مكاتيب الأئمة(ع) - ج3

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
340 /
0

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

1

[الجزء الثالث‏]

[هوية الكتاب‏]

مركز بحوث‏

مؤسسة دار الحديث العلميّة الثقافيّة

2

مركز بحوث دار الحديث: 93

احمدى ميانجى، على، 1304- 1380.

مكاتيب الأئمة (عليهم السلام): مكاتيب الإمام الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ (عليهم السلام)/ على الأحمدى الميانجى؛ تحقيق و مراجعه مجتبى فرجى.- قم: دار الحديث، 1426 ق 1384.

ج.- (مركز بحوث دار الحديث؛ 9 مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)؛ 3

(قيمت دوره) 2800 تومان 2- 028- 493- 964:ISBN

فهرست‏نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

كتاب‏نامه به صورت زيرنويس.

1. ائمه اثنا عشر (ع)- نامه‏ها و پيمان‏ها. 2. ائمه اثنا عشر (ع)- وصايا. 3. حسن بن على، امام دوم، 3- 50 ق- نامه‏ها و پيمان‏ها. 4. حسن بن على، امام دوم، 3- 50 ق- وصايا. 5. حسين بن على (عليه السلام)، امام سوم، 4- 61 ق- نامه‏ها و پيمان‏ها.

6. حسين بن على (عليه السلام)، امام سوم، 4- 61 ق- وصايا. 7. على بن حسين (عليه السلام)، 38- 94 ق، نامه‏ها و پيمان‏ها. 8. على بن حسين (عليه السلام)، 38- 94 ق- وصايا. 9. محمّد بن على (عليه السلام)، امام پنجم، 57- 114 ق- نامه‏ها و پيمان‏ها. 10. محمّد بن على (عليه السلام)، امام پنجم، 57- 114 ق- وصايا. الف. فرجى، مجتبى، 1346-، مصحح. ب. عنوان: مكاتيب الإمام الحسن و الحسين و على بن الحسين و محمّد بن على (عليهم السلام). ج. عنوان.

71384 م 13 الف/ 36BP 9/ 792

فهرست‏نويسى پيش از انتشار، توسط كتاب خانه تخصصى دار الحديث قم‏

3

مَكاتيبُ الأَئِمَّةِ (عليهم السلام)

مكاتيب الإمام الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمّد بن علي (عليهم السلام)

عليّ الأحمديّ الميانَجيّ‏

تحقيق و مراجعة

مجتبى فَرَجي‏

الجزء الثالث‏

4

مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)/ ج 3

عليّ الأحمدي الميانجي‏

تحقيق و مراجعة: مجتبى‏ فَرَجي‏

مراجعة النص و استخراج الفهارس: رعد البهبهاني‏

تقويم النصّ: ماجد الصيمري‏

مقابلة النصّ: محمود سپاسي، مصطفى اوجي، علي نقي نگران، حيدر وائلي‏

الإخراج الفني: فخر الدين جليلوند

الناشر: دار الحديث للطباعة و النشر

الطبعة: الاولى، 1426 ق/ 1384 ش‏

المطبعة: دار الحديث‏

الكمية:؟؟؟؟

الثمن:؟؟؟؟

دار الحديث للطباعة و النشر

مؤسسة دار الحديث العلميّة الثقافيّة

دار الحديث للطباعة و النشر: قم، شارع معلّم، قرب ساحة الشهداء، الرقم 125

الهاتف: 7741650 0251- 7740523 0251 ص. ب: 4468/ 37185

شابك: 6- 53- 7489- 964

http:// www. hadith. net

hadith@ hadith. net

الفهرس الاجمالي‏

5

مكاتيب الإمام الحسن بن عليّ الفصل الأوّل: مكاتيبه في حياة أبيه ..... 11

الفصل الثّاني: مكاتيبه بعد شهادة أبيه و قبل الصُّلح ..... 15

الفصل الثّالث: مكاتيبه من الصُّلح حتّى الاستشهاد ..... 37

الفصل الرّابع: في مكاتيبه مجهولة التّاريخ ..... 53

الفصل الخامس: في وصاياه ..... 59

مكاتيب الإمام الحسين بن عليّ الفصل الأوّل: مكاتيبه في عهد معاوية ..... 83

الفصل الثّاني: مكاتيبه في عهد يزيد ..... 105

الفصل الثّالث: المكاتيب المنسوبة إليه (عليه السلام) ..... 147

الفصل الرّابع: مكاتيبه في أُمور شتّى ..... 151

مكاتيب الإمام عليّ بن الحسين الفصل الأوّل: مكاتيبه ..... 159

الفصل الثّاني: المكاتيب الّتي لم يعثر على نصّها و الكتب المنسوبة إليه ..... 213

الفصل الثّالث: وصاياه ..... 217

6

مكاتيب الإمام محمّد بن عليّ الباقر الفصل الأوّل: مكاتيبه العامّة ..... 229

الفصل الثّاني: مكاتيبه الفقهيّة ..... 255

الفصل الثّالث: وصاياه ..... 267

الفصل الرّابع: في ما ينسب إليه ..... 289

7

الحمد للَّه ربِّ العالمين، و الصَّلاة و السّلام على سيّد الأنبياء و المرسلين محمّد و آله الطّاهرين، و اللَّعن على‏ أعدائهم أجمعين إلى يوم الدِّينِ و بعد:

نودّ إعلام القارئ الكريم بأنّ المجلّد هو الجزء الثالث من كتاب «مكاتيب الأئمّة»، و هو يضمّ بين دفّتيه مكاتيب أربعة من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، و هم:

1- الإمام الحسن (عليه السلام)

2- الإمام الحسين (عليه السلام)

3- الإمام السجّاد (عليه السلام)

4- الإمام الباقر (عليه السلام)

و من الطبيعي أنّ الظروف التي عاشها هؤلاء الأئمّة كانت متباينة تبعاً لحالة المخاض التي كانت تمرّ بها الأمّة و ما شهدته من تقلّبات و ثورات، فكانت النتيجة أنّ هذه المكاتيب جاءت مختلفة و متنوّعة في موضوعاتها و معطياتها و صيغها الخطابيّة.

و غاية أملنا أن نستلهم و يستلهم معنا القارئ الكريم من المضامين السامية النبيلة التي وردت في هذه المكاتيب.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مكاتيب الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام)

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفصل الأوّل: مكاتيبه في حياة أبيه مكاتيبه (عليه السلام) في حياة أبيه (عليه السلام)

1 كتابُه (عليه السلام) في قوَّة الإيمان‏

في تفسير فرات الكوفيّ: قال: حدَّثني عليّ بن الحسين (عليه السلام)- معنعناً-: عن الأصبغ بن نباتة (1)، قال: كتب عبد اللَّه بن جُندب‏ (2) إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):

____________

(1) أصْبَغُ بنُ نُباتَة

أصبغ بن نباتة التّمِيمي الحنظليّ المُجاشِعيّ. كان من خاصّة الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، و من الوجوه البارزة بين أصحابه، و أحد ثقاته (عليه السلام)، و هو مشهور بثباته و استقامته على حبّه (عليه السلام). وصفته النُّصوص التّاريخيّة القديمة بأنّه شيعيّ، و أنّه مشهور بحبّ عليّ (عليه السلام). و كان من شرطة الخميس، و من امرائهم. عاهد الإمام (عليه السلام) على التّضحية و الفداء و الاستشهاد.

و شهد معه الجمل، و صفِّين. و كان معدوداً في أنصاره الأوفياء المخلصين. و هو الَّذي روى عهده إلى مالك الأشْتَر؛ ذلك العهد العظيم الخالد!

و كان من القلائل الّذين اذن لهم بالحضور عند الإمام (عليه السلام) بعد ضربته. و عُدّ الأصبغ في أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام) أيضاً. (راجع: رجال الطّوسي: ص 93 الرّقم 919، تهذيب المقال: ج 1 ص 198- 204).

(2) أقول: الصَّحيح جندب بن عبد اللَّه، و عبد اللَّه بن جندب من أصحاب الكاظم و الرّضا (عليهما السلام)، و لا يوجد في أصحاب عليّ (عليه السلام) من اسمه عبد اللَّه بن جندب، و قد عنونه كتب المعاجم و الرّجال و التّاريخ كقاموس الرّجال ج: 2، و معجم الحديث ج 4، و تنقيح المقال: ج 1، و أعيان الشّيعة ج 4، و الإصابة ج 1، و أسد الغابة: ج 1. و روى هذا الكتاب عن الإمام الرّضا (عليه السلام) كتبه إلى عبد اللَّه جندب، راجع: مكاتيب الإمام الرّضا (عليه السلام): ص 156.

12

جعلتُ فِداك إنِّي‏ (1) فيَّ ضَعف، فقوِّني.

قال: فأمر عليّ الحسن ابنه أنْ: اكتب إليه كتاباً، قال: فكتب الحسن (عليه السلام):

في علم أهل البيت (عليهم السلام) و صفة شيعتهم‏

«إنَّ محمَّداً (صلى الله عليه و آله) كان أمينَ اللَّهِ في أرضِهِ فَلَمَّا أن قُبِضَ مُحمَّدٌ (صلى الله عليه و آله)، وكنَّا أهلَ بيتهِ، فنحنُ أمناءُ اللَّهِ في أرضهِ، عندنا علمُ المنايا والبلايا، وإنَّا لنَعرِفُ الرّجُلَ إذا رأيناهُ بِحقيقَةِ الإيمانِ وحقيقَةِ النِّفاقِ، وإنَّ شيعَتنا لَمعروفونَ بأسمائِهم وأنسابِهم، أخذَ اللَّهُ الميثاقَ علينا وعلَيهِم‏

(2)

، يَرِدونَ مَوارِدَنا ويَدخُلونَ مَداخِلَنا، لَيسَ على مِلَّةِ أبينا إبراهيمَ غَيرُنا وغَيرُهُم، إنَّا يَومَ القِيامَةِ آخِذينَ بِحُجزَةِ نَبيِّنا، وإنَّ نبيَّنا آخِذٌ بِحُجزَةِ النُّورِ، وإنَّ شِيعَتَنا آخذون‏

(3)

بِحُجزَتِنا.

مَن فَارَقَنا هلَكَ، ومَن اتَّبعَنا لَحِقَ بِنا، والتَّاركُ لِوِلايَتِنا كافِرٌ، والمُتَّبِعُ لِوِلايَتِنا مُؤمِنٌ، لا يُحِبُّنا كافِرٌ ولا يُبغِضُنا مُؤمِنٌ، ومَن ماتَ وهُوَ مُحِبُّنا كان حَقّاً علَى اللَّهِ أنْ يبعَثَهُ مَعَنا.

نحنُ نورٌ لِمَن تَبِعَنا، وهُدىً لِمَن اقْتدى‏ بِنا، ومَن رَغِبَ عَنَّا فليسَ مِنَّا، ومَن لَم يَكُن مِنَّا فَلَيسَ مِنَ الإسلامِ في شَي‏ءٍ.

بِنا فَتَحَ اللَّهُ الدِّينَ، وبِنا يَختِمُهُ، وبِنا أطعَمَكُم اللَّهُ عُشبَ الأَرضِ، وبِنا مَنَّ اللَّهُ‏

____________

(1) في نسخة: «إنّ» بدل «إنّي».

(2) وفي نسخة: «منّا، ومنهم».

(3) في المصدر: «آخذين» وما أثبتناه هو الصحيح، كما في‏بحار الأنوار.

13

علَيكُم‏

(1)

مِنَ الغَرَقِ، وبِنا يُنقِذُكُمُ اللَّهُ في حَياتِكُم وفِي قُبورِكُم وفي مَحشَرِكُم وَعِندَ الصِّراطِ والميزانِ، وعِندَ ورودكم الجِنانَ.

مثل أهل البيت (عليهم السلام) في الكتاب‏

وإنَّ مَثلنا في كتابِ اللَّهِ كمَثَلِ المِشْكوةِ، والمِشكوةُ هِيَ القِندِيلُ، وفِينا المِصباحُ، والمِصباحُ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله) وأَهلُ بَيتِهِ، والمِصباحُ في زُجاجَةٍ «الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ»، عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) «لا شَرْقِيَّةٍ وَ لَاغَرْبِيَّةٍ»، مَعروفَةٍ لا يَهودِيَّةٍ ولا نَصرانِيَّةٍ، «يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِى ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نورٌ عَلَى‏ نورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ».

(2)

حقُّ وليِّهم (عليهم السلام)

وحَقِيقٌ علَى اللَّهِ أنْ يأتي وليُّنا يَومَ القِيامَةِ مُشرِقاً وَجهُهُ، نَيِّراً بُرهانُهُ، عَظِيمَةً عِندَ اللَّهِ تعالى حُجَّتُهُ، وحَقيقٌ علَى اللَّهِ أن يَجعَلَ وليَّنا رَفِيقَ الأنبِياءِ والشُّهَداءِ والصِّدِّيقينَ والصَّالِحينَ، وحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً

. جزاء عدوِّهم (عليهم السلام)

وحَقِيقٌ علَى اللَّهِ أن يَجعَلَ عَدُوَّنا والجاحِدَ لِوِلايَتِنا رَفيقَ الشَّياطينِ والكافِرينَ، وبِئسَ أُولئِكَ رَفيقاً

. منزلة شهداء أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم‏

ولِشَهيدِنا فَضلٌ علَى شُهَداءِ غَيرِنا بِعَشرِ دَرَجاتٍ، ولِشَهيدِ شِيعَتِنا فَضلٌ علَى‏

____________

(1) و في نسخة: «آمنكم اللَّه».

(2) النّور: 35.

14

شَهيدِ

(1)

غَيرِ شيعَتِنا بِسَبعِ دَرَجاتٍ‏

. من صفاتهم (عليهم السلام)

فَنَحنُ النُّجَباءُ، ونَحنُ أفراطُ الأَنبِياءِ، ونَحنُ خُلَفاءُ الأَرضِ، ونَحنُ المَخصوصونَ‏

(2)

في كِتابِ اللَّهِ، ونَحنُ أَولى النَّاسِ بِنَبيِّ اللَّهِ، ونَحنُ الَّذين شَرَعَ اللَّهُ لَنا الدِّينَ، فَقالَ في كِتابِهِ: «شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحًا وَ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَ اهِيمَ وَ مُوسَى‏ وَ عِيسَى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَ لَاتَتَفَرَّقُوا فِيهِ»، وكونوا علَى جَماعَةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله)، «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ»

(3)

.

(4)

____________

(1) و في نسخة «الشُّهداء».

(2) و في نسخة «المخلِصون».

(3) الشّورى‏: 13.

(4). تفسير فرات الكوفي: ص 285 ح 385، بحار الأنوار: ج 23 ص 313 ح 20 و راجع: تفسير القمي: ج 2 ص 104، تأويل الآيات الظاهرة: ج 1 ص 360 ح 6 كلاهما عن الإمام الرّضا (عليه السلام).

15

الفصل الثّاني: مكاتيبه (عليه السلام) بعد شهادة أبيه (عليه السلام) و قبل الصُّلح‏

2 كتابُه (عليه السلام) إلى الحسين (عليه السلام) ينعى‏ أباه‏

قال البلاذريّ: قالوا: و كان الحسين (عليه السلام) بالمدائن، قد قدَّمه أبوه إليها، و هو يريد المسير إلى الشَّام، فكتب إليه الحسن بما حدث من أمر أبيه مع زحر بن قيس الجعفيّ، فلمَّا أتاه زحر بالكتاب انصرف بالنَّاس إلى الكوفة ... (1)

و في الكافي:

عدَّةٌ من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد بن خالد، عن إسماعيل بن مِهْرَان، عن سَيْف بن عُمَيرَة، عن عَمْرو بنِ شِمْرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الولِيد الجُعْفِيِّ، عن رجل، عن أبيه، قال: لمَّا أُصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) نَعى‏ الحسنُ إلى الحسين (عليهما السلام)، و هو بالمدائن، فلمَّا قرأ الكتاب، قال- الحسين (عليه السلام)-:

يا لها من مصيبة ما أعظمها، مع أنَّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: من أُصيب منكم بمصيبة فليذكر مُصابَه بي، فإنَّه لن يُصاب بمصيبة أعظم منها، وصَدَق (صلى الله عليه و آله).

(2)

____________

(1). أنساب الأشراف: ج 3 ص 258.

(2). الكافي: ج 3 ص 220 ح مسكّن الفؤاد: ص 110، بحار الأنوار: ج 42 ص 247 وج 82 ص 143.

16

3 كتابُه (عليه السلام) إلى معاوية في تحذيره و إنظاره‏

كتاب كتبه (عليه السلام) إلى معاوية (1) بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام)- و قد بايعه النَّاس- و هو:

____________

(1) معاوية

في أسد الغابة: معاوية بن صَخْر بن حَرْب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القُرَشيّ الامويّ، و هو معاوية بن أبي سفيان، و أُمّه هند بنت عُتْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه و أمّه في: عبد شمس. و كنيته أبو عبد الرحمن.

أسلم هو و أبوه و أخوه يزيد و أمّه هند في الفتح، و كان معاوية يقول: إنّه أسلم عام القَضِية ... و كان هو و أبوه من المؤلفة قلوبهم ...

و لمّا سيّر أبو بكر الجيوش إلى الشّام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلمّا مات يزيد استخلفه على عمله بالشّام، و هو دمشق.

أخبرنا يحيى‏ بن محمود و غيره بإسنادهما عن مسلم قال: أخبرنا محمّد بن مثنى‏ و محمّد بن بشَّار- و اللفظ لابن مثنى‏- حدّثنا أميّة بن خالد حدّثنا شعبة، عن أبي حَمزَة القَصّاب، عن ابن عبّاس قال:

كنت ألعبُ مع الصبيان، فجاء رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فتواريتُ خلف باب، قال: فجاء فَحَطأني حَطأة (الحَطأة: لا تكون إلّا ضَرْبة بالكَفّ بين الكَتِفَيْن أو على الصّدر أو على الكَتِد.) و قال:

اذْهَب فادْعُ لي معاوية.

قال: فجئت فقلت: هو يأكل. ثمّ قال:

اذْهَب فادْعُ لي معاوية.

قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال:

لا أشْبَع اللَّهَ بطْنَه.

و لم يزل والياً على ما كان أخوه يتولاه بالشّام خلافة عمر، فلمّا استُخلف عثمان جمع له الشّام جميعه. و لم يزل كذلك إلى أن قتل عثمان، فانفرد بالشّام، و لم يبايع عليّاً، و أظهر الطلب بدم عثمان، فكان وقعةُ صفّين بينه و بين عليّ، و هي مشهورة ...

ثمّ لمّا قتل عليّ و استخلِف الحسن بن عليّ، سار معاوية إلى العراق، و سار إليه الحسن بن عليّ، فلمّا رأى الحسن الفتنة، و أن الأمر عظيم تُرَاق فيه الدّماء، و رأى اختلاف أهل العراق، سلّم الأمر إلى معاوية، و عاد إلى المدينة، و تسلم معاوية العراق، و أتى‏ الكوفة فبايعه النّاس و اجتمعوا عليه، فَسُمِّي عام الجماعة.

فبقي خليفة عشرين سنة، و أميراً عشرين سنة، لأنّه ولي دمشق أربع سنين من خلافة عمر، و اثنتي عشرة سنة خلافة عثمان مع ما أضاف إليه من باقي الشّام، و أربع سنين تقريباً أيّام خلافة عليّ، و ستّة أشهر خلافة الحسن، و سلم إليه الحسن الخلافة سنة إحدى‏ و أربعين، و قيل سنة أربعين.

و توفي معاوية في النّصف من رجب سنة ستّين، و هو ابن ثمان و سبعين سنة، و قيل ابن ستّ و ثمانين سنة، و قيل: توفي يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة تسع و خمسين، و هو ابن اثنتين و ثمانين سنة، و الأصحّ في وفاته أنّها سنة ستّين ...

و لمّا نزل به الموت، قال: ليتني كنت رجلًا من قريش بذي طُوى‏، و إنّي لم أَل من هذا الأَمر شيئاً. (أُسد الغابة: ج 5 ص 201 الرقم 4984 و راجع: التاريخ الكبير للبخاري: ج 5 ص 240 وج 7 ص 327، تاريخ بغداد:

ج 1 ص 207 وج 7 ص 54، الطبقات الكبرى‏: ج 1 و 2، حلية الأولياء: ج 8 ص 358 و ...).

17

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

مِن عَبدِاللَّهِ الحَسَنِ أميرِ المؤمِنينَ إلى مُعاوِيَةَ بنِ صَخرٍ:

أمَّا بَعدُ؛ فإنَّ اللَّهَ بعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) رَحمَةً للعالَمينَ، فأظهَرَ بهِ الحَقَّ، ورَفَعَ بهِ الباطِلَ، وأذلَّ بهِ أهلَ الشِّركِ، وأعزَّ بهِ العَرَبَ عامَّةً، وشَرَّفَ بهِ مَن شاءَ مِنهُم خاصَّةً، فَقالَ تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ»

(1)

، فلمَّا قَبضَهُ اللَّهُ تعالى تَنازَعَتِ العَرَبُ الأمرَ بَعدَهُ، فَقالَت الأَنصارُ: مِنَّا أميرٌ ومِنكُم أمِيرٌ؛ وقالَت قُرَيشٌ: نَحنُ أولياؤهُ وَعشيرَتُهُ، فلا تُنازِعوا سُلطانَهُ، فَعَرفَتِ العَرَبُ ذَلِكَ لِقُريشٍ، ونَحنُ الآنَ أولياؤُهُ وذَووا القُربى‏ مِنهُ. وجاحَدَتنا قُرَيشٌ ما عَرَفَت لَها العَرَبُ، فَهَيهاتَ! ما أَنصَفَتنا قُرَيشٌ، وقد كانوا ذوي فَضيلَةٍ في الدِّينِ، وسابِقَةٍ في الإسلامِ.

(2)

ولا غَروَ

(3)

، أنَّ مُنازعَتَكَ إيَّانا بِغَيرِ حقٍّ في الدِّين مَعروفٍ، ولا أثَرٍ في الإسلامِ‏

____________

(1) الزّخرف: 44.

(2) ما بين المعقوفين نقلناه من‏شرح نهج البلاغةلابن أبي الحديد، والفتوح.

(3) لا غرو: أي لا عجب.

18

مَحمودٌ، والمَوعِدُ اللَّهُ تعالى بَينَنا وبَينَكَ، ونحن نسألُهُ تبارك وتعالَى أنْ لا يُؤتينا في هذهِ الدُّنيا شَيئاً يُنقِصُنا بهِ في الآخِرَةِ.

وبَعدُ؛ فإنَّ أميرَ المُؤمِنينَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ لَمَّا نَزَلَ بهِ المَوتُ ولَّاني هذا الأمرَ مِن بَعدِهِ، فاتَّق اللَّهَ يا مُعاوِيَةُ؛ وانظُر لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله) ما تَحقِنُ بهِ دِماء هُم، وتُصلِحُ بهِ أُمورَهُم، والسَّلامَ.

(1)

و بعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التّيميّ، تَيْم الرِّباب، و جُنْدب الأزديّ، فقدما على معاوية فدعواه إلى بيعة الحسن (عليه السلام) فلم يجبهما. (2)

و كتب معاوية جوابه برواية المناقب:

فهمت ما ذكرت به محمَّداً (صلى الله عليه و آله)، و هو أحقُّ الأوَّلين و الآخرين بالفضل كُلِّهِ، و ذكرتَ تَنازُعَ المُسلِمينَ الأمرَ مِن بَعدِهِ، فَصرَّحتَ بِنَميمَةِ فُلانٍ و فلانٍ و أبي عُبيدَةَ و غَيرِهِم، فَكَرِهتُ ذلِكَ لَكَ، لِأنَّ الأُمَّةَ قَد عَلِمَت أنَّ قُريشاً أحَقُّ بِها، و قَد عَلِمتَ ما جرى‏ مِن أمرِ الحَكَمَينِ فكيف تدعوني إلى أمر، إنَّما تَطلُبهُ بِحَقِّ أَبيكَ و قد خَرجَ أبوك مِنهُ. (3)

نصّ آخر على رواية ابن أعثم:

أمَّا بَعدُ؛ فَقَد فَهِمتُ كِتابَكَ و ما ذَكرتَ بهِ مُحمَّداً (صلى الله عليه و آله)، و هُو خيرُ الأوَّلِينَ و الآخِرينَ فالفَضْلُ كُلّهُ فيهِ (صلى الله عليه و آله)؛ و ذَكَرتَ تَنازُعَ المُسلِمينَ الأمرَ مِن بَعدِهِ، فصرَّحْتَ مِنهم بأبي بكرٍ الصّدِّيق، و عُمَرَ الفاروقِ، و أبي عُبيدَةَ الأَمينِ، و طَلحَةَ، و الزُّبيرِ، و صُلَحاءِ

____________

(1). كشف الغمّة: ج 2 ص 196، بحار الأنوار: ج 44 ص 54 ح 6 و المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 31، أعيان الشّيعة: ج 1 ص 567، معادن الحكمة: ج 2 ص جمهرة رسائل العرب: ج 2 ص 12؛ مقاتل الطّالبيين:

ص 65، الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 284، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 24 كلّها نحوه.

(2). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 25.

(3). المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 31.

19

المُهاجِرينَ، و كَرِهتُ ذلِكَ لَكَ أبا مُحمَّدٍ، و ذلِكَ أنَّ الأُمَّةَ لمَّا تنازَعَتِ الأمرَ مِن بَعدِ نَبيِّها مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله) عَلِمَت أنَّ قُريشاً أَحَقُّها بِهذا الشَّأنِ؛ لِمَكانِ نَبِيِّها منها؛ ثمَّ رَأت قُرَيشٌ وَ الأنصارُ وَ ذَوو الفَضلِ و الدِّينِ مِنَ المُسلِمينَ أنْ يُوَلُّوا هذا الأمرَ أَعلَمَها بِاللَّهِ، و أخشاها لَهُ، وَ أَقدَمَها إسلاماً، فاختاروا أبا بكرٍ الصدِّيقَ وَ لَو عَلِموا مَكانَ رَجُلٍ هُوَ أفضَلُ مِن أبي بَكرٍ يَقومُ مَقامَهُ و يَذُبُّ عَن حَوزَةِ الإسلامِ كَذَبِّهِ لَما عَدَلوا ذلِكَ عَنهُ، فالحالُ بَيني وَ بَينَكَ علَى ما كانوا عَلَيهِ، وَ لَو عَلِمتُ أنَّكَ أضبَطُ لِأمرِ الرَّعيَّةِ وَ أحوَطُ علَى هذهِ الأُمَّةِ، وَ أَحسنُ سِياسَةً، و أكيَدُ لِلعَدُوِّ، و أَقوَى‏ علَى جَميعِ الأُمورِ، لَسلَّمتُ لَكَ هذا الأمرَ بَعدَ أَبيكَ، لِأنِّي قَد عَلِمتُ بِأنَّكَ إنَّما تَدَّعي ما تدَّعيهِ نَحوَ أبيكَ، وَ قَد عَلِمتَ أنَّ أباكَ سارَ إلينا فَحارَبَنا، ثُمَّ صارَ مِن أمرِهِ إلى أنِ اختارَ رَجُلًا وَ اختَرنا رَجُلًا، لِيحكُما بِما يَصلُحُ عَلَيهِ أمرُ الأُمَّةِ، وَ تَعودُ بهِ الأُلفَةُ وَ الجَماعَةُ، وَ أَخَذنا على الحَكَمَينِ بِذلِكَ عَهدَ اللَّهِ وَ ميثاقَهُ، و أخَذا مِنَّا مِثلَ ذلِكَ على الرِّضى‏ بما حَكَما، ثمَّ أنَّهما اتَّفقا على خَلعِ أبيكَ فَخَلَعاهُ، فَكَيفَ تَدعوني إلى أمرٍ إنَّما تَطلُبُهُ بِحَقِّ أَبيكَ، وَ قَد خَرَجَ أَبوكَ مِنه؟ فانظُر لِنَفسِكَ أبا مُحَمَّدٍ و لدِينِكَ، و السَّلامُ. (1)

نصّ آخر على رواية ابن أبي الحديد:

أمَّا بَعدُ؛ فَقَد فَهِمتُ ما ذَكرتَ بهِ رَسولَ اللَّهِ، وَ هُو أحَقُّ الأوَّلينَ وَ الآخِرينَ بالفَضْلِ كُلِّهِ، وَ ذَكَرتَ تَنازُعَ المُسلِمينَ الأمرَ بَعدَهُ، فَصَرَّحْتَ بِتُهمَةِ أبي بكرٍ الصّدِّيقِ، وَ عُمَرَ، و أبي عُبَيدَةَ الأمينِ، وَ صُلَحاءِ المُهاجِرينَ، فَكَرِهتُ لَكَ ذلِكَ؛ إنَّ الأُمَّةَ لَمَّا تَنازَعَتِ الأمرَ بَينَها رَأت قُريشاً أَخلَقَها (2) بِهِ؛ فَرَأَت قُرَيشٌ و الأنصارُ و ذَوو الفَضلِ وَ الدِّينِ مِنَ المُسلِمينَ أن يُولُّوا مِن قُريشٍ أعلَمَها باللَّهِ، وَ أخشاها لَهُ، وَ أقواها علَى الأمرِ، فاختاروا

____________

(1). الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 285.

(2) أحقّها.

20

أبا بكرٍ و لَم يَألوا، وَ لَو عَلِموا مَكانَ رَجُلٍ غَيرَ أبي بَكرٍ يَقومُ مَقامَهُ وَ يَذُبُّ عَن حَرَمِ الإسلامِ ذَبَّهُ ما عَدَلوا بِالأمرِ إلى أبي بَكرٍ، و الحالُ اليومَ بَيني وَ بَينَكَ عَلى ما كانوا عَلَيهِ، فَلَو عَلِمتُ أنَّكَ أضبَطُ لِأمرِ الرَّعِيَّةِ و أحوَطُ عَلى هذِهِ الأُمَّةِ، و أحسَنُ سِياسَةً، وَ أكيَدُ لِلعدوّ، وَ أَقوى‏ عَلى جَمعِ الفي‏ءِ، لَسَلَّمتُ لَكَ الأمرَ بَعدَ أبيكَ، فَإنَّ أباكَ سَعى عَلى عُثمانَ حَتَّى‏ قُتِلَ مَظلوماً، فَطالَبَ اللَّهُ بِدَمِهِ؛ وَ مَن يَطلُبُهُ اللَّهُ فَلَن يَفوتَهُ.

ثُمَّ ابتزَّ الأمَّةَ أمرَها، وَ فَرَّقَ جَماعَتَها، فَخالَفَهُ نُظراؤُهُ مِن أهلِ السّابِقَةِ و الجِهادِ و القِدَمِ في الإسلامِ، و ادَّعى أنَّهم نَكَثوا بَيعَتَهُ، فَقاتَلَهم فَسُفِكَتِ الدِّماءُ؛ و استُحِلَّتِ الحُرَمُ، ثُمَّ أقبَلَ إلينا لا يَدَّعي عَلينا بيعة؛ وَ لكِنَّهُ يُريدُ أنْ يَملِكَنا اغتِراراً، فَحارَبناهُ و حارَبَنا، ثُمَّ صارَتِ الحَربُ إلى أنِ اختارَ رَجُلًا وَ اختَرنا رَجُلًا، لِيَحكُما بِما تَصلُحُ عَليهِ الأمَّةُ، و تَعودُ بهِ الجَماعَةُ و الأُلفَةُ، وَ أخَذنا بِذلِكَ عَلَيهما مِيثاقاً وَ عَلَيهِ مِثلَهُ وَ علَينا مِثلَهُ، عَلى الرِّضى‏ بِما حَكَما، فَأمضى الحَكَمانِ عَلَيهِ الحُكمَ بِما عَلِمتَ، وَ خَلَعاهُ، فَوَ اللَّهِ ما رَضِيَ بالحُكمِ، وَ لا صَبَرَ لِأمرِ اللَّهِ؛ فَكَيفَ تَدعوني إلى أمرٍ إنَّما تَطلُبُهُ بِحَقِّ أَبيكَ، وَ قَد خَرَجَ مِنهُ! فَانظُر لِنَفسِكَ وَ لِدينِكَ، وَ السَّلامُ. (1)

نصّ آخر على رواية لأبي الفرج الأصفهانيّ:

كتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية مع جندب‏ (2) بن عبد اللَّه الأزديّ:

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

مِن عَبدِ اللَّهِ الحَسَنِ أميرِ المُؤمِنينَ إلى مُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفيانَ:

في بعثة النبي (صلى الله عليه و آله)

سَلامٌ عَلَيكَ، فَإِنِّي أحمَدُ إليكَ اللَّهَ الَّذي لا إلهَ إلَّاهُوَ، أمَّا بَعدُ؛ فَإنَّ اللَّه تعالى عز و جل‏

____________

(1). شرح نهج البلاغةلابن أبي الحديد: ج 16 ص 25.

(2) في‏شرح نهج البلاغة: «حرب» بدل «جندب».

21

بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) رَحمَةً للعالَمينَ، وَمِنَّةً على المُؤمِنينَ، وكافَّةً إلى النَّاس أجمَعينَ، «لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ»

(1)

، فَبَلَّغَ رِسالاتِ اللَّهِ وَقامَ عَلى أمرِ اللَّهِ حَتَّى‏ تَوَفَّاهُ اللَّهُ غَيرَ مُقَصِّرٍ ولا وانٍ، حَتَّى‏ أظهَرَ اللَّهُ بهِ الحَقَّ وَمَحَقَ بهِ الشِّركَ، ونَصَرَ بهِ المُؤمِنينَ، وأعزَّ بهِ العَرَبَ، وشَرَّفَ بهِ قُرَيشاً خاصَّةً، فَقالَ تَعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ»

(2)

.

في بيان ما حدث بعد وفاة النبي (صلى الله عليه و آله)

فَلَمَّا تُوفِّيَ (صلى الله عليه و آله) تَنازَعَتِ سُلطانَهُ العَرَبُ، فَقالَت قُرَيشٌ: نَحنُ قَبيلَتُهُ وَأُسرَتُهُ وَأَولياؤُهُ، وَ لا يَحِلُّ لَكُم أنْ تُنازِعونا سُلطانَ مُحَمَّدٍ فِي النَّاسِ وَحَقَّهُ، فَرَأتِ العَرَبُ أَنَّ القَولَ كَما قَالَت قُرَيشٌ، وَأنَّ الحُجَّةَ لَهُم في ذلِكَ عَلى مَن نازَعَهُم أمرَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله)، فَأَنعَمَت لَهُمُ العَرَبُ، وَسَلَّمت ذلِكَ.

ثُمَّ حاجَجنا نَحنُ قُرَيشاً بِمِثلِ ما حاجَّت بهِ العَرَبَ فَلَم تُنصِفنا قُرَيشٌ إنصافَ العَرَبِ لَها، إنَّهُم أَخَذوا هذا الأمرَ دُونَ العَرَبِ بالانتصافِ والاحتِجاجِ، فَلَمَّا صِرنا أهلَ بَيتِ مُحَمَّد وأولياءَهُ إلى مُحاجَّتِهِم، وَطَلَبِ النَّصَفِ‏

(3)

مِنهُم باعَدونا واستَولَوا بِالإجماعِ عَلى ظُلمِنا وَمُراغَمَتِنا

(4)

وَالعَنَتِ‏

(5)

مِنهُم لَنا، فَالمَوعِدُ اللَّهُ، وَهُوَ الولِيُّ النَّصيرُ؟

وَقَد تَعَجَّبنا لِتَوثُّبِ المُتَوثِّبينَ عَلَينا في حَقِّنا وَسُلطانِ نَبِيِّنا (صلى الله عليه و آله)، وَإنْ كانوا ذَوي فَضيلَةٍ وَسابِقَةٍ فِي الإسلامِ، فَأَمسَكنا عَن مُنازَعَتِهِم مَخافَةً عَلى الدِّينِ أن يَجِدَ

____________

(1) يس: 70.

(2) الزّخرف: 44.

(3) النّصف: الانصاف.

(4) راغمهم: نابذهم وعاداهم.

(5) العنت: المشقَّة.

22

المُنافِقونَ وَالأَحزابُ بِذلِكَ مَغْمزاً

(1)

يَثلِمونَهُ بهِ، أو يَكونَ لَهُم بِذلِكَ سَبَبٌ لِما أرادوا بهِ فَسادَهُ‏

. العجب من طلب معاوية أمراً ليس هو من أهله‏

فَاليَومَ فَليَعجَبِ المُتَعَجِّبُ مِن تَوَثُّبِكَ يا مُعاوِيَةُ عَلى أمرٍ لَستَ مِن أهلِهِ، لا بِفَضلٍ فِي الدِّينِ مَعروفٍ، وَلا أثرٍ فِي الإسلامِ مَحمُودٍ، وَأنتَ ابنُ حِزبٍ مِنَ الأحزابِ، وَابنُ أَعدى‏ قُرَيشٍ لِرَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَلَكِنَّ اللَّهَ خَيَّبَكَ، وَسَتَرِدُّ فَتَعلَمُ لِمَن عُقبى الدَّارِ، وَتاللَّهِ لَتَلْقينَّ عَن قَليلٍ رَبَّكَ، ثُمَّ لَيَجزِيَنَّكَ بِما قدَّمَت يَداكَ، وما اللَّهُ بِظلَّامٍ لِلعَبيدِ

. أحقيتهُ (عليه السلام) بالخلافة

إنَّ عليَّاً- (رضوان الله عليه)- لمَّا مَضى لِسبيلِهِ- رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيهِ يَومَ قُبِضَ وَيَومَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِ بالإسلامِ، ويَومَ يُبْعَث حَيَّاً-

(2)

وَلَّاني المُسلِمونَ الأمرَ بَعدَهُ، فَأسألُ اللَّهَ ألَّايَزيدَنا فِي الدُّنيا الزّائِلَةِ شَيئاً يُنقِصُنا بهِ فِي الآخرَةِ مِمَّا عِندَهُ مِن كرامَتِهِ، وَإنَّما حَمَلَني عَلى الكِتابِ إليكَ الإعذارُ فيما بَيني وَبَينَ اللَّهِ سُبحانَهُ وَتعالى في أمرِكَ، ولَكَ في ذلِكَ إنْ فَعَلتَ الحَظُّ الجَسيمُ، ولِلمُسلِمينَ فيهِ صَلاحٌ، فَدَعِ التّمادِيَ فِي الباطِلِ وادخُل فيما دَخَلَ فيهِ النَّاسُ مِن بَيعَتي، فَإِنَّكَ تَعلَمُ أنِّي أحَقُّ بِهذا الأمرِ مِنكَ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ كُلِّ أوَّابٍ حَفيظٍ، ومَن لَهُ قَلبٌ مُنِيبٌ.

حثُّ معاوية على التقوى‏

وَاتَّقِ اللَّهَ، ودَعِ البغيَ، واحْقِن دِماءَ المُسلِمينَ، فَوَاللَّهِ ما لَكَ مِن خَيرٍ في أنْ تَلقى‏

____________

(1) وليس في فلانٍ مغمز أي: ما فيه ما يغمز فيعاب به ولا مطعن، والمغامز: المعايب (لسان العرب: ج 15 ص 390).

(2) كذا في المصدر.

23

اللَّهَ مِن دِمائِهِم بِأكثَرَ مِمَّا أنتَ لاقِيهِ بهِ، فادخُل في السِّلم وَالطَّاعَةِ، ولا تُنازِعِ الأمرَ أهلَهُ، ومَن هُو أحَقُّ بهِ مِنكَ، لِيُطفِئَ اللَّهُ النَّائِرَةَ

(1)

بِذلِكَ، وَتَجمَعُ الكَلِمَةَ، وَتُصلِحُ ذاتَ البَيْنِ، وَإِن أَنتَ أبَيتَ إلَّاالتَّمادِيَ في غَيِّكَ نَهَدتُ‏

(2)

إِلَيكَ بالمُسلِمينَ فَحاكَمتُكَ، حَتَّى‏ يَحكُمَ اللَّهُ بَينَنا، وَهُوَ خَيرُ الحاكِمينَ.

فكتب إليه معاوية:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

من عَبدِ اللَّه أميرِ المُؤمِنينَ إلى الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ:

سلامٌ علَيكَ؛ فإنِّي أحمَدُ إليكَ اللَّهَ الَّذي لا إلهَ إلَّا هُوَ.

أمَّا بعدُ؛ فَقَد بلَغني كِتابُكَ، وَ فَهِمتُ ما ذَكَرتَ بهِ رَسولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) مِنَ الفَضلِ، وَ هُوَ أحَقُّ الأوَّلينَ و الآخِرينَ بالفَضْلِ كُلِّهِ قَديمهِ و حَديثِهِ، صَغيرِهِ وَ كبيرِهِ، فَقَد وَ اللَّهِ بَلَّغَ وَ أَدَّى‏، و نَصَحَ وَ هَدى؛ حَتَّى‏ أنْقَذَ اللَّهُ بهِ مِنَ التَّهلُكَةِ، و أَنارَ بهِ مِنَ العَمَى‏، وَ هَدَى‏ بهِ مِنَ الضَّلالَةِ، فَجزَاه اللَّهُ أفضَلَ ما جَزَى‏ نَبِيّاً عَن أُمَّتِهِ، وَ (صلوات الله عليه) يَوْمَ وُلِدَ، وَ يَومَ قُبِضَ، وَ يَومَ يُبْعَثُ حَيًّا.

وَ ذَكرتَ وَفاةَ النَّبيِّ (صلى الله عليه و آله) و تَنازُعَ المُسلِمينَ مِن بَعدِهِ، فرأيتُكَ صَرَّحتَ بِتُهمَةِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَ عُمَرَ الفاروقِ، وَ أبي عُبَيدَةَ الأمينِ، وَ حَوارِيِّ الرَّسولِ (صلى الله عليه و آله)، وَ صُلَحاءِ المُهاجِرينَ وَ الأنصارِ، فَكَرِهتُ ذلِكَ لَكَ، فَإنَّكَ امرِئ عِندَنا وَ عِندَ النَّاسِ غَيرُ ظنِينٍ و لا المُسِي‏ء، وَ لا اللّئيمِ، وَ أنَا أحِبُّ لَكَ القَولَ السَّديدَ، و الذِّكرَ الجَميلَ.

إنَّ هذهِ الأمَّة لمَّا اختَلَفَت بَعدَ نبيِّها لَم تَجهَل فَضلَكُم وَ لا سابِقَتَكُم، و لا قَرابَتَكُم مِن النَّبيِّ (صلى الله عليه و آله)، و لا مكانتكم فِي الإسلامِ و أهلِهِ، فَرأتِ الأُمَّةُ أنْ تُخرِجَ هذا الأمرَ

____________

(1) النّائرة: العداوة و الشّحناء.

(2) في شرح نهج البلاغة: «سرت» بدل «نهدت».

24

لِقُريشٍ لِمكانِها مِن نَبيِّها، وَ رَأى‏ صُلَحاءُ النَّاسِ مِن قُرَيشٍ و الأَنصارِ وَ غَيرِهِم مِن سائِرِ النَّاسِ و عامَتِهِم أنْ يُوَلُّوا هذا الأمرِ من قُرَيشٍ أَقدَمَها إسلاماً وَ أعلَمَها باللَّهِ، و أحبَّها لَهُ وَ أَقواها عَلى أمرِ اللَّهِ، و اختاروا أبا بكرٍ، وَ كانَ ذلِكَ رَأيَ ذوي الحِجى‏ و الدِّينِ و الفَضيلَةِ، و النَّاظرين لِلأُمَّةِ، فَأوقَعَ ذلِكَ في صُدورِكُم لَهُم التُّهمَةَ وَ لَم يَكونوا بِمُتَّهَمينَ، وَ لا فيما أتَوا بِمُخطئينَ، وَ لَو رَأى‏ المُسلِمونَ فِيكُم مَن يُغني غَناءَهُ، أو يَقومُ مَقامَهُ، أو يَذبُّ عَن حَريمِ المُسلِمينَ ذَبَّهُ، ما عَدَلوا بذلِكَ الأَمرِ إلى غَيرِهِ رَغبَةً عَنهُ، وَ لكِنَّهُم عَمِلوا (1) في ذلِكَ بِما رَأوهُ صَلاحاً للإسلامِ و أهلِهِ، فاللَّهُ يَجزيهِم عَنِ الإسلامِ و أهلِهِ خَيراً.

وَ قَد فَهِمتُ الَّذي دَعَوتَنِي إليهِ مِنَ الصُّلحِ، و الحالُ فيما بَيني وَ بَينَكَ اليومَ مِثلُ الحالِ الَّتي كُنتُم عَلَيها أنتم وَ أبو بَكرٍ بَعدَ النّبي (صلى الله عليه و آله)، و لو عَلِمتُ أنَّكَ أضبَطُ مِنِّي للرَعيَّةِ، و أحوَطُ عَلى هذهِ الأُمَّةِ، وَ أحسَنُ سِياسَةً، وَ أقوى‏ عَلى جَمعِ الأموالِ، وَ أكيَدُ للعَدُوِّ، لَأَجبتُكَ إلى ما دَعَوتَني إليهِ، وَ رَأيتُكَ لِذلِكَ أَهلًا، و لكنِّي قَد عَلِمتُ أنِّي أطوَلُ مِنكَ وِلايَةً، وَ أقدَمُ مِنكَ لِهذهِ الأُمَّةِ تَجرِبَةً، و أكثَرُ مِنكَ سِياسَةً، و أكبرُ مِنكَ سِنّا، فَأنتَ أحَقُّ أن تُجيبَني إلى هذهِ المَنزِلَةِ الَّتي سَألتَني، فَادخُل في طاعَتي، وَ لَكَ الأمرُ مِن بَعدي، وَ لَكَ ما في بَيتِ مالِ العراقِ مِن مالٍ بالِغاً ما بَلَغَ، تَحمِلُهُ إلى حَيثُ أَحبَبتَ، و لَكَ خَراجُ أيِّ كُوَرِ العِراقِ شِئتَ؛ مَعونةً لَكَ على نَفَقَتكَ، يَجيبها لكَ أمينُكَ، و يَحمِلُها إليكَ في كُلِّ سَنَةٍ؛ و لَكَ ألَّا يستولى عَلَيكَ بالإساءَةِ، و لا تُقضى دونَكَ الأُمورُ، و لا تُعصى في أمر أَرَدت بهِ طاعَةَ اللَّهِ عز و جل. أعاننا اللَّهُ و إيَّاكَ عَلى طاعَتِهِ، إنَّه سَميعٌ مُجيبُ الدُّعاءِ، وَ السَّلامُ. (2)

____________

(1) في شرح نهج البلاغة: «علموا» بدل «عملوا».

(2). مقاتل الطّالبيّين: ص 64، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 33 نحوه؛ بحار الأنوار: ج 44 ص 39.

25

أقول: الَّذي يقوى في النَّظر هو تعدُّدُ الكتَّابين لما بين مضمونيهما من الاختلاف، و كذا بين جوابي معاوية اختلاف شديد، و إنْ كان بينهما تشابه أيضاً، هذا و إن نقلهما المعتزلي أحدهما برواية المدائنيّ و الآخر برواية الأصبهانيّ، و ظاهرُ كلامه الاتِّحاد كما فهمه في معنى‏ ذلك، و ظاهرُ كلمات الأعلام عَدا المعتزلي التَّعدّد أيضاً، كما أنَّ الإربلي (رحمه الله) نقل الكتاب الأوَّل، كما أسلفنا عنه، و قال:

و كان بينه و بين الحسن (عليه السلام) مكاتبات، و احتجَّ عليه الحسن (عليه السلام) في استحقاقه الأمر و توثُّبِ مَن تقدَّم على أبيه (عليه السلام) و ابتزازه‏ (1)؛ كأنَّه يشير إلى هذا الكتاب.

4 كتابه (عليه السلام) إلى معاوية في ترغيبه باتّباع الحقّ‏

كتب معاوية إلى الحسن بن علي (عليهما السلام):

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

أمَّا بعدُ؛ فإنَّ اللَّه عز و جل يَفعلُ في عبادهِ ما يشاءُ

«لَامُعَقّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ»

(2)

فاحْذَر أنْ تكونَ مَنيَّتُكَ على يَد رُعاعٍ مِنَ النَّاسِ، وَ ايأس مِن أنْ تَجِدَ فينا غَميزةً (3)، و إن أنت أعرَضتَ عمَّا أنت فيهِ وَ بايعتَني، وفَيتُ لَكَ بما وَ عَدتُ، وَ أجَزتُ لَكَ ما شَرَطتُ، و أكونُ في ذلِكَ كما قالَ أعشى‏ بني قَيس بنِ ثَعلبة:

وَ إنْ أحَدٌ أسدى إليكَ أمانَةً * * * فَأَوفِ بِها تُدْعَى إذا مِتَّ وافِياً

____________

(1). كشف الغمّة: ج 2 ص 165. (2) الرّعد: 41. (3) الغميزة: المطعن.

26

وَ لا تَحسُد المَولَى إذا كان ذا غِنىً‏ * * * وَ لا تجْفُه إنْ كان فِي المالِ فانِياً

ثُمَّ الخلافَةُ لَكَ مِن بعدي، فَأنتَ أولى‏ النَّاسِ بها، و السَّلامُ.

فأجابه الحسن بن علي (عليهما السلام):

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

أمَّا بَعدُ؛ وَصَلَ إليَّ كِتابُكَ، تَذكُرُ فيهِ ما ذَكَرتَ، فَتَركتُ جَوابَكَ خَشيَةَ البَغي عَلَيكَ، وبِاللَّهِ أَعوذُ مِن ذلِكَ، فاتَّبِعِ الحَقَّ تَعلَم أنِّي مِن أهلهِ، وَعَلَيَّ إثمٌ أنْ أَقولَ فأكذِبُ، والسَّلام.

فلمَّا وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثمَّ كتب إلى عمَّاله على النّواحي نسخة واحدة:

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، و من قِبَله من المسلمين.

سلام عليكم، فإنِّي أحمد إليكم اللَّه الَّذي لا إله إلَّا هو، أمَّا بعدُ؛ فالحمد للَّه الَّذي كفاكم مُؤنَةَ عَدوِّكم، وَ قَتَلَةَ خَليفَتِكُم، إنَّ اللَّهَ بلُطْفهِ، و حُسنِ صُنْعِهِ، أتاحَ لِعليِّ بن أبي طالبٍ رَجُلًا من عباده، فاغتالَهُ فقَتَلهُ، فتَرَك أصحابَهُ مُتفرِّقينَ مُختَلِفينَ، وَ قد جاءَتنا كُتُبُ أشرافِهِم و قادَتِهِم يَلتَمسونَ الأمانَ لِأنفُسِهِم وَ عشائِرِهِم؛ فَأقبِلوا إليَّ حِينَ يأتيكُم كِتابي هذا بِجُندِكُم و جُهدِكُم وَ حُسنِ عِدَّتِكُم، فَقَد أصَبتم بِحَمدِ اللَّهِ الثَأرَ، و بَلَغتُمُ الأمَلَ، وَ أهلَكَ اللَّهُ أهلَ البغي و العُدوانِ، و السَّلامُ عَليكُم و رَحمَةُ اللَّهِ و بَرَكاتُهُ. (1)

____________

(1). مقاتل الطّالبيّين: ص 68، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 37؛ المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 32، بحار الأنوار: ج 44 ص 55 كلّها مع اختلاف يسير.

27

5 كتابُه (عليه السلام) إلى معاوية في إظهار دسائسه‏

عمرو بن ثابت قال:

كنت أختلف إلى أبي إسحاق السَّبيعيّ‏ (1)سَنة أسأله عن خطبة الحسن بن عليّ (عليه السلام)، فلا يحدِّثني بها، فدخلت إليه في يوم شات و هو في الشَّمس و عليه برنسه كأنَّه غُول، فقال لي: مَن أنت؟ فأخبرته، فبكى‏ و قال: كيف أبوك؟ و كيف أهلك؟ قلت: صالحون، قال: في أيّ شي‏ء تردّد منذ سَنة؟ قلت: في خطبة الحسن بن عليّ بعد وفاة أبيه.

قال: (حدَّثني هُبَيْرَة بن بريم‏ (2)) (3)، و حدَّثني محمَّد بن محمَّد الباغنديّ،

____________

(1) أبو إسحاق السّبيعيّ‏

قال في الكنى و الألقاب: عمرو بن عبد اللَّه بن عليّ الكوفيّ الهمدانيّ من أعيان التّابعين، و في البحار عن الاختصاص روى محمّد بن جعفر المؤدّب، أنّ أبا إسحاق صلّى أربعين سنة صلاة الغداة بوضوء العَتَمة ...، و كان يختم القرآن في كلّ ليلة، و لم يكن في زمانه أعبد منه و لا أوثق في الحديث عند الخاصّ و العامّ.

كان من ثقات عليّ بن الحسين (عليهما السلام) ...، و قبض و له تسعون سنة (الكنى‏ و الألقاب: ج 1 ص 6).

قال ابن حجر: عمرو بن عبد اللَّه بن عبيد أبو إسحاق السبيعيّ الهمدانيّ، و السبع من الهَمْدان، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان (راجع: لسان الميزان: ج 7 ص 326 الرقم 4266).

و روى عن عليّ بن أبي طالب، و عن جماعة، و مات سنة تسع و عشرين و مائة (راجع: الغارات: ج 2 ص 702).

(2) هُبَيْرَة بن بريم‏

قال في تهذيب التّهذيب: هبيرة بن بريم الشّيبانيّ، و يقال: الخارنيّ أبو الحارث الكوفيّ، روى عن عليّ و طلحة و ابن مسعود و الحسن بن عليّ و ابن عباس، و عنه أبو إسحاق السّبيعيّ و أبو فاختة، قال الأثرم عن أحمد:

لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامة من غيره ...، قال عيسى بن يونس: كان هبيرة خال العاليّة زوجة أبي إسحاق السبيعيّ (تهذيب التهذيب: ج 6 ص 18 الرقم 8521).

و ذكره ابن حبّان في الثّقات: مات سنة ستّ و ستّين (الثقات: ج 5 ص 511).

(3) في شرح نهج البلاغة: «مريم» بدل «بريم»، أقول: ما وجدنا له بهذا العنوان اسماً في كتب رجال الحديث.

28

و محمَّد بن حَمدان الصّيدلانيّ، قالا: حدَّثنا إسماعيل بن محمَّد العلويّ، قال: حدَّثني عمِّي عليّ بن جعفر بن محمَّد، عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن الحسن، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، و المعنى قريب، قالوا:

خطب الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال:

لَقَد قُبِضَ في هذهِ اللَيلَةِ رجُلٌ لَم يَسبِقْهُ الأوَّلونَ بِعَمَلٍ، وَلا يُدرِكُهُ الآخِرونَ بِعَمَلٍ، وَلَقَد كانَ يُجاهِدُ مَعَ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) فَيَقيهِ‏

(1)

بِنَفسِهِ، وَلَقَد كانَ يُوَجِّهُهُ بِرايَتِهِ، فَيَكتَنِفُهُ جَبرَئيلُ عَن يَمينِهِ، وميكائيلُ عَن يَسارِهِ، فَلا يَرجِعُ حَتَّى‏ يَفتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَلَقَد تُوفِّيَ في هذهِ الليلةِ الَّتي عُرجَ فيها بِعيسى بنِ مَريمَ، ولقد تُوفِّيَ فيها يُوشَعُ بنُ نوحٌ وَصِيُّ موسى، وما خَلَّفَ صَفْراءَ ولا بَيضاءَ إلَّاسَبعمائَةَ دِرهَمٍ مِن عَطائِهِ، أرادَ أنْ يَبتاعَ بِها خادِماً لِأَهلِهِ. ثمَّ خَنَقَتهُ العَبرَةُ، فَبَكى‏ وَبَكى‏ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ:

أيُّها النَّاسُ مَن عَرَفَني فَقَد عَرَفَني، وَمَن لَم يَعرِفني فَأنَا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله)، أنَا ابنُ البشيرِ، أنَا ابنُ النَّذيرِ، أنا ابنُ الدَّاعي إلى اللَّهِ عز و جل بإذنِهِ، وَأنَا ابنُ السِّراجِ المُنيرِ، وَأنَا مِن أهلِ البَيتِ الَّذينَ أذهَبَ اللَّهُ عَنهُمُ الرِّجسَ وَطَهَّرَهُم تَطهيراً، والَّذين افترَضَ اللَّهُ مَوَدَّتُهم في كتابِهِ إذْ يقولُ: «وَ مَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا»

(2)

. فاقترافُ الحَسَنَةِ مَوَدَّتُنا أهلَ البَيتِ.

قال أبو مِخْنَف‏ (3)عن رجالِهِ:

____________

(1) في شرح نهج البلاغة: «فيسبقه» بدل «فيقيه».

(2) الشّورى‏: 23.

(3) أبو مخنف‏

قال في جامع الرّواة: لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزديّ الغامديّ، أبو مخنف شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة و وجههم، و كان يسكن إلى ما يرويه (جامع الرواة: ج 2 ص 33 الرقم 291).

قال في الخلاصة: من أصحاب أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و قال الكشي: و الصّحيح أنّ أباه كان من أصحابه و هو لم يلقه (راجع: خلاصة الأقوال: ص 233 الرقم 797).

29

ثمَّ قامَ ابن عبَّاس بَينَ يَدَيهِ، فَدَعا النَّاسَ إلى بَيعَتِهِ، فاستجابوا لَهُ، وَ قالوا:

ما أحبّه إلينا و أحقّه بالخلافة فبايعوه. ثم نزل عن المنبر.

قال: و دسَّ معاوية رجلًا من بني حِمْيَر إلى الكوفة، و رجلًا من بني القَيْن إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدُلَّ على الحِمْيريّ عند لحام جرير، وَ دُلَّ على القَيْنيّ بالبصرة في بني سُليم، فَأُخِذا وَ قُتِلا.

وَ كَتبَ الحسَنُ إلى مُعاوِيَةَ:

أمَّا بَعدُ؛ فإنَّك دَسَستَ إليَّ الرِّجالَ، كأنَّك تُحِبُّ اللّقاءَ؛ وما أَشُكُّ في ذلِكَ فَتَوَقَّعهُ إِن شاءَ اللَّهُ، وَقَد بَلَغَني أنَّك شَمِتَّ بِما لا يَشمَتُ بهِ ذَوو الحِجى‏؛ وَإنَّما مَثَلُكَ في ذلِكَ كما قالَ الأوَّلُ:

وَقُلْ للَّذِي يَبغي خِلافَ الَّذِي مَضى‏ * * * تَجَهَّز لِأُخرى‏ مِثلَها فَكَأنْ قَدِ

وَإنَّا وَمَن قَد ماتَ مِنَّا لَكالَّذِي‏ * * * يَروحُ ويُمسي فِي المَبيت لِيَغتدِي‏

فأجابه معاوية:

أمَّا بعدُ؛ فقد وصل كتابُكَ، وَ فَهِمتُ ما ذكرتَ فيهِ؛ وَ لَقد عَلِمتُ بما حدَثَ فَلم أفرح و لم أحزن، وَ لَم أشمَت وَ لَم آسَ، و إنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ كما قال أعشى‏ بني قَيْسِ بنِ ثعلَبَةَ:

وَ أنْتَ الجَوادُ و أنتَ الَّذي‏ * * * إذا ما القلوبُ مَلأنَ الصُّدُورا

جَديرٌ بِطَعنَةِ يَومِ اللِّقا * * * ءِ تَضرِبُ منها النِّساءُ النُّحورَا

وَ ما مُزْبَدٌ (1)مِن خَليجِ البحا * * * رِ يَعلُو الإكامَ و يَعلُو الجُسورا

بِأجَودَ مِنهُ بِما عِندَهُ‏ * * * فَيُعطي الأُلوفَ وَ يُعطى البُدُورا (2)

____________

(1) في شرح نهج البلاغة: «مِزْيَد» بدل «مُزْبَد».

(2). مقاتل الطّالبيين: ص 61، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 31 نحوه و راجع: الإرشاد: ج 2 ص 9، كشف الغمّة: ج 2 ص 164، الفصول المهمّة: ص 47، بحار الأنوار: ج 44 ص 45 ح 5.

30

6 كتابُه (عليه السلام) إلى أهل الكوفة بعد نقضهم العهد

روى الحارثُ الهمدانيّ‏ (1)قال: لمَّا مات عليٌّ (عليه السلام)، جاء النَّاس إلى الحسن بن‏

____________

(1) الحارِثُ الهَمْدانِيّ‏

هو الحارث بن عبد اللَّه بن كعب الأعور الهَمْدانيّ الكوفيّ، أبو زهير. كان من أصحاب الإمام عليّ (راجع: رجال الطّوسي: ص 60 الرّقم 513؛ المحبّر: 303) و الإمام الحسن (عليهما السلام) (رجال الطّوسي: ص 94 الرّقم 927) و من الشّيعة الاوَل (سِيَر أعلام النّبلاء: ج 4 ص 153 الرّقم 54؛ الجمل: 109)، كثير العلم (سِيَر أعلام النّبلاء:

ج 4 ص 152 الرّقم 54)، من أفقه النّاس و أفرض الناس، و أحسب الناس، تعلّم الفرائض من الإمام عليّ (عليه السلام) (تهذيب الكمال: ج 5 ص 252 الرّقم 1025، تهذيب التّهذيب: ج 1 ص 471 الرّقم 1210، سِيَر أعلام النّبلاء:

ج 4 ص 153 الرّقم 54).

كان من وجوه النّاس بالكوفة، و من الّذين ثاروا على عثمان، و طالبوا بعزل سعيد بن العاص (تاريخ الإسلام للذهبيّ: ج 3 ص 430). و ممّن سيّرهم عثمان (وقعة صفّين: ص 121).

توفّي سنة 65 ه بالكوفة (سِيَر أعلام النّبلاء: ج 4 ص 155 الرّقم 54، ميزان الاعتدال: ج 1 ص 437 الرّقم 1627) ..

الطّبقات الكبرى‏ عن علباء بن أحمر: إنّ عليّ بن أبي طالب خطب النّاس فقال: من يشتري علماً بدرهم؟ فاشترى‏ الحارث الأعور صحفاً بدرهم، ثمّ جاء بها عليّاً، فكتب له علماً كثيراً، ثمّ إنّ عليّاً خطب النّاس بعد فقال: يا أهل الكوفة! غلبكم نصف رجل (الطّبقات الكبرى‏: ج 6 ص 168، سِيَر أعلام النّبلاء: ج 4 ص 153 الرّقم 54 نحوه).

و في شرح الأخبار عن أبي الحجاف: بلغني أنّ الحارث أتى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ليلًا، فقال له: يا حارث ما جاء بك هذه السَّاعة؟

فقال: حبّك يا أمير المؤمنين.

قال: و اللَّه ما جاء بك إلّا حبّي؟

قال: و اللَّه ما جاء بي إلّا حبّك.

قال (عليه السلام): فأبشر يا حارث، لن تموت نفس تُحبّني إلّا رأتني حيث تحبّ، و اللَّه لا تموت نفس تبغضني إلّا رأتني حيث تبغضني (شرح الأخبار: ج 3 ص 451 الرّقم 1320 و راجع: الأمالي للمفيد: ص 271).

الأمالي للمفيد عن جميل بن صالح: أنشدني أبو هاشم السّيّد الحميريّ (هو إسماعيل بن محمّد الحميري، لُقّب ب السيّد و لم يكن علويّا و لا هاشميّا):

قولُ عليٍّ لحارثٍ عَجَبٌ‏ * * * كَم ثَمَّ اعجوبةٌ لَهُ حَمَلا

يا حارِ همدانَ مَن يمُت يَرَني‏ * * * مِن مُؤمنٍ أو منافقٍ قُبُلا

يَعرِفُني طَرفُهُ وَ أَعرِفهُ‏ * * * بِنَعتِهِ و اسمِهِ وَ ما عَمِلا

وَ أنتَ عِندَ الصّراطِ تَعرِفُني‏ * * * فَلا تَخَف عَثرَةً وَ لا زَلَلا

أسقيك من باردٍ على ظمإ * * * تَخالُهُ فِي الحلاوَةِ العَسَلا

أَقولُ للنّارِ حينَ تُوقَفُ لِل * * * عَرضِ دَعيهِ لا تَقرَبي الرَّجُلا

دَعيهِ لا تَقربيهِ إنَّ لَهُ‏ * * * حَبلًا بِحَبلِ الوَصِيِّ مُتَّصِلا

(الأمالي للمفيد: ص 7 ح الأمالي للطوسيّ: ص 627 ح 1292، بشارة المصطفى‏: ص 5).

31

عليّ (عليهما السلام) فقالوا له: أنتَ خليفة أبيك، و وصيُّه، و نحنُ السَّامعون المطيعون لك، فمرنا بأمرك.

قال (عليه السلام):

كذبتم، واللَّه، ما وفيتم لمَن كان خيراً منِّي فكيف تفون لي؟! أو كيف أطمئنّ إليكم؟

ولا أثق بكم. إنكنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوني هناك.

فركب، و ركب معه مَن أراد الخروج، و تخلَّف عنه خلقٌ كثير لم يفوا بما قالوه، و بما وعدوه، و غرّوه كما غرّوا أمير المؤمنين (عليه السلام) من قبله. فقام خطيباً و قال:

قد غَرَرتُموني كما غَرَرتُم مَن كانَ قَبلي، مَعَ أيِّ إمامٍ تُقاتِلونَ بَعدي! مَعَ الكافِرِ الظَّالِمِ، الَّذي لَم يُؤمِن باللَّهِ، وَلا بِرَسولِهِ قَطُّ، وَلا أظهَرَ الإسلامَ هُو وَلا بَنو أمَيَّةَ إلَّافَرَقاً

(1)

مِنَ السَّيفِ؟! وَلو لَم يَبقَ لِبني أُمَيَّة إلَّاعَجوزٌ دَرداءُ

(2)

لَبَغَت دِينَ اللَّهِ عِوَجاً، وهَكذا قالَ رسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله).

____________

(1) فرق: جزع و اشتد خوفه.

(2) الدّرداء: الّتي سقطت أسنانها كلّها.

32

ثُمَّ وَجَّهَ إليهِ قائِداً في أربَعةِ آلافٍ، وَ كانَ مِن كِندَةَ، وَ أمَرَهُ أنْ يُعَسكِرَ بالأنبارِ (1)و لا يُحدِثَ شَيئاً حَتَّى‏ يَأتيه أمرُهُ. فَلَمَّا تَوَجَّه إلى الأنبارِ، وَ نَزَلَ بِها، وَ عَلِمَ مُعاوِيَةُ بِذلِكَ بَعَثَ إليهِ رُسُلًا، وَ كتَبَ إليهِ مَعَهُم:

إنَّك إن أقبلت إليَّ ولَّيتُكَ بَعضَ كُوَرِ الشَّامِ، أو الجَزيرَةِ، غَيرَ مُنفِسٍ عَلَيكَ.

و أرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكنديّ- عدو اللَّه- المال، و قلب على الحسن (عليه السلام) و صار إلى معاوية، في مائتي رجل من خاصَّته و أهل بيته.

و بلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فقام خطيباً و قال:

هذا الكِندِيُّ تَوَجَّهَ إلى مُعاوِيَةَ وَغَدَرَ بي وَبِكُم، وَقَد أخبَرتُكُم مَرَّةً بَعدَ أُخرى‏، أنَّهُ لا وَفاءَ لَكُم، أَنتُم عَبيدُ الدُّنيا، وَأَنا مُوَجّهٌ رَجُلًا آخَرَ مَكانَهُ، وَأنا أَعلَمُ أنَّهُ سَيَفعَلُ بي وبِكُم ما فَعَلَ صاحِبُهُ، لا يُراقِبُ اللَّهَ فِيَّ ولا فيكُم.

فبعث إليه رجلًا من مراد في أربعة آلاف، و تقدَّم إليه بمشهد من النَّاس، و توكَّد عليه، و أخبره أنَّه سيغدر كما غدر الكنديّ، فحلف له بالأيمان الَّتي لا تقوم لها الجبال أنَّه لا يفعل.

فقال الحسن (عليه السلام):

إنَّهُ سَيَغدِرُ.

فلمَّا توجَّه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليه رسلًا، و كتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، و بعث إليه بخمسمائة ألف درهم، و منَّاه أيّ ولاية أحبّ من كور الشَّام، أو الجزيرة، فقلب على الحسن (عليه السلام)، و أخذ طريقه إلى معاوية، و لم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، و بلغ الحسن (عليه السلام) ما فعل المراديّ، فقام خطيباً و قال:

قد أخبَرتُكُم مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ أنَّكُم لا تَفونَ للَّهِ بِعُهودٍ، وَهذا صاحِبُكُم المُرادِيُّ غَدَرَ بي وَبِكُم، وَصارَ إلى مُعاوِيَةَ.

____________

(1) الأنبار: مدينة على نهر الفرات، غربي بغداد.

33

ثمَّ كتب معاوية إلى الحسن (عليه السلام):

يا ابن عمّ، لا تقطع الرَّحم الَّذي بيني و بينك، فانَّ النَّاس قد غدروا بك و بأبيك من قبلك.

فقالوا [أصحابُ الحسن (عليه السلام)‏]: إن خانك الرَّجلان و غدرا، فإنَّا مناصحون لك.

فقال لهم الحسن (عليه السلام):

لَأعودَنَّ هذهِ المرَّةَ فيما بَيني وَبَينَكُم، وَإنِّي لَأَعلَمُ أنَّكُم غادِرونَ، والمَوعِدُ ما بيني وَبَينَكُم، إنَّ مُعَسكَري بالنُّخَيلَةِ، فَوافوني هُناكَ، وَاللَّهِ لا تَفونَ لي بِعَهدٍ، وَلَتَنقُضُنَّ المِيثاقَ بَيني وَبَينَكُم.

ثم إنَّ الحسن (عليه السلام) أخذ طريق النُّخيلة، فعسكر عشرة أيَّام، فلم يحضره إلَّا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر، و قال:

يا عَجَباً مِن قَومٍ لا حَياءَ لَهُم ولا دِينَ مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ، وَلَو سَلَّمتُ إلى مُعاوِيَةَ الأمرَ فَأَيمُ اللَّهِ لا تَرونَ فَرَجاً أبداً مَعَ بني أُمَيَّةَ، وَاللَّهِ، لَيَسومَنَّكُم سُوءَ العذابِ، حَتَّى‏ تَتَمَنَّونَ أَن يَلِيَ عَلَيكُم حَبَشِيَّاً، وَلَو وَجَدتُ أعواناً ما سَلَّمتُ لَهُ الأمرَ، لأنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى بني أمَيَّةَ، فَافٍّ وَتَرَحاً يا عَبيدَ الدُّنيا.

و كتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية بأنَّا معك، و إنْ شئت أخذنا الحسن و بعثناه إليك. ثمَّ أغاروا على فسطاطه، و ضربوه بحربة، فأُخذ مجروحاً.

ثُمَّ كَتَبَ جواباً لِمعاوِيَةَ:

إنَّ هذا الأمرَ لي، والخِلافةَ لي ولِأَهلِ بَيتي، وإنَّها لَمُحَرَّمَةٌ عَلَيكَ وَعَلى أهل بَيتِكَ، سَمِعتُهُ من رَسولِ اللَّه صلى اللهعليه و آله، لَو وَجَدتُ صابِرينَ عارِفينَ بِحَقِّي غَيرَ مُنكِرِينَ، ما سَلَّمتُ لَكَ ولا أعطَيتُكَ ما تُريدُ.

وَ انصرَفَ إلى الكُوفَةِ. (1)

____________

(1). الخرائج و الجرائح: ج 2 ص 574 الرّقم 4، بحار الأنوار: ج 44 ص 44، الصّراط المستقيم: ج 2 ص 178.

34

7 كتابُه (عليه السلام) لأصحابه جواباً على تعزيتهم له في ابنةٍ

أخبرنا محمَّد بن محمَّد، قال: أخبرنا الشّريف أبو عبد اللَّه محمَّد بن محمَّد بن طاهر، قال: أخبرنا أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن سعيد، قال: حدَّثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفيّ، قال: حدَّثنا الحسين بن محمَّد، قال: حدَّثنا أبي، عن عاصم بن عمر الجعفيّ، عن محمَّد بن مسلم العبديّ، قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) يقول:

كتب إلى الحسن بن عليّ (عليه السلام) قوم من أصحابه يُعَزُّونه عن ابنةٍ لَهُ. فكتب إليهم:

أمَّا بَعدُ؛ فَقَد بَلَغَني كِتابُكُم تُعَزُّوني بِفُلانَةَ، فَعِندَ اللَّهِ أحتَسِبُها تَسليماً لِقَضائِهِ، وَصَبراً عَلى بَلائِهِ، فَإن أوجَعَتنا المَصائِبُ، وَفَجَعَتنا النَّوائِبُ بالأَحِبَّةِ المَألوفَةِ الَّتي كانَت بِنا حَفِيَّةً

(1)

، والإخوانِ المحبين‏

(2)

الَّذين كانَ يُسَرُّ بِهِمُ النَّاظِرونَ، وتَقَرُّ بِهِمُ العُيونُ، أَضحَوا قَد اختَرمَتهُمُ الأَيَّامُ، وَنَزَلَ بِهِمُ الحِمامُ، فَخَلَّفوا الخُلوفَ‏

(3)

، وَأَودَت بِهِمُ الحُتُوفُ‏

(4)

، فَهُم صَرعى‏ في عَساكِرِ المَوتى‏، مُتجاوِرونَ في غَيرِ مَحِلِّةٍ التَّجاوُرِ، وَلا صِلاتٍ بَينَهُم وَلا تَزاوُرَ، ولا يَتلاقَونَ عَن قُربِ جِوارِهِم، أَجسامُهُم نائِيَةٌ مِن أَهلِها، خالِيَةٌ مِن أربابِها، قد أَخشَعَها إخوانُها

(5)

، فَلَم أرَ مِثلَ دارِها داراً،

____________

(1) الحفيّ: البَرّ اللطيف.

(2) في المصدر: «المحبُّون»، وما أثبتناه هو الصحيح، كما في‏بحار الأنوار.

(3) خلوف: جمع خلف، أي عوض، يقال: خلَفَ اللَّه لك خلفاً بخير، وأخلف عليك خيراً (النهاية: ج 2 ص 66).

(4) الحتوف: جمع الحتف بمعنى الموت.

(5) أحزانها.

35

وَلا مِثلَ قَرارِها قَراراً، في بُيوتٍ مُوحِشَةٍ، وحُلولٍ مُخضعَةٍ، قَد صارَت في تِلكَ الدِّيارِ المُوحِشَةِ، وَخَرَجَت عَنِ الدَّارِ المُؤنِسَةِ، فَفارَقَتها مِن غَيرِ قِلىً‏

(1)

، فاستَودَعَتها البَلاءَ! وَكانَت أمَةً مَملوكَةً، سَلَكَت سَبيلًا مَسلوكَةً، صارَ إليها الأَوَّلونَ، وَسَيَصيرُ إليها الآخِرونَ، وَالسَّلامُ‏

. (2)

8 كتابُه (عليه السلام) إلى معاوية في تخويله الأمر إليه‏

دسَّ معاوية إلى عمرو بن حريث، و الأشعث بن قيس، و إلى حجر بن الحجر، و شبث بن ربعيّ دسيساً، أفرد كلَّ واحد منهم بعين من عيونه، أنَّك إنْ قتلتَ الحسن بن عليّ فلَك مائتا ألف درهم، و جُنْدٌ من أجناد الشَّام، و بنْتٌ من بناتي.

فبلَغ الحسن (عليه السلام) ذلك، فاستلأم و لبس دِرْعاً و كفَّرها (3)، و كان يحترز و لا يتقدَّم للصَّلاة بهم إلَّا كذلك، فرماه أحدهم في الصَّلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللَّامة.

فلمَّا صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم، فعمل فيه الخنجر، فأمر (عليه السلام) أنْ يُعدَل به إلى بطن جريحى، و عليها عمُّ المختار بن أبي عبيد مسعود بن‏

____________

(1) القِلى: البغض و الهجران.

(2). الأمالي للطوسي: ص 202 ح 345، بحار الأنوار: ج 43 ص 336 ح 6 وج 82 ص 109 ح 54.

(3) كلُّ من ستر شيئاً، فقد كفَرَهُ و كفَّره (لسان العرب: ج 15 ص 146).

36

قيلة، فقال المختار لعمِّه: تعال حتَّى نأخذ الحسن و نسلّمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق، فبدر بذلك الشِّيعة من قول المختار لعمِّه، فهمّوا بقتل المختار، فتلطّف عمُّه لمساءلة الشِّيعة بالعفو عن المختار، ففعلوا، فقال الحسن (عليه السلام):

وَيلَكُم، وَاللَّهِ، إنَّ مُعاوِيَةَ لا يفي لِأَحدٍ مِنكُم بِما ضَمِنَهُ في قتلي، وَإنِّي أَظُنُّ أ نّي إن وَضَعتُ يَدي في يَدِهِ فَاسالِمُهُ لَم يَترُكني أَدينُ لِدينِ جَدي (صلى الله عليه و آله)، وَإنِّي أَقدِرُ أن أعبُدَ اللَّهَ وَحدي، وَلكِنّي كَأنِّي أَنظُرُ إلى أبنائِكُم واقِفينَ عَلى أَبوابِ أبنائِهِم يَستسقونَهُم ويَستَطعِمونَهُم بِما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُم فَلا يُسقَونَ وَلا يُطعَمونَ، فَبُعداً وَسُحْقاً لِما كَسَبَتهُ أَيديكُم! «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ»

(1)

.

فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه.

فكتب الحسن (عليه السلام) من فوره ذلك إلى معاوية:

أمَّا بَعدُ؛ فَإنَّ خطبي انْتهى إلى اليَأسِ مِن حَقٍّ أُحييهِ، وَباطِلٍ اميتُهُ، وخَطبُكَ خَطبُ مَن انتهى إلى مُرادِهِ، وَإنَّني أعتَزِلُ هذا الأَمرَ وَاخلّيهِ لَكَ، وَإن كانَ تَخلِيَتي إيَّاهُ شَرَّاً لَكَ في مَعادِكَ.

وَلِي شُروطٌ أَشرُطُها لا تَبهُظَنَّكَ إن وَفَيتَ لي بِها بِعَهدٍ، وَلا تَخِفُّ إنْ غَدَرتَ.

- و كتب الشَّرط في كتاب آخر فيه يمنيه بالوفاء و ترك الغدر-

وسَتندَمُ يا مُعاوِيَةُ كما نَدِمَ غَيرُكَ مِمَّن نَهضَ في الباطِلِ أو قَعَدَ عَنِ الحَقِّ، حِينَ لَم يَنفَعِ النَّدَمُ، وَالسَّلام.

(2)

____________

(1) الشّعراء: 227.

(2). علل الشّرائع: ص 220، بحار الأنوار: ج 44 ص 33 و راجع: الإرشاد: ج 2 ص 12، كشف الغمّة: ج 1 ص 166؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 41.

37

الفصل الثالث: مكاتيبه (عليه السلام) من الصُّلح حتّى الاستشهاد

9 كتابُه (عليه السلام) إلى معاوية في الصُّلح و شروطه‏

وَ مِن كلامِهِ (عليه السلام) ما كَتبهُ في كتابِ الصُّلحِ الَّذي اسْتَقَرَّ بَينَهُ وَ بَينَ مُعاوِيَةَ، حَيثُ رأى‏ حَقنَ الدِّماءِ و إطفاءَ الفِتنَةِ، وَ هُو:

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

هذا ما صالَحَ‏

(1)

عَلَيهِ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ مُعاوِيَةَ بنَ أبي سُفيانَ، صالَحَهُ عَلى:

(أوَّلًا): أنْ يُسَلِّمَ إلَيهِ وِلايَةَ أمرِ المُسلِمينَ‏

(2)

عَلى أنْ يَعمَلَ فِيهِم بِكتابِ اللَّهِ تَعالى، وسُنَّةِ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَسيرَةِ الخُلَفاءِ الرَّاشدينَ‏

(3)

____________

(1) في‏الفتوح: «اصطلح» بدل «صالح».

(2) في‏الفتوح: «المؤمنين» بدل «المسلمين».

(3) في الفتوح و الأنساب: «الصّالحين» بدل «الراشدين».

38

(ثانياً): وَلَيسَ لِمُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفيانَ أنْ يَعهَدَ إلى أَحَدٍ مِن بَعدِهِ عَهداً، بَل يَكونُ الأَمرُ مِن بَعدِهِ شورى‏ بَينَ المُسلِمينَ.

(ثالثاً): وَعَلى أنَّ النَّاسَ آمِنونَ حَيثُ كانوا مِن أَرضِ اللَّهِ، شامِهِم، وَعِراقِهِم، وحِجازِهِم، وَيَمَنِهِم‏

(1)

.

(رابعاً): وَعَلى أنَّ أصحابَ عَلِيٍّ وَشيعَتِهِ آمِنونَ عَلى أَنفُسِهِم، وَأَموالِهِم، وَنسائِهِم، وأَولادِهِم.

وَعَلى مُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفيانَ بِذلِكَ عَهدُ اللَّهِ وَميثاقُهُ، وَما أخَذَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ مِن خَلقِهِ بالوَفاءِ بِما أَعطى اللَّهَ مِن نَفسِهِ.

(خامساً): وَعَلى أنْ لا يَبغي لِلحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، وَلا لِأَخيهِ الحُسَينِ، وَلا لِأَحَدٍ مِن أهلِ بَيتِ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) غائِلَةً سِرَّاً وَلا جَهراً، وَلا يُخيفُ أحَدَاً مِنهُم في أُفُقٍ مِنَ الآفاقِ.

شَهِدَ عَلَيهِ بِذلِكَ‏

(2)

، وَكَفى بِاللَّهِ شَهيداً؛ فُلانٌ وفلان، وَالسَّلامُ.

وَ لَمَّا تمَّ الصُّلحُ، و انبرَمَ الأمرُ، الْتَمَسَ مُعاوِيَةُ مِنَ الحَسَنِ (عليه السلام) أنْ يَتَكلَّمَ بِمَجمَعٍ مِنَ النَّاسِ، وَ يُعلِمَهُم أَنَّهُ قَد بايَعَ مُعاوِيَةَ، وَ سَلَّمَ الأمرَ إِليهِ، فَأجابَهُ إلى ذلِكَ، فَخَطبَ- وَ قَد حَشَدَ النَّاسَ خُطبَةً، حَمِدَ اللَّهَ تعالى و صلَّى عَلى نَبيِّهِ (صلى الله عليه و آله) فيها، وَ هِي من كلامه المنقول عنه (عليه السلام) وَ قالَ:

أيُّها النَّاسُ إنَّ أكْيَسَ الكَيسِ التُّقى، وَأَحمَقَ الحُمقِ الفُجورُ، وَإنَّكم لَو طَلَبتُم ما بَينَ جَابَلْقَ وجَابَرْسَ‏

(3)

رَجُلًا جَدُّهُ رَسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) ما وَجَدتموهُ غَيري، وَغيرَ أخِيَ الحُسينِ، وقَد عَلِمتُم أنَّ اللَّهَ‏

____________

(1) في الفتوح: «تهامهم» بدل «يمنهم».

(2) و في الفتوح: (شهد على ذلك، عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث، و عمر بن أبي سلمة، و فلان و فلان) بدل (شهد عليه بذلك، و كفى باللَّه شهيداً؛ فلان و فلان، و السَّلام)، و في الأنساب: (شهد عبد اللَّه بن الحارث، و عمرو بن سلمة) بدل (شهد عليه بذلك، و كفى باللَّه شهيداً؛ فلان و فلان، و السَّلام).

(3) جابَلْق مدينة بأقصى‏ المغرب، و أهلها من ولد عاد. و جابَرْس مدينة في أقصى‏ المشرق، و أهل جابَرْس من ولد ثمود (معجم البلدان ج 2 ص 90- 91).

39

هَداكُم بِجَدَّي مُحَمَّدٍ فَأَنقَذَكُم بهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَرَفَعَكُم بهِ مِنَ الجَهالَةِ، وأعزَّكُم بهِ بَعدَ الذِّلَةِ، وكَثَّركُم بهِ بَعدَ القِلَّةِ.

إنَّ مُعاوِيَةَ نازَعَني حَقَّاً هُوَ لي دُونَهُ، فَنَظَرتُ لِصَلاحِ الأُمَّةِ وَقَطعِ الفِتنَةِ، وَقَد كُنتُم بايَعتُموني عَلى أن تُسالِمونَ مَن سالَمتُ، وَتُحارِبونَ مَن حارَبتُ، فَرَأيتُ أن أسالِمَ مُعاوِيَةَ، وَأضَعَ الحَربَ بَيني وَبَينَهُ وَقَد بايَعتُهُ، وَرَأيتُ حَقنَ الدِّماءِ خَيراً مِن سَفكِها، ولَم أُرِد بذِلِكَ إلَّاصلاحَكُم وَبقاءَكُم، وإن أَدري لَعَلَّهُ فِتنَةٌ لَكُم وَمتاعٌ إلى حِينٍ.

(1)

أقول: كتب معاوية كتاباً إلى الحسن (عليه السلام) مشتملًا على الصُّلح، و بُنُوده و شرُوطه و أرسله إليه أنْ لو أمَّنت النَّاس بايعتك:

قال البلاذريّ: و وَجَّه معاوية إلى الحسن عبد اللَّه بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس- ثمَّ ذكر ما جرى‏ بينه و بين الحسن (عليه السلام) فقال: و بعث أي الحسن (عليه السلام)- معهما عمرو بن سلمة الهمدانيّ ثمَّ الأرحبيّ، و محمَّد بن الأشعث الكنديّ، ليكتبا على معاوية الشَّرط و يعطياه الرّضى‏.

فكتب معاوية كتاباً نسخته:

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم‏

هذا كتاب للحسن بن عليّ من معاوية بن أبي سفيان.

إنِّي صالَحتُك عَلى أنَّ لكَ الأمرَ مِن بَعدي، و لَكَ عَهدُ اللَّهِ وَ ميثاقُهُ و ذِمَّتُه و ذِمَّةُ رَسولِهِ (صلى الله عليه و آله)، وَ أشدُّ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أحَدٍ مِن خَلقِهِ مِن عَهدٍ وَ عَقدٍ، لا أبغيكَ غائِلَةً وَ لا مَكروهاً، وَ عَلى أن أعطِيَكَ في كُلِّ سَنَةٍ ألفَ ألفَ دِرهَمٍ مِن‏

____________

(1). كشف الغمّة: ج 2 ص 196، بحار الأنوار: ج 44 ص 65 ح 13؛ الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 291 نحوه و راجع:

أنساب الأشراف: ج 3 ص 287، الصّواعق المحرقة: ص 136، الفصول المهمّة: ص 161، ينابيع المودّة: ج 2 ص 425 الرّقم 173.

40

بَيتِ المالِ، وَ عَلى أنَّ لَكَ خَراجَ فَسا، وَ درابجردَ، تَبعَثُ إليهِما عُمَّالَكَ و تصنَعُ بِهِما ما بَدا لَكَ.

شَهِدَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عامِرٍ، وَ عَبدُ اللَّهِ بنُ سلَمَةَ الهَمدانيّ، وَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ سَمرَةَ، و مُحَمَّدُ بنُ الأشعَثِ الكِنديّ.

وَ كُتِبَ في شَهرِ رَبيعِ الآخِرِ سَنَة إحدى‏ وَ أربَعينَ.

فلمَّا قرأ الحسن الكتاب قال:

يُطَمِّعُني معاويَةُ في أمرٍ لَو أرَدتُ لَم أُسلِّمهُ إليهِ.

ثمَّ بعث الحَسَنُ عَبدَ اللَّهِ بنَ الحارِثِ بنَ نوفَلٍ بنِ الحارِثِ بنِ عَبدِ المُطّلبِ، وَ أُمُّهُ هِند بنتُ أبي سفيانَ، فقالَ لَهُ:

ائتِ خالَكَ، فَقُل لَهُ: إن أمِنتَ بالنَّاسِ بايَعتُكَ.

فدفع معاوية إليه صحيفة بيضاء قد خُتم في أسفلها، و قال: اكتب فيها ما شئت، فكتب الحسن:

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم ... الحديث. (1)

أقول: هذا ما عثرنا عليه من نصّ كتاب الصُّلح بإملاء الحسن (عليه السلام)، و الَّذي يصرّح به المحقِّقون من موادّ الصُّلح، أكثر ممَّا ذكر فيه، أو مخالف لما ذكر فيه، فمن الملائم أن نذكر شروط الصُّلح على ما نقله المُؤرِّخون و المحدِّثون حتَّى يتَّضح مقدار الخلاف:

1- شرط (عليه السلام) أن يعمل بكتاب اللَّه تعالى و سنَّة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

2- و أن يعمل على سيرة الخلفاء الرَّاشدين.

____________

(1). أنساب الأشراف: ج 3 ص 285.

41

3- ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده. (1)

4- أن يكون الأمر بعده للحسن (عليه السلام). (2)

5- فإن حدث للحسن حدث فالأمر للحسين (عليهما السلام). (3)

6- الأمن العام لعموم النَّاس الأسود و الأحمر، بالعراق و الحجاز، و أن يحتمل عنهم معاوية ما كان فيما مضى، و أن لا يؤخذ أهل العراق بإحْنَة. (4)

7- أن لا يسمّيه أمير المؤمنين‏ (5)؛ أي الحسن (عليه السلام) لا يُسمِّي مُعاويةَ بلقب أمير المؤمنين، أو لا يتسمَّى معاوية بهذا اللَّقب في مكاتباته و مخاطباته.

8- أن لا يقيم عنده الشَّهادة. (6)

9- أن يترك سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أن لا يذكره إلَّا بخير، و أن يعدل عن القنوت عليه. (7)

____________

(1). كشف الغمّة: ج 2 ص 196، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 3 بحار الأنوار: ج 44 ص 65 ح 13؛ الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 291، أنساب الأشراف: ج 3 ص 287.

(2) راجع: الإصابة: ج 2 ص 65 الرقم 1724، أُسد الغابة: ج 2 ص 18 الرقم 1165، فتح الباري: ج 13 ص 65، الإمامة و السّياسة لابن قتيبة: ج 1 ص 184، تاريخ مدينة دمشق: ج 13 ص 267، تاريخ الخلفاء للسيوطي:

ص 227، الصّواعق المحرقة: ص 136، تهذيب التّهذيب: ج 1 ص 561؛ عمدة الطّالب: ص 67.

(3) راجع: الفتوح لابن أعثم: ج 5 ص 12؛ عمدة الطّالب: 67، حياة الإمام الحسن (عليه السلام) للقرشي: ج 2 ص 229، صلح الحسن (عليه السلام) لآل ياسين: ص 259.

(4) راجع: تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 227، أسد الغابة: ج 2 ص 18 الرقم 1165، الأنساب الأشراف: ج 3 ص 287.

(5). علل الشّرائع: ص 212، بحار الأنوار: ج 44 ص 2 ح أعيان الشّيعة: ج 1 ص 570، معادن الحكمة: ج 2 ص 14.

(6). علل الشرائع: ص 215، بحار الأنوار: ج 44 ص أعيان الشّيعة: ج 1 ص 570، معادن الحكمة: ج 2 ص 13.

(7) راجع: الإرشاد: ج 2 ص 14، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 3 كشف الغمّة: ج 2 ص 141، بحار الأنوار: ج 44 ص 48 ح 5؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 13 ص 266، الفصول المهمّة: ص 161.

42

10- أن يوصل إلى كلّ ذي حقّ منهم حقّه. (1)

11- أن يؤمن شيعته و لا يتعرض لأحد منهم بسوء. (2)

هذا بعد ما اشترط الأمن لجميع النَّاس، أحمرهم و أسودهم تأكيداً و توثيقاً، و ذلك لما يعلم من الضَّغائن في صدر الأُموي اللّعين، حتَّى قيل أنَّه راجعه في عشرة منهم قيس بن سعد بن عبادة (3)؛ الذي توعّده مُعاوية قائلًا: إنِّي حلفت أنِّي متى‏ ظفرت‏

____________

(1). الإرشاد: ج 2 ص 14، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 3 كشف الغمّة: ج 2 ص 141، بحار الأنوار:

ج 44 ص 48 ح 5؛ الفصول المهمّة: ص 161.

(2). الإرشاد: ج 2 ص 14، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 3 كشف الغمّة: ج 2 ص 141، إعلام الورى: ج 1 ص 40 بحار الأنوار: ج 44 ص 48 ح 5؛ الفصول المهمّة: ص 161 و راجع: الصّواعق المحرقة: ص 139، مقاتل الطّالبيّين: ص 75؛ علل الشّرائع: ص 212.

(3) قَيْسُ بنُ سَعْدِ بنِ عُبادَة

قيس بن سَعْد بن عُبادَة الأنْصاريّ الخَزْرَجيّ السَّاعدي، هو أحد الصّحابة و من كبار الأنصار. و كان يحظى باحترام خاصّ بين قبيلته و الأنصار و عامّة المسلمين، و كان شجاعاً، كريم النَّفس، عظيماً، مطاعاً في قبيلته.

و كان طويل القامة، قويّ الجسم، معروفاً بالكرم، مشهوراً بالسّخاء. حمل اللواء في بعض حروب النَّبيّ (صلى الله عليه و آله).

و هو من السَّبَّاقين إلى رعاية حرمة الحقّ، و الدّفاع عن خلافة الحقّ و حقّ الخلافة و إمامة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

و كان من صحابة الإمام (عليه السلام) المقرّبين و حماته الثَّابتين في أيّام خلافته (عليه السلام). ولّاه (عليه السلام) على مصر، فاستطاع بحنكته أن يُسكت المعارضين و يقضي على جذور المؤامرة.

حاول معاوية آنذاك أن يعطفه إليه، بَيْدَ أنّه خاب و لم يُفلح. و بعد مدّة استدعاه الإمام (عليه السلام) و أشخص مكانه محمّد بن أبي بكر لحوادث وقعت يومئذٍ.

و كان قَيْس قائداً لشرطة الخميس، و أحد الامراء في صفِّين، إذ ولي رجّالة البصرة فيها.

تولّى قيادة الأنصار عند احتدام القتال و كان حضوره في الحرب مهيباً. و خطبه في تمجيد شخصيّة الإمام (عليه السلام)، و رفعه علم الطَّاعة لأوامره (عليه السلام)، و حثّ اولي الحقّ و تحريضهم على معاوية، دليلًا على وعيه العميق، و شخصيّته الكبيرة، و معرفته بالتَّيّارات السِّياسيَّة و الاجتماعيَّة و الأُمور الجارية، و طبيعة الوجوه يومذاك.

ولّاه الإمام (عليه السلام) على أذربيجان. و شهد قَيْس معه صفِّين و النَّهروان، و كان على ميمنة الجيش.

و لمّا عزم الإمام (عليه السلام) على قتال معاوية بعد النَّهروان، و رأى‏ حاجة الجيش إلى قائد شجاع مجرَّب مُتمرّس، أرسل إليه ليشهد معه الحرب.

و كان قَيْس أوّل من بايع الإمام الحسن (عليه السلام) بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، و دعا النّاس إلى بيعته من خلال خطبة واعية له. و كان على مقدّمة جيشه (عليه السلام). و لمّا كان عبيد اللَّه بن العبّاس أحد امراء الجيش، كان قَيْس مساعداً له، و حين فرّ عبيد اللَّه إلى معاوية صلّى قَيْس بالنَّاس الفجر، و دعا المصلّين إلى الجهاد و الثَّبات و الصُّمود، ثمّ أمرهم بالتَّحرّك.

و بعد عقد الصُّلح بايع قَيْس معاوية بأمر الإمام (عليه السلام). فكرّمه معاوية، و أثنى عليه.

و عُدَّ قَيْس أحد الخمسة المشهورين بين العرب بالدهاء. و فارق قَيْس الحياة في السِّنين الأخيرة من حكومة معاوية. (راجع: رجال الطّوسي: ص 272 الرقم 3931، رجال البرقي: ص 65، رجال الكشّي: ج 1، وقعة صفّين، تاريخ اليعقوبي: ج 2، الغارات: ج 1؛ أنساب الأشراف: ج تهذيب الكمال: ج 4، الاستيعاب: ج سِيَر أعلام النّبلاء: ج تاريخ خليفة بن خيّاط، تاريخ مدينة دمشق: ج 49، تاريخ بغداد: ج 1، تاريخ الطّبري:

ج 4، اسد الغابة: ج 4، تاريخ الإسلام للذهبي: ج 4، مقاتل الطّالبيّين، شرح نهج البلاغة: ج 16، البداية و النّهاية: ج 8).

و ذكر تفصيلًا مع مصادرها في مكاتيب الإمام عليّ (عليه السلام).

43

بقيس بن سعد أن أقطع لسانه و يده، فراجعه الحسن (عليه السلام) إنِّي لا أبايعك أبداً و أنت تطلب قيساً أو غير قيس بتبعة قلّت أو كثرت، فبعث إذ ذَاك إليه معاوية برقّ أبيض. (1)

12- أن يفرِّق في أولاد مَن قتل مع أبيه يوم الجمل، و أولاد مَن قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، و أن يجعل ذلك من خراج دارابجرد. (2)

13- أن لا يبتغي للحسن بن عليّ، و لا لأخيه الحسين ((عليهما السلام))، و لا لأحد من أهل بيت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، غائلة سرّا و لا جهراً، و لا يخيف أحداً منهم في أُفق من الآفاق. (3)

14- أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، و يقضى عنه ديونه، و يدفع إليه في كلّ‏

____________

(1) راجع: الدّرجات الرّفيعة: ص 347؛ ذخائر العقبى: ص 240.

(2). علل الشّرائع: ص 212 عن يوسف بن مازن الرّاشيّ، بحار الأنوار: ج 44 ص 2 ح 2، أعيان الشّيعة: ج 1 ص 570 و راجع: الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 290، تاريخ مدينة دمشق: ج 13 ص 266، فتح الباري: ج 13 ص 55.

(3) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 11 ص 4 حياة الإمام الحسن (عليه السلام): ص 320.

44

عام مائةَ ألف. (1)

و قد اهتمّوا بذكر هذا الشَّرط لأسباب و أهداف لا تخفى على المتأمّل، و إليك عبائر القوم:

ففي‏تاريخ الخلفاء: و على أن يقضي عنه ديونه‏ (2).

و في‏المناقب‏: و يوفّر عليه حقّه، كلّ سنة خمسون ألف درهم‏ (3).

و في‏مقاتل الطّالبيّين‏نقلًا عن كتاب معاوية إليه (عليه السلام): و لك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، و لك خراج أيّ كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها لك أمينك، و يحملها إليك في كلّ سنة. (4)

[و روى‏] عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث الَّذي بعثه الحسن (عليه السلام) إلى معاوية، قال له في ذكر الشّروط: و له في كلّ سنة خمسة آلاف درهم من بيت المال، و له خراج دارابجرد من أرض فارس؛ و هذا لا ينافيه ردّه (عليه السلام) المال، لما قاله عبد اللَّه بن نوفل لمعاوية. (5)

و في‏فتح الباري‏في ذكر مجي‏ء رسولَي معاوية: و صالحاه على‏ أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها (6)

____________

(1). حياة الإمام الحسن (عليه السلام) للقرشي: ج 2 ص 230 و راجع: المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 33؛ تاريخ الطّبري:

ج 4 ص 122، تاريخ مدينة دمشق: ج 13 ص 266، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 227، فتح الباري: ج 13 ص 55، الإمامة و السّياسة: ج 1 ص 185، البداية و النّهاية: ج 8 ص 17.

(2). تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 227.

(3). المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 33.

(4). مقاتل الطّالبيّين: ص 67 و راجع: الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 290، أنساب الأشراف: ج 3 ص 286.

(5) راجع: الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 290؛ سيرة الأئمة الاثني عشر: ج 1 ص 525.

(6). فتح الباري: ج 13 ص 65.

45

و عن طريق عوانة بن الحكم: و قد كان صالح الحسنُ معاوية على أن يجعل له ما في بيت ماله، و خراج دارابجرد (1).

و في‏تاريخ مدينة دمشق‏: يسلّم له بيت المال، فيقضي منه دينه و مواعيده الَّتي عليه، و يتحمّل منه هو و من معه [من‏] عيال أهل أبيه و ولده و أهل بيته ... و أن يحمل إليه خراج فسا، و دارابجرد من أرض فارس، كلّ عام إلى المدينة ما بقي. (2)

هذا ما نصّ عليه أهل التّاريخ من مُناوئي أهل البيت، أو مدافعي آل أُميَّة لعنة اللَّه عليهم، و قد أسلفنا عن فتوح ابن أعثم، أنَّ الحسن (عليه السلام) قال في جواب معاوية حيث عرض عليه اشتراط الأموال:

وأمَّا المال فليس لمعاوية أن يشترط لي في‏ء المسلمين.

(3)

و هذا هو الحقّ، و لنِعْم ما قال هاشم معروف الحسني في كتابه:

أمَّا الرِّوايات الَّتي تنص على أنَّه اشترط لنفسه ما في بيت مال المسلمين في الكوفة، و مائتي ألف درهم في كلّ عام بالإضافة إلى ذلك، و خراج بعض المقاطعات في الأهواز، و تفضيل الهاشميّين على بني عبد شمس و غيرهم في العطاء، هذه الرِّوايات بالإضافة إلى ضعف أسانيدها- و مع أنَّ النَّاقلين لها من أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، أو من المحامين لأعدائهم و المدافعين عن الأُمويين، و من أصحاب الأقلام المستأجرة-، فمن غير البعيد أن تكون من موضوعات الأُمويّين أو العبَّاسيّين، الَّذين وضعوا حوله عشرات الأحاديث، ليضعوا في الأذهان، أنَّ الحسن قد باع الخلافة بالأموال، و كان منصرفاً إلى الملذّات و الشَّهوات عن عظائم‏

____________

(1). تاريخ الطّبري: ج 5 ص 160 و راجع: الكامل في التّاريخ: ج 2 ص 446.

(2). تاريخ مدينة دمشق: ج 13 ص 264.

(3). الفتوح لابن أعثم: ج 4 ص 290.

46

الأُمور، كما قالها أحد حكَّام العبَّاسيّين في محاولة منه لانتقاص بعض الحسنيين، الَّذين كانوا لا يتحمَّلون الضَّيم، و يثورون بين الحين و الآخر على الظُّلم و الطُّغيان في أواخر العصر الأموي و العصر العبَّاسيّ. (1)

أقول: بل هو نسيج زمن معاوية لإظهار أنَّ الحسن (عليه السلام) أيضاً ليس زاهداً في الدُّنيا، بل هو من أهل الدُّنيا و ملاذها و هواها، كما أشاعوا عن علي (عليه السلام) أنَّه قال:

لا تُزَوِّجوا الحَسَنَ فإنَّهُ رَجُلٌ مِطلاقٌ‏

(2)

، وَ إنَّ الحَسَنَ أهلُ عَيشٍ وخُوانٍ.

فإذا حمي الوطيس فليس هو من أهله، و إنَّه تزوّج عشرات من النِّساء على مهور غالية و متاع كثير، لكل زوجة طلَّقها، و ذلك ليسقطوه عن أعين النَّاس، سيَّما شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، حتَّى لا يكون أهلًا للخلافة في نظرهم فيكون ذلك مبرِّراً لعهد معاوية إلى يزيد بالخلافة، و بعد ذلك كلّه ينقلونه في الصُّلح على نحو يشعر أو يفيد بأنَّه لا يرى الحرب تعريضاً بأمير المؤمنين (عليه السلام).

و يحتمل أن يكون النَّاقلون أخذوا هذه التُّرّهات من رسالة معاوية إليه (عليه السلام)، كما أشرنا إليه، و لم يعثروا على ما نقله ابن أعثم من ردّه (عليه السلام) لما عرضه معاوية، و غفلوا عن أنَّ هذا ليس في لفظ كتاب الصُّلح المنقول عنه (عليه السلام)، مع تأكيد الاعتبار العقلي بالنَّقل، و لو فرضنا صحّة ما نقل فلا إشكال عقلًا و شرعاً، و ذلك لينقذه من أيدي الطّغاة و ينفقه على أيتام المسلمين و فقرائهم في الكوفة و غيرها، كما كان ينفق أكثر أمواله في هذا السّبيل، و قد صحّ عنه أنَّه قاسم الفقراء أمواله ثلاث مرَّات، و خرج منها بكاملها مرَّتين، و لو بقيت في تصرّف معاوية ستصرف على الفجور و المنكرات، و على أعوانه الَّذين باعوا

____________

(1). سيرة الأئمّة الاثني عشر: ج 1 ص 526.

(2). الكافي: ج 6 ص 56 ح 4.

47

دينهم كابن العاص و الأشعث بن قيس‏ (1)و المغيرة و غيرهم من الأنصار و الأتباع‏

____________

(1) الأشْعَثُ بنُ قَيْس‏

الأشْعَث بن قَيْس بن مَعْدِيكَرِب الكِنْديّ، يُكنّى أبا محمّد، و اسمه مَعْدِيكَرِب. من كبار اليمن، و أحد الصّحابة.

عَوِرت عينه في حرب اليرموك. و هو وجه مشبوه مُريب متلوّن، ردي‏ء الطَّبع، سيّئ العمل في التّاريخ الإسلامي.

ارتدّ بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عن الدِّين و أُسِر، فعفا عنه أبو بكر، و زوّجه اخته. و كان أبو بكر يُعرب عن ندمه، و يتأسّف لعفوه.

زوّج بنته لابن عثمان في أيّام خلافته. و نصبه عثمان والياً على آذربايجان. و كان يهبه مائة ألف درهم من خراجها سنويّا.

عزل الإمام عليّ (عليه السلام) الأشْعَث عن آذربايجان، و دعاه إلى المدينة، فهمّ بالفرار في البداية، ثمّ قدم المدينة بتوصية أصحابه، و وافى الإمامَ (عليه السلام).

تولّى رئاسة قبيلته كِنْدَة في حرب صفِّين، و كان على ميمنة الجيش.

قامت بنته جعدة بسمّ الإمام الحسن (عليه السلام). و تولّى‏ ابنه محمّد إلقاء القبض على مسلم بن عَقِيل بالكوفة، بعد أن آمنه زوراً، ثمّ غدر به و كلُّ إناء بالَّذي فيه ينضحُ. و كان ابنه الآخر قَيْس من امراء جيش عمر بن سعد بكربلاء، و لم يقلّ عن أبيه ضعَةً و نذالةً؛ إذ سلب قطيفة الإمام الحسين (عليه السلام) فاشتهر بقيس القطيفة.

هلك الأشْعَث سنة 40 ه، فخُتم ملفّ حياته الدَّنِس الملوَّث بالعار.

و قال الإمام عليّ (عليه السلام):

أمّا هذا الأعْوَر- يعني الأشْعَث- فإنّ اللَّه لم يرفع شرفاً إلّاحسده، ولا أظهر فضلًا إلّاعابه، وهو يُمنّي نفسه ويخدعها، يخاف ويرجو، فهو بينهما لا يثقُ بواحد منهما، وقد منّ اللَّه عليه بأن جعله جباناً، ولو كان شجاعاً لقتله الحقّ.

(شرح نهج البلاغة: ج 20 ص 286 ح 277؛ نثر الدّرّ: ج 1 ص 325 نحوه).

و قال الإمام الصّادق (عليه السلام):

إنّ الأشْعَث بن قَيْس شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وابنته جعدة سمّت الحسن (عليه السلام)، ومحمّد ابنه شرك في دم الحسين (عليه السلام)

(الكافي: ج 8 ص 167 ح 187 عن سليمان كاتب عليّ بن يقطين عمّن ذكره).

و في شرح نهج البلاغة: كلّ فساد كان في خلافة عليّ (عليه السلام)، و كلّ اضطراب حدث فأصله الأشْعَث، و لو لا محاقّته أمير المؤمنين (عليه السلام) في معنى الحكومة في هذه المرّة لم تكن حرب النَّهروان، و لكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ينهض بهم إلى معاوية، و يملك الشَّام؛ فإنّه (صلوات الله عليه) حاول أن يسلك معهم مسلك التَّعريض و المواربة.

و في المثل النَّبويّ صلوات اللَّه على قائله: الحرب خدعة، و ذاك أنّهم قالوا له: تُبْ إلى اللَّه ممّا فعلت كما تُبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشَّام، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء و المعصومون، و هي قوله:

أستغفر اللَّه من كلّ ذنب، فرضوا بها، و عدّوها إجابة لهم إلى سؤلهم، و صفَتْ له (عليه السلام) نيّاتهم، و استخلص بها ضمائرهم، من غير أن تتضمّن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب.

فلم يتركه الأشْعَث، و جاء إليه مستفسراً و كاشفاً عن الحال، و هاتكاً ستر التّورية و الكناية، و مخرجاً لها من ظلمة الإجمال و ستر الحيلة إلى تفسيرها بما يُفسد التَّدبير، و يُوغِر الصُّدور، و يُعيد الفتنة، و لم يستفسره (عليه السلام) عنها إلّا بحضور من لا يمكنه أن يجعلها معه هُدْنة على دَخَن، و لا ترقيقاً عن صَبوح، و ألجأه بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما في نفسه، و لا يترك الكلمة على احتمالها، و لا يطويها على غَرّها، فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة، فانتقض ما دبّره، و عادت الخوارج إلى شبهتها الاولى، و راجعوا التَّحكيم و المُروق.

و هكذا الدُّول الَّتي تظهر فيها أمارات الانقضاء و الزَّوال، يُتاح لها أمثال الأشْعَث من اولي الفساد في الأرض «سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا». (شرح نهج البلاغة: ج 2 ص 279).

و قد ذكرنا ترجمته مفصّلًا مع مصادرها في «مكاتيب الإمام عليّ (عليه السلام)».

48

و المفسدين في الأرض. (1)

و على كلّ حال لم يف معاوية بما عاهد و صالح، كما شهد به التّاريخ.

10 كتابُه (عليه السلام) إلى معاوية بعد نقضه الشّروط

في‏الكامل‏:

لمَّا سلم الحسن الأمر إلى معاوية، قالوا- الخوارج-: قد جاء الآن ما لا شكّ فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه.

فأقبلوا و عليهم فروة بن نوفل، حتَّى حلُّوا بالنُّخيلة عند الكوفة، و كان الحسن بن عليّ قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة، فلحقه رسوله بالقادسيَّة أو قريباً منها، فلم يرجع و كتب إلى معاوية:

____________

(1). سيرة الأئمة الاثني عشر: ج 1 ص 526 و راجع: شرح نهج البلاغة: ج 4 61 وج 6 ص 88 و ص 280 و 286 و 288 وج 7 ص 151 وج 13 ص 220 وج 11 ص 44 وج 20 ص 16 و 17، أنساب الأشراف: ج 3 ص 47؛ بحار الأنوار: ج 44 ص 12 الغدير: ج 11 ص حياة الحسن (عليه السلام): ج 2 ص 289- 372.

49

لو آثرتُ أنْ أقاتِلَ أحَداً مِن أهلِ القِبلَةِ لَبَدأتُ بقِتالِكَ، فإنِّي تَرَكتُكَ لِصلاحِ الأُمَّةِ، وحَقْنِ دِمائِها.

(1)

11 كتابُه (عليه السلام) إلى زياد بعد تعرّضه لشيعة عليّ (عليه السلام)

روى الشَّرْقي بن القطاميّ، قال: كان سعيد بن سَرْح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمَّا قدم زياد الكوفة طلبه و أخافه، فأتى الحسن بن عليّ (عليه السلام) مستجيراً به، فوثب زياد على أخيه و ولده و امرأته فحَبسهم، و أخذ مالَه، و نقض دارَه. فكتب الحسن بن عليّ (عليه السلام) إلى زياد:

أمَّا بَعدُ؛ فَإنَّكَ عَمَدتَ إلى رَجُلٍ مِنَ المُسلِمينَ لَهُ ما لَهُم وَعلَيهِ ما عَلَيهِم، فَهَدَمتَ دارَهُ، وأخَذتَ مالَهُ، وَحَبَستَ أهلَهُ وَعِيالَهُ، فَإنْ أتاكَ كتابي هذا فابنِ لَهُ دارَهُ، واردُد عَلَيهِ عِيالَهُ وَمالَهُ، وَشَفِّعني فيهِ، فَقَد أجَرتُهُ. والسَّلامُ‏

. فكتب إليه زِياد:

من زياد بن أبي سُفْيان إلى الحسن بن فاطمة:

أمَّا بعدُ؛ فقد أتاني كتابُكَ تبدأُ فيهِ بِنَفسِكَ قبلي، وَ أنتَ طالِبُ حاجَةٍ، وَ أنا سلطانٌ و أنتَ سُوقةٌ، و تأمُرُني فيهِ بأمرِ المطاع المُسلَّطِ عَلى رَعِيَّتهِ.

كَتَبتَ إليَّ في فاسِقٍ آوَيتَهُ، إِقامَةً مِنكَ عَلى سوء الرَّأي، وَ رِضىً مِنكَ بِذلِكَ، وَ ايمُ اللَّهِ لا تَسبِقني بهِ وَ لَو كانَ بَينَ جِلدِكَ وَ لَحمِكَ، وَ إنْ نِلتُ بَعضَكَ غَيرَ رَفيقٍ بِكَ وَ لا مُرعٍ عَلَيكَ، فَإنَّ أحبَّ لَحمٍ عَلَيّ أن آكُلَهُ لَلحمُ الَّذي أنتَ مِنهُ، فَسَلّمهُ بِجريرَتِهِ‏

____________

(1). الكامل لابن الأثير: ج 2 ص 449؛ الغدير: ج 10 ص 173 الرّقم 72.