منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
5

الجزء الرابع‏

[تتمة الباب السابع‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به الإعانة

[ (حرف الميم)]

(حرف الميم) 187- «ماء زمزم .. لما شرب له».

(حرف الميم) 187- ( «ماء زمزم) بمنع الصرف؛ للعلميّة و التّأنيث، و هو سيّد المياه و أشرفها، و أجلّها قدرا، و أحبّها إلى النفوس. و لها أسماء كثيرة «زمزم»، و «مكتومة»، و «مضنونة»، و «شبّاعة»، و «سقيا الدواء»، و «ركضة جبريل»، و «هزمة جبريل»، و «شفاء سقم»، و «طعام طعم»، و «سقيا إسماعيل»، و «حفيرة عبد المطّلب»؛ ذكره في «شرح القاموس». قال:

و قد جمعت أسماءها في نبذة لطيفة فجاءت على ما ينيّف على ستّين اسما ممّا استخرجتها من كتب الحديث و اللّغة.

(لما شرب له»)، فإن شربته تستشفي شفاك اللّه، و إن شربته لجوع أشبعك اللّه، و إن شربته لظمإ أرواك اللّه، لأنّه سقيا اللّه و غياثه لولد خليله، فبقي غياثا لمن بعده، فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث».

قال الحكيم الترمذي: هذا جار للعباد على مقاصدهم و صدقهم في تلك المقاصد و النيّات، لأن الموحّد إذا رابه أمر فشأنه الفزع إلى ربّه، فإذا فزع إليه و استغاث به؛ وجد غياثا، و إنّما يناله العبد على قدر نيّته.

قال سفيان الثّوري: إنّما كانت الرّقى و الدّعاء بالنية!! لأن النية تبلغ بالعبد عناصر الأشياء، و النيّات على قدر طهارة القلوب و سعيها إلى ربّها؛ و على قدر

6

..........

العقل و المعرفة يقدر القلب على الطيران إلى اللّه تعالى، فالشارب لزمزم على ذلك.

و هو أفضل المياه بعد الماء النابع من بين أصابعه صلى اللّه عليه و سلم.

و قد نظم ذلك بعضهم؛ فقال:

و أفضل المياه ماء قد نبع‏ * * * أي من أصابع النّبيّ المتّبع‏

يليه ماء زمزم فالكوثر * * * فنيل مصر ثمّ باقي الأنهر

قال الإمام النووي في «الإيضاح»: يستحبّ الشّرب من ماء زمزم و الإكثار منه. ثبت في «صحيح مسلم»؛ عن أبي ذر (رضي الله عنه): أنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم قال في ماء زمزم: «إنّها مباركة و إنّها طعام طعم». و روّينا عن جابر (رضي الله عنه) قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ماء زمزم لما شرب له» و قد شرب جماعة من العلماء ماء زمزم لمطالب لهم جليلة فنالوها. انتهى.

و قد شربه الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) ليكون في الحديث مثل الحافظ الذّهبي فنال ذلك و أعلى من مرتبة الذّهبيّ، و شربه الحافظ السيوطيّ لأمور؛ منها أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدّين البلقينيّ، و في الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني فنال رتبة عالية، و نقل عنه أنّه ادّعى الاجتهاد المطلق، و قال: ما جاء بعد السبكيّ مثلي.

و أعلى المطالب التي يشرب لأجلها ماء زمزم الموت على الإسلام، و رؤية اللّه تعالى في دار السّلام.

و يطلب عند شربها أن يقال ما كان يقول ابن عبّاس (رضي الله عنهما): اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا، و رزقا واسعا، و شفاء من كلّ داء.

قال الإمام النوويّ في «الإيضاح»: فيستحبّ لمن أراد الشرب للمغفرة؛ أو الشّفاء من مرض و نحوه أن يستقبل القبلة، ثمّ يذكر اسم اللّه تعالى، ثمّ يقول:

7

..........

اللّهمّ؛ إنّه بلغني أنّ رسولك محمدا صلى اللّه عليه و سلم قال «ماء زمزم لما شرب له».

اللّهمّ؛ و إنّي أشربه لتغفر لي، اللّهمّ؛ فاغفر لي؛ أو اللّهمّ؛ إنّي أشربه مستشفيا به من مرضي، اللّهمّ فاشفني ... و نحو هذا.

و يستحبّ أن يتنفّس ثلاثا، و يتضلّع منه؛ أي: يمتلئ، فإذا فرغ حمد اللّه تعالى. انتهى. و كان بعضهم يقول: إنّي أشربه لظمأ يوم القيامة.

و في «المقاصد الحسنة» للحافظ السخاوي- و مثله في «كشف الخفا» للعجلوني-: يذكر على بعض الألسنة أنّ فضيلة ماء زمزم ما دام في محلّه، فإذا نقل تغيّر و هو شي‏ء لا أصل له. فقد كتب النبيّ صلى اللّه عليه و سلم إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابي ليلا، فلا تصبحنّ، أو نهارا؛ فلا تمسينّ، حتّى تبعث إليّ بماء زمزم».

و فيه أنّه بعث له بمزادتين، و كان بالمدينة قبل أن تفتح مكّة؛ و هو حديث حسن لشواهده، و كذا كانت عائشة (رضي الله عنها) تحمله و تخبر: أنّه صلى اللّه عليه و سلم كان يفعله و يحمله في الأداوي و القرب فيصبّ منه على المرضى و يسقيهم، و كان ابن عبّاس إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم. و سئل عطاء عن حمله؛ فقال: حمله النبي صلى اللّه عليه و سلم، و الحسن و الحسين. انتهى.

و هذا الحديث أعني حديث «ماء زمزم لما شرب له»؛ قال المناوي: فيه خلاف طويل و تأليفات مفردة. قال ابن القيّم (رحمه الله تعالى): و الحقّ أنّه حسن، و جزم البعض بصحّته و البعض بوضعه!! مجازفة. انتهى.

و في «الحاوي» للسيوطي؛ في «الفتاوى الحديثية»: حديث «ماء زمزم لما شرب له»؛ أخرجه ابن ماجه في «سننه»؛ من حديث جابر بإسناد جيد، و رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» بإسناد قال فيه الحافظ شرف الدّين الدّمياطيّ: إنّه على رسم الصحيح.

و قد ألّف الحافظ ابن حجر جزءا في حديث «ماء زمزم لما شرب له» و تكلم‏

8

188- «ما آمن بالقرآن .. من استحلّ محارمه».

عليه في تخريج أحاديث الأذكار النوويّة فاستوعب.

و حاصل ما ذكره أنّه مختلف فيه، فضعّفه جماعة و صحّحه آخرون؛ منهم الحافظ المنذريّ في «الترغيب» و الحافظ الدّمياطيّ قال: و الصّواب أنّه حسن لشواهده.

ثمّ أورده من طرق من حديث جابر و ابن عباس و غيرهما، قال: و حديث جابر مخرج في «مسند أحمد» و «مسند أبي بكر بن أبي شيبة» و «مصنفه»، و «سنن ابن ماجه»، و «سنن البيهقي»، و «شعب الإيمان» له، و حديث ابن عباس «في سنن الدارقطني» و «مستدرك» الحاكم، و أخرجه البيهقيّ أيضا من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص مرفوعا؛ لكنّ سنده مقلوب، و ورد هذا اللّفظ أيضا عن معاوية، موقوفا بسند حسن لا علّة له.

و له شواهد أخر مرفوعة و موقوفة، تركتها خشية الإطالة. انتهى.

و قال في «شرح الأذكار»: و قد كثر في كلام الحفاظ الاختلاف في مرتبة هذا الحديث. و قد ألّفت فيه جزءا أسميته «النّهج الأقوم في الكلام على حديث ماء زمزم» و أودعته كتاب «درر القلائد؛ فيما يتعلّق بزمزم و السقاية من الفوائد»، و حاصل ما فيه تصحيح الحديث، و اللّه أعلم. انتهى.

غريبة: في «تاريخ المدينة الشريفة» للعلامة السيّد السّمهودي: إنّ بالمدينة المنورة بئرا تعرف بزمزم- لم يزل أهلها يتبرّكون بها، قديما و حديثا، و ينقل ماؤها للآفاق كزمزم. من المناوي على «الجامع الصغير». انتهى.

188- ( «ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه») أي: فهو كافر؛ لاستحلاله الحرام المنصوص عليه في القرآن و خصّ القرآن لعظمه؛ و إلّا فمن استحلّ المجمع على تحريمه المعلوم ضرورة كافر أيضا؛ كذا قاله الحفني.

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز التّرمذيّ عن صهيب‏

9

189- «ما أعطي عبد شيئا .. شرّا من طلاقة في لسانه».

190- «ما تشاور قوم .. إلّا هدوا».

و قال: ليس إسناده قويّا. و قال البغويّ حديث ضعيف. انتهى. مناوي على «الجامع».

189- ( «ما أعطي عبد شيئا شرّا من طلاقة في لسانه») بالخصام في الباطل؛ بحيث يكون ماهرا؛ يزيّن بشقشقته الباطل بصورة الحق. و الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا برمز الدّيلميّ في «الفردوس».

190- ( «ما تشاور قوم) قال العامريّ في «شرح الشهاب»: حقيقة المشاورة: استخراج صواب رأيه، و اشتقاق الكلمة من قولهم «شوّر العس» استخلصه من موضعه، و صفّاه من الشمع‏ (إلّا هدوا») إلى الصواب، و تكلّلوا بالنّجاح في أمورهم.

و فيه إلماح بطلب الاستشارة المأمور بها في قوله تعالى‏ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [159/ آل عمران‏] و قيل: المشاورة حصن من النّدامة و أمن و سلامة، و نعم الموازرة المشاورة، و في بعض الآثار: «نقّحوا عقولكم بالمذاكرة و استعينوا على أموركم بالمشاورة». و قال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك.

و قالوا: إذا أشكلت عليك الأمور و تغيّر لك الجمهور؛ فارجع إلى رأي العقلاء، و افزع إلى استشارة الفضلاء، و لا تأنف من الاسترشاد، و لا تستنكف من الاستمداد.

و قال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النّائم، أو الغافل؛ فإنّه يكون جازما بشي‏ء يعتقد أنّه صواب و هو بخلافه. و قال بعضهم:

إذا عزّ أمر فاستشر فيه صاحبا * * * و إن كنت ذا رأي تشير على الصّحب‏

فإنّي رأيت العين تجهل نفسها * * * و تدرك ما قد حلّ في موضع الشّهب‏

10

191- «ما جمع شي‏ء إلى شي‏ء .. أحسن من حلم إلى علم».

و قال الأرّجاني:

شاور سواك إذا نابتك نائبة * * * يوما؛ و إن كنت من أهل المشورات‏

فالعين تبصر منها ما نأى و دنا * * * و لا ترى نفسها إلّا بمرآة

تنبيه: قال بعضهم: لا يستشار المحبّ؛ لغلبة هوى محبوبه عليه، و لا المرأة، و لا المتجرّد عن الدّنيا في شي‏ء من أمورها، لعدم معرفته بذلك، و لا المنهمك على حبّ الدّنيا، لأنّ استيلاءها عليه يظلم قلبه فيفسد رأيه، و لا البخيل، و لا المعجب برأيه.

فائدة: أخرج الشافعي؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه): ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، أما إنّ اللّه و رسوله ليغنيان عنها، لكن «جعلها اللّه رحمة لأمّتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، و من تركها لم يعدم غيّا». قال ابن حجر: غريب. انتهى «فيض القدير».

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطبري.

191- ( «ما جمع شي‏ء إلى شي‏ء أحسن) بالرفع، صفة ل «شي‏ء» الأول، و الجر صفة ل «شي‏ء» الثاني. انتهى؛ «حفني». و في رواية «أفضل‏ (من حلم) باللام‏ (إلى علم») إذ باجتماعهما تحصل الكمالات، و النّجاة من الوقوع في المهلكات، و ذلك لأنّ الحلم سعة الأخلاق، و إذا كان هناك علم؛ و لم يكن هناك حلم ساء خلقه و تكبّر بعلمه، لأنّ للعلم حلاوة، و لكل حلاوة شرة، فإذا ضاقت أخلاقه لم ينتفع بعلمه. انتهى «عزيزي».

و الحديث ذكره في «الجامع» و رمز له برمز الطبراني؛ في «الأوسط» عن علي أمير المؤمنين. و أخرجه العسكري في «الأمثال»؛ عن علي بزيادة: «و أفضل الإيمان؛ التّحبّب إلى النّاس».

«ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي و لا من اللّه: حلم يردّ به جهل الجاهل،

11

192- «ما خاب .. من استخار، و لا ندم .. من استشار، و لا عال .. من اقتصد».

193- «ما رآه المسلمون حسنا .. فهو حسن عند اللّه».

و حسن خلق يعيش به في النّاس، و ورع يحجزه عن معاصي اللّه».

و عند العسكريّ أيضا؛ من حديث جابر مرفوعا: «ما أوتي شي‏ء إلى شي‏ء أحسن من حلم إلى علم، و صاحب العلم غرثان إلى حلم».

و لأبي الشيخ؛ عن أبي أمامة مرفوعا: «ما أضيف شي‏ء إلى شي‏ء أفضل من حلم إلى علم». و أخرجه ابن السني أيضا. انتهى. «كشف الخفا»، و نحوه في «المواهب» مع الزرقاني.

192- ( «ما خاب من استخار) اللّه تعالى؛ أي: دعا و طلب من اللّه تعالى خير الأمرين المباحين؛ أو المندوبين.

أما الواجب! فلا كلام فيه. و الأولى أن يكون بعد صلاة ركعتين؛ قاله الحفني.

و كان صلى اللّه عليه و سلم كثيرا ما يقول «اللّهمّ خر لي و اختر لي». و شمل العموم العظيم و الحقير، فربّ حقير يترتّب عليه أمر عظيم‏ (و لا ندم من استشار) غيره ممّن له تبصّر و نصيحة.

و يستحبّ تقديم الاستشارة على الاستخارة؛ كما في «المدخل».

(و لا عال من اقتصد») أي: ما افتقر من توسّط في النفقة على عياله.

و الحديث أخرجه الطبراني في معجمه «الأوسط» و «الصغير»، و كذا القضاعيّ؛ كلّهم عن أنس (رضي الله تعالى عنه) رفعه بإسناد ضعيف جدا؛ كما في الزّرقاني و المناوي و غيرهما.

193- ( «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند اللّه») أخرجه الإمام أحمد في‏

12

194- «ما ضاق مجلس بمتحابّين».

كتاب «السنة»- و ليس في «مسنده»؛ كما توهّمه بعضهم- عن ابن مسعود بلفظ:

«إنّ اللّه نظر في قلوب العباد فاختار محمّدا صلى اللّه عليه و سلم فبعثه برسالته، ثمّ نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابا فجعلهم أنصار دينه و وزراء نبيّه؛ فما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن، و ما رآه المسلمون قبيحا فهو عند اللّه قبيح». و هو موقوف حسن.

و أخرجه البزّار، و الطّيالسيّ، و الطّبرانيّ، و أبو نعيم، و البيهقي في «الاعتقاد»؛ عن ابن مسعود أيضا. انتهى «كشف الخفا».

قال العلائيّ: و لم أجده مرفوعا في شي‏ء من كتب الحديث أصلا؛ و لا بسند ضعيف بعد طول البحث، انتهى «شرح قواعد الفقه».

194- ( «ما ضاق مجلس بمتحابّين») بالتثنية؛ أي: لأنّ المحبة تقتضي عدم ضيق الصّدر لما يوجب من السّرور باجتماع الأحباب، و لذا قيل:

رحب الفلاة مع الأعداء ضيّقة * * * سمّ الخياط مع الأحباب ميدان‏

قال الحفني: و قد دخل الأصمعي على الخليل بن أحمد، و هو جالس على حصير ضيق فقال له: اجلس. فقال: أضيّق عليك. فقال له: مه، الدّنيا تضيق بمتباغضين و ما ضاق مجلس بمتحابّين. و مما يعزى لإمامنا الشافعي (رضي الله عنه):

من لم يكن بين إخوان يسرّ بهم‏ * * * فإنّ أوقاته نقص و خسران‏

و أطيب الأرض ما للنّفس فيه هوى‏ * * * سمّ الخياط مع الأحباب ميدان‏

و أخبث الأرض ما للنّفس فيه أذى‏ * * * خضر الجنان مع الأعداء نيران‏

لكن ينبغي إذا كان في المجلس سعة أن يكون بين كل اثنين ثلثا ذراع، لأنّه الأدب. انتهى.

أمّا في الشّتاء، أو الصلاة، أو الجهاد!! فينبغي الالتصاق.

13

195- «ما قلّ و كفى .. خير ممّا كثر و ألهى».

196- «ما كان الرّفق في شي‏ء .. إلّا زانه».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الخطيب عن أنس بن مالك مرفوعا، و رواه عنه الدّيلمي بلا سند مرفوعا.

و أخرجه البيهقي في «الشعب» من قول ذي النون بلفظ: ما بعد طريق أدّى إلى صديق، و لا ضاق مكان من حبيب. انتهى «كشف».

195- ( «ما قلّ و كفى)- من الدّنيا- (خير ممّا كثر)- منها- (و ألهى») عن طاعة اللّه تعالى، و هذا من طرق الاقتصاد المحمود الممدوح، فينبغي للمرء أن يقلّل أسباب الدّنيا ما أمكن؛ فإنّ قليلها يلهي عن كثير من الآخرة، فالكثير يلهي القلب عن الرّبّ و عن الآخرة بما يحدث له؛ من الكبر و الطّغيان على الحق‏ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (7) [العلق‏].

قال بعضهم: خذ من الدّنيا ما شئت؛ و خذ من الهمّ أضعافه. و سمّى الدّنيا لهوا؛ لأنها تلهي القلب عن كل خير، و تلهو بكل شرّ. انتهى «مناوي».

و هذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» و قال: رواه أبو يعلى، و الضياء المقدسي في «المختارة»، و العسكريّ في «الأمثال»؛ كلهم عن أبي سعيد الخدري (رضي الله تعالى عنه) قال:

سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو على الأعواد يقول ذلك.

قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير صدقة بن الرّبيع؛ و هو ثقة، و هو قطعة من حديث: «أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب اللّه» الحديث. انتهى «كشف و مناوي».

196- ( «ما كان الرّفق)- أي: اللّطف- (في شي‏ء إلّا زانه)؛ لأنّ به تسهل الأمور و يأتلف ما تنافر، و هو مؤلّف الجماعات، و جامع الطّاعات؛ و منه أخذ أنّه ينبغي للعالم إذا رأى من يخلّ بواجب، أو يفعل محرّما أن يترفق في‏

14

197- «ما كان الفحش في شي‏ء .. إلّا شانه».

إرشاده، و يتلطّف به؛ و لذا لمّا جاء شابّ إليه صلى اللّه عليه و سلم و قال: ائذن لي في الزّنا! فدعاه صلى اللّه عليه و سلم إلى الجلوس بقربه، و قال له: «أ تحبّ أن يزنى بأمّك!» فقال: لا.

فقال: «بابنتك!» فقال: لا. و هكذا عدّد عليه في عمّته، و خالته، و هو يقول:

لا. فقال: «إذن لا تفعل ما تكره أن يفعل بأقاربك». فترك الزنا، و لم يخطر بباله من ذلك الوقت، و سببه رفقه صلى اللّه عليه و سلم به انتهى. «حفني»

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «ما كان الرّفق في شي‏ء إلّا زانه، و لا نزع من شي‏ء إلّا شانه» و قال: أخرجه عبد بن حميد، و الضّياء المقدسيّ في «المختارة»؛ عن أنس بن مالك.

و هو في مسلم بلفظ: «و ما كان الخرق في شي‏ء قطّ إلّا شانه» و بقية المتن بحاله.

و رواه البزّار عن أنس أيضا بلفظ: «ما كان الرّفق في شي‏ء قطّ إلّا زانه، و ما كان الخرق في شي‏ء قطّ إلّا شانه، و إنّ اللّه رفيق يحبّ الرّفق». قال المنذري:

إسناده ليّن. انتهى مناوي على «الجامع».

و قال في «الكشف»: رواه ابن حبّان عن أنس (رضي الله تعالى عنه)؛ أي:

باللفظ الذي في «الجامع الصغير».

197- ( «ما كان الفحش) أي: قبح اللّسان، و تكلّمه بما لا يليق‏ (في شي‏ء) من حيوان؛ أو حجر، فإن الشي‏ء يشمل الجماد (إلّا شانه») أي: عابه، إذ الشّين: العيب، أي: لو فرض ذلك في حجر لكان معيبا فكيف بالإنسان!!

و أشار بهذا إلى أنّ الأخلاق الرّذلة مفتاح كلّ شر، بل هي الشرّ كلّه.

قال ابن جماعة: و قد بلي بعض أصحاب النّفوس الخبيثة؛ من فقهاء الزّمان بالفحش، و الحسد، و العجب، و الرياء، و عدم الحياء. انتهى.

و أقول: ليت ابن جماعة عاش إلى الآن؛ حتى رأى علماء هذا الزمان!! انتهى مناوي على «الجامع».

15

198- «ما هلك امرؤ .. عرف قدره».

199- «ما هو بمؤمن .. من لا يأمن جاره بوائقه».

و هذا في زمانهما، فكيف لو رأيا زماننا؟! فلا حول و لا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم.

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، و البخاريّ في «الأدب»، و الترمذي في «البر»، و ابن ماجه؛ كلّهم عن أنس بن مالك: قال التّرمذي: حسن غريب. انتهى مناوي على «الجامع»، و في «العزيزي»: إن إسناده صحيح.

198- ( «ما هلك امرؤ عرف قدره») يعني: أنّ من عرف مقدار نفسه، و نزّلها منزلتها؛ نجا في الدّنيا و الآخرة من الهلاك، و من تعدى طوره؛ فتكبّر، و رفع نفسه فوق حدّه؛ هلك. و هو ظاهر.

و الحديث ذكره في «الشّفاء» قال السّيوطي: قال السمعاني: (رحمه الله تعالى) إنّه: حديث روي مسندا عن عليّ كرّم اللّه وجهه، و في سنده من لا يعرف حاله.

و قال التّجاني: لا أعرف له سندا صحيحا إلى النّبي صلى اللّه عليه و سلم! و إنما هو من كلام أكثم بن صيفي في وصيته، فإن ثبت عن النّبي صلى اللّه عليه و سلم فلعله تمثّل به.

و أكثم هذا بالمثلّثة: من بلغاء العرب و عدّه بعضهم في الصّحابة، و الأكثر على خلافه.

و في كتاب «جوامع الكلم و بدائع الحكم»: هو من كلامه صلى اللّه عليه و سلم و ذكره مسندا انتهى «شهاب».

قال القاري: و يقرب منه ما روي عن عليّ أمير المؤمنين (رضي الله عنه) و كرّم وجهه في الجنّة: ما ضاع امرؤ عرف قدره. لأن الضائع بمنزلة الهالك. انتهى.

199- ( «ما هو بمؤمن) كامل‏ (من لا يأمن جاره بوائقه») أي: شره؛ كما

16

200- «مت مسلما و لا تبال».

201- «المجالس .. بالأمانة».

جاء مبينا في الحديث؛ في بعض الروايات. يعني: لا يكون المؤمن كامل الإيمان حتى يأمن جاره من إيذائه؛ و ذلك لأن إيذاء المسلم كبيرة، فكيف إذا كان جارا!! فإيذاؤه أغلظ إثما، و ذلك شامل للجار الذّمّي، فإنه لا يجوز إيذاؤه أيضا؛ وفاء بذمّته، حيث انقاد لأحكام الإسلام.

و الحديث ذكره «في كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى.

200- ( «مت مسلما و لا تبال») هكذا ذكره في «كنوز الحقائق»؛ مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس». لكن قال في «المقاصد»: لا أعلمه بهذا اللفظ! و الأحاديث في «من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنّة» كثيرة، منها ما للشّيخين: البخاري و مسلم عن ابن مسعود (رضي الله عنه)، و منها ما لمسلم عن عثمان بلفظ: «من مات يشهد أن لا إله إلا اللّه دخل الجنّة». و قال القاري: معناه صحيح، لقوله تعالى‏ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (102) [آل عمران‏] و يناسب هذا قول بعضهم:

كن كيف شئت فإنّ اللّه ذو كرم‏ * * * و ما عليك إذا أذنبت من باس‏

إلّا اثنتين فلا تقربهما أبدا * * * الشّرك باللّه و الإضرار بالنّاس‏

201- ( «المجالس) أي: ما يقع فيها قولا و فعلا ملحق‏ (بالأمانة») فيجب حفظها فلا يشيع أحد حديث جليسه لأنّه غيبة، أو نميمة.

نعم يجوز؛ بل يجب فيما إذا كان فيه ضرر، كما لو أسرّ لك جليسك أنّه يريد قتل فلان، أو الزّنا بزوجته، أو أخذ ماله مثلا، فيجب عليك إخباره ليحذر منه، كما أشار لذلك في الحديث بقوله «إلّا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» انتهى «حفني».

قال ابن رسلان: الباء تتعلّق بمحذوف لا بدّ منه ليتمّ به الكلام؛ و التّقدير

17

..........

المجالس تحسن، أو حسن المجالس و شرفها بأمانة حاضريها لما يحصل في المجالس، و يقع في الأقوال و الأفعال. فكأنّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: ليكن صاحب المجلس أمينا لما يسمعه؛ أو يراه، فيحفظه أن ينتقل إلى من غاب عنه؛ انتقالا يحصل به مفسدة.

و فائدة الحديث: النّهي عن النّميمة الّتي ربما تؤدّي إلى القطيعة، انتهى «عزيزي».

و قال العسكري: أراد صلى اللّه عليه و سلم أنّ الرّجل يجلس إلى القوم فيخوضون في الحديث، و لعلّ فيه ما إن نمي كان فيه ما يكرهون؛ فيأمنونه على أسرارهم!! فيريد: أنّ الأحاديث الّتي تجري بينهم كالأمانة، الّتي لا يجب أن يطلع عليها، فمن أظهرها فهو قتّات، و في التّنزيل‏ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ‏ (11) [القلم‏]. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا يدخل الجنّة قتّات- أي: نمّام-» و روي مرفوعا، ألا إنّ من الخيانة أن يحدّث الرّجل أخاه بالحديث فيفشيه. انتهى.

و لعبد الرزاق مرفوعا: «إنّما يتجالس المتجالسون بأمانة اللّه، فلا يحلّ لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره». و قال ابن الأثير: هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس؛ من قول أو فعل، فكأنّ ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه، و الأمانة تقع على الطّاعة و العبادة و الوديعة و الثّقة و الأمان، و قد جاء في كلّ منها حديث انتهى «شروح الجامع»، و من الزرقاني.

و الحديث رواه ابن ماجه عن جابر (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا.

و رواه الديلمي و العسكري و القضاعي و العقيلي و الخطيب؛ كلهم عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) رفعه.

و رواه أبو داود و العسكري؛ عن جابر بن عبد اللّه مرفوعا بزيادة: «إلّا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» انتهى.

«زرقاني» و غيره، (رحمهم الله تعالى)

18

202- «محرّم الحلال .. كمحلّ الحرام».

203- «المرء .. كثير بأخيه».

204- «مداراة النّاس .. صدقة».

202- ( «محرّم الحلال كمحلّ الحرام») في الإثم، فكما يحرم على المكلّف تحريم ما أحلّ اللّه؛ كذلك يحرم عليه تحليل ما حرّم اللّه، فإن كان ذلك المحرّم الّذي أحلّه محرّما بالإجماع، معلوما من الدّين بالضرورة؛ كتحليل الزّنا، و شرب الخمر، فتحليله كفر، و كذا الحلال؛ إن كان حلالا مجمعا على حلّه، معلوما من الدّين بالضرورة؛ كالبيع، و النّكاح، فتحريم ذلك كفر، و خروج عن ملّة الإسلام؛ تجب الاستتابة من ذلك، و إلّا! قتل كافرا، و رميت جيفته للكلاب.

هذا إن اعتقد تحليل المحرّم بالإجماع، أو اعتقد تحريم الحلال بالإجماع، و إلّا! فلا. و اللّه أعلم.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.

203- ( «المرء) قليل بمفرده‏ (كثير بأخيه») في النّسب، أو في الدّين.

قال العسكريّ: أراد أنّ الرّجل؛ و إن كان قليلا في نفسه حين انفراده؛ كثير باجتماعه معه، فهو كخبر: «اثنان فما فوقهما جماعة» انتهى.

و هذا كما ترى ذهاب منه إلى أنّ المراد الأخوّة في الإسلام! نزّله الماوردي على أنّها أخوّة النّسب. و وجهه بأنّ تعاطف الأرحام، و حمية الأقارب؛ يبعثان على التّناصر و الألفة، و يمنعان من التّخاذل و الفرقة؛ أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، و توقّيا من تسلّط الغرباء الأجانب انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الجامع»؛ و قال: أخرجه ابن أبي الدّنيا أبو بكر القرشيّ في كتاب «الإخوان»، و كذا العسكريّ؛ كلاهما عن سهل بن سعد الساعديّ، و رواه الديلمي و القضاعي عن أنس، قال شارحه العامريّ: و هو غريب. انتهى «مناوي».

204- ( «مداراة) بغير همزة (النّاس صدقة») قال العامريّ: المداراة اللّين‏

19

..........

و التعطّف، و معناه: أنّ من ابتلي بمخالطة النّاس؛ معاملة و معاشرة؛ فألان جانبه و تلطّف، و لم ينفّرهم كتب له صدقة.

قال ابن حبّان: المداراة الّتي تكون صدقة للمداري: تخلّقه بأخلاقه المستحسنة مع نحو عشيرته؛ ما لم يشبها بمعصية.

و المداراة محثوث عليها مأمور بها، و من ثمّ قيل: اتّسعت دار من يداري، و ضاقت أسباب من يماري.

و في «شرح البخاري»: قالوا:

المداراة: الرفق بالجاهل في التّعليم، و بالفاسق بالنّهي عن فعله، و ترك الإغلاظ عليه. و المداهنة: معاشرة الفاسق، و إظهار الرضى بما هو فيه.

و الأولى مندوبة، و الثّانية محرّمة.

و قال حجّة الإسلام: النّاس ثلاثة: أحدهم مثل الغذاء؛ لا يستغنى عنه.

و الآخر مثل الدواء؛ يحتاج إليه في وقت دون وقت. و الثّالث مثل الداء لا يحتاج إليه، لكنّ العبد قد يبتلى به، و هو الذي لا أنس فيه و لا نفع، فتجب مداراته إلى الخلاص منه. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز ابن حبّان، و الطّبراني في «الكبير»، و البيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ عن جابر بن عبد اللّه.

و هو حديث له طرق عديدة، و هذا الطّريق- كما قاله العلائي و غيره-:

أعدلها.

و فيه يوسف بن أسباط الراهب! أورده الذّهبي في «الضّعفاء»!! و قال الهيثمي: فيه عند الطّبراني يوسف بن محمد بن المنكدر متروك، و قال الحافظ في «الفتح» بعد ما عزاه لابن عدي و الطّبرانيّ في «الأوسط»: فيه يوسف بن محمّد بن المنكدر ضعّفوه، و قال ابن عدي: لا بأس به. قال الحافظ: و أخرجه‏

20

205- «المرء .. مع من أحبّ».

206- «المستشار .. مؤتمن».

ابن أبي عاصم في «آداب الحكماء» بسند أحسن منه. انتهى «مناوي».

205- ( «المرء مع من أحبّ») في الجنّة بحسن نيّته من غير زيادة عمل، لأنّ محبّته لهم لطاعتهم، و المحبّة من أفعال القلوب، فأثيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النيّة و العمل تابع لها، و لا يلزم من المعيّة استواء الدّرجات، بل ترفع الحجب حتّى تحصل الرؤية و المشاهدة، و كلّ في درجته؛ قاله القسطلاني.

و هذا الحديث متواتر، قال في «الفتح»: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب «المحبين مع المحبوبين»، و بلغ عدد الصّحابة فيه نحو العشرين، و في رواية أكثرهم «المرء مع من أحبّ»،

و في بعضها بلفظ حديث أنس: «أنت مع من أحببت». انتهى.

قال أنس: فما فرح المسلمون بشي‏ء فرحهم بهذا الحديث؛ و في ضمنه حثّ على حبّ الأخيار؛ رجاء اللّحاق بهم في دار القرار، و الخلاص من النّار، و القرب من الغفّار، و الترغيب في الحبّ في اللّه، و الترهيب من التّباغض بين المسلمين؛ لأن من لازمه فوات هذه المعية؛ و فيه رمز إلى أنّ التّحابب بين الكفار ينتج لهم المعيّة في النّار، و بئس القرار، قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) [إبراهيم‏].

و الحديث رواه الشيخان في «الأدب» و غيرهما؛ عن أنس و أبي موسى و ابن مسعود (رضي الله عنهم اجمعين).

206- ( «المستشار مؤتمن») أي: أمين على ما استشير فيه، فمن أفضى إلى أخيه بسرّه و أمّنه على نفسه؛ فقد جعله بمحلّها، فيجب عليه أن لا يشير عليه، إلّا بما يراه صوابا، فإنّه كالأمانة للرجل الّذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا ثقة.

و السرّ الّذي قد يكون في إذاعته تلف النّفس؛ أولى بأن لا يجعل إلّا عند موثوق‏

21

..........

به، و لذا احتاج المشير و النّاصح إلى كونه أمينا مجرّبا، حازما ناصحا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، و لا متلوّن في رأيه، و لا كاذب في مقاله، فارغ البال وقت الاستشارة.

و لذا قيل: إنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير، فيحتاج أولا إلى علم الشّريعة، و هو العلم المتضمّن لأحوال النّاس، و علم الزّمان و المكان، و علم التّرجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فقد يكون ما يصلح الزّمان يفسد الحال أو المكان، و هكذا فينظر إلى التّرجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده.

مثاله: أن يضيق الزّمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال، فيشير بأهمهما.

و إذا عرف من حال إنسان بالمخالفة؛ و أنه إذا أرشده لشي‏ء فعل ضدّه! أشار عليه بما لا ينبغي؛ ليفعل ما ينبغي، و هذا يسمّى علم السّياسة، فإنه يسوس بذلك النّفوس الجموحة الشّاردة عن طريق مصالحها، فلذا يحتاج المشير و النّاصح إلى علم و عقل و فكر صحيح، و رويّة حسنة و اعتدال مزاج، و تؤدة و تأنّ. فإن لم يجمع هذه الخصال!؟ فخطؤه أسرع من إصابته؛ فلا يشير و لا ينصح. قالوا: و ما في مكارم الأخلاق أدقّ، و لا أخفى، و لا أعظم من النّصيحة. انتهى «زرقاني»، و مناوي على «الجامع».

و الحديث أخرجه الإمام أحمد؛ من حديث ابن مسعود بزيادة: «و هو بالخيار إن شاء تكلّم و إن شاء سكت، فإن تكلّم فليجتهد رأيه».

و أخرجه أصحاب «السنن الأربعة»؛ عن أبي هريرة، و التّرمذيّ؛ عن أمّ سلمة، و الطّبراني في «الأوسط» و «الكبير»؛ عن سمرة بزيادة: «إن شاء أشار، و إن شاء لم يشر».

و القضاعي عن سمرة بلفظ: «المستشار مؤتمن، فإن شاء أشار و إن شاء سكت، فإن أشار فليشر بما لو نزل به لفعله».

22

207- «المسلم .. أخو المسلم، لا يظلمه و لا يسلمه».

و الطّبراني في «الأوسط»؛ عن علي و زاد: «فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه».

و للعسكريّ؛ عن عائشة: «المستشير معان، و المستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صالح لنفسه».

و في الباب جابر بن سمرة، و أبو الهيثم، و ابن عباس، و آخرون. قال السّيوطي: و هو متواتر. انتهى «زرقاني».

و قد تقدّم الكلام على هذا الحديث في الباب الرّابع في صفة أكله صلى اللّه عليه و سلم.

207- ( «المسلم) حرا كان؛ أو قنا، بالغا أو صبيّا (أخو المسلم) أي:

يجمعهما دين واحد إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [10/ الحجرات‏]، فهو كالأخوّة الحقيقية، و هي أن تجمع الشّخصين ولادة من صلب أو رحم؛ أو منهما. بل الأخوّة الدينيّة أعظم من الحقيقيّة، لأنّ ثمرة هذه دنيويّة و ثمرة تلك أخرويّة.

(لا يظلمه و لا يسلمه») بضم أوله، يقال: «أسلم فلان فلانا»؛ إذا ألقاه إلى الهلكة و لم يحمه من عدوّه، و هو عامّ في كلّ من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة؛ أي لا يتركه مع من يؤذيه؛ و لا فيما يؤذيه، بل ينصره، و يدفع عنه، و لا يترك نصرته المشروعة؛ سيما مع الاحتياج، أو الاضطرار إليها، لأن من حقوق أخوّة الإسلام التّناصر.

قال تعالى‏ وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ [2/ المائدة]، وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [72/ الأنفال‏]. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». فقوله «ظالما»؛ أي: بأن تكفّه عن ظلمه. و قوله «مظلوما»؛ أي: بأن تدفع عنه من يظلمه، فخذلانه محرّم شديد التّحريم دنيويّا؛ كأن مثل أن يقدر على دفع عدوّ يريد أن يبطش به و لا يدفعه، أو دينيّا مثل أن يقدر على نصحه عن غيّه، بنحو وعظ فيترك.

23

208- «المسلم .. من سلم المسلمون من لسانه و يده، و المهاجر .. من هجر ما حرّم اللّه».

و الحديث أخرجه البخاري في «المظالم و الإكراه»، و أبو داود في «الأدب»، و التّرمذي في «الحدود»؛ عن ابن عمر بن الخطاب. و أخرجه مسلم في «الأدب»؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) و قال: «لا يخذله» بدل «يسلمه».

208- ( «المسلم) الكامل في الإسلام‏ (من)- أي: إنسان؛ ذكرا كان أو أنثى- أتى بأركان الدّين، و (سلم المسلمون) و غيرهم؛ من أهل الذمّة، فالتّقييد غالبيّ كالتّعبير بجمع المذكّر السّالم‏ (من لسانه و يده) و بقيّة أعضائه؛ بأن لا يتعرّض لهم بما حرم من دمائهم و أموالهم و أعراضهم.

و خصّ هذين العضوين! لأن الأذى بهما أغلب.

و قدّم اللّسان! لأكثريّة الأذى به، و لكونه المعبّر عمّا في الضّمير.

و عبّر باللّسان دون القول! ليشمل من أخرج لسانه استهزاء.

و عبّر باليد دون بقيّة الجوارح! ليدخل اليد المعنويّة كالاستيلاء على حقّ الغير ظلما.

فإن قيل: هذا يستلزم أنّ من اتّصف بهذا خاصّة كان كاملا!!

و يجاب بأنّ المراد أتى بذلك مع مراعاة بقيّة أركان الإسلام، فهذا إنّما ورد على سبيل المبالغة؛ تعظيما لترك الإيذاء. كأنّ ترك الإيذاء؛ هو نفس الإسلام الكامل، و كأنّه محصور فيه، على سبيل الادّعاء للمبالغة!!.

قال الخطّابي: أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق اللّه تعالى حقوق المسلمين، و يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة العبد مع ربّه، لأنّه إذا أحسن معاملة إخوانه، فالأولى أن يحسن معاملة ربّه، من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى شروح «الجامع الصغير».

(و المهاجر) هجرة كاملة ممدوحة (من هجر)؛ أي: ترك‏ (ما حرّم اللّه») عليه، أي: ليس المهاجر حقيقة من هاجر من بلاد الكفر، بل من هجر نفسه،

24

209- «مع كلّ فرحة .. ترحة».

و أكرهها على الطّاعة، و حمّلها تجنّب المنهيّ، لأن النّفس أشدّ عداوة من الكافر؛ لقربها و ملازمتها و حرصها على منع الخير.

فالمجاهد الحقيقيّ من جاهد نفسه، و اتبع سنّة نبيّه، و اقتفى طريقه؛ في أقواله و أفعاله على اختلاف أحواله بحيث لا يكون له حركة و لا سكون إلّا على السّنّة، و هذه الهجرة العليا لثبوت فضلها على الدوام.

قال العلقمي: الهجرة ضربان: ظاهرة، و باطنة.

فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النّفس الأمّارة بالسّوء و الشّيطان.

و الظّاهرة: الفرار بالدّين من الفتن.

و كأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتّكلوا على مجرّد التحوّل من دارهم حتّى يمتثلوا أوامر الشّرع و نواهيه.

و يحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لمّا فتحت مكّة؛ تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك؛ بأنّ حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما حرّم اللّه!! فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم و الأحكام. انتهى شروح «الجامع الصغير».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز البخاري في «كتاب الإيمان» لكن بلفظ: «ما نهى اللّه عنه»، و أبو داود في «الجهاد»، و النّسائي في «الإيمان»، و هذا لفظه؛ كلهم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رفعه، و لم يخرّجه مسلم؛ قاله المناوي على «الجامع».

209- ( «مع كلّ فرحة ترحة») في «النهاية» الترح ضد الفرح. انتهى؛ أي: مع كلّ سرور حزن؛ أي: يعقبه. حتّى كأنّه معه؛ أي: جرت عادة اللّه بذلك؛ لئلا تسكن نفوس العقلاء إلى نعيمها، و لا تعكف قلوب المؤمنين على فرحاتها؛ فيمقتها اللّه سبحانه عند هجوم ترحاتها، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏ (76) [القصص‏] قال بعضهم:

25

210- «مفتاح الجنّة .. لا إله إلّا اللّه».

ثمانية تجري على سائر الورى‏ * * * و لا بدّ للمرء يذوق الثّمانيه‏

ففرح و كره و اجتماع و فرقة * * * و عسر و يسر ثمّ سقم و عافيه‏

و الحديث ذكره في «الجامع» و «الكنوز» مرموزا له برمز الخطيب في ترجمة أبي بكر الشّيرازي؛ عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه). و فيه حفص بن غياث، أورده الذّهبي في الضّعفاء، و قال: مجهول. انتهى «مناوي».

210- ( «مفتاح الجنّة) أي: مبيح دخولها (لا إله إلّا اللّه») أي؛ و أنّ محمّدا رسول اللّه، و فيه استعارة لطيفة، لأن الكفر لما منع من دخول الجنّة، شبّه بالغلق المانع من دخول الدّار و نحوها؛ و الإتيان بالشّهادة لمّا رفع المانع؛ و كان سبب دخولها شبّه بالمفتاح.

و في البخاري؛ عن وهب أنّه قيل له: أ ليس مفتاح الجنّة لا إله إلّا اللّه قال:

بلى؛ و لكن ليس مفتاح إلّا و له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، و إلّا! فلا. فجعل الأعمال الصالحة الّتي هي ثمرة الشهادة بمنزلة أسنان المفتاح. انتهى مناوي على «الجامع».

و قال الشريف الرضي: المراد أنّ هذا القول به يوصل إلى دخول الجنة، فجعله (عليه الصلاة و السلام) بمنزلة المفتاح الّذي به يستفتح الغلق؛ و يستفرج الباب.

و أراد (عليه الصلاة و السلام) هذه الكلمة و ما يتبعها من شعائر الإسلام و قوانين الإيمان، إلّا أنّه صلى اللّه عليه و سلم عبّر عن جميع ذلك بهذه الكلمة، لأنّها أوّل لتلك الشعائر، و سائرها تابع لها و متعلّق بها، فهي لها كالزّمام القائد و المتقدّم الرّائد، و ذلك كما يعبّرون عن حروف المعجم ببعضها، فيقال: «ألف باء تاء ثاء» و المراد جميعها، و كذلك يقولون هو في «أبجد» و يريدون سائر هذه الحروف، إلّا أنّ هذه الحروف لمّا كانت أوّلة لباقيها و متقدّمة لما يليها، حسن أن يعبّر بها عن جميعها. انتهى.

و الحديث ذكره في «كشف الخفاء» باللّفظ الّذي أورده المصنّف؛ و قال: رواه الإمام أحمد عن معاذ رفعه، قال النجم: و في لفظ «مفاتيح الجنّة». و ضعّفوه،

26

211- «ملاك الدّين .. الورع».

لكن عند البخاري عن وهب ما يشهد له. انتهى.

و ذكره «في كنوز الحقائق»، مرموزا له برمز الديلمي في «الفردوس»، و ذكره في «الجامع» بلفظ «مفاتيح الجنّة شهادة أن لا إله إلّا اللّه»، و رمز له برمز الإمام أحمد؛ عن معاذ بن جبل، قال الهيثمي: رجاله وثّقوا، إلّا أنّ شهرا لم يسمع من معاذ. انتهى مناوي على «الجامع». و في «فيض القدير» للمناوي:

تنبيه:

قد جعل اللّه لكلّ مطلوب مفتاحا يفتح به؛ فجعل مفتاح الصّلاة الطّهور، و مفتاح الحجّ الإحرام، و مفتاح البرّ الصّدقة، و مفتاح الجنّة التّوحيد، و مفتاح العلم حسن السؤال و الإصغاء، و مفتاح الظّفر الصّبر، و مفتاح المزيد الشّكر، و مفتاح الولاية و المحبّة الذّكر، و مفتاح الفلاح التّقوى، و مفتاح التّوفيق الرّغبة و الرّهبة، و مفتاح الإجابة الدّعاء، و مفتاح الرّغبة في الآخرة الزّهد في الدّنيا، و مفتاح الإيمان التفكّر في مصنوعات اللّه، و مفتاح الدّخول على اللّه استسلام القلب و الإخلاص له في الحبّ و البغض، و مفتاح حياة القلوب تدبّر القرآن و الضّراعة بالأسحار و ترك الذّنوب، و مفتاح حصول الرّحمة الإحسان في عبادة الحقّ؛ و السّعي في نفع الخلق؛ و مفتاح الرزق السّعي مع الاستغفار، و مفتاح العزّ الطّاعة، و مفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، و مفتاح كلّ خير الرّغبة في الآخرة، و مفتاح كلّ شرّ حبّ الدّنيا و طول الأمل. و هذا باب واسع من أنفع أبواب العلم، و هو معرفة مفاتيح الخير و الشر، و لا يقف عليه إلّا الموفّقون. انتهى.

211- ( «ملاك)- بكسر الميم و فتحها- (الدّين)- أي: قوامه، و نظامه، و ما يعتمد عليه فيه- هو: (الورع») بالكفّ عن التّوسّع في الأمور الدّنيويّة؛ المشغلة عن ذكر اللّه و دوام مراقبته.

و الورع أصله: النّظر البالغ في كلّ شي‏ء، و البحث التّام عن كلّ شي‏ء هو بصدده.

27

212- «المكر و الخديعة .. في النّار».

و أصل الملاك استحكام القدرة؛ يعني أنّ إحكام الدّين يكون بالورع، بمعنى أنه إذا وجد كان الدّين على غاية من الكمال، و ذلك لأن الورع دائم المراقبة للحقّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلا بحقّ؛ كما قال الحبر ابن عباس: كان عمر كالطّير الحذر.

و الحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان، و الدّيلمي؛ كلاهما عن عبادة بن الصّامت. و أخرجه الخطيب و ابن عبد البرّ؛ كلاهما عن ابن عباس. و أخرجه ابن عبد البر؛ عن أبي هريرة (رضي الله عنهم اجمعين). و ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.

212- ( «المكر): إضمار السوء لغيره‏ (و الخديعة): إيصال المكروه للغير، من حيث لا يعلم‏ (في النّار») و معناه- كما قال العسكري-: أنّ صاحب المكر و الخداع لا يكون تقيّا، و لا خائفا للّه، لأنه إذا مكر غدر، و إذا غدر خدع، و إذا فعلهما أوبق نفسه، و هذا لا يكون في تقي، فكلّ خلّة جانبت التّقى فهي في النّار؛ أي صاحبها. انتهى.

و مقتضى هذا تغاير المكر للخديعة، لأنّه جعل المكر سبب الغدر، و هو سبب الخديعة؛ و السبب مغاير للمسبب!! و في «القاموس» و غيره: المكر الخديعة!!

و الجواب: أنّه جرد المكر عن معناه، كما ذكرناه؛ فلا يخالف ترادفهما.

و قال الرّاغب: المكر و الخديعة متقاربان، و هما اسمان لكلّ فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره؛ و يكون سيّئا، كقصد إنزال مكروه بالمخدوع.

و إيّاه قصد صلى اللّه عليه و سلم بهذا الحديث، و معناه يؤدّيان بقاصدهما إلى النّار، و يكون حسنا؛ و هو أن يقصد فاعلهما مصلحة بالمخدوع و الممكور به، كما يفعل بالصّبي إذا امتنع من فعل خير، و لكونهما ضربين قال تعالى‏ وَ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) [فاطر]، و وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏ [43/ فاطر] و وصف نفسه بالمكر الحسن؛ فقال‏ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ (54) [آل عمران‏]. انتهى زرقاني على «المواهب».

28

213- «من أبطأ به عمله .. لم يسرع به نسبه».

214- «من اتّقى اللّه .. كلّ لسانه، و لم يشف غيظه».

و الحديث ذكره في «المواهب» و قال: رواه الديلمي؛ عن أبي عن أبي هريرة، و القضاعي؛ عن ابن مسعود و زاد: «من غشّنا فليس منّا». و في الباب غيرهما، و نحو «ليس منّا من ضارّ مسلما و ما كره» رواه الترمذي. انتهى مع زيادة من «شرح الزرقاني».

213- ( «من أبطأ)- بألف قبل الموحدة و دونها: روايتان، و هما بمعنى، إلّا أنّ السّخاوي ادّعى أنّ لفظ مسلم بلا ألف، و أنّ رواية القضاعي «أبطأ» بألف- (به عمله)- أي: أخّره عمله السّيئ، أو تفريطه في العمل الصّالح؛ بأن لم يأت به على الوجه الأكمل- (لم يسرع به نسبه»)- أي: لا ينفعه في الآخرة شرف النّسب؛ فلا يعجل به إلى منازل السعداء. و الحديث رواه مسلم، و أبو داود، و التّرمذي، و ابن ماجه، و أحمد، و العسكري، و القضاعي؛ كلهم من حديث أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)؛ في آخر حديث لفظه: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا ...» الخ. انتهى «زرقاني».

214- ( «من اتّقى اللّه)- أي: أطاعه في أمره و نهيه بقدر الاستطاعة- (كلّ) بفتح الكاف و شدّ اللام؛ أي: تعب و أعيا- (لسانه، و لم يشف غيظه») ممّن فعل به مكروها، لأنّ التّقوى عبارة عن امتثال أوامر اللّه؛ و تجنّب نواهيه.

و لن يصل العبد إلى القيام بأوامره، إلّا بمراقبة قلبه و جوارحه في لحظاته و أنفاسه؛ بحيث يعلم أنّه مطّلع عليه و على ضميره، و مشرف على ظاهره و باطنه؛ محيط بجميع لحظاته و خطراته و خطواته، و سائر حركاته و سكناته، و ذلك مانع له مما ذكر.

فمن زعم أنّه من المتقين؛ و هو ذرب اللّسان، منتصر لنفسه، مشف لغيظه؛ فهو من الكاذبين، لا بل من الهالكين.

29

215- «من اتّقى اللّه .. وقاه كلّ شي‏ء».

216- «من أحبّ أن يعلم منزلته عند اللّه .. فلينظر منزلة اللّه عنده».

و الحديث ذكره في «الجامع»؛ و قال: أخرجه ابن أبي الدّنيا في «كتاب التّقوى»؛ عن سهل بن سعد. و رواه عنه أيضا الدّيلميّ في «مسند الفردوس» قال الحافظ العراقي: و سنده ضعيف، قال: و رأيناه في «الأربعين البلدانية» للسّلفي.

انتهى مناوي على «الجامع».

215- ( «من اتّقى اللّه وقاه كلّ شي‏ء») يخافه‏ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (62) [يونس‏]، فأعظم بخصلة تضمّنت موالاة اللّه و انتفاء الخوف و الحزن، و حصول البشرى في الدّنيا و العقبى!! فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏ (4) [التوبة]، أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ [62- 64/ يونس‏].

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير»؛ و قال: أخرجه ابن النّجّار في «تاريخه»؛ عن ابن عباس، و رواه عنه أيضا الخطيب في «تاريخه» باللفظ المزبور. انتهى مناوي على «الجامع».

216- ( «من أحبّ أن يعلم منزلته عند اللّه)- أي: هل هو من النّاجين المحبوبين للّه؛ أم لا- (فلينظر)- كيف- (منزلة اللّه عنده») من الوقار و الإجلال المستلزمين لامتثال الأوامر و اجتناب النّواهي، فمنزلة اللّه عند العبد في قلبه على قدر معرفته إيّاه؛ و علمه به و إجلاله و تعظيمه، و الحياء و الخوف منه، و إقامة الحرمة لأمره و نهيه، و الوقوف عند أحكامه بقلب سليم و نفس مطمئنة، و التّسليم له روحا و بدنا و قلبا، و مراقبة تدبيره في أموره، و لزوم ذكره، و النّهوض بأثقال نعمته و منّته، و ترك مشيئة نفسه لمشيئته و حسن الظّنّ به، و النّاس في ذلك درجات، و حظوظهم بقدر حظوظهم من هذه الأشياء؛ فأوفرهم حظّا منها أعظمهم درجة عنده، و عكسه بعكسه.

30

..........

قال ابن عطاء اللّه: إذا أردت أن تعرف مقامك عنده؛ فانظر ما أقامك فيه! فإن كان في الخدمة؛ فاجتهد في تصحيح عبوديتك، و دوام المراقبة في خدمتك، لأنّ شرط العبوديّة المراقبة في الخدمة لمراد المولى؛ و هي المعرفة، لأنك إذا عرفت أنّه أوجدك و أعانك و استعملك فيما شاء- و أنت عاجز- عرفت نفسك، و عرفت ربّك، و لزمت طاعته.

إذا أردت أن ترى مقامكا * * * لديه فلتنظر بما أقامكا

فقيمة الإنسان عند ربّه‏ * * * بقدر ما شغله الرّبّ به‏

قال بعض العارفين: إن أردت أن تعرف قدرك عنده؛ فانظر فيم يقيمك.

متى رزقك الطّاعة و الغنى به عنها؛ فاعلم أنّه أسبغ نعمه عليك ظاهرة و باطنة.

و خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك.

متى رزقت طاعة مع الغنى‏ * * * عنها بمولاك فقد نلت المنى‏

إذ أسبغ اللّه عليك نعمه‏ * * * ظاهرة باطنة و كرمه‏

أجلّ ما تطلبه من ربّكا * * * ما هو طالب له من نفسكا

و الحديث ذكره المناويّ في «الطّبقات»، و قال في «العزيزي»: رواه الحاكم بلفظ: «من كان يحبّ أن يعلم منزلته عند اللّه فلينظر كيف منزلة اللّه عنده، فإنّ اللّه ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه». و ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ:

«من أراد أن يعلم ماله عند اللّه فلينظر ما للّه عنده» و رمز له برمز الدارقطني في «الأفراد»؛ عن أنس بن مالك، و أخرجه أبو نعيم في «الحلية»؛ عن أبي هريرة (رضي الله عنه)؛ و عن سمرة بلفظ: «من سرّه أن يعلم ... الخ» و قال: إنه غريب من حديث صالح المرّي. و صالح المرّي. و صالح المرّي ذكره الذّهبي في الضعفاء؛ و قال فيه: قال النّسائي و غيره: متروك.

و رواه الحاكم عن جابر بلفظ: «من أراد أن يعلم ما له عند اللّه فلينظر ما للّه‏

31

217- «من أحبّ دنياه .. أضرّ بآخرته، و من أحبّ آخرته ..

أضرّ بدنياه؛ فاثروا ما يبقى على ما يفنى».

عنده، فإنّ اللّه ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه» انتهى مناوي على «الجامع الصغير».

217- ( «من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته) لأن حبّها يشغله عن تفريغ قلبه لحبّ ربّه و لسانه لذكره؛ فتضرّ آخرته‏ (و من أحبّ آخرته أضرّ بدنياه) فهما ككفّتي الميزان؛ إذا رجحت إحداهما خفّت الأخرى.

قال الإمام علي (رضي الله عنه): الدّنيا و الآخرة كالمشرق و المغرب؛ إذا قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى، فالجمع بين الدّنيا و الدّين على الكمال لا يكاد يقع، إلّا لمن سخّره اللّه لتدبير خلقه في معاشهم و معادهم؛ و هم الأنبياء.

أمّا غيرهم! فإذا شغلت قلوبهم بالدّنيا انصرفت عن الآخرة، و ذلك أنّ حبّ الدّنيا سبب لشغله بها و الانهماك فيها؛ و هو سبب للشّغل عن الآخرة، فتخلو عن الطّاعة، فيفوت الفوز بدرجاتها؛ و هو عين المضرّة.

بنى ملك من الملوك مدينة و تأنّق فيها، ثمّ صنع طعاما و نصب ببابها من يسأل عنها. فلم يعبها إلّا ثلاثة، فسألهم فقالوا: رأينا عيبين. قال: و ما هما؟ قالوا:

تخرب و يموت صاحبها. قال: فهل ثمّ دار تسلم منها؟! قالوا: نعم، الآخرة، فتخلّى عن الملك و تعبّد معهم، ثمّ ودّعهم، فقالوا: هل رأيت منا ما تكره!!.

قال: لا، لكن عرفتموني فأكرمتموني، فأصحب من لا يعرفوني. انتهى «مناوي».

(فاثروا) أي: إذا علمتم ذلك فقدّموا (ما يبقى على ما يفنى») فقد ذمّ اللّه من يحبّ الدّنيا، و يؤثرها على الآخرة، بقوله‏ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) [القيامة] و ذمّ حبّها يستلزم مدح بغضها. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا برمز الإمام أحمد، و الحاكم؛ عن‏

32

218- «من أحبّ شيئا .. أكثر من ذكره».

219- «من أحبّ قوما .. حشره اللّه في زمرتهم».

أبي موسى الأشعري، قال الحاكم: على شرطهما، و ردّه الذّهبي، و قال: فيه انقطاع. انتهى. و قال المنذري و الهيثمي: رجال أحمد ثقات. انتهى. و في «العزيزي»: إنّه حديث صحيح. انتهى.

218- ( «من أحبّ شيئا أكثر من ذكره») أي: علامة صدق المحبّة إكثار ذكر المحبوب، و لهذا قال أبو نواس:

فبح باسم من تهوى و دعني من الكنى‏ * * * فلا خير في اللّذّات من دونها ستر

قال في «الرعاية»: علامة المحبّين كثرة ذكر المحبوب على الدّوام؛ لا ينقطعون، و لا يملّون، و لا يفترون، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبّين؛ لا يريدون به بدلا، و لا يبغون عنه حولا، لو قطعوا عن ذكر محبوبهم فسد عيشهم!.

و قال بعضهم: علامة المحبّة ذكر المحبوب على عدد الأنفاس. انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث رواه أبو نعيم، و الديلمي؛ عن عائشة (رضي الله عنها) مرفوعا.

219- ( «من أحبّ قوما حشره اللّه في زمرتهم»)، فمن أحبّ أولياء الرّحمن فهو معهم في الجنان، و من أحب حزب الشّيطان فهو معهم في النيران.

و فيه بشارة عظيمة لمن أحب الصوفيّة؛ أو تشبّه بهم، و أنّه يكون مع تفريطه بما هم عليه معهم في الجنّة.

و الحديث أخرجه الطّبراني في «الكبير»، و الضياء المقدسي؛ عن أبي قرصافة بكسر القاف فسكون الراء فصاد مهملة ففاء- و اسمه: حيدة، قال الهيثمي: و فيه من لم أعرفهم! فقال السخاوي: فيه إسماعيل بن يحيى التيمي ضعيف. انتهى مناوي؛ على «الجامع».

33

220- «من أحبّ لقاء اللّه .. أحبّ اللّه لقاءه».

قال في «كشف الخفا»، و يشهد له حديث: «المرء مع من أحبّ».

انتهى».

220- ( «من أحبّ لقاء اللّه) أي: المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان اللّه؛ فيكون موته أحبّ إليه من حياته‏ (أحبّ اللّه لقاءه») أي: أفاض عليه فضله و أكثر عطاياه. و تمام الحديث: «و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه».

قالت عائشة؛ أو بعض أزواجه: إنّا لنكره الموت!.

قال: «ليس ذلك، و لكنّ المؤمن إذا حضره الموت و بشّر برضوان اللّه و كرامته، فليس شي‏ء أحبّ إليه ممّا أمامه؛ فأحبّ لقاء اللّه و أحبّ اللّه لقاءه، و إنّ الكافر إذا حضره الموت و بشّر بعذاب اللّه و عقابه، فليس شي‏ء أكره إليه ممّا أمامه؛ كره لقاء اللّه فكره اللّه لقاءه». انتهى.

قال النّوويّ: هذا الحديث يفسّر آخره أوّله، و يبيّن المراد بباقي الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء اللّه و من كره لقاء اللّه.

و معنى الحديث: أنّ الكراهة المعتبرة هي الّتي تكون عند النّزع؛ في حالة لا تقبل فيها توبة، و لا غيرها، فحينئذ يبشّر كلّ إنسان بما هو صائر إليه، و ما أعدّ له، و يكشف له عن ذلك، فأهل السّعادة يحبّون الموت و لقاء اللّه؛ لينقلوا إلى ما أعدّ لهم، و يحبّ اللّه لقاءهم فيجزل لهم العطاء و الكرامة، و أهل الشقاء يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينقلبون إليه و يكره اللّه لقاءهم، أي: يبعدهم عن رحمته و كرامته، و لا يريد ذلك بهم، و هذا معنى كراهته سبحانه و تعالى لقاءهم.

و ليس معنى الحديث: أنّ سبب كراهة اللّه تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك!! و لا أنّ حبّه لقاء الآخرين حبّهم ذلك!! بل هو صفة لهم. انتهى.

و الحديث متفق عليه من حديث أبي موسى و عبادة بن الصّامت: البخاري في‏

34

221- «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه .. فهو ردّ».

«الرّقاق»، و مسلم في «الدّعوات» عنهما، و عن أبي هريرة، و عن عائشة (رضي الله تعالى عنهم).

و «في كشف الخفا»: أنّه أخرجه الإمام أحمد، و البيهقي، و التّرمذي في «الزّهد»، و النّسائي في «الجنائز»؛ عن عائشة، و عن عبادة (رضي الله تعالى عنهما).

قال في «الكشف»: و روى مالك، و البخاري- و اللفظ له-، و مسلم، و التّرمذي؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه): قال اللّه تعالى: «إذا أحبّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، و إذا كره لقائي كرهت لقاءه». انتهى.

221- ( «من أحدث) أي: أنشأ و اخترع و أتى بأمر حديث من قبل نفسه‏ (في أمرنا) أي: شأننا الذي نحن عليه، و هو ما شرعه اللّه تعالى و رسوله، و استمرّ العمل به، و هو دين الإسلام، عبّر عنه بالأمر تنبيها على أنّ هذا الدّين هو أمرنا الّذي نهتمّ به، و نشتغل به؛ بحيث لا يخلو عنه شي‏ء من أقوالنا، و لا من أفعالنا.

(هذا) موضوع ليشار به لمحسوس مشاهد، و هو هنا مشار به للدّين المعقول، لتنزيله منزلة المحسوس المشاهد؛ اعتناء بشأنه و إشارة إلى جلالته و مزيد رفعته، و تعظيمه بالقرب؛ تنزيلا له باعتبار جلالته منزلة القريب، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يطلب القرب منه و تتوجّه الهمم إلى الوصول إليه.

قال الطّيبيّ: و في وصف الأمر ب «هذا» إشارة إلى أنّ أمر الإسلام كمل، و اشتهر و شاع و ظهر ظهورا محسوسا؛ بحيث لا يخفى على كل ذي بصر و بصيرة.

انتهى.

(ما) أي: شيئا (ليس منه) أي: ليس له في الكتاب أو السّنّة عاضد ظاهر، أو خفيّ ملحوظ أو مستنبط، (فهو ردّ») أي: مردود على فاعله، لبطلانه و عدم‏

35

..........

الاعتداد به؛ من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كخلق و مخلوق و نسج و منسوج، سواء كانت منافاته لما ذكر 1- لعدم مشروعيّته بالكليّة؛ كنذر القيام و عدم الاستضلال. أو 2- للإخلال بشرطه، أو ركنه؛ عبادة كانت أو عقدا، فلا ينقل الملك مطلقا، أو للزّيادة على المشروع فيه نحو الزّيادة في الصّلاة دون الوضوء. أو 3- لارتكاب منهياته، كذبح المحرم للصيد، و لبسه للخفّ بلا عذر؛ فلا يمسح عليه، و جماع الصائم، و جماع الحاجّ قبل التّحلّل الأول.

أمّا ما عضده عاضد؛ بأن شهد له شي‏ء من أدلة الشرع، أو قواعده!! فليس بردّ على فاعله، بل هو مقبول منه؛

كبناء نحو الرّبط و المدارس و سائر أنواع البرّ الّتي لم تعهد في الصّدر الأول، فإنّه موافق لما جاءت به الشريعة؛ من اصطناع المعروف و المعاونة على البر و التقوى.

و كالتّصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية؛ على اختلاف فنونها، و تقرير قواعدها، و كثرة التفريعات، و فرض ما لم يقع، و بيان حكمه، و تفسير القرآن و السّنّة، و الكلام على الأسانيد و المتون، و تتبع كلام العرب؛ نثره و نظمه، و تدوين كلّ ذلك، و استخراج علوم اللّغة؛ كالنّحو، و المعاني، و البيان، و الأوزان، فذلك كلّه و ما شاكله معلوم حسنه، ظاهرة فائدته، معين على معرفة كتاب اللّه تعالى، و فهم معاني كتابه و سنّة رسوله صلى اللّه عليه و سلم؛ فيكون مأمورا به.

و كتفريع الأصول و الفروع، و ما يحتاجان إليه من الحساب و غيره من العلوم الآليّة، و ككتابة القرآن في المصاحف، و وضع المذاهب و تدوينها، و تصنيف الكتب و مزيد إيضاحها و تبيينها، و غير ذلك ممّا مرجعه و منتهاه إلى الدّين بواسطة أو وسائط، فإنّه مقبول من فاعله، مثاب ممدوح عليه.

و من ثمّ استجاز كثيرا منه الصّحابة (رضوان الله عليهم)؛ كما وقع لأبي بكر و عمر و زيد بن ثابت (رضي الله تعالى عنهم) في جمع القرآن، فإنّ عمر أشار به على‏

36

..........

أبي بكر؛ خوفا من اندراس القرآن بموت الصّحابة (رضي الله تعالى عنهم) لمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة و غيره، فتوقف لكونه صورة بدعة، ثمّ شرح اللّه صدره لفعله، لأنّه ظهر له أنه يرجع إلى الدّين، فإنّه غير خارج عنه.

و من ثمّ لمّا دعا زيد بن ثابت و أمره بالجمع قال له: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه!! فقال: و اللّه إنّه حقّ. و لم يزل يراجعه حتّى شرح اللّه صدره للّذي شرح له صدرهما.

و كما وقع لعمر (رضي الله عنه) في جمع النّاس لصلاة التّراويح في المسجد، مع تركه صلى اللّه عليه و سلم لذلك بعد أن كان فعله ليالي، و قال- أعني عمر-: نعمت البدعة هي.

أي: لأنها؛ و إن أحدثت ليس فيها ردّ لما مضى، بل موافقة له، لأنّه صلى اللّه عليه و سلم علّل التّرك بخشية الافتراض، و قد زال ذلك بوفاته صلى اللّه عليه و سلم.

و قال الشّافعي (رضي الله عنه):

ما أحدث فخالف كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا؛ فهو البدعة الضالّة، و ما أحدث من الخير و لم يخالف شيئا من ذلك؛ فهو البدعة المحمودة.

و الحاصل: أنّ البدعة الحسنة متّفق على ندبها، و هي ما وافق شيئا مما مرّ؛ و لم يلزم من فعله محذور شرعيّ. و منها ما هو فرض كفاية، كتصنيف العلوم و نحوها ممّا مرّ. انتهى. من «الفتح المبين» للشيخ أحمد بن حجر الهيتمي (رحمه الله تعالى).

و الحديث أخرجه البخاري، و مسلم، و أبو داود، و ابن ماجه؛ كلّهم عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) مرفوعا. و في رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» أي: مردود عليه، و إن لم يكن هو المحدث له. فاستفيد منه زيادة على ما مرّ- و هي الردّ- لما قد يحتجّ به بعض المبتدعة؛ من أنّه لم يخترع، و إنّما المخترع من سبقه!! و يحتجّ بالرّواية الأولى فيردّ عليه بهذه الرّواية الصّريحة في ردّ

37

222- «من أرضى النّاس بسخط اللّه .. وكله اللّه إلى النّاس».

223- «من أطاع اللّه .. فاز».

224- «من أعان ظالما .. سلّطه اللّه عليه».

المحدثات المخالفة للشّريعة؛ بالطريقة الّتي قدّمناها، سواء أحدثها الفاعل؛ أو سبق بإحداثها.

و في الحديث دلالة للقاعدة الأصولية أنّ مطلق النّهي يقتضي الفساد، لأنّ المنهي عنه ليس من الدّين، بل مخترع محدث، و قد حكم عليه بالردّ المستلزم للفساد.

و فيه دلالة على إبطال جميع العقود المنهيّة، و عدم وجود ثمراتها المترتّبة عليها، و هو حديث عظيم معدود من أصول الإسلام، و قاعدة من قواعده.

قال النّوويّ: ينبغي حفظه و استعماله في إبطال المنكرات، و إشاعة الاستدلال به لذلك. انتهى.

222- ( «من أرضى النّاس بسخط اللّه) كأن وافقهم على غيبة شخص‏ (وكله اللّه إلى النّاس») و من وكله إليهم وقع في المهلكات؛ لأنّه لما رضي لنفسه بولاية من لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا؛ وكله إليه.

و تمام الحديث: «و من أسخط النّاس برضاء اللّه كفاه اللّه مئونة النّاس». ذكره في «الجامع الصغير» و رمز له برمز الترمذي، و أبي نعيم في «الحلية»؛ عن عائشة (رضي الله عنها)، و رواه عنها أيضا الدّيلمي و العسكري. انتهى «مناوي». قال في «العزيزي»: و إسناده حسن.

223- ( «من أطاع اللّه فاز») ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز الإمام أحمد.

224- ( «من أعان ظالما) على ظلمه‏ (سلّطه اللّه عليه»)؛ عدلا منه سبحانه‏

38

225- «من بثّ .. لم يصبر».

226- «من بورك له في شي‏ء .. فليلزمه».

و تعالى، فإنّه أحكم الحاكمين. و الحديث ذكره في «الكنوز» و «الجامع» مرموزا له برمز ابن عساكر في «التاريخ»؛ عن ابن مسعود رفعه، و هو حديث ضعيف- كما في «العزيزي»- بل قال المناوي كغيره: في سنده زكريا العدوي متّهم بالوضع!! أي: فيكون على هذا ضعيفا شديد الضّعف.

225- ( «من بثّ) أي: أذاع و نشر و شكا مصيبته للنّاس‏ (لم يصبر») أي:

لأنّ الشّكوى منافية للصّبر إذا كانت الشكوى على جهة الجزع.

و الحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز ابن عساكر، و في «الجامع» ذكره من حديث تمّام؛ عن ابن مسعود، و هو قطعة من حديث أوّله «ثلاث من كنوز البرّ ... الخ».

226- ( «من بورك له في شي‏ء) من نحو صناعة، أو حرفة، أو تجارة (فليلزمه») أي: من جعلت معيشته في شي‏ء من ذلك؛ فلا ينتقل عنه حتى يتغيّر، لأنه قد لا يفتح عليه في المنتقل إليه فهو خلقك لما شاء؛ لا لما تشاء، فكن مع مراد اللّه فيك؛ لا مع مرادك لنفسك.

قال في «الحكم»: من علامة إقامة الحقّ لك في الشي‏ء إدامته إياك فيه مع حصول النّتائج. قال النّاظم:

نتيجة الشّي‏ء و الاستقامه‏ * * * فيه دواما آية الإقامة

و الحديث أخرجه ابن ماجه؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا، و ذكره في «الكنوز».

و أخرجه البيهقي في «الشعب»، و القضاعي عنه بلفظ: «من رزق».

و في لفظ للبيهقي: «من رزقه اللّه رزقا في شي‏ء فليلزمه».

39

227- «من تأنّى .. أصاب أو كاد، و من عجل .. أخطأ أو كاد».

و لابن ماجه؛ عن نافع قال:

كنت أجهّز إلى الشّام و إلى مصر فجهّزت إلى العراق، فأتيت أمّ المؤمنين عائشة فقلت لها: يا أمّ المؤمنين؛ كنت أجهّز إلى الشّام و إلى مصر، فجهّزت إلى العراق!! فقالت: لا تفعل، مالك و لمتجرك!؟ فإنّي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول:

«إذا سبّب اللّه لأحدكم رزقا من وجه؛ فلا يدعه حتّى يتغيّر له؛ أو يتنكّر».

و رواه البيهقي أيضا؛ عنه بسند ضعيف بلفظ: «إذا قسم لأحدكم رزق فلا يدعه حتّى يتغيّر أو يتنكّر له».

و بلفظ: «إذا فتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه».

و رواه أحمد؛ عن جابر أيضا بسند ضعيف، و رواه في «الإحياء» بلفظ: «من جعلت معيشته في شي‏ء؛ فلا ينتقل عنه حتّى يتغيّر» انتهى. من «كشف الخفا» للعجلوني.

227- ( «من تأنّى) في أموره‏ (أصاب) الحقّ و نال المطلوب‏ (أو كاد) أن يصيب؛ أي: قارب الإصابة (و من عجل)- بكسر الجيم- (أخطأ، أو كاد») أن يخطئ؛ أي: قارب الخطأ، لأن العجلة شؤم الطبع، فجاء المشرّع بضدّ الطّبع، و جعل في التأنّي اليمن و البركة، فإذا ترك شؤم الطّبع و أخذ بأمر الشّرع أصاب الحقّ، و نال المراد أو قارب؛ لتعرّضه لرضا ربّه.

قال الغزالي: الاستعجال هو الخصلة المفوّتة للمقاصد؛ الموقعة في المعاصي، و منها تبدو آفات كثيرة، و في المثل السائر: إذا لم تستعجل تصل.

قال:

40

228- «من تشبّه بقوم .. فهو منهم».

قد يدرك المتأنّي بعض حاجته‏ * * * و قد يكون مع المستعجل الزّلل‏

و من آفاته أنّه مفوّت للورع، فإنّ أصل العبادات و ملاكها الورع، و الورع أصله النّظر البالغ في كلّ شي‏ء، و البحث التّام عن كلّ شي‏ء هو بصدده، فإن كان المكلّف مستعجلا، لم يقع منه توقّف و نظر في الأمور كما يجب، و يتسارع إلى كلّ طعام فيقع في الزّلل و الخلل. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير»، و كذا في «الأوسط» كلاهما؛ عن عقبة بن عامر بإسناد حسن، كما قال العزيزي: و قضيّة كلام المناوي أنّه ضعيف.

228- ( «من تشبّه بقوم)- أي: تزيّا في ظاهره بزيّهم، و في تعرّفه بفعلهم، و في تخلّقه بخلقهم، و سار بسيرتهم و هداهم في ملبسهم و بعض أفعالهم، أي:

و كان التشبّه بحقّ قد طابق فيه الظّاهر الباطن-

(فهو منهم») و قيل: المعنى من تشبّه بالصّالحين فهو من أتباعهم؛ يكرم كما يكرمون، و من تشبّه بالفسّاق يهان و يخذل مثلهم، و من وضع عليه علامة الشّرف أكرم؛ و إن لم يتحقّق شرفه.

و فيه أنّ من تشبّه من الجنّ بالحيّات و ظهر بصورتهم قتل، و أنّه لا يجوز في زماننا لبس العمامة الصفراء أو الزرقاء؛ إذا كان مسلما. كذا ذكره ابن رسلان.

و بأبلغ من ذلك صرّح القرطبيّ فقال: لو خصّ أهل الفسوق و المجون بلباس منع لبسه لغيرهم، فقد يظنّ به من لا يعرفه أنّه منهم! فيظنّ به ظنّ السّوء؛ فيأثم الظّانّ و المظنون فيه بسبب العون عليه.

و قال بعضهم: قد يقع التشبّه في أمور قلبية، من اعتقادات و إرادات و أمور خارجية من أقوال و أفعال، قد تكون عبادات، و قد تكون عادات؛ في نحو طعام و لباس، و مسكن و نكاح، و اجتماع و افتراق، و سفر و إقامة و ركوب و غيرها.

41

..........

و بين الظّاهر و الباطن ارتباط و مناسبة، و قد بعث اللّه المصطفى صلى اللّه عليه و سلم بالحكمة، الّتي هي سنّة، و هي الشّرعة و المنهاج الذي شرعه له، فكان ممّا شرعه له من الأقوال و الأفعال ما يباين سبيل المغضوب عليهم و الضّالّين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظّاهر في هذا الحديث؛ و إن لم يظهر فيه مفسدة، لأمور؛

منها أنّ المشاركة في الهدي الظّاهر تؤثّر تناسبا و تشاكلا بين المتشابهين، تعود إلى موافقة ما في الأخلاق و الأعمال، و هذا أمر محسوس، فإنّ لابس ثياب العلماء مثلا، يجد من نفسه نوع انضمام إليهم؛ و لابس ثياب الجند المقاتلة مثلا، يجد من نفسه نوع تخلّق بأخلاقهم، و تصير طبيعته منقادة لذلك إلّا أن يمنعه مانع.

و منها أنّ المخالفة في الهدي الظّاهر توجب مباينة و مفارقة؛ توجب الانقطاع عن موجبات الغضب و أسباب الضّلال، و الانعطاف على أهل الهدي و الرّضوان.

و منها أنّ مشاركتهم في الهدي الظّاهر توجب الاختلاط الظّاهر؛ حتّى يرتفع التّمييز ظاهرا بين المهديّين المرضيّين، و بين المغضوب عليهم و الضّالين ... إلى غير ذلك من الأسباب الحكميّة الّتي أشار إليها هذا الحديث و ما أشبهه.

و قال ابن تيميّة: هذا الحديث أقلّ أحواله أن يقتضي تحريم التشبّه بأهل الكتاب!! و إن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى‏ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏ [51/ المائدة].

و هو نظير قول ابن عمر «و من بنى بأرض المشركين و صنع نيروزهم، و مهرجانهم، و تشبّه بهم حتّى يموت؛ حشر يوم القيامة معهم» فقد حمل هذا على التشبّه المطلق، فإنّه يوجب الكفر، و يقتضي تحريم أبعاض ذلك.

و قد يحمل منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها؛ كان حكمه كذلك. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الكشف» ك «الجامع» و قال: رواه أحمد و أبو داود

42

229- «من تعلّق بشي‏ء .. و كل إليه».

و الحاكم و الطّبراني في «الكبير»؛ عن ابن عمر رفعه، و في سنده ضعيف كما في «اللآلي» و «المقاصد». لكن قال العراقي: سنده صحيح.

و له شاهد عند البزار؛ عن حذيفة و أبي هريرة، و عند أبي نعيم في «تاريخ أصبهان»؛ عن أنس، و عند القضاعي؛ عن طاوس مرسلا، و صححه ابن حبّان.

و تقدّم في «إنّما العلم بالتّعلّم» في أثر عن الحسن: قلّما تشبّه رجل بقوم إلّا كان منهم. و قال النّجم: قلت: روى العسكري عن حميد الطّويل؛ قال: كان الحسن يقول: إذا لم تكن حليما فتحلّم، و إذا لم تكن عالما فتعلّم؛ فقلّما تشبّه رجل بقوم إلا كان منهم. انتهى.

229- ( «من تعلّق بشي‏ء)- قال في «النّهاية»: أي: من علّق على نفسه شيئا من التّعاويذ و التّمائم و أشباهها، معتقدا أنها تجلب نفعا، أو تدفع عنه ضرّا- (وكل إليه») أي: و كلّ اللّه شفاءه إلى ذلك الشّي‏ء فلا ينفع.

أما إذا اعتقد أنّ الشّفاء من اللّه تعالى حقيقة، و أنّ هذا الدواء أو هذه التميمة أسباب عادية!! فلا بأس به، إذ الأسباب لا تنافي التّوكّل؛ قاله الحفني.

و كذلك من علّق شيئا من أسماء اللّه الصريحة، فهو جائز بل مطلوب محبوب، فإن من وكّل إلى أسماء اللّه أخذ اللّه بيده.

و أمّا قول ابن العربي «السنّة في الأسماء و القرآن الذكر؛ دون التعليق»!! فممنوع. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد و التّرمذي و الحاكم؛ عن عبد اللّه بن عليم- بالتصغير- الجهني، أبو سعيد الكوفي، أدرك المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و لم يره، فروى عن عمر و غيره، و قد سمع كتاب النّبي صلى اللّه عليه و سلم إلى جهينة. انتهى «مناوي».

43

230- «من حسن إسلام المرء .. تركه ما لا يعنيه».

230- ( «من حسن) فائدة الإتيان به!! الإشارة إلى أنّه لا عبرة بصور الأعمال فعلا و تركا، إلّا إذا اتّصفت بالحسن، بأن وجدت شروط مكمّلاتها؛ فضلا عن مصحّحاتها، و جعل ترك ما لا يعني من الحسن مبالغة ذلك، لأنّ الحسن من وصف الملكات؛ و الترك عدميّ، فوصفه بوصف الملكات مبالغة.

(إسلام المرء) آثره على الإيمان!! لأنّه الأعمال الظّاهرة، و الفعل و الترك إنّما يتعاقبان عليها، لأنّها حركات اختيارية يتعاقبان فيها اختيارا، و أمّا الباطنة الرّاجعة للإيمان! فهي اضطرارية؛ تابعة لما يخلقه اللّه تعالى في النّفوس، و يوقعه فيها.

و هذا من المواضع الّتي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ، لئلّا يعود الضّمير فيه على المتأخّر لفظا و رتبة، لما في المبتدأ من ضمير يعود على متعلّق الخبر؛ فهو من باب «على التّمرة مثلها زبدا»، فقوله: «من حسن إسلام المرء»، خبر مقدّم، و المبتدأ هو قوله‏ (تركه)- مصدر مضاف لفاعله- (ما)- أي: شيئا، أعمّ من أن يكون قولا أو فعلا- (لا يعنيه») بفتح أوله؛ من «عناه الأمر»؛ إذا تعلقت عنايته به، و كان من غرضه و إرادته.

و مفهومه: أنّ من قبح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه.

و الّذي «لا يعني» هو: الفضول كلّه على اختلاف أنواعه.

و الّذي «يعني» الإنسان من الأمور: ما تعلّق 1- بضرورة حياته في معاشه؛ مما يشبعه من جوع، و يرويه من عطش، و يستر عورته، و يعفّ فرجه، و نحو ذلك مما يدفع الضّرورة؛ دون ما فيه تلذّذ و تنعّم و استكثار.

و 2- سلامته في معاده، و هو الإسلام و الإيمان و الإحسان، فإذا اقتصر على ما يعنيه سلم من سائر الآفات، و جميع الشرور، و المخاصمات، و كان ذلك من الفوائد الدّالّة على حسن إسلامه، و رسوخ إيمانه، و حقيقة تقواه، و مجانبته لهواه، و معاناة ما عداه ضياع للوقت النّفيس، الّذي لا يمكن أن يعوّض فائته فيما

44

231- «من رتع ...

لم يخلق لأجله. فمن عبد اللّه على استحضار قربه من ربه، أو قرب ربّه منه؛ فقد حسن إسلامه- كما مرّ-.

و أخذ النّووي من هذا الخبر: أنّه يكره أن يسأل الرّجل فيم ضرب امرأته.

قال بعضهم: و ممّا لا يعني العبد تعلّمه ما لا يهمّ من العلوم و تركه أهمّ منه، كمن ترك تعلّم العلم الذي فيه صلاح نفسه، و اشتغل بتعلّم ما يصلح به غيره، كعلم الجدل؛ و يقول في اعتذاره «نيتي نفع النّاس»، و لو كان صادقا؛ لبدأ باشتغاله بما يصلح نفسه و قلبه، من إخراج الصّفات المذمومة؛ من نحو حسد و رياء، و كبر و عجب، و تطاول على الأقران، و نحوها من المهلكات. انتهى «مناوي على «الجامع»، و من شرح ابن حجر على «الأربعين النوويّة».

و الحديث ذكره في «الجامع»، و «الأربعين النووية»، و «كشف الخفا»؛ و قالوا: رواه الإمام أحمد، و التّرمذي، و ابن ماجه، و أبو يعلى؛ عن أبي هريرة (رضي الله عنه).

و رواه الإمام أحمد، و الطبراني؛ عن الحسن بن علي. و رجالهما ثقات.

و رواه الحكيم في «الكنى و الألقاب»؛ عن أبي بكر، و الشيرازيّ؛ عن أبي ذر، و العسكري، و الحاكم في «تاريخ نيسابور»؛ عن علي بن أبي طالب، و الطّبرانيّ في «الأوسط»، عن زيد بن ثابت، و ابن عساكر في «التّاريخ»؛ عن أبي عبد الرحمن: الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المكيّ رفعوه، و قد أوضحه السّخاوي في تخريج أحاديث «الأربعين النووية».

قال المناوي على «الجامع»: و أشار باستيعاب مخرجيه!! إلى تقوّيه و ردّ زعم جمع ضعّفه، و من ثمّ حسّنه النّووي، بل صحّحه ابن عبد البر، و بذكره خمسة من الصّحابة إلى ردّ قول آخرين لا يصح إلّا مرسلا. انتهى.

231- ( «من رتع) بفتح المثناة الفوقية فيه و في مضارعه، أي: رعى مواشيه‏

45

حول الحمى .. يوشك أن يواقعه».

232- «من رضي بقسمة اللّه .. استغنى».

(حول)- يعني جانب- (الحمى)- بكسر الحاء المهملة و فتح الميم مخففة، أي: المكان المحميّ، و المراد به موضع الكلأ الذي منع منه الغير، و توعّد من رعى فيه- (يوشك)- بكسر الشين مضارع «أوشك» بفتحها أي: يقرب- (أن يواقعه»)؛ أي: تأكل ماشيته منه؛ فيعاقب.

شبّه أخذ الشهوات بالراعي، و المحارم بالحمى، و الشّبهات بما حوله، فكما أنّ الرّاعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد، لأنّه يلزم من القرب منه الوقوع و إن كثر الحذر؛ فيعاقب، كذلك حمى اللّه تعالى؛ أي: محارمه الّتي حظرها لا ينبغي قرب حماها؛ فضلا عنها، لغلبة الوقوع فيها حينئذ فيستحقّ العقوبة، و أنّ الّذي ينبغي تحرّي البعد عنها، و عمّا يجرّ إليها من الشّبهات ما أمكن، حتّى يسلم من ورطتها.

و من ثمّ قال تعالى‏ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [187/ البقرة]، نهى عن المقاربة حذرا من المواقعة! و القصد إقامة البرهان على تجنّب الشّبهات، لأنّه لمّا كان حمى اللّه لا يدركه إلّا ذو البصائر؛ كان فيه نوع خفاء فضرب له المثل بالمحسوس، بخلاف حمى الملوك، فإنّه محسوس يحترز عنه كلّ بصير. انتهى ابن حجر «شرح الأربعين»، و مناوي على «الجامع».

و هذا قطعة من حديث أخرجه أهل الكتب السّتّة: البخاري، و مسلم، و أبو داود، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجه؛ عن النّعمان بن بشير (رضي الله تعالى عنهما)، و له فوائد جمّة أفردت بالتّأليف، حتى قال بعضهم: إنّه عليه نور النّبوة، عظيم الموقع من الشّريعة.

232- ( «من رضي بقسمة اللّه)- تعالى أي: قنع بما أعطاه اللّه تعالى؛ و لم يتضجّر، و لم يتسخّط، و شكر اللّه- (استغنى»): اتّصف بالغنى الحقيقي الّذي هو الغنى عن الشّي‏ء؛ لا به، و هو القناعة المحمودة، الّتي توجد في أفراد من النّاس، فليحمد اللّه على ما أكرمه اللّه به.

46

233- «من رضي عن اللّه .. (رضي الله عنه)».

و الحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.

233- ( «من رضي عن اللّه)؛ بأن سلّم لقضائه و قدره، من ضيق عيش و بلاء بدن، و فقد ولد؛ مثلا، فلا يتسخّط و لا يتشكّى- ((رضي الله عنه)») أي: أثابه و أدخله الجنّة و نعمه. قال الطّيبي: و لعلوّ هذه المرتبة التي هي الرّضا من الجانبين خصّ اللّه كرام الصّحب بها، حيث قال‏ (رضي الله عنهم) وَ رَضُوا عَنْهُ‏ [8/ البينة].

قال بعضهم: رضا العبد عن اللّه: أن لا يختلج في سرّه أدنى حزازة من وقوع قضاء من أقضيته، بل يجد في قلبه لذلك برد اليقين، و ثلج الصّدور، و شهود المصلحة، و زيادة الطّمأنينة.

و رضا اللّه عن العبد: تأمينه من سخطه، و إحلاله دار كرامته.

و قال السهروردي: الرّضا يحصل لانشراح القلب، و انفساحه، و انشراح القلب من نور اليقين، فإذا تمكّن النّور من الباطن؛ اتّسع الصّدر، و انفتحت عين البصيرة، و عاين حسن تدبير اللّه، فينزع السّخط و التّضجّر، لأنّ انشراح الصّدر؛ يتضمن حلاوة الحب، و فعل المحبوب، بموقع الرّضا عند المحبّ الصّادق، لأنّ المحبّ يرى أنّ الفعل من المحبوب مراده و اختياره، فيفنى في لذّة اختيار المحبوب عن اختيار نفسه.

و قال بعض العارفين: الرّضا عن اللّه باب اللّه الأعظم و جنّة الدّنيا و لذّة العارفين، و الرّاضون عن اللّه في الجنّة، و هم في الدّنيا راضون عنه؛ متلذّذون بمجاري أقضيته، سليمة صدورهم من الغل، مطهّرة قلوبهم عن الفساد، لا يتحاسدون و لا يتباغضون. انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث ذكره في «الجامع»، و قال: أخرجه ابن عساكر في «تاريخه»، عن عائشة (رضي الله عنها).

47

234- «من سرّته حسنته و ساءته سيّئته .. فهو مؤمن».

234- ( «من سرّته حسنته)؛ أي: فرح بها لكونه راجيا ثوابها موقنا بنفعها، (و ساءته سيّئته)؛ أي: حصل له همّ و غمّ بارتكابها؛ (فهو مؤمن») كامل الإيمان، لأنّ هذا شأن من أيقن أنّ اللّه تعالى لا يخفى عليه شي‏ء، و أنّه يجازيه بعمله، و أمّا من لا يرى للحسنة فائدة و لا للمعصية آفة؛ فذلك يكون من استحكام الغافلة على قلبه، فإيمانه ناقص، و لهذا قال ابن مسعود- فيما خرّجه الحكيم التّرمذي-:

بأنّ المؤمن إذا أذنب فكأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه فتقتله، و المنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه.

فعلامة المؤمن أن توجعه المعصية حتّى يسهر ليله فيما حلّ بقلبه من وجع الذّنب، و يقع في العويل كالّذي فارق محبوبه من الخلق بموت أو غيره، فيتفجّع لفراقه فيقع في النّحيب.

نعم السّرور بالحسنة مقيّد في أخبار أخر؛ بأنّ شرطه أن لا ينتهي إلى العجب بها، فيسرّ بما يرى من طاعته فيطمئنّ بأفعاله؛ غافلا عن منّة اللّه فيها، فيكون قد انصرف عن اللّه إلى نفسه العاجزة الحقيرة الضّعيفة الأمّارة اللّوّامة، فيهلك. و لهذا قال بعض العارفين: ذنب يوصل العبد إلى اللّه تعالى خير من عبادة تصرفه عنه، و خطيئة تفقره إلى اللّه خير من طاعة تغنيه عن اللّه تعالى.

معصية أورثت افتقارا * * * خير من الطّاعة و استكبارا

و الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق»، و السيوطي في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير»؛ عن أبي موسى الأشعري بإسناد ضعيف.

و رواه الطّبراني عن أبي أمامة باللّفظ المذكور، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. و أخرجه النّسائي في «الكبرى» باللفظ المزبور؛ عن عمر، فساق‏

48

235- «من صمت .. نجا».

بإسناده إلى جابر بن سمرة: أنّ عمر خطب النّاس فقال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من سرّته ...» الخ.

قال الحافظ العراقي في «أماليه»: صحيح على شرط الشّيخين.

و أخرجه أحمد في «المسند» بلفظ: «من ساءته سيّئته و سرّته حسنته فهو مؤمن» قال- أعني العراقي-: حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع».

235- ( «من صمت)؛ أي: سكت عن النطق بما لا يعنيه، أي:

ما لا ثواب فيه، (نجا») من العقاب و العتاب يوم المآب، و لذا قال صلى اللّه عليه و سلم: «كفّ عنك هذا، و هل يكبّ النّاس ...» الحديث، و لذا جعل للّسان حبسان: الأسنان و الشّفتان.

قال الغزالي: هذا من فصل الخطاب و جوامع كلمه صلى اللّه عليه و سلم، و جواهر حكمه، و لا يعرف ما تحت كلماته من بحار المعاني؛ إلّا خواصّ العلماء، و ذلك أنّ خطر اللّسان عظيم، و آفاته كثيرة؛ من نحو كذب، و غيبة، و نميمة، و رياء، و نفاق، و فحش، و مراء، و تزكية نفس، و خوض في باطل، و مع ذلك إنّ النّفس تميل إليها لأنها سبّاقة إلى اللّسان، و لها حلاوة في القلب، و عليها بواعث من الطّبع و الشّيطان، فالخائض فيها قلّما يقدر على أن يلزم لسانه، فيطلقه فيما يحبّ، و يكفّه عما لا يحبّ، ففي الخوض خطر، و في الصّمت سلامة؛ مع ما فيه من جمع الهمّ، و دوام الوقار، و إفراغ الفكر للعبادة، و الذكر، و السّلامة من تبعات القول في الدّنيا، و من حسابه في الآخرة.

قال ابن حجر (رحمه الله تعالى): الأحاديث الواردة في الصمت و فضله؛ ك «من صمت نجا»، و حديث ابن أبي الدّنيا بسند رجاله ثقات: «أيسر العبادة الصّمت»!! لا تعارض حديث ابن عباس الّذي جزم بقضيّته الشّيخ في «التّنبيه» من النّهي عن صمت يوم إلى اللّيل، لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصّمت المرغّب فيه‏

49

236- «من ضمن لي ما بين لحييه، و ما بين رجليه ضمنت له على اللّه الجنّة».

ترك الكلام الباطل، و كذا المباح؛ إن جرّ إليه، و الصّمت المنهيّ عنه ترك الكلام في الحقّ لمن يستطيعه، و كذا المباح المستوي الطّرفين. انتهى مناوي على «الجامع الصغير».

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، و التّرمذي في الزّهد؛ عن ابن عمرو بن العاص، و قال: غريب لا نعرفه، إلّا من حديث ابن لهيعة.

قال النّووي في «الأذكار» بعد ما عزاه للتّرمذي: إسناده ضعيف، و إنّما ذكرته!! لأبيّنه لكونه مشهورا.

و قال الزّين العراقي: سند التّرمذي ضعيف، و هو عند الطّبراني بسند جيّد.

و قال المنذري: رواة الطّبراني ثقات. انتهى. و قال ابن حجر: رواته ثقات.

انتهى مناوي على «الجامع».

236- ( «من ضمن لي)- من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية، فأطلق الضّمان و أراد لازمه و هو أداء الحقّ الّذي عليه-

(ما بين لحييه)؛ بفتح اللّام و سكون المهملة، و التّثنية: هما العظمان بجانبي الفمّ، و أراد بما بينهما اللّسان و ما يتأتّى به النّطق.

(و ما بين رجليه)؛ أي: الفرج، ترك التّصريح به استهجانا له و استحياء، لأنّه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها.

و المعنى: من أدّى الحقّ الّذي على لسانه، من النّطق بما يجب عليه أو الصّمت عما لا يعنيه، و أدّى الحقّ الّذي على فرجه من وضعه في الحلال، و كفّه عن الحرام.

(ضمنت له على اللّه الجنّة») أي: دخوله إياها؛ قاله الحافظ و غيره.

و قال الدّاودي أحمد بن نصر المالكي: المراد بما بين اللّحيين الفم بتمامه،

50

..........

فيتناول الأقوال كلّها و الأكل و الشّرب و سائر ما يتأتّى بالفم من النّطق، و الفعل؛ كتقبيل و عضّ و شتم.

قال- أعني الدّاودي-: و من تحفّظ من ذلك أمن من الشرّ كلّه، لأنّه لم يبق إلّا السّمع و البصر. قال الحافظ: و خفي عليه أنّه بقي البطش باليدين؛ و إنّما محمل الحديث على أنّ النّطق باللّسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلّا في خير سلم.

و قال ابن بطّال: دلّ الحديث على أنّ أعظم البلايا على المرء في الدّنيا لسانه و فرجه، فمن وقي شرّهما وقي أعظم الشّرّ. انتهى. يعني فخصّهما بالذكر لذلك.

و قال الطّيبي أصل الكلام: من يحفظ ما بين لحييه من اللّسان و الفم فيما لا يعنيه من الكلام و الطّعام يدخل الجنّة، فأراد أن يؤكّد الوعد تأكيدا بليغا، فأبرزه في صورة التّمثيل ليشير بأنّه واجب الأداء؛ فشبّه صورة حفظ المؤمن نفسه، بما وجب عليه من أمر النّبي صلى اللّه عليه و سلم و نهيه، و شبّه ما يترتّب عليه من الفوز بالجنّة، و أنّه واجب على اللّه تعالى بحسب الوعد أداؤه، و أنّه صلى اللّه عليه و سلم هو الواسطة و الشّفيع بينه و بين اللّه تعالى بصورة شخص له حقّ واجب الأداء على آخر، فيقوم به ضامن منّا يتكفّل له بأداء حقّه، و أدخل المشبّه في جنس صورة المشبّه به، و جعله فردا من أفراده، ثمّ ترك المشبّه به، و جعل القرينة الدّالة عليه ما يستعمل فيه من الضّمان؛ و نحوه في التمثيل‏ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [111/ التوبة] انتهى. شرح الزّرقاني على «المواهب»، و شروح «الجامع الصغير».

و الحديث ذكره في «كشف الخفا»، و في «المواهب» و قالا: رواه جماعة؛ منهم العسكري عن جابر بهذا اللّفظ مرفوعا.

و أخرجه البخاري في «الرّقاق» و «المحاربين»، و التّرمذيّ في «الزّهد»؛ و قال: حسن صحيح غريب؛ كلاهما عن سهل بن سعد السّاعدي بلفظ:

51

237- «من عمل بما علم .. ورّثه اللّه علم ما لم يعلم».

«من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنّة». و في لفظ عند الطّبراني بسند جيد؛ عن أبي رافع: «من توكّل لي ما بين فقميه و رجليه أتوكّل له بالجنّة»، و في لفظ آخر: «من تكفّل لي تكفّلت له». و تكلّم عليها العسكري.

و روى التّرمذي و ابن حبّان و الحاكم؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه):

«من وقاه اللّه شرّ ما بين لحييه و شرّ ما بين رجليه دخل الجنّة»، و في لفظ عنه «من حفظ ما بين لحييه».

و للدّيلمي و البيهقي بسند ضعيف؛ عن أنس رفعه:

«من وقي شرّ قبقبه و ذبذبه و لقلقه وجبت له الجنّة».

و لفظ الإحياء «فقد وقي»؛ بدل «وجبت له الجنّة».

و في الباب عن ابن عبّاس و آخرين.

«و قبقبه»- بقافين مفتوحتين و موحدتين؛ أولاهما ساكنة-: البطن؛ من القبقبة، و هي صوت يسمع من البطن.

«و ذبذبه»- بذالين معجمتين مفتوحتين و موحّدتين؛ أولاهما ساكنة-:

الذكر.

«و لقلقه»- بلامين مفتوحتين و قافين؛ أولاهما ساكنة-: اللّسان، و يجوز أن يكون القبقبة كناية عن أكل الحرام؛ و في هذا كلّه تحذير عظيم من شهوتي البطن و الفرج، و أنّهما مهلكة و لا يقدر على كسر شهوتهما إلّا الصّدّيقون. انتهى «كشف الخفا»، و زرقاني على «المواهب».

237- ( «من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم») أي: العلم اللّدنيّ، الّذي هو موهبة من اللّه؛ يدرك به العبد ما للنفس من الحظوظ، و ما للحقّ من الحقوق، فيترك ما لها من الحظوظ، و يقوم بما للحقّ من الحقوق، و هو معنى قول‏

52

..........

البعض «أراد به: إلهامه علم ما لم يتعلّم من مزيد معرفة اللّه تعالى، و خدع النّفس و الشّيطان، غرور الدّنيا و آفات العمل؛ من نحو عجب و رياء و كبر، و رياضة النّفس و تهذيبها، و تحمّل الصّبر على مرّ القضاء، و الشّكر على النّعماء، و الثّقة بما وعد، و التّوكّل عليه، و تحمّل أذى الخلق».

و قد ثبت أنّ دقائق علوم الصّوفيّة منح إلهيّة، و مواهب اختصاصيّة؛ لا تنال بمعتاد الطلب.

فلزم مراعاة وجه تحصيل ذلك؛ و هو ثلاث:

الأوّل: العمل بما علم على قدر الاستطاعة.

الثّاني: اللجأ إلى اللّه تعالى على قدر الهمّة.

الثّالث: إطلاق النّظر في المعاني حال الرجوع لأهل السّنّة، ليحصل الفهم و ينتفي الخطأ، و يتيسّر الفتح.

و قد أشار لذلك الجنيد بقوله: ما أخذنا التّصوّف عن القيل و القال، و المراء و الجدال، بل عن الجوع و السّهر و لزوم الأعمال.

قال الغزالي: من انكشف له و لو الشي‏ء اليسير؛ بطريق الإلهام و الوقوع في القلب من حيث لا يدري؛ فقد صار عارفا بصحّة الطّريق، و من لم ير ذلك من نفسه! فينبغي أن يؤمن به، فإنّ درجة المعرفة عزيزة جدا.

و يشهد لذلك شواهد الشّرع و التّجارب و الوقائع، فكلّ حكم يظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلّم؛ فهو بطريق الكشف و الإلهام.

و قال حجّة الإسلام: يتعيّن أن يكون أكثر الاهتمام بعلم الباطن، و مراقبة القلب، و معرفة طريق الآخرة و سلوكه، و صدق الرّجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة و المراقبة، فإنّ المجاهدة تقضي إلى المشاهدة، فجاهد تشاهد دقائق علم القلوب، و تنفجر منها ينابيع الحكمة من القلب.

53

..........

أما الكتب في التعليم فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر و الحدّ، إنّما تنفتح بالمجاهدة، قال: و كم من متعلم طال تعلّمه، و لم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، و كم من مقتصر على المهمّ في التّعلّم، و متوفّر على العمل، و مراقبة القلب؛ فتح اللّه [له‏] (1) من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. انتهى.

هذا؛ و قد سئل الشيخ عز الدين عن معنى قوله صلى اللّه عليه و سلم «من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم»: و ما العلم الّذي إذا عمل به ورث؟، و ما العلم الموروث؟، و ما صفة التّوريث؛ أ هو العلم أو غيره؟! فبعض النّاس قال: إنّما هذا مخصوص بالعالم- يعني: أنّه إذا عمل بعلمه ورّث ما لم يعلم، بأن يوفّق و يسدّد إذا نظر في الوقائع-، فهل يصحّ هذا الكلام أم لا.

أجاب: معنى الحديث أنّ من عمل بما يعلمه، من واجبات الشّرع و مندوباته، و اجتناب مكروهاته و محرماته؛ أورثه اللّه من العلم الإلهي ما لم يعلمه من ذلك، كقوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [69/ العنكبوت‏]. هذا هو الظّاهر من الحديث المتبادر إلى الفهم، و لا يجوز حمله على أهل النّظر في علوم الشّرع، لأنّ ذلك تخصيص للحديث بغير دليل، و إذا حمل على ظاهره و عمومه دخل فيه الفقهاء و غيرهم. انتهى.

و قال الإمام مالك: علم الباطن لا يعرفه إلّا من عرف علم الظّاهر، فمن علم الظّاهر و عمل به فتح اللّه عليه علم الباطن، و لا يكون ذلك إلّا مع فتح قلبه و تنويره.

و قال: ليس العلم بكثرة الرّواية، و إنّما العلم نور يقذفه اللّه في القلب. يشير إلى علم الباطن.

قال يحيى بن معاذ: التقى ابن أبي الحواري و أحمد بن حنبل، فقال أحمد:

حدّثنا بحكاية سمعتها من أستاذك الدّاراني. فقال: يا أحمد؛ قل: سبحان اللّه و طوّلها بلا عجب. قال: سبحان اللّه و طوّلها بلا عجب.

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

54

238- «من غشّنا .. فليس منّا».

قال: سمعته يقول: إذا اعتقدت النّفس على ترك الآثام جالت في الملكوت، و عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة؛ من غير أن يؤدي إليها عالم علما.

فقام أحمد و قعد «ثلاثا»؛ و قال: ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب من هذه. ثمّ ذكر حديث «من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم».

قال التّونسيّ: اجتمع العارف علي وفا و الإمام البلقيني، فتكلّم عليّ معه بعلوم بهرت عقله. فقال البلقيني: من أين لك هذا؛ يا علي! قال: من قوله تعالى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ‏ [282/ البقرة] فأسكت. انتهى. من شروح «الجامع الصغير».

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق»؛ مرموزا له برمز الطّبراني، و ذكره في «الكشف»، و قال: رواه أبو نعيم؛ عن أنس (رضي الله عنه).

238- ( «من غشّنا)- أي: لم ينصحنا و زيّن لنا غير المصلحة- (فليس منّا») أي: ليس على طريقتنا و منهاجنا، لأن طريقتنا الزّهد في الدّنيا، و الرّغبة عنها، و عدم الرّغبة و الطّمع الباعثين على الغشّ.

قال الطّيبي: لم يرد نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين.

أي: ليس هو على سنّتنا و طريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه‏ (أنا منك) يريد الموافقة و المتابعة، قال تعالى عن إبراهيم (عليه السلام) فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏ [36/ إبراهيم‏].

و هذا قاله صلى اللّه عليه و سلم لمّا مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها؛ فابتلّت أصابعه.

فقال: «ما هذا»! قال: أصابته السماء. قال: «أ فلا جعلته فوق الطّعام ليراه النّاس»! فذكر الحديث.

رواه مسلم في «صحيحه»؛ من حديث أبي هريرة بزيادة: «و من حمل علينا السّلاح فليس منّا». و في رواية له أيضا: «من غشّ فليس منّي».