مكاتيب الأئمة(ع) - ج4

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
530 /
1

[الجزء الرابع‏]

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مكاتيب الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام) المقدّمة ..... 9

الفصل الأوّل: في التّوحيد و الإيمان ..... 19

الفصل الثّاني: في أهل البيت (عليهم السلام) ..... 81

الفصل الثّالث: في المواعظ ..... 95

الفصل الرّابع: في المكاتيب الفقهيّة ..... 163

الفصل الخامس: في وصاياه (عليه السلام) ..... 201

الفصل السّادس: في الدّعاء ..... 251

الفصل السّابع: في امور شتّى ..... 325

مكاتيب الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) المقدمة ..... 349

الفصل الأوّل: في التّوحيد ..... 353

الفصل الثّاني: في الإمامة ..... 365

الفصل الثّالث: في المكاتيب الفقهيّة ..... 397

6

الفصل الرّابع: في المواعظ ..... 437

الفصل الخامس: في الدّعاء ..... 447

الفصل السّادس: في فضائل بعض الأصحاب ..... 465

الفصل السّابع: في وصاياه (عليه السلام) ..... 473

الفصل الثّامن: في امور شتّى ..... 503

الفهرس التفصيلي ..... 519

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المقدّمة

في أعقاب انبلاج فجر الإسلام في ربوع شبه جزيرة العرب، و بعد ما سطع نوره و اتّسع نطاقه إلى ربوع اخرى من المعمورة، و امتدّ زاحفاً إلى أقصى الأرجاء، و تمسّكت به الامم و نظرت إليه باعتباره ديناً جاء لينتشل الناس من الظلمات إلى النور. و في عهد حياة الرسول (صلى الله عليه و آله) كان الناس يهرعون إليه (صلى الله عليه و آله) في الملمّات و في كلّ ما يستعصي عليهم، في شتّى جوانب الحياة؛ يلتمسون عنده جواب ما يجهلون من امور دينهم و دنياهم، و أمّا الذين كانوا في مناطق نائية و يتعذّر عليهم الوصول إليه، فقد كانوا يتوجّهون تلقاء أصحابه الذين كان لهم نصيب من علمه، و نخصُّ بالذكر من هؤلاء الأصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كان على الدوام ملازماً لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و قد أخذ عنه علم القرآن وَ كلَّ معانيه و معارفه.

و في أعقاب وفاة الرسول كان أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو الملجأ و الملاذ و القادر على حلّ المستعصيات حتّى في عهد الخلفاء. و بعد أن استشهد (سلام الله عليه) ضيّق أعداؤه الخناق على أبنائه و أصحابه و شيعته، و حالوا بينهم و بين هداية و إرشاد أبناء الامّة. و على صعيد آخر هبّ اولئك الذين باعوا دينهم بدنياهم إلى وضع الأحاديث و اختلاق الروايات إرضاءً للحكام، و تنفيذاً لرغباتهم‏

10

و ما يخدم مصالحهم، حتّى التبس سليم الحديث بسقيمه و استعصى- حتّى على العلماء- التمييز بين الحديث الصحيح و الحديث الموضوع. و استشرى هناك الفساد، حتى غدت مدينة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بين عام 65- 80 ه. بؤرة تعجُّ بالمغنّين.

و يمكن القول بأنّه في المدّة بين سنة 40 للهجرة و حتّى نهاية القرن الأوّل كانت هناك ثلّة قليلة من الصّحابة و التابعين قد حفظت و صانت و حملت معارف وفقه آل محمّد (صلى الله عليه و آله).

و في عهد الإمام الباقر (عليه السلام) شهدت الأوضاع انفراجاً ملحوظاً، و أمّا عهد إمامة الإمام الصادق (عليه السلام)؛ أي من عام 114- 148 ه فقد كان عصر انتشار معارف وفقه آل محمّد (صلى الله عليه و آله)، و عصر التعليم و التدريس حيث ظهرت المدينة المنورة عند ذاك بوجه آخر غير الذي كانت عليه من قبل.

منذ عام 83 ه (و هي السنة التي ولد فيها الإمام الصادق (عليه السلام)) و حتّى عام 148 ه (و هي سنة استشهاده) تناوبَ على خلافة المسلمين اثنا عشر خليفة من المروانيين و العباسيّين، و كانت مدّة حكم كلّ واحد منهم قصيرة- عدا عبد الملك بن مروان، و هشام بن عبد الملك اللّذان حكم كلُّ واحد منهما عشرين سنة- و من الطبيعي أنّ انتقال السلطة من حاكم إلى آخر كان يتمخّض عنه اضطراب في الأوضاع السياسية و الاجتماعية، خاصّة و أنّ العقدين الأخيرين من حياة الإمام (عليه السلام) شهدا انتقال السلطة من سلالة إلى اخرى، و اقترن هذا الانتقال بحالة من الفوضى و المذابح.

إنّ الضعف الذي أصاب الحكم المرواني و انتهى به إلى السقوط، وفّر انفتاحاً في الحريات السياسية، و مهّد السبيل أمام اندلاع الثورات الدينية في بقاع متعدّدة من العالم الإسلامي ضدّ الحكّام، و فسَحَ المجال أمام اتّساع البحوث العلمية و التدريس في مختلف الفروع.

و كان لا بدّ في مثل ذلك الظرف الحسّاس من اقتحام الميدان بكلّ قوّة، و اعتماد

11

وسائل متعدّدة لبلوغ الغاية المنشودة، و هذا ما فعله الإمام الصّادق (عليه السلام)، و اهتمّ به غاية الاهتمام، حتّى أنّ أحد الأسرار الكامنة وراء نشر المعارف و الأحكام كان اهتمامه بالكتابة و توظيفها في سبيل هذه الغاية على أحسن وجه. و الاهتمام بأمر الكتابة لا يختص به وحده، بل إنّ أوّل من كتب كتاباً في الإسلام- كما ذكر ابن شهر آشوب- هو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و من بعده سلمان الفارسي و أبو ذر. و قال السُّيوطي في هذا المجال:

و روى‏ السيوطي: إنّ عليّاً و الحسن بن عليّ ممّن أباحوا كتابة العلم بين الصحابة و فعلوها. (1)

و استمرت الكتابة قليلًا أو كثيراً، إلى أن جاء عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي كان عصر ازدهار المعارف و الأحكام الدينية، و استجدّت ظروف منحت الكتابة قيمة و أهمية أكبر، و من تلك المستجدّات كثرة طلبة العلوم في بقاع شتّى من أرجاء العالم الإسلامي، إضافة إلى بُعدهم الجغرافي عن الإمام و تعذّر وصولهم إليه.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) للمفضّل في وصف أهمية الكتابة:

تأمّل- يامُفَضّلُ- ما أنعَمَ اللَّهُ تقدّسَت أسماؤهُ مِن هذا النُّطقِ الذي يُعبِّرُ بهِ عَمّا في ضَميرِهِ- إلى أن قال- وكذلك الكتابَةُ التي بها تُقَيَّدُ أخبارُ الماضِينَ للباقينَ، وَأخبارُ الباقينَ لِلآتينَ، وَبِها تُخَلَّدُ الكُتُبُ في العُلومِ وَالآدابِ وَغيرِها وَبِها يَحفَظُ الإنسانُ ذِكرَ ما يَجري بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ مِنَ المُعاملاتِ وَالحِسابِ، وَلَولاهُ لانقَطَعَ أخبارُ بَعضِ الأزمِنَةِ عَن بَعضٍ، وَأخبارُ الغائِبينَ عَن أوطانِهِم وَدَرَسَت العُلومُ وَضاعَت الآدابُ وَعَظُمَ ما يَدخُلُ عَلى الناسِ مِنَ الخَلَلِ في امورِهِم وَمُعامَلاتِهِمَ وَما يَحتاجونَ إلى النَّظَرِ فيهِ مِن أمرِ دينِهِم وَما رُوِيَ لَهُم مِمّا لا يَسَعُهُم جَهلُهُ‏

(2)

.

و بما أنّ هذا الكتاب يدور حول ما كتبه الصادق (عليه السلام) من مكاتيب في مختلف الأغراض و المناسبات، و لا يخفى أنّ فعله (عليه السلام) حجّة علينا، فما أجدرنا بالسّير على‏

____________

(1). الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عبد الحليم الجندي: ص 200.

(2). توحيد المفضّل: ص 39؛ بحار الأنوار: ج 3 ص 81 وج 61 ص 257.

12

نهجه و نهج آبائه الطّاهرين، و ذلك بتدوين العلم و حفظه، الأمرُ الّذي أكّدت عليه العديد من الرّوايات عنهم (عليهم السلام).

و ها نحن نضع أمام القارئ الكريم هذه الرّوايات الشّريفة؛ ليكون ذلك حافزاً و دافعاً للكتابة و حفظ الآثار و العلوم.

في الحثّ على الكتابة و التّكاتب‏

عليّ بن محمّد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبي أيّوب المدنيّ، عن ابن أبي عمير، عن حسين الأحمسي، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

القَلبُ يَتَّكِلُ عَلَى الكِتابَةِ.

(1)

و الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) يقول:

اكتُبوا فَإنَّكُم لا تَحفَظونَ حَتَّى تَكتُبوا

. (2)

و أبو بصير قال: دخلت على أبي عبد اللَّه (عليه السلام) فقال:

ما يَمنَعُكُم مِنَ الكِتابَةِ؟ إنَّكُم لَن تَحفَظوا حَتَّى تَكتُبوا، إنَّهُ خَرَجَ مِن عِندي رَهطٌ مِن أهلِ البَصرَةِ سَأَلوني عَن أشياءَ فَكَتَبوها.

(3)

و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بُكير، عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

احتَفِظوا بِكُتُبِكُم فَإنَّكُم سوف تَحتاجونَ إلَيها.

(4)

و عدَّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، عن بعض أصحابه، عن أبي سعيد الخيبري، عن المفضّل بن عمر قال: قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

اكتُب وَبُثَّ عِلمَكَ في إخوانِكَ فَإِن مِتَّ فَأورِث كُتُبَكَ بَنيكَ، فَإنَّهُ يَأتي عَلَى النّاسِ زَمانُ هَرَجٍ لايأنَسونَ فيهِ إلّابِكُتُبِهِم.

(5)

____________

(1). الكافي: ج 1 ص 52 ح 8، مشكاة الأنوار: ص 250 ح 728، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ح 39.

(2). الكافي: ج 1 ص 52 ح 9، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ح 38.

(3). مشكاة الأنوار: ص 249 ح 72 بحار الأنوار: ج 2 ص 153 ح 47.

(4). الكافي: ج 1 ص 52 ح 10، مشكاة الأنوار: ص 249 ح 725، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ح 40.

(5). الكافي: ج 1 ص 52 ح 11، مشكاة الأنوار: ص 249 ح 727، بحار الأنوار: ج 2 ص 150 ح 27.

13

و أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

المُؤمِنَ إذا ماتَ وَتَرَكَ وَرَقَةً واحِدَةً عَلَيها عِلمٌ، تَكونُ تِلكَ الوَرَقَةُ يَومَ القِيامَةِ سِتراً فيما بَينَهُ وَبَيَنَ النَّارِ، وَأعطاهُ اللَّهُ تبارَكَ وَتعالى بِكُلِّ حَرفٍ مَكتوبٍ عَلَيها مَدينَةً أوسَعَ مِنَ الدُّنيا سَبعَ مَرَّاتٍ.

(1)

و أبو عبد اللَّه محمّد بن محمّد بن النّعمان في كتابه‏ مصابيح النّور: أخبرني الصّدوق جعفر بن محمّد بن قولويه، عن عليّ بن الحسين بن بابويه، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن داوود بن القاسم الجعفريّ، قال: عرضت على أبي محمّد صاحب العسكر (عليه السلام) كتاب‏ يوم و ليلة ليونس، فقال لي:

تَصنيفُ مَن هذا؟

فقلت:

تصنيف يونس، مولى آل يقطين، فقال:

أعطاهُ اللَّهُ بِكُلِّ حَرفٍ نوراً يَومَ القِيامَةِ.

(2)

و عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد شينولة، قال: قلت لأبي جعفر الثّاني (عليه السلام): جعلت فداك، إنَّ مشايخنا رَوَوا عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (عليهما السلام)، و كانت التّقيّة شديدة فكتموا كتبهم، و لم تُروَ عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا. فقال:

حَدِّثوا بِها فَإنَّها حَقٌّ.

(3)

و عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، أنّه دعا بنيه و بني أخيه فقال:

إنَّكُم صِغارُ قَومٍ، وَيُوشَكُ أن تَكونوا كِبارَ قَومٍ آخَرينَ، فَتَعَلَّموا العِلمَ، فَمَن لَم يَستَطِع مِنكُم أن يَحفَظَهُ فَليَكتُبهُ وَليَضَعهُ في بَيتِهِ.

(4)

فيما يليق بالكتابة و التّكاتب‏

روي عن النّبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال لبعض كتّابه:

ألقِ الدَّواةَ، وَحَرِّفِ القَلَمَ، وانصِبِ الباءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلا تُعَوِّرِ المِيمَ، وَحَسِّنِ اللَّهَ، وَمُدّ الرَّحمنَ، وَجَوِّدِ الرَّحيمَ، وَضَع قَلَمَكَ عَلَى اذنِكَ اليُسرى؛

____________

(1). الأمالي للصدوق: ص 91 ح 6 الدعوات: ص 275 ح 791، بحار الأنوار: ج 2 ص 144 ح 1 نقلًا عنه.

(2). بحار الأنوار: ج 2 ص 150 ح 25 نقلًا عن الفهرست للنّجاشيّ (رجال النّجاشي).

(3). الكافي: ج 1 ص 53 ح 15، بحار الأنوار: ج 2 ص 167.

(4). منية المريد: ص 340، تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 227، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ح 37؛ تاريخ مدينة دمشق:

ج 13 ص 259، كنز العمّال: ج 10 ص 257 ح 29369.

14

فَإنّهُ أذكَرُ لَكَ.

(1)

و عن سيف بن هارون مولى آل جعدة قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

اكتُب بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ مِن أجوَدِ كِتابَتِكَ، وَلا تَمُدَّ الباءَ حَتّى تَرفَعَ السِّينَ.

(2)

و عن جميل بن درّاج قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

لا تَدَع بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وإن كانَ بَعدَهُ شِعرُ.

(3)

و عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن عليّ بن الحكم عن الحسن بن السّري عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

لا تَكتُب بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ لِفُلانٍ، وَلا بأسَ أن تَكتُبَ على ظَهرِ الكِتابِ لفلان‏

(4)

. و عن حديد بن حكيم، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

لا بَأسَ بِأن يَبدَأ الرَّجُلُ بِاسم صاحِبِهِ في الصَّحيفَةِ قَبلَ اسمِهِ.

(5)

و عن أبي عبد اللَّه عن آبائه (عليهم السلام) قال:

قَالَ أميرُ المُؤمِنينَ (عليه السلام): إذا كَتَبَ أحدُكُم في حاجَةٍ، فَليَقرَأ آيَةَ الكُرسِيِّ وَآخِرَ بَني إسرائِيلَ؛ فإنَّهُ أنجَحُ لِلحاجَةِ.

(6)

و عن مُرازم بن حكيم قال: أمر أبو عبد اللَّهِ (عليه السلام): بكتابٍ في حاجَةٍ، فكتب ثمّ عرض عليه و لم يكن فيه استثناء، فقال:

كَيفَ رَجَوتُم أن يَتِمَّ هَذا وَلَيسَ فيهِ استثِناءٌ؟

انظُروا كُلَّ مَوضِعٍ لا يَكونُ فيهِ استِثناءٌ فَاستَثنوا فِيهِ‏

. (7)

و عن جابرٍ عَن أبي جَعفَرٍ (عليه السلام) قال لِكاتبِ كُتُبِهِ: أن يصنع هذه الدّفاتر كراريس،

____________

(1). منية المريد: ص 349، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ح 41.

(2). الكافي: ج 2 ص 672 ح 2، مشكاة الأنوار: ص 250 ح 734.

(3). الكافي: ج 2 ص 672 ح 1، مشكاة الأنوار: ص 250 ح 733.

(4). الكافي: ج 2 ص 673 ح 3، مشكاة الأنوار: ص 250 ح 735.

(5). الكافي: ج 2 ص 673 ح 6، مشكاة الأنوار: ص 251 ح 736.

(6). مشكاة الأنوار: ص 251 ح 737.

(7). الكافي: ج 2 ص 673 ح 7، مشكاة الأنوار: ص 251 ح 738، بحار الأنوار: ج 47 ص 48 ح 73.

15

و قال:

وَجَدنا كُتُبَ عَلِيٍّ (عليه السلام) مُدرَجَةً

(1)

. (2)

و عن محمّد بن سنان قال: كتب أبو عبد اللَّه (عليه السلام) كتاباً فأراد عقيبٌ أن يُتَرِّبَهُ، فقال له أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

لا تُتَرِّبهُ، فَلَعَنَ اللَّهُ أوَّلَ مَن تَرَّبَ،

فَقُلتُ: يا ابنَ رَسولِ اللَّهِ، أخبِرني عَن أوَّلِ مَن تَرَّبَ؟ فَقال:

فُلانٌ الامَوِيُّ عَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ.

(3)

و عن الإمام الصّادق (عليه السلام) قال:

قالَ أميرُ المُؤمِنينَ (عليه السلام): اذكُروا الحَديثَ بإسنادِهِ، فَإن كانَ حَقّاً كُنتُم شُرَكاءَهُ فِي الآخِرَةِ، وإن كانَ باطِلًا فإنَّ الوِزرَ عَلَى صاحِبِهِ.

(4)

و عن عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

رَدُّ جَوابِ الكِتابِ واجِبٌ كَوُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ.

(5)

و عن العَيصِ بن أبي القاسم قال: سَألتُ أبا عَبدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ التَّسليم عَلَى أهلِ الكِتابِ في الكِتابِ، قَالَ:

تَكتُبُ: سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبعَ الهُدى‏، وَفي آخِرِهِ: سَلامٌ عَلى المُرسَلينَ، وَالحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالَمينَ.

(6)

و عن ذريح قال: سَألتُ أبا عَبدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ التَّسليمِ عَلَى اليَهودِيِّ و النَّصرانيِّ وَ الرَّدِ عَلَيهِم في الكِتابِ، فَكَرِهَ ذلِكَ. (7)

و الإمامُ الصّادق (عليه السلام) قال:

التَّواصُلُ بَينَ الإخوانِ في الحَضَرِ التَّزَاوُرُ، وَفي السَّفَرِ التَّكاتُبُ‏

. (8)

____________

(1). الدُّرجة- بالضمّ- و جمعها الدُّرَج، و أصله شي‏ءٌ يُدرج أي يُلفَّ (النهاية: ج 2 ص 111).

(2). مشكاة الأنوار: ص 249 ح 726.

(3). مشكاة الأنوار: ص 251 ح 739.

(4). مشكاة الأنوار: ص 252 ح 744.

(5). الكافي: ج 2 ص 670 ح 2، مشكاة الأنوار: ص 251 ح 741، بحار الأنوار: ج 84 ص 273.

(6). مشكاة الأنوار: ص 250 ح 731.

(7). مشكاة الأنوار: ص 250 ح 732، الاصول الستّة عشر: ص 87.

(8). الكافي: ج 2 ص 670 ح 1، تحف العقول: ص 358، مشكاة الأنوار: ص 250 ح 730، مصادقة الإخوان:

ص 162، بحار الأنوار: ج 78 ص 240 ح 13.

16

وَ سُئِلَ أبو عَبدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الاسمِ مِن أسماءِ اللَّهِ يَمحوهُ الرَّجُلُ، بالتَّفلِ؟ قالَ:

امحوهُ بِأَطهَرِ ما تَجِدونَ.

(1)

و عن الإمام الصّادق (عليه السلام) أنّه قال:

قالَ رَسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): امحُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالَى وَذِكرَهُ بِأَطهَرِ ما تَجدونَ، وَنَهى‏

[

رَسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)

] (2)

أن يُحرَقَ كِتابُ اللَّهِ، وَنَهى أن يُمحَى بِالأَقلامِ‏

. (3)

و في‏ مستدرك الوسائل‏، نقلًا عن السّيوطي في‏ طبقات النّحاة: سئل محمّد بن يعقوب- صاحب القاموس- عن قول عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لكاتبه:

ألصِق رَوانِفَكَ‏

(4)

بِالجُبوبِ‏

(5)

، وُخُذِ المِزبَرَ

(6)

بِشَناتِرِكَ‏

(7)

، وَاجعَل حَندورَتَيكَ‏

(8)

إلى قَيهَلي‏

(9)

، حَتّى لا أنغى نَغَيةً

(10)

إلّاأودَعتُها حَماطَةَ

(11)

جُلجُلانِكَ‏

(12)

؛ ما معناه؟

فَقالَ: ألزِق عَضَرطَتَكَ‏ (13) بِالصِّلَةِ (14)، وَ خُذِ المَصطَرَ (15) بِأباخِسِكَ‏ (16)، وَ اجعَل‏

____________

(1). الكافي: ج 2 ص 674 ح 3، مشكاة الأنوار: ص 252 ح 742.

(2). أضفنا ما بين المعقوفين لأجل استقامة السِّياق.

(3). الكافي: ج 2 ص 674 ح مشكاة الأنوار: ص 252 ح 743.

(4). الروانف: المقعدة.

(5). الجبوب: الأرض.

(6). المزبر: القلم.

(7). الشناتر: الأصابع.

(8). الحندورة: الحدقة.

(9). القيهل: الوجه.

(10). النغية: النغمة.

(11). الحماطة: سوداء القلب.

(12). الجلجلان: القلب.

(13). العضرط: الاست.

(14). الصلة: الأرض.

(15). المصطر: القلم.

(16). الأباخس: الأصابع.

17

حَجمَتَيكَ‏ (1) إلى اثعُبانَ‏ (2)، حَتّى لا أنبُسَ نَبسَةً (3) إلّا وَعَيتَها في لَمظَةِ (4) رِباطِكَ‏ (5). (6)

تنبيه: ينبغي الإشارة إلى أنّ ما ورد بعنوان «وصاياه (عليه السلام)» هي في الغالب ليست مكاتيب بالمعنى الاصطلاحي، بل وردت شفاهاً، و إنّما أوردناها استطراداً.

و في ختام هذه الديباجة، نودُّ أن نلفت انتباه القارئ الكريم إلى‏ أنَّ هذا الكتاب الذي بين يديه، هو المجلد الرابع من مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)، مركب من مكاتيب الإمامين الصّادق و الكاظم (عليهما السلام). و قد احتوى مكاتيب الصّادق (عليه السلام) على سبعة فصول:

أوّلًا: في التوحيد و الإيمان.

ثانياً: في أهل البيت (عليهم السلام).

ثالثاً: في المواعظ.

رابعاً: المكاتيب الفقهيّة.

خامساً: وصاياه (عليه السلام).

سادساً: في الدّعاء.

سابعاً: في امور شتّى.

____________

(1). الحجمة: العين.

(2). الاثعبان: الوجه.

(3). النبسة: النغمة.

(4). اللّمظة: النكتة السوداء بياض (من الأضداد).

(5). الرباط: القلب.

(6). مستدرك الوسائل: ج 13 ص 259 ح 15295 نقلًا عن السّيوطي في طبقات النّحاة.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الفصل الأوّل في التّوحيد و الإيمان‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

1 كتابه (عليه السلام) إلى عبد الرّحيم بن عتيك في التّوحيد

عليّ بن إبراهيم، عن العبّاس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحيم بن عتيك القصير (1)، قال: كتبت على يَدَي عبد الملك بن أعين‏ (2) إلى أبي عبد اللَّه (عليه السلام): إنَّ قوماً بالعراقِ يَصِفونَ اللَّهَ بالصُّورَةِ وَ بالتَّخطيطِ، فَإن‏

____________

(1). عبد الرّحيم بن عتيك‏

عبد الرّحيم بن عتيك القصير: روى عن الصّادق (عليه السلام)، و روى عنه حمّاد بن عثمان. ثمّ إنّه قد يُتَوَهَّمُ حُسنُ عَبدِ الرّحيمِ بنِ عَتيكٍ بِتَرحُّمِ الإمامِ (عليه السلام)، و برواية حمّاد عنه، (راجع: معجم رجال الحديث: ج 10 ص 9 الرّقم 6485).

(2). عبد الملك بن أعين‏

هو أخو زرارة و والد ضريس (راجع: رجال الطوسي: ص 139 الرقم 1480، رجال البرقي: ص 10، رجال ابن داوود: ص 229 الرقم 950).

و في رجال الكشّي: الحسن بن عليّ بن يقطين قال: حدّثني المشايخ: أنّ حمران و زرارة و عبد الملك و بكيراً و عبد الرّحمن بني أعين كانوا مستقيمين، و مات منهم أربعة في زمان أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، و كانوا من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، و بقي زرارة إلى عهد أبي الحسن (عليه السلام) فلقي ما لقي. و ثعلبة بن ميمون، عن بعض رجاله قال: قال ربيعة الرّأي لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): ما هؤلاء الإخوة الّذين يأتونك من العراق، و لم أر في أصحابك خيراً منهم و لا أهيأ؟ قال:

اولئِكَ أصحابُ أبي، يَعني وُلدَ أعينَ‏

. (ج 1 ص 382 ح 270 و 271).

و قال زرارة: قدم أبو عبد اللَّه مكّة، فسأل عن عبد الملك بن أعين فقال: مات؟ قال: مات؟ قيل: نعم. فقال: لا و لكن صلّى هاهنا، و رفع يديه و دعا له و اجتهد في الدعاء و ترحّم عليه.

و عن عليّ بن الحسن قال: حدّثني عليّ بن أسباط، عن عليّ بن الحسن بن عبد الملك بن أعين، عن ابن بكير، عن زرارة قال: قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السلام) بعد موت عبد الملك بن أعين:

اللّهمّ إنّ أبا الضَّريس كُنّا عِندَهُ خِيَرَتَكَ مِن خَلقِكَ، فَصَيّرهُ في ثِقلِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله) يَومَ القِيامَةِ

. ثُمَّ قالَ أبو عَبدِ اللَّهِ:

أما رَأيتَهُ يَعني فِي النَّومِ؟ فَتَذَكَّرتُ فَقُلتُ: لا. فَقالَ:

سُبحانَ اللَّهِ، مِثلُ أبي الضَّريسِ لَم يَأتِ بَعدُ

. (ج 1 ص 409 ح 300 و 301).

22

رَأَيتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِداكَ أن تَكتُبَ إليَّ بالمَذهَبِ الصّحيحِ مِنَ التَّوحيدِ. فكتب إليّ:

سَأَلتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ التَّوحيدِ وَما ذَهَبَ إلَيهِ مَن قِبَلَكَ، فَتَعالى اللَّهُ الّذي لَيسَ كَمِثلِهِ شَي‏ءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ، تَعالى عَمَّا يَصِفُهُ الواصِفونَ المُشَبِّهونَ اللَّهَ بِخَلقِهِ، المُفترونَ عَلى اللَّهِ. فَاعلَم- رَحِمَكَ اللَّهُ- أنَّ المَذهَبَ الصَّحيحَ فِي التَّوحيدِ ما نَزَلَ بِهِ القُرآنُ مِن صفاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، فَانفِ عَنِ اللَّهِ تَعالى البُطلانَ وَالتَّشبيهَ فَلا نَفيَ وَلا تَشبيهَ، هُوَ اللَّهُ الثّابِتُ المَوجودُ تَعالى اللَّهُ، عَمَّا يَصِفُهُ الواصِفونَ، ولا تَعدوا القُرآنَ فَتَضِلّوا بَعدَ البَيانِ‏

. (1)

2 كتابه (عليه السلام) إلى عبد الرّحيم القصير في الإيمان‏

عليّ بن إبراهيم، عن العبّاس بن معروف، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحيم القصير (2)، قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد اللَّه (عليه السلام) أسأله عن الإيمان ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعين:

____________

(1). الكافي: ج 1 ص 100 ح 1، بحار الأنوار: ج 3 ص 261 ح 12.

(2). عبد الرّحيم القصير هو عبد الرحيم بن عتيك القصير، مرّ ترجمته في الصفحة السابقة.

23

سَأَلتَ- رَحِمَكَ اللَّهُ- عَنِ الإيمانِ: وَالإيمانُ هُوَ الإقرارُ بِاللِّسانِ وَعَقدٌ فِي القَلبِ وَعَمَلٌ بِالأركانِ، وَالإيمانُ بَعضُهُ مِن بَعضٍ وَهُوَ دارٌ وكَذلِكَ الإسلامُ دارٌ والكُفرُ دَارٌ، فَقَد يَكونُ العَبدُ مُسلِماً قَبلَ أن يَكونَ مُؤمِناً، ولا يَكونُ مُؤمِناً حَتَّى يَكونَ مُسلِماً، فَالإسلامُ قَبلَ الإيمانِ وَهُوَ يُشارِكُ الإيمانَ، فَإذا أتى العَبدُ كَبيرَةً مِن كبائِرِ المَعاصي أو صَغيرَةً مِن صَغائِرِ المَعاصي الّتي نَهَى اللَّهُ عز و جل عَنها، كانَ خارِجاً مِنَ الإيمانِ، ساقِطاً عَنهُ اسمُ الإيمانِ، وثابِتاً عَلَيهِ اسمُ الإسلام، فَإِن تابَ وَاستَغفَرَ عادَ إلى دارِ الإيمانِ، ولا يُخرِجُهُ إلى الكُفرِ إلّاالجُحودُ وَالاستحِلالُ أن يقولَ لِلحَلالِ هذا حَرامٌ ولِلحَرامِ هذا حَلالٌ ودانَ بِذلِكَ، فعندها يَكونُ خارِجاً مِنَ الإسلامِ وَالإيمانِ، داخِلًا فِي الكُفرِ وَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن دَخَلَ الحَرَمَ ثُمَّ دَخَلَ الكَعبَةَ وَأحدَثَ فِي الكَعبَةِ حَدَثاً فَأُخرَجَ عَنِ الكَعبَةِ وَعَنِ الحَرَمِ فَضُرِبَت عُنقُهُ وَصارَ إلى النَّارِ.

(1)

3 كتابه (عليه السلام) إلى الحسن بن خرزاد في معاني الأسماء و اشتقاقها

الحسن بن خُرْزاد (2) قال: كتبت إلى الصّادق أسأل عن معنى اللَّه.

____________

(1). الكافي: ج 2 ص 27 ح 1، التوحيد: ص 228، بحار الأنوار: ج 65 ص 256 ح 15.

(2). الحسن بن خرزاد

الحسن بن خرزاد بالخاء فالرّاء السّاكنة فالزّاء المعجمة، قُميّ من أهل كش. (راجع رجال ابن داوود: ص 439 الرّقم 116).

و قال النّجاشي: الحسن بن خرزاد قمي، كثير الحديث، له كتاب أسماء رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و كتاب المتعة و قيل: إنّه غلا في آخر عمره، أخبرنا محمّد بن محمّد، قال حدّثنا جعفر بن محمّد، قال: حدّثنا محمّد بن الوارث السمرقنديّ قال: حدّثنا أبو عليّ الحسن (الحسين) بن عليّ القميّ قال: حدّثنا الحسن بن خرزاذ بكتابه. و عدّه الشّيخ، في رجاله، من أصحاب الهادي (عليه السلام) (20).

و ذكر ذلك الكشّي أيضاً في ترجمة أحمد بن محمّد بن عيسى، و أخيه بنان. روى محمّد بن أحمد بن يحيى عنه، عن الحسن (الحسين) بن راشد. (راجع: معجم رجال الحديث: ج 4 ص 317 الرّقم 2801 و 2802).

24

فقال:

استَولَى عَلى ما دَقَّ وَجَلَ‏

(1)

. (2)

4 كتابه (عليه السلام) إلى عبد الرّحيم القصير في جوابه عن بعض المسائل‏

محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه في جامعه، و حدّثنا به عن محمّد بن الحسن الصفّار عن العبّاس بن معروف، قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحيم القصير، قال:

كتبت على يَدَي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد اللَّه (عليه السلام):- جُعِلتُ فِداكَ- اختَلَفَ النَّاسُ في أشياءَ قَد كَتَبتُ بِها إلَيكَ، فإن رَأَيتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِداكَ أن تَشرَحَ لي جَميعَ ما كَتَبتُ بِهِ إلَيكَ:

اختَلَفَ النَّاسُ جُعِلتُ فِداكَ بِالعِراقِ في المَعرِفَةِ وَ الجُحودِ، فَأَخبِرني جُعِلتُ فِداكَ أ هُما مَخلوقانِ؟

وَ اختَلَفوا فِي القُرآنِ، فَزَعَمَ قَومٌ: أنَّ القُرآنَ- كَلامَ اللَّهِ- غَيرُ مَخلوقٍ و قال آخرون: كَلامُ اللَّهِ مَخلوقٌ.

وَ عَنِ الاستِطاعَةِ، أقَبلَ الفِعلِ أو مَعَ الفِعلِ؟ فإنَّ أصحابَنا قَد اختَلَفوا فيهِ وَ رَوَوا فيهِ.

وَ عَنِ اللَّهِ تَبارَكَ وَ تَعالى، هَل يُوصَفُ بِالصّورَةِ أو بِالتَّخطيطِ.

____________

(1). و في الكافي: أحمد بن محمّد البرقيّ، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن معنى اللَّه. فقال:

استَولَى عَلى‏ ما دَقَّ وَجَلَ‏

. (ج 1 ص 115 ح 3).

(2). تفسير العيّاشي: ج 1 ص 21 ح 15، بحار الأنوار: ج 92 ص 238 ح 37 نقلًا عنه.

25

فَإن رَأيتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِداكَ أن تَكتُبَ إلَيَّ بِالمَذهَبِ الصَّحيحِ مِنَ التَّوحيدِ، وَ عَن الحَرَكاتِ أ هِيَ مَخلوقَةٌ أو غَيرُ مَخلوقَةٌ؟

وَ عَنِ الإيمانِ ما هُوَ؟

فَكتَبَ (عليه السلام) على يَدَي عَبدِ المَلِكِ بنِ أعيَن:

سَألتَ عَنِ المَعرِفَةِ ما هِيَ: فَاعلَم- رَحِمَكَ اللَّهُ- أنَّ المَعرِفَةَ مِن صُنعِ اللَّهِ عز و جل في القَلبِ مَخلوقَةُ، وَالجُحودُ صُنعُ اللَّهِ في القَلبِ مَخلوقٌ، وَلَيسَ لِلعبادِ فيهِما مِن صُنعِ، وَلَهُم فِيهِما الاختِيارُ مِنَ الاكتِسابِ، فَبِشَهوَتِهِم الإيمانَ اختاروا المَعرِفَةَ فَكانوا بِذلِكَ مُؤمِنينَ عارِفينَ، وَبِشَهوَتِهِم الكُفرَ اختاروا الجُحودَ فَكانوا بِذلِكَ كافِرينَ جاحِدينَ ضُلّالًا، وَذلِكَ بِتَوفِيقِ اللَّهِ لَهُم وَخِذلانِ مَن خَذَلَهُ اللَّهُ، فَبِالاختيارِ وَالاكتِسابِ عاقَبَهُم اللَّهُ وَأثابَهُم.

وَسَألتَ- رَحِمَكَ اللَّهُ- عَنِ القُرآنِ وَاختِلافِ النَّاسِ قِبَلَكُم، فَإنَّ القُرآنَ كَلامُ اللَّهِ مُحدَثٌ غَيرُ مَخلوقٍ، وَغَيرُ أَزلِيٍّ مَعَ اللَّهِ تَعالى ذِكرُهُ، وَتَعالى عَن ذلِكَ عُلُوّاً كَبيراً، كانَ اللَّهُ عز و جل وَلا شَي ءَ غَيرُ اللَّهِ مَعروفٌ وَلا مَجهولٌ، كانَ عز و جل وَلا مُتَكَلِّمَ وَلا مُريدَ وَلا مُتَحَرِّكَ وَلا فاعِلَ جَلَّ وَعَزَّ رَبُّنا، فَجَميعُ هذهِ الصِّفاتِ مُحدَثَةٌ عِندَ حُدوثِ الفِعلِ مِنهُ، جَلَّ وَعَزَّ رَبُّنا، وَالقُرآنُ كلامُ اللَّهِ غَيرُ مَخلوقٍ، فيهِ خَبرُ مَن كانَ قَبلَكُم، وَخَبَرُ ما يَكونُ بَعدَكُم، أُنزِلَ مِن عِندِ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله).

وَسأَلتَ- رَحِمَكَ اللَّهُ- عَنِ الاستِطاعَةِ لِلفعلِ، فَإنَّ اللَّهَ عز و جل خَلَقَ العَبدَ وَجَعَلَ لَهُ الآلَةَ وَالصِّحَةَ وَهِيَ القُوَّةُ الّتي يَكونُ العَبدُ بِها مُتَحَرِّكاً مُستَطيعاً لِلفِعلِ، وَلا مُتَحَرِّكَ إلّا وَهُوَ يُريدُ الفِعلَ، وَهِيَ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلى الشَّهوَةِ الّتي هِيَ خَلقُ اللَّهِ عز و جل، مُرَكَّبَةٌ في الإنسانِ، فَإذا تَحَرَّكَتِ الشَّهوَةُ في الإنسانِ اشتَهى الشَّي ءَ فَأرادَهُ، فَمِن ثَمَّ قِيلَ لِلإنسانِ: مُريدٌ، فَإذا أرادَ الفِعلَ وفَعَلَ كانَ مَعَ الاستِطاعَةِ وَالحَرَكَةِ، فَمِن ثَمَّ قِيلَ لِلعَبدِ: مُستَطيعٌ مُتَحَرِّكٌ، فَإذا كانَ الإنسانُ ساكِناً غَيرَ مُريدٍ لِلفِعلِ وَكانَ مَعَهُ الآلَةُ وَهِيَ‏

26

القُوَّةُ وَالصِّحَةُ اللّتانِ بِهِما تَكونُ حَرَكاتُ الإنسانِ وَفِعلِهِ كانَ سُكونُهُ لعلَّة سُكونِ الشَّهوَةِ. فَقيلَ: ساكِنٌ، فَوُصِفَ بِالسُّكونِ، فإذا اشتَهى الإنسانُ وَتَحَرَّكَت شَهوَتُهُ الّتي رُكِّبَت فيهِ اشتَهى الفِعلَ وَتَحَرَّكَت بِالقُوَّةِ المُرَكَّبَةِ فيهِ وَاستَعمَلَ الآلَةَ الّتي بِها يَفعَلُ الفِعلَ فَيَكونُ الفِعلُ مِنهُ عِندَ ما تَحَرَّكَ وَاكتَسَبَهُ. فَقيلَ: فاعِلٌ وَمُتَحرِّكٌ وَمُكتَسِبٌ وَمُستَطيعٌ، أوَ لا تَرى أنَّ جَميعَ ذلِكَ صِفاتٌ يُوصَفُ بِها الإنسانُ.

وَسَألتَ- رَحِمَكَ اللَّهُ- عَنِ التَّوحيدِ وَما ذَهَبَ إلَيهِ مَن قِبَلَكَ، فَتَعالى اللَّهُ الّذي لَيسَ كَمِثلِهِ شَي‏ءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ، تَعالى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الواصِفونَ المُشَبِّهونَ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى بِخَلقِهِ المُفتَرونَ عَلى اللَّهِ عز و جل.

فَاعلَم- رَحِمَكَ اللَّهُ- أنّ المَذهَبَ الصَّحيحَ فِي التَّوحيدِ ما نَزَلَ بهِ القُرآنُ مِن صفاتِ اللَّهِ عز و جل، فَانفِ عَنِ اللَّهِ البُطلانَ وَالتَّشبيهَ، فَلا نَفيَ وَلا تَشبيهَ وَهُوَ اللَّهُ الثّابِتَ المَوجودُ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَصِفُهُ الواصِفونَ، ولا تَعدُ القُرآنَ فَتَضِلَّ بَعدَ البَيانِ.

وَسَألتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ، فَالإيمانُ هُوَ: إقرارٌ بِاللّسانِ وَعَقدٌ بِالقَلبِ وَ عَمَلٌ بِالأركانِ، فَالإيمانُ بَعضُهُ مِن بَعضٍ وَقَد يَكونُ العَبدُ مُسلِماً قَبلَ أن يَكونَ مُؤمِناً، وَلا يَكونُ مُؤمِناً حَتَّى يَكونَ مُسلِماً فالإسلامُ قَبلَ الإيمانِ وَهُوَ يُشارِكُ الإيمانَ، فَإذا أتى العَبدُ بِكَبيرَةٍ مِن كَبائِرِ المَعاصي أو صَغيرَةٍ مِن صَغائِرِ المَعاصي الّتي نَهى اللَّهُ عز و جل عَنها كانَ خارِجاً مِنَ الإيمانِ وَساقِطاً عَنهُ اسمُ الإيمانِ وَثابِتاً عَلَيهِ اسمُ الإسلامِ، فَإن تابَ وَاستَغفَرَ عادَ إلى الإيمانِ وَلَم يُخرِجهُ إلى الكُفرِ والجُحودِ وَالاستِحلالِ وَإذا قالَ لِلحَلالِ هذا حَرامٌ وَلِلحَرامِ هذا حَلالٌ وَدانَ بِذلِكَ فَعِندَها يَكونُ خَارِجاً مِنَ الإيمانِ والإسلامِ إلى الكُفرِ وَكانَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الحَرَمَ ثُمَّ دَخَلَ الكَعبَةَ فَأحدَثَ فِي الكَعبَةِ حَدَثاً، فَأُخرِجَ عَنِ الكَعبَةِ وَعَنِ الحَرَمِ فَضُرِبَت عُنقُهُ وَصارَ إلى النَّارِ.

(1)

____________

(1). التوحيد: ص 226 ح 7، بحار الأنوار: ج 5 ص 30 ح 39 نقلًا عنه.

27

5 كتابه (عليه السلام) إلى المفضّل بن عمر (1) في التوحيد المشتهر بالإهليلجة استدلاله (عليه السلام) بخلق الإهليلجة

حدّثني محرز بن سعيد النّحوي بدمشق قال: حدّثني محمّد بن أبي مسهر بالرّملة، عن أبيه، عن جدّه قال: (2) كتب المفضل بن عمر الجعفيّ إلى أبي عبد اللَّه جعفر بن‏

____________

(1)-

(2) 1. مفضّل بن عمر

مفضّل بن عمر أبو عبد اللَّه و قيل أبو محمّد الجعفيّ كوفيّ فاسد المذهب مضطرب الرّواية لا يعبأ به. و قيل إنّه كان خطابياً. و قد ذكرت له مصنّفات لا يعول عليها (راجع: رجال النّجاشي: ج 2 ص 359 الرّقم 1113).

و في رجال الطّوسي: مفضّل بن عمر الجعفيّ الكوفيّ و عدّ من أصحاب أبي عبد اللَّه و أبي الحسن (عليهما السلام) (راجع:

الرّقم 4530 و 5122، رجال البرقي: ص 3 رجال ابن داوود: ص 518 الرّقم 497).

ورد في رجال الكشّي روايات منها: حمّاد بن عثمان قال سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) يقول للمفضّل بن عمر الجعفيّ:

يا كافر يا مشرك ما لك و لا بني يعني إسماعيل بن جعفر و كان منقطعاً إليه يقول فيه مع الخطابية ثمّ رجع بعد (ج 2 ص 612 ح 581).

موسى بن بكر قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لمّا أتاه موت المفضّل بن عمر قال (رحمه الله) كان الوالد بعد الوالد أما إنّه قد استراح. (ج 2 ص 612 ح 582).

و عن محمّد بن مسعود عن إسحاق بن محمّد البصري قال: أخبرنا محمّد بن الحسين عن محمّد بن سنان عن بشير الدّهان قال قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): لمحمّد بن كثير الثّقفي ما تقول في المفضّل بن عمر؟ قال: ما عسيت أن أقول فيه لو رأيت في عنقه صليباً و في وسطه كستيجاً لعلمت على أنّه على الحقّ بعد ما سمعتك تقول فيه ما تقول: قال (رحمه الله): لكن حجر بن زائدة و عامر بن جذاعة أتياني فشتماه عندي فقلت لهما: لا تفعلا فإنّي أهواه فلم يقبلا، فسألتهما و أخبرتهما أنّ الكف عنه حاجتي، فلم يفعلا، فلا غفر اللَّه لهما أما إنّي لو كرمت عليهما لكرم عليهما من يكرم عَلَيّ، و لقد كان كُثيّر عَزّة في مودّته لها أصدق منهما في مودتهما لي حيث يقول:

لقد عَلِمَت بالغَيبِ أنّي أخونُها * * * إذا هُوَ لَم يُكرَم عَلَيَّ كريمُها

أما أنّي لو كرمت عليهما لكرم عليهما من يكرم كريمهما. (ج 2 ص 612 ح 583).

و خالد بن نجيح الجوان قال قال لي أبو الحسن (عليه السلام): ما يقولون في المفضّل بن عمر؟ قلت: يقولون فيه هبه يهودياً أو نصرانيّا و هو يقوم بأمر صاحبكم قال: ويلهم ما أخبث ما أنزلوه ما عندي كذلك و ما لي فيهم مثله. (ج 2 ص 620 ح 594).

و موسى بن بكر قال: كنت في خدمة أبي الحسن (عليه السلام) و لم أكن أرى شيئاً يصل إليه إلّا من ناحية المفضّل بن عمر و لربّما رأيت الرّجل يجي‏ء بالشّي‏ء فلا يقبله منه و يقول أوصله إلى المفضّل (ج 2 ص 620 ح 595).

و عيسى بن سليمان عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال قلت: جعلني اللَّه فداك خلفت مولاك المفضّل عليلًا فلو دعوت له قال: رحم اللَّه المفضّل قد استراح قال: فخرجت إلى أصحابنا فقلت لهم: قد و اللَّه مات المفضّل قال: ثمّ دخلت الكوفة و إذا هو قد مات قبل ذلك بثلاثة أيّام (ج 2 ص 621 ح 597).

و عبد اللَّه بن الوليد قال قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السلام): ما تقول في المفضّل؟ قلت و ما عسيت أن أقول فيه بعد ما سمعت منك فقال (رحمه الله) لكن عامر بن جذاعة و حجر بن زائدة أتياني فعاباه عندي فسألتهما الكفّ عنه فلم يفعلا ثمّ سألتهما أن يكفا عنه و أخبرتهما بسروري بذلك فلم يفعلا فلا غفر اللَّه لهما (ج 2 ص 708 ح 764. و راجع ح 982 وح 1014).

28

محمّد الصّادق (عليهما السلام) يُعلِمُهُ أنّ أقواماً ظهروا من أهل هذه الملّة يجحدون الرّبوبيّة، و يجادلون على ذلك، و يسأله أن يردّ عليهم قولهم، و يحتجّ عليهم فيما ادّعوا بحسب ما احتجّ به على غيرهم. فكتب أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

أمّا بَعدُ، وَفَّقَنا اللَّهُ وَإيَّاكَ لِطاعَتِهِ، وَأوجَبَ لَنا بِذلِكَ رِضوانَهُ بِرَحمَتِهِ، وَصَلَ كِتابُكَ تَذكُرُ فيهِ ما ظَهَرَ في مِلَّتِنا، وَذلِكَ مِن قَومٍ مِن أهلِ الإلحادِ بِالرُّبوبِيَّةِ قَد كَثُرَت عِدَّتُهُم، وَاشتَدَّت خُصومَتُهُم، وَتَسألُ أن أصنَعَ لِلرَدِّ عَلَيهِم وَالنَّقضِ لِما في أيديهم كِتاباً عَلى نَحوِ ما رَدَدتُ عَلى غَيرِهِم مِن أهلِ البِدَعِ وَالاختِلافِ، وَنَحنُ نَحمَدُ اللَّهَ عَلى النِّعَمِ السّابِغَةِ وَالحُجَجِ البالِغَةِ وَالبَلاءِ المَحمودِ عِندَ الخاصَّةِ وَالعامَّةِ، فَكانَ مِن نِعَمِهِ العِظامِ وَآلائِهِ الجِسامِ الَّتي أنعَمَ بِها تَقريرُهُ قُلوبَهُم بِرُبوبِيَّتِهِ، وَأخذُهُ ميثاقَهُم بِمَعرِفَتِهِ، وإنزالِهِ عَلَيهِم كتاباً فيه شِفاءٌ لِما في الصُّدورِ مِن أمراضِ الخَواطِرِ وَمُشتَبِهاتِ الأُمورِ، وَلَم يَدَع لَهُم وَلا لِشَي‏ءٍ مِن خَلقِهِ حاجَةً إلى مَن سِواهُ، وَاستَغنى عَنهُم، وَكانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَميداً.

29

وَلَعمري ما أُتِيَ الجُهَّالُ مِن قِبَلِ رَبِّهِم وَأنَّهُم لَيَرَونَ الدِّلالاتِ الواضِحاتِ وَالعَلاماتِ البَيِّناتِ في خَلقِهِم، وَما يُعايِنونَ مِن مَلَكوتِ السَّماواتِ وَالأرضِ وَالصُّنعِ العَجيبِ المُتقَنِ الدَّالِّ عَلى الصّانِعِ، وَلكِنَّهُم قَومٌ فَتَحوا عَلى أنفُسِهِم أبوابَ المَعاصي، وَسَهّلوا لَها سَبيلَ الشّهواتِ، فَغَلَبت الأهواءُ على قُلُوبِهِم، وَاستَحوَذَ الشَّيطانُ بِظُلمِهِم عَلَيهِم، وَكذلِكَ يَطبَعُ اللَّهُ عَلى قُلوبِ المُعتَدينَ.

والعَجَبُ مِن مَخلوقٍ يَزعُمُ أنّ اللَّهَ يَخفى عَلى عِبادِهِ وَهُوَ يَرى أَثَرَ الصُّنعِ في نَفسِهِ بِتَركيبٍ يَبهَرُ عَقلَهُ، وَتأليفٍ يُبطِلُ حُجَّتَهُ.

وَلَعَمري لَو تَفَكَّروا في هذهِ الأُمورِ العِظامِ لَعايَنوا مِن أمرِ التَّركيبِ البَيِّنِ، وَلُطفِ التَّدبيرِ الظّاهِرِ، وَوُجودِ الأشياءِ مَخلوقَةً بَعدَ أن لَم تَكُن، ثُمَّ تَحَوُّلُها مِن طَبيعَةٍ إلى طَبيعَةٍ، وَصنيعَةٍ بَعدَ صَنيعَةٍ، ما يَدُلُّهُم ذلِكَ عَلى الصَّانِعِ، فَإنّهُ لا يَخلو شَي‏ءٌ مِنها مِن أن يَكونَ فيهِ أثرُ تَدبيرٍ وَتَركيبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ خَالِقاً مُدَبِّراً، وَتأليفٌ بِتَدبيرٍ يَهدي إلى واحِدٍ حَكيمٍ.

وَقَد وَافاني كِتابُكَ وَرَسَمتُ لَكَ كِتاباً كُنتُ نازَعتُ فيهِ بَعضَ أهلِ الأديانِ مِن أهلِ الإنكارِ، وَذلِكَ أنَّهُ كانَ يَحضُرُني طَبيبٌ من بِلادِ الهِندِ، وَكانَ لا يَزالُ يُنازِعُني في رَأيِهِ، وَيُجادِلُني عَلى ضَلالَتِهِ، فَبَينا هُوَ يَوماً يَدُقُّ إهليلجَةً لِيَخلِطَها دَواءً احتَجتُ إلَيهِ مِن أدوِيَتِهِ، إذ عَرَضَ لَهُ شَي‏ءٌ مِن كلامِهِ الّذي لَم يَزَل يُنازِعُني فيهِ مِنِ ادِّعائِهِ أنَّ الدُّنيا لَم تَزَل وَلا تَزالُ شَجَرَةً تَنبُتُ وَاخرى تَسقُطُ، نَفسٌ تولَدُ وَاخرى تَتلَفُ، وَزَعَمَ أنَّ انتِحالي المَعرِفَةَ للَّهِ تَعالى دَعوَى لا بَيّنَةَ لي عَلَيها، وَلا حُجَّةَ لي فيها، وَأنَّ ذلِكَ أمرٌ أخَذَهُ الآخِرُ عَنِ الأَوَّلِ، وَالأصغَرُ عَنِ الأكبَرِ، وَأنَّ الأشياءَ المُختَلِفَةَ وَالمُؤتَلِفَةَ وَالباطِنَةَ وَالظّاهِرَةَ إنَّما تُعرَفُ بِالحَواسِّ الخَمسِ: نَظَرِ العَينِ، وَسَمعِ الأُذُنِ، وَشَمِّ الأنفِ، وَذَوقِ الفَمِ، وَلَمسِ الجَوارِحِ، ثُمَّ قادَ مَنطِقَهُ عَلى الأصلِ الّذي وَضَعَهُ فَقالَ: لَم يَقَع شَي‏ءٌ مِن حَواسّي عَلى خالِقٍ يُؤدَّي إلى قَلبي، إنكاراً للَّهِ تَعالى.

30

ثُمَّ قالَ: أخبِرني بِمَ تَحتَجُّ في مَعرِفَةِ رَبِّكَ الّذي تَصِفُ قُدرَتَهُ وَرُبوبِيَّتَهُ، وَإنَّما يَعرِفُ القَلبُ الأشياءَ كُلَّها بالدّلالاتِ الخَمسِ الّتي وَصَفتُ لَكَ.

قُلتُ: بِالعَقلِ الّذي في قَلبي، وَالدَّليلِ الّذي أحتَجُّ بِهِ في مَعرِفَتِهِ.

قال: فَأنّى يَكونُ ما تَقولُ وَأنتَ تَعرِفُ أنَّ القَلبَ لا يَعرِفُ شَيئاً بِغَيرِ الحَواسّ الخَمسِ؟ فَهَل عايَنتَ رَبَّكَ بِبَصَرِ، أو سَمِعتَ صَوتَهُ بِأُذُنٍ، أو شَمَمتَةُ بِنَسيمٍ، أو ذُقتَهُ بِفَمٍ، أو مَسَستهُ بِيَدٍ، فَأدّى ذلِكَ المَعرِفَةَ إلى قَلبِكَ؟ قُلتُ: أرَأيتَ إذ أنكَرتَ اللَّهَ وَجَحَدتَهُ- لِأنّكَ زَعَمتَ أنَّكَ لا تُحِسُّهُ بِحَواسّكَ الّتي تَعرِفُ بِها الأشياءَ- وَأقرَرتُ أنا بِهِ هَل بُدٌّ مِن أن يَكونَ أحَدُنا صادِقاً وَالآخَرُ كاذِباً؟

قال: لا.

قُلتُ: أرَأيتَ إن كانَ القَولُ قَولُكَ فَهَل يُخافُ عَلَيَّ شَي‏ءٌ مِمّا أُخَوّفُكَ بِهِ مِن عِقابِ اللَّهِ؟

قال: لا.

قُلتُ: أَفَرَأيتَ إن كانَ كما أقولُ وَالحَقُّ في يَدي، ألَستُ قَد أخَذتُ فيما كُنتُ احاذِرُ مِن عِقابِ الخَالِقِ بِالثِّقَةِ، وَأَنَّكَ قَد وَقَعتَ بِجُحودِكَ وَإنكارِكَ في الهَلَكَةِ؟

قال: بلى.

قُلتُ: فَأيُّنا أولى بِالحَزمِ وَأقرَبُ مِنَ النَّجاةِ؟ قالَ: أنتَ، إلّاأنَّكَ مِن أمرِكَ عَلى ادِّعاءٍ وَشُبَهةٍ، وَأنا على يَقينٍ وَثِقَةٍ، لِأنّي لا أرَى حَواسّيَ الخَمسَ أدرَكَتهُ، وَما لَم تُدرِكهُ حواسّي فَلَيسَ عِندي بِمَوجودٍ.

قُلتُ: إنَّهُ لَمَّا عَجَزَت حَواسُّكَ عَن إدراكِ اللَّهِ أنكَرَتهُ، وَأنا لَمّا عَجَزَت حَواسّي عَن إدراكِ اللَّهِ تَعالى صَدَّقتُ بهِ.

قالَ: وَكيفَ ذلِكَ؟ قُلتُ: لِأَنَّ كُلَّ شَي‏ءٍ جَرى فيهِ أثَرُ تَركيبٍ لَجِسمٌ، أو وَقَعَ عَلَيهِ‏

31

بَصَرٌ لَلَونٌ، فَما أدرَكَتهُ الأبصارُ وَنالَتهُ الحَواسُّ فَهُوَ غَيرُ اللَّهِ سُبحانَهُ؛ لأنَّهُ لا يُشبِهُ الخَلقَ، وَأنَّ هذا الخَلقَ يَنتَقِلُ بِتَغييرٍ وَزَوالٍ، وَكُلُّ شَي‏ءٍ أشبَهَ التَّغييرَ وَالزَّوالَ فَهُوَ مِثلُهُ، وَلَيسَ المَخلوقُ كالخالِقِ وَلا المُحدَثُ كالمُحدِثِ.

قال: إنَّ هذا لَقَولٌ، وَلكِنِّي لَمُنكِرٌ ما لَم تُدرِكهُ حَواسّي فَتُؤدّيهِ إلى قَلبي، فَلَمّا اعتَصَمَ بِهذِهِ المَقالَةِ وَلزِمَ هذهِ الحُجَّةَ قُلتُ: أمّا إذ أبَيتَ إلّاأن تَعتَصِمَ بِالجَهالَةِ، وَتَجعَلَ المُحاجَزَةَ حُجَّةً فَقَد دَخَلتَ في مِثلِ ما عِبتَ وَامتَثلتَ ما كَرِهتَ، حَيثُ قُلتَ: إنّي اختَرتُ الدَّعوى‏ لِنَفسي؛ لِانَّ كُلَّ شَي‏ءٍ لَم تُدرِكهُ حَواسّي عِندي بِلا شَي‏ءٍ.

قال: وَكيفَ ذلِكَ؟ قُلتُ: لِأَنَّكَ نَقِمتَ عَلى الادِّعاءِ وَدَخلتَ فيهِ، فَادَّعَيتَ أمراً لَم تُحِط بهِ خُبراً وَلَم تَقُلهُ عِلماً، فَكَيفَ استَجزتَ لِنَفسِكَ الدَّعوى في إنكارِكَ اللَّهَ، وَدَفعَكَ أعلامَ النُّبُوَّةِ وَالحُجَّةِ الواضِحَةِ وَعِبتَها عَلَيَّ؟ أخبِرني هَل أحَطتَ بالجِهاتِ كُلِّها وَبَلَغتَ مُنتهاها؟

قال: لا.

قُلتُ: فَهَل رَقَيتَ إلى السَّماءِ الّتي تَرَى؟ أو انحَدَرتَ إلى الأرضِ السُّفلى فَجُلتَ في أقطارِها؟ أو هَل خُضتَ في غَمَراتِ البُحورِ وَاختَرَقتَ نَواحِيَ الهَواءِ فيما فَوقَ السَّماءِ وَتَحتَها إلى الأرضِ وما أسفَلَ مِنها فَوَجَدتَ ذلِكَ خَلاءً مِن مُدبِّر حَكيمٍ عَالِمٍ بَصيرٍ؟

قال: لا.

قُلتُ: فَما يُدريكَ لَعَلَّ الّذي أنكَرَهُ قَلبُكَ هُوَ في بَعضِ ما لَم تُدرِكهُ حَواسُّكَ وَلَم يُحِط بِهِ عِلمُكَ.

قال: لا أدري لَعَلَّ في بَعضِ ما ذَكَرتَ مُدَبّراً، وَما أدري لَعَلَّهُ لَيسَ في شَي‏ءٍ من‏

32

ذلِكَ شَي‏ءٌ! قُلتُ: أمّا إذ خَرَجتَ مِن حَدِّ الإنكارِ إلى مَنزِلَةِ الشَكِّ فَإنِّي أرجو أن تَخرُجَ إلى المَعرِفَةِ.

قالَ: فَإنّما دَخَلَ عَلَيَّ الشَّكُّ لِسُؤالِكَ إيّايَّ عَمّا لَم يُحِط بِهِ عِلمي، وَلكِن مِن أينَ يَدخُلُ عَلَيَّ اليقينُ بِما لَم تُدرِكهُ حَواسِّي؟ قُلتُ: مِن قِبَلِ إهليلجَتِكَ هذِهِ.

قالَ: ذاكَ إذا أثبَتَّ لِلحُجَّةِ، لِأنّها مِن آدابِ الطبِّ الّذي اذعِنُ بِمَعرِفَتِهِ.

قُلتُ: إنَّما أرَدتُ أن آتيكَ بِهِ مِن قِبَلِها لأنَّها أقرَبُ الأشياءِ إلَيكَ، وَلَو كانَ شَي‏ءٌ أقرَبَ إليكَ مِنها لَأتَيتُكَ مِن قِبَلِهِ، لِأنَّ في كلِّ شَي‏ءٍ أثَرَ تَركيبٍ وَحِكمَةٍ، وَشاهِداً يَدُلُّ عَلى الصَّنعَةِ الدّالَةِ عَلى مَن صَنَعَها وَلَم تَكُن شيئاً، وَيُهلِكُها حَتَّى لا تَكونَ شيئاً.

قُلتُ: فَأخبِرني، هَل تَرى هذهِ إهليلجَةً؟

قال: نَعَم.

قُلتُ: أفَتَرى غَيبَ ما في جَوفِها؟

قالَ: لا.

قُلتُ: أفَتشهَدُ أنّها مُشتَمِلَةٌ على نَواةٍ وَلا تراها؟ قالَ: ما يُدريني؟ لَعَلَّ لَيسَ فيها شَي‏ءٌ.

قُلتُ: أفَتَرى أنَّ خَلفَ هذا القِشرِ مِن هذهِ الإهليلجَةِ غائِبٌ لَم تَرهُ مِن لَحمٍ أو ذي لَونٍ؟

قال: ما أدري لَعَلَّ ما ثَمَّ غيرُ ذي لَونٍ وَلا لَحمٍ.

قُلتُ: أفَتُقِرُّ أنَّ هذهِ الإهليلَجَةَ الّتي تُسمِّيها النّاسُ بِالهِندِ مَوجودَةٌ لاجتِماعِ أهلِ الاختلاف مِنَ الأُمَمِ على ذِكرِها؟

قال: ما أدري، لَعَلَّ ما اجتَمَعوا عَلَيهِ مِن ذلِكَ باطِلٌ!

قُلتُ: أفَتُقِرُّ أنَّ الإهليلجَةَ في أرضٍ تَنبُتُ؟

33

قال: تِلكَ الأرضُ وَهذهِ واحِدَةٌ وَقَد رَأيتُها.

قُلتُ: أفما تَشهَدُ بِحُضورِ هذهِ الإهليلجَةِ عَلى وُجودِ ما غابَ مِن أشباهِها؟

قال: ما أدري، لَعَلَّهُ لَيسَ في الدُّنيا إهليلجَةٌ غَيرَها.

فَلَمّا اعتَصَمَ بِالجَهالَةِ قُلتُ: أخبِرني عَن هذهِ الإهليلجَةِ، أتُقِرُّ أَنّها خَرَجَت مِن شَجَرَةٍ، أو تَقولُ: إنَّها هَكذا وُجِدَت؟

قال: لا، بَل مِن شَجَرَةٍ خَرَجَت.

قُلتُ: فَهَل أدرَكَت حَواسُّكَ الخَمسُ ما غابَ عَنكَ مِن تِلكَ الشَّجَرَةِ؟

قال: لا.

قُلتُ: فَما أراكَ إلّاقَد أقرَرتَ بِوُجودِ شَجَرَةٍ لَم تُدرِكها حَواسُّكَ.

قال: أجَلْ، وَلكِنِّي أقول: إنَّ الإهليلجَةَ وَالأشياءَ المُختَلِفَةَ شَي‏ءٌ لَم تَزَل تُدرَكُ، فَهَل عِندَك في هذا شَي‏ءٌ تَرُدُّ بهِ قَولي؟

قُلتُ: نعم، أخبِرني عَن هذهِ الإهليلجَةِ، هَل كُنتَ عايَنتَ شَجَرَتَها وَعَرَفتَها قَبلَ أن تَكونَ هذهِ الإهليلجَةُ فيها؟

قال: نَعَم.

قُلتُ: فَهَل كُنتَ تُعايِنُ هذهِ الإهليلجَةَ؟

قال: لا.

قُلتُ: أفَما تَعلَمُ أنَّكَ كُنتَ عايَنتَ الشَّجَرَةَ وَلَيسَ فيها الإهليلجَةُ، ثُمَّ عُدتَ إلَيها فَوَجدتَ فيها الإهليلجَةَ، أفَما تَعلَمُ أنَّهُ قَد حَدَثَ فيها ما لَم تَكُن؟ قال: ما أستَطيعُ أن أُنكِرَ ذلِكَ، وَلكِنّي أقولُ: إنَّها كانَت فيها مُتَفَرِّقَةً.

قُلتُ: فَأخبِرني، هَل رَأيتَ تِلكَ الإهليلجَةَ الّتي تَنبُتُ مِنها شَجَرَةُ هذهِ الإهليلجَةِ قَبلَ أن تُغرَسَ؟

34

قال: نَعَم.

قُلتُ: فَهَل يَحتَمِلُ عَقلُكَ أنَّ الشَّجَرَةَ الّتي تَبلغُ أصلُها وَعُروقُها وَفُروعُها ولِحاؤُها وَكُلُّ ثَمَرَةٍ جُنِيَت، وَوَرَقَةٍ سَقَطَت ألفَ ألفَ رِطلٍ، كانَت كامِنَةً في هذهِ الإهليلجَةِ؟

قال: ما يَحتَمِلُ هذا العَقلُ وَلا يَقبَلُهُ القَلبُ.

قُلتُ: أقرَرت أنَّها حَدَثَت فِي الشَّجَرَةِ؟

قال: نعم، وَلكنّي لا أعرِفُ أنَّها مَصنوعَةٌ، فَهَل تَقدِرُ أن تُقَرِّرَني بِذلِكَ؟

قلتُ: نعم، أرَأيتَ أنِّي إن أرَيتُكَ تَدبيراً، أتُقِرُّ أنَّ لَهُ مُدَبّراً؟ وتصويراً أنَّ لَهُ مُصَوِّراً؟

قال: لا بُدّ مِن ذلِكَ.

قلتُ: ألَستَ تَعلَمُ أنَّ هَذهِ الإهليلجَةَ لَحمٌ رُكِّبَ عَلى عَظمٍ، فَوُضِعَ في جَوفٍ مُتَّصِلٍ بِغُصنٍ مُرَكَّبٍ عَلى ساقٍ يَقومُ عَلى أصلٍ، فَيَقوى بِعُروقٍ مِن تَحتِها عَلى جُرمٍ مُتَّصِلٍ بَعضٌ بِبَعضٍ؟

قالَ: بلى.

قُلتُ: ألَستَ تَعلَمُ أنَّ هذهِ الإهليلجَةَ مُصَوَّرَةٌ بِتَقديرٍ وَتَخطيطٍ، وَتَأليفٍ وَتَركيبٍ، وَتَفصيلٍ مُتَداخِلٍ بِتأليفِ شَي‏ءٍ في بَعضِ شَي‏ءٍ، بِهِ طَبَقٌ بَعدَ طَبقٍ وَجِسمٌ عَلى جِسمٍ وَلَونٌ مَعَ لَونٍ، أبيَضُ في صُفرَةٍ، وَلَيِّنٌ عَلى شَديدٍ، في طبائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَطَرائِقَ مُختَلِفَةٍ، وَأجزاءَ مُؤتَلِفَةٍ مَعَ لِحاءٍ تَسقيها، وَعُروقٍ يَجري فيها الماءُ، وَوَرَقٍ يَستُرُها وَتَقيها مِنَ الشَّمسِ أن تُحرِقَها، وَمِنَ البَردِ أن يُهلِكَها، وَالرّيحِ أن تُذبِلَها؟

قال: أفَلَيسَ لَو كانَ الوَرَقُ مُطَبَّقاً عَلَيها كانَ خَيراً لَها؟

قُلتُ: اللَّهُ أحسَنُ تَقديراً، لَو كانَ كَما تَقولُ لَم يَصِل إلَيها ريحٌ يُرَوِّحُها، ولا بَردٌ

35

يُشَدِّدُها، وَلَعَفِنَت عِندَ ذلِكَ، وَلَو لَم يَصِل إلَيها حَرُّ الشَّمسِ لَمَا نَضِجَت، وَلكِن شَمسٌ مَرَّةً وَريحٌ مَرَّةً وَبَردٌ مَرَّةً، قَدَّرَ اللَّهُ ذلِكَ بِقُوَّةٍ لَطيفَةٍ وَدَبَّرَهُ بِحكمَةٍ بالِغَةٍ.

قال: حَسبي مِنَ التّصويرِ فَسّر لِيَ التَّدبيرَ الّذي زَعَمتَ أنَّكَ تُرينيهِ.

قُلتُ: أرَأيتَ الإهليلجَةَ قَبلَ أن تُعقَدَ؟ إذ هِيَ في قَمعِها ماءٌ بِغَيرِ نَواةٍ وَلا لَحمٍ وَلا قِشرٍ، وَلا لَونٍ ولا طَعمٍ ولا شِدَّةٍ؟

قال: نَعَم.

قُلتُ: أرَأيتَ لَو لَم يَرفُقِ الخالِقُ ذلِكَ الماءَ الضَّعيفَ الّذي هُوَ مِثلُ الخَردَلَةِ فِي القِلَّةِ وَالذِلَّةِ، وَلَم يُقَوِّهِ بِقُوَّتِهِ وَيُصَوِّرهُ بِحِكمَتِهِ وَيُقَدِّرهُ بِقُدرَتِهِ، هَل كانَ ذلِكَ الماءُ يَزيدُ عَلى أن يَكونَ في قَمعِهِ غَيرَ مَجموعٍ بِجِسمٍ وَقَمعٍ وَتَفصيلٍ؟ فَإن زادَ زادَ ماء اً مُتراكِباً غَيرَ مَصُوَّرٍ وَلا مُخَطَّطٍ وَلا مُدَبَّرٍ بِزِيادَةِ أَجزاءٍ وَلا تَأليفِ أطباقٍ.

قال: قَد أرَيتَني مِن تَصويرِ شَجَرَتِها وَتَأليفِ خِلقَتِها، وَحَملِ ثَمَرَتِها وَزِيادَةِ أجزائِها وَتَفصيلِ تَركيبِها أوضَحَ الدِّلالاتِ، وَأظهَرَ البَيّنَةِ عَلى مَعرِفَةِ الصّانِع، وَلَقَد صَدَّقتُ بأنَّ الأشياءَ مَصنوعَةً، وَلكنِّي لا أدري لَعَلَّ الإهليلجَةَ وَالأشياءَ صَنَعَت أنفُسَها؟

قُلتُ: أوَ لَستَ تَعلَمُ أنَّ خالِقَ الأشياءِ والإهليلجَةَ حَكيمٌ عالِمٌ بِما عايَنتَ مِن قُوَّةِ تَدبيرِهِ؟

قال: بلى.

قُلتُ: فَهَل يَنبَغي لِلَّذي هُوَ كذلِكَ أن يَكونَ حَدَثاً؟

قال: لا.

قُلتُ: أفَلَستَ قَد رَأيتَ الإهليلجَةَ حينَ حَدَثَت، وَعايَنتَها بَعدَ أن لَم تَكُن شَيئاً ثُمَّ هَلَكَت كَأن لَم تَكُن شَيئاً؟

36

قال: بلى، وَإنَّما أعطَيتُكَ أنَّ الإهليلجَةَ حَدَثَت، وَلَم أُعطِكَ أنَّ الصّانِعَ لا يَكونُ حادِثاً لا يَخلُقُ نَفسَهُ.

قُلتُ: ألَم تُعطِني أنَّ الحَكيمَ الخالِقَ لا يَكونُ حَدَثاً، وَزَعَمتَ أنّ الإهليلجَةَ حَدَثَت؟ فَقَد أعطَيتَني أنَّ الإهليلجَةَ مَصنوعَةٌ، فَهُوَ عز و جل صانِعُ الإهليلجَةَ، وَإن رَجَعتَ إلى أن تَقولَ: إنَّ الإهليلجَةَ صَنَعَت نَفسَها وَدَبَّرت خَلقَها فَما زِدتَ أن أقرَرتَ بِما أنكَرتَ، وَوَصفتَ صانِعاً مُدَبّراً أصبتَ صِفتَهُ، وَلكِنَّكَ لَم تَعرِفهُ فَسَمَّيتَهُ بِغَيرِ اسمِهِ؟

قال: كَيفَ ذلِكَ؟

قُلتُ: لِأنَّكَ أقرَرتَ بِوجودِ حَكيمٍ لَطيفٍ مُدَبِّرٍ، فَلَمّا سَألتُكَ مَن هُوَ؟ قُلتَ:

الإهليلجَةُ.

قَد أقرَرتَ باللَّهِ سُبحانَهُ، وَلكِنَّكَ سَمَّيتَهُ بِغَيرِ اسمِهِ، وَلَو عَقِلتَ وَفَكَّرتَ لَعَلِمتَ أنَّ الإهليلجَةَ أنقَصُ قُوَّةً مِن أن تَخلُقَ نَفسَها، وَأضَعفُ حيلَةً مِن أن تُدَبِّرَ خَلقَها.

قال: هَل عِندَكَ غَيرُ هذا؟

قُلتُ: نَعَم، أخبِرني عَن هذهِ الإهليلجَةَ الّتي زَعَمتَ أنَّها صَنَعَت نَفَسَها وَدَبَّرت أمرَها، كَيفَ صَنَعَت نَفسُها صغيرَةَ الخِلقَةِ، صَغيرَةَ القُدرَةِ، ناقِصَةَ القُوَّةِ، لا تَمتَنِعُ أن تُكسَرَ وَتُعصَرَ وَتُؤكَلَ؟ وَكَيفَ صَنَعَت نَفسَها مَفضولَةً مَأكولَةً، مُرَّةً قَبيحَةَ المَنظَرِ، لا بَهاءَ لَها وَلا ماءَ؟

قال: لِأَنَّها لَم تَقوَ إلّاعَلى ما صَنَعت نَفسَها، أوَ لَم تَصنَع إلّاما هَويتَ؟

قُلتُ: أمّا إذ أبيتَ إلّاالتّمادِيَ في الباطِلَ، فَأعلِمني مَتَى خَلَقَت نَفسَها، وَدَبَّرَت خَلقَها، قَبلَ أن تَكونَ أو بَعدَ أن كانَت؟ فَإن زَعَمتَ أنَّ الإهليلجَةَ خَلَقَت نَفسَها بَعدَ ما كانَت فإنَّ هذا لَمِن أبينِ المَحالِ! كَيفَ تَكونُ مَوجودَةً مَصنوعَةً ثُمَّ تَصنَعُ نَفسَها مَرَّةً أُخرى؟ فَيصيرُ كَلامُكَ إلى أنَّها مَصنوعَةٌ مَرَّتَينِ، ولئِن قُلتَ: إنَّها خَلَقَت نَفسَها

37

وَدَبَّرَت خَلقَها قَبلَ أن تَكونَ، إنَّ هذا مِن أوضَحِ الباطِلِ وَأبيَنِ الكَذِبِ! لأنّها قَبلَ أن تَكونَ لَيسَ بِشَي‏ءٍ، فَكَيفَ يَخلُقُ لا شَي‏ءٌ شَيئاً؟ وَكَيفَ تَعيبُ قَولي: إنَّ شَيئاً يَصنَعُ لا شَيئاً، وَلا تَعيبُ قَولَكَ: إنَّ لا شي ءَ يَصنَعُ لا شَيئاً؟ فَانظُر أيَّ القَولَينِ أولى بِالحَقِّ؟

قَال: قَولُكَ.

قُلتُ: فَما يَمنَعُكَ مِنهُ؟

قال: قَد قَبِلتُهُ وَاستَبانَ لي حَقُّهُ وَصِدقُهُ، بأنَّ الأشياءَ المُختَلِفَةَ والإهليلجَةَ لَم يَصنَعنَ أنفُسَهُنَّ، وَلَم يُدَبِّرنَ خَلقَهُنَّ، وَلكِنَّهُ تَعَرَّضَ لي أنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الّتي صَنَعَت الإهليلجَةَ لِأَنَّها خَرَجَت مِنها.

قُلتُ: فَمَن صَنَعَ الشَّجَرَةَ؟

قَال: الإهليلجَةُ الأُخرى!

قُلتُ: اجعَل لِكَلامِكَ غايَةً أنتهي إليها، فَإمّا أن تقولَ: هُوَ اللَّهُ سُبحانَهُ فَيُقبَلُ مِنكَ، وإمَّا أن تقولَ: الإهليلَجَةُ فَنَسألُكَ.

قال: سَل.

قُلتُ: أخبِرني عَنِ الإهليلجَةِ، هَل تَنبُتُ مِنها الشَّجَرَةُ إلّابَعدَما ماتَت وَبَلِيَت وَبادَت؟

قال: لا.

قُلتُ: إنَّ الشَّجَرَةَ بَقِيَت بَعدَ هَلاكِ الإهليلجَةِ مِئَةَ سَنَةٍ، فَمَن كان يَحميها وَيزيدُ فيها، وَيُدَبّرُ خَلقَها وَيُربِّيها، وَيُنبِتُ وَرَقَها؟ مالَكَ بُدٌّ مِن أن تَقولَ: هُوَ الّذي خَلَقَها.

ولَئِن قُلتَ: الإهليلجَةُ وَهِيَ حَيَّةٌ قَبلَ أن تهلِكَ وَتَبلى وَتَصيرَ تُراباً، وَقَد رَبَّتِ الشَّجَرَةَ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، إنَّ هذا القَولَ مُختَلِفٌ.

قال: لا أقولُ: ذلِكَ.

38

قُلتُ: أفَتُقِرُّ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلقَ؟ أم قَد بَقِيَ في نَفسِكَ شَي‏ءٌ مِن ذَلِكَ؟

قال: إنّي مِن ذلِكَ عَلى حَدِّ وُقوفٍ، ما أتخَلَّصُ إلى أمرٍ يَنفَذُ لي فيهِ الأمرُ.

قُلتُ: أمّا إذ أبَيتَ إلّاالجَهالَةَ وَزَعَمتَ أنَّ الأشياءَ لا يُدرَكُ إلّابِالحَواسِّ فَإنّي أُخبِرُكَ أنَّهُ لَيسَ لِلحواسِّ دِلالَةٌ عَلى الأشياءِ، وَلا فيها مَعرِفَةٌ إلّابِالقَلبِ، فَإنّهُ دَليلُها وَمُعَرِّفُها الأشياءَ الّتي تَدَّعي أنَّ القَلبَ لا يَعرِفُها إلّابِها.

فَقالَ: أمّا إذ نَطَقتَ بِهذا فَما أقبَلُ مِنكَ إلّابالتَخليصِ وَالتَفَحُّصِ مِنهُ بِأيضاحٍ وَبَيانٍ وَحُجَّةٍ وَبُرهانٍ.

قُلتُ: فَأَوَّلُ ما أبدَأ بِهِ أنّكَ تَعلَمُ أَنّهُ رُبَّما ذَهَبَ الحَواسُّ، أو بَعضُها وَدَبَّرَ القَلبُ الأشياءَ الّتي فيها المَضَرَّةُ وَالمَنفَعَةُ مِنَ الأُمورِ العَلانِيَّةِ وَالخَفِيَّةِ فَأمَرَ بِها وَنَهى، فَنَفَذَ فيها أمرُهُ وَصَحَّ فيها قَضاؤُهُ.

قالَ: إنَّكَ تَقولُ في هذا قَولًا يُشبِهُ الحُجَّةَ، وَلكِنّي أُحِبُّ أن تُوَضِّحَهُ لي غَيرَ هذا الإيضاحِ.

قُلتُ: أَلَستَ تَعلَمُ أنّ القَلبَ يَبقى بَعدَ ذِهابِ الحَواسِّ؟

قالَ: نَعَم وَلكن يَبقى بِغَيرِ دَليلٍ عَلى الأشياءِ الّتي تَدُلُّ عَلَيها الحَواسُّ.

قُلتُ: أَفَلَستَ تَعلَمُ أنَّ الطِفلَ تَضَعُهُ أُمُّهُ مُضغَةً لَيسَ تَدُلُّهُ الحَواسُّ عَلَى شَي‏ءٍ يُسمَعُ وَلا يُبصَرُ وَلا يُذاقُ وَلا يُلمَسُ وَلا يُشَمُّ؟

قال: بلى.

قُلتُ: فَأيَّةُ الحَواسِّ دَلَّتهُ عَلى طَلَبِ اللَّبَنِ إذا جاعَ، وَالضَّحِكِ بَعدَ البُكاءِ إذا رَوى مِنَ اللَّبَنِ؟ وَأيُّ حَواسِّ سِباعِ الطَّيرِ وَلاقِطِ الحَبِّ مِنها، دَلَّها عَلى أن تُلقِيَ بَينَ أفراخِها اللَّحمَ وَالحَبَّ فَتَهوي سِباعُها إلَى اللَّحمِ، وَالآخَرونَ إلى الحَبِّ؟ وَأخبِرني عَن فِراخِ طَيرِ الماءِ ألَستَ تَعلَمُ أنّ فِراخَ طَيرِ الماءِ إذا طُرِحَت فيهِ سَبَحَت، وَإذا

39

طُرِحَت فيهِ فِراخُ طَيرِ البَرِّ غَرَقَت، وَالحَواسُّ واحِدَةٌ، فَكَيفَ انتفَعَ بالحَواسِّ طَيرُ الماءِ وَأعانَتهُ عَلى السِّباحَةِ وَلَم تَنتَفِع طَيرُ البَرِّ في الماءِ بِحَواسِّها؟ وَما بالُ طَيرِ البَرِّ إذا غَمَستَها في الماءِ ساعَةً ماتَت وإذا أمسَكتَ طَيرَ الماءِ عَنِ الماءِ ساعَةً ماتَت؟ فَلا أرى الحَواسَّ في هذا إلّامُنكَسِرَةً عَلَيكَ، وَلا يَنبغي ذلِكَ أن يَكونَ إلّامِن مُدَبِّرٍ حَكيمٍ جَعَلَ لِلماءِ خَلقاً وَلِلبَرِّ خَلقاً.

أم أخبِرني ما بالُ الذَّرَّةِ الّتي لا تُعايِنُ الماءَ قَطُّ تُطرَحُ في الماءِ فَتَسبَحُ، وَتَلقى الإنسانَ ابنَ خَمسينَ سَنَةً مِن أقوى الرِّجالِ وَأعقَلِهِم لَم يَتَعَلّمِ السِّباحَةَ فَيَغرَقُ؟ كَيفَ لَم يَدُلُّهُ عَقلُهُ وَلُبُّهُ وَتَجارِبُهُ وَبَصَرُهُ بِالأشياءِ مَعَ اجتِماعِ حَواسِّهِ وصِحَّتِها أن يُدرِكَ ذلِكَ بِحواسّهِ كَما أدرَكَتهُ الذَّرَّةُ إن كانَ ذلِكَ إنَّما يُدرَكُ بِالحَواسِّ؟ أفَلَيسَ يَنبَغي لَكَ أن تَعلَمَ أنَّ القَلبَ الّذي هُوَ مَعدِنُ العَقلِ في الصَّبيِّ الّذي وَصَفتَ وَغَيرِهِ مِمَا سَمِعتَ مِنَ الحَيوانِ هُوَ الّذي يُهَيّجُ الصَّبِيَّ إلى طَلَبِ الرِّضاعِ، وَالطَّيرَ اللّاقِطَ عَلى لَقطِ الحَبِّ، وَالسِّباعِ عَلى ابتلاعِ اللّحمِ.

قالَ: لَستُ أجِدُ القَلبَ يَعلَمُ شَيئاً إلّابالحَواسِّ!

قُلتُ: أمّا إذ أبَيتَ إلّاالنُّزوعَ إلى الحَواسِّ فَإنّا لَنَقبَلُ نُزوعَكَ إلَيها بَعدَ رَفضِكَ لَها، وَنُجيبُكَ فِي الحَواسِّ حَتَّى يَتَقَرَّرَ عِندَكَ أنَّها لا تَعرِفُ مِن سائِرِ الأشياءِ إلّا الظّاهِرَ مِمَّا هُوَ دونَ الرَّبِّ الأعلى سُبحانَهُ وَتَعالى.

فَأمّا ما يَخفى وَلا يَظهَرُ فَلَيسَت تَعرِفُهُ، وَذلِكَ أنَّ خالِقَ الحَواسِّ جَعَلَ لَها قَلباً احتَجَّ بِهِ عَلى العِبادِ، وَجَعَلَ لِلحَواسِّ الدِّلالاتِ عَلى الظّاهِرِ الّذي يُستَدَلُّ بِها عَلى الخالِقِ سُبحانَهُ، فَنَظَرَتِ العَينُ إلى خَلقٍ مُتَّصِلٍ بَعضُهُ بِبَعضٍ فَدَلَّتِ القَلبَ عَلى ما عايَنَت، وَتَفَكَّرَ القَلبُ حينَ دَلَّتهُ العَينُ عَلى ما عايَنَت مِن مَلَكوتِ السَّماءِ وَارتِفاعِها فِي الهَواءِ بِغَيرِ عَمَدٍ يُرى، وَلا دعائِمَ تُمسِكُها، لا تُؤَخّرُ مَرَّةً فَتَنكَشِطُ، وَلا تُقَدِّمُ أُخرى فَتَزولُ، ولا تَهبِطُ مَرَّةً فَتَدنو، وَلا تَرتَفِعُ أُخرى فَتَنأى، لا تَتَغَيَّرُ لِطولِ الأَمَدِ،

40

وَلا تَخلَقُ لاختِلافِ اللّيالي وَالأَيّامِ، وَلا تَتَداعى مِنها ناحِيَةٌ، ولا يَنهارُ مِنها طَرَفٌ، مَعَ ما عَايَنَت مِنَ النُّجومِ الجارِيَةِ السَّبعَةِ المُختَلِفَةِ بِمَسيرِها لِدَوَرانِ الفُلكِ، وَتَنَقُّلِها في البُروجِ يَوماً بَعدَ يَومٍ، وَشَهراً بَعدَ شَهرٍ وَسَنَةً بَعدَ سَنَةٍ، مِنها السَّريعُ، وَمِنها البَطي ءُ،، وَمِنها المُعتَدِلُ السَيرِ، ثُمَّ رُجوعُها واستِقامَتُها، وَأخذُها عَرضاً وَطولًا، وَخُنوسُها عِندَ الشَّمسِ وَهِيَ مُشرِقَةٌ، وَظُهورُها إذا غَرُبَت، وَجَريُ الشَّمسِ وَالقَمَرِ في البُروجِ دائِبَينِ لا يَتَغَيَّرانِ في أزمِنَتِهِما وَأوقاتِهِما، يَعرِفُ ذلِكَ مَن يَعرِفُ بِحسابٍ مَوضوعٍ، وَأمرٍ مَعلومٍ، بِحِكمَةٍ يَعرِفُ ذَووا الألبابِ أنَّها لَيسَت مِن حِكمَةِ الإنسِ، وَلا تَفتيشِ الأوهامِ، وَلا تَقليبِ التَّفَكُّرِ، فَعَرَفَ القَلبُ حينَ دَلَّتهُ العَينُ عَلى ما عايَنَت أنّ لِذلِكَ الخَلقِ وَالتَّدبيرِ وَالأمرِ العَجيبِ صانِعاً يُمسِكُ السَّماءَ المُنطَبِقَةَ أن تَهوى إلى الأرضِ وَأنَّ الّذي جَعَلَ الشَّمسَ وَالنُّجومَ فيها خالِقُ السَّماءِ، ثُمَّ نَظَرَتِ العَينُ إلى ما استَقَلَّها مِنَ الأرضِ فَدَلَّتِ القَلبَ عَلى ما عايَنَت، فَعَرَفَ القَلبُ بِعَقلِهِ أنَّ مُمسِكَ الأرضِ المُمتَدَّةُ أن تَزولَ أو تَهوي في الهَواءِ- وَهُوَ يَرى الرّيشَةَ يُرمى بِها فَتَسقُطُ مَكانَها، وَهِيَ في الخِفَّةِ عَلى ما هِيَ عَلَيهِ- هُوَ الّذي يُمسِكُ السَّماءَ الّتي فَوقَها، وَأنَّه لَولا ذلِكَ لَخُسِفَت بِما عَلَيها مِن ثِقلِها وَثِقلِ الجِبالِ وَالأنامِ وَالأشجارِ وَالبُحورِ والرِّمالِ، فَعَرَفَ القَلبُ بِدِلالَةِ العَينِ أنَّ مُدَبِّرَ الأرضِ هُوَ مُدَبِّرُ السَّماءِ.

ثُمَّ سَمِعَتِ الأُذنُ صَوتَ الرِّياحِ الشَّديدَةِ العاصِفَةِ وَاللّيّنة الطّيّبة، وَعايَنَتِ العَينُ ما يُقلَعُ مِن عِظامِ الشَّجَرِ، وَيُهدَمُ مِن وَثيقِ البُنيانِ، وَتُسفَى مِن ثِقالِ الرِّمالِ، تُخَلّي مِنها ناحِيَةً وَتَصُبُّها في أُخرى‏، بلا سائِقٍ تُبصِرُهُ العَينُ، وَلا تَسمَعُهُ الأُذُنُ، وَلا يُدرَكُ بِشَي‏ءٍ مِنَ الحَواسِّ، وَلَيسَت مُجَسَّدَةً تُلمَسُ وَلا مَحدودَةً تُعايَنُ، فَلَم تَزِدِ العَينُ والأُذُنُ وَسائِرُ الحَواسِّ عَلى أن دَلَّتِ القَلبَ أنَّ لَها صانِعاً، وَذلِكَ أنَّ القَلبَ يُفَكِّرُ بِالعَقلِ الّذي فيهِ، فَيَعرِفُ أنَّ الرّيحَ لَم تَتَحَرَّكَ مِن تِلقائِها وَأنَّها لَو كانَت هِيَ‏

41

المُتَحَرِّكَةُ لَم تَكفُف عَنِ التَّحَرُّكِ، وَلَم تَهدِم طائِفَةً وَتُعَفّي أُخرى، وَلَم تَقلَع شَجَرَةً وَتَدَع أُخرى إلى جَنبِها، وَلَم تُصِب أرضاً وَتَنصَرِف عَن أُخرى، فَلَمّا تَفَكَّرَ القَلبُ في أمرِ الرّيحِ عَلِمَ أنَّ لَها مُحَرِّكاً هُوَ الّذي يَسوقُها حَيثُ يَشاءُ، وَيُسكِنُها إذا شاءَ، وَيُصيبُ بِها مَن يَشاءُ، وَيَصرِفُها عَمَّن يَشاءُ، فَلَمّا نَظَرَ القَلبُ إلى ذلِكَ وَجَدَها مُتَّصِلَةً بِالسَّماءِ وَما فيها مِنَ الآياتِ، فَعَرَفَ أنَّ المُدَبِّرَ القادِرَ عَلى أن يُمسِكَ الأرضَ وَالسَّماءَ هُوَ خالِقُ الرّيحِ وَمُحَرِّكُها إذا شاءَ، وَمُمسِكُها كَيفَ شاءَ، وَمُسَلِطُها عَلى مَن يَشاءُ.

وَكَذلِكَ دَلَّتِ العَينُ وَالأُذُنُ القَلبَ عَلى هذهِ الزّلزِلَةَ، وَعَرَفَ ذلِكَ بِغَيرِهِما مِن حواسِّهِ، حينَ حَرَكَتِهِ فَلَمَّا دَلَّ الحَواسَّ عَلى تَحريكِ هذا الخَلقِ العَظيمِ مِنَ الأرضِ في غِلَظِها وَثِقلِها، وَطولِها وَعَرضِها، وَما عَلَيها مِن ثِقلِ الجِبالِ وَالمِياهِ وَالأنامِ وَغيرِ ذلِكَ، وإنَّما تَتَحَرَّكُ في ناحِيَةٍ وَلَم تَتَحَرَّك في ناحِيَةٍ أُخرى، وَهِي مُلتَحِمَةٌ جَسَداً واحِداً، وَخَلقاً مُتَّصِلًا بِلا فَصلٍ وَلا وَصلٍ، تَهدِمُ ناحِيَةً وتَخسِفُ بِها وَتَسلَمُ أُخرى، فَعِندَها عَرَفَ القَلبُ أنَّ مُحَرِّكَ ما حَرَّكَ مِنها هُوَ مُمسِكُ ما أمسَكَ مِنها، وَهُو مُحَرّكُ الرّيحِ وَمُمسِكُها، وَهُوَ مُدبِّرُ السَّماءِ وَالأرضِ وَما بَينَهُما، وَأنَّ الأرضَ لَو كانَت هِيَ المُزَلزِلَةُ لِنَفسِها لَما تَزَلزَلَت وَلَما تَحَرَّكَت، وَلكِنَّهُ الّذي دَبَّرَها وَخَلَقَها حَرَّكَ مِنها ما شاءَ.

ثُمَّ نَظَرَتِ العَينُ إلى العَظيمِ مِنَ الآياتِ مِنَ السَّحابِ المُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ وَالأرضِ بِمَنزِلَةِ الدُّخانِ لا جَسَدَ لَهُ يُلمَسُ بِشَي‏ءٍ مِنَ الأرضِ وَالجِبالِ، يَتَخَلَّلُ الشَّجَرَةَ فَلا يُحَرِّكُ مِنها شَيئاً، وَلا يَهصُرُ مِنها غُصناً، ولا يَعلَقُ مِنها بِشَي‏ءٍ يَعتَرِضُ الرُّكبانَ فَيَحولُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ مِن ظُلمَتِهِ وَكَثافَتِهِ، وَيَحتَمِلُ مِن ثِقلِ الماءِ وَكَثرَتِهِ ما لا يَقدِرُ على صِفَتِهِ، مَعَ ما فيهِ مِنَ الصَّواعِقِ الصَّادِعَةِ، وَالبُروقِ اللّامِعَةِ، وَالرَّعدِ وَالثَّلجِ وَالبَردِ وَالجَليدِ ما لا تَبلُغُ الأوهامُ صِفَتَهُ وَلا تَهتدي القُلوبُ إلى كُنهِ عَجائِبِهِ،

42

فَيَخرُجُ مُستَقِلًّا في الهَواءِ يَجتَمِعُ بَعدَ تَفَرُّقِهِ وَيَلتَحِمُ بَعدَ تَزايُلِهِ، تُفَرِّقُهُ الرّياحُ مِنَ الجِهاتِ كُلّها إلى حَيثُ تَسوقُهُ بِإذنِ اللَّهِ رَبِّها، يَسفُلُ مَرَّةً وَيَعلو أُخرى، مُتَمَسِّكٌ بِما فيهِ مِنَ الماءِ الكَثيرِ الّذي إذا أزجاهُ صارَت مِنهُ البُحورُ، يَمُرُّ عَلى الأراضي الكَثيرَةِ وَالبُلدانِ المُتنائِيَةِ لا تَنقُصُ مِنهُ نُقطَةٌ، حَتّى يَنتَهي إلى ما لا يُحصى مِنَ الفَراسِخ فَيُرسِلُ ما فيهِ قَطرَةً بَعدَ قَطرَةٍ، وَسَيلًا بَعدَ سَيلٍ، مُتَتابِعٍ عَلى رِسلِهِ حَتّى يَنقَعُ البِرَكُ وَتَمتلي الفِجاجُ، وَتَعتَلي الأودِيَةُ بِالسُّيولِ كَأمثالِ الجِبالِ غاصَّةً بِسُيولِها، مُصمِخَةً الآذانَ لِدَوِّيِّها وَهَديرِها، فتحيي بِها الأرضَ المَيتَةَ، فَتُصبِحُ مُخضَرَّةً بَعدَ أن كانَت مُغبَرَّةً، وَمُعشِبَةً بَعدَ أن كانَت مُجدِبَةً، قَد كُسِيَت ألواناً مِن نباتِ عُشبٍ ناضِرَةً زاهِرَةً مُزَيَّنَةً مَعاشاً للنّاسِ وَالأنعامِ، فَإذا أفرَغَ الغَمامُ ماءَهُ أقلَعَ وَتَفَرَّقَ وَذَهَبَ حَيثُ لا يُعايَنُ ولا يُدرى أينَ تَوارى، فأدَّتِ العَينُ ذلِكَ إلى القَلبِ، فَعَرَفَ القَلبُ أنَّ ذلِكَ السَّحابَ لَو كانَ بِغَيرِ مُدَبِّرٍ وَكانَ ما وَصَفتُ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ، ما احتَمَل نِصفَ ذلِكَ مِنَ الثّقلِ مِنَ الماءِ، وإن كانَ هُوَ الّذي يُرسِلُهُ لَما احتَمَلَهُ ألفَي فَرسَخٍ أو أكثَرَ، وَلَأرسَلَهُ فيما هُوَ أقرَبُ مِن ذلِكَ، وَلَما أرسَلَهُ قَطرَةً بَعدَ قَطرَةٍ، بَل كانَ يُرسِلُهُ إرسالًا فَكانَ يَهدِمُ البُنيانَ وَيُفسِدُ النَّباتَ، وَلَما جازَ إلى بَلَدٍ وَتَرَكَ آخَرَ دونَهُ، فَعَرَفَ القَلبُ بِالأعلامِ المُنيرَةِ الواضِحَةِ أنَّ مُدَبِّرَ الأُمورِ واحِدٌ، وأنّهُ لَو كانَ اثنَينِ أو ثَلاثَةً لَكانَ في طولِ هذهِ الأزمِنَةِ وَالأَبدِ وَالدَّهرِ اختِلافٌ فِي التَّدبيرِ وَتَناقُضٌ في الأُمورِ، وَلَتَأخَّرَ بَعضٌ وَتَقَدَّمَ بَعضٌ، وَلَكانَ تَسَفَّلَ بَعضُ ما قَد عَلا، وَلَعَلا بَعضُ ما قَد سَفِلَ، وَلَطَلَعَ شَي‏ءٌ وَغابَ فَتَأخَّرَ عَن وَقتِهِ أو تَقَدَّمَ ما قَبلَهُ، فَعَرَفَ القَلبُ بِذلِكَ أنَّ مُدَبِّرَ الأشياءِ- ما غابَ مِنها وما ظَهَرَ- هُوَ اللَّهُ الأوَّلُ، خالِقُ السَّماءِ وَمُمسِكُها، وَفارِشُ الأرضِ وَداحيها، وصانِعُ ما بَينَ ذلِكَ مِمّا عَدَّدنا، وَغَيرَ ذلِكَ مِمّا لَم يُحصَ.

وَكذلِكَ عايَنَتِ العَينُ اختِلافَ اللَّيلِ والنَّهارِ دائِبَينِ جَديدَينِ لا يَبلَيانِ في طولِ كَرِّهِما، ولا يَتَغيَّرانِ لِكَثرَةِ اختلافِهِما، وَلا يَنقُصان عَن حالِهِما، النَّهارُ في نورِهِ‏

43

وَضيائِهِ، وَاللّيلُ في سوادِهِ وَظُلمَتِهِ، يَلِجُ أحدُهُما في الآخَرِ حَتَّى يَنتهي كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى غايَةٍ مَحدودَةٍ مَعروفَةٍ في الطّولِ وَالقِصَرِ على مَرتِبَةٍ واحِدَةٍ وَمَجرى واحِدٍ، مَعَ سُكونِ مَن يَسكُنُ في اللَّيلِ، وَانتِشارِ مَن يَنتَشِرُ فِي اللَّيلِ، وَانتِشارِ مَن يَنتَشِرُ فِي النَّهارِ، وَسُكونِ مَن يَسكُنُ فِي النَّهارِ، ثُمَّ الحَرُّ والبَردُ وَحُلولُ أحدِهِما بِعَقِبِ الآخَرِ حَتّى يَكونَ الحَرُّ بَرداً، وَالبَردُ حَرّاً في وَقتِهِ وإبَّانِهِ، فَكُلُّ هذا مِمّا يَستَدِلُّ بِهِ القَلبُ عَلى الرَّبِّ سُبحانَهُ وَتَعالى، فَعَرَفَ القَلبُ بِعَقلِهِ أنَّ مَن دَبَّرَ هذهِ الأشياءَ هُوَ الواحِدُ العزيزُ الحَكيمُ الّذي لَم يَزَل ولا يَزالُ، وَأنَّهُ لَو كانَ في السّماواتِ وَالأرضينَ آلِهَةٌ مَعَهُ سُبحانَهُ لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعضُهُم عَلى بَعضٍ، وَلَفَسَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم على صاحِبِهِ.

وَكذلِكَ سَمِعَت الأُذُنُ ما أنزَلَ المُدَبِّرُ مِنَ الكُتُبِ تَصديقاً لِما أدرَكَتهُ القُلوبُ بِعُقولِها، وَتَوفيقِ اللَّهِ إيَّاها، وَما قالَهُ مَن عَرَفَهُ كُنهَ مَعرِفَتِهِ بِلا وَلَدٍ وَلا صاحِبَةٍ وَلا شَريكٍ، فَأدَّتِ الأُذُنُ ما سَمِعَت مِنَ اللّسانِ بِمقالَةِ الأنبياءِ إلى القَلبِ.

فقال: قَد أتيتَني مِن أبوابٍ لَطيفَةٍ بِما لَم يَأتنِي بِهِ أحَدٌ غَيرُكَ، إلّاأنَّهُ لا يَمنَعُني مِن تَركِ ما في يَديَّ إلّاالإيضاحُ والحُجَّةُ القَويَّةُ بِما وَصَفتَ لي وَفَسَّرتَ.

قُلتُ: أمّا إذا حُجِبتَ عَنِ الجَوابِ وَاختَلَفَ مِنكَ المَقالُ فَسَيأتيكَ مِنَ الدّلالَةِ مِن قِبَلِ نَفسِكَ خاصَّةً ما يَستَبينُ لَكَ أنَّ الحَواسَّ لا تَعرِفُ شَيئاً إلّابِالقَلبِ، فَهَلَ رَأيتَ فِي المَنامِ أنَّكَ تَأكُلُ وَتَشرَبُ حَتَّى وَصَلَت لَذَّةُ ذلِكَ إلى قَلبِكَ؟

قال: نَعَم.

قلتُ: فَهَل رَأيتَ أنَّكَ تَضحَكُ وَتَبكي وَتَجولُ في البُلدانِ الّتي لَم تَرَها وَالّتي قَد رَأيتَها حَتّى تَعلَمَ مَعالِمَ ما رَأيتَ مِنها؟

قال: نَعَم ما لا احصي.

44

قُلتُ: هَل رأيتَ أحَداً مِن أقارِبِكَ مِن أخٍ أو أبٍ أو ذي رَحِمٍ قَد ماتَ قَبلَ ذلِكَ حَتَّى تَعلَمَهُ وَتَعرِفَهُ كَمَعرِفَتِكَ إيّاهُ قَبلَ أن يَموتَ؟

قال: أكثرُ مِنَ الكثيرِ.

قُلتُ: فَأخبِرني أيُّ حَواسِّكَ أدرَكَ هذهِ الأشياءَ في مَنامِكَ حَتَّى دَلَّت قَلبَكَ على مُعايَنَةِ المَوتى وَكلامِهِم، وَأكلِ طَعامِهِم، والجَوَلانِ في البُلدانِ، والضَّحِكِ والبُكاءِ وَغَيرِ ذلِكَ؟

قال: ما أقدِرُ أن أقولَ لَكَ أيَّ حَواسّي أدرَكَ ذلِكَ أو شيئاً مِنهُ، وَكَيفَ تُدرَكُ وَهِيَ بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ؟

قُلتُ: فَأخبِرني حَيثُ استَيقَظتَ ألَستَ قَد ذَكَرتَ الّذي رَأيتَ في مَنامِكَ تَحفَظُهُ وَتَقُصُّهُ بَعدَ يَقظَتِكَ عَلى إخوانِكَ لا تَنسى مِنهُ حَرفاً؟

قال: إنَّه كما تَقولُ وَرُبَّما رَأيتُ الشَّي ءَ في منامي ثُمَّ لا أُمسي حَتَّى أراهُ في يَقَظَتي كَما رَأيتُهُ في مَنامي.

قُلتُ: فَأخبِرني، أيُّ حَواسِّكَ قَرَّرَت عِلمَ ذلِكَ في قَلبِكَ حَتَّى ذَكَرتَهُ بَعدَ ما استَيقَظتَ؟

قال: إنَّ هذا الأمرَ ما دَخَلَت فيهِ الحَواسُّ.

قُلتُ: أفَلَيسَ يَنبغي لَكَ أن تَعلَمَ حَيثُ بَطَلَتِ الحَواسُّ في هذا أنَّ الّذي عايَنَ تلِكَ الأشياءَ وَحَفِظَها في مَنامِكَ قَلبُكَ الّذي جَعَلَ اللَّهُ فيهُ العَقلَ الّذي احتَجَّ بِهِ عَلى العِبادِ؟

قال: إنَّ الّذي رَأيتُ في مَنامي لَيسَ بِشَي‏ءٍ، إنَّما هُوَ بِمَنزِلَةِ السَّرابِ الّذي يُعايِنُهُ صاحِبُهُ وَيَنظُرُ إلَيهِ لا يَشُكُّ فيهِ أنَّهُ ماءٌ، فإذا انتَهى إلى مكانِهِ لَم يَجِدهُ شَيئاً، فَما رَأيتُ في مَنامي فَبِهذِهِ المَنزِلَةِ!

45

قُلتُ: كَيفَ شَبَّهتَ السَّرابَ بِما رَأيتَ في مَنامِكَ مِن أكلِكَ الطَّعامَ الحُلوَ وَالحامِضَ، وَما رَأيتَ مِنَ الفَرَحِ وَالحُزنِ؟

قال: لِأنَّ السَّرابَ حَيثُ انتَهيتَ إلى مَوضِعِهِ صارَ لا شَي ءَ، وَكذلِكَ صارَ ما رَأيتُ في مَنامي حينَ انتَبَهتُ!

قُلتُ: فأخبرني، إن أتَيتُكَ بِأمرٍ وَجَدتَ لَذَّتَهُ في منامِكَ وَخَفَقَ لِذلِكَ قَلبُكَ، ألَستَ تَعلَمُ أنّ الأمرَ عَلى ما وَصَفتُ لَكَ؟

قال: بلى.

قُلتُ: فأخبرني، هَل احتَلَمتَ قَطُّ حَتّى قَضَيتَ في امرَأةٍ نَهمَتَكَ عَرَفتَها أم لَم تَعرِفها؟

قال: بلى ما لا احصيهِ.

قُلتُ: ألَستَ وَجَدتَ لِذلِكَ لَذَّةً عَلى قَدرِ لَذَّتِكَ في يَقَظَتِكَ فَتَنتَبِهُ وَقَد أنزَلتَ الشَّهوَةَ حَتّى تُخرِجَ مِنكَ بِقَدَرِ ما تُخرِجُ مِنكَ في اليَقَظَةِ، هذا كَسرٌ لِحُجَّتِكَ فِي السَّرابِ.

قال: ما يَرى المُحتَلِمُ في مَنامِهِ شَيئاً إلّاما كانَت حَواسُّهُ دَلَّت عَلَيهِ في اليَقَظَةِ.

قُلتُ: ما زِدتَ على أن قَوَّيتَ مَقالَتي، وَزَعَمتَ أنَّ القَلبَ يَعقِلُ الأشياءَ وَيَعرِفُها بَعدَ ذِهابِ الحَواسِّ وَمَوتِها، فَكَيفُ أنكَرتَ أنَّ القَلبَ يَعرِفُ الأشياءَ وَهُوَ يَقظانُ مُجتَمِعَةٌ لَهُ حَواسُّهُ، وَما الّذي عَرَّفَهُ إيّاها بَعدَ مَوتِ الحَواسِّ وَهُوَ لا يَسمَعُ ولا يُبصِرُ؟ وَلَكُنتَ حقيقاً أن لا تُنكِرَ لَهُ المَعرِفَةَ وَحَواسُّهُ حَيَّةٌ مُجتَمِعَةٌ إذا أقرَرتَ أنّهُ يَنظُرُ إلى الإمرَأةِ بَعدَ ذِهابِ حَواسّهِ حَتَّى نَكَحَها وأصابَ لَذَّتَهُ مِنها، فَيَنبَغي لِمَن يَعقِلُ حَيثُ وَصَفَ القَلبَ بِما وَصفَهُ بِهِ مِن مَعرِفَتِهِ بِالأشياءِ وَالحَواسِّ ذاهِبَةً، أن يَعرِفَ أنَّ القَلبَ مُدَبِّرُ الحَواسّ وَمالِكُها وَرائِسُها وَالقاضي عَلَيها؛ فَإنّهُ ما جَهِلَ‏

46

الإنسانُ مِن شَي‏ءٍ فَما يَجهَلُ أنّ اليَدَ لا تَقدِرُ عَلى العَينِ أن تَقلَعَها، وَلا عَلى اللّسانِ أن تَقطَعَهُ، وَأنَّهُ لَيسَ يَقدِرُ شَي‏ءٌ مِنَ الحَواسِّ أن يفعَلَ بِشَي‏ءٍ مِنَ الجَسَدِ شَيئاً بِغَيرِ إذنِ القَلبِ وَدِلالَتِهِ وَتَدبيرِهِ؛ لأنّ اللَّهَ تبارَكَ وَتَعالى‏ جَعَلَ القَلبَ مُدَبِّراً لِلجَسَدِ، بِهِ يَسمَعُ وَبِهِ يُبصِرُ وَهُوَ القاضي وَالأميرِ عَلَيهِ، لا يَتَقَدَّمُ الجَسَدُ إن هُوَ تَأخَّرَ، ولا يَتَأخَّرُ إن هُوَ تَقَدَّمَ، وَبِهِ سَمِعَتِ الحَواسُّ وَأبصَرَت، إن أمَرَها ائتَمَرَت، وَإن نهاها انتَهَت، وَبِهِ يَنزِلُ الفَرَحُ وَالحُزنُ، وَبِهِ يَنزِلُ الألَمُ، إن فَسَدَ شَي‏ءٌ مِن الحَواسِّ بَقِيَ عَلى حالِهِ، وَإن فَسَدَ القَلبُ ذَهَبَ جَميعاً حَتَّى لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ.

قال: لَقَد كُنتُ أظُنُّكَ لا تَتَخَلَّصُ مِن هذهِ المَسألَةِ وَقَد جِئتَ بِشَي‏ءٍ لا أقدِرُ عَلى رَدِّهِ؟

قُلتُ: وَأنا اعطيكَ تَصاديقَ ما أنبَأتُكَ بِهِ وَما رَأيتَ في مَنامِكَ في مَجلِسِكَ السّاعَةَ.

قال: افعَل، فَإنّي قَد تَحَيَّرتُ في هذهِ المَسألَةِ.

قُلتُ: أخبِرني، هَل تُحَدّثُ نَفسَكَ مِن تِجارَةٍ أو صِناعَةٍ أو بِناءٍ أو تَقديرِ شَي‏ءٍ، وَتَأمُرُ بهِ إذا أحكَمتَ تَقديرَهُ في ظَنّكَ؟

قال: نَعَم.

قُلتُ: فَهَل أشرَكتَ قَلبَكَ في ذلِكَ الفِكرِ شَيئاً مِن حَواسِّكَ؟

قال: لا.

قُلتُ: أفَلا تَعلَمُ أنَّ الّذي أخبَرَكَ بهِ قَلبُكَ حَقٌّ؟

قال: اليَقينُ هُوَ، فَزِدني ما يُذهِبُ الشَّكَ عَنّي وَيُزيلُ الشُّبَهَ مِن قَلبي.

(1)

____________

(1). قال المجلسي في بحار الأنوار: أقول: ذكر السّيد ابن طاوس قدّس اللَّه روحه في كتاب النّجوم من هذه الرّسالة جملة ليست فيما عندنا من النّسخ فلنذكرها:

قلت: أخبرني هل يعرف أهل بلادك علم النّجوم؟

قال: إنّك لغافل عن علم أهل بلادي بالنّجوم!

قلت: و ما بلغ من علمهم بها؟

فقال: إنّا نخبرك عن علمهم بخصلتين تكتفي بهما عمّا سواهما.

قلت: فأخبرني و لا تخبرني إلّا بحقّ.

قال: بديني لا أخبرك إلّا بحقّ و بما عاينت. قلت: هات.

قال: أمّا إحدى الخصلتين فإنّ ملوك الهند لا يتّخذون إلّا الخصيان.

قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنّ لكلّ رجل منهم منجماً حاسباً فإذا أصبح أتى باب الملك فقاس الشّمس و حسب فأخبره بما يحدث في يومه ذلك، و ما حدث في ليلته الّتي كان فيها، فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئاً يكرهه أخبره، فقال: فلان قارف كذا و كذا مع فلانة، و يحدث في هذا اليوم كذا و كذا.

قلت: فأخبرني عن الخصلة الأُخرى.

قال: قوم بالهند بمنزلة الخنّاقين عندكم، يقتلون النّاس بلا سلاح و لا خنق و يأخذون أموالهم.

قلت: و كيف يكون هذا؟ قال: يخرجون مع الرّفقة و التّجار بقدر ما فيها من الرّجالة فيمشون معهم أيّاماً ليس معهم سلاح، و يحدثون الرّجال و يحسبون حساب كل رجل من التّجار، فإذا عرف أجمعهم موضع النّفس من صاحبه وكز كلّ واحد منهم صاحبه الّذي حسب به في ذلك الموضع فيقع جميع التّجار موتى!

قلت: إنّ هذا أرفع من الباب الأوّل إن كان ما تقول حقّا!

قال: أحلف لك بديني إنّه حقّ و لربّما رأيت ببلاد الهند قد أخذ بعضهم و أمر بقتله.

قلت: فأخبرني كيف كان هذا حتّى اطّلعوا عليه؟ قال: بحساب النّجوم.

قلت: فما سمعت كهذا علماً قطّ، و ما أشكّ أنّ واضعه الحكيم العليم، فأخبرني من وضع هذا العلم الدّقيق الّذي لا يدرك بالحواسّ و لا بالعقول و لا بالفكر؟ قال: حساب النّجوم وضعته الحكماء و توارثه النّاس.

47

قلت: أخبرني، هَل يَعلَمُ أهلُ بِلادِكَ عِلمَ النُّجومِ؟

قال: إنَّكَ لَغافِلٌ عَن عِلمِ أهلِ بِلادي بِالنُّجومِ فَلَيسَ أحَدٌ أعلَمُ بِذلِكَ مِنهُم.

قُلتُ: أخبِرني كَيفَ وَقَعَ عِلمُهُم بِالنُّجومِ وَهِيَ مِمّا لا يُدرَكُ بِالحَواسِّ ولا بِالفِكرِ؟

قال: حِسابٌ وَضَعَتهُ الحُكماءُ وَتَوارَثَتهُ النّاسُ، فإذا سَألتَ الرَّجُلَ مِنهُم عَن‏

48

شَي‏ءٍ قاسَ الشَّمسَ وَنَظَرَ في مَنازِلِ الشَّمسِ والقَمَرِ وَما لِلطّالِعِ مِنَ النُّحوسِ، وَما للباطِنِ مِنَ السُّعودِ، ثُمَّ يَحسِبُ وَلا يُخطِئُ، ويُحمَلُ إلَيهِ المَولودُ فَيَحسِبُ لَهُ وَيُخبِرُ بِكُلِّ عَلامَةٍ فيهِ بِغَيرِ مُعايَنَةِ وَما هُوَ مُصيبُهُ إلى يَومَ يَموتُ.

قلتُ: كَيفَ دَخَلَ الحِسابُ في مَواليدِ النَّاسِ؟

قال: لِأنَّ جَميعَ النّاسِ إنّما يُولَدونَ بِهذِهِ النُّجومِ، وَلَولا ذلِكَ لَم يَستَقِم هذا الحِسابُ، فَمِن ثَمَّ لا يُخطِئُ إذا عَلِمَ السّاعَةَ واليَومَ والشَّهرَ والسَّنَةَ الّتي يُولَدُ فيها المَولودُ.

قُلتُ: لَقَد تَوَصَّفتَ عِلماً عَجيباً لَيسَ في عِلمِ الدُّنيا أدَقَّ مِنهُ ولا أعظَمَ إن كانَ حَقّاً كَما ذَكَرتَ، يُعرَفُ بِهِ المَولودُ الصَّبِيُّ وَما فيهِ مِن العَلاماتِ وَمُنتَهى أجَلِهِ وَما يُصيبُهُ في حَياتِهِ، أوَ لَيسَ هذا حِساباً تَوَلَّدَ بِهِ جَميعُ أهلِ الدُّنيا مَن كانَ مِنَ النَّاسِ؟

قال: لا أشُكُّ فيهِ.

قُلتُ: فَتَعالَ نَنظُر بِعُقولِنا، كَيفَ عَلِمَ النّاسُ هذا العِلمَ؟ وَهَل يَستَقيمُ أن يَكونَ لِبَعضِ النّاسِ إذا كانَ جَميعُ النّاسِ يُولَدونَ بِهذهِ النُّجومِ؟ وَكَيفَ عَرَفَها بِسُعودِها وَنُحوسِها، وَساعاتِها وَأوقاتِها، وَدَقائِقِها وَدَرَجهاتِها، وَبَطيئِها وَسَريعِها، وَمَواضِعِها مِنَ السَّماءِ، وَمَواضِعِها تَحتَ الأرضِ، وَدِلالَتِها عَلى غامِضِ هذهِ الأشياءِ الّتي وَصَفتُ في السَّماءِ وَما تَحتَ الأرضِ، فَقَد عَرَفتَ أنَّ بَعضَ هذهِ البُروجِ في السَّماءِ، وَبَعضَها تَحتَ الأرضِ، وَكذلِكَ النُّجومُ السَّبعَةُ، مِنها تَحتَ الأرضِ وَمِنها في السَّماءِ، فَما يَقبَلُ عَقلي أنَّ مَخلوقاً من أهلِ الأرضِ قَدَرَ عَلى هذا.

قال: وما أنكَرتَ مِن هذا؟

قُلتُ: إنَّكَ زَعَمتَ أنَّ جَميعَ أهلِ الأرضِ إنَّما يَتَوالَدونَ بِهذهِ النُّجومِ، فَأَرى الحَكيمَ الّذي وَضَعَ هذا الحِسابَ بِزَعمِكَ مِن بَعضِ أهلِ الدُّنيا، وَلا شَكَّ إن كُنتَ‏

49

صادِقاً أنَّهُ وُلِدَ بِبَعضِ هذه النُّجومِ وَالسَّاعاتِ وَالحسابِ الّذي كانَ قَبلَهُ، إلّاأن تَزعُمَ أنَّ ذلِكَ الحَكيمَ لَم يُولَد بِهذهِ النُّجومِ كما وُلِدَ سائِرُ النّاسِ.

قال: وَهَل هذا الحَكيمُ إلّاكَسائِرِ النّاسِ؟

قُلتُ: أفَلَيسَ يَنبغي أن يُدِلَّكَ عَقلُكَ عَلى أنَّها قَد خُلِقَتَ قَبلَ هذا الحَكيمِ الّذي زَعَمتَ أنَّهُ وَضَعَ هذا الحِسابَ، وَقَد زَعَمتَ أنَّهُ وُلِدَ بِبَعضِ هذهِ النُّجومِ؟

قال: بلى.

قُلتُ: فَكَيفَ اهتَدى لِوَضعِ هذهِ النُّجومِ؟ وَهَل هذا العِلمُ إلّامِن مُعَلّمٍ كانَ قَبلَهُما وَهُوَ الّذي أسَّسَ هذا الحسابَ الّذي زَعَمتَ أنّهُ أساسُ المَولودِ، وَالأساسُ أقدَمُ مِنَ المَولودِ، وَالحَكيمُ الّذي زَعَمتَ أنَّهُ وَضَعَ هذا إنَّما يَتَّبِعُ أمرَ مُعَلّمٍ هُوَ أقدَمُ مِنهُ، وَهُوَ الّذي خَلَقَهُ مَولوداً بِبَعضِ هذا النُّجومِ، وَهُوَ الّذي أسَّسَ هذهِ البُروجِ الّتي وُلِدَ بِها غَيرُهُ مِنَ النّاسِ، فَواضِعُ الأساسِ يَنبَغي أن يَكونَ أقدَمَ مِنها.

هَب إنَّ هذا الحَكيمَ عَمَّرَ مُذ كانَتِ الدُّنيا عَشَرَةَ أضعافٍ، هَل كانَ نَظَرُهُ في هذهِ النُّجومِ إلّاكَنَظَرِكَ إلَيها مُعَلّقةً فِي السَّماءِ؟ أو تَراهُ كانَ قادِراً عَلى الدُّنُوِّ مِنها وَهِيَ في السَّماءِ حَتَّى يَعرِفَ مَنازِلَها وَمجاريها، نُحوسَها وَسُعودَها، وَدَقائِقَها، وَبِأيَّتِها تَكسِفُ الشَّمسُ وَالقَمَرُ، وَبِأيَّتِها يُولَدُ كُلُّ مَولودٍ، وَأيُّها السَّعدُ وَأيُّها النَّحسُ، وَأيُّها البَطي ءُ وأيُّها السّريعُ، ثُمَّ يَعرِفُ بَعدَ ذلِكَ سُعودَ ساعاتِ النَّهارِ وَنُحوسَها، وَأيُّها السَّعدُ وَأيُّها النَّحسُ، وَكَم ساعَةً يَمكُثُ كُلُّ نَجمٍ مِنها تَحتَ الأرضِ، وَفي أيِّ ساعَةٍ تَغيبُ، وَأيُّ ساعَةٍ تَطلُعُ، وَكَم ساعَةً يَمكُثُ طالِعاً، وفي أيِّ ساعَةٍ تَغيبُ، وَكَمِ استَقامَ لِرَجُلٍ حَكيمٍ- كَما زَعَمتَ- مِن أهلِ الدُّنيا أن يَعلَمَ عِلمَ السَّماءِ مِمّا لا يُدرَكُ بِالحَواسّ، وَلا يَقَعُ عَلَيهِ الفِكرُ، وَلا يَخطُرُ عَلى الأوهامِ؟ وَكَيفَ اهتَدى أن يَقيسَ الشَّمسَ حَتَّى يَعرِفَ في أيِّ بُرجٍ، وَفي أيِّ بُرجٍ القَمَرُ، وَفي أيِّ بُرجٍ مِنَ السَّماءِ هذهِ السَّبعَةُ السُّعودُ والنُّحوسُ، وما الطّالِعُ مِنها وَما الباطِنُ؟ وَهيَ مُعَلّقةٌ فِي السَّماءِ وَهُوَ

50

مِن أهلِ الأرضِ لا يَراها إذا تَوارَت بِضَوءِ الشَّمسِ، إلّاأن تَزعُمَ أنَّ هذا الحكيمَ الّذي وَضَعَ هذا العِلمَ قَد رَقى إلى السَّماءِ، وَأنا أشهَدُ أنَّ هذا العالَمَ لَم يَقدِر عَلى هذا العِلمِ إلّابِمَن فِي السَّماءِ، لأنَّ هذا لَيسَ مِن عِلمِ أهلِ الأرضِ.

قال: ما بَلَغَني أنَّ أحَداً مِن أهلِ الأرضِ رَقى إلى السَّماءِ.

قُلتُ: فَلَعَلَّ هذا الحَكيمَ فَعَلَ ذلِكَ وَلَم يَبلُغكَ؟

قال: وَلَو بَلَغَني ما كُنتُ مُصَدِّقاً.

قُلتُ: فَأنا أقولُ قَولَكَ، هَبهُ رَقى إلى السَّماءِ هَل كانَ لَهُ بُدٌّ مِن أن يَجري مَعَ كُلِّ بُرجٍ من هذهِ البُروجِ، وَنَجمٍ مِن هذهِ النُّجومِ مِن حَيثُ يَطلُعُ إلى حَيثُ يَغيبُ، ثُمَّ يَعودُ إلى الآخَرِ حَتّى يَفعلَ مِثلَ ذلِكَ حَتّى يأتي عَلى آخِرِها؟ فإنَّ مِنها ما يَقطَعُ السَّماءَ في ثَلاثينَ سَنَةً، وَمِنها ما يَقطَعُ دونَ ذلِكَ، وَهَل كانَ لَهُ بُدٌّ مِن أن يَجولَ في أقطارِ السَّماءِ حَتّى يَعرِفَ مَطالِعَ السُّعودِ مِنها وَالنُّحوسِ، وَالبَطي ءِ وَالسَّريعِ، حَتّى يُحصي ذلِكَ؟ أو هَبهُ قَدَرَ على ذلِكَ حَتّى فَرغَ مِمّا في السَّماءِ، هَل كانَ يَستقيمُ لَهُ حِسابُ ما فِي السَّماءِ حَتّى يُحكِمَ حِسابَ ما فِي الأرضِ وَما تَحتَها؟ وأن يَعرِفَ ذلِكَ مِثلَ ما قَد عايَنَ فِي السَّماءِ؛ لِأنَّ مَجاريها تَحتَ الأرضِ عَلى غَيرِ مَجاريها فِي السَّماءِ، فَلَم يَكُن يَقدِرُ عَلى إحكام حِسابِها وَدَقائِقِها وَساعاتِها إلّابِمَعرِفَةِ ما غابَ عَنهُ تَحتَ الأرضِ مِنها، لِأنَّهُ يَنبغي أن يَعرِفَ أيَّ ساعَةٍ مِنَ اللّيلِ يَطلُعُ طالِعُها، وَكَم يَمكُثُ تَحتَ الأرضِ، وَأيَّةُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ يَغيبُ غائِبُها لِأنَّهُ لا يُعايِنُها، وَلا ما طلَعَ مِنها وَلا ما غابَ، وَلابُدَّ مِن أن يَكونَ العالِمُ بِها واحِداً وَإلّا لَم يَنتَفِع بِالحِسابِ إلّا تَزعُمُ أنَّ ذلِكَ الحَكيمَ قَد دَخَلَ في ظُلماتِ الأرَضينَ وَالبِحارِ فَسارَ مَعَ النُّجومِ وَالشَّمسِ وَالقَمَرِ في مَجاريها عَلى قَدرِ ما سارَ فِي السَّماءِ حَتَّى عَلِمَ الغَيبَ مِنها، وَعَلِمَ ما تَحتَ الأرضِ عَلى قَدرِ ما عايَنَ مِنها فِي السَّماءِ.