بيان الفقه في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد) - ج2

- السيد صادق الحسيني الشيرازي المزيد...
472 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدّمة المؤلف‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة على محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين آمين رب العالمين‏

و بعد: فهذه شروح على مسائل كتاب «العروة الوثقى» تأليف آية اللّه المحقّق السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدّس سرّه) أسأل اللّه تعالى التوفيق للإتمام و الإخلاص و الإتقان، إنّه وليّ ذلك و هو حسبي و نعم الوكيل.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[المسألة (12): يجب تقليد الأعلم‏]

المسألة (12): يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط ....

[هل يجب تقليد الأعلم؟]

المسألة (12): يجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط.

[هنا أمران‏]

و قبل الخوض في شرح حكم المسألة ينبغي تقديم أمرين:

[الأمر الأوّل‏]

أمّا الأمر الأوّل: فهو أنّه لما ذا قيّد المصنف الحكم بقوله: «مع الامكان» في هذه المسألة بالخصوص دون سائر المسائل، مع أنّ الامكان شرط عقلي في كل الأحكام الشرعية؟

الجواب على ذلك: لأنّ الغالب عدم إمكان تقليد الأعلم، إمّا لعدم إمكان تقليده مع تشخيصه كالأزمنة السابقة حيث يصعب تحصيل الفتاوى لغالب الناس، أو لعدم إمكان تشخيصه مع إمكان تقليده كهذه الأزمنة.

فإنّ الأعلمية لا تناط بالعمر حتّى يكون الأكبر سنّا هو الأعلم، و لا

6

بالدراسة أكثر حتّى يكون الّذي درس خمسين سنة أعلم ممّن درس ثلاثين سنة، و لا بالتأليف حتّى يكون من كتب في الفقه أكثر يكون هو الأعلم، و لا بما شاكل ذلك، و إن كان لهذه الأمور و أشباهها تأثير في الأعلمية- أحيانا أو كثيرا-.

و إنّما الأعلمية تناط بقوة الفكر، وحدة الذهن، و شدّة الذاكرة، و نحوها، كما تناط بالاحاطة الأكثر بالمسائل و نحوها.

فقد يكون شابّ في الثلاثين من عمره أعلم من شيخ في الستين، و إن كان الشيخ أتعب نفسه أكثر، كما هو المشاهد في طلبة العلوم الدينية- كثّرهم اللّه و أيّدهم و وفّقهم- فإنّه قد يحضر الدرس اثنان يحفظه أحدهما بإلقاء المدرّس و يقرّره بعد ذلك بمراجعة قليلة، و لكن الآخر بعد المراجعات عدّة مرّات و المباحثات عدّة مرّات و صرف الساعات الكثيرة لا يكون قادرا على ضبط كلّ جزئيات الدرس و خصوصياته، كما أومأ إلى ذلك و إلى غيره الحديث الشريف:

«إنما هو- العلم- نور يقذفه اللّه تعالى في قلب من يريد» (1) فتأمّل.

فالتحقيقات التي أودعها العلّامة الحلّي (قدّس سرّه) في شرحه على التجريد و لم يبلغ بعد، سنّ الثانية و العشرين من عمره، لا يكاد يفهمها بعض الطلاب بعد الثانية و العشرين من عمرهم.

و شريف العلماء (قدّس سرّه) الّذي مات في الخامسة و الثلاثين من عمره- على أكثر الأقوال- لتلاميذه: (كصاحب الضوابط، و الشيخ الأنصاري، و غيرهما (قدّس سرّهم)) تحقيقات عالية لا تكاد تجدها عند كثير من الشيوخ من المراجع الذين أفنوا ثمانين عاما في البحث و التحقيق و التدقيق، حتّى أنّ بعض الذين كتبوا عن حياة العلماء يسند الضوابط إلى شريف العلماء باعتبار أنّ مؤلّفه تلمّذ على شريف‏

____________

(1) منية المريد: ص 167.

7

العلماء و أخذ تلك التحقيقات عنه، فيقول: قال شريف العلماء في الضوابط، و أنّ المنقول على بعض الألسن أنّ تحقيقات البيع الفضولي من المكاسب إنّما هي لشريف العلماء، مع ما للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من المنزلة في ميدان التحقيق و التدقيق. كلّ ذلك و شريف العلماء كان شابا حين كان يدرس في كربلاء المقدّسة، و يحضر درسه حوالي الألف من العلماء و الفضلاء و الطلبة أو أكثر من ذلك كما قيل.

و لذلك كان تحصيل الأعلم في غالب الأزمنة من أشكل الأمور، إمّا لعدم إحرازه أصلا، أو لتعارض أهل الخبرة فيه، و سيأتي في أدلّة النافين لاشتراط تقليد الأعلم تتمّة للكلام إن شاء اللّه تعالى، و إنّما أردنا الاشارة إلى أنّ تقييد المصنّف وجوب تقليد الأعلم بقوله: «مع الامكان» إنّما هو لندرة إمكانه.

ثمّ إنّ الإمكان هنا- كسائر النظائر- أعمّ من العقلي و الشرعي، فإذا كان في تقليد الأعلم- سواء مطلقا أو في بعض المسائل- حرج أو ضرر سقط الوجوب.

كما إذا كان الوصول إلى الأعلم، أو تحصيل رسالته حرجيا، أو ضرريا.

أو كان تحصيل فتوى خاصّة محلّ ابتلاء المقلّد بحاجة إلى اتّصال هاتفي ضرري، أو حرجي على المقلّد، كمسألة فوتية في الحجّ، و لا فرق- هنا- بين القول بأنّ التقليد التزام، أو أنّه العمل، أو الأقوال المتفرّعة عليهما و هذا الإمكان نفسه- بنفس الدليل- جار في وجوب الفحص أيضا، و إن لم يذكره المصنّف (قدّس سرّه) هناك إمّا اكتفاء بذكره هنا، أو لعدم ندرة الامكان مثل نفس التقليد.

فكل موضوع واجب، إذا صار ضرريا، أو حرجيا يرتفع عنه الالزام بأدلّة نفيهما كما لا يخفى، فإذا كان الحرج و الضرر في أصل الفحص سقط كلا وجوب الفحص، أو في بعض المسائل سقط في ذاك البعض، فالضرورات تقدّر بقدرها.

8

[الأمر الثاني‏]

و أمّا الأمر الثاني: فهو هل غير الأعلم- على فرض عدم جواز تقليد الغير له- يجوز لنفسه العمل باجتهاده، أم لا يجوز ذلك أيضا؟ و هذا الأمر و إن كان من توابع مسألة تقليد الأعلم و كان الأولى تأخيره عن تحقيق أصل المسألة، و لكن باعتبار أنّ البحث عن ذلك هو بحث أصل حجّية فتوى غير الأعلم إجمالا، فلا بدّ من القول: بأنّه لم أعثر على من يقول بعدم حجّية فتوى غير الأعلم مطلقا حتّى لنفسه، و إنّما في المقام يذكر الاحتمال فقط، و هو يعتمد على تقريرين:

الأوّل: إنّ الفتوى من مناصب الإمام، و إنّه أعطي في زمن الغيبة للأعلم فقط حسب الأدلّة، فكما لا يجوز للمفضول في عصر حضور الإمام (عليه السلام) اتّباع نظر نفسه و إنّما يجب عليه اتّباع نظر الإمام، كذلك في عصر الغيبة هذا المنصب منح للأعلم، فلا يجوز للمفضول إلّا اتّباع نظر الأعلم.

الثاني: إذا وصلت النوبة إلى الشكّ و الأصول العملية، فمع الشكّ في حجّية فتوى غير الأعلم حتّى بالنسبة إلى نفسه يكون موضوعا لعدم الحجّية.

و الجواب عن الأوّل: صحيح أنّ الفتوى من مناصب الإمام، و صحيح أيضا أنّ هذا المنصب منح في زمن الغيبة للأعلم فقط- على سبيل الفرض- و لكن القياس في غير محلّه، إذ صحّة الفتوى المعارضة للإمام (عليه السلام) في عهد الحضور باطلة قطعا، لأنّ قول الإمام صحيح قطعا، و ليس مثل ذلك الفقيه و الأفقه، فإنّ فتوى الفقيه ليست متيقّن البطلان، كما أنّ فتوى الأفقه ليست متيقّن الصحّة- أي:

المطابقة للواقع-.

مضافا إلى أنّ الفقيه المخالف فتواه يرى خطأ الأفقه، بخلاف المخالف للإمام فإنّه يعلم بخطإ نفسه واقعا.

و عن الثاني: بأنّه كذلك، لو لا قيام الأدلّة الاجتهادية- كالاطلاقات و بناء

9

العقلاء و الإجماع، و غيرها- على صحّة علم الفقيه لنفسه.

مضافا إلى أنّه لم ينقل القول بذلك عن أحد منّا، بل الشكّ في حجّية فتوى الأعلم للمفضول، بل المعلوم- للمفضول- أحيانا عدم صحّة فتوى الأعلم كما لا يخفى.

نعم، بناء العامّة حالا على ذلك و التقليد من الأئمّة الأربعة، لكن لا لكونهم أعلم من غيرهم و لذا لو وجد الأعلم من الأئمّة الأربعة هذا اليوم لا يعدلون منهم إليه، و هو لأمور سياسية اقتضت لهم ذلك و استمرّت حتّى اليوم، و لعلّه يأتي اليوم الّذي تقتضي السياسات غير ذلك.

[عمدة الأقوال في المسألة]

و بعد بيان هذين الأمرين لنبدأ شرح المسألة فنقول: عمدة الأقوال في تقليد الأعلم ستّة:

الأوّل: الوجوب مطلقا.

الثاني: عدم الوجوب مطلقا.

الثالث: التفصيل بين العلم بمخالفة فتوى الأعلم لفتوى العالم في المسائل المبتلى بها و عدمه، بوجوب تقليد الأعلم في الأوّل دون الثاني.

الرابع: نفس هذا التفصيل مع زيادة عدم مطابقة فتوى غير الأعلم للاحتياط.

الخامس: التفصيل بين أوثقية أحدهما في التحقيق و أبصريته بمواقع الأدلّة و بين الأعلمية فينبغي تقليد الأوثق، ذكره شيخ الشريعة (قدّس سرّه) في حاشيته على رسالة الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدّس سرّه).

السادس: التفصيل بين عهد حضور المعصوم (عليه السلام) و عهد الغيبة بوجوب‏

10

تقليد الأعلم في الثاني دون الأوّل، نقله عن بعضهم المحقق الشيخ حسن بن جعفر كاشف الغطاء (قدّس سرّهم) في تقرير درسه في القضاء (1).

[القول الأوّل‏] [وجوب تقليد الأعلم مطلقا]

أمّا القول الأوّل: و هو وجوب تقليد الأعلم مطلقا فتوى أو احتياطا، فقد ذهب إليه جمع كبير من المتقدّمين و المتأخرين و المعاصرين، قال الميرزا حبيب اللّه الرشتي (قدّس سرّه) في رسالته المعمولة في تقليد الأعلم: «و هو- يعني: وجوب تقليد الأعلم- خيرة المعارج، و الإرشاد، و نهاية الأصول، و التهذيب، و المنية للعميدي، و الدروس، و القواعد، و الذكرى، و الجعفرية، و جامع المقاصد، و تمهيد الشهيد الثاني، و المعالم، و حاشيته للصالح المازندراني، و الزبدة، و الرياض فيما حكي عنه».

و أصرّ عليه المحقّق الشيخ حسن كاشف الغطاء (قدّس سرّه) في تقرير درسه في القضاء، و اختاره الشيخ الأنصاري و المجدّد في رسالتيهما العمليتين، و وافقهما على ذلك الميرزا حسين الخليلي، و الكاظم الخراساني، و من المعاصرين و من تقدّمهم الميرزا النائيني، و المحقّق العراقي، و السيد أبو الحسن الاصفهاني، و البروجردي، و الحكيم، و الشاهرودي، و غيرهم ممّن لا يحضرني كتبهم أو حواشيهم على العروة، و اختلفت كلمات جمهرة من الأعيان كالميرزا محمّد تقي الشيرازي، و السيد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، و القمّي، و غيرهم فتارة أفتوا بالوجوب و أخرى احتاطوا، بل بعضهم كالسيد أبي الحسن الاصفهاني بدّل احتياط العروة إلى الأقوى هنا، و لكنّه في حاشيته على منتخب الرسائل الفارسي‏

____________

(1) مخطوط في مكتبة آية اللّه المرعشي- قم برقم (19/ 543) أوائله.

11

لصاحب العروة قال ما ترجمته: «الأعلمية ليست من شرائط صحّة التقليد، بل هي من المرجّحات في صورة اختلاف الفتوى».

[الاستدلال لوجوب تقليد الأعلم مطلقا]

و استدلّ للقول بوجوب تقليد الأعلم مطلقا بأدلّة:

[الدليل الأوّل: الإجماع‏]

الأوّل من أدلّة وجوب تقليد الأعلم مطلقا: الإجماع حكي عن السيد المرتضى في الذريعة، و المحقّق الثاني في كتاب الجهاد من حاشية الشرائع، و ادّعى صاحب المعالم عدم الخلاف فيه، و عن ظاهر السيد المرتضى (قدّس سرّه) كونه من المسلّمات عند الشيعة.

[مناقشة الدليل الأوّل‏]

[المناقشة صغرى‏]

و فيه: المنع صغرى لتضارب الآراء و اختلافها وجدانا، قال الحسن كاشف الغطاء (قدّس سرّه): «نقل الإجماع بنفسه ليس بحجّة و لا هو كاشف عن رأي الإمام (عليه السلام) و لا عن الحجّة المعتبرة، فإنّ المسألة نظرية اجتهادية، و الخلاف فيها صراحة و حكاية معروف، بل الأقوال فيها أربعة ... بل هي غير مستقرّة، فيجوز تجدّد القول الخامس بل الأزيد».

و في الجواهر: «إنّه لم نتحقّق الإجماع عن المحقّق الثاني، و إجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول الإمامة العظمى مع وجود الأفضل، و هو غير ما نحن فيه، ثمّ قال: و ظنّي- و اللّه أعلم- اشتباه كثير من الناس في هذه‏

12

المسألة بذلك» (1).

و يؤيّد ذلك: ما نقلناه عن المرتضى (قدّس سرّه) من أنّه من المسلّمات عند الشيعة، و هذا الكلام يناسب الإمامة العظمى لا التقليد في الأحكام الشرعية من المجتهد العالم بها.

و قال المحقّق القمّي (قدّس سرّه) في ردّ الإجماع: «و أمّا ادّعاء بعضهم الإجماع على تقليد الأعلم مطلقا، فلنا فيه نظر، إذ المستدلّ به علّله بكونه أقرب إلى الحقّ، و الجمع بين الإجماع الناشئ عن التعبّد، و التعليل بكونه أقرب إلى الحقّ كما ترى، مع أنّ كلّ ما يقوله الأعلم أقرب إلى الحقّ، محلّ نظر واضح، سيّما و يشاهد اختلاف الأعلمين، و موافقة بعضهم المفضولين، و مخالفة بعضهم، و كون الأعلمين قائلين بأقوال مختلفة في مسألة واحدة، و غير ذلك ممّا بيّنته مستقصى في القوانين، و الاستدلال في تقديم الأعلم بمثل رواية ابن حنظلة أيضا غير تامّ، لأنّه إنّما هو في صورة تشاحّ المتداعيين، و ليس ذلك لتعيّنه في نفس الأمر، كما ذكروه في تشاحّ المأمومين في الأئمّة» (2).

و في مفتاح الكرامة: «دعوى الإجماع هنا، يوهنها شهرة الخلاف في الفروع و الأصول» (3).

[المناقشة كبرى‏]

و كبرى من وجوه: لأنّه إمّا متيقّن الاستناد، أو محتمله، أو لأنّه في مسألة عقلية- حسب بعض الأدلّة- و لا مسرح للإجماع في المسائل العقلية كما لا

____________

(1) الجواهر: ج 40، ص 45.

(2) جامع الشتات: ج 2 ص 680.

(3) مفتاح الكرامة: ج 10 ص 4.

13

يخفى.

أقول: أمّا احتمال الاستناد، بل متيقّنه فقد تقدّم إنّه إذا تحقّق الإجماع صغرى كان حجّة عقلائية حتّى مع القطع بالاستناد- مع عدم إحراز بطلان المستند- فكيف باحتمال الاستناد؟ و العرف بباك.

و أمّا إنّ المسألة عقلية، فهي تامّة، إلّا أنّ الإشكال في حجّية الإجماع فيها غير تامّ، إذ المسائل العقلية الّتي لا حجّية للإجماع التعبّدي فيها هي الاعتقادية الّتي لا مسرح للتعبّد فيها، إجماعا كان أم غيره.

و هذا بخلاف المسألة العقلية الّتي هي مقدّمة عقلية للعمل الخارجي، لأنّها بمعنى تنجّز الإلزام أو عدم تنجّزه و إجزائه و عدم إجزائه، فإذا اتّفق خبراء الفقه على أنّ قول غير الأعلم مجز أو غير مجز يكون هذا الإجماع طريقا عقلائيا منجّزا و معذّرا عقلا بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل، و عقلائيا بملاك السيرة العقلائية المنكشف بالإجماع.

إذ مع القطع بحكم عقلي، أو عقلائي- وجودا و عدما- لا مجال للجعل التعبّدي مطلقا- الشرعي، و العقلي، و العقلائي- و مع الشكّ يكون إجماع الخبراء حجّة عقلا، و عقلائيا.

و ليس المقصود في المقام كشف حكم شرعي بدليل عقلائي أو عقلي، بل كشف الطريقية العقلية و العقلائية، فتأمّل.

و الحاصل: أنّ معنى الإجماع على وجوب تقليد الأعلم، أو عدم وجوبه، هو عدم تنجّز قول غير الأعلم و عدم اعذاره، أو تنجّزه و اعذاره، نظير عدم حجّية العدل الواحد في الموضوعات، أو حجّيته.

14

[الدليل الثاني: بناء العقلاء]

الثاني من أدلّة وجوب تقليد الأعلم مطلقا: بناء العقلاء، و قد صرّح جمع بأنّه عمدة الأدلّة في الباب- كما هو عمدة الأدلّة في معظم الطرق المنجّزة و المعذّرة، كالظواهر، و خبر الثقة، و الإقرار، و غيرها، بل كان بعض الأساتيد يقول: كلّما كان من الطرق فيه بناء عقلائي، و وردت في الشريعة أدلّة لفظية مطلقة، لا ظهور لها في موارد الشكّ في البناء العقلائي، بل تكون تلك الأدلّة اللفظية إشارة إلى البناء العقلائي و تقريرا له لا أزيد و كان (قدّس سرّه) يستند في ذلك إلى قصر الظهور في الاطلاق و العموم الأكثر للمورد، و إن كان فيه نقاش بل منع كما حقّق في الأصول-.

[بيان الدليل بمقدّميته‏]

و بيانه: أنّ العقلاء استقرّت طريقتهم على أنّه مع وجود عالم و اعلم يتركون العالم و يأخذون برأي الأعلم في كل الأمور: المعاشية و المعادية. و لم يظهر من الشارع ردع عن هذا البناء، فيكون ذلك تقريرا من الشارع لحجّيته.

و هذا غير أصل التعيين لدى الدوران. لأنّ بناء العقلاء أمارة و له آثارها، و منها: حجيّة مثبتاته، و أصل التعيين وظيفة عملية بما لها من الآثار، و منها: عدم حجّية المثبتات.

فمثلا: إذا نفّذ الوصية المالية- الوصي- طبق نظر المفضول أو الفاضل، فالأثر العقلي و هو براءة الذمّة أو عدم براءة الذمّة لا يترتّب حتّى يترتّب على هذا الأثر العقلي: كون الوصي مديونا، فلا إرث لورثته ما لم يكرّر تنفيذ الوصية من‏

15

قبل ورثة الوصي، لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ* (1) أو كون الوصي غير مديون فيرث ورثته أمواله بدون تكرار تنفيذ- ورثة الوصي- وصية الموصي.

و ما ربما يلاحظ من مراجعة الناس إلى العالم مع وجود الأعلم، فإنّما هو لأنّ العالم ليس لا حجّة عندهم مطلقا، بل قوله حجّة اضطرارية يرجع إليه من لا يتمكّن من الأعلم- لسبب من الأسباب نظير الطرق الاضطرارية الأخر، التي يسلكها العقلاء عند العوز و عدم القدرة على الطرق المعتبرة مطلقا.

[مناقشة الدليل الثاني‏]

و أورد عليه: بمنع كلتا المقدمتين:

[منع المقدّمة الأولى‏]

أمّا المقدّمة الأولى: فلمنع التزام الناس بترك العالم و مراجعة الأعلم، كيف و لو كان كذلك لزم تعطيل المفضول في المهن مع أنّه ليس كذلك خارجا؟

فإنّا نرى الأطباء يراجعهم الناس في الأمراض الخطيرة التي فيها خوف الموت من دون التحقيق عن العالم و الأعلم، و كذلك نرى المحامين و القضاة و خبراء السياسة و الاقتصاد و الاجتماع، و أساتذة العلوم، و كذلك نرى المهندسين، و الصاغة، و الخياطين، و غيرهم، و إذا سئلوا عن عدم تقيّدهم بمراجعة الأعلم، يجيبون بأجوبة لا تكون أعذارا عقلية و لا عقلائية لترك واجب عقلي، فيقولون: إنّ طريقه أبعد، أو هو أسوأ خلقا، أو أقلّ التزاما بمواعيده، و نحو ذلك ممّا لو كان مراجعة الأعلم لازما لدى العقلاء لما صلحت هذه أعذارا.

____________

(1) النساء: 11.

16

و ما ذكر من أنّ مراجعة العالم طريق اضطراري أوّل الكلام، فتأمّل.

[منع المقدّمة الثانية]

و أمّا المقدّمة الثانية: فبأنّ أدلّة جواز تقليد المفضول من اطلاقات الآيات و الأخبار، و عدم الاستفصال و نحو ذلك، ربما تصلح رادعة عن هذا البناء- على فرض وجوده- مضافا إلى إنكار بعضهم صريحا أصل هذا البناء بحيث يكشف عن تقرير المعصومين (عليهم السلام) بأن يكون شايعا، و بمنظر و مسمع من المعصومين (عليهم السلام)، و لم يكن محذور من الردع، و لم يكن ممّا لو كان يخفى علينا.

قال: و دون ذلك كلّه من حيث المجموع خرط القتاد، فتأمّل.

و الإشكال على الاطلاقات بأنّها ليست في مقام البيان من هذه الجهة.

فيه: أنّه إن أريد بذلك احراز العدم نمنع الصغرى.

و إن أريد عدم الاحراز، نمنع الكبرى.

نظير الافراد النادرة الّتي لا توجب- بمجرد الندرة- انصراف الاطلاق عنها، بل تسالم الفقهاء على صدق الاطلاق عليها أيضا في شتّى مسائل الفقه.

و أجاب بعضهم عن منع المقدّمة الأولى، بالفرق: بأنّه ربما يسامح الرجل في أغراضه الشخصية بما لا يجوز المسامحة فيه في أغراض المولى و موارد الاحتجاج.

و فيه: أنّه إذا ثبت كون جواز مراجعة المفضول مع وجود الأفضل هي طريقة العقلاء و ديدنهم حيث لا يرون أنفسهم ملزمين بمراجعة الأعلم فقط في الفنون و الشئون- كما هو كذلك و العرف ببابك- كان ذلك دليلا على عدم كونه من باب المسامحة، فلا يفرّق فيه بين الأمور الشخصية و بين أوامر الموالي للعبيد، فتصدق الطاعة معها و تخرج عن حدود العصيان.

17

و قد يقال: إنّ تقيّد البعض بمراجعة الأعلم في العلوم و الشئون لعلّه من باب الأحسنيّة، أو احتياطهم في الشبهات حتى البدوية منها- التي ثبت عدم وجوب الاحتياط فيها- لدرك الواقع، لا من باب عدم حجّية قول العالم و عدم فراغ الذمّة.

[الدليل الثالث: الأقربية إلى الواقع‏]

الثالث من أدلّة وجوب تقليد الأعلم مطلقا: كون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع، و كلّما كان أقرب إلى الواقع، لزم الأخذ به، لفرض الطريقية الصرفة لفتوى الفقيه.

[مناقشة الدليل الثالث‏]

و أورد عليه: بمنع الصغرى و الكبرى معا، و على فرض صحّتهما عقلا و عقلائيا بردع الأدلّة اللفظية- لا طلاقها- عن ذلك.

[المنع من الصغرى‏]

أمّا الصغرى: و هو كون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع، فغير مسلّمة على اطلاقها، لجواز مطابقة فتوى العالم مع الأعلم من الأعلم من الأعلم من الاموات، أو من الأحياء إذا لم يجز تقليده لفقد بعض الشرائط كالعدالة، أو طهارة المولد، أو موافقتها لفتاوى المشهور مع تفرّد الأعلم بفتواه، أو غير ذلك ممّا يجعل فتوى العالم أقرب إلى الواقع من فتوى الأعلم.

قال شريف العلماء (قدّس سرّه) في تقرير درسه في الأصول: «إنّ المقلّد إذا تتبّع أقوال القدماء و السلف يجد كثيرا منهم موافقين للأدون في الفتوى و هم أعلم من هذا الأعلم المقابل لهذا الأدون، فبعد ملاحظة تلك الموافقة لم يحصل الوصف‏

18

من قول الأعلم ...» (1).

أي: لم يحصل كون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع.

و قد يوجّه ذلك بما يلي: و هو أنّ فتاوى العالم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- ما يعلم فيها موافقة العالم، مع الأعلم من الأعلم- و لو من الأموات أو ممّن فقد بعض شرائط الحجّية- أو مع المشهور، أو مع الأحوط، و نحو ذلك.

2- ما يعلم فيها العكس، أي: موافقة فتوى الأعلم الحي، مع أعلم منه ميت، أو فقد بعض الشرائط، أو مع المشهور، أو مع الأحوط، و نحوها.

3- ما يحتمل كلاهما، لعدم العلم- و لو إجمالا فيما هو محل الابتلاء- بالموافقة لهذا، أو لذاك.

و الأقربية للواقع للأعلم الحي منحصر في القسم الثاني، و هو نادر جدّا لنادر من الفضلاء، و إلّا فأكثر المسائل من القسم الثالث، و أكثر المقلّدين- و هو العوام- ما يبتلون به من موارد تقليدهم أيضا من القسم الثالث.

[تفريق بلا فارق‏]

و ما فرّق به بعض الأعيان المحقّقين- على ما حكي عنه- و تبعه بعضهم في تقرير رسالة: «الاجتهاد و التقليد» من الفرق بين الأقربية الداخلية التي يتمتّع بها فتوى الأفضل، و بين الأقربية الخارجية التي هي موجودة في فتوى الفاضل الموافقة لفتوى من هو أعلم من الأفضل، أو للمشهور، أو نحو ذلك: بأنّ المقصود بالأقربية هي الأقربية الداخلية لا الخارجية، لأنّ الخارجية تعتمد على ما ليس بحجّة شرعا، فكيف يكون الفرع- و هو فتوى المفضول- حجّة مع عدم حجّية ما اعتمد عليه هذا الفرع؟

____________

(1) تقرير بحث شريف العلماء: ج 2، ص 382 (مخطوط).

19

ففيه: أنّ أقربية الفتوى إلى الواقع كما قد يحصل بكون المفتي أكثر إحاطة، و أقوى استنباطا، و أذكى في ردّ الفروع إلى الأصول، كذلك قد يحصل بكون غير الأعلم موافقا في فتواه للأعلم من الأعلم، و هذا أمر وجداني غير قابل للانكار.

و بعبارة أخرى: سبب الأقربية يختلف فيهما دون أصل الأقربية، و موضوع تعيّن الحجّية نفس الأقربية لا سببها. مضافا إلى أنّ قياس المساواة ظاهرا تامّ في مثل ذلك. فموافق الأقرب أقرب، نظير موافق الأطول أطول و موافق الأقصر أقصر، فيكون واقعا من الأقربية الداخلية، و إنّما سببها خارجي، فتأمّل.

[المنع عن الكبرى‏]

و أمّا الكبرى: و هو لزوم الأخذ بالأقرب إلى الواقع جزما مطلقا، فممنوعة بأنّ في الطريقية- الّتي التقليد منها- ليست الأقربية علّة تامّة لتعيّن الحجّية، و إنّما هي حكمة موجبة للأحسنية، لا التعيّن.

و لذا نرى المعظم من الفقهاء- في شتّى أبواب الفقه- لا يلتزمون بتعيّن الأقرب إلى الواقع، بل يجعلونه في الحجّية مساوقا لغيره، و يعارضون بينهما، و ربما يحكمون بتساقطهما، و الرجوع إلى الأدلّة الفوقية، أو الأصول العملية، بلا فرق في ذلك عندهم بين الحدسيات الّتي التقليد منها، و الحسّيات، مع أنّ المقصود في الحسّيات أيضا الواقع الوظيفي، كالحدسيات.

[الحدسيات إذا تعارضت‏]

ففي باب التقويم- و هو من الحدسيات- لم يوجب المعظم تقديم أعلم المقوّمين، بل عارضوا بينه، و بين غيره، بلا إشارة إلى الأعلمية، مع أنّ المقوّمين قلّما يوجد من يحرز تساويه مع المقوّم الآخر في الخبروية، و دونك كتب الشيخ‏

20

الأنصاري و السيّد صاحب العروة، و كتبهما العلمية و العملية، و التعليقات عليهما للمئات من الفقهاء على اختلاف مشاربهم الفقهية و الأصولية، فلم يلتزم أحد منهم- فيما رأيت و علمت- تقديم أعلم المقوّمين، و نفي الحجّية عن المقوّم العالم، بل عارضوا بينهما من دون تفصيل.

[كلام الشيخ الأنصاري‏]

ففي المكاسب للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في مباحث خيار العيب قال:

«مسألة: لو تعارض المقوّمون فيحتمل [و ذكر احتمالات ستّة، اختار سادسها و قال:] لكن الأقوى ما عليه المعظم من وجوب الجمع بينهما بقدر الإمكان لأنّ كلا منهما حجّة شرعية يلزم العمل به، فإذا تعذّر العمل به في تمام مضمونه وجب العمل به في بعضه» (1).

نعم، ذكر السيد الخوئي (قدّس سرّه) في رسالته العملية بتعبير الكتب العلمية غير المألوف غالبا في الرسائل العملية، و بتغيير: الأعلم إلى الأقوى خبرة قال:

«و الّذي تقتضيه القواعد لزوم الأخذ بقول أقواهم خبرة» (2) و علّله في المباني تلميذه ببناء العقلاء.

إلّا أنّهما جميعا في حواشيهما على المكاسب لم يعلّقا بهذا التعليق، و لم يؤشّرا إليه أصلا بل حكما بتساقط القولين- من غير تفصيل بين التساوي في الخبروية، أو التفاضل، أو الشكّ- و الرجوع إلى الأصول العملية، و هي البراءة عن الأكثر (3).

____________

(1) المكاسب: ج 5، ص 405.

(2) منهاج الصالحين: كتاب التجارة، ص 160.

(3) أنظر مصباح الفقاهة: ج 7، ص 293، و عمدة الطالب: ج 3، ص 544.

21

[عند تعارض الحسّيات‏]

و هكذا في الحسّيات، كتعارض الكتب في نقل نص واحد- مثل الكافي و الفقيه، و كتابي الشيخ (قدّس سرّه)- حيث إنّ الكثير لم يلزموا بتقديم الأضبط و هو الكافي، ثمّ الفقيه، بل عارضوا بينهما، و أجروا على ذلك أحكام المعارضة.

و مثل ذلك أبواب البيّنات و الأخبار الآحاد، و أخبار ذوي اليد، و نحوها من الأمارات الموضوعية، حيث عارضوا بينها و أجروا عليها أحكامها، دون إشارة إلى الأعدل، و الأورع، و الأتقن، و الأفقه، و نحو ذلك، بلا تفصيل، مع أنّ المتعارضات- غالبا- محرز الأرجحية موجود فيها.

[كلام صاحب العروة]

قال في العروة: «إذا تعارض البيّنتان أو إخبار صاحبي اليد في التطهير و عدمه تساقطا» (1).

و لم يعلّق أحد- فيما رأيت من عشرات التعليقات- بتقديم الأقرب إلى الواقع، أو الأقوى، و نحوهما.

حتّى أنّ البعض صرّح بتساقط قولي صاحبي اليد، و إن كان أحدهما عدلا ثقة، و الآخر فاسقا، مع أنّ قول ذي اليد طريقي، و طريقية العادل- بلا شكّ- أقرب من طريقية الفاسق.

[الأقربية إلى الواقع في الخبرين المتعارضين‏]

و في الخبرين- في باب الأحكام- مع ورود نصوص خاصة بتقديم «أفقههما، و أعدلهما، و أصدقهما، و أورعهما»، و نحو ذلك، و مع اعتبار اسناد

____________

(1) العروة الوثقى: فصل في ثبوت التطهير، م 1.

22

بعض المستفيض- لم يعمل المشهور بذلك، بل خيّروا بين العادل و الأعدل، و الصادق و الأصدق، و هكذا، و حملوا هذه المستفيضة المعتبرة سندا على اللّااقتضاء، فتراهم إذا تعارضت رواية أمثال زرارة، و ابن مسلم، و ابن أبي عمير و أضرابهم، مع رواية حتى الحسن و الموثّق يخيّرون بينهما- بناء على التخيير في الخبرين المتعارضين- أو يسقطونهما- بناء على التساقط-.

[البيّنتان المتعارضتان و الأقربية إلى الواقع‏]

و في البيّنتين هكذا، معظم المتأخرين- حتى القائلين بعدم حجّية فتوى غير الأعلم في عرض الأعلم- لا يرجّحون بالأقربية إلى الواقع مطلقا، مع وجود روايات خاصّة بالترجيح كالخبر: «قضى- أي: علي (عليه السلام)- بها لأكثرهم بيّنة» و الخبر: «كان علي (عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء و عددهم سواء أقرع بينهم» (1).

ففي تكملة المنهاج، في تداعي رجلين زوجية امرأة و عدم إقرارها بذلك لواحد منهما- «و أقام كل منهما البيّنة على مدّعاه حلف أكثرهما عددا في الشهود ... و إذا لم يحلف أكثرهما عددا ... لم تثبت الزوجية، لسقوط البيّنتين بالتعارض» (2).

ثم قال في الشرح- المباني-: «تدلّ عليه عدة روايات، منها: معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: «كان علي إذا أتاه رجلان ...».

مع أنّ في المعتبرة كما ذكر العدد، ذكر العدل، و الأعدل أقرب إلى الواقع،

____________

(1) الجواهر: ج 40، ص 425.

(2) تكملة المنهاج: ج 1، ص 61، م 64.

23

مع ذلك لم يرجّحوا به و هذا يكشف عن أنّ الأقربية إلى الواقع- بما هي- ليست ملاك حصر الحجّية في الأقرب.

[حاصل الكلام‏]

و الحاصل: إنّ الاستدلال لانحصار حجّية الأعلم بالأقربية إلى الواقع ممنوعة صغرى و كبرى.

مضافا إلى تمامية قياس المساواة، فالموافق للأقرب أقرب، نظير:

المطابق للأطول أطول، و للأقصر أقصر، و التكوين و الاعتبار ما يجري عليهما و ما لا يجري واحد، إلّا أنّ الأورعية تختلف.

و عليه: فقد ظهر أنّه لا دليل على أنّ ملاك الحجّية في الفتوى هي الأقربية إلى الواقع، و إنّما الذي قام عليه الأدلّة هو صدق: «العالم» و «الفقيه» و «أهل الذكر» و نحوها عليه، و هذه العناوين كما تصدق على الأعلم كذلك تصدق على العالم أيضا.

[إشكال و جواب‏]

و ما ربما يقال أو يحتمل: من أنّ مقتضى طريقية الفتوى هي: حجّية فتوى الأعلم دون فتوى العالم لدى تعارضهما.

يرد عليه:- مضافا إلى أنّ هذا إن صلح فإنّما هو للوجوب لدى المعارضة بين الفتويين، لا للقول بوجوب تقليد الأعلم مطلقا- إنّ ذاك في الطريقية التكوينية و هي لا تعيّن الأعلم، فلعل الطريقية لغير الأعلم، و أمّا الطريقية الاعتبارية فلا منافاة فيها بين حجّية فتوى الأعلم و بين حجّية فتوى غير الأعلم أيضا، إذ ملاك الاعتبارية ليس مجرد الواقع، بل مجموعة مصالح في طليعتها وصول الواقع نظير تعارض البيّنتين فإنّ أقربية إحداهما إلى الواقع- كما إذا كانت‏

24

أعرف بالحال من الأخرى- لا توجب تعيّنها و سقوط البيّنة الأخرى عن الحجّية مع أنّهما طريقان.

و لذا ذهب المشهور إلى التساقط فيهما، و ليس ذلك إلّا لوجود ملاك الحجّية في كليهما، و إلّا لما أوجبت الأمارة غير الأقرب، سقوط الأقرب أيضا كما لا يخفى، و هذا الايراد مرجعه إلى ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من أصالة التعيين عند الدوران بينه و بين التخيير.

[منع الكبرى بتقرير آخر]

ثم إنّ بعض مراجع العصر في تقريراته قرّر منع الكبرى: «بأنّ ادّعاء تعيّن الرجوع إلى الأقرب يتوقّف على إدراك العقل لزوم الأخذ به و تعيّنه، إدراكا جزميا قطعيا لا يحتمل خلافه، بحيث لو ورد دليل على خلافه من الشرع لأوّله أو طرحه، و أنّى للعقل هذا الادراك؟ إذ للشارع ترخيص الرجوع إلى المفضول إذا رأى مفسدة في تعيّن الرجوع إلى الأفضل، أو رأى مصلحة في توسعة الأمر على المكلّفين- كما هو الواقع في جواز العمل بقول الثقة و ترك الاحتياط- من دون أن يستلزم ذاك الترخيص و الرجوع إلى المفضول موضوعيته- كما ادّعاه المستدل-.

نعم، لو وقف العقل على لزوم احراز الواقعيات، و إدراك عدم رضا المولى بتركها، لحكم بلزوم العمل بالاحتياط، و عدم جواز العمل بقول الفاضل و الأفضل، من غير فرق بين لزوم العسر و الحرج، و اختلال النظام و عدمه.

و الحاصل: أنّه لا يتسنّى للعقل الحكم البات بتعين الرجوع إلى الأقرب، مع احتمال ورود تعبّد من الشارع بالترخيص في الرجوع إلى الفاضل و المفضول، و مع هذا الاحتمال- و لو كان ضعيفا- لا مساغ لادّعاء القطع بتعيّن‏

25

الأخذ به و توهّم عدم وجود ذاك الاحتمال لا يخلو عن مكابرة».

[مناقشة كلام المانع‏]

إنّ هذا هو كلام متين إن كان مقصود القائلين بلزوم الأخذ بالأقرب إلى الواقع: كون ذلك من قبيل العلّة و المعلول العقليين، الذين لا يتخلّف أحدهما عن الآخر.

و أمّا إذا كان مقصودهم من وجوب تقليد الأعلم، الوجوب العقلائي غير المردوع عنه كما صرّح به بعضهم.

أو الوجوب العقلي المبني على أصالة التعيين عند الدوران بينه و بين التخيير كما صرّح به آخرون و سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

أو كان مقصودهم الوجوب العقلي، و لكن لا على نحو العلّية، بل على نحو الاقتضاء النافذ عند عدم إحراز المانع، أو احراز عدم المانع بمحرز وجداني أو تعبّدي- كما هو الحال في معظم الأدلّة اللفظية، و الأمارات و الأصول- فلا يرد عليهم الإشكال المذكور.

مثلا: القائلون بأنّ الأمر يدلّ على الوجوب، ليس معناه: إنّه لا يتخلّف عن الوجوب لمانع كالقرينة الاستحبابية، كذلك فيما نحن فيه، الذين يقولون بأنّ الأقرب إلى الواقع يجب الأخذ به إنّما هو على سبيل المقتضي، الّذي يمكن تركه لوجود المانع، فلو دلّ دليل شرعي على التخيير بين الأقرب و غير الأقرب في مورد، يكون ذاك الدليل مانعا عن نفوذ المقتضي، لا دليلا على عدم اللزوم و الترتّب اطلاقا، حتى بنحو الاقتضاء.

و الظاهر أنّ القائلين بلزوم الأخذ بالأقرب، يريدون به: الاقتضاء على نحو سائر الترتّبات التي يرتّبون الأحكام الشرعية عليها، كالملاك في بقية الطرق‏

26

و الأمارات، فمع القطع بوجود المانع يرفع اليد عن المقتضي، أمّا مع احتمال وجود المانع فلا يرفع اليد عن المقتضي. فتدبّر فإنّه في أصله محل إشكال كما سبق آنفا.

[الجواب عن الكبرى‏]

و أجاب في «موسوعة الفقه» (1) عن الكبرى: بأنّه لا نسلّم أنّ المعيار في تعيين الأقربية هو نظرنا، لاحتمال أن يكون شي‏ء بعيد من نظرنا هو موضع اهتمام الشارع، و مثّل لذلك بمسألة: «تعارض الخبر و القياس في قطع أصابع المرأة» فإنّ القياس في المورد و إن كان أقرب إلى الواقع في نظر المكلّفين، و مع ذلك رجّح الشرع غير القياس.

[مناقشة الجواب‏]

و ربما يورد عليه أوّلا: أنّ هذا تسليم لأصل الكبرى، و مناقشة في تشخيصها، فيكون- بالنتيجة- مناقشة في الصغرى، إذ مفاده: أنّ الأقربية إنّما هي بنظر الشارع، و من أين نعلم أنّ قول الأعلم أقرب إلى الواقع؟

و يؤيّد ذلك: التنظير بتعارض الخبر و القياس.

فلقائل أن يقول: نحن شخّصنا أنّ قول الأعلم أقرب إلى الواقع بنظر الشارع- كما هو ظاهر كلماتهم على اختلافها المبنية على التنجيز و الاعذار-.

و الحاصل: أنّ الكبرى تنتفي بمنع الصغرى من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و معنى منع الكبرى: كونها من قبيل السالبة بانتفاء المحمول.

و ثانيا: أنّ سلب الشارع الأقربية في مورد- كتعارض الخبر و القياس في‏

____________

(1) موسوعة الفقه: ج 1، ص 121.

27

مسألة قطع أصابع المرأة- لا يكون دليلا على عدم لزوم العمل بالأقرب إذا أحرزت الأقربية في مورد آخر.

و الحاصل: أنّه لو سلّم أنّ الملاك إنّما هو الأقربية إلى الواقع بحيث انصرف الأمر و النهي إليه لبّا و واقعا، و لم يكن لنا طريق إلى الكشف عن الأقربية عند الشارع إلّا نظرنا نحن- كما هو كذلك- كان نظرنا مرآة لنظر الشارع، نظير ما يقال في الظواهر: من أنّ الظهور يكشف- بنظرنا- أنّ الشارع أراد كذا، فيكون نظرنا مرآة و كاشفا لنظر الشارع، لأنّ طرق الاطاعة و المعصية عقلائية إلّا ما وسّع الشارع أو ضيّق.

هذا مضافا إلى ما ذكره بعضهم: من أنّ مورد مسألة دية أصابع المرأة، من المصاديق الظاهرة للظهور العقلائي الحجّة لو لا نهي الشارع، نظير التعدّي من الاثنين إلى الثلاثة في: «يهريقهما و يتيمّم» (1) و «يصلّي فيهما جميعا» (2) و «يرمي بها جميعا» (3) و ليس قياسا، بل فهم عدم خصوصية الاثنين و إنّما الملاك المحصورية، و كذا التعدّي من الأربعة إلى الاثنين في اشتباه القبلة، و كذا التعدّي إلى سائر شروط الصلاة مثل أن لا يكون اللباس حريرا خالصا و نحوه، و اللّه أعلم.

[الدليل الرابع: الأعلم أكثر إحاطة]

الرابع: ما عن بعض الأعيان المحقّقين: من أنّ الأعلم هو الأكثر احاطة بمدارك الأحكام، فيكون العالم هو الأقل احاطة، و معنى ذلك: أنّ الأعلم يعرف‏

____________

(1) الوسائل: الباب 12 من أبواب الماء المطلق، ح 1.

(2) الوسائل: الباب 64 من أبواب النجاسات، ح 1.

(3) المستدرك: الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

28

من مدارك الأحكام أشياء لا يعرفها العالم، فتكون النسبة بين الأعلم و العالم، كالنسبة بين العالم و الجاهل- فيما يجهله العالم، و يعلمه الأعلم- و كما لا تصحّ التسوية بين العالم و الجاهل في الرجوع إليهما، كذلك لا تصحّ التسوية بين الأعلم و العالم في الرجوع إليهما.

و بعبارة أخرى: كما لا يجوز تقليد الجاهل المطلق كذلك لا يجوز تقليد الجاهل النسبي.

[مناقشة الدليل الرابع‏]

و فيه أوّلا: لا نسلّم كون الأعلم هو الأكثر احاطة بحيث يعرف مدارك لا يعرفها العالم، فكلاهما يستعرضان نفس الكتب و الأدلّة كالوسائل، و الجواهر، و الحدائق، و نحوها و إنّما الأعلم- حسب الأدلّة التي أقيمت و سيأتي إن شاء اللّه تعالى البحث عنه- هو الأفهم و الأذكى و الأشدّ فطنة.

و ثانيا: يمكن أن يكون مناط الحجّية شرعا، و عند العقلاء أيضا، بل لدى العقل أيضا، لدفع احتمال الضرر به هو: عنوان ينطبق على العالم و الأعلم سواء بسواء- كما هو كذلك- مثل: «العالم» و «الفقيه» و «أهل الذكر» و نحوها ممّا ذكرت في الأخبار.

و ثالثا: أيّ مانع من أن تكون هناك في إجازة الرجوع إلى المفضول مصلحة هي في نظر الشرع أهمّ من مصلحة الواقع، كالتسهيل على المكلّفين، الّذي وردت به الشريعة السمحاء- كما في الحديث الشريف- و لعلّ هذا التسهيل أيضا مبنى بناء العقلاء، أو جزء المبنى؟

و مع هذا الاحتمال لا تتمّ استحالة الرجوع إلى غير الأعلم كما يستفاد من مطاوي كلامه المفصّل في المقام.

29

فما ذكره من أنّ أصل التسوية بين الأعلم و العالم نظير التسوية بين العالم و الجاهل، ربما يرجع إلى امتناعها عقلا، و في مقام الثبوت، و لم نجد أحدا التزمه.

[الدليل الخامس: الأخبار]

[مقبولة ابن حنظلة]

الخامس: الأخبار، و منها: مقبولة عمر بن حنظلة و فيها: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما، و أصدقهما في الحديث، و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر» (1).

[مناقشة المقبولة]

[الإيراد الأوّل‏]

و أورد على الرواية أوّلا: بضعف السند- لمكان عمر بن حنظلة، فإنّه مجهول و لم يضعّفه أحد، و باقي السند معتبر-.

و فيه: أنّ هنا كلاما في الراوي، و كلاما في الرواية- و هي محل الشاهد-.

[الكلام في الراوي‏]

أمّا الكلام في الراوي: فقد حقّقنا في بحوث الدراية وثاقة عمر بن حنظلة، للتوثيقات العامّة و الخاصّة، كتوثيق جماعة له، منهم: الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في شرح الدراية، و قال في معجم رجال الحديث: «ذهب جماعة، منهم الشهيد الثاني إلى وثاقته» (2) من غير معارض، و كونه من المتأخّرين لا يضرّ- على المبنى الّذي‏

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

(2) معجم رجال الحديث: ج 14، ص 32.

30

ارتضيناه تبعا لجمع من المحقّقين- و كونه من شيوخ صفوان بن يحيى بسند صحيح و قد نقل الشيخ الإجماع على وثاقة شيوخه مع شيوخ ابن أبي عمير و البزنطي، قال في العدّة: «سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير، و صفوان بن يحيى، و أحمد بن محمّد بن أبي نصر- أي: البزنطي- و غيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلّا عمّن يوثق به، و بين ما أسنده غيرهم، و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم» (1).

و قد عمل بهذا التوثيق الّذي نقله الشيخ: جمهرة عظيمة من الفقهاء في شتّى الأحكام، و يظهر ذلك جليا لمن راجع الجواهر، و الحدائق، و المستند، و المستمسك، و غيرها، و إليك نماذج منها.

[ابن حنظلة و نماذج من توثيقاته‏]

ففي خمس الجواهر: «مرسلة حمّاد بن عيسى المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه، المقتضي لعدم قدح من علم فسقه ممن تأخّر عنه- في وجه- فضلا عن غير المعلوم» (2). و في حجّ الجواهر: «مرسلة ابن أبي عمير الّتي هي كالصحيحة» (3). و فيه أيضا: «و بالصحيح أنّ ابن أبي عمير أرسل عن ...» (4) و نحوها موارد أخرى، و إذا كان المرسل صحيحا أو كالصحيح فالمسند المجهول بطريق أولى، و إذا كان إرسال أصحاب الإجماع- غير الثلاثة- بهذه المثابة، فالثلاثة بطريق أولى كما لا يخفى.

____________

(1) عدة الأصول: ج 1، ص 154.

(2) الجواهر: ج 16، ص 109.

(3) الجواهر: ج 20، ص 257.

(4) الجواهر: ج 20، ص 175.

31

و في صلاة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه): «و ليس في سند هذه الرواية من يتوقّف في شأنه سوى الضحّاك بن زيد ... و ممّا يؤيّد وثاقته بل يدلّ عليه رواية البزنطي عنه و حكي عن الشيخ في العدّة (1) في شأن البزنطي أنّه لا يروي إلّا عن ثقة» (2).

و في مورد آخر: «و ليس في سنده إلّا القاسم بن عروة، و هو و إن لم يصرّح بتوثيقه ... و قد روى عنه ابن أبي عمير و البزنطي في بعض الروايات، و هذا من أمارات وثاقته» (3).

و في المستمسك في مسائل عديدة، منها: أنّه صحّح رواية لأجل أنّ الراوي من شيوخ أحد الثلاثة (4).

و أليك عبارة السيد مهدي بحر العلوم (قدّس سرّه) في مصابيحه في علم الأصول قال بعد نقل عبارة الشيخ في العدّة-: «و بالجملة الظنّ الحاصل من مرسلات ابن أبي عمير و أخويه لا يقصر عن الظن الحاصل عن مسانيد الثقات خصوصا إذا انضمّ إليه عمل الأصحاب بمضمونها، و الاعتماد في الجرح و التعديل على الظنون الاجتهادية كما اختاره جماعة من المحقّقين» (5).

[شواهد على توثيق ابن حنظلة]

مضافا إلى أنّ صفوان من أصحاب الإجماع المعروف، أضف إلى ذلك: ما ورد في رواية يزيد بن خليفة: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ عمر بن حنظلة

____________

(1) عدة الأصول: ج 1، ص 387.

(2) صلاة الشيخ الأنصاري: ج 1، ص 46.

(3) صلاة الشيخ الأنصاري: ج 1، ص 47.

(4) المستمسك: ج 5، ص 156.

(5) المصابيح: ص 26.

32

أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذن لا يكذب علينا» (1) و لا إشكال في سند هذه الرواية إلّا من جهة يزيد بن خليفة حيث لم يوثّق بالخصوص، لكنّه من شيوخ صفوان بن يحيى في رواية سندها صحيح مقيّدا بما رواه الكشي في رجاله‏ (2) في حديث مرفوع، قال الإمام الصادق (عليه السلام) ليزيد بن خليفة: «أنت نجيب من حارث بن كعب».

و نحو ذلك روايات أخر استند إليها- من حيث المجموع- في توثيق عمر ابن حنظلة.

منها: ما عن عمر بن حنظلة: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أنّي أظن أنّ لي عندك منزلة، قال أجل» (3).

و منها ما عنه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «يا عمر لا تحمّلوا على شيعتنا، و ارفقوا بهم، فإنّ الناس لا يحتملون ما تحملون» (4).

و منها غير ذلك.

إذن: فعمر بن حنظلة معتبر بنفسه، و هذه الرواية مضافا إلى أنّها عن عمر ابن حنظلة، مقبولة عند الأصحاب، و لا يقصر التلقّي بالقبول- في مقام التنجيز و الاعذار العقلائي- عن توثيق شخص واحد ثقة، و اللّه العالم.

[الكلام في الرواية]

و أمّا الكلام في الرواية: فقد أورد بعضهم على ذلك صغرى: بعدم احراز

____________

(1) الوسائل: الباب 5 من أبواب المواقيت، ح 6.

(2) رجال الكشي: ص 283.

(3) معجم رجال الحديث: ج 14، ص 32.

(4) معجم رجال الحديث: ج 14، ص 32.

33

قبول هذه الرواية من قبل المشهور.

و كبرى: بأنّه هو الجبر السندي الّذي لا نقول به.

[مناقشة الصغرى‏]

و فيه: أمّا الصغرى فدونك كتب الفقه في القضاء من المبسوط و الخلاف و التهذيب و إلى مفتاح الكرامة، و الحدائق، و المستند، و الجواهر و غيرها، تجد الفقهاء على اختلاف مشاربهم الفقهية و الأصولية، عملوا بهذه الرواية و أفتوا عليها في شتّى المسائل المرتبطة بها.

و إليك نماذج من ذلك:

ففي مفتاح الكرامة في كتاب القضاء «و أمّا المقبولة فاستضعفها في المسالك باعتبار سندها ثمّ قال- أي في المسالك-: فإن تمّ الاستدلال بها لانجبار ضعفها بالشهرة فهي العمدة ... ثم قال العاملي (قدّس سرّه): قلت: ليس هذا محل توقّف، لاتّفاقهم على قبولها و العمل بمضمونها» (1) و نقل هذا الاتّفاق من مثل العاملي (قدّس سرّه) المتخصّص بجمع الأقوال و المطّلع على اختلاف الفتاوى حجّة واضحة.

و في زكاة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه): أفتى بوجوب دفع الزكاة إلى الفقيه إذا طلبها، قال: «لأنّ منعه ردّ عليه، و الرادّ عليه رادّ على اللّه تعالى كما في مقبولة عمر بن حنظلة» (2).

و في القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) اكتفى بالتجزّي في القاضي، و ناقش في دلالة المقبولة «و عرف أحكامنا» على العموم، و حملها على‏

____________

(1) مفتاح الكرامة: ج 10، ص 4.

(2) كتاب الزكاة للشيخ الأنصاري: ص 356.

34

الجنس، و مع أنّه كان في مقام الجواب عن المقبولة لم يذكر المناقشة في سندها (1).

و فيه أيضا «لما عرفت من المعتبرين المذكورين» أي: روايتي أبي خديجة و المقبولة (2).

و نحو ذلك كثير منتشر في شتّى الكتب.

[مناقشة الكبرى‏]

و أمّا الكبرى: فللجبر الّذي عليه بناء العقلاء، قال الآخوند في الكفاية في بحث حجّية الشهرة و عدم حجّيتها «نعم بناء على حجّية الخبر ببناء العقلاء، لا يبعد دعوى عدم اختصاص بنائهم على حجّيته، بل على حجّية كل أمارة مفيدة للظن، أو الاطمينان» (3).

ثمّ قال في الخبر الواحد «استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان و غيرهم على العمل بخبر الثقة و استمرت إلى زماننا و لم يردع عنه نبي و لا وصي نبى، ضرورة أنّه لو كان لاشتهر و بان» (4).

[الإيراد الثاني‏]

و أورد على الرواية ثانيا: بأنّها في باب الخصومة و الترافع، و إسراء الحكم منها إلى باب الفتوى: قياس، لأنّه من اسراء الحكم من موضوع إلى آخر، و مع الفارق، لأنّ باب الخصومة لا يمكن الحكم فيه بالتخيير لعدم كونه رافعا

____________

(1) كتاب القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: ص 30.

(2) كتاب القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري: ص 231.

(3) كفاية الأصول: ص 292.

(4) كفاية الأصول: ص 303.

35

للخصومة إذ كل خصم يأخذ بما يوافقه فتبقى الخصومة كما كانت، بخلاف باب الفتوى و التقليد فإنّ التخيير فيه رافع للحيرة و مثبت للتكليف، و لعلّه لذلك لم يأمر الإمام بالتخيير بعد فقد المرجّحات- كما فعل (عليه السلام) ذلك في باب تعارض الروايات- و إنّما أمر بالارجاء: «حتى تلقى إمامك».

ثم إن أردنا التنظير فلعلّ الأولى تنظير المقام بباب الأخبار التي أمرنا فيه بالتخيير لا بباب الخصومة لأولويته منها من جهة احتياج الخصومة إلى البتّ و قطع النزاع عن المتخاصمين.

و إن شئت قلت: إنّ في المقام مسائل ثلاثا القضاء و الفتوى و نقل الخبر.

ففي مسألة القضاء وجوب الترجيح، كما في الأخبار، و أفتى به جماعة.

و في مسألة نقل الخبر، المشهور التخيير فتوى و عملا من دون ترجيح، مع ورود روايات خاصة بالترجيح.

و في مسألة التقليد مع اختلاف المجتهدين في الفضيلة، خلاف في التخيير و الترجيح، و لا دليل خاص على التخيير أو الترجيح.

و لها شبه بكل واحدة من المسألتين الأوليين من جهة، فمن جهة الحدسية تكون مسألة فتوى المجتهدين أشبه بالقضاء، و من جهة إمكان الحل بالتخيير تكون أشبه بمسألة الخبر، مع أنّ علّة اختلاف الفتويين- كثيرا ما- هي اختلاف الخبرين.

و إن حصل اطمينان من هكذا تنظيرات، و كانت خارجة عن القياس، فلعلّ التنظير بالخبرين أولى، إذ الأقربية إلى الواقع إن كانت ملاكا لزم رعايتها في الخبرين. بل ربما يستظهر أنّ التسهيل على العباد- بالتخيير- هو الملاك بعد وجود أصل العلم و التقوى في كلا المجتهدين، و اللّه العالم.

هذا مضافا إلى أنّ الشكّ في وحدة المناط كاف في عدم التعدّي.

36

و بما ذكرنا يتّضح النظر فيما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ «مقبولة عمر ابن حنظلة المجبورة قصور دلالتها- من حيث اختصاصها بموردها- بالإجماع المركّب الظنّي، و تنقيح المناط القطعي» (1).

[الإيراد الثالث‏]

و أورد على الرواية ثالثا: ما ذكره بعض مراجع العصر في التقريرات تبعا للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في الرسائل: من أنّ ملاك التقدّم في المقبولة إنّما هو الصفات الأربع:- أعدلهما، و أفقههما، و أصدقهما في الحديث، و أورعهما- على نحو بشرط شي‏ء، بحكم واو العطف، لا الأفقهية فقط، فلا تكون تلك ملزمة بمجردها بل منظّمة إلى الصفات الثلاث الأخر.

و ما استظهره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في «الرسائل» (2): من أنّ سؤال الراوي من الإمام (عليه السلام) عن صورة التساوي بين الحاكمين فقط، و عدم سؤاله عن صورة تفاضلهما و وجود بعض المرجّحات دون بعض، يكشف عن كون الواو للتنويع، و كون كل واحد منها مرجّحا مستقلا على نحو لا بشرط، لا على نحو بشرط شي‏ء، غير ظاهر، و لا مصادم لظهور واو العطف في الطبيعة بشرط شي‏ء- أي:

الجمع- بل هو مجرد استبعاد أن يكون حاكمان متساويين في هذه الصفات الأربع كلّها، فتأمّل.

[الإيراد الرابع‏]

و أورد على الرواية رابعا: ما ذكره أيضا- تبعا لنهاية شيخه (قدّس سرّه)-: من أنّ‏

____________

(1) كتاب القضاء و الشهادات: ص 53، طبعة جديدة.

(2) فرائد الأصول: ص 773 من الطبعة الجديدة.

37

التلازم إنّما هو بين نفوذ الحكم و حجّية فتواه، لا بين عدم نفوذه و عدم حجّية فتواه، لأنّ سلب المركب أو ما بحكمه إنّما هو بسلب بعض أجزائه، فعدم نفوذ حكم غير الأفقه، يمكن أن يكون لأجل عدم كون حكمه فاصلا، و يمكن أن يكون لعدم حجّية فتواه، و نفي الأخصّ لا يدلّ على نفي الأعم، و عدم جواز أخذ فتواه في المقام لا يدلّ على سلب الحجّية عن فتواه، بل لعدم كون فتواه فاصلا و رافعا للترافع، بل الفتوى مطلقا و إن كان فتوى الأعلم ليس بفاصل، بل الفاصل هو الحكم».

و فيه:- مضافا إلى عدم الوقوف على الفارق شرعا بين الحكم و بين الفتوى، لا في الكتاب و لا في السنّة، سوى الفرق الموردي الّذي ليس بفارق في الحقيقة، فالفتوى تطلق في مقام العمل من غير خصومة، و الحكم في مقام الترافع و حلّ الخصومة- إنّ الظاهر من المقبولة كون حكم غير الأفقه غير نافذ، لعدم حجّية فتواه، لا مطلقا بل في ظرف تعارضها مع فتوى الأفقه في باب الخصومة.

و يدلّ على ذلك تبادر ما قلناه إلى الذهن من ملاحظة نصّ الرواية من أوّلها إلى آخرها.

نعم، الظاهر أنّ عدم نفوذ حكم غير الأفقه إنّما هو لمصلحة رفع الخصومة التي لا تتأتّى مع نفوذ حكمه.

قال الشيخ في القضاء و الشهادات: «مع أنّ الرواية- عند التأمّل- ظاهرة في أنّ ترجيح حكم الأعلم من أحد الحاكمين على الآخر من جهة رجحان فتواه ... و لذا كان مورد السؤال و الجواب في باقي الرواية في تعارض روايتهما ... و لذا ادّعى الشهيد الثاني- فيما حكي عنه‏ (1)-:

____________

(1) المسالك: ج 1 ص 285 الطبعة القديمة.

38

أنّ الرواية نصّ في المدّعى» (1).

[الإيراد الخامس‏]

و أورد على الرواية خامسا: أنّ المقبولة و روايتي: داود بن الحصين، و موسى بن أكيل، و كل منهما عن الصادق (عليه السلام) أيضا، و جامعها جميعا مسألة اختلاف الحاكمين في ما حكما به، اختلفت في الأوصاف الموجبة للتقديم من جهات عدّة:

1- جهة الكم: ففي المقبولة أربع صفات: الأعدلية، و الأفقهية، و الأصدقية، و الأورعية.

و في خبر داود ثلاث صفات: الأفقهية و الأعلمية- على فرض عدم كون الواو للعطف التفسيري- و الأورعية.

و في خبر موسى، صفتان: الأعدلية و الأفقهية.

2- و من جهة الكيف: ففي المقبولة ذكرت الأصدقية و لم تذكر في الخبرين، و في خبر داود ذكرت الأعلمية بالأحاديث و لم تذكر في الآخرين.

3- و من جهة التقديم و التأخير: ففي خبر داود قدّم الأفقهية، و في المقبولة و خبر موسى الأعدلية.

و هذا الاختلاف ينافي لزوم الترجيح، لعدم الجامع إلّا أن يقال: بعدم حجّية خبري داود و موسى من جهة السند، فتأمّل.

[الإيراد السادس‏]

و أورد على الرواية سادسا: أنّ المقبولة- مضافا إلى عدم الترجيح‏

____________

(1) كتاب القضاء و الشهادات: ص 53.

39

بالصفات الثلاث المذكورات فيها- غير الأفقهية- لا في باب الأخبار، و لا في باب الحدسيات من القضاء و التقليد، و التقويم، و نحوها- في موردها و هو القضاء لم يعمل المشهور بها، فقد أطلقوا عدم جواز نقض حكم الأوّل من غير تفصيل بين الأعلم و غيره، كما أطلقوا جواز النقض إذا ثبت- و لو بدليل اجتهادي- بطلان قضاء الأوّل من غير تفصيل أيضا.

قال في قضاء الجواهر: «إنّ الحكم ينقض و لو بالظنّ إذا تراضى الخصمان على تجديد الدعوى و قبول حكم الحاكم الثاني ...» (1) فكيف يتعدّى بدليل لم يعمل به في مورده؟

و فيه: إنّه على القول المنسوب إلى المشهور: من لزوم كون القاضي أعلم، فلا معنى لاستفادة الاطلاق من المسألتين.

و الحاصل: إنّ عمدة الإيراد في المقبولة هو الثاني، و هو اختلاف القضاء و التقليد، بلزوم التعيين في الأوّل دون الثاني، فتأمّل.

[أخبار أخرى‏]

و هناك أخبار أخرى غير المقبولة يستدلّ بها في المقام أيضا.

منها: خبر داود بن الحصين و جاء فيه: «ينظر إلى أفقههما، و أعلمهما بأحاديثنا، و أورعهما، فينفذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر» (2).

و منها: خبر موسى بن أكيل عن الصادق (عليه السلام): «ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضى حكمه» (3).

____________

(1) الجواهر: ج 40، ص 97.

(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 20.

(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 45.

40

و منها: ما في نهج البلاغة من عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر ((رضوان اللّه تعالى عليه)) بسند صحيح و فيه: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور» (1).

و منها: ما في الوسائل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أمّ قوما و فيهم من هو أعلم منه، لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة» (2).

و منها: ما في نهج البلاغة أيضا: «أيها الناس إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر، أقواهم عليه، و أعلمهم بأمر اللّه فيه» (3).

و منها: ما فيه أيضا: «إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به» (4).

بتقريب: إنّ المرجع للتقليد، هو الأولى بالأنبياء، لأخذ أحكام الأنبياء منه.

[مناقشة هذه الأخبار]

و يرد عليها: أنّها- باستثناء الثلاثة الأخيرة- واردة مورد القضاء و فصل الخصومة، و لا يقاس باب الافتاء و التقليد على باب القضاء، و ذلك لما مرّ في المقبولة، بل ربما يقال- كما مرّ أيضا-: إنّ الأنسب لو أردنا التنظير: تنظير الباب بباب الأخبار، لكونه أكثر مناسبة من ذلك التنظير.

مضافا إلى أنّه يمكن استفادة الاستحباب من عهد مالك الاشتر، بتقريب:

أنّه لو كان الرجوع إلى الأعلم واجبا لزم أن يتكفّل مالك الاشتر (قدّس سرّه) القضاء بنفسه،

____________

(1) نهج البلاغة: ج 3، ص 94، طبعة بيروت.

(2) الوسائل: الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة، ح 1.

(3) نهج البلاغة: ج 2، ص 86، رقم الخطبة 173، طبعة بيروت.

(4) نهج البلاغة: ج 4، ص 21 تحت رقم 96.

41

لأنّه أعلم من سائر الرعية، لأنّ الإمام (عليه السلام) قال: «أفضل رعيتك» و لم يقل:

الأفضل منك و من رعيتك، و لعلّ الوجه في ذلك: هو أنّ الأعلم يكون أسرع في القضاء و رفع الخصومات لأكثرية إحاطته، فقلّما يجهل وجه الحكم.

و فيه: لعلّ ذلك لأهمية الولاية، و عدم إمكان الجمع عادة بينها و بين القضاء، أو كل الأمر إلى الأعلم من رعيته فقط، فتأمّل.

[مناقشة عهد الأشتر سندا]

و أمّا الإشكال في العهد سندا، لإرسال نهج البلاغة.

ففيه- مضافا إلى اعتبار نهج البلاغة، فإنّه مقبول عند الأصحاب، و لا يقلّ اعتبارا عقلائيا عن توثيق السند، فالوثاقة الخبرية موجودة فيه- إنّ للشيخ الطوسي (قدّس سرّه) إلى هذا العهد طريقا صحيحا.

مع أنّ الفقهاء قديما و حديثا اعتمدوا على نهج البلاغة و نسبوه إلى علي (عليه السلام) في شتّى الأحكام و الفروع و لم يبد المشهور التشكيك في إسناده إليه (عليه السلام)، و إليك بعض النماذج على ذلك:

[أمثلة و نماذج‏]

ما في مكاسب الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في مسألة الكذب قال: «نعم يستحب تحمّل الضرر المالي الّذي لا يجحف و عليه يحمل قول أمير المؤمنين (عليه السلام): علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك» (1) و الشاهد في نسبته إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالجزم. دون مثل المروي، أو المنقول، أو المحكي و نحوها.

____________

(1) المكاسب: ج 2، ص 29.

42

و منها: ما في زكاة الشيخ الأنصاري في مسألة نقل الزكاة من بلد إلى بلد «كما نصّ عليه الإمام (عليه السلام) في الكلام الّذي حكيناه عن نهج البلاغة في آداب العامل، و منه يظهر الجواب عن رواية الحلبي ...» (1) و هي رواية صحيحة صرّح الشيخ (قدّس سرّه) قبل قليل بصحّتها، و بكلام نهج البلاغة حمل الصحيحة على خلاف ظاهرها.

و المتتبّع لكتب الفقهاء يجد المعظم منهم ينسبون نهج البلاغة إليه (عليه السلام) بدون تردّد، و يعملون بنصوصه في الأحكام الإلزامية.

[مناقشة عهد الأشتر دلالة]

نعم، ربما يورد على العهد- دلالة- بأنّ تذييل ذلك في كلامه (عليه السلام): «أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور، و لا تمحكه الخصوم، و لا يتمادى في الزلّة، و لا يحصر من الفي‏ء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء ...» (2).

يصرف الأفضل إلى الفضل الديني و النفسي، دون العلمي. و هو إيراد في محلّه ظاهرا.

و لعلّه لذلك قال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بعد نقله هذه الفقرة من العهد: «و فيه تأمّل» (3).

____________

(1) كتاب الزكاة للشيخ الأنصاري: ص 361.

(2) نهج البلاغة: ج 3، ص 94.

(3) كتاب القضاء و الشهادات: ص 54.

43

و أمّا الايراد عليه أوّلا: بأنّه لو كان مراجعة الأعلم واجبة لوجب أن يتصدّى نفس مالك للقضاء لأنّه هو أعلم، أو بأن يقال له بدل «أفضل رعيتك»:

«الأفضل منك و من سائر رعيتك».

و ثانيا: المدّعى تقليد الأعلم على الاطلاق، و هذا العهد يدلّ على الأعلم على الفرض- من رعية مالك لا مطلقا.

ففيهما: أمّا الأوّل فلتزاحم الولاية مع القضاء، و أهمية الولاية و عدم القدرة على الجمع بينهما، لم يؤمر بذلك.

و أمّا الثاني: فلعدم التمكّن من الأعلم المطلق عادة، مضافا إلى دلالته على الأعلم إجمالا.

[مناقشة خبر الوسائل‏]

و أمّا خبر الوسائل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أمّ قوما ...» فيرد على الاستدلال به لما نحن فيه ما يلي:

أوّلا: أنّه في مقام الإمامة و الطاعة المطلقة، التي ليست تحق إلّا للأعلم على الاطلاق في جميع العلوم و الفنون، المنحصر في الأئمّة الطاهرين الاثني عشر (عليهم السلام)، و هذا الخبر له نظائر كثيرة بمضمونه في باب وجوب كون الإمام أعلم أهل زمانه.

و ثانيا: بضعف السند.

و فيه: أنّه بالنسبة إلى هذا الخبر وحده في محلّه، و لكن بالنسبة لكل ما ورد بهذا المضمون في بيان ضرورة أعلمية الإمام في غير محلّه، لإمكان ادّعاء التواتر المعنوي أو الاجمالي بالنسبة إليه.

و ثالثا: فليكن إلى سفال، فهل هذا يدلّ على الحرمة التكليفية و الوضعية؟

44

و لعلّ لحن الكلام يشبه الأخلاقية لوجود نظائر له.

و رابعا: لو أبقي: «أمّ قوما» على اطلاقه ليشمل المفتي، لزم شموله بنفس الاطلاق- لإمام صلاة الجماعة، و لأمير الجيش، و لغيرهما لأنهم أئمة أيضا و لا أظنّ أحدا يلتزمه- و إن قيل: بخروج ما خرج بالدليل لا يخدش في الاطلاق إلّا إذا صار سببا لخروج الأكثر- فتأمّل.

[مناقشة خبري نهج البلاغة]

و قد يورد على الخبرين الأخيرين المنقولين في نهج البلاغة بما يلي:

أوّلا: بضعف السند، لأنّه لا يعدو أن يكون مراسيل للشريف الرضي (قدّس سرّه) فما يثبت منها خارجا بسند صحيح يعتمد عليه في الأحكام الشرعية، و إلّا فلا و قد تقدّم الجواب عنه.

و ثانيا: بأنّ المنصرف من كلمة: «هذا الأمر» هو الإمامة كما لا يخفى على من لاحظ روايات باب الإمامة، فإنّ هذا من ذاك السياق، و لا شكّ في لزوم كون الإمام العادل أعلم الناس جميعا في عصره. و بأنّ كلمة: «أولى الناس بالأنبياء» ظاهرة في الأولوية المطلقة التي ليست إلّا في الإمام العادل، فهو كسابقه أيضا.

و ثالثا: بأنّه أي تلازم بين الأولى بالأنبياء، و الأولى بالتقليد؟ إلّا أن يقال:

بأنّه الأولوية في مقام القيادة الشرعية التي أهم ثمارها الفتاوى في أحكام اللّه تعالى، فتأمّل.

و رابعا: بأنّ «الأولى» غير ظاهر في الوجوب إن لم يكن ظاهرا في غيره.

و خامسا:- و لعلّه الظاهر- بأنّ المراد به: الأولى باتّباع كما يقال: أولى الناس باتّباع الفقيه أولاده، و أولى الناس باتّباع المدرّس تلاميذه، و نحو ذلك.

45

[مناقشة عامّة]

ثم إنّه قد يورد على الاستدلال بهذه الروايات: بأنّ «الأفقه» و «الأفقه في دين اللّه» و «الأعلم بأمر اللّه» و «و الأعلم بأحاديثنا» و نحو ذلك، بالمعنى الّذي كان متعارفا في زمن صدور هذه الروايات هو غير الأفقه و الأعلم في اصطلاح اليوم.

فإنّ الأعلم و الأفقه في عصر الأئمّة (عليهم السلام) كان يطلق على من روى و حفظ أحاديث أكثر من غيره- كما ربما يظهر أيضا من إضافة الأعلم و الأفقه إلى دين اللّه، و أمر اللّه، و أحاديثنا- أمّا اليوم فليس بين الفقهاء المراجع أعلم من هذه الجهة و كلّهم متساوون في مقدار الاحاطة بالأخبار و الآثار، لأنّ الروايات مدوّنة في كتب مطبوعة هي متناول الجميع، و مبوّبة حسب المسائل و الأحكام، و كلّ ما يراه فقيه يراه غيره، و إنّما الأفقه و الأعلم في هذا العصر يقال للذي تمرّن في ردّ الفروع إلى الأصول أكثر، أو كان أكثر ذكاء و فهما- على ما يأتي من الخلاف و الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى- و بين المفهومين عموم من وجه، و لا أقل من الإجمال.

و قد يناقش في ذلك: بأنّ المقصود بالأعلم و الأفقه في عصر الأئمّة (عليهم السلام) هو المعنى الثاني المعروف في عصرنا لقوله (عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاريض كلامنا» أو «معاني كلامنا» (1)، فتأمّل.

[خبر الاختصاص‏]

و ممّا روي في الباب: ما في البحار عن «الاختصاص» مرسلا عن رسول‏

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 27.

46

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من تعلّم علما ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم، فليتبوّأ مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلّا لأهلها، فمن دعى الناس إلى نفسه و فيهم من هو أعلم منه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة» (1).

و فيه:- مضافا إلى الإرسال- أنّ السياق يدلّ على الإمامة و الخلافة، لا مرجع التقليد، فهو منصرف إليها كما لا يخفى لمن راجع أحاديث غصب الخلافة من البحار و غيره.

[خبر العيون‏]

و ممّا روي في المقام: ما في البحار أيضا عن «عيون المعجزات» عن الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) أنّه قال لعمّه عبد اللّه بن موسى بن جعفر: «يا عمّ إنّه عظيم عند اللّه أن تقف غدا بين يديه فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم و في الأمّة من هو أعلم منك؟» (2).

و فيه:- مضافا إلى الإرسال أيضا- أنّه لأجل الفتوى بما لم يعلم، الّذي هو حرام حتى على الأعلم، و لا اختصاص له بغير الأعلم، فليس تامّا دلالة أيضا.

مضافا إلى وجوه أخرى من الإشكال في صدر الرواية تسلب الوثوق بكلّ ما فيه، نعم ذيلها يتضمّن معجزة مشهورة للإمام الجواد (عليه السلام) هي واضحة الحجّة كما لا يخفى.

فما في التنقيح من أنّ: «هذه الرواية و إن كانت تدلّ على اعتبار الأعلمية

____________

(1) البحار: ج 2، باب 15، في ذمّ علماء السوء، ح 16.

(2) البحار: ج 5، ص 99، الباب الخامس، ح 12.

47

المطلقة في المفتي» (1) غير واضح، إذ لا دلالة لها ظاهرا، إذ المعنى: إنّ الفتوى التي لا تعلمها لما ذا تفتي بها و في الأمّة من هو أعلم منك و يعلم تلك الفتوى؟

و المجتهد غير الأعلم، يعلم و يفتي، لا أنّه يفتي بلا علم.

[الدليل السادس: أصالة العدم‏]

السادس: أصالة عدم حجّية فتوى المفضول، و لها تقريرات ثلاثة:

[الأصل بتقريرات ثلاثة]

[أوّل التقريرات‏]

أحدها: ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) في كتاب القضاء: من أنّه إذا تعارضت الأمارات وجب معيّنا الأخذ بالأقوى منهما، مع صغرى مطوية و هي أنّ فتوى الأعلم أقوى من فتوى المفضول.

قال: «الظاهر أنّ حجّية فتوى الفقيه إنّما هي لكونها من الظنون الخاصّة الّتي لا يعتبر إفادتها للظنّ الشخصي ... و من المعلوم إنّ مثل هذا إذا تعارضت يجب الرجوع إلى الأقوى منهما ... و لا يلتفت إلى الأخرى ... و إذا ادّعوا الإجماع على وجوب الأخذ بما هو الأقوى في نفس المتشرّعة من الأمارة، فهذا هو الأصل في تعارض الأمارات المعتبرة عند الشارع ...» (2).

[مناقشة التقرير الأوّل‏]

و فيه: أنّ هذا هو بناء العقلاء المتقدّم، و يرد عليه أيضا ما تقدّم:

نقضا: بالموارد الكثيرة الّتي يحكم الفقهاء- و منهم الشيخ (قدّس سرّه) في شتّى‏

____________

(1) التنقيح: ص 146.

(2) كتاب القضاء و الشهادات للشيخ: ص 54.

48

كتبه- بالتخيير في الأخبار المتعارضة، و التساقط في غيرها من موارد تعارض الأمارات، و التساقط فرع التكافؤ في الحجّية كالتخيير كما لا يخفى، و عدم الالتفات إلى الأقوى منهما، و قد تقدّم بعض الحديث عن ذلك.

و حلا: بأنّ الأقوى في الأمارية يدلّ بالتضمّن على أمارية الأخرى، فهذه أمارة، و تلك أمارة، إلّا أنّ هذه أقوى من تلك، فكلتاهما حجّة.

هذا مضافا إلى الإشكال في الصغرى- غالبا- و هو أنّ المفضول كثيرا ما يوافق فتواه فتوى الأفضل من الأعلم، و قد استند إلى هذا الإشكال جمهرة من الأعاظم عبّر عنهم الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ب: «ما اشتهر بين المعاصرين تبعا للشارح ... (أي: المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) لكونه شارحا لارشاد العلّامة، و كتاب قضاء الشيخ قسم منه شرح للإرشاد أيضا) المصرّح به ... في كلام جماعة» (1) و قد تقدّم الكلام عنه.

نعم، يستثنى من ذلك- فيما استحضر- تعارض البيّنات حيث ذهب جمع خلافا لجمهرة آخرين- تبعا لصريح مستفيض الروايات إلى تقديم الأكثر عددا منها، دون مطلق الأقوى منها و لو كيفا بالأعدلية، أو الأضبطية و نحوها، و إن كان في بعض الروايات تصريح بتقديم الأقوى كيفا أيضا.

[ثاني التقريرات‏]

ثانيها: أصالة التعيين عند الدوران بينه و بين التخيير، و هذا أصل عملي عقلي، موضوعه الشكّ في أنّ الواقع هو الترجيح أو التخيير.

____________

(1) القضاء و الشهادات: ص 55، و أنظر المسالك للشهيد الثاني (قدّس سرّه): ج 2، ص 285، طبعة قديمة، و مجمع الفائدة للمحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) ج 12، ص 21، طبعة جديدة، و مستند الشيعة للنراقي (قدّس سرّه) ج 2 ص 522، طبعة قديمة، و الجواهر ج 40، ص 44 و غيرها.

49

قال في التنقيح: «و من هنا يتّضح أنّ وجوب تقليد الأعلم- على هذا التقدير- إنما هو من باب الاحتياط، لا أنّه مستند إلى الأدلّة الاجتهادية، فإنّ مفروضنا أنّ الأدلّة لم يستفد منها وجوب تقليد الأعلم و عدمه، و انتهت النوبة إلى الشكّ، و إنّما أخذنا بفتوى الأعلم لأنّ العمل على طبقها معذّر على كل حال، فهو أخذ احتياطي تحصيلا للقطع بالفراغ لا أنّ فتواه حجّة واقعية» (1).

[كلام الشيخ الأنصاري في المسألة]

و قد ذكر الشيخ (قدّس سرّه) في الرسائل المسألة كالآتي:

«لو دار الأمر بين التخيير و التعيين، كما لو دار الواجب في كفّارة رمضان بين خصوص العتق للقادر عليه، و بين إحدى الخصال الثلاث، فإنّ في إلحاق ذلك بالأقل و الأكثر- فيكون نظير دوران الأمر بين المطلق و المقيّد، أو المتباينين- وجهين بل قولين:

1- من عدم جريان أدلّة البراءة في المعيّن، لأنّه معارض بجريانها في الواحد المخيّر، و ليس بينهما قدر مشترك- خارجي أو ذهني- يعلم تفصيلا وجوبه، فيشكّ في جزء زائد- خارجي أو ذهني-.

2- و من أنّ الإلزام بخصوص أحدهما كلفة زائدة على الالزام بأحدهما في الجملة، و هو ضيق على المكلّف، و حيث لم يعلم المكلّف بتلك الكلفة فهي موضوعة عن المكلّف بحكم «ما حجب اللّه علمه عن العباد» (2) و حيث لم يعلم بذلك الضيق فهو في سعة منه بحكم «الناس في سعة ما لم يعلموا» (3)، و أمّا

____________

(1) التنقيح: ج 1، ص 151.

(2) الوسائل: الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح 28.

(3) المستدرك: الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، ح 4.

50

وجوب الواحد المردّد بين المعيّن و المخيّر، فهو معلوم فليس موضوعا عنه و لا هو في سعة من جهته.

ثمّ قال (قدّس سرّه): و المسألة في غاية الإشكال، لعدم الجزم باستقلال العقل بالبراءة عن التعيين بعد العلم الاجمالي، و عدم كون المعيّن المشكوك فيه أمرا خارجا عن المكلّف به مأخوذا فيه على وجه الشطرية أو الشرطية، بل هو على تقديره عين المكلّف به.

و الأخبار غير منصرفة (أي: غير شاملة) إلى نفي التعيين، لأنّه في معنى نفي الواحد المعيّن، فيعارض بنفي الواحد المخيّر، فلعلّ الحكم بوجوب الاحتياط، و إلحاقه بالمتباينين لا يخلو عن قوّة» (1).

[مراد الشيخ من كلامه‏]

و مراده (قدّس سرّه): أنّه لا يجري شي‏ء من البراءتين: العقلية و الشرعية، أمّا العقلية فللعلم الاجمالي، و أمّا الشرعية فلتعارض البراءتين في طرفي المعيّن و المخيّر.

و قد صرّح جمهرة من الأعاظم بأنّ عمدة الأدلّة على تعيّن تقليد الأعلم هو الأصل العملي، و منهم: المحقّق العراقي (قدّس سرّه) قال: «إنّ العمدة في تخصيص الحجّية عند المعارضة مع فتوى الأعلم هو ما ذكرناه من قضية الأصل، و إلّا فلا مجال لا ثبات تعيّن تقليد الأعلم بمقتضى الأخبار الدالّة على ترجيح الأعلم و الأفقه عند المعارضة» (2) و قال قبل ذلك: «أحدهما: تعيّن تقليد الأعلم ... و لكن التحقيق وفاقا للمشهور هو الأوّل للأصل، للشكّ في حجّية فتوى المفضول عند

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2، ص 357.

(2) نهاية الأفكار: ج 4، ص 249.

51

معارضتها مع فتوى الأفضل» (1).

[مناقشة كلام الشيخ‏]

[المناقشة الأولى‏]

و فيه أوّلا: نفس الشيخ وفاقا لجمهرة المتأخرين يصرّح بأنّ أصل البراءة حاكمة على أصل الاشتغال، إذا كان الشكّ في الاشتغال مسبّبا عن الشكّ في الزائد.

قال (قدّس سرّه) في رسالته في المواسعة و المضايقة في الفوائت استدلالا للمواسعة: «إن أصالة البراءة حاكمة على أصالة الاشتغال مع كون الشكّ في مجرى الثانية مسبّبا عن الشكّ في مجرى الأولى، و هذا هو الضابط في كل أصلين متعارضين، سواء كانا من جنس واحد كاستصحابين، أو من جنسين كما فيما نحن فيه» (2).

و مسألة تقليد الأعلم من هذا القبيل، إذ الشكّ في اشتغال الذمّة بتقليد خصوص الأعلم، مسبّب عن الشكّ في اشتراط الأعلمية- بالإضافة إلى الشروط المسلّمة من الاجتهاد و العدالة و غيرهما- نظير الدوران بين التعيين و التخيير في بقية الشروط المشكوكة المختلف فيها.

[كلام المحقّق العراقي‏]

و قد ذكر المحقّق العراقي مثل هذا الاستدلال في مسألة محتمل الأعلمية، فذكر نفس تيقّن الحجّية فيه، و ردّه بنظير ما ذكرناه، قال: «و قد يقال بوجوب‏

____________

(1) نهاية الأفكار: ج 4 ص 248.

(2) رسائل فقهية: ج 23، ص 330، من تراث الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

52

الأخذ بفتوى محتمل الأعلمية للقطع بحجّية فتواه و الشكّ في حجّية فتوى غيره ... و يندفع بأصالة عدم التفاضل، فإنّ المانع عن جواز العمل بفتوى الآخر إنّما هو حيث الأفضلية المدفوعة بالأصل، فإذا جرى الأصل المزبور يترتّب عليه جواز الأخذ بفتوى غيره و عدم تعيّن الأخذ بفتوى من احتمل أعلميته. و إذا ثبت هذا الجواز الشرعي فلا جرم ينتهي الأمر إلى التخيير في الأخذ بهما» (1).

و ظهوره في عدم جريان أصل التعيين، لمحكوميته بأصل عدم التعيين ظاهر، و هو كاف في الدلالة على أنّ النوبة إذا وصلت إلى الأصل العملي، فالأصل التخيير، لا التعيين.

و الغريب أنّه (قدّس سرّه) مع ذكره «حيث الأفضلية المدفوعة بالأصل» كيف تمسّك بأصالة عدم حجّية فتوى المفضول قبل هذا الكلام؟ قال في الاستدلال لوجوب تقليد الأعلم- و إن كان هو محتاطا في مقام الفتوى مع قيد إحراز المخالفة بينهما-: «للأصل، للشكّ في حجّية فتوى المفضول عند معارضتها مع فتوى الأفضل، و هو كاف في عدم حجّيتها» (2).

[كلام التنقيح‏]

و قال في التنقيح: «التكليف بالجامع بينهما- أعني أحدهما لا بعينه- معلوم لا شكّ فيه، و إنما الشكّ في أنّ خصوصية هذا و ذاك هل لها مدخلية في متعلّق الوجوب أو لا مدخلية لها؟ و لا شبهة في أنّ اعتبار الخصوصية كلفة زائدة، و موجب للضيق على المكلّف، فمقتضى أصالة البراءة أنّ الخصوصية غير معتبرة في متعلّق الوجوب. و على الجملة أنّ دوران الأمر بين التعيين‏

____________

(1) نهاية الأفكار: ج 4، ص 256.

(2) نهاية الأفكار: ج 4، ص 248.