تمهيد الوسائل في شرح الرسائل‏ - ج3

- الشيخ علي المروجي المزيد...
500 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و من جملة الظنون الخارجة (1) بالخصوص (2) عن اصالة حرمة العمل بغير العلم خبر (3) الواحد (4).

____________

الكلام في حجية خبر الواحد

(1) عن تحت الاصل الاولي الدال على حرمة العمل بالظن فان قوله: عن اصالة ...) متعلق بقوله: «الخارجة».

(2) أي بسبب الدليل الخاص، و يسمّى هذا باطن الخاص، و يقابله الظن الذي هو حجة من باب انسداد باب العلم، و يطلق عليه الظن المطلق.

(3) مبتدأ مؤخر، و قوله: «و من جملة الظنون» خبر مقدم أي خبر الواحد من جملة الظنون التي خرجت عن تحت اصالة حرمة العمل بغير العلم.

(4) الواحد اما صفة الراوى، أي خبر الراوي الواحد، و أما صفة الخبر باعتبار متعلقه، أي الخبر الواحد راويه، مثل قولنا: «زيد كريم الاب».

و المراد بخبر الواحد هنا مقابل المتواتر فيشمل المستفيض،

4

فى الجملة (1) عند المشهور بل كاد (2) أن يكون اجماعا.

اعلم ان اثبات الحكم الشرعى بالاخبار (3) المروية عن الحجج، (عليهم السلام)، موقوف على مقدمات ثلاث: (4)

____________

و هو ما زاد راويه على الاثنين او الثلاثة و لم يصل الى حد التواتر.

و الخبر الواحد المحفوف بالقرينة ملحق بالمتواتر و خارج عن محل النزاع، اذ المفروض في المقام البحث عن الظنون و الخبر المحفوف بالقرائن مفيد للقطع، فالبحث عنه يكون داخلا في مبحث القطع.

(1) أي على نحو الموجبة الجزئية في مقابل السلب الكلي، فان قوله: «في الجملة» اشارة الى الاختلافات الموجودة بين القائلين بحجية خبر الواحد، اذ القائلون بها مختلفون في ان المعتبر من الاخبار هل كل ما في الكتب المعتبرة؟ او أن المعتبر بعضها؟ و أن المناط فى حجية خبر الواحد هل هو عمل الاصحاب؟ او عدالة الراوي؟ او وثاقته؟ او مجرد الظن بصدور الرواية من غير اعتبار وثاقة الراوي؟.

و المقصود هنا بيان اثبات حجية خبر الواحد في الجملة في مقابل السلب الكلي.

(2) أي قرب. و في التعبير بهذا اللفظ اشارة الى أن حجية خبر الواحد فوق الشهرة، و قريبة من الاجماع اذ المخالف نادر، و النادر كالمعدوم.

[المقدمات التي يتوقف عليها اثبات الحكم الشرعي بالاخبار الآحاد]

(3) أي بسبب الاخبار ...).

(4) بحيث لو اختلت احدى هذه المقدمات لم يكن الخبر حجة.

5

الاولى كون الكلام صادرا عن الحجة (1).

الثانية كون صدوره (2) لبيان حكم اللّه، لا على وجه آخر من تقية.

و غيرها (3).

الثالثة: ثبوت دلالتها (4) على الحكم المدعى.

و هذا (5) يتوقف اولا على تعيين.

____________

(1) بأن يثبت صدور الخبر عن المعصوم، (عليه السلام)، و المتكفل لاثبات صدوره هى الادلة الدالة على حجية خبر الواحد، و هذه المقدمة هو المقصود بالبحث عنها في المقام، فان الغرض من مبحث حجية خبر الواحد هو اثبات صدور خبر الواحد عن المعصوم (عليه السلام).

و أما سائر المقدمات فالبحث عنها موكول الى محله.

(2) أي صدور الخبر، و لا يخفى ان البحث عن المقدمة الثانية بحث عن جهة الصدور، بان يثبت أن الخبر قد صدر بداعي الجد دون التقية و غيرها، و المتكفل لاثباتها هي الاصول العقلائية، و قد ثبت استقرار سيرتهم على أن الالفاظ الصادرة من كل متكلم تصدر منه بداعي الجد و بيان الواقع دون غيره من الدواعي و يصطلح عليها باصالة الجهة.

(3) كاختبار المكلف بأنه مطيع او عاص.

(4) أي دلالة الالفاظ، بأن ينعقد لها ظهور في المعنى بحسب العرف.

(5) أي ثبوت الدلالة. يتوقف على امرين: تعيين الموضوع له لالفاظ الرواية و تعيين المراد من الفاظها. و الحاصل: أنّ هذه المقدمة الثالثة تنحل الى مقدمتين: و هما اثبات الظهور، و اثبات‏

6

اوضاع (1) الفاظ الرواية، و ثانيا (2) على تعيين المراد منها و أن (3) المراد مقتضى وضعها او غيره فهذه (4) امور اربعة.

و قد اشرنا الى كون الجهة الثانية من «المقدمة الثالثة».

____________

حجية الظهور. بان يثبت وجوب اتباع ما يكون الخبر ظاهرا فيه.

و ان شئت فقل: انه تبحث في هذه المقدمة عن اثبات أصل الظهور، و اثبات ارادة الظهور.

و المتكفل لاثبات الظهور هو مباحث الاوضاع اللغوية، و الظهورات العرفية و المتكفل لاثبات ارادة الظهور و حجيته هي الاصول العقلائية.

و قد ثبت استقرار سيرتهم على اتباع ظواهر الالفاظ و أنها مراد المتكلم.

(1) كتعيين ان لفظ الصعيد الوارد في الرواية مثلا موضوع لمطلق وجه الارض او للتراب الخالص و المشخص لاوضاع الفاظ الرواية هو العرف و اللغة كما عرفت.

(2) أي ثبوت الدلالة يتوقف على تعيين مراد المتكلم من الفاظ الرواية بأن يثبت ان مراده من الصعيد مطلق وجه الارض فاذا عين المعنى الموضوع له لالفاظ الرواية و عين المراد منها ينعقد لها الدلالة و هكذا باقى الفاظ الرواية.

(3) عطف تفسيري لما قبله، أي تعيين أن المراد من الالفاظ هل هو المعنى الحقيقي لها الذي هو مقتضى وضع الالفاظ أو غيره من المعاني المجازية.

(4) اى المقدمات التي يتوقف عليها اثبات الحكم الشرعى بالاخبار تنحصر في امور اربعة و هي أصل الصدور، و جهة الصدور، و اثبات‏

7

من (1) الظنون الخاصة و هو (2) المعبر عنه بالظهور اللفظى، و الى (3) أن الجهة الاولى منها مما لم يثبت كون الظن الحاصل فيها بقول اللغوى.

____________

الظهور، و ارادة الظهور، فان استفادة الحكم- كوجوب الدعاء مثلا عن الرواية- موقوفة اولا على صدور الخبر الدال عليه من المعصوم (عليه السلام).

و ثانيا على صدوره بداعي الجد دون التقية و الاختبار.

و ثالثا على اثبات الظهور للخبر المذكور في وجوب الدعاء مثلا.

و رابعا على ارادة الظهور من الخبر المذكور فاذا اختلت احدى هذه الجهات لم يكن الخبر حجة.

(1) خبر لقوله: «كون ...» ان شئت فعبّر عن الجهة الثانية من المقدمة الثالثة بالمقدمة الرابعة، و هي الجهة الاخيرة التي يتعين بها مراد المتكلم من الالفاظ بعد الفراغ عن انعقاد الظواهر لها.

و قد تقدم في اول بحث حجية الظواهر أن الاصل الجاري لتعيين المراد- الذي يسمى باصالة عدم القرينة، او اصالة الحقيقة- من الظنون الخاصة، و من الاصل العقلائي الذي قام الدليل الخاص على حجيته.

(2) أي الذي يعين المراد- و هي الجهة الثانية من المقدمة الثالثة- هو أصل لفظي يعبر عنه بالظهور اللفظي، و لا ريب في حجيته.

(3) اي قد أشرنا في بحث حجية قول اللغوي الى أن الجهة الاولى من المقدمة الثالثة- و هي التي تعين اوضاع الفاظ الرواية- مما لم يثبت كون الظن الحاصل فيها بسبب قول اللغوي- الى تعيين اوضاع‏

8

من الظنون (1) الخاصة، و ان لم نستبعد الحجية (2) أخيرا.

و اما «المقدمة الثانية» (3) فهو ايضا ثابت باصالة عدم صدور الرواية لغير داعى بيان الحكم الواقعى (4) و هى (5) حجة لرجوعها الى القاعدة المجمع عليها بين العلماء و العقلاء من (6) حمل كلام المتكلم على كونه صادرا لبيان مطلوبه (7) الواقعى لا (8)

____________

الفاظ الرواية- من الظنون الخاصة

(1) خبر لقوله: «كون الظن ...»

(2) أي حجية الظن الحاصل من قول اللغوى، اي قلنا أخيرا بأنه لا يبعد أن يكون الظن الحاصل من قول اللغوى حجة من باب الظن الخاص.

(3) و هي اثبات أن الخبر صدر بداعي الجد دون التقية و الامتحان.

(4) لما قد عرفت من أنه قد جرت سيرة العقلاء على حمل الالفاظ على صدورها بداعي الجد و بيان الحكم الواقعى دون غيره من الدواعي.

(5) أي اصالة عدم صدور الرواية حجة لرجوعها ...)

(6) بيان لقاعدة المجمع عليها، اي القاعدة العقلائية عبارة عن حمل كلام كل متكلم على أنه صدر لبيان مطلوبه الواقعي.

(7) اي مطلوب المتكلم، و الضمير في «مقصوده» ايضا راجع الى المتكلم.

(8) اي لا يحملون كلام المتكلم على أنه صدر لبيان خلاف مقصوده.

9

لبيان خلاف مقصوده من تقية او خوف و لذا (1) لا يسمع دعواه ممن يدعيه (2) اذا لم يكن كلامه محفوفا باماراته (3)

و اما «المقدمة الاولى» (4) فهى التى عقد لها مسألة حجية أخبار الآحاد

____________

(1) أي و لاجل حمل كلام المتكلم على كونه صادرا لبيان مطلوبه الواقعي لا يسمع دعوى المتكلم انه اراد خلاف مقصوده.

(2) أي من المتكلم الذي يدعى انه اراد خلاف مقصوده من باب التقية و يقول اني ما اردت من كلامي هذا ظاهره فان هذه الدعوى لا تسمع منه، بل يحمل كلامه على ظاهره ما لم ينصب قرينة على خلافه من الاول، فلو أقر بدار هي في يده لزيد، ثم قال: اردت منه المزاح لا يسمع هذا القول منه بعد اقراره.

(3) أي بامارات خلاف مقصوده، كما اذا ذكرت قرينة في كلامه تدل على ان الكلام المذكور صدر منه تقية و لم يقصد هو ظاهر كلامه.

(4) و هي اثبات أصل الصدور بأن يثبت أن الخبر صدر عن الحجة فان مسألة حجية خبر الواحد عقدت لاثبات أصل صدور الخبر.

و ملخص الكلام الى هنا: أن الاصل الجاري في المقدمة الاولى من المقدمات الاربع- و هي صدور الخبر عن الحجة (عليه السلام)- و كذا الاصل الجاري في المقدمة الثانية- و هي جهة الصدور- قد ثبتت حجيته عند العقلاء.

و اما المقدمة الثالثة- و هي ثبوت الظهور و تعيين اوضاع الالفاظ فلم يقم دليل عليها لعدم قيام دليل على حجية قول اللغوي كما عرفت و اما الاصل الجاري في المقدمة الرابعة- و هي ارادة الظهور- فانه‏

10

فمرجع هذه المسألة (1) الى أن السنة، اعنى قول الحجة او فعله او تقريره، هل تثبت بخبر الواحد أم لا تثبت إلّا بما يفيد القطع من التواتر و القرينة.

____________

حجة ايضا فالمقدمات الثلاث من المقدمات الاربع تامة عند العقلاء و المقدمة الثالثة لم يقم دليل على اثباتها فالمتبع فيه نظر الفقيه، فانه لا بد له من استعلام اوضاع اللغات، و العلم بمعانيها من طريق التتبع. و الاستنباط فالمتبع فيها نظر شخصه لكنه «(قدس سره)» مال الى حجيته في آخر كلامه فلاحظ.

[البحث في حجية خبر الواحد يرجع الى البحث عن عوارض السنة]

(1) اي مسألة حجية خبر الواحد. يعنى أن البحث عن حجية خبر الواحد يرجع الى أن السنة هل تثبت به أم لا تثبت إلّا بالخبر المفيد للقطع كالخبر المتواتر، و الخبر المحفوف بالقرينة.

و لا يخفي أن ما ذكره شيخنا الاعظم ((قدس سره)) هنا جواب عن الاشكال المذكور في اندراج البحث عن حجية الخبر الواحد تحت المباحث الاصولية، و منشأ هذا الاشكال ما ذكروه في تعريف موضوع علم الاصول بأنّه عبارة عن الادلة الاربعة، و عليه فلا بد أن يكون البحث في خبر الواحد بحثا عن عوارض الادلة الاربعة، لما قرر في محله من أنّ البحث في كل علم هو البحث عن عوارضه الذاتية، و من الظاهر أنّ البحث عن الخبر ليس بحثا عن أحوال الادلة الاربعة، أما عدم كونه بحثا عن أحوال الكتاب و الاجماع و العقل فواضح، و أما عدم كونه بحثا عن أحوال السنة فلأن البحث عنه انما هو بحث عن أحوال حاكي السنة لا أحوال نفسها.

و أجاب عنه شيخنا الاعظم ((قدس سره)): بأنّ البحث عن حجية

11

الخبر بالاخرة يرجع الى البحث عن أنّ السنة هل تثبت بخبر الواحد أولا تثبت، فيكون البحث عنه بحثا عن أحوال السنة و عوارضها لأنّ البحث عن ثبوت الشي‏ء بحث عن أحواله و عوارضه.

[لا بد لكل علم من موضوع‏]

(أقول): أنّ ما ذكرناه الى هنا راجع الى توضيح المتن. و أما تحقيق الكلام فيحتاج الى البحث عن صحة قولهم (أنه لا بد في كل علم من وجود موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و عدمها) و تعيين موضوع علم الاصول بأنه هي الادلة الاربعة، أو شي‏ء آخر.

و التحقيق في هذا المطلب، و بيان الحق فيه يحتاج الى التحقيق في امور:

(الامر الاول) في أنه هل لا بد في كل علم من موضوع؟

(الامر الثاني) هل يكون البحث في كل علم بحثا عن عوارضه الذاتية؟

(الامر الثالث) توضيح معنى الموضوع، و المسائل، و المبادي.

اما الامر الاول فالمعروف بين العلماء انه لا بد في كل علم من وجود موضوع يكون جامعا ذاتيا لموضوعات مسائله بحيث تكون نسبته اليها نسبة الطبيعي الى مصاديقه، و الباعث لهم على ان يلتزموا بلا بدية وجود الموضوع هي قاعدة فلسفية، و هي قاعدة عدم صدور الواحد الا من الواحد.

و بعبارة اخرى: ان الواحد بما هو واحد لا يكون متأثرا عن‏

12

المتعدد و هذه القاعدة قد اوجبت عليهم أن يلتزموا بوجود جامع وحداني في العلوم المسمى بموضوع العلم.

و توضيحه: ان الغرض من كل علم أمر واحد، و هو المقصد الاصلي الذي دعى الى تدوين هذا العلم و تعلمه، فان الغرض من الاصول مثلا هو الاستنباط و الغرض من النحو حفظ اللسان هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى أنّ كل علم مركب من مجموع مسائل: فان الاصول عبارة عن مجموع مسائل حجية خبر الواحد، و العام و الخاص، و حجية الاجماع، و نحوها، فانها كما ترى امور متعددة، و تأثير هذه المسائل على كثرتها في الاستنباط الذي هو امر واحد معناه تأثير المتعدد في الواحد.

و ان شئت فقل: ان الواحد صدر من المتعدد و هو خلاف القاعدة المذكورة في الفلسفة كما عرفت.

و لأجل الفرار عن هذه العويصة قالوا ان وحدة الاثر تكشف عن وحدة المؤثر و هو الجامع بين المسائل المتفرقة.

و بعبارة أخرى: بعد تمامية امتناع تأثر الواحد عن المتعدد و بعد كون الغرض المترتب على كل علم أمرا واحدا فلا بد من الالتزام بوجود جامع وجدانى بينها ليكون موضوعا للعلم و مؤثرا في الغرض.

و لكن يمكن ان يقال: بمنع كون المقام من مصاديق تلك القاعدة لأن البرهان المزبور لا يجرى إلّا في الواحد بالحقيقة و الذات فان المعلول اذا كان واحدا ذاتيا حقيقيا يكشف عن جهة وحدة ذاتية

13

حقيقية، و اما اذا كان واحدا بالعنوان فلا مجال للقاعدة المذكورة، و ما نحن فيه من هذا القبيل- كما في كلمات المحقق الاصفهانى‏ (1)- بداهة أن صون اللسان عن الخطاء في المقال في علم النحو مثلا ليس واحدا بالحقيقة و الذات، بل بالعنوان، و الواحد بالعنوان لا يكشف عن جهة وحدة ذاتية حقيقية، اذ الغرض المذكور قد انتزع من الاغراض العديدة بتعدد القواعد باعتبار اشتراكها في منشإ الانتزاع، فان الغرض المترتب على قاعدة «كل فاعل مرفوع» غير غرض مترتب على قاعدة «كل مفعول منصوب» و هو غير غرض مترتب على كل «مضاف اليه مجرور» و هكذا لكن جميع هذه الاغراض دخيل في صون اللسان عن الخطاء، و هو غرض واحد بالعنوان، اي أفراد متعددة واقعة تحت عنوان واحد، و الواحد العنواني لا يكشف عن واحد شخصي يكون جامعا ذاتيا بين المسائل، و قاعدة استحالة تأثير المتكثر في الواحد انما هو في الواحد الشخصي. و لا مجذور في تأثير المتكثر في الواحد العنواني هذا اولا.

و ثانيا انا لو أغمضنا عما ذكرناه و قلنا بأن الغرض من كل علم ليس واحدا بالعنوان بل واحد شخصي إلّا أن وحدة الغرض انما تكون كاشفة عن وجود وحدة شخصية بين الشتات اذا كان الغرض واحدا بسيطا محضا غير ذى جهات، و اما مع اختلاف الجهات فلا يكون المتكثر مؤثرا في جهة خاصة، بل يترتب كل جهة على قاعدة من قواعد متكثرة، اذن فمجرد كون الغرض واحدا شخصيا لا يثبت المطلوب.

____________

(1)- نهاية الدراية الجزء 1 ص 8.

14

و ما نحن فيه من هذا القبيل فان الغرض من علم النحو مثلا هو حفظ اللسان، فان للحفظ المزبور جهات عديدة تترتب كل جهة على قاعدة من تلك القواعد بلحاظ مطابقتها لها. فان حفظ اللسان الذي يترتب على باب «المبتدإ» جهة مترتبة على تلك القاعدة، و حفظ اللسان عن الخطاء في الاعراب في باب «الفاعل» جهة أخرى يترتب على باب الفاعل، و اذن لا يكون الواحد متأثرا عن المتكثر، بل يكون المتكثر متأثرا عن المتكثر، فان باب «المبتدإ» يؤثر في جهة خاصة من حفظ اللسان و باب «الفاعل» يؤثر في جهة أخرى، و باب «المضاف اليه» في جهة ثالثة، و هكذا، و كل جهة من تلك الجهات تأثرت من باب خاص و من مسألة خاصة، و مجموع الغرض و هو عنوان «حفظ اللسان» مترتب على مجموع المسائل لا على جميعه كي يلزم المحذور.

و هذا الجواب مستفاد من كلام المحقق الاصفهاني و العراقي‏ (1) «(قدس سرهما)».

و ثالثا: لو سلمنا ان الغرض من كل علم واحد شخصي غير ذي جهات إلّا أنه لا داعي الى ارجاع المسائل الى جامع، اذ الاثر لا يترتب على الجميع بل على المجموع، فان صحة الصلاة انما هي بلحاظ مطابقتها بمجموع اجزائها و شرائطها، و عدم موانعها، للمأمورية، كما أن من عدم مطابقتها له ينتزع عنوان الفساد، و اذن يكون كل واحد من المسائل جزء المؤثر لاتمامه، و انما تمامه المجموع من حيث المجموع، اذن فتكون نسبة الغرض الى مجموع المسائل‏

____________

(1)- نهاية الافكار الجزء 1، ص 8.

15

نسبة المعلول الى العلة المركبة.

و رابعا: ان ما ذكرنا كله مبنى على أن يكون دخل المسائل في الغرض من باب دخل المؤثر في المتأثر، و ليس كذلك اذ الغرض من علم النحو لا يحصل من نفس المسائل فان ما يترتب على تلك المسائل هو اقتدار المتكلم على التكلم الصحيح، و اما نفس التكلم فهو منوط بارادة المتكلم، و معرفة تلك القواعد و المسائل شرط في تأثير الارادة في التكلم على طبق القواعد و لا يتمكن منه الا بمعرفته، فيكون حفظ اللسان مترتبا على ارادة المتكلم و شرطه هو العلم بالمسائل، لا المسائل بوجودها الواقعي كما زعمه القوم، و لا العلم بترتب المحمولات على الموضوعات كما في كلمات الاستاذ الاعظم‏ (1) حيث قال: ان الغرض من العلم انما يحصل من العلم بترتب المحمولات على الموضوعات، ضرورة ان مجرد العلم بالمسائل و القواعد، و كذا العلم بترتب المحمولات على الموضوعات لا يكون علة تامة لحفظ اللسان، اذ للمتكلم أن لا يحفظ لسانه عن الخطاء في المقال مع علمه بالقواعد و بترتب المحمولات على الموضوعات فالصحيح ما ذكرنا.

نعم لو كانت القواعد من القواعد الفكرية فما يترتب عليها من الصون عن الخطاء يكون قهريا. فنفس العلم بالقواعد علة لحصول الغرض، و هو الحفظ عن الخطاء.

و الحاصل: أن دخل القواعد في الغرض لا يكون من قبيل المؤثرية

____________

(1) مبانى الاستنباط ص 17.

16

و المتأثرية بل من قبيل دخل طرف الاضافة كما في كلمات المحقق العراقي‏ (1).

و ان شئت فقل: انه من قبيل اقتضاء الشرط مشروطه، كما في علم النحو، او من قبيل اقتضاء الغاية الداعية لما تدعو اليه، كما في الصلاة، كما في كلمات المحقق الاصفهاني‏ (2)، اذن فلا يبقى مجال للحاجة الى كشف جامع وحداني بين المسائل المتفرقة بالبرهان المعروف بمجرد وحدانية الغرض القائم بها، اذ ليس اقتضاء المسائل للغرض على حد اقتضاء السبب لمسببه حتى تكون وحدة أحدهما كاشفة عن وحدة الآخر.

و خامسا: ان تحقق الجامع الذاتي بين موضوعات بعض العلوم غير ممكن لعلم الفقه و الاصول.

اما الاول: فلأن الموضوع في بعض مسائله من مقولة الجوهر كالماء و الارض و الدم، و في بعضها من مقولة الكيف، و في بعضها يكون أمرا وجوديا، و قد يكون أمرا عدميا، و قد يكون من مقولة أخرى، فلا يمكن تصوير جامع ما هوي بين المقولات، لانها متباينات.

فتلخص من جميع ما ذكرناه: ان ما ذكره القوم من لابدية وجود الموضوع في كل علم لا دليل عليه، هذا تمام الكلام في المقام الاول.

و اما الامر الثاني: و هو أن البحث عن كل علم بحث عن عوارضه الذاتية، فالبحث عنه يحتاج الى توضيح العوارض الذاتية، و العوارض الغريبة،

[الكلام هنا يقع فى مقامين‏]

و الكلام هنا.

____________

(1) نهاية الافكار ج 1 ص 8.

(2) نهاية الدراية ج 1 ص 8.

17

يقع فى مقامين:

الاول: توضيح العوارض الذاتية و تفسير معناها:

الثاني: انه هل يعتبر أن يكون البحث في كل علم بحثا عن عوارضه الذاتية لموضوعه؟

اما المقام الاول: فنقول: قد اختلف العلماء في تعريف العوارض الذاتية و بيان حقيقتها.

فنقول: ان العوارض كما في كلمات أهل الفن على قسمين:

اعراض ذاتية، و اعراض غريبة، و تفصيل ذلك: ان العرض تارة يكون عارضا لنفس الشي‏ء بلا واسطة أصلا بأن يكون عروضه للشي‏ء لذاته، و أخرى مع الواسطة، و على الثاني اما أن يكون عروضه للشي‏ء بواسطة جزئه الأعم او المساوي او الامر الخارج عنه المساوى له، أو الاعم منه أو الاخص منه، أو المباين له فذلك سبعة أقسام:

ثلاثة منها اعراض ذاتية بالاتفاق و هي ما كان عروضه له لذاته اي بلا واسطة اصلا، كعروض ادراك الكليات للنفس الناطقة، أو الزوجية للاربعة، او لجزئه المساوي، كالتكلم العارض للانسان بواسطة القوة الناطقة، او الامر الخارج عنه يساويه، كالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب.

و ثلاثة منها اعراض غريبة بالاتفاق على ما هو المعروف عند اهل الفن، و هي ما يعرض للشي‏ء بواسطة امر خارج اعم منه، كالابعاد الثلاثة العارضة للبياض بواسطة الجسم، او اخص منه، كالضحك العارض للحيوان بواسطة الانسان، او مباين له كالحرارة العارضة للماء بالنار، او بشعاع الشمس.

18

و واحد منها مختلف فيه، و هو العارض له لجزئه الأعم، كالحركة الارادية اللاحقة للانسان لكونه حيوانا، ذهب المتأخرون الى كونه من الاعراض الذاتية، و القدماء الى انه من الاعراض الغريبة، و تبعهم جماعة من محققي المتأخرين.

الى هنا صارت الاعراض سبعة أقسام و هنا قسم ثامن، و هو أن يكون الواسطة واسطة في العروض، بأن لا يكون العارض عارضا للشي‏ء حقيقة، بل لغيره، و انما ينسب اليه تجوزا، لعلاقة بينه و بين ذلك الغير الذي هو المعروض الحقيقي، كالجري العارض للميزاب.

فانه ينسب اليه بالعرض و المجاز، لعلاقة بينه و بين الماء الذي هو المعروض الحقيقي للجري.

و قد ذهب صاحب الكفاية الى أن جميع هذه الاعراض من الاعراض الذاتية سوى العارض مع الواسطة في العروض، حيث فسر في اول كتابه العرض الذاتى بقوله: «أي بلا واسطة في العروض» و بذلك اراح نفسه عن الاشكالات الواردة على القائلين بأن موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

و قال المحقق الاصفهاني‏ (1): ان تفسير العرض الذاتى بما فسره مد ظله هو المعروف المنقول عن اهالى فن المعقول.

و قد استشكل على تعريف المشهور بأن العارض للشي‏ء بواسطة أمر أخص، او أعم داخليا كان او خارجيا عرض غريب، اذ أغلب المحمولات عارضة لانواع موضوعاتها.

و بعبارة أخرى: ان البحث عن العلوم بناء على ما ذكر لا يكون‏

____________

(1) نهاية الدراية ج 1 ص.

19

من العوارض الذاتية بل يكون عن العوارض الغريبة، لأن المحمولات المبحوث عنها انما تعرض اولا و بالذات لموضوعات المسائل، ثم بواسطتها تعرض لموضوع العلم، و نسبة موضوع المسألة الى موضوع العلم نسبة النوع الى الجنس، او نسبة الجنس الى النوع.

و الاول مثل «الرفع» فانه يعرض اولا و بالذات للفاعل، ثم بواسطته يعرض للكلمة و نسبة «الفاعل» الى «الكلمة» نسبة النوع الى الجنس.

و الثاني كما في بعض مسائل علم الاصول كالبحث عن حجية مطلق الظواهر فان نسبتها الى ظواهر الكتاب و السنة نسبة الجنس الى النوع، و قد ذهب المشهور الى أن العارض بواسطة الخارج الأخص، و الخارج الأعم من الاعراض الغريبة. و قد ذهب القوم في التفصي عن هذا الاشكال يمينا و شمالا.

و قال المحقق الاصفهاني انه لم يأت أحد منهم بما يشفى العليل و يروى الغليل‏ (1) و قد تفصّي المحقق النائينى عن الاشكال بتقييد الموضوع بالحيثية لاحظ كلامه.

و اما المقام الثاني: و هو انه هل يكون البحث عن كل علم بحثا عن عوارضه الذاتية؟

فالحق أن يقال: انه لم يرد آية و لا رواية و لا دليل عقلي على لزوم كون البحث في كل علم بحثا عن عوارضه الذاتية، بل يبحث فيه عما له دخل في الغرض الذي دون هذا العلم لأجله سواء كان من الاعراض الذاتية او من غيرها.

____________

(1) نهاية الدراية ج 1 ص.

20

اذا عرفت ما ذكرناه: فاعلم انك بعد ما علمت انه لا داعي للالتزام بوجود جامع وحداني في العلوم، و كذا لا داعي للالتزام بأنه لا بد في كل علم أن يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. لا ملزم لأن يقال: ان موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة كي يشكل عليه بأن البحث عن خبر الواحد ليس بحثا عنها فلا يدخل تحت علم الاصول، و لا مجال لا تعاب النفس للتفصي عن الاشكال كما أتعب الشيخ «(قدس سره)» نفسه الزكية.

و اما الامر الثالث فهو ان لكل علم لا بد من موضوع على المشهور، و مسائل و مبادي.

اما الموضوع فقد عرفت انه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

و انما لم يبحث في العلم الا عن عوارضه الذاتية لأن المقصود فيه بيان أحوال موضوعه و العوارض الذاتية للشي‏ء احوال له في الحقيقة و اما العوارض الغريبة فهى احوال للاشياء الأخر التي هي اعراض ذاتية لها فينبغي أن يبحث عنها في العلوم التي موضوعها تلك الاشياء.

اما المسائل فانها عبارة عن جملة من قضايا متفرقة مندرجة تحت غرض واحد الذي لأجله دون ذلك العلم، فمسائل النحو مثلا هي المسائل التي يجمعها صون اللسان عن الخطاء في المقال.

و اما المبادي فهي على قسمين: تصورية، و تصديقية، فما يوجب معرفة الموضوع و المحمول فهو من المبادى التصورية، كاللغة، مثلا فان في قولنا الارض مطهرة لا يعرف الموضوع الذي هو الارض الا بمراجعة اللغة.

21

و ما يوجب التصديق بثبوت المحمول للموضوع فهو من المبادي التصديقية كالادلة الاربعة في الفقه، فان التصديق بكون الارض مطهرة يتوقف عليها.

ثم ان لعلم الاصول مباد خاصة، و تسمى بالمبادى الاحكامية، و هي المسائل الباحثة عن حقيقة الحكم و ماهيته بأنها مجعولة استقلالية او انتزاعية او عن حالاته و عوارضه من حيث اشتراطه بشروط عقلية، و من هذا القبيل مباحث مقدمة الواجب، و النهى عن الضد، و اجتماع الامر و النهى، بناء على عدم كونها من المسائل الاصولية، و انكر الاستاذ الاعظم المبادى الاحكامية في مقابل المبادي التصورية لاحظ كلامه.

[الكلام في موضوع علم الاصول‏]

اذا عرف هذه الامور الثلاثة يقع الكلام في موضوع علم الاصول (بانه هل هو الادلة الاربعة أم لا؟)

ذهب المحقق القمي الى ان موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة بما هي ادلة اي بوصف دليليتها.

و يرد عليه انه يلزم مما ذكره ((قدس سره)) انحصار مباحث الاصول بمباحث الالفاظ، بناء على أنّ عوارض الجنس من العوارض الذاتية، و خروج باقي مسائله عن كونها مسائل اصولية، و دخول اكثرها في المبادي التصورية و بعضها في المبادي الاحكامية، و ذلك كمباحث الحجج، و مباحث الالتزامات العقلية، و مباحث الاصول العملية.

اما دخول الحجج في المبادي التصورية فلأن البحث عنها يكون بحثا عن ثبوت الموضوع.

لما عرفت من أنّ موضوع علم الاصول هي الادلة التي ثبت حجيتها،

22

فالبحث من كون الادلة حجة أم لا بحث عن جزء موضوع الاصول، و البحث عن الموضوع داخل في المبادي التصورية كما عرفت.

و اما الاصول العملية فلان البحث عنها بحث عما يعين الوظيفة الفعلية عند عدم الدليل الاجتهادي، و لا يكون البحث عنها بحثا عن عوارض الادلة الاربعة.

و اما الالتزامات العقلية كحكم العقل بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته فعدم كون البحث عنها بحثا عن عوارض الادلة الاربعة واضح، فانها داخلة في المبادي الاحكامية.

و لاجل هذه الاشكالات عدل صاحب الفصول عما ذهب اليه المحقق القمي، و جعل الموضوع ذوات الادلة بما هي هى، بزعم ان البحث حينئذ يصير بحثا عن احوال الادلة و عوارضها، نظرا الى أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحواله، و عوارضه.

و يرد عليه ان لازم ذلك خروج مباحث الاصول العملية عن موضوع علم الاصول، لما عرفت من انه بحث عما يعين الوظيفة الفعلية عند عدم الدليل الاجتهادي، و كذا خروج الالتزامات العقلية، فانها كما عرفت داخلة في مبادي الاحكام و كذا حجية الشهرة، و الخبر الواحد و مسألة التعادل و التراجيح.

اما الشهرة فلان عدم كون البحث عن حجيتها من عوارض الادلة الاربعة فواضح لأن الشهرة ليست منها.

و اما الخبر الواحد، و مسألة التعادل و التراجيح، فان البحث فيهما بحث عن احوال الخبر، و هو ليس بسنة بل هو حاك عن السنة.

و قد اتعب شيخنا الاعظم (قدس سره) نفسه بارجاع البحث عن مسألة

23

و من هنا (1) يتضح دخولها (2) فى مسائل اصول الفقه الباحثة

____________

حجية الخبر الواحد، و مسألة التعادل و الترجيح الى البحث عن ثبوت السنة بالخبر، و باي الخبرين المتعارضين، فيكون البحث عن احوال الخبر بحثا عن احوال السنة، فان البحث عن ثبوت السنة بالخبر الواحد بحث عن احوالها.

و الجواب عنه ان مراده بثبوت السنة بالخبر الواحد ثبوتها تعبدا، و هذا في الحقيقة من احوال الخبر، لان مرجعه الى ان الشارع هل جعل الخبر كاشفا عن السنة أم لا.

و لكن الذي يسهل الخطب ان المباحث المذكورة كلها مبنية على الالتزام بكون موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة، و البحث عنه بحثا عن العوارض الذاتية، و قد انكرنا الاصل و الفرع، حيث ذكرنا انه لا حاجة الى الالتزام باصل وجود موضوع في كل علم، بل موضوعه كل شي‏ء دخيل في الغرض الذي دون هذا العلم لأجله.

و ثانيا: أنّه لا حاجة الى الالتزام بأنّ موضوع الاصول هي الادلة الاربعة، بل موضوعه كل ما يمكن أن يقع في طريق الاستنباطات الشرعية، و الوظائف الفعلية.

و ثالثا: انه لا حاجة الى الالتزام بأن البحث عن كل علم بحث عن عوارضه الذاتية، كما عرفت، و عليه فيرتفع الاشكال من أصله، و اللّه هو الهادى الى سواء الطريق.

(1) اي مما ذكرناه من أن البحث عن حجية الخبر بالنتيجة يرجع الى البحث عن أن السنة هل تثبت بخبر الواحد أو لا تثبت.

(2) اي دخول مسألة حجية خبر الواحد. فيكون البحث عن حجية

24

عن أحوال الادلة. و لا حاجة الى تجشم (1) دعوى أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل (2). ثم اعلم أن أصل (3) وجوب العمل بالاخبار المدونة فى الكتب المعروفة مما اجمع عليه فى هذه الاعصار،

____________

خبر الواحد بحثا عن أحوال الادلة الاربعة. فيدخل مسألة خبر الواحد في المسائل الاصولية.

(1) التجشم بمعنى التكلف عن مشقة. و المتجشم هو صاحب الفصول و في التعبير المذكور اشارة الى ضعف الدعوى المذكورة، و قد عرفت ضعفها في تحقيقاتنا سابقا فراجع.

(2) كما ذهب اليه صاحب الفصول، و قد عرفت تفصيله، و ملخصه:

ان المحقق القمي ذهب الى أن موضوع الاصول هي الادلة الاربعة بعد الفراغ عن ثبوت حجيتها.

و أورد على هذا التعريف بخروج مباحث الحجج عن مسائل الاصول و دخولها في المبادي التصورية اذ يكون البحث عن الحجية بحثا عن الموضوع و لدفع هذا الاشكال عدل صاحب الفصول عن هذا المسلك و قال: ان الموضوع هي ذوات الادلة الاربعة فيكون البحث عن الحجج بحثا عن أحوالها و عوارضها.

و أجاب عنه الشيخ أنه بعد ما بيناه من أن البحث عن حجية خبر الواحد بحث عن أحوال السنة لا حاجة الى التجشم المذكور مع أنه ضعيف في حد نفسه كما عرفت.

(3) أي أصل وجوب العمل بالاخبار مع قطع النظر عن كونها قطعية الصدور و عدمها و مع قطع النظر عن كون العمل بها من باب الظن الخاص، أو من باب الظن المطلق مما قام الاجماع عليه.

25

بل لا يبعد كونه (1) ضرورى المذهب و انما الخلاف فى مقامين:

أحدهما (2) كونها مقطوعة الصدور أو غير مقطوعة.

فقد ذهب شرذمة (3) من متأخرى الاخباريين فيما (4) نسب اليهم الى (5)، كونها قطعية الصدور. و هذا (6) قول لا فائدة فى بيانه و الجواب عنه الا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم (7) كما حصل لهم، و إلّا (8) فمدعى القطع لا يلزم (9) بذكر ضعف مبنى‏

____________

و ملخص الكلام: ان الخلاف انما هو في الخصوصيات، و اما أصل العمل بها في الجملة فهو مما لا اشكال فيه.

(1) أي كون أصل وجوب العمل بالاخبار.

(2) أي وقع الخلاف بينهم في أنّ الاخبار المدونة في الكتب المعروفة مقطوعة الصدور أم لا؟

(3) أي عدة قليلة.

(4) و في هذا التعبير اشارة الى عدم ثبوت النسبة المذكورة عند الشيخ (قدس سره).

(5) الجار متعلق بقوله: «ذهب».

(6) أي القول المنسوب الى الاخباريين.

(7) أي لغير الشرذمة أيضا كما حصل للشرذمة.

(8) أي لو أغمض عن هذه الفائدة فلا فائدة اخرى في نقل قولهم و الجواب عنه، أي فائدة بيان هذا القول و الجواب عنه منحصرة في التحرز عن حصول هذا الوهم الذي حصل لشرذمة من الاخباريين لغيرهم أيضا.

(9) بصيغة المجهول. أي لا يكون ملزما و مغلوبا بذكر أن مبنى قطعك ضعيف لانه لا يراه ضعيفا و إلّا لم يكن قاطعا.

26

قطعه (1). و قد كتبنا فى سالف (2) الزمان فى رد هذا القول (3) رسالة (4) تعرضنا فيها لجميع ما ذكروه (5) و بيان ضعفها (6) بحسب ما ادّى اليه فهمى القاصر.

الثانى انها (7) مع عدم قطعية صدورها معتبرة بالخصوص (8) أم لا. فالمحكى عن السيد و القاضى و ابن زهرة و الطبرسى و ابن ادريس (قدس سرهم) المنع (9). و ربما نسب (10) الى المفيد «(قدس سره)» حيث حكى عنه فى المعارج انه قال: «ان خبر الواحد القاطع للعذر (11).

هو الذى يقترن اليه دليل يفضى (12) بالنظر الى العلم.

____________

(1) أي قطع مدّعي القطع.

(2) أي في الزمان القديم.

(3) أي القول بكون الاخبار مقطوعة الصدور.

(4) مفعول لقوله: (كتبنا).

(5) من الادلة الدالة على كون الاخبار المدونة في الكتب المعروفة مقطوعة الصدور.

(6) أي ضعف الادلة المذكورة.

(7) أي الاخبار الآحاد التي لا يكون صدورها قطعيا.

(8) أي بالدليل الخاص مع قطع النظر عن باب الانسداد.

(9) خبر لقوله: (المحكي) أي حكى عنهم منع حجية الاخبار الآحاد.

(10) أي نسب عدم الحجية.

(11) أي خبر الواحد الذى يكون عذرا و حجة هو الخبر الذى يكون مقترنا بدليل و قرينة.

(12) أي يؤدى بسبب التأمل في الدليل المذكور الى العلم بصدور

27

و ربما يكون ذلك (1) اجماعا أو شاهدا من عقل (2). و ربما ينسب (3) الى الشيخ كما سيجى‏ء عند نقل كلامه، و كذا (4) الى المحقق، بل الى ابن بابويه، بل فى الوافية «أنه (5) لم يجد القول بالحجية صريحا، ممن تقدم على العلامة» و هو (6) عجيب.

و أما القائلون بالاعتبار (7) فهم مختلفون، من جهة ان المعتبر منها (8) كل ما فى الكتب المعتبرة، كما يحكى عن بعض الاخباريين أيضا (9)

____________

الخبر عن المعصوم (ع). و الحاصل: ان الحجة عند صاحب المعارج هو الخبر الواحد المقرون بالقرينة القطعية التي توجب العلم بصدور الخبر عن المعصوم (ع).

(1) أي الدليل الذى يؤدى الى العلم بصدور الخبر.

(2) بان كان الخبر موافقا للاجماع القطعي، أو لحكم العقل فيحصل العلم بصدوره بسبب كونه موافقا للاجماع أو لحكم العقل.

(3) أي ينسب القول بعدم الحجية.

(4) أي كذا نسب القول بعدم الحجية.

(5) أي صاحب الوافية لم يجد القول الصريح بالحجية.

(6) أي ما ذكره في الوافية- من عدم وجدانه القول الصريح بالحجية ممن تقدم على العلامة- عجيب، فانه كيف ادعى ذلك مع وجود القول الصريح بالحجية من جماعة ممن تقدم على العلامة. و قال العلامة: انه لم ينكر أحد حجية خبر الواحد سوى المرتضى و اتباعه.

(7) أي باعتبار خبر الواحد من باب الظن الخاص.

(8) أي من الاخبار الآحاد.

(9) أي كما نسب اليهم كون الاخبار الآحاد الموجودة في الكتب‏

28

و تبعهم بعض المعاصرين من الاصوليين (1) بعد استثناء ما كان مخالفا للمشهور؟ أو أن (2) المعتبر بعضها و أن المناط فى‏

____________

المعتبرة قطعية الصدور، كذلك نسب الى بعضهم عدم كونها قطعية الصدور، لكنّها حجة بدليل خاص.

(1) و هو صاحب المناهج حيث ذهب الى حجية جميع الاخبار الموجودة في الكتب الاربعة الا ما كان مخالفا للمشهور.

(2) أي او أن المعتبر بعض أخبار الكتب الاربعة. و الحاصل أن القائلين بحجية الاخبار مختلفون في تشخيص معيار الحجية. و في المسألة أقوال.

«الاول»: أن المعيار في حجية خبر الواحد كونه في الكتب الاربعة فكل خبر في الكتب الاربعة يكون حجة مطلقا، سواء كانت رواته عدولا، أو موثقين أم لا، و سواء كان مخالفا للمشهور أم لا، و سواء ظن بصدوره أم لا. كما يحكى عن بعض الاخباريين.

«الثاني» ان المعيار كونها مذكورة في الكتب الاربعة مع اضافة ان لا تكون مخالفة للمشهور.

«الثالث» أن المعيار في الحجية عمل الاصحاب، فما كان من الاخبار المدونة في الكتب الاربعة موافقا لعمل المشهور فهو حجة سواء كانت رواته عدولا أو موثقين أم لا كما يظهر من كلام المحقق.

و ملخص القول الثاني ان مخالفة المشهور موهنة للخبر و ان كان تاما بحسب السند. و ملخص القول الثالث ان الخبر لو كان موافقا لعمل المشهور فهو حجة و ان كان ضعيفا، فان عمل الاصحاب جابر لضعف الخبر.

و الحق خلافهما فان عمل المشهور ليس بجابر، و مخالفته ليست بموهنة له بعد شمول أدلة حجية الخبر له، و المعيار بشمول ادلة الحجية،

29

الاعتبار (1) عمل الاصحاب كما يظهر من كلام المحقق، أو عدالة الراوى أو وثاقته، أو مجرد الظن بصدور الرواية من غير اعتبار.

صفة الراوى (3) و غير ذلك من التفصيلات فى الاخبار (4).

____________

و عدمه لا بعمل المشهور و اعراضه.

أما أن عملهم ليس بجابر فلان بعد عدم كون الشهرة العملية حجة لا يكون انضمامها الى الخبر الضعيف الا انضمام اللاحجة الى اللاحجة.

و ملخص الكلام ان عملهم بالخبر الضعيف لا يعطى عنوان الثقة للراوي بعد كونه غير موثق، و كذا لا يوجب حصول الوثوق بصدوره، لعدم احراز استناد عملهم بالخبر الضعيف اذ لم تكن كتب استدلالية موجودة حينذاك و مجرد موافقة عملهم للخبر لا يفيد شيئا.

أضف اليه انه يحتمل ان يكون الرواية موثوقة الصدور عندهم لاجل وجود قرينة، أو قرائن لو نقلت الينا لا توجب الوثوق بالصدور عندنا، و مجرد حصول الوثوق لهم من شي‏ء لا يوجب حصول الوثوق لنا أيضا.

«الرابع» أن المعيار فيها عدالة الراوي، فالاخبار المذكورة ان كانت رواته عدولا فهي حجة مطلقا سواء عمل بها أم لا.

«الخامس» أن المعيار وثاقة الراوي فيكون خبره حجة مطلقا.

«السادس» أن المعيار حصول الظن بصدور الرواية بأن تكون موثوقة الصدور سواء كان راويها عادلا أم لا و سواء عمل المشهور بها أم لا.

(1) أي مناط حجية أخبار الكتب الاربعة أحد امور متقدم ذكرها.

(2) فان مجرد عدالة الراوي، أو وثاقته يكفي في حجية خبره.

(3) أي مجرد الظن بصدورها يكفي في كونها حجة، و لا يعتبر في الراوي أن يكون عادلا أو ثقة، أو اماميا، أو غيرها، من الصفات.

(4) كالتفصيل بين كونها محفوفة بالقرائن و غيرها، فيكون‏

30

و المقصود (1) هنا بيان اثبات الحجية فى الجملة فى مقابل السلب الكلى. و لنذكر اولا ما يمكن أن يحتج به القائلون بالمنع (2) ثم نعقبه (3) بذكر ادلة الجواز، فنقول:

اما حجة المانعين فالادلة الثلاثة (4) اما الكتاب: فالآيات الناهية (5)

____________

حجة على الاول دون الثاني.

(1) أي ليس المقصود هنا بيان نقل الاقوال، و بيان ما هو الحق منها، و ذكر ادلتها، و الاجوبة عنها، بل المقصود اثبات حجية خبر الواحد على نحو الموجبة الجزئية في مقابل من انكرها على نحو السلب الكلي.

(2) أي نذكر اولا حجة القائلين بمنع حجية خبر الواحد.

(3) أي نذكر ادلة الجواز عقيب احتجاج القائلين بالمنع.

[أدلة المانعين من العمل بخبر الواحد]

(4) و هي الكتاب، و السنة، و الاجماع.

ان قلت: ان ادلتهم على المنع اربعة: و ذلك لما عرفت من أن ابن قبة ذكر ان العمل بخبر الواحد موجب لتحليل الحرام و تحريم الحلال، و العقل يستقل بقبحه.

قلت: ان ما ذكره ابن قبة دليل على عدم امكانه. و نحن في المقام نبحث عن الادلة الدالة على عدم وقوعه بعد تسليم امكانه.

(5) كقوله سبحانه تعالى: «لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏» (1). و قوله سبحانه و تعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (2) و غيرهما من الآيات الدالة على ذم اتباع الظن، و عدم الاعتماد عليه.

____________

(1) الاسراء: الآية 36.

(2) يونس: الآية 36.

31

عن العمل بما وراء العلم و التعليل (1) المذكور فى آية النبإ على ما ذكره امين (2) الاسلام من أن فيها (3): دلالة على عدم جواز العمل بخبر الواحد.

و اما السنة: فهى اخبار كثيرة تدل على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور إلّا اذا احتف (4)

____________

و تقريب الاستدلال بالآيات: ان الخبر الواحد المجرد عن القرينة لا يوجب إلّا الظن و العمل به منهى عنه بمقتضى الآيات الناهية عن العمل بغير العلم.

(1) يعني بالتعليل المذكور في آية النبإ قوله تعالى: «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1)».

(2) و هو الشيخ الطبرسى (قدس سره).

(3) أي في آية النبإ.

تقريب الاستدلال به: ان مفاد التعليل وجوب التبين، و عدم العمل بكل ما لا يؤمن مخالفته للواقع، فمورد الآية و ان كان وجوب التبين في خبر الفاسق دون العادل، إلّا ان مقتضى عموم العلة وجوب التبين في كل خبر يحتمل فيه الندم، و الوقوع في المخالفة كالظنون فيدل على عدم جواز العمل بكل ما لا يفيد العلم، و خبر الواحد منه، فيكون العمل به منهيا عنه.

(4) أي إلّا اذا كان الخبر محفوفا بقرينة معتبرة.

و الحاصل: ان الاخبار الدالة على المنع من العمل بالخبر غير معلوم الصدور على طوائف ثلاث:

____________

(1)- مجمع البيان ج 9 ص 133.

32

بقرينة معتبرة من كتاب او سنة معلومة: (1)

مثل ما رواه فى البحار عن بصائر الدرجات عن محمد بن عيسى قال: «أقرأنى داود بن فرقد الفارسى كتابه (2) الى أبى الحسن (3) الثالث (عليه السلام) و جوابه (4) «(عليه السلام)» بخطه (5)، فكتب (6) نسألك عن العلم المنقول عن آبائك و اجدادك، (صلوات اللّه عليهم اجمعين)، قد اختلفوا (7) علينا فيه، فكيف العمل (8)

____________

الاولى: ما دل على المنع من العمل بالخبر الذي لم يكن محفوفا بقرينة معتبرة من كتاب، أو سنة، مثل ما رواه في البحار ...).

الثانية: أخبار العرض على الكتاب و هي طائفتان كما سيأتي فيكون المجموع ثلاث طوائف.

(1) أي سنة قطعى صدورها عن المعصوم.

(2) مفعول لقوله: «أقرأني» أي أمرني بقراءة ما كتبه اليه (عليه السلام).

(3) و المراد منه الامام الهادى (عليه السلام)، و المراد من أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا (عليهما السلام). و المراد من أبي الحسن الاول موسى بن جعفر (عليهما السلام).

(4) عطف على قوله كتابه، اي أمرنى بقرأته جواب ما كتبه الى الامام (عليه السلام).

(5) اي بخط الامام (عليه السلام).

(6) اي كتب داود بن فرقد.

(7) اي قد اختلف الناقلون في العلم المنقول عن آبائك.

(8) أي هل يجوز العمل بالمنقول عن آبائك؟ مع انه مختلف في نقله.

و ملخص ما يستفاد من الرواية هو الاخذ مما علم صدوره عنهم، عليهم‏

33

به على اختلافه؟ فكتب (عليه السلام)، بخطه ما علمتم أنه قولنا فالزموه و ما لم تعلموه فردوه الينا»

(1)

و مثله (1) عن مستطرفات السرائر.

و الاخبار (2) الدالة على عدم جواز العمل بالخبر المأثور (3) إلّا اذا وجد له شاهد من كتاب اللّه او من السنة المعلومة، فتدل على المنع عن العمل بالخبر الواحد المجرد عن القرينة:

مثل ما ورد فى غير واحد من الاخبار ان النبى، (صلى اللّه عليه و آله‏)، قال: «ما جاءكم عنى مما لا يوافق القرآن فلم أقله‏

(2)

».

و قول أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام): «لا يصدق علينا الا ما يوافق كتاب اللّه و سنة نبيه (صلى اللّه عليه و آله‏)»

(3)

.

و قوله (عليه السلام): «اذا جاءكم حديث عنا فوجدتم عليه شاهدا او شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به (5) و إلّا (6)

____________

السلام، ورد ما لم يعلم صدوره عنهم، (عليهم السلام)، و الخبر الواحد حيث انه لا يعلم صدوره عنهم، (عليه السلام)، فيجب رده اليهم، و هو معنى عدم حجيته.

(1) أي مثل ما روى عن البصائر روى عن كتاب مستطرفات السرائر.

(2) عطف على قوله: ما رواه في البحار، اي مثل الاخبار الدالة.

(3) أي بالخبر المنقول.

(4) اي لا يحكم بصدور خبر عنا الا الخبر الذى يوافق كتاب اللّه.

(5) أي بالحديث.

(6) أي و ان لم تجدوا شاهدا أو شاهدين من كتاب اللّه على حديث‏

____________

(1)- الوسائل، الجزء 18 ص 86.

(2)- الكافى، ج 1، ص 69.

(3)- الوسائل، الجزء 18، ص 79.

34

فقفوا عنده ثم ردوه الينا حتى نبين‏

(1)

لكم (1)».

و رواية ابن ابى يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و من لا نثق به قال اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه او من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله‏) فخذوا به و إلّا فالذى جاءكم به اولى‏

(2)

(2) به».

و قوله (عليه السلام) لمحمد بن مسلم: «ما جاءك من رواية من بر (3) أو فاجر يوافق كتاب اللّه فخذ به و ما جاءك من رواية بر او فاجر يخالف كتاب اللّه فلا تأخذ به‏

(3)

» و قوله (عليه السلام) ما جاءكم من حديث لا يصدقه كتاب اللّه فهو باطل‏

(4)

.

و قول أبى جعفر (عليه السلام): «ما جاءكم عنا فان وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به و ان لم تجدوه موافقا فردوه و ان اشتبه الامر عندكم فقفوا عنده و ردوه الينا حتى نشرح من ذلك (4) ما شرح (5) لنا

(5)

».

____________

فلا تعملوا به.

(1) انه الحق ام لا؟

(2) اي ردوه اليه و لا تقبلوا منه.

(3) أي عادل او فاسق.

(4) أي من الخبر المشتبه.

(5) بصيغة المجهول اي شرح لنا من قبل اللّه.

____________

(1)- الكافى، ج 2 ص 222.

(2)- الكافى ج 1 ص 344.

(3)- بحار الانوار ج 2 ص 244.

(4)- مستدرك ج 3، ص 184.

(5)- الوسائل ج 18 ص 86.

35

و قول الصادق (عليه السلام): «كل شى‏ء مردود الى كتاب اللّه و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف (1)»

(1)

.

و صحيحة هشام بن عبد الملك عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) «لا تقبلوا علينا حديثا الا ما وافق الكتاب و السنة او تجدون (2) شيئا من احاديثنا المتقدمة فان المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دس (3) فى كتب اصحاب أبى احاديث لم يحدث بها ابى فاتقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا»

(2)

.

و الاخبار الواردة فى طرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة و لو مع عدم المعارض (4) متواترة جدا.

____________

(1) زخرف الكلام اباطيله.

(2) أي تجدون مع الحديث المذكور شاهدا من احاديثنا التي وردت سابقا كي يكون شاهدا لصدق الحديث المذكور.

(3) أي أدخل.

(4) أي و لو لم يكن للاخبار المخالفة للكتاب و السنة معارض من الاخبار.

توضيحه: أنّ الاخبار الدالة على طرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة و ان ورد بعضها في الخبرين المتعارضين اي لعلاجهما و يسمى بالاخبار العلاجية، و المستفاد منها طرح ما خالف الكتاب و السنة، و الاخذ بالخبر المعارض له، إلّا أن بعضها يدل على طرح مطلق الاخبار المخالفة لهما، حتى في غير المتعارضين. و هذا القسم‏

____________

(1)- الكافى ج 1 ص 69.

(2)- بحار الانوار ج 3 ص 250.

36

وجه الاستدلال بها (1): أن من الواضحات أنّ الاخبار الواردة عنهم (صلوات اللّه عليهم) فى مخالفة ظواهر الكتاب و السنة فى غاية الكثرة.

____________

من الاخبار بلغ حد التواتر، فلاحظ فلا يمكن المناقشة فيها من حيث السند.

(1) أي بالاخبار الواردة في طرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة. و حيث ان الاستدلال بهذه الاخبار لعدم حجية خبر الواحد لا يخلو عن غموض- اذ لقائل أن يقول بانها تدل على طرح الخبر المخالف للكتاب و السنة، و هو مما علم بعدم صدوره، لان الخبر المخالف لهما لا يصدر منهم (ع) قطعا، و لا يستفاد منها طرح الخبر غير معلوم الصدور الذي هو محل البحث- تعرض المصنف لتوضيح الاستدلال بها، و أما باقي الروايات فحيث انها كانت واضحة الدلالة على المدعى لم يتعرض المصنف على بيان وجه الاستدلال بها.

و ما ذكره (قدس سره) في مقام الاستدلال بها هو أنّ الاستدلال بالاخبار المذكورة على عدم حجيّة خبر الواحد يتألف من مقدمات:

«الاولى»: أنّ الاخبار المخالفة للكتاب و السنة كثيرة بين الاخبار الواردة عن المعصومين (عليهم السلام).

«الثانية»: أنّه ليس المراد من المخالفة للكتاب هي المخالفة على نحو التباين الكلي، بل المراد منها ما يشمل المخالفة بالعموم و الخصوص، و الاطلاق و التقييد، لانه لا يصدر عن الكذابين ما يكون مخالفا لهما بالتباين الكلي اذ لو كان كذلك لظهر فساد قولهم للكل فلا يقبل قولهم.

37

فليس (1) المقصود من عرض ما يرد من الحديث على الكتاب و السنة إلّا عرض ما كان منها غير معلوم الصدور عنهم (2)

____________

«الثالثة» انّ الاخبار المعروضة على الكتاب و السنة هي الاخبار التى لم يعلم صدورها عن المعصوم لا الاخبار التي علم صدورها، و الحاصل من المقدمات المذكورة هو حمل الاخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب على الاخبار التي هي ظنية الصدور، و مخالفة للكتاب و السنة بالعموم و الخصوص، و لا تحمل على الاخبار المخالفة لهما بالتباين الكلي، و ذلك لوجهين:

«أحدهما»: قلة وجود الاخبار المخالفة لهما على وجه التباين الكلي، فلا يحمل عليها الاخبار الكثيرة الدالة على طرح المخالف، اذ من البعيد جدا أن يرد الاخبار الكثيرة المتواترة لبيان حكم ما كان نادر الوجود في الخارج.

«ثانيهما» ما عرفت من عدم صدور ما يكون مخالفا لهما بالتباين من الكذابين.

(1) قال صاحب الاوثق: وجه التفريع على المقدمتين اللتين ذكرهما هو انه اذا ثبت صدور الاخبار المخالفة للكتاب و السنة، و ثبت ايضا عدم كون المراد بالمخالفة في تلك الاخبار هي المخالفة على وجه التباين الكلي ثبت كون الغرض من العرض على الكتاب هو تمييز الاخبار المكذوبة الشبيهة باخبار الائمة من الاخبار غير معلومة الصدور عنه.

(2) أي عن الائمة. فلا يكون ناظرا الى عرض ما كان معلوم الصدور، او معلوم الجعل، و يدل على ذلك ما في الاخبار المذكورة

38

و انه (1) ان وجد له قرينة و شاهد معتمد فهو، و إلّا (2) فليتوقف فيه، لعدم افادته (3) العلم بنفسه و عدم (4) اعتضاده بقرينة معتبرة.

____________

جوابا و سؤالا فان الحكم بعدم التصديق أو البطلان و غيرهما من العناوين المذكورة في الاخبار انما هو فيما لم يعلم بصدقه، و اما ما علم صدقه أو كذبه من الاخبار فلا حاجة الى عرضه الى الكتاب و السنة، اذ ما علم بصدقه يعمل به بلا تأمل، و بلا حاجة الى السؤال عن حكمه، فان حكمه واضح و ما علم بكذبه يطرح بلا تأمل فيه و لا يحتاج الى السؤال عن الامام.

أضف الى ذلك انه لو كان المقصود طرح الخبر المخالف مطلقا و ان كان معلوم الصدور فيلزم انحصار الدليل في الحقيقة على الكتاب و السنة و عدم كون خبر الواحد دليلا أصلا، لانه ان كان مخالفا للكتاب و السنة يطرح بلا كلام، و ان كان موافقا لهما فيكون العمل بهما في الحقيقة لا العمل بخبر الواحد، و الحال انك عرفت ان حجية خبر الواحد في الجملة من الواضحات، بل ان عدم حجية خبر الواحد مستلزم لتعطيل اكثر الاحكام، اذ اكثرها انما ثبتت بخبر الواحد.

(1) أي الخبر غير معلوم الصدور ان وجد له قرينة و شاهد يعتمد عليه فيؤخذ به.

(2) أي ان لا يوجد قرينة على أنه صدر من المعصوم فلا يؤخذ به، بل يتوقف فيه.

(3) أي انما يتوقف في الخبر غير معلوم الصدور لان دليل اعتبار الخبر لا يفيد العلم بنفسه انه صدر من المعصوم.

(4) عطف على قوله: «عدم» أي لعدم كون الخبر معتضدا بقرينة معتبرة توجب القطع بالصدور. اعتضد به: استعان و تقوى.

39

و المراد (1) من المخالفة للكتاب فى تلك الاخبار الناهية عن الاخذ بمخالفة الكتاب و السنة ليست هى المخالفة على وجه التباين الكلى بحيث يتعذر (2) أو يتعسر الجمع، اذ لا يصدر من الكذابين عليهم (3) ما يباين الكتاب و السنة كلية، اذ لا يصدقهم (4) أحد فى ذلك (5).

فما كان يصدر عن الكذابين من الكذب (6) لم يكن الا نظير ما كان‏

____________

(1) جواب عن سؤال مقدر و حاصله: أنّ المراد من المخالفة للكتاب و السنة في الاخبار الناهية عن الاخذ بها هي الاخبار المخالفة لهما بالتباين. فتدل الروايات على حرمة الاخذ بها، و وجوب طرحها.

و أما الاخبار المخالفة لهما بالعموم و الخصوص المطلق فلا تدل الاخبار الناهية عن الاخذ بها على طرحها، و اكثر الاخبار المخالفة للكتاب و السنة من قبيل الثاني فلا تدل الاخبار الناهية على طرحها، و عدم حجيتها.

و ملخص جواب المصنف عنه: هو أنّه ليس المراد بالمخالفة في الاخبار الناهية المخالفة على وجه التباين الكلي، كي يرد الاشكال المذكور.

(2) بأن لا يمكن الجمع بينهما، أو أمكن لكن بمشقة بأن احتاج الى التأويلات البعيدة عن الذهن العرفي.

(3) أي على الائمة.

(4) مضارع من باب التفعيل.

(5) أي في خبرهم الذي هو مخالف للكتاب و السنة على وجه التباين الكلي.

(6) بيان للموصول.

40

يرد من الائمة، (صلوات اللّه عليهم)، فى مخالفة ظواهر الكتاب و السنة (1).

ثم ان (2) عدم ذكر الاجماع و دليل العقل من جملة قرائن الخبر فى هذه الروايات، كما فعله الشيخ فى العدة لأن مرجعهما (3) الى‏

____________

(1) كما أنّ الاخبار الواردة عن الائمة، (عليهم السلام)، تكون مخالفة لظواهر الكتاب على وجه العموم و الخصوص المطلق، كذلك الاخبار الواردة من الكذابين تكون مخالفة لهما بالعموم و الخصوص المطلق. و انما فعلوا ذلك ليكون اخبارهم مشابهة لاخبار الائمة (ع) كي يقبل الناس أخبارهم الكاذبة.

(2) جواب عن سؤال مقدر: و هو انك ذكرت ان الخبر الواحد لو كان محفوفا بقرينة معتبرة فهو حجة. و القرينة المعتبرة عبارة عن الكتاب، و السنة، و الاجماع، و العقل، فما الوجه في عدم ذكر الاجماع، و دليل العقل من القرائن الدالة على حجية الخبر الموافق لهما، و الاقتصار على الكتاب و السنة. و الحال ان الشيخ في العدة جعلهما ايضا من القرائن المعتبرة الدالة على حجية الخبر الموافق لهما.

و ملخص ما اجاب به المصنف عنه، أنّ الاجماع و العقل مرجعهما الى الكتاب و السنة. فانهما ليسا أمرين مستقلين في مقابل الكتاب و السنة كي يحتاج الى ذكرهما. فالخبر الموافق للاجماع و العقل يصدق عليه انه موافق للكتاب و السنة، اذن فذكر الكتاب و السنة يغنى عن ذكر الاجماع و العقل.

(3) أي مرجع الاجماع و العقل.

41

الكتاب و السنة كما يظهر بالتأمل (1) و يشير الى ما ذكرنا، من أن المقصود من عرض الخبر على الكتاب و السنة هو فى غير معلوم الصدور، تعليل (2) العرض فى بعض‏

____________

(1) اما رجوع الاجماع الى السنة على طريقة الامامية فأمر واضح، لأن حجية الاجماع عندهم للكشف عن قول المعصوم، او فعله، او تقريره، فالخبر الموافق للاجماع داخل في الخبر الموافق للسنة.

و اما العقل فلقاعدة الملازمة بين حكم العقل و الكتاب و السنة.

أقول: و فى كلا الوجهين ما لا يخفى خصوصا في رجوع حكم العقل الى الكتاب و السنة فان قانون الملازمة غير تام على اطلاقه كما حقق في محله فلاحظ.

(2) فاعل لقوله: «يشير». أي يشير التعليل المذكور- في عرض الاخبار على الكتاب و السنة- الى أن المقصود ليس عرض مطلق الاخبار المخالفة على الكتاب و السنة، بل المقصود عرض الاخبار التي لا يعلم بصدورها عنهم، (عليهم السلام).

توضيح الاشارة: أنّ بعض الاخبار الدال على عرض الخبر على الكتاب و السنة قد علل فيه عرض الخبر على الكتاب بوجود الاخبار المكذوبة بين أخبار الامامية، كصحيحة هشام المتقدمة. فان المذكور فيها أنّ المغيرة دسّ في الاخبار، و جعل فيها الاخبار المكذوبة، و هو العلة لعرض الاخبار على الكتاب و السنة. و من المعلوم أنّ الاخبار المكذوبة لا تكون الا في الاخبار غير معلومة الصدور، اذ لا معنى لوجود الاخبار المكذوبة في الاخبار التي علم بصدورها عن‏

42

الاخبار بوجود (1) الاخبار المكذوبة فى أخبار الامامية.

و أما الاجماع: فقد ادعاه السيد المرتضى ((قدس سره)) فى مواضع من كلامه، و جعله (2) فى بعضها بمنزلة القياس فى كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة، و قد اعترف بذلك (3) الشيخ على ما يأتى فى كلامه، إلّا أنه أول (4) معقد الاجماع بارادة الاخبار التى يرويها المخالفون، و هو (5) ظاهر المحكى عن الطبرسى فى مجمع البيان (6).

____________

المعصوم فانه يرجع الى التناقض.

(1) الجار متعلق بقوله: «تعليل».

(2) أي جعل خبر الواحد في بعض مواضع من كلامه بمنزلة القياس، فكما أنّ العمل بالقياس واضح الفساد عند الشيعة كذلك العمل بخبر الواحد.

(3) أي بقيام الاجماع على عدم حجية خبر الواحد.

(4) فعل ماض من باب التفعيل أي قال: ان الاخبار التي قام الاجماع على عدم حجيتها هي الاخبار التي يرويها ابناء العامة، فلا يشمل ما ورد من طرق الشيعة.

(5) أي قيام الاجماع على عدم حجية خبر الواحد.

(6) في سورة الانبياء عند تفسير قوله تعالى: «وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ ...»

ذكر الطبرسي‏ (1) ما هذا لفظه «أن الحكم بالظن و الاجتهاد و القياس قد بين اصحابنا في كتبهم أنه لم يتعبد بها في الشرع الا في مواضع‏

____________

(1)- مجمع البيان ج 7 ص 56.

43

قال: لا يجوز العمل بالظن عند الامامية الا فى شهادة العدلين (1) و قيم المتلفات (2) و اروش الجنايات (3) و الجواب: اما عن الآيات فبانها، بعد تسليم (4) دلالتها، عمومات مخصصة (5) بما سيجى‏ء من الادلة.

____________

مخصوصة ورد النص بجواز ذلك فيها نحو قيم المتلفات و اروش الجنايات و جزاء الصيد و القبلة و ما جرى هذا المجرى» انتهى كلامه.

فان الظاهر من كلامه هو أن أصحابنا أجمعوا على عدم التعبد بالظن حتى خبر الواحد.

(1) حيث قام دليل خاص على حجية شهادة عدلين في الموضوعات.

(2) كقول المقوم في تعيين قيمة الحيوان التالف مثلا.

(3) كقول أهل الخبرة في تعيين ارش الجناية، أي ما به التفاوت بين الصحيح و المعيب. فان الظنون المذكورة حجة بدليل خاص.

و لا يخفى ان ما نقلناه عن الطبرسي يغاير ما نقل الشيخ عنه.

لاحظ كلامه، و نحن نقلنا عين كلامه.

[في الجواب عن الادلة المانعة من العمل بخبر الواحد]

(4) في هذه العبارة اشارة الى ان الشيخ لا يسلم دلالة الآيات على النهي عن العمل بالخبر الواحد، اذ يمكن ان يقال: انها ظاهرة في النهى عن اتباع الظن في الاصول الاعتقادية لا الفروع العملية، هذا اولا.

و ثانيا: ان النهي المستفاد من الآيات ارشاد الى عدم جواز العمل بالظن، من حيث ان المكلف معه لا يأمن من الضرر، و هذا لا يجري في الخبر، لان العامل به يأمن من الضرر.

(5) بصيغة اسم المفعول، أي لو اغمضا عما ذكرنا، و سلمنا أن‏

44

و أما عن الاخبار (1) فعن الرواية الاولى (2) فبأنها خبر واحد لا يجوز الاستدلال بها على المنع عن الخبر الواحد. (3) و أما أخبار

____________

النهي في الآيات ليس بارشادى، بل هو مولوي يدل على حرمة العمل بالظن مطلقا، سواء في ذلك الاصول الاعتقادية، و الفروع العملية، إلّا انه ليس إلّا عموم يشمل خبر الواحد و غيره، فيخصص العموم المذكور بالادلة الآتية القائمة على حجية الخبر الواحد.

و الحق أن يقال: ان ادلة حجية الخبر الواحد على تقدير تماميتها اما حاكمة عليها، او مخصصة لها، فإن مفاد ادلة الحجية ان كان جعل الطريقية بجعل الخبر علما تعبديا، فتكون ادلة الحجية حاكمة على الآيات، فالعامل بالخبر الواحد عامل بالعلم تعبدا، فيوجب التضيق في الآيات الناهية.

و اما اذا بنينا على المسالك الاخرى في مفاد ادلة الحجية بأن يقال ان المجعول هو الحكم الظاهرى او جعل المؤدى منزلة الواقع او المنجزية و المعذرية فتكون ادلة الحجية مخصّصة للآيات الناهية اذ المفروض بقاء موضوع الآيات و هو كون المكلف غير عالم بالواقع فيكون ادلة الحجية مخصّصة لها.

(1) أي أما الجواب عن الاخبار.

(2) أي الجواب عن الرواية الاولى، و هي ما رواه في البحار عن البصائر.

(3) أي أنّ خبر الواحد لا يكون دليلا على حجية خبر الواحد، اذ لو جاز الاستدلال بخبر الواحد على عدم حجية خبر الواحد لمنع عن حجية نفسه أيضا، اذ هو ايضا خبر الواحد، و بعبارة أخرى: يلزم‏

45

العرض على الكتاب (1)، فهى و ان كانت متواترة بالمعنى (2)

____________

من دلالته على عدم حجية خبر الواحد عدم حجية نفسه ايضا.

(1) أي الاخبار الدالة على أن الاخبار الواردة عن المعصومين لا بد من أن تعرض على الكتاب كي يشخص بها صحيحها عن ضعيفها، و هي كثيرة وردت في المتعارضين و غيرهما.

(2) التواتر المعنوي قسيم للتواتر اللفظي، توضيحه: أن التواتر على ثلاثة أقسام:

1- التواتر اللفظي‏

2- التواتر المعنوي‏

3- التواتر الاجمالي‏

و التواتر اللفظي ما تطابقت الروايات على لفظ، كما اذا أخبرنا عدد كثير موجب للعلم عادة بأنّ زيدا مات.

و التواتر المعنوي ما لا يتطابق الروايات على لفظ لكون الروايات المنقولة منهم، (عليهم السلام)، مختلفة ألفاظها، إلّا أنّها تطابقت على معنى واحد كما اذا أخبرنا أحدهم بأنّ زيدا مات، و الآخر أنّه توفى، و ثالث أنّه قضى نحبه، و هكذا بحيث كانت العبارات مختلفة، و المعنى واحد.

و التواتر الاجمالي ما لا يتطابق الروايات على لفظ و لا على معنى بل وردت الفاظ مختلفة مع معانيها المختلفة إلّا أنّ بين الكل قدر جامع، و كل يخبر عن ذلك الجامع، فهذا التواتر اجمالي بمعنى أنّ كل واحد من تلك الاخبار و ان كان واحدا لا يثبت به شي‏ء من تلك المضامين على القول بعدم حجية خبر الواحد، لكن مجموع تلك‏

46

إلّا أنها (1) بين طائفتين: إحداهما ما دلّ على طرح الخبر الذى‏

____________

الاخبار بالنسبة الى القدر الجامع، حجة قطعا لكونه متواترا اجمالا، فقد حصل العلم به من تلك الاخبار بعد ما بلغ عددهم حدا يقطع بعدم تواطئهم على الكذب، و مثاله: ما اذا أخبرنا بعضهم أن زيدا مات حتف أنفه، و بعضهم أنه قتل في فراشه، و بعضهم أنه صلب على جذع النخل، و بعضهم أنه احرق و بعضهم انه انخسف به الارض، و هكذا، بحيث كانت المعانى ايضا كالالفاظ مختلفة و كان بين الكل قدر جامع كل يخبر عن ذلك الجامع، و هو ازهاق روحه، فهذا ما سمى بالتواتر الاجمالي، بمعنى أن كل واحد من تلك الاخبار و ان كان خبرا واحدا لا يثبت به شي‏ء من تلك المضامين على القول بعدم حجية خبر الواحد و لكن مجموع تلك الاخبار بالنسبة الى القدر الجامع و هو ازهاق روحه حجة قطعا لكونه متواترا اجمالا قد حصل العلم به من تلك الاخبار بعد ما بلغ عددهم حدا يقطع بعدم تواطئهم على الكذب. اذا عرفت ذلك فنقول:

انّ الاخبار الدالة على عدم حجية خبر الواحد- و هي الاخبار التي تدل على عرض الخبر على الكتاب- و ان لم يثبت بها شي‏ء من تلك المضامين بألفاظها فانها اختلفت عباراتها و ألفاظها حيث ان بعضها يدل على ان الخبر المخالف للكتاب و السنة باطل، و بعضها يدل على انه زخرف، و بعضها يدل على انه لم يصدر من الائمة، (عليهم السلام)، إلّا أن الكل متحد في الدلالة على عدم حجية الخبر الظني الصدور فهذا ما سمى بالتواتر المعنوي.

(1) أي الاخبار الدالة على عرض الاخبار- على طائفتين.

47

يخالف الكتاب، (1) و الثانية ما دل على طرح الخبر الذى لا يوافق الكتاب. (2)

و اما الطائفة (3) الاولى فلا تدل على المنع عن الخبر الذى، لا يوجد مضمونه فى الكتاب و السنة.

____________

(1) كما تقدم في رواية ابن يعفور، حيث قال «(عليه السلام)»:

«و ما جاءك من رواية برّ أو فاجر يخالف كتاب اللّه فلا تأخذ به».

(2) كصدر الرواية المذكورة، و غيرها، فلاحظ ما تقدم.

(3) أي الاخبار الدالة على طرح الخبر المخالف للكتاب لا تدل على المدعى، و هي عدم حجية خبر الواحد مطلقا لكونها أخص منها، لأنّ عنوان المخالفة للكتاب انما يصدق فيما كانت واقعة حكمها مذكور في القرآن، و كان ما دل الخبر عليه من الحكم مخالفا له، كما اذا كان القرآن دالا على حرمة الربا مثلا و الخبر على حلّيته.

و أما اذا دلّ الخبر على حكم لا تدل عليه آية و لا سنة فلا يصدق أنّ الحكم المستفاد من الخبر مخالف لهما، و لا مانع من عدم صدق المخالف للكتاب و لا الموافق له على الحكم المستفاد من المخبر لامكان الالتزام بوجود واسطة بين المخالف و غير الموافق، اذن فالآيات المانعة دلّت على عدم حجية الخبر الذي يوجد مضمونه في الكتاب و السنة، و كان ما دلّ عليه الخبر من الحكم مخالفا لهما.

و أما الخبر الذي لا يوجد مضمونه في الكتاب و السنة كي يصدق عنوان المخالف عليه، فلا تدل الآيات على عدم حجيته، فيكون الدليل أخص من المدعى.

48

فان قلت (1) ما من واقعة لا يمكن استفادة حكمها من عمومات الكتاب (2) المقتصر (3) فى تخصيصها على السنة القطعية. مثل قوله تعالى: «

خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً

»

(1)

، و قوله:

«إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ...» (2)

و

«فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً» (3)

و

«يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (4)

____________

(1) أي لا نسلم وجود خبر لا يوجد مضمونه في الكتاب، اذ لا يوجد واقعة لا يستفاد حكمها من الكتاب و السنة، بل احكام جميع الوقائع تستفاد منهما، فاذا لم يكن الخبر الوارد موافقا لهما فلا محالة يكون مخالفا لعمومهما، لعدم الواسطة بين غير الموافق، و المخالف، فما شك في وروده عنهم (عليهم السلام) مما لا يكون موافقا لهما يبقى تحت المخالفة، نعم ما ثبت بالقطع صدوره عن الائمة (عليهم السلام)، فيؤخذ به، و ان كان مخالفا للكتاب فيخصص به الآيات الدالة على طرح ما يخالف الكتاب.

(2) اذا كان احكام الوقائع مستفادة من الكتاب فيصدق عنوان المخالف على الخبر الدال على خلاف عمومات الكتاب و اطلاقاتها، فلا يكون الدليل أخص من المدعى.

(3) أي يؤخذ بعمومات الكتاب الدالة على حكم الوقائع و يطرح الخبر الذي كان مخالفا لها، إلّا أن يكون هذا المخالف من السنة

____________

(1)- البقرة الآية: 29.

(2)- البقرة الآية: 173.

(3)- الانفال الآية: 69.

(4)- البقرة الآية: 185.

49

و نحو ذلك، (1) فالاخبار المخصصة لها (2) كلها و لكثير من عمومات السنة القطعية مخالفة للكتاب و السنة (3). قلت (4) أولا، أنه لا يعد مخالفة ظاهر العموم خصوصا مثل هذه العمومات (5)،

____________

القطعية فيخصص به العمومات. و أما غير السنة القطعية فلا يكون مخصصا للعمومات المذكورة.

(1) من عمومات الكتاب.

(2) أي للآيات كلها.

(3) فلا بد من طرحها، إلّا أن يكون الاخبار المخصصة من السنة القطعية، كما عرفت.

و لا يخفى عليك: أنّ عمومات الكتاب حيث كانت دائرة شمولها أوسع من سائر العمومات، و خصصت كلها، قال المصنف: انّ الاخبار مخصصة لها كلها فانه أكد ما ذكره بكلمة التأكيد، للدلالة على ما ذكرناه، و هذا بخلاف عمومات السنة القطعية، فانّ عمومها ليس بهذه السعة فليس كلها مخصصة «بالفتح»، و لذا قال المصنف، «و لكثير من عمومات السنة القطعية».

(4) ملخص هذا الجواب: هو عدم صدق المخالف للكتاب على الخبر المخصص له، اذ المراد من المخالفة هي المخالفة بنحو لا يكون بين الخبر و الكتاب جمع عرفي، كما اذا كان النسبة بينهما التباين الكلي، أو عموما من وجه.

(5) أي ظاهر عمومات الكتاب. وجه الخصوصية هو كونها موهونة بأوسعية عموماته، و كثرة ورود التخصيص عليها.

50

مخالفة، (1) و إلّا (2) لعدت الاخبار الصادرة يقينا عن الائمة، (عليهم السلام)، المخالفة لعموم الكتاب و السنة مخالفة (3) للكتاب و السنة.

غاية الامر (4) ثبوت الاخذ بها مع مخالفتها لكتاب اللّه و سنة نبيه.

(صلى اللّه عليه و آله‏): فيخرج عن عموم أخبار العرض. (5) مع أن الناظر فى أخبار العرض (6)،

____________

أقول: أن أوسعية شمول العام- بعد كونه موضوعا لشموله على جميع أفراده و انعقاد الظهور له في ذلك- لا توجب الوهن في العموم، و كذا ورود كثرة التخصيص عليه بعد كونه ظاهرا في الافراد الباقية تحته لا يوجب ذلك.

(1) أي لا يعد مخالفة ظاهر العموم مخالفة.

(2) أي و ان يعد مخالفة ظاهر العموم مخالفة.

(3) أي لعدت الاخبار الصادرة ...) مخالفة.

(4) أي غاية ما يمكن أن يقال في جواب ما ذكرناه- بأنّ صدق المخالف على الخبر المخصص يستلزم كون الاخبار الصادرة يقينا مخالفة لعموم الكتاب- هو أنّ الاخبار الصادرة عنهم، (عليهم السلام)، و ان كانت مخالفة للكتاب، إلّا أنّه ثبت بالدليل القطعي وجوب الاخذ بهذه الاخبار فيخصص به ما دل على طرح مخالف الكتاب.

(5) الدالة على طرح ما خالف الكتاب، أي تخرج الاخبار الصادرة عنهم (عليهم السلام) يقينا- عن الاخبار الدالة على طرح مخالف الكتاب- بالتخصيص فتكون هي حجة و ان كانت مخالفة للكتاب.

(6) أي في الاخبار الدالة على عرض الاخبار على الكتاب.

51

على الكتاب و السنة يقطع بأنها تأبى (1) عن التخصيص، و كيف يرتكب التخصيص فى قوله (2) (عليه السلام): «كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف»

(1)

و قوله: «ما أتاكم من حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو باطل»

(2)

و قوله (عليه السلام): «لا تقبلوا علينا خلاف القرآن فانا ان حدثنا حدثنا بموافقته و موافقة السنة»

(3)

و قد صح (3) عن النبى (صلى اللّه عليه و آله‏) أنه قال: «ما خالف كتاب اللّه فليس من‏

____________

(1) أي أخبار العرض لا يقبل التخصيص، لأنها وردت في بيان ما يميز الحق عن الباطل، و أنّ الميزان في كون الخبر حقا هو كونه موافقا للكتاب، و في كونه باطلا كونه مخالفا له. و معنى تخصيص هذه الاخبار أن بعض الاخبار مع كونه موافقا للقرآن ليس بحق، و مع كونه مخالفا له فليس بباطل، فهو خلاف ما اعطاه من الميزان لتمييز الحق عن الباطل.

(2) لما عرفت من أنه لبيان اعطاء الميزان في أنّ الزخرف هو الخبر غير الموافق للكتاب و معنى تخصيص ذلك- بأن يقال انه في بعض الموارد ليس بزخرف و ان لم يكن موافقا للكتاب- أنّ كونه غير الموافق ليس ميزانا للبطلان و هو واضح البطلان اذ لا ريب في كون أخبار العرض واردا لبيان الميزان في تشخيص الخبر الباطل عن الحق.

(3) أي ورد بطريق صحيح.

____________

(1)- الوسائل ج 18 الباب 9 من ابواب صفات القاضى ح 14.

(2)- بحار الانوار ج 2 ص 242 باختلاف يسير.

(3)- جامع احاديث الشيعة ج 1 ص 263.

52

حديثى (1) او لم أقله»

(1)

مع أن اكثر العمومات قد خصص (2) بقول النبى (صلى اللّه عليه و آله‏).

و مما يدل على أن المخالفة (3) لتلك العمومات لا تعد مخالفة،

____________

و الوجه في كون الروايات المذكورة أبية عن التخصيص ما عرفت من أنها وردت في اعطاء الميزان لتشخيص الخبر الصحيح عن الباطل، و هو انما يكون ميزانا و ضابطة اذا لم يقبل التخصيص و إلّا لخرج عن كونه ميزانا.

(1) الظاهر أن الترديد من الشيخ لا من الراوى و الذى موجود في الرواية «فلم اقله».

(2) توضيح كلامه: أن بعد ما ثبت بالبداهة أنّ اكثر عمومات الكتاب قد خصص بقول النبي (صلى اللّه عليه و آله‏)، اذ لا يمكن الالتزام بعدم ورود التخصيص في الكتاب و السنة بخبر الواحد، لكونه مستلزما لتعطيل معظم أبواب الفقه، فانّ معظم أبوابه ثبت بخبر الواحد، اذن فالامر دائر بين أن يقال: انّ المخصصات المذكورة- مع أنّها مخالفة القرآن- لا تطرح، بل تكون مخصصة لاخبار العرض، و بين أن يقال: ان المراد من مخالفة الكتاب التي يجب طرحها هي المخالفة بالتباين او العموم من وجه، فلا تشمل ما كان مخالفا لظاهر العموم بالعموم و الخصوص المطلق، فلا شبهة في تعيّن الثاني لما عرفت من أنّ أخبار العرض تأبى من التخصيص.

(3) أي مخالفة الخبر لعمومات الكتاب- اذا كانت بالعموم و الخصوص المطلق- لا تعد مخالفة، و انما تصدق المخالفة فيما اذا

____________

(1)- الوسائل ج 18 الباب 9 من ابواب صفات القاضى ح 15.