه أنّ القاطع ما دام قاطعا لا يرى معتقده عنوانا آخر غير عنوان الواقع، فلا يلتفت إلى الحكم الآخر المفروض كونه مجعولا في مقابلة الواقع، فيكون خطابه بذلك الحكم خطابا للغافل.

و لأجل هذا كلّه كانت المسألة عقليّة تطلب من العقل لا من الشرع، و لا يلزم نحو هذا المحذور على تقدير طلبها من العقل و حكم العقل بالعصيان، لأنّ حكم العقل في مستقلّاته لا يكون بخطاب لفظي، بل يكفي فيه تقبيح العقل الّذي يدركه القاطع بخلاف الواقع عند مخالفته لقطعه بمقتضى عقله، و على تقدير ثبوت الملازمة بين نحو هذا التقبيح العقلي و الحكم الشرعي يثبت العصيان المستلزم لاستحقاق العقاب.

و أمّا الثاني: فواضح فإنّ الإجماع الّذي محصّله غير حاصل، فمنقوله أيضا غير نافع للقطع بخطأ ناقله.

و إن اريد به الإجماع اللغوي أعني اتفاق العقلاء الذين منهم العلماء على عصيان مخالفة القطع و إن خالف الواقع.

ففيه: أنّ هذا الاتّفاق ممّا لا أثر له إلّا أن يرجع إلى اتفاق العقلاء على استحقاق الذمّ في مخالف القطع، فيرجع إلى الوجه الثالث و ستعرف جوابه.

و الجواب عن الثاني: منع الصغرى بإبطال دليله من التجرّي و الظلم.

أمّا بطلان الأوّل: فلأنّ قبح التجرّي و إن كان مسلّما، إلّا أنّه ما لم يستلزم قبح الفعل المتجرّى به لم يؤثّر في العصيان الموجب لاستحقاق العقاب، و الاستلزام في مخالفة القطع الغير المطابق ممنوع، لأنّ القبح المفروض فيه قبح في الفاعل، لكشفه عن خبث سريرته و سوء مقامه مع سيّده، لا أنّه قبح في الفعل، و لذا يقال عند توجيه الذمّ إليه: «بئس الرجل‏

21

أنت» و لا يقال: «بئس الفعل فعلك» و هذا آية عدم كون أصل الفعل قبيحا.

و أمّا بطلان الثاني: فلأنّ الظلم إنّما هو مخالفة السيّد فيما أمر أو نهى، و كون ما نحن فيه من هذا القبيل أوّل المسألة بل محلّ منع، فلا يكون ظلما بل يشبه الظلم، و لذا عبّر عنه بتعريض النفس على المخالفة.

و عن الثالث: بأنّ ذمّ العقلاء و اتّفاقهم على الاستحقاق مسلّم، و لكنّه فيما انكشف الخلاف عندهم لا يزيد على قبح الفاعل حسبما بيّناه في قبح التجرّي، و هو لا يوجب قبح الفعل ليكشف عن المبغوضيّة الملازمة للعصيان و استحقاق العقوبة.

و بالجملة ذمّ العقلاء إنّما ينهض دليلا على المعصية و استحقاق العقوبة إذا كان كاشفا عن قبح الفعل عندهم، لا عن مجرّد صفة قبيحة في الفاعل، و المسلّم في المقام هو الثاني، فإنّ ذمّ الإنسان على الصفة القبيحة أيضا يحسن عند العقلاء و إن لم يقارنها فعل، كالذمّ على سائر الصفات الذميمة.

و عن الرابع: بأنّ كون الظانّ مكلّفا بالعمل على ظنّه في الجملة مسلّم، و لكن كون مخالفته عصيانا بقول مطلق غير مسلّم، و ذلك أنّ معنى التكليف بالعمل على الظنّ- حسبما استفيد من دليل حجّيّة الظنّ- وجوب ترتيب الآثار و الأحكام على المظنون على أنّه واقع لا على أنّه مظنون، فموضوع ذلك الحكم هو الظنّ من حيث إنّ متعلّقه الواقع، و الظنّ الغير المطابق غير مندرج في هذا الموضوع، فلا يشمله الحكم المذكور.

غاية الأمر أنّ الظانّ بهذا الظنّ ما دام ظانّا يعتقد في حقّه وجوب العمل بالمعنى المذكور، و لكن بعد ما انكشف فساد الظنّ تبيّن له عدم مصادفة اعتقاده الواقع، على معنى تبيّن كون معتقده وجوبا خياليّا من غير أن يكون وجوب في الواقع.

و من هنا يظهر بطلان نحو هذا الدليل المتمشّى في القطع الغير المطابق بل بطريق أولى، نظرا إلى عدم كون حجّيّة القطع و طريقيّته إلى الواقع بجعل الشارع- كما حقّقنا سابقا- فالقاطع لكون قطعه عبارة عن انكشاف الواقع- و لو في نظره- يعتقد في حقّه وجوب ترتيب الآثار و الأحكام على المنكشف من حيث إنّه الواقع، لا من حيث إنّه عنوان آخر مغائر لعنوان الواقع، فإذا انكشف بطلان قطعه تبيّن له عدم اندراجه في موضوع ذلك الحكم، و كون الوجوب الذي اعتقده تكليفا خياليّا لا تكليفا واقعيّا.

و عن الخامس: بالنقض تارة و الحلّ اخرى.

22

أمّا الأوّل: فنقض ما ذكره في وجه بطلان الشقّ الثالث- بما ذكره في وجه بطلان الشقّ الثاني و الرابع- من منافاة عدم استحقاق من صادف قطعه الخمر الواقعي لأدلّة الواقع الدالّة على حرمة شرب الخمر الواقعي، فإنّ قضيّة دعوى المنافاة الالتزام باستحقاقه العقاب، فيلزم إناطة الاستحقاق بأمر خارج عن الاختيار و هو مصادفة قطعه الخمر الواقعي.

و أمّا الثاني: فلأنّا نوافق المستدلّ في أحد جزئي ما رجّحه من الشقّ الأوّل، و هو استحقاقهما العقاب و نقول: إنّ استحقاقه العقاب حقّ، و لكنّه إنّما يستحقّه على الفعل الاختياري و هو شرب الخمر الواقعي، فإنّه فعل صدر منه باختياره، فالشارع يعاقبه لأنّه شرب الخمر الواقعي اختيارا لا لأنّ قطعه صادف الواقع، و بالجملة هذا يعاقب على شرب الخمر الواقعي الّذي صدر منه اختيارا لا على مصادفة قطعه الواقع، و نخالفه في الجزء الثاني و نقول:

بأنّه لا يلزم من نفي استحقاق من لم يصادف قطعه الواقع إناطة استحقاقه بأمر خارج عن الاختيار، بل لو لزم ذلك للزم على قول المستدلّ، لأنّ العقاب الّذي يلتزم استحقاقه فيه إمّا أن يترتّب على فعله الاختياري و هو شربه لما ليس بخمر واقعي، أو على عدم مصادفة قطعه الواقع.

و الأوّل باطل لأنّ الحرمة بموجب أدلّة الواقع- كما سلّمه المستدلّ- إنّما ثبتت لشرب الخمر الواقعي، و ثبوت مثلها للخمر المعتقد أيضا أوّل المسألة.

و الثاني إناطة لاستحقاق العقاب بأمر خارج عن الاختيار و هذا قبيح، بخلاف عدم العقاب عليه، فإنّ القبيح إنّما هو معاقبة الإنسان بأمر لا يرجع إلى اختياره، و أمّا عدم معاقبته بأمر لا يرجع إلى اختياره فلا قبح فيه، و هذا نظير ما لو سقط أحد من السطح من غير اختيار، أو ألقاه غيره قهرا عليه فمات، فإنّ عقابه لأجل سقوطه قبيح لا عدم عقابه عليه، فلا يلزم من مختارنا من عدم استحقاق من لم يصادف قطعه قبح أصلا، و لا منافاة للعدل و الحكمة.

و الأصل فيما اخترناه- من استحقاق من صادف قطعه- أنّ حسن الثواب و العقاب على الأفعال و التروك ينوط بكون العمدة من جهات الفعل أو الترك اختياريّة، فلا يقدح في الحسن ما لو كان فيه جهة غير اختياريّة أيضا، كما في مثال من صادف قطعه الخمر الواقعي.

و قد ينزّل على هذه القاعدة ما ورد في الأخبار من أنّ «من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، و من سنّ سنّة سيّئة كان له وزر من عمل بها» (1) فلو فرضنا أنّ شخصين سنّا سنّة حسنة أو سيّئة و اتّفق كثرة العامل بما سنّه أحدهما و قلّة العامل بما سنّه الآخر،

____________

(1) الوسائل 11: 16/ 1. ب 5 من أبواب جهاد العدوّ ح 1.

23

فإنّ مقتضى هذه الأخبار كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم، و ليس ذلك إلّا باعتبار أنّ العمدة من جهتي السنّتين و هو التسنين اختياريّة.

و ما اشتهر من أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا (1) و لكنّه لا يخلو عن الخدشة.

و العمدة: في المقام هو حكم العقل، فإنّه مستقلّ بالحكم بتساويهما في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته، لا في استحقاق المذمّة و العقوبة على الفعل المقطوع بكونه معصية في أحدهما دونه في الآخر.

و أمّا التفصيل المتقدّم إليه الإشارة، فيظهر اختياره من بعض الفضلاء (2)- في باب الاجتهاد و التقليد في مسألة معذوريّة الجاهل بالأحكام- فقال في جملة كلام له: «و أمّا إذا اعتقد التحريم فلا يبعد استحقاقه العقوبة بفعله و إن كان بطريق غير معتبر نظرا إلى حصول التجرّي بفعله، إلّا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فإنّه لا يبعد عدم ترتّب العقاب على فعله مطلقا أو في بعض الموارد، نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة، فإنّ قبح التجرّي ليس عندنا ذاتيّا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار.

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل، فحسب أنّه ذلك الكافر فتجرّى و لم يقدم على قتله، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا التجرّي عقلا عند من انكشف له الواقع و إن كان معذورا لو فعل.

و أظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبيّ أو وصيّ فتجرّى و لم يفعل، ألا ترى أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له فصادف ابنه، و قطع بأنّه ذلك العدوّ فتجرّى و لم يقتله، أنّ المولى إذا اطّلع على حاله لا يذمّه بهذا التجرّي، بل يرضى به و إن كان معذورا»- إلى أن قال-:

«و من هنا يظهر أنّ التجري على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ منه في مندوباتها، و يختلف باختلافها ضعفا و شدّة كالمكروهات.

و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة ما هو الأقوى من جهاته و جهات التجرّي» (3)، إلى آخر ما أردنا نقله.

و يجري هذه الأقسام الأربع- بقرينة ما سبق من الأمثلة- في التجرّي على الواجب،

____________

(1) يدّل عليه ما في كنز العمّال: 6/ 7 ح 14597.

(2) هو صاحب الفصول.

(3) الفصول: 431- 432.

24

و هو أن يقطع بوجوب ما ليس بواجب في الواقع فتركه، فيقال: إنّ التجرّي على الواجب في المندوبات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ منه في مكروهاتها، و يختلف باختلافها ضعفا و شدّة كالمندوبات.

و يمكن أن يراعى في المحرّمات الواقعيّة ما هو الأقوى من جهاته و جهات التجرّي، و هذه مع الأربع المذكورة للتجرّي على الحرام ثمانية صور.

و ملخّص ما ذكره من أحكام هذه الصور: أنّ التجرّي الّذي هو عبارة عن مخالفة القطع الغير المطابق في ستّة منها- و هي التجرّي على الحرام في المكروهات، أو المباحات، أو المندوبات، و التجرّي على الواجب في المندوبات، أو المباحات، أو المكروهات- يؤثّر في المعصية و استحقاق العقوبة، و إن كان القبح و العقاب في بعضها أشدّ منه في الآخر.

و في الصورتين الباقيتين و هما التجرّي على الحرام في الواجبات الواقعيّة،- كما لو قطع بتحريم واجب واقعي غير مشروط بالنيّة و قصد القربة و فعله- و التجرّي على الواجب في المحرمات الواقعيّة- كما لو قطع بوجوب محرّم واقعي و تركه- ذكر أنّه لا يبعد عدم ترتّب العقاب- على فعله أو تركه مطلقا، أو في بعض الموارد، نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة، أي مزاحمة المصلحة الواقعيّة الّتي هي جهة في الحسن، للتجرّي الّذي هو جهة في القبح، على معنى منعها عن التأثير في القبح، فيكون الفعل أو الترك حسنا لا غير.

ثمّ ذكر في آخر العبارة: «أنّه يحتمل القول بمراعاة الأقوى من جهتي الحسن و القبح، فيرجّح الأقوى على غيره سواء كان هو المصلحة الواقعيّة الّتي تكون جهة في الحسن، أو التجرّي الّذي هو جهة في القبح، و مستنده في التفصيل- على ما ذكره في صدر العبارة- هو عدم كون قبح التجرّي ذاتيّا، بل يختلف بالوجوه و الاعتبارات.

و له كلام آخر في مبحث مقدّمة الواجب هو: «أنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقاباهما (1)» و المراد بمصادفة التجرّي للمعصية الواقعيّة هو ما لو قطع بتحريم محرّم واقعي و فعله، و ما لو قطع بوجوب واجب واقعي و تركه، و لا يخفى ما في هذا التفصيل و دليله و سائر ما ذكره من الضعف و الفساد.

فأوّل ما يرد عليه: ما حقّقناه في دليل القول المختار من منع كون قبح التجرّي مطلقا مؤثّرا في قبح الفعل المتجرّى به زائدا على قبحه الذاتي لو كان، كما في التجرّي بفعل‏

____________

(1) الفصول: 87.

25

محرّم واقعي أو بترك [واجب‏] واقعي، لأنّه قبح في الفاعل من حيث كشفه عن الشقاوة و خبث السريرة لا في الفعل، فمخالفة القطع الغير المطابق لا يؤثّر في المعصية و استحقاق العقوبة في شي‏ء من صورها الثمانية، و لا مدخليّة فيه لمزاحمة الجهة الذاتيّة في الواجبات الواقعيّة و المحرّمات الواقعيّة.

و ثاني ما يرد عليه: أنّ قبح التجرّي ذاتي- على معنى كون عنوان التجرّي بنفسه و حقيقته النوعيّة علّة تامّة لقبحه، كالظلم الّذي هو وضع الشي‏ء على غير مستحقّه- فإنّ التجرّي على المولى بمفهومه يقتضي القبح، فلا يعرضه جهة محسّنة أصلا، و لذا يقال: إنّه قسم من الظلم، كما أنّ الانقياد المقابل له حسنه ذاتي- على معنى كون عنوانه علّة تامّة للحسن- فإنّ الانقياد للمولى بمفهومه يقتضي الحسن، و يستحيل صيرورته قبيحا باعتبار أنّه لا يعرضه جهة مقبّحة، فالتجرّي على المولى قبيح دائما، كما أنّ الانقياد للمولى حسن دائما، سواء قلنا بكونه مؤثّرا في قبح الفعل المتجرّى به أو لم نقل.

و ثالث ما يرد عليه: أنّه لو سلّم عدم كون قبح التجرّي ذاتيّا- على معنى عدم كون عنوانه علّة تامّة للقبح- فلا يسلّم أيضا كونه ممّا يختلف بالوجوه و الاعتبارات، كالقبح في الأفعال الّتي لا تتّصف في حدّ أنفسها بحسن و لا قبح بل إنّما تتّصف بأحدهما باعتبار لحوق وجه من الوجوه الّتي تتبّع في لحوقها القصد و النيّة، كبذل المال للغير فإنّه على وجه الصدقة حسن و على وجه الرشوة قبيح، و ضرب اليتيم فإنّه على وجه التأديب حسن و على وجه التعذيب قبيح، و الدخول على المؤمن فإنّه على وجه الزيارة حسن و على وجه الإهانة قبيح، لأنّ بينهما واسطة و هو ما يتصف في نفسه بالقبح، على أنّ عنوانه الخاصّ بالقياس [إلى القبح‏] من باب المقتضي الّذي قد يصادف ما يمنعه من اقتضاء القبح و يوجب حسنه و يقال له: «الجهة المحسّنة»، كالكذب فإنّه في نفسه قبيح و يحسن لجهة النفع، أو إنجاء النبيّ إذا عرضته عن قصد و التفات، فهو بحيث لولا عروض هذه الجهة كان قبيحا، لكون ذاته مقتضية للقبح على معنى أنّه باق على قبحه، ما لم يعرض له تلك الجهة.

و لا ريب أنّ التجرّي في اقتضاء القبح من هذا القبيل، فإنّ ذاته إن لم تكن علّة تامّة لقبحه فلا أقلّ من كونها مقتضية له، فيكون على اقتضائه للقبح إلى أن يعرضه جهة محسّنة رافعة لقبحه أو مانعة له عن اقتضاء القبح.

و ما ذكره من معارضة الجهة الواقعيّة في التجرّي على الحرام في واجب واقعي أو على‏

26

الواجب في محرّم واقعي لا يقبل منه، لعدم صلاحيّة الجهة المذكورة- و هو حصول فعل الواجب في ضمن التجرّي على الحرام، أو حصول ترك المحرّم في ضمن التجرّي على الواجب- لكونها محسّنة، و لا مزاحمة للقبيح عن اقتضاء القبح، فإنّ الجهة المتحقّقة في ضمن القبيح ما لم تتّصف في نفسها بالحسن لم تؤثّر في حسنه، و لا في منع اقتضاء ذاته لقبحه و لا في رفع قبحه، و لذا ترى أنّه لو تحقّق في ضمن الكذب الصادر من كاذب جهة نفع، أو إنجاء نبيّ لضرب من الاتّفاق من دون قصد منه لتلك الجهة، بل و لا علم منه باشتماله عليها، لم ينفع في استحقاقه للمدح و لا في منع ذاته عن اقتضاء استحقاقه للذمّ، و ظاهر أنّ حصول فعل الواجب أو ترك المحرّم في ضمن التجرّي جهة لا تتّصف في نفسها بالحسن لوجهين:

أحدهما: أنّ الحسن و القبح إنّما يلحقان الأفعال الاختياريّة، و من شروط اختياريّة الفعل كون صدوره عن قصد، و الأفعال الصادرة لا عن قصد ملحقة بالأفعال الغير الاختياريّة، فلا تتّصف عند العقل بحسن و لا قبح، و فعل الواجب الواقعي مع ترك الحرام الواقعي في ضمن التجرّي إنّما حصلا لا عن قصد إلى عنوان الواجب حين الفعل، و لا إلى عنوان المحرّم حين الترك، فلا يتّصفان بالحسن فلا يصلحان جهة محسّنة للتجرّي.

و ثانيهما: أنّ من موانع اتّصاف الأفعال و التروك جهالة عناوينها حين الفعل أو الترك، فمن جهل خمريّة الخمر الواقعي لا يستحقّ بترك شربه مدحا كما لا يستحقّ بشربه ذمّا، و من جهل الكافر الحربي الواجب قتله فلم يقتله لجهله لم يستحقّ ذمّا، كما أنّه لو قتله مع جهله لم يستحقّ مدحا، و من حسب المؤمن العدل كافرا حربيّا فلم يقتله لم يستحقّ به مدحا، كما أنّه لو قتله لم يستحقّ به ذمّا، و هذا هو معنى كونه معذورا كما صرّح به بقوله:

«و إن كان معذورا لو فعل».

و المفروض في التجرّي على الحرام في واجب واقعي، و على الواجب في محرّم واقعي، كون كلّ من الواجب و المحرّم مجهول العنوان عند المتجرّي، لأنّ اعتقاد كون الأوّل محرّما و الثاني واجبا جهل بعنوان الواجب في فعل الأوّل و بعنوان المحرّم في ترك الثاني، فلا يتّصفان بالحسن و لا يستحقّ المكلّف بهما مدحا.

لا يقال: غاية ما يلزم من عدم اتّصاف الجهة الواقعيّة بالحسن أن لا تكون مؤثّرة في حسن الجهة الظاهريّة، و لا يمتنع كونها مؤثّرة في رفع قبحها، فالتجرّي على الحرام أو الواجب في الواجبات و المحرّمات الواقعيّتين و إن كان ممّا لا حسن فيه، إلّا أنّه لا قبح فيه‏

27

أيضا، و هو المراد من معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة.

و حاصل معناه كون الاولى مؤثّرة في رفع قبح الجهة الظاهرية.

لأنّا نقول: إنّ القبح عبارة عن استحقاق الذمّ فما لم يكن هناك استحقاق مدح يكافؤه لم يعقل ارتفاعه، و المفروض أنّ الجهة الواقعيّة لم تؤثّر في استحقاق مدح فلا معنى لكونها مؤثّرة في رفع استحقاق الذمّ اللازم من التجرّي، بل و لئن سلّمنا أنّها أثّرت في استحقاق مدح فلا داعي إلى التزام كونه رافعا للاستحقاق اللازم من التجرّي إلّا على القول بالإحباط و هو باطل عندنا، فلا تنافي بين الاستحقاقين حتّى يزاحم أحدهما الآخر و يرفعه، فيجوز أن يستحقّ الذمّ بتجرّيه و المدح بفعله الواجب الواقعي أو تركه المحرّم الواقعي- كما فيمن نظر إلى الأجنبيّة في الصلاة- و مرجعه إلى عدم تعارض الجهتين، إلّا أن يكون ذلك من جهة لزوم اجتماع المتضادّين في الفعل المتجرّى به باعتبار تأثير التجرّي في حدوث حكم فيه مضادّ لحكمه الواقعي كما عليه مبنى كلامه.

و رابع ما يرد عليه: ما ذكره في مسألة مصادفة التجرّي المعصية الواقعيّة من تداخل عقابيهما، إذ لو اريد من التداخل أنّهما يؤثّران في استحقاق عقاب واحد كما في تداخل الأغسال، ففيه: أنّه مناف لاستقلال كلّ منهما في سببيّته لاستحقاق العقاب، و هذا يقتضي تعدّد العقاب.

و إن اريد به اجتماع العقابين، ففيه: مع أنّه ليس من التداخل بالمعنى المعروف أنّه خلاف مقتضى الأدلّة الواردة في المعاصي الواقعيّة، لظهورها القريب من الصراحة في وحدة العقاب المترتّب على كلّ معصية، فكلّ يترتّب عليه العقاب المقرّر له لا أزيد، و هذا أيضا من أدلّة بطلان القول بكون التجرّي موجبا للمعصية و استحقاق العقوبة، فليتدبّر.

فتحقيق المقام: أنّ التجرّي قبيح في الجميع لكن بالمعنى الراجع إلى الفاعل المتجرّي من حيث انكشاف خبث باطنه و سوء سريرته، فيستحقّ بذلك الذمّ عند العقلاء، لا بالمعنى الراجع إلى الفعل المتجرّى به.

و هل يترتّب على تجرّيه زيادة على استحقاقه المذمّة أثرا آخرا في الدنيا كالفسق و في الآخرة كالعقاب؟ على معنى أنّ المتجرّي باعتبار كونه متجرّيا- لا باعتبار فعله المتجرّى به- يحكم بكونه فاسقا و يعاقب عليه في الآخرة أو لا؟ فيه خلاف، حيث يظهر من الشهيد في كلام له عن القواعد منع ذلك،- خلافا لبعض العامّة الّذي نسب إليه القول‏

28

بكلّ من الفسق و العقاب في كلامه المشار إليه- و هو قوله: «لا يؤثّر نيّة المعصية عقابا و لا ذمّا ما لم يتلبّس بها، و هو ممّا ثبت في الأخبار العفو (1) عنه، و لو نوى المعصية و تلبّس بما يراه معصية فظهر خلافها، ففي تأثير هذه النيّة نظر، من أنّها لمّا لم يصادف المعصية صارت كنيّة مجرّدة و هو غير مؤاخذ بها، و من دلالتها على انتهاك الحرمة و جرأته على المعاصي.

و قد ذكر بعض الأصحاب‏ (2): أنّه لو شرب المباح تشبيها بشرب المسكر فعل حراما، و لعلّه ليس لمجرّد النيّة بل بانضمام فعل، و يتصوّر محلّ النظر في صور:

منها: لو وجد إمرأة في منزل غيره فظنّها أجنبيّة فأصابها، فبان أنّها زوجته أو أمته.

و منها: ما لو وطئ زوجته بظنّ أنّها حائض، فبانت طاهرة.

و منها: ما لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبيّن أنّه ملكه.

و منها: ما لو ذبح شاة بظنّها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.

و منها: ما إذا قتل نفسا بظنّ أنّها معصومة، فبانت مهدورة.

و قد قال بعض العامّة: يحكم بفسق المتعاطي ذلك، لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي و يعاقب في الآخرة- ما لم يتب- عقابا متوسّطا بين الصغيرة و الكبيرة، و كلاهما تحكّم و تخرّص على الغيب‏ (3)» إنتهى.

و إنّما نقل كلام بعض الأصحاب في شرب المباح تشبيها له بشرب المسكر شاهدا على أصل المطلب، نظرا إلى دلالة التشبيه بالمسكر على فساد باطنه و خبث سريرته، من حيث عدم اعتنائه بالمولى و هتك حرمته و جرأته على المعاصي و عدم مبالاته بها، و نظيره وطئ زوجته تشبيها لها بأجنبيّة، [و قوله:] «و لعلّه ليس لمجرّد النيّة بل بانضمام فعل الجوارح» تضعيف لوجه تأثير النيّة، و محصّله: أنّ التجرّي المفروض ليس من مجرّد النيّة بل المجموع منها و من فعل الجوارح، فإنّهما معا يدلّان على ما ذكر لا النيّة وحدها، و الكلام فيها فلم يثبت لها تأثير.

و قوله: «و كلاهما تحكّم» تضعيف لقول بعض العامّة في كلّ من الفسق و العقاب، و التحقيق عندنا: أنّه يوجب الفسق دون العقاب.

____________

(1) انظر الوسائل: 51/ 6 و 8 و 10 و 20 و 21، ب 6 من أبواب مقدّمة العبادات 51- 55/ 6 و 8 و 10 و 20 و 21.

(2) هو أبو الصلاح الحلبي في كتابه (الكافي في الفقه): 279.

(3) القواعد و الفوائد: 1/ 107- 108.

29

أمّا الأوّل: فلأنّ التجرّي لكشفه عن عدم مبالاته بالمعاصي و جرأته عليها- حتّى أنّه لو فرض مطابقة ظنّه في موارده للمعصية الواقعيّة لارتكبها- كاشف عن فقدانه للملكة النفسانيّة الرادعة عن ارتكاب الكبائر، و الإصرار على الصغائر الّتي هي حقيقة العدالة على المشهور.

و لا ريب أنّ الفاقد لها فاسق، فالحكم بفسقه إنّما هو لانكشاف فقدان ملكة العدالة، لا لفعله المتجرّى به لينافي ما قدّمناه من عدم كونه عصيانا.

و أمّا الثاني: فلأنّ العقاب فرع على العصيان و هو فرع على الخطاب و قد عرفت أنّ التجرّي في مورد الاعتقاد الغير المطابق لا يؤثّر خطابا، فقد ظهر بملاحظة كلام الشهيد أنّه قد يكون بفعل ما ليس بمحرّم في الواقع باعتقاد كونه محرّما، و قد يكون بقصد المعصية فيما ليس بمعصية باعتقاد كونه معصية، و كلاهما قبيحان و المتجرّي فيهما معا يستحقّ ذمّ العقلاء، و لكنّه لا يؤثّر في تحريم ما يتجرّى به فعلا كان أو قصدا.

و أمّا قصد المعصية فيما هو معصية في الواقع مع العلم بكونها معصية من غير تلبّس بها، فلا ينبغي التأمّل في قبحه عقلا و استحقاق فاعله المذمّة عند العقلاء، و لا كلام لأحد فيه حتّى عند علماء الكلام.

قال المحقّق الطوسي في التجريد: «ارادة القبيح قبيحة (1)» و هل هو مع قبحه العقلي محرّم شرعي أيضا أو لا؟ و على تقدير التحريم فهل يعاقب عليه أيضا في الآخرة أو لا؟

فنقول: إنّ في عدّة من الآيات و الروايات الدلالة على التحريم و كونه منهيّا عنه، و قد تقدّم بيان الجميع و بيان وجوه دلالاتها و سائر ما يتعلّق بها بعد نقل أقوال العلماء و الإشارة إلى نوع اختلاف فيه- في ذيل مسألة مقدّمة الواجب عند البحث في أحكام مقدّمة الحرام و لا حاجة إلى إعادة ما سبق هنا.

و في عدّة من الأخبار (2) الاخر العفو عنه،- كما اعترف به الشهيد في عبارته المتقدّمة- فيقع التعارض بينها و بين الآيات و الروايات المتقدّم إليهما الإشارة لكونها بين صريحة و ظاهرة في ترتّب العقاب عليه فعلا.

و قد يجمع بحمل ما دلّ على العفو على من نوى المعصية و قدر على فعلها و لم يفعلها اختيارا، و ما دلّ على ترتّب العقاب على من نواها و عجز من فعلها فلم يفعلها قهرا.

____________

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 238.

(2) انظر الوسائل: 1: 51- 55/ 6 و 7 و 8 و 20 و 21، من أبواب مقدّمة العبادات.

30

و قد يحتمل أيضا حمل الاولى على العزم المجرّد، و حمل الثانية على العزم مع التلبّس بما يكون من مقدّمات المعصية، أو حمل الاولى على ما كان المنويّ من الصغائر و الثانية على ما كان المنويّ من الكبائر.

ثمّ يبقى الإشكال في العفو المستفاد من رواياته، فإنّ الإخبار بعدم العقاب على المحرّم ينافي اللطف الواجب عليه تعالى، ضرورة أنّ الوعد على الثواب و الوعيد بالعقاب لطف، لكون الأوّل مقرّبا إلى الطاعة و الثاني مبعّدا عن المعصية فيكون واجبا عليه تعالى، فكيف يصدر منه ما ينافيه و هو الإخبار بالعفو.

و يمكن الذبّ: بأنّ العقاب على ذي المقدّمة- الّذي هو أصل الفعل المقصود- و الوعيد بالعقاب عليه كاف في الردع، و يتمّ به اللطف و لا حاجة معه إلى الوعيد بالعقاب على فعل المقدّمات، و لا على العزم على فعل ذي المقدّمة، فإنّ المكلّف إذا علم بأنّ أصل الفعل ممّا أوعد اللّه عليه العقاب يبعثه ذلك على عدم الإقدام عليه، و لا على مقدّماته و على ترك العزم عليه إن كان مع ربّه في مقام الإطاعة و الانقياد، و إلّا فلا ينفعه الوعيد على العزم و على فعل مقدّماته بالعقاب أيضا، كما لم ينفعه الوعيد على أصل الفعل، فالإخبار بالعفو عن معصية العزم- كما ورد في الأخبار- لا ينافي اللطف.

ثمّ إنّ العزم على المعصية و إن كان معصية إلّا أنّه معصية مستقلّة، لا أنّه المعصية المنويّة، لكونه في نفسه منهيّا عنه.

ثم إنّ المحقّق من أقسام التجرّي ثلاث:

أحدها: مجرّد القصد على المعصية.

و ثانيها: القصد إليها مع الاشتغال بما يكون من مقدّمات المعصية.

و ثالثها: القصد إليها مع التلبّس بما اعتقد كونه معصية.

و قد يذكر أقسام ثلاث اخر:

منها: التلبّس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقّق المعصية به.

و منها: التلبّس به لعدم المبالات بالمعاصي.

و منها: التلبّس به برجاء أن لا يكون معصية، و لكن كون هذه من التجرّي مبنيّ على قيام احتمال المعصية، و هو مبنيّ على عدم كون الجهل عذرا عقليّا أو شرعيّا، و إلّا فمع كونه عذرا بأحد الوجهين- كما في موارد أصل البراءة من الشبهات الوجوبيّة بل التحريميّة

31

أيضا- فاحتمال المعصية منفي بالأصل، و إن احتمل معه مخالفة الحكم الواقعي.

و الضابط في عدم عذريّة الجهل هو العلم الإجمالي بالوجوب في الشبهات الوجوبيّة، أو بالتحريم في الشبهات التحريميّة مع التمكّن من العلم التفصيلي، أو العلم الإجمالي بالواجب أو المحرّم فيما بين المشتبهات مع التمكّن من الامتثال، كما في الشبهة المحصورة وجوبيّة أو تحريميّة.

المطلب الثاني [في القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة]

قد عرفت في مقدّمات الباب- عند بيان الفرق بين القطع الطريقي و القطع الموضوعي- أنّ من خصائص العلم الطريقي عدم الفرق في طريقيّته إلى الواقع و وجوب متابعته بين أفراده من حيث القاطع، و المقطوع به، و أسباب القطع، و أزمانه، و معنى وجوب متابعته وجوب ترتيب آثار الواقع على المقطوع به مطلقا، سواء استند في حصوله إلى سبب عقلي أو نقلي أو ملفّق من العقلي و النقلي.

و برهانه: أنّ العلم لا معنى له إلّا انكشاف الواقع، و الواقع بعد ما انكشف فلا عذر للمكلّف في عدم ترتيب آثاره عليه، فتخصيص طريقيّته و وجوب متابعته بسبب دون سبب غير معقول، إلّا بأن يقال: إنّ المقطوع به من السبب الفلاني ليس له تلك الآثار، أو أنّ الآثار ليست من آثار المقطوع به، و الكلّ باطل بدليل الخلف، إذ المفروض أنّ المقطوع به هو الواقع المنكشف، فهو ممّا له آثار الواقع و آثار الواقع من آثاره.

و بالجملة: لا يعقل الفرق في طريقيّة العلم و وجوب متابعته بين أسبابه حذرا عن لزوم التناقض الّذي يوضحه دليل الخلف بالوجه الّذي قرّرناه، و مرجعه إلى فرض المعلوم في الصغرى غير ما له الآثار المعلومة في الكبرى، و فرض الآثار المعلومة في الكبرى لغير المعلوم في الصغرى، و كلاهما خلاف ما فرض من صدق المقدّمتين، خلافا لغير واحد من أصحابنا الأخباريّين‏ (1) فانكروا جواز الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة النظريّة الغير القريبة من الحسّ لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها، فلا يمكن الركون إلى شي‏ء منها كما يوضحه كلام محكي عن المحدّث الأسترابادي في فوائده المدنيّة، و لا بأس بنقله هنا.

فإنّه- عند الاستدلال على انحصار الدليل في غير الضروريّات الدينيّة في السماع عن‏

____________

(1) كالأمين الأسترابادي و المحدّث الجزائري و المحدّث البحراني.

32

الصادقين (عليهما السّلام) بوجوه كثيرة- قال: [و تاسعها: مبنيّ على مقدّمة] دقيقة شريفة تفطّنت لها بتوفيق اللّه تعالى و هي أنّ العلوم النظريّة قسمان، قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار.

و السبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و لأنّهم عارفون بالقواعد المنطقيّة، و هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس، و قسم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس، و من هذا القسم الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة، و علم الكلام، و علم اصول الفقه، و المسائل النظريّة الفقهيّة، و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق كقولهم: «الماهيّة لا [يتركّب‏] من أمرين متساويين» و قولهم: «بعض نقيضا المتساويين متساويان».

و من ثمّ وقع الاختلافات و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة، و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و مسائل [الفقه‏] و علم الكلام و غير ذلك [من غير فيصل‏].

و السبب في ذلك أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة، إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب موادّ الأقيسة تقسيم الموادّ على وجه كلّي إلى أقسام، و ليست في المنطق قاعدة بها تعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من [تلك‏] الأقسام، [بل و] من المعلوم [عند اولى الألباب‏] امتناع وضع قاعدة يكفل بذلك»- إلى أن قال:

«فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليّات و الشرعيّات، و الشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في اصول الدّين و في الفروع الفقهيّة.

قلت: إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقلية باطلة إلى المقدّمة النقليّة الظنّيّة أو القطعيّة.

و من الموضحات لما ذكرناه- من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم من الخطأ في مادّة الفكر- أنّ المشّائيّين ادّعوا البداهة في أنّ تفرّق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه و إحداث لشخصين آخرين، و على هذه المقدّمة بنوا إثبات الهيولى.

و الإشراقيّين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداما للشخص الأوّل و إنّما انعدمت صفة من‏

33

صفاته و هو الاتّصال.

ثم قال: «إذا عرفت ما مهّدناه من المقدّمة الدقيقة الشريفة، فنقول: إنّ تمسّكنا بكلامهم (عليهم السّلام) فقد عصمنا من الخطأ و إنّ تمسّكنا بغيرهم لم نعصم‏ (1) عنه» انتهى.

و حاصل ما ذكره: إبداء الفرق في الدليل العقلي بين ما لم يكن مقدّماته محسوسة و لا قريبة من الإحساس، و ما كان مقدّماته محسوسة أو قريبة من الإحساس، كعلمي الهندسة و الحساب الباحثين عن المقدار و العدد المفتقرين إلى المادّة في الخارج، المأخوذين في هذين العلمين موضوعين مع قطع النظر عن المادّة، فما يكون مقدّماته من هذا القسم يجوز الاعتماد عليه و الركون إليه في استنباط الأحكام الشرعيّة، و ما يكون مقدّماته من قبيل الأوّل فلا يجوز الاعتماد عليها و الركون إليها، لكثرة ما يقع فيها من الغلط و الاشتباه.

و وجهه: أنّ انعقاد الدليل في كلّ من الأقيسة لا بدّ له من صورة، و هي الهيئة المعتبرة بين مقدّميه الصغرى و الكبرى، باعتبار التقديم و التأخير و تحقّق الشرائط المقرّرة في المنطق بالقياس إلى الأشكال الأربعة، من إيجاب الصغرى و فعليّتها مع كلّيّة الكبرى في الشكل الأوّل، و اختلافهما في الكيف مع كلّيّة الكبرى و دوام الصغرى، أو انعكاس سالبة الكبرى في الشكل الثاني، و إيجاب الصغرى و فعليّتها مع كلّيّة إحداهما في الثالث، و إيجابهما مع كلّيّة الصغرى أو اختلافهما في الكيف مع كلّيّة إحداهما في الرابع، و مادّة يعبّر عنها بالملازمة فيما بين أطراف المقدّمتين المعبّر عنها بالأصغر و الأوسط و الأكبر المنحلّة إلى ملازمتين:

إحداهما: الملازمة بين الأصغر و الأوسط، و اخراهما: الملازمة بين الأوسط و الأكبر.

و مرجعهما إلى كون الأوسط لازما للأصغر و ملزوما للأكبر في الشكل الأوّل، أو كونه لازما لهما في الثاني، أو كونه ملزوما لهما في الثالث، أو كونه ملزوما للأصغر و لازما للأكبر في الرابع.

و لا ريب أنّ الخطأ حيثما يقع في مقدّمات الدليل فإنّما يقع باعتبار المادّة بزعم ملازمة بين شيئين لا ملازمة بينهما في الواقع في الصغرى أو الكبرى، لا باعتبار الهيئة، فإنّ التميّز بين الصورة المنتجة باعتبار تحقّق شرائط الإنتاج و الصورة الغير المنتجة باعتبار تخلّف الشرائط أمر واضح يعرفه الأذهان السليمة و الأفهام المستقيمة.

و إن شئت قلت: إنّ التمييز بينهما ضروري حاصل لكلّ ذي شعور، ضرورة أنّه لو قيل‏

____________

(1) فوائد المدنيّة: 129- 131.

34

- في تأليف القياس بطريق الشكل الأوّل مثلا-: «كلّ إنسان حيوان، و بعض الحيوان جسم»، أو قيل: «لا شي‏ء من الإنسان بحجر، و كلّ حجر جسم»، يعلم كلّ أحد أنّ الأوّل لا ينتج قولنا: «كلّ إنسان جسم» و لا أنّ الثاني ينتج قولنا: «لا شي‏ء من الإنسان بجسم» فالخلل الواقع في الدليل من جهة الهيئة لا يوجب خطأ، بل الخطأ حيثما حصل فإنّما حصل لوقوع خلل في مادّة الدليل، لبناء تأليفه على توهّم ملازمة في صغراه أو كبراه هي بحسب الواقع منتفية، مثلا لو حصل القطع لأحد بحرمة الخمر لاعتقاده بكون الخمر مسكرا و كلّ مسكر حراما، فدخول الخطأ في هذه النتيجة لا يتأتّى إلّا باعتبار وقوع الخطأ في توهّم الملازمة بين الخمر و المسكريّة، أو باعتبار وقوعه في زعم الملازمة بين المسكر و الحرمة.

و السرّ فيه: أنّ إحراز الملازمة على أحد وجوهها المذكورة في الامور النظريّة الغير القريبة من الإحساس على وجه يفضي إلى إصابة الواقع في النتيجة أمر صعب بل في غاية الصعوبة، و ليس لمعرفتها طريق مضبوط في فنّ المنطق، و لا في سائر فنون المعقول.

و قضيّة ذلك حينئذ كثرة وقوع الغلط و الاشتباه في الأقيسة من جهة موادّها فيتّضح الفرق المذكور، لوضوح أنّ الخطأ باعتبار المادّة فيما يكون مقدّماته محسوسة أو قريبة من الحسّ ممّا لا يكاد يقع، و على فرض وقوعه في غاية الندرة، بخلاف ما لا يكون مقدّماته كذلك إذ الخطأ و الاشتباه فيها في غاية الكثرة، و لأجل ذلك ما يشاهد من حصول الاختلافات و المشاجرات فيما بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة، و بين علماء الإسلام في العلوم الشرعيّة من الكلام و اصول الفقه و المسائل الفقهيّة و غيرها، و ليس ذلك إلّا من جهة بعد مقدّماتها عن الإحساس، بخلاف فنون الرياضي و لا سيّما الهندسة و الحساب، و لذا ترى أنّ الاختلاف فيها بين أربابها في غاية الندرة، و إذا كانت الحال في الأدلّة و المقدّمات العقليّة الغير القريبة من الإحساس بتلك المثابة من كثرة وقوع الخطأ و الاشتباه فيها باعتبار موادّها، فلا يجوز الاعتماد عليها و الركون إليها، و قضيّة ذلك عدم جواز متابعة القطع الحاصل منها، هذا.

و ممّن وافقه على هذا المذاق السيّد المحدّث الجزائري في أوائل شرح التهذيب فإنّه- على ما حكي عنه- بعد ذكر كلام المحدّث المتقدّم بطوله قال: «و تحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه.

فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول و الفروع، فهل يبقى له حكم في‏

35

مسألة من المسائل؟

قلت: أمّا البديهيّات فهي له وحده و هو الحاكم فيها.

و أمّا النظريّات فإن وافقه النقل و حكم بحكمه قدّم حكمه على النقل وحده، و أمّا لو تعارض هو و النقلي فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل و عدم الالتفات إلى ما حكم به العقل»- إلى أن قال-: «و هذا أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة:

منها: مسألة الإحباط فإنّ أكثر علمائنا قد أقاموا الأدلّة العقليّة على نفيه، مع أنّ الآيات و الأخبار دالّة عليه.

و منها: مسألة إسهاء اللّه تعالى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم في الصلاة وحدها، فإنّ الأخبار قد استفاضت في الدلالة عليه و قد عمل بها الصدوق (قدس سرّه)، و قد أنكره أصحابنا اعتمادا على بعض الأمارات العقليّة.

و منها: مسألة الإرادة، فإنّ المتكلّمين من أصحابنا قد أقاموا البراهين العقليّة على كونها عين الذات، و قد ورد في الأخبار المستفيضة أنّها زائدة عليها، و أنّها من صفات الأفعال، و ذهب إليه شيخنا الكليني طاب ثراه و قد عنون بابا من اصول الكافي في زيادة الإرادة على الذات.

و منها: تعيين أوّل الواجبات، فذهب الأكثر إلى أنّه معرفة اللّه تعالى إذ هو أصل المعارف و العقائد الدينيّة، و عليه يتفرّع كلّ واجب من الواجبات الشرعيّة، و ذهب بعضهم إلى أنّ أوّل الواجبات هو النظر فيها لأنّه واجب اتّفاقا و هو قبلها، و هو مذهب المعتزلة و الأوّل مذهب الأشاعرة، و قيل: هو أوّل جزء من النظر، لأنّ وجوب الكلّ يستلزم وجوب أجزائه، و أوّل جزء من النظر واجب و مقدّم على النظر المقدّم على المعرفة.

و قال القاضي و اختاره ابن فورك و إمام الحرمين أنّه القصد إلى النظر، لأنّ النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المقدّم على أوّل أجزائه.

و قال بعض المحقّقين: و هذا النزاع لفظيّ، إذ لو اريد الواجب بالقصد الأوّل أي اريد أوّل الواجبات المقصودة أوّلا و بالذات فهو المعرفة إتّفاقا، و إن اريد الواجب مطلقا فالقصد إلى النظر، لأنّه مقدّمة للنظر الواجب مطلقا فيكون واجبا أيضا.

و الحاصل: أنّهم أقاموا الأدلّة على أنّ أوّل الواجبات هو المعرفة باللّه تعالى و عليه أكثر المحقّقين من الإماميّة بل لا ينقل منهم سواه، و أمّا الأخبار فقد استفاضت بل تواترت بأنّ معرفة اللّه تعالى المجملة و هو: اللّه خالق للعالم، و أنّه قادر حكيم، و نحوه من الامور النظريّة

36

الّتي وقعت في القلوب بإلهام فطري الهيّ.

و ذلك نظير قول الحكماء: «أنّ الطفل يتعلّق بثدي امّه بإلهام فطري الهي» فلم يتعلّق بالمكلّف وجوب و غيره إلّا بعد بلوغ خطاب الشارع، و معرفة اللّه تعالى قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق الإلهام، بل قيل إنّ كلّ من بلغه دعوة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم يقع في قلبه من اللّه تعالى اليقين بصدقه، لما تواترت به الأخبار من قولهم (عليهم السّلام): «ما من أحد إلّا ورد عليه الحقّ حتّى يصدع قلبه قبله أو تركه»، فأوّل الواجبات هو الإقرار اللساني بالشهادتين على ما في الروايات» انتهى‏ (1).

و عن المحدّث البحراني- في مقدّمات الحدائق- موافقته لهما في الجملة، حيث نقل في هذا المقام كلاما للسيّد المتقدّم و استحسنه، إلّا أنّه صرّح بحجّيّة العقل الفطري الصحيح و حكم بمطابقيّته للشرع و مطابقة الشرع له.

ثمّ قال: «لا مدخل للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهيّة من عبادات و غيرها، و لا سبيل إليها إلّا السماع عن المعصوم لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها».

ثمّ قال: «نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقّف على التوقيف فنقول: إن كان الدليل العقلي المتعلّق بذلك بديهيّا ظاهر البداهة- مثل الواحد نصف الاثنين- فلا ريب في صحّة العمل به، و إلّا فإن لم يعارضه دليل عقلي و لا نقلي فكذلك، فإن عارضه دليل عقلي آخر فإن تأيّد أحدهما بنقلي كان الترجيح له و إلّا فإشكال، و إن عارضه دليل نقلي فإن تأيّد ذلك العقلي بدليل نقلي كان الترجيح للعقلي، إلّا أنّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليّات، و إلّا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيّد المحدّث المتقدّم ذكره و خلافا للأكثر، هذا في العقلي بقول مطلق.

و أمّا لو اريد المعنى الأخصّ و هو الفطري الخالي عن شوائب الأوهام الّذي هو من حجج الملك العلّام، و إن شذّ وجوده في الأنام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال» انتهى‏ (2).

و أنت خبير بما في جميع هذه الكلمات من الفساد و خروجها عن السداد.

أمّا كلام المحدّث الأسترابادي فمع أنّه لا يرجع إلى محصّل- بعد منع وجود ما لا ينتهي من مقدّمات الدليل العقلي إلى المعلومات الضروريّة و لو بواسطة أو وسائط، لاستحالة تحصيل المجهول النظري عن نظري مثله، و أنّه منقوض بالدليل النقلي الّذي حصروه في الأخبار المأثورة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام)، من حيث إنّ وقوع الخطأ و الاشتباه‏

____________

(1) شرح التهذيب: 47 (مخطوط).

(2) الحدائق: 1/ 126- 133.

37

في المطالب المستفادة منها إن لم يكن أكثر ممّا يقع في المطالب المتوصّل إليها بواسطة المقدّمات العقليّة النظريّة البعيدة عن الإحساس، فلا أقلّ من عدم كونه أقلّ منه بسبب الخلل الواقعة في الأخبار من جهات عديدة، فتارة: من حيث الصدور، و اخرى: من حيث جهة الصدور، و ثالثة من حيث المتن، و رابعة من حيث الدلالة، و خامسة: من حيث التعارض و علاجه بالمرجّحات الظنّيّة المتعارضة.

فإنّ كلّ واحدة من هذه الجهات من أسباب الخطأ و الاشتباه كثيرا، فلو كان ذلك جهة للمنع لا نسدّ باب الاستنباط رأسا، و توهّم التفرقة بالاغتفار و عدمه و لو من جهة توهّم الفرق بالقصور و التقصير تحكّم و مجازفة واضحة لا يلتفت إليها- أنّ محلّ هذا المنع إمّا أن يكون الدليل العقلي قبل حصول العلم من جهته بالحكم الشرعي، و مرجعه إلى المنع عن الخوض و النظر في المطالب العقليّة النظريّة للتوصّل إلى المطالب الشرعيّة لما يكثر فيها من الغلط و الاشتباه، أو يكون الدليل العقلي بعد حصول القطع من جهته بالحكم الشرعي، و مرجعه إلى المنع من العمل بالقطع الحاصل من الدليل العقلي النظري.

فإن كان الأوّل فهو إنّما يسلّم في موضع العلم الإجمالي بوقوع الخطأ كثيرا في المطالب الشرعيّة الّتي يتوصّل إليها بواسطة تلك المطالب العقليّة الّتي يراد الخوض فيها، و مع فرض العلم الإجمالي على الوجه المذكور فدعوى المنع عن الخوض فيها من باب المنع عن الشبهة المحصورة الّتي تثبت بحكم العقل كلام حسن لا يقابل بالإنكار، غير أنّه خارج عن مفروض المسألة إذ لا يظنّ من الأصحاب بأحد يجوّز ذلك، بل نلتزم عنهم أنّهم لا يجوّزونه جزما.

فكبرى الدعوى المذكورة مسلّمة لا يمكن الاسترابة فيها، و إنّما الكلام في الصغرى و هي محلّ منع أشدّ المنع، لكذب دعوى العلم الإجمالي بما ذكر، إذ الأدلّة العقليّة الّتي يتداولها الأصحاب في استفادة المطالب الشرعيّة لا تخلو عن نوعين:

أحدهما: المستقلّات العقليّة الّتي يحكم فيها العقل بدون ملاحظة خطاب [الشرع‏] و هي موارد التحسين و التقبيح العقليّين.

و ثانيهما: الاستلزامات العقليّة الّتي يحكم فيها العقل بملاحظة خطاب الشرع، كوجوب المقدّمة، و حرمة الضدّ، و حرمة العبادة و بطلانها من جهة امتناع اجتماع الأمر و النهي، و فساد العبادات المنهيّ عنها، إن كان ثابتا بحكم العقل لا بدلالة العرف و ما أشبه ذلك،

38

و ليس عند الأصحاب ممّا عدا هذين النوعين من الأدلّة العقليّة النظريّة ما يتمسّكون به على وجه الاستناد للتوصّل إلى الأحكام الشرعيّة، و ليس لأحد في هذين النوعين علم إجمالي بوقوع خطأ فيها فضلا عن كثيره.

فإن قلت: لعلّ نظر هؤلاء إلى ما ورد في الأخبار من «أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» و أنّه «لا شي‏ء أبعد عن دين اللّه من عقول الناس» (1) و ما يقرب من ذلك.

قلت: مع أنّ ذلك لا يلائم كلام المحدّث- المصرّح بكون الجهة المانعة كثرة الغلط و الاشتباه، و أنّ هذه الأخبار معارضة بما هو أكثر و أرجح منها من الأخبار الدالّة على مرجعيّة العقل ممّا يستفاد منه كون العقل أيضا حجّة من الحجج، و أنّه الرسول الباطني الّذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج، و أنّه حجّة باطنيّة، و أنّه ما يثاب و يعاقب به، و أنّه ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان‏ (2)، إلى غير ذلك ممّا تقرب من هذه المضامين- أنّ مورد هذه الأخبار نظرا إلى سياقاتها إعمال العقل في إدراك علل الأحكام التوقيفيّة للتوصّل بها إلى نفس الأحكام، نظرا إلى أنّ الأحكام منوطة بعلل خفيّة لا يدركها عقول الناس القاصرة، بل لا يطلع عليها إلّا اللّه سبحانه و الراسخون في العلم الّذين عصمهم اللّه من الخطأ و الزلل، و أودعهم أحكامه و أوقفهم على عللها و مناطاتها.

و بالجملة: هذه الأخبار مسوقة في ردّ العامّة المخالفين حيث يستعملون عقولهم الناقصة في استنباط علل الأحكام من الطرق العقليّة الغير العلميّة المتداولة لديهم، و كلامنا ليس في نحو هذه العقول المستعملة فيما ذكر، و أصحابنا أيضا لا يجوّزون الركون إلى العقل بهذا المعنى، كيف و أنّ المنع من القياس من ضروريّات مذهبنا.

فإن قلت: يمكن أن يكون نظرهم إلى ما يستفاد من جملة من الأخبار من أنّ الواجب علينا امتثال الأحكام الّتي بلّغها حجج اللّه تعالى الأئمّة المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فكلّ حكم لم يكن الحجّة واسطة في تبليغه لم يجب امتثاله، بل يكون من قبيل «اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه» (3)- على معنى كونه ممّا لم يأمر اللّه تعالى حججه بتبليغه- مثل ما رواه زرارة بسند صحيح- على الصحيح- عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث في الإمامة قال:

____________

(1) كمال الدين: 324 ح 9 و الوسائل: 27: 203/ 69 و 73، ب 13، من أبواب صفات القاضي.

(2) الكافي 1: 11 و 16/ 3 و 12.

(3) لم نعثر عليه بعينه، نعم جاء في نهج البلاغه هكذا: «و سكت عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها» نهج البلاغة الحكمة: 105.

39

«أمّا لو أنّ رجلا قام ليله، و صام نهاره، و تصدّق بجميع ماله، و حجّ جميع دهره، و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه، و يكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه، و لا كان من أهل الإيمان» (1).

و قول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أيضا في حديث: «أما أنّه شرّ عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منّا.» (2)

و قول أبي جعفر (عليه السّلام): «من دان اللّه بغير سماع من صادق ألزمه اللّه البتّة يوم القيامة» (3) و قوله (عليه السّلام) أيضا في حديث آخر: «كلّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل» (4) إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع.

و قضيّة هذا كلّه أن يكون الحكم المنكشف بغير واسطة تبليغ الحجّة ملغى في نظر الشارع، و إن كان مطابقا للواقع.

قلت: مع أنّه خلاف ظاهر التعليل في كلام المحدّث الأسترآبادي، نجيب عنه:

أوّلا: بالنقض بالأحكام المعلومة بمقدّمات ضروريّة أو بمقدّمات نظريّة قريبة من الإحساس لانتفاء الواسطة في ذلك كلّه.

و ثانيا: بمنع دلالة الأخبار المذكورة على ما ذكر، خصوصا الخبر الأوّل لكونه ظاهرا كالصريح في اشتراط صحّة الأعمال و ترتّب الثواب عليها بمعرفة ولاية أهل البيت و موالاتهم، و لم يدلّ ذلك على كون الحكم المنكشف بواسطة العقل القاطع لأهل الولاية و موالاة الأئمّة ملغى في نظر الشارع.

و لو سلّم دلالة الخبر على أزيد من الاشتراط المذكور فهو- كباقي الأخبار المذكورة- واردة في سياق الأخبار الكثيرة المتواترة معنا الواردة في ردّ المخالفين وردعهم في اعتمادهم على إدراكاتهم الظنّيّة بواسطة عقولهم الناقصة، و استحساناتهم الباطلة، و آرائهم الفاسدة للأحكام التوقيفيّة الصرفة الّتي لا طريق إلى إدراكها سوى خطاب الشرع و سنّة النبويّة و الإماميّة، و استبدادهم في ذلك و عدم اعتنائهم بأولياء اللّه و حججه أصلا، فلا يدخل الأحكام المنكشفة بالعقل القاطع في مورد هذه الأخبار.

____________

(1) الوسائل 1: 119/ 2، ب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.

(2) الوسائل 27: 70/ 25، ب 7 من أبواب صفات القاضي.

(3) الوسائل 27: 75/ 37، ب 7 من أبواب صفات القاضي.

(4) الوسائل 27: 74/ 34، ب 7 من أبواب صفات القاضي.

40

و لو سلّم عدم ظهورها فيما ذكرناه، وجب تنزيلها عليه جمعا بينها و بين العقل المستقلّ بعدم قبول القطع الطريقي للتخصيص بين أسبابه، و عدم جواز منع الشارع من العمل بالقطع لإدائه إلى التناقض الّذي مرجعه هنا إلى لزوم الكذب في كلام الشارع، أو إلى اجتماع النقيضين في الاعتقاد، مع العقل المستقلّ بوجوب طاعة اللّه و رسوله و امنائه، و امتثال أحكامه المعلومة من غير مدخليّة عند العقل فيه بخصوص تبليغ المعصوم نبيّا أو وليّا، بل مناطه عنده انكشاف الواقع بأيّ طريق كان حتّى نحو الرمل و الجفر أو غيرهما من الأسباب الغير المتعارفة.

و بالتأمّل فيما بيّناه اندفع ما عن السيّد صدر الدين في شرحه للوافية في جملة كلام له في حكم ما يستقلّ به [العقل‏] من قوله- بعد كلام طويل له في هذا المقام-: «لا يقال: من حصل له الجزم بأنّ شيئا خاصّا من شأنه أن يستحقّ على فعله الثواب و على تركه العقاب، و أنّه مرضيّ و مراد للشارع، و أنّه أمر به، و لكنّه منع وصول أمره إلى المأمور مانع، فلا شكّ أنّه يجوز له أن يتعبّد اللّه بفعل هذا الشي‏ء، و أنّه مثاب بفعله، و أنّه لو عاقبه اللّه على الترك لا يكون عقابه قبيحا، فحينئذ يجوز له الإفتاء بأنّ هذا الشي‏ء واجب كما يجوز لنفسه العمل به بقصد أنّه واجب، فقد ثبت مطلوبنا.

لأنّا نقول: إنّ التعبّد بمثل هذا الشي‏ء محلّ نظر، لأنّ المعلوم هو أنّه يجب فعل شي‏ء أو لا يجب إذا حصل الظنّ أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم أو فعله أو تقريره، لا أنّه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أيّ طريق كان، و قس عليه حال الفتوى.

ألا ترى أنّا لو رأينا المعصوم (عليه السّلام) في المنام- و قلنا بأنّه هو للأحاديث‏ (1) الدالّة على هذا- فأمرنا بشي‏ء أو نهانا عن شي‏ء لم يصل إلينا حكمه في اليقظة لكان جواز العمل و الإفتاء به محلّ نظر و تأمّل، فلا يبعد أن يقال بترتّب العقاب لو فعل أو ترك بقصد التقرّب، أو أفتى بأحدهما» إلى آخر ما ذكره‏ (2)

و محصّل مرامه (رحمه اللّه): أنّ إطاعة اللّه تعالى في أوامره و نواهيه و امتثالهما إنّما تجب إذا حصل العلم أو الظنّ بهما من جهة النقل عن المعصوم قولا أو فعلا أو تقريرا، إلا إذا حصل‏

____________

(1) كقوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: «من رآني في منامه فقد رآني، فإنّ الشيطان لم يتمثّل بي» (بحار الأنوار 49: 283/ 1).

(2) شرح الوافية (مخطوط): 215.

41

العلم به من غير تلك الجهة من الطرق العلميّة الغير النقليّة، و مرجعه إلى دعوى مدخليّة تبليغ المعصوم من نبيّ أو وصيّ في وجوب الإطاعة و الامتثال.

و يزيّفه: أنّ دعوى هذا التخصيص إمّا من جهة العقل أو من جهة النقل، و الأوّل باطل لاستقلال العقل بخلافه حسبما عرفت و كذلك الثاني، إذ ليس في النقل ما يوهم ذلك إلّا الأخبار المذكورة و قد عرفت حالها من حيث إنّها غير دالّة على مدخليّة تبليغ المعصوم في وجوب الإطاعة و الامتثال، فإنّ هذه المدخليّة إمّا لأجل دخل تبليغ المعصوم في نفس الحكم على وجه الموضوعيّة فما لم يبلّغه المعصوم ليس بحكم اللّه تعالى الّذي يجب طاعته، أو لدخله في طريق إدراكه، فكلّ حكم لم يدرك من طريق السماع عن المعصوم و لو بالواسطة فلم يرد اللّه سبحانه إطاعته و إن طابق الواقع.

و أيّا مّا كان فالأخبار المذكورة غير دالّة عليه لا صراحة و لا ظهورا، بل هي ظاهرة في نفي مرجعيّة الجبت و الطاغوت و أتباعهما، أو نفي اتّباع الأحكام الظنّيّة المدركة بالاستحسانات، أو بمعونة العقول الناقصة المعمولة في استنباط علل الأحكام و مناطاتها.

فالحصر المستفاد من هذه الأخبار و غيرها من أدلّة وجوب الرجوع إلى الأئمّة (عليهم السّلام) إضافيّ، قصد بالإضافة إلى الجبت و الطاغوت و أتباعهما، أو بالإضافة إلى الأحكام الظنّيّة القياسيّة، أو الاستحسانيّة على ما كان متعارفا عند المخالفين في زمان صدور هذه الأخبار، لا بالإضافة إلى العقل المستقلّ في مستقلّاته، و لا بالإضافة إلى الأحكام المعلومة بطريق الجزم بواسطة المقدّمات الضروريّة، أو النظريّة العقليّة.

و لو سلّم ظهورها فيما ذكر يتعيّن صرفها إلى ما بيّناه، و لو فرض عدم قبولها الحمل المذكور لا مناص من طرحها، لأنّها أخبار آحاد لا تقاوم لمعارضة العقل المستقلّ، فهي إمّا غير منافية أو مؤوّلة أو مطروحة.

و إن كان الثاني فالمنع من العمل بالقطع الحاصل من المقدّمات العقليّة النظريّة إن اريد به خطاب الشارع بعدم العمل بالقطع المذكور بعد حصوله، فهو غير معقول، لأنّه على تقدير مصادفة القطع للواقع يؤدّي إلى التناقض المتضمّن لتجويز الكذب على الشارع، لرجوع المنع المذكور إلى إنكار الملازمة بين الأصغر، و الأوسط، و مرجعه إلى إنكار الصغرى أو إلى إنكار الملازمة بين الأوسط و الأكبر، و مرجعه إلى إنكار الكبرى.

و المفروض أنّ مصادفة القطع للواقع لا تتأتّى إلّا على تقدير صدق النتيجة، و هو فرع‏

42

على صدق المقدّمتين، و على تقدير عدم مصادفته الواقع فالمنع المذكور إمّا أن يؤثّر في زوال اعتقاد المكلّف بإحدى الملازمتين المستلزم لزوال القطع، أو يؤثّر في حصول قطع آخر له بخلاف القطع الأوّل مع بقائه على حاله، أو يؤثّر في حصول الظنّ له بخلافه مع بقائه على حاله، أو يؤثّر في حصول احتمال الخلاف فيه مع بقائه، و الكلّ باطل.

أمّا الأوّل: فلكونه خروجا عن موضوع المسألة، فإنّ الكلام في العمل بالقطع مادام باقيا.

و أمّا الثاني، و الثالث، و الرابع: فللزوم اجتماع النقيضين في الاعتقاد.

و أمّا الخامس: فلأنّ الخطاب مع فرض عدم دلالته القطعيّة و لا الظنّيّة لا يعقل فيه المنع و المانعيّة من العمل بالقطع المفروض، فلا يكون حجّة، نظرا إلى أنّ حجّيّة الخطاب باعتبار دلالته و إفادته القطع أو الظنّ، فلو وجد مثل هذا الخطاب في الأخبار كان مطروحا، أو مؤوّلا بما لا ينافي العمل بالقطع الحاصل من المقدّمات النظريّة البعيدة عن الإحساس.

لا يقال: لا يعني من المنع من العمل بالقطع المذكور المنع الخطابي في الظاهر ليؤدّي إلى محذور التناقض، أو اجتماع النقيضين في الاعتقاد، أو غير ذلك، بل إنّما يعني به أنّ الشارع لا يرضى بالعمل به و الركون إليه في الواقع و إن لم يمنعه أيضا في الظاهر.

لأنّ عدم الرضا بالعمل به مع مصادفته الواقع ممّا لا معنى له، لأنّ معنى مصادفته كون متعلّقه الحكم الواقعي المجعول للواقعة في نفس الأمر، و معنى العمل به ترتيب آثار الواقع على متعلّقه، فإذا كان المتعلّق هو الحكم الواقعي المجعول فكيف لا يرضى الشارع بترتيب آثاره عليه؟

و من ذلك علم أنّه لا يصحّ أن يراد بالمنع أنّ الشارع يعاقب على العمل به في الواقع و إن لم يمنعه منه في الظاهر، إذ لا يعقل أن يعاقب الشارع على ترتيب آثار الواقع عليه.

فإن قلت: إنّ العقاب إنّما يترتّب على تقصيره لا على نفس العمل بالقطع، فإنّه لخوضه في مقدّمات يعلم إجمالا بكثرة الخطأ و الاشتباه فيها قصّر في تحصيل القطع.

قلت:- لو سلّمنا العلم الإجمالي، ثمّ سلّمنا صدق التقصير مع اتفاق المصادفة للواقع- إنّ العقاب على التقصير باعتبار خوضه فيها لا جهة له إلّا من حيث التجرّي، كما في مرتكب بعض أطراف الشبهة المحصورة في صورة عدم مصادفة ارتكابه الحرام الواقعي، و التجرّي و إن كان قبيحا إلّا أنّه على ما تقدّم تحقيقه قبح في الفاعل لا في الفعل المتجرّى به فلا يوجب عصيانا و لا عقابا.

43

و لو سلّم فالعقاب من جهته كلام آخر لا ربط له بالمقام، حيث إنّ الكلام في العقاب على خصوص العمل بالقطع لا على الخوض في مقدّمات تحصيله باعتبار التجرّي.

و لو قدر المنع بمعنى عدم الرضا بالعمل و الركون في القطع الغير المصادف، فهو و إن كان مسلّما إلّا أنّه لا اختصاص له بما حصل من المقدّمات العقليّة، بل لو حصل من مقدّمات نقليّة فهو أيضا ممّا لا يرضى اللّه في الواقع بالعمل به و الركون إليه، مع أنّه لا فائدة فيه بالنظر إلى حال المكلّف الغير الملتفت إليه لعدم تجويزه الخلاف في قطعه.

و لو قدّر المنع بمعنى العقاب على العمل بالقطع الغير المصادف، فهو لا يسلّم إلّا مع العلم الإجمالي بكثرة الخطأ و الاشتباه في تلك المقدّمات، و قد تقدّم منع العلم الإجمالي بوقوع خطأ واحد فضلا عن كثيرة في المقدّمات العقليّة الّتي هي محطّ بحث الاصولي، فإنّها غير خالية عن المستقلّات العقليّة و الاستلزامات العقليّة، و ليس في شي‏ء منهما علم إجمالي.

و بالتأمّل في جميع ما قرّرناه ينقدح ما في ذيل كلام هذا المحدّث من قوله: «إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا من الخطأ و إن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم منه»، فإنّ الخطأ في أخبارهم إن لم يكن أكثر ممّا هو في الأدلّة العقليّة فليس بأقلّ منه، مع أنّ المنع من التمسّك بغير كلامهم ممّا يخالف سيرة سلفنا الصالحين و طريقة آبائنا السابقين من المتكلّمين و الفقهاء و المحدّثين، حيث نراهم قديما و حديثا متمسّكين في المطالب الشرعيّة كلاميّة و اصوليّة و فروعيّة بالبراهين العقليّة، و كفاك شاهدا بذلك استنادهم إلى دليل اللطف الّذي هو دليل عقلي في كثير من المطالب الشرعيّة.

و هذا من أقوى الشواهد بعدم انحصار طريق إثبات المطالب في الأدلّة النقليّة.

و أمّا ما في كلام السيد الجزائري و المحقّق البحراني فمع ما فيهما من أكثر ما تقدّم من فرض التعارض بين الدليل العقلي و الدليل النقلي و بين الدليلين العقليّين، فإنّه من أعجب العجاب بل من أوضح المفاسد، إذ الدليل العقلي ما كان دليليّته منوطة بحصول القطع منه، و الدليل النقلي ما كان دليليّته منوطة بإفادته القطع أو الظنّ، و التعارض عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين، فإن كان الدليل العقلي ممّا حصل منه القطع بالمطلب فكيف أن يحصل القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه، و إن فرض حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي فكيف يجوز أن يحكم العقل بخلافه على وجه القطع.

و من ذلك ظهر وجه الفساد في فرض التعارض بين عقلي مع مثله، فالدليل العقلي‏

44

إمّا لا معارض له أو لا يكون معارضا، و الأصل في ذلك استحالة القطع أو الظنّ بطرفي نقيض القضيّة، كاستحالة القطع بأحد الطرفين و الظنّ بالطرف الآخر، للزوم اجتماع النقيضين في الذهن.

و من ثمّ صرّحوا في مفتتح باب التعادل و التراجيح بعدم وقوع التعارض بين القطعيّين و الظنّيين، و قطعيّ و ظنّي، و إن اريد بالدليل العقلي المقابل للنقلي ما كان بصورة القياس، و إن لم يفد القطع و لا الظنّ بخلاف ما أفاده النقلي من القطع أو الظنّ، فهو- مع أنّه ليس بدليل لفقده ما هو مناط دليليّته- خارج عن محلّ البحث، إذ لم نر أحدا في مثل ذلك جوّز العمل به دون النقلي المقابل له المفيد للاعتقاد بأحد الوجهين.

و من ذلك علم أنّ العقليّين إذا لم يحصل من شي‏ء منهما القطع يتساقطان، و إن حصل القطع من أحدهما دون الآخر لا يتعارضان، و على التقديرين لا معنى للإشكال حسبما صنعه المحدّث البحراني.

المطلب الثالث في حجّيّة قطع القطّاع و عدمه‏

و قد ذكر شيخنا (قدس سرّه)(1) أنّه: «قد اشتهر في ألسنة المعاصرين أنّ قطع القطّاع لا اعتبار به»، قال: «و لعلّ الأصل في ذلك ما صرّح به كاشف الغطاء (قدس سرّه)- حيث إنّه بعد الحكم بأنّ كثير الشك لا اعتبار بشكّه- قال: و كذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنّه فيلغو اعتبارهما في حقّه» (2) إنتهى.

و لا يراد بالقطّاع من يكثر قطعه مطلقا، بل من يقطع كثيرا من جهة الأسباب الغير المتعارفة كما يظهر من عبارة كاشف الغطاء (3)، و إنّما عبّروا عنه بالقطّاع مع أنّه على مقتضى المبالغة و التكثير يشمل من يكثر قطعه من جهة الأسباب المتعارفة أيضا، لأنّ الغالب فيه كون كثرة قطعه من جهة الأسباب الغير المتعارفة.

فإن أرادوا من عدم الاعتبار به، عدم حجّيّته من حيث الموضوعيّة فيما أخذ القطع موضوعا له من الأحكام، كما في الشهادة و الفتوى و نحوهما فله وجه، لأنّ أدلّة اعتباره‏

____________

(1) فرائد الأصول 24: 65.

(2) كشف الغطاء: 64.

(3) كشف الغطاء: 64.

45

على هذا الوجه لا تشمل قطع القطّاع، فرجع ذلك في الشهادة و الفتوى إلى اشتراط حجّيّته فيهما بعدم كون صاحبه قطّاعا، سواء رجع إلى اشتراط حكم للشاهد أو المفتي بذلك- كجواز أداء الشهادة و جواز الإفتاء- أو إلى اشتراط حكم لمن يقبل الشهادة كالحاكم، أو من يقبل الفتوى كالمقلّد، و هو جواز قبول الشهادة و جواز قبول الفتوى، إلّا أنّه يعتبر في جريان ذلك الحكم في حقّ الشاهد و المفتي أمران:

أحدهما: أن يعلم بكونه قطّاعا.

و ثانيهما: أن يعلم أو احتمل كون حجّيّة قطعه مشروطة بعدم كونه قطّاعا، لأنّه إذا علم باشتراط حجّيّة قطعه بعدم كونه قطّاعا بعد علمه بأنّه قطّاع فقد علم بعدم كون قطعه من موضوع جواز أداء الشهادة أو جواز الإفتاء، و إذا احتمل اشتراط حجّيّة قطعه بعدم كونه قطّاعا بعد علمه بأنّه قطّاع فيشكّ في تحقّق موضوع حكمه- أعني جواز أداء الشهادة و جواز الإفتاء- و الأصل يقتضي عدم الجواز.

و على الثاني يعتبر في جريان الحكم المذكور في حقّ الحاكم أو المقلّد أيضا أمران:

أحدهما: علمه بأنّ الشاهد أو المفتي قطّاع.

و ثانيهما: أن يعلم أو احتمل كون حجّيّة قطع الشاهد أو المفتي في جواز قبول شهادته أو فتواه مشروطة بأن لا يكون قطّاعا، لأنّه إذا علم بالاشتراط بعد علمه بكونه قطّاعا فقد علم بعدم كون قطعه من موضوع حكمه، و إذا احتمل الاشتراط بعد العلم بكونه قطّاعا فقد شكّ في تحقّق موضوع حكمه، و الأصل معه يقتضي عدم جواز القبول.

و إن أرادوا من عدم الاعتبار عدم حجّيّة قطع القطّاع من حيث كاشفيّته فيما كان القطع طريقا إليه، فلا يخلو إمّا أن يكون المراد منع القطّاع من الخوض في أسباب غير عادية تحصيلا للقطع، أو يكون المراد منعه من العمل بقطعه الحاصل من جهة الأسباب الغير العادية حين حصوله.

فإن اريد الأوّل فجهة المنع من الخوض إمّا كون قطعه الّذي يحصل من تلك الأسباب ملزوما للخطأ، أو كونه يكثر فيه الوقوع في الخطأ، أو كونه لا يأمن من الوقوع في الخطأ.

و الأوّل ممنوع، و الثاني غير بعيد، و الثالث مسلّم، و لكنّه منقوض.

أمّا الأوّل: فلمنع الملازمة، فإنّ القطّاع قد يصادف قطعه الواقع.

و أمّا الثالث: فلأنّ القطع من جهة الأسباب المتعارفة العادية لغير القطّاع أيضا لا يأمن‏

46

الوقوع في الخطأ، لانتفاء العصمة، و لم يقل أحد بكونه جهة للمنع من الخوض.

فبقي الوجه الثاني الّذي ذكرنا كونه غير بعيد، و عليه فإن يقصد بخوضه معرفة موضوعات الأحكام فلا يسلّم المنع منه، إلّا فيما كان من موضوعات الوجوب في الواجبات كمعرفة القبلة للصلاة، و معرفة أوقات الصلوات، و معرفة هلال شهر رمضان و نحو ذلك، أو فيه مع ما كان من موضوع الاستحباب في المستحبّات بالخوض في الأسباب الغير المتعارفة، و إن قصد به معرفة نفس الأحكام، على معنى استنباطها بالخوض في الأسباب الغير المتعارفة فالمنع منه مسلّم، لأنّ أدلّة استنباط الأحكام الشرعيّة غير شاملة له.

و إن اريد الثاني- على معنى أنّه حين القطع الحاصل له من الأسباب الغير العادية يمنع فعلا عن العمل به- فهو غير معقول، كما ذكرناه مرارا لإدّائه إلى التناقض المتضمّن لتجويز الكذب على الشارع، أو اجتماع النقيضين في الذهن و الاعتقاد، و لا يجدي في دفعه ما تكلّفه بعض الفضلاء (1) من تقييد الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع بما «إذا علم القطّاع أو احتمل أن يكون حجّية قطعه مشروطة بعدم كونه قطّاعا» فإنّ الاشتراط و التقييد إنّما يحسن في القطع الموضوعي، لأنّه يتحمّل من الشروط و القيود كلّما اعتبره جاعل الأحكام المأخوذ في موضوعها صفة القطع.

و أمّا القطع الطريقي فلا يتحمّل حجّيّته شرطا و لا قيدا، لأنّ القطع من حيث طريقيّته عبارة عن انكشاف الواقع، و الواقع بعد ما انكشف يقتضي كون الآثار آثارا له مطلقا، و لو دخل حجّيّته الشرط و القيد فهو ينفي كون الآثار آثارا له حيث ينتفي الشرط و القيد، و هذا تناقض واضح.

و منه يظهر ما في كلامه الآخر، فإنّه وجّه الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع- بعد ما قيّده بما ذكر- «بأنّه يشترط في حجّيّة القطع عدم منع الشارع عنه، و إن كان العقل أيضا قد يقطع بعدم المنع، إلّا أنّه إذا احتمل المنع يحكم بحجّية القطع ظاهرا ما لم يثبت المنع» (2) فإنّ حجّيّة القطع لا تقبل اشتراط عدم منع الشارع من حيث أنّ نفس القطع لا تقبل منع الشارع فيه للزوم التناقض، فإنّ عدم ترتيب آثار الواقع على المقطوع به يناقض كون الآثار آثارا له كما هو المفروض.

فإنّ انكشاف كون الخمر حراما بواسطة انكشاف كونه مسكرا، و انكشاف كون كلّ‏

____________

(1) هو صاحب الفصول في الفصول: 343.

(2) الفصول: 343.

47

مسكر حراما يقتضي وجوب اجتنابه، و حرمة التكسّب به، و حرمة الاستشفاء به و غير ذلك من الأحكام، و منع الشارع عن العمل به ينفي كون هذه الأحكام آثارا له.

و له كلام ثالث يعجبني ذكره و هو أنّه مثّل لما ذكره في التوجيه من اشتراط حجّية القطع بعدم منع الشارع عنه بما إذا قال المولى لعبده: «لا تعتمد في معرفة أوامري على ما تقطع به من قبل عقلك، أو يؤدّي إليه حدسك، بل اقتصر على ما يصل إليك منّي بطريق المشافهة أو المراسلة» (1).

و فيه: أنّه إن اريد به منع العبد من النظر لمعرفة أوامر المولى من النظر في مقدّمات يرتّبها العقل، أو منعه من الخوض لإحراز أوامره في طرق الحدس.

ففيه: مع أنّه لا دخل له بمسألة قطع القطّاع لما بينهما من العموم من وجه- فإنّ الناظر في تلك المقدّمات و الخائض في هذه الطرق لإحراز أوامر الشرع قد لا يكون قطّاعا، و القطّاع قد لا يكون ناظرا في هذه المقدّمات و لا خائضا في تلك الطرق كما لا يخفى- أنّه كلام خارج عن مسألة العمل بالقطع حال حصوله، و إن اريد به منعه عن العمل بالقطع حال حصوله من أحد الطريقين فهو غير معقول، مع أنّ المثال غير منطبق على الممثّل كما عرفت.

المطلب الرابع في اعتبار العلم الإجمالي و عدمه‏

و الكلام فيه يقع في مقامين:

أحدهما: اعتباره في ثبوت التكليف به، و هذا هو معنى حجّيّة العلم الإجمالي، و محصّله: أنّ العلم الإجمالي بالخطاب هل يوجب تنجّز التكليف بالمعلوم بالإجمال كما أنّ العلم التفصيلي يوجبه أو لا؟

و هذا يتضمّن الكلام تارة في حرمة مخالفة العلم الإجمالي، و اخرى في وجوب موافقة العلم الإجمالي، و الغرض الأصلي من عقد المسألة هو البحث عن الجهة الاولى، و أمّا الجهة الثانية فيعرف حكمها في مسألة أصلي البراءة و الاشتغال.

ثانيهما: اعتباره في ارتفاع التكليف المعلوم بالتفصيل، على معنى كفاية الامتثال‏

____________

(1) الفصول: 343.

48

الإجمالي في حصول البراءة، و سقوط التكليف عند اشتغال الذمّة و عدمه، كإكرام شخصين يعلم أنّ أحدهما زيد عند معلوميّة الأمر بإكرام زيد و مجهوليّة زيد مع إمكان استعلامه أو عدم إمكانه، و محصّل هذا العنوان أنّه هل يكفي في حصول الامتثال و فراغ الذمّة عن المكلّف به الموافقة الإجماليّة، أو لا يكفي بل لابدّ من الموافقة التفصيليّة؟

[المقام الأول في اعتبار العلم الإجمالي في ثبوت التكليف به‏]

أمّا المقام الأوّل: فليعلم أنّ الإجماليّة في العلم الإجمالي وصف فيه باعتبار متعلّق العلم، و إلّا فالعلم في نفسه غير قابل لوصف الإجماليّة، فإنّ الإجمال المنسوب إليه العلم من «أجمل» بمعنى جمع، فانتسابه إلى الإجمال بمعنى الجمع لكونه جامعا لاحتمالين فصاعدا.

و ظاهر أنّ الجامع لاحتمالين فصاعدا المشتبه في الظاهر إنّما هو متعلّق العلم لا نفسه، و متعلّقه المشتبه- بسبب اجتماع الاحتمالين فصاعدا- فيه قد يكون نفس التكليف الدائر بين إيجاب شي‏ء و تحريمه، و قد يكون المكلّف- بالكسر- الدائر بين شخصين، و قد يكون المكلّف- بالفتح- الدائر بينهما، كما في مسألة وجدان المنيّ في الثوب المشترك، و قد يكون المكلّف به الدائر بين أمرين فصاعدا، كالصلاة إلى القبلة المردّدة عند اشتباه القبلة بين الجهات، و صلاة يوم الجمعة المردّدة بين الظهر و الجمعة و ما أشبه ذلك.

فالأقسام أربعة، إلّا أنّ القسم الثاني- و هو الشبهة في المكلّف بالكسر- في خطابات الشرع غير معقول، لانحصار المكلّف فيها في الشارع و لا تعدّد فيه.

نعم قد يوجد ذلك و يتأتّى فرضه في خطابات العرف، كما لو توجّه إلى الولد أمر من أحد والديه و لم يعلم أنّه من أبيه أو من امّه.

و يظهر ثمرة هذا الاشتباه فيما لو مات أحدهما بعد الأمر و قبل امتثاله، فإن كان الميّت هو الآمر سقط الأمر و انقطع التكليف و إلّا كان الأمر باقيا إلى أن يحصل امتثاله.

هذا إن قسنا الشبهة إلى الخطاب الصادر من أحدهما، و إن قسناها إلى خطاب الشارع بإطاعة الوالدين رجعت إلى الشبهة في المكلّف به، إذ لا يدري أنّ الواجب عليه حينئذ هل هو إطاعة أبيه أو إطاعة امّه؟

و كيف كان فمحلّ البحث في المقام- بملاحظة ما ذكرناه- إنّما هو ما عدا القسم الثاني من الأقسام الثلاث الباقية.

و الكلام في جميع هذه الأقسام يقع تارة في حرمة مخالفة العلم، و اخرى في وجوب موافقته الّذي يتأتّى بالجمع بين المحتملات في العلم، كما أنّ الأوّل يتأتّى بترك جميع المحتملات.

49

و ليعلم أيضا أنّ مخالفة العلم الإجمالي قد تكون عمليّة و قد تكون التزاميّة.

و ضابط الأوّل: أن يعمل المكلّف في محلّ الشبهة عملا مخالفا لكلا طرفي الشبهة استنادا إلى أصل البراءة، كما لو ترك الصلاة إلى جميع الجهات عند اشتباه القبلة، أو ترك الظهر و الجمعة معا يوم الجمعة، و كذلك القصر و الإتمام في المسير إلى أربعة فراسخ، أو ارتكب جميع أطراف الشبهة في الشبهة المحصورة، أو وطئ الزوجتين المحلوف بوطئ إحداهما و ترك وطئ الاخرى معا، أو ترك وطئهما معا.

و ضابط الثاني: أن يعمل عملا موافقا لأحد الاحتمالين من غير التزام بأحد الحكمين المردّد فيهما عملا بأصل البراءة، أو الإباحة في مسألة الشبهة في التكليف الإلزامي المعلوم بالإجمال المردّد بين إيجاب الشي‏ء أو تحريمه، كالزوجة المردّدة بين تحريم الوطئ و إيجابه بسبب الحلف، عند الاشتباه في متعلّق الحلف هل هو فعل الوطئ أو تركه؟ إذا اختار الفعل أو الترك على وجه الدوام، لبنائه على التخيير الاستمراري عملا بالأصل، فإنّ العمل كائنا ما كان موافق لأحد الاحتمالين، نظرا إلى أنّ الوجوب يقتضي دوام الفعل و التحريم يقتضي دوام الترك، فلا مخالفة في اختياره في العمل بعنوان القطع بل هو موافقة احتمالية، و إنّما المخالفة في الالتزام حيث لم يلتزم بأحد الحكمين من الايجاب و التحريم و لم يتديّن بشي‏ء منهما، بل التزم بالإباحة الّتي هي مفاد الأصل، و المشهور في مثل هذه المخالفة كالمخالفة العمليّة هو عدم الجواز، كما يقتضيه إطلاقهم في مسألة ما لو اختلفت الامّة على قولين لم يكن على أحدهما دليل، حيث إنّ العلماء اختلفوا في ذلك على قولين:

أحدهما: طرح القولين معا و الرجوع إلى الأصل و هو لجماعة (1).

و الآخر: التخيير بينهما و هو المشهور (2)، و علّلوه: بأنّه لولاه لزم طرح قول الإمام بعنوان، و هو مخالفة قطعيّة و المخالفة القطعيّة محرّمة، و إطلاق هذا التعليل يشمل ما لو كان اختلاف الامّة في تعيين المكلّف به، كما في مسألة الظهر و الجمعة، أو القصر و الإتمام، أو في تعيين التكليف الإلزامي المردّد بين الإيجاب أو التحريم، فإنّ المخالفة اللازمة من طرح القولين في الأوّل عمليّة و في الثاني التزاميّة لا غير.

و تحقيق المقام: أنّ حرمة مخالفة العلم الإجمالي من حيث الالتزام و عدمها مبنيّة على‏

____________

(1) العدّة: 2/ 636 و المعارج: 133 و معالم الدين: 179 و قوانين الاصول 1: 383.

(2) العدّة: 2/ 637.

50

وجوب الالتزام و عدمه، فإن اريد به التديّن بأنّ حكم الواقعة في الواقع على حسب ما جاء به النبيّ لا يخلو عن أحد الحكمين- بعد القطع بذلك الّذي هو العلم الإجمالي المفروض- فلا ينبغي التأمّل و لا الاسترابة في وجوبه.

و الأصل في ذلك ما ثبت بالإجماع بل الضرورة، مع الأخبار المتواترة من وجوب التديّن بما جاء به النبيّ، و كونه من اصول العقائد، فإنّ المراد به وجوب التديّن بما جاء به النبيّ على ما جاء به النبيّ، فإن كان معلوما بالتفصيل وجب التديّن بهذا المعلوم بالتفصيل، و إن كان معلوما بالإجمال وجب التديّن به على وجه الإجمال.

و إن اريد به التديّن بأحدهما بعنوان كونه حكما ظاهريّا، فهذا ممّا لا دليل على وجوبه بحيث يكون تركه مخالفة قبيحة عقلا محرّمة شرعا، بعد إحراز موافقة العمل لما هو في الواقع و لو احتمالا، حتّى مع اختيار الفعل بناء على فرض كون الوجوب المقابل للحرمة هنا توصليّا تعلّق فيه الغرض بصدور الفعل بأيّ وجه اتفق، فيكون صدور العمل بمجرّده كافيا في سقوط الأمر، فإنّ المخالفة العمليّة غير متحقّقة في ذلك من حيث إنّ المكلّف لا يخلو عن أحد الأمرين- من فعل ذلك الشي‏ء أو تركه- فإن اختار فعله فهو محتمل لموافقة الوجوب، و إن اختار تركه فهو محتمل لموافقة الحرمة، غير أنّه لو فعله أو تركه بداعي الإباحة و قصدها عملا بالأصل كان مخالفة للالتزام بوجوبه و حرمته، حيث لم يلتزم بشي‏ء منهما على أنّه حكم ظاهري، و لا ضير فيها لمكان عدم الدليل على وجوب هذا الالتزام، بحيث يكون تركه قبيحا عقلا، موجبا لاستحقاق المؤاخذة و العقوبة شرعا.

فيندفع بما قرّرناه ما عساه يقال: من أنّ العدول عن كلّ من الوجوب و الحرمة بالبناء على البراءة و الإباحة- كما هو اللازم من الأخذ بالأصل- مخالفة للواقع قطعا، لمكان القطع بأنّ الواقع لا يخلو عن أحدهما، و المخالفة للواقع ممّا يمنع عنه العقل الضروري و يعدّ عنده معصية.

و وجه الاندفاع: أنّ الّذي يمنعه العقل و لا يجوّزه و يعدّ عنده معصية، إنّما هو مخالفة الحكم الواقعي من حيث العمل، بل من حيث الالتزام أيضا.

و الذي يلزم فيما نحن فيه من العدول عنهما إنّما هو ترك الالتزام بكلّ منهما بعنوان أنّه حكم ظاهري، و كونه ممنوعا عند العقل أيضا معصية لديه غير مسلّم.

نعم ربّما يشكل الحال في البناء على الإباحة عملا بالأصل من حيث عدم خلوّه عن مخالفة عمليّة للحكم الظاهري الّذي هو نفس الإباحة، أو الحكم الواقعي الّذي هو أحد

51

الحكمين، و ذلك لأنّ التخيير الّذي يلتزم به بعد البناء على الإباحة إن كان باختيار الفعل دائما، أو باختيار الترك كذلك- الّذي يقال له التخيير البدوي- لزم مخالفة الإباحة الملتزم بها من حيث العمل، لأنّ التخيير الّذي يقتضيه الإباحة تخيير استمراري بين الفعل و الترك، و إن كان باختيار الفعل تارة و اختيار الترك اخرى- الّذي يقال له: التخيير الاستمراري- لزم مخالفة الحكم الواقعي من حيث العمل، لأنّه إن كان هو الوجوب فهو متضمّن للمنع من الترك، فكيف يختار الترك تارة؟ و إن كان هو الحرمة فهو متضمّن للمنع من الفعل، فكيف يختار الفعل اخرى؟ فلا محالة أحد الاختيارين مخالفة عمليّة قطعيّة للحكم الواقعي.

اللّهمّ إلّا أن يذبّ على تقدير الالتزام بالتخيير البدوي بمنع لزوم مخالفة الحكم الظاهري من حيث العمل، لأنّ الإباحة الملتزم بها ظاهرا و إن كانت تقتضي جواز اختيار الفعل تارة و اختيار الترك اخرى، إلّا أنّها لا تتضمّن منع اختيار أحدهما دائما، فاختيار الفعل دائما أو الترك كذلك- حذرا عن مخالفة الحكم الواقعي من حيث العمل- ليس مخالفة للحكم الظاهري من حيث العمل.

نعم عمدة إشكال المسألة إنّما هو في العدول عن الوجوب و الحرمة معا، و عدم الالتزام بأحدهما تعيينا أو تخييرا بدويّا بعنوان أنّه حكم ظاهري، لما قيل من أنّ ظاهرهم في مسألة دوران الأمر بين الوجوب و التحريم الاتّفاق على عدم الرجوع إلى الإباحة، و إن اختلفوا بين قائل بالتخيير و قائل بتعيين الأخذ بالحرمة.

و هذا يكشف عن أنّ الالتزام بالحكم كما يجب في الأحكام الواقعيّة، كذلك يجب في الأحكام الظاهريّة أيضا، و ليس ببعيد بل هو الّذي يساعد عليه النظر الصحيح، و يدلّ عليه كلّما دلّ على وجوب العمل على الظنون الاجتهاديّة، و كلّما دلّ على وجوب التقليد.

فإنّ الأوّل عبارة عن وجوب الالتزام على المجتهد بمظنوناته على أنّها أحكام ظاهريّة، و الثاني عن وجوب الالتزام بفتاوى المجتهد على أنّها أحكام فعليّة، فالأحكام الواقعيّة و الظاهريّة سيّان في وجوب الالتزام، غير أنّ الأوّل واجب نفسي، و لذا كان له دخل في الاصول الاعتقاديّة.

و الثاني واجب غيري لكونه إنّما يجب مقدّمة للعمل، على معنى وقوع العمل على طبق المظنون و الحكم المفتى به، فلو فرض حصول المطابقة له من دون التزام كان كافيا من غير أن يترتّب عليه عقاب، و لذا اكتفى به في إجزاء عمل تارك الطريقين، و صحّة عبادات‏

52

الجاهل بمجرّد المطابقة للواقع بعد إحراز القربة فيها، على ما سيأتي تحقيقه في باب الاجتهاد و التقليد.

فما يقال- في وجه جواز المخالفة الالتزاميّة في الشبهة الموضوعيّة عملا بأصل من الاصول-: من أنّ الأصل في الشبهة الموضوعيّة إنّما يخرج مجراه من موضوع التكليف، فيقال- في المرأة المردّدة بين المحلوف على وطئها و المحلوف على ترك وطئها-: الأصل عدم تعلّق الحلف بوطئ هذه المرأة، و الأصل عدم تعلّقه أيضا بترك وطئها، فتخرج المرأة بذلك عن موضوع حكمي التحريم و الوجوب- و هو تحريم وطئ المحلوف على ترك وطئها و وجوب وطئ المحلوف على وطئها- فتحكم بالإباحة لأجل الخروج من موضوع الوجوب و الحرمة لا لأجل طرحهما.

و في الشبهة الحكميّة أيضا: بأنّ الاصول الجارية فيها و إن لم يخرج مجراها عن موضوع الحكم الواقعي، بل كانت منافية لنفس الحكم كأصالة الإباحة مع العلم بالوجوب أو الحرمة، فإنّ الاصول في هذه منافية لنفس الحكم الواقعي المعلوم إجمالا لا مخرجة عن موضوعه، إلّا أنّ الحكم الواقعي المعلوم إجمالا لا يترتّب عليه أثر إلّا وجوب الإطاعة و حرمة المعصية، و المفروض أنّه لا يلزم من إعمال الاصول مخالفة عمليّة له، و وجوب الالتزام بالحكم الواقعي مع قطع النظر عن العمل غير ثابت، و لو فرض ثبوت الدليل عقلا أو نقلا على وجوب الالتزام بحكم اللّه الواقعي لم تنفع، لأنّ الاصول تحكم في مجاريها بانتفاء الحكم الواقعي، فهي كالاصول في الشبهة الموضوعيّة مخرجة لمجاريها عن موضوع ذلك الحكم، أعني وجوب الأخذ بحكم اللّه» (1).

ففيه: إنّ محصّله منع وجوب الالتزام بالأحكام الواقعيّة بل الظاهريّة أيضا بطريق أولى، لعدم ثبوت الدليل عليه، و قد عرفت الدليل عليه فيهما معا.

غاية الأمر أنّ الوجوب في الثاني مقدّمي صرف، و في الأوّل ذاتي، و لا ينافيه كونه فيه أيضا مقدّمة للعمل لجواز مطلوبيّته لجهتين.

و ما ذكر من أنّه «لو فرض ثبوت الدليل عليه لم ينفع، لأنّ الاصول تحكم في مجاريها بانتفاء الحكم الواقعي» (2) ففيه: ما لا يخفى من ضعف التعليل، لمنع حكومة الاصول بانتفاء

____________

(1) فرائد الاصول 1: 85.

(2) فرائد الاصول 1: 85.