تمهيد الوسائل في شرح الرسائل‏ - ج4

- الشيخ علي المروجي المزيد...
472 /
3

[تتمة المقصد الثاني‏]

[تتمة أدلة حجية خبر الواحد]

[الإجماع على حجية خبر الواحد]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الثانى: من وجوه تقرير الاجماع (1) ان يدعى الاجماع، حتى من السيد و اتباعه، على وجوب العمل بالخبر غير العلمى، فى زماننا هذا و شبهه مما انسد فيه باب القرائن المفيدة للعلم بصدق الخبر، فان الظاهر ان السيد انما منع من ذلك (2) لعدم الحاجة الى خبر

____________

[الثانى من وجوه تقرير الاجماع‏]

(1) الى هنا كان الكلام في التقرير الاول للاجماع و هو اجماع العلماء عدا السيد و اتباعه. و من هنا شرع في التقرير الثاني للاجماع، و الفرق بين التقريرين هو ان التقرير الاول للاجماع هو اجماع العلماء عدا السيد و اتباعه، و هذا التقرير للاجماع هو اجماع العلماء حتى السيد و اتباعه.

و حاصل هذا التقرير هو: ان السيد انما منع من العمل بالخبر المجرد عن القرائن اذا كان باب العلم مفتوحا في معظم الفقه، و اما حين الانسداد كما في زماننا هذا فهو موافق لغيره في الحكم بجواز العمل بالخبر المجرد عن القرائن فالاجماع حاصل على جواز العمل به حتى من السيد و اتباعه في عصرنا هذا الذى هو عصر انسداد باب العلم بالاحكام الواقعية.

(2) اي من العمل بخبر الواحد.

4

الواحد المجرد (1) كما يظهر (2) من كلامه المتضمن للاعتراض على نفسه، بقوله: فان قلت: اذا سددتم طريق العمل باخبار الآحاد فعلى اى شى‏ء تعولون (3) فى الفقه كله»؟ فاجاب بما حاصله:

ان معظم الفقه يعلم بالضرورة و الاجماع و الاخبار العلمية (4) و ما يبقى من المسائل الخلافية (5) يرجع فيها الى التخيير و قد اعترف السيد، «(قدس سره)» فى بعض كلامه على (6) ما فى المعالم، بل و كذا (7) الحلى فى بعض كلامه، على ما هو ببالى: (8) بان (9).

العمل بالظن متعين فيما لا سبيل فيه الى العلم.

____________

(1) اي المجرد عن القرينة اذ بعد انفتاح باب العلم لا حاجة الى العمل بالخبر الواحد الظني.

(2) اي كما يظهر من كلام السيد من ان منعه من العمل بخبر الواحد انما كان لعدم الحاجة اليه بعد انفتاح باب العلم.

(3) اي تعتمدون.

(4) اي بالاخبار التى هى قطعية الصدور.

(5) اي التي هي محل الخلاف بين العلماء و لم يعلم أحكامها بالضرورة، أو الاجماع، أو الاخبار القطعية.

(6) اي أن اعتراف السيد مذكور في المعالم.

(7) اي الحلى ايضا اعترف.

(8) اي على ما هو في ذهنى فعلا.

(9) الجار متعلق بقوله: «اعترف» و ملخص اعترافهما هو حجية مطلق الظن و تعيّن العمل به عند انسداد باب العلم و منه خبر الواحد و عدم حجيته عند انفتاح باب العلم.

5

الثالث: من وجوه تقرير الاجماع استقرار سيرة المسلمين طرا (1) على (2) استفادة الاحكام الشرعية من (3) اخبار الثقة المتوسطة «4» بينهم و بين الامام (عليه السلام)، أو المجتهد (5) أ لا ترى ان المقلدين يتوقفون فى العمل بما يخبرهم الثقة عن المجتهد أو الزوجة تتوقف فيما يحكيها زوجها عن المجتهد فى مسائل حيضها و ما (6) يتعلق بها الى (7) ان يعلموا من المجتهد تجويز العمل بالخبر غير العلمى؟

____________

[الثالث من وجوه تقرير الاجماع استقرار سيرة المسلمين‏]

(1) اي جميعا و لا يختص بطائفة خاصة منهم.

(2) الجار متعلق بقوله: «استقرار ...» اي استقرت سيرة المسلمين على «استفادة ...».

(3) الجار متعلق بقوله: «استفادة».

(4) اي الثقاة الذين وقعوا واسطة بين المسلمين و بين الامام (عليه السلام).

(5) اي الثقاة الذين وقعوا واسطة بين المسلمين و المجتهد.

و ملخص الكلام: ان السيرة استقرت على أن المسلمين يستفيدون الاحكام الشرعية من اخبار الثقاة الذين وقعوا واسطة بين المسلمين و الامام (ع) أو بين المسلمين و المجتهد فيكون المراد من الاجماع هو هذه السيرة فانها كالاجماع الحقيقى كاشفة عن رأى الامام، (عليه السلام).

(6) اي في المسائل التي تتعلق بالزوجة غير مسائل الحيض.

(7) الجار متعلق بقوله: «يتوقفون» اي هل ترى ان يتوقف المقلدون في العمل بالاحكام التي أخبرهم الثقة عن مجتهد حتى‏

6

و هذا (1) مما لا شك فيه. و دعوى (2) حصول القطع لهم فى جميع الموارد بعيدة عن الانصاف.

نعم المتيقن من ذلك (3) حصول الاطمئنان بحيث لا يعتنى باحتمال الخلاف و قد حكى اعتراض السيد «(قدس سره)» على نفسه: (4)

____________

يحصل لهم العلم بأن مجتهدهم أفتى بجواز العمل بخبر الثقة كلا و هل ترى تتوقف الزوجة في الخبر الذى يحكيه زوجها عن المجتهد؟

بل يعملون بما يخبره الثقة بمجرد خبره من دون توقف و فحص من ان مجتهدهم يقول بجواز العمل بخبر الثقة أم لا؟ فهذا دليل على ان خبر الثقة حجة عندهم.

(1) اي استقرار سيرة المسلمين على استفادة الاحكام من اخبار الثقات.

(2) جواب عن اشكال مقدر و هو ان عمل المسلمين باخبار الثقة و عدم توقفهم فيه انما هو من باب حصول العلم من اخبارهم فلا يدل على حجية الخبر الظنى.

و اجاب عنه: بأنا لو سلم ذلك فانما هو في بعض الموارد و اما دعوى حصول القطع للمقلدين من اخبار الثقات في جميع الموارد فهو خلاف الانصاف.

(3) اي من سيرة المسلمين. ان شئت فقل: ان السيرة دليل لبّى فلا بد من الاخذ بالقدر المتيقن منها، و القدر المتيقن من السيرة هو العمل بحجية خبر الواحد اذا حصل منه الاطمئنان.

(4) لما انكر السيد حجية خبر الواحد فاعترض على نفسه.

7

بأنه لا خلاف بين الامة فى أن من وكل وكيلا أو استناب صديقا فى ابتياع (1) امة أو عقد (2) على امرأة فى بلدته «3» أو بلاد نائية فحمل (4) اليه الجارية و زف (5) اليه المرأة و أخبره (6) أنه (7) ازاح العلة فى ثمن الجارية و مهر المرأة و انه (8) اشترى هذه و عقد على تلك ان له (9) وطئها و الانتفاع بها (10) فى كل‏

____________

(1) اي في اشتراء أمة.

(2) أو في عقد على امرأة.

(3) اي في بلدة الموكل، أو المنوب عنه، أو في بلاد بعيدة.

(4) اي حمل الوكيل أو النائب الجارية الى الموكل أو المنوب عنه.

(5) زف العروس الى زوجها اي أهداها اليه اى أهدى العروس الى الموكل أو المنوب عنه.

(6) اى أخبر الموكل أو المنوب عنه.

(7) الضمير راجع الى المخبر الذى هو الوكيل أو النائب اي ازال المانع بمعنى انه ليس في تصرف الموكل أو المنوب عنه مانع من جهة الثمن أو المهر فانه أداهما الى مالك الامة او الى الزوجة.

(8) اي أخبر الموكل أو النائب انه اشترى هذه الامة، أو عقد على تلك المرأة.

(9) جواب لقوله: «من وكل وكيلا أو استناب صديقا» أي للموكل أو المنوب عنه وطؤ الجارية و المرأة.

(10) اي بالجارية أو المرأة.

8

ما يسوغ (1) للمالك و الزوج و هذه (2) سبيله مع زوجته و أمته اذا أخبرته بطهرها و حيضها و يرد (3) الكتاب على المرأة بطلاق زوجها أو بموته (4) فتتزوج و على (5) الرجل بموت امرأته فيتزوج اختها. و كذا لا خلاف بين الامة فى أن للعالم أن يفتى و للعامى أن يأخذ منه (6) مع عدم علم أن ما افتى به من شريعة الاسلام (7) و انه مذهبه (8)

____________

(1) اي في كل مورد يجوز الانتفاع للمالك أو الزوج من امته أو زوجته.

(2) اي متابعة الخبر سبيل الزوج أو المالك اذا أخبرت زوجته أو امته بطهرها أو بحيضها.

و ملخص الكلام: ان اخبار الوكيل فيما و كل فيه و كذا اخبار الزوجة و الامة بطهرهما أو حيضهما حجة.

(3) اي و كذا يصل الكتاب الى المرأة بأن زوجها طلقها أو مات فتتزوج المرأة اعتمادا على الكتاب و ليس هذا إلّا من باب حجية خبر الواحد.

(4) اي بموت الزوج.

(5) اي كذا يصل الكتاب على الرجل بانه ماتت زوجته فانه يتزوج اختها اعتمادا على هذا الكتاب.

(6) اي من العالم و لو بواسطة نقل ثقة.

(7) و ذلك لاحتمال خطاء العالم المفتى.

(8) اي مع عدم العلم بأن ما افتى به هو مذهب المفتى و ذلك لاحتمال خطاء ناقل الفتوى و مع ذلك كله لا يعتنى بهذا الاحتمال بل‏

9

فاجاب (1) بما حاصله: انه ان كان الغرض من هذا (2) الرد «3» على من احال التعبد بخبر الواحد فمتوجه (4)، فلا محيص (5)، و ان كان الغرض الاحتجاج به (6) على وجوب العمل باخبار الآحاد فى التحليل و التحريم (7).

____________

يؤخذ بالفتوى اعتمادا على خبر المفتى و ناقل الفتوى مع ان خبريهما من اخبار الآحاد، فيعلم من ذلك حجية خبر الواحد عندهم.

(1) اي اجاب السيد.

(2) اي من قبول الخبر في الموارد المذكورة.

(3) خبر لقوله: «كان الغرض» اي ان كان الغرض من قبول الخبر في الموارد المذكورة رد من قال باستحالة حجية خبر الواحد كابن قبة فهذا الايراد متوجه لان العمل بالخبر وقع في الموارد المذكورة و وقوع شي‏ء اكبر برهان على امكانه، و بهذا المقدار من الوقوع يرفع الاستحالة اذ لو كان التعبد بخبر الواحد مستحيلا لم يقع و لو في مورد واحد. و اما ان كان الغرض من قبول الخبر اثبات وقوع التعبد بالخبر في جميع الموارد فالدليل اخص من المدعى اذ لقائل أن يقول ان خبر الواحد حجة في الموارد المذكورة لاجل قيام دليل خاص عليها فيها، و التعدى منها الى غيرها من الموارد يحتاج الى دليل و هو مفقود في المقام.

(4) اي الرد متوجه على القائل بالاستحالة.

(5) اي لا مفر من قبول الاشكال.

(6) اي بقبول الخبر في الموارد المذكورة.

(7) اي على وجوب العمل بالاخبار في الاحكام.

10

فهذه (1) مقامات ثبت فيها التعبد باخبار الآحاد من طرق علمية من (2) اجماع و غيره على انحاء مختلفة (3) فى بعضها لا يقبل إلّا اخبار اربعة (4) و فى بعضها لا يقبل إلّا عدلان (5) و فى بعضها يكفى قول العدل الواحد (6)، و فى بعضها يكفى خبر الفاسق و الذمى كما فى الوكيل و الامة و الزوجة و الحيض و الطهر (7) و كيف يقاس على ذلك (8) رواية الاخبار فى الاحكام»

____________

(1) اي الموارد المذكورة موارد خاصة ثبت حجية الخبر فيها بادلة قطعية و لا يمكن التعدى منها و الحكم بحجية خبر الواحد في الاحكام ايضا لعدم قيام الادلة على حجيته فيها.

(2) بيان للطرق العلمية اي الطرق التى قامت الادلة القطعية على حجيتها من الاجماع و السيرة القطعية الممضاة من قبل الشارع.

(3) اي ففى هذه المقامات ثبت التعبد باخبار الآحاد على انحاء مختلفة فانها ليست كلها على نحو واحد كي يقاس عليه خبر الواحد الوارد في الاحكام و يقال انه ايضا حجة و الضمير في قوله: «فى بعضها» راجع الى مقامات اي في بعض الموضوعات.

(4) كالزنا.

(5) كما في الموضوعات غير الزنا من الحقوق و الاموال.

(6) كما في الفتوى فان قول المفتى وحده حجة في نقل فتواه.

(7) فان الكافر الذمى اذا كان وكيلا في شراء أمة، أو في عقد زوجة فخبره حجة، و كذا اخبار الامة و الزوجة بكونهما حائضين أو طاهرتين حجة و ان كانتا فاسقتين.

(8) اي على ثبوت التعبد بأخبار الآحاد فى هذه المقامات التى‏

11

أقول: المعترض (1) حيث ادعى الاجماع على العمل فى الموارد المذكورة فقد لقن الخصم طريق الزامه (2) و الرد عليه (3) بأن هذه الموارد (4) للاجماع و لو ادعى (5) استقرار سيرة المسلمين على العمل فى الموارد المذكورة و ان لم يطلعوا على كون ذلك‏

____________

ثبت التعبد بها بأدلة قطعية لعدم وجود الادلة القطعية الدالة على ثبوت التعبد بها في الاحكام ايضا: فلا وجه للتعدى من المقامات الى الاخبار و القول بحجية الاخبار الآحاد في الاحكام ايضا.

(1) و هو السيد الذى اعترض على نفسه. و ملخص الكلام: ان المعترض انما هو تمسك لحجية خبر الواحد في الموارد المذكورة على الاجماع و فى تمسكه هذا لقن الخصم و علّمه طريق الرد و الزام المعترض بأن يقول الخصم ان قيام الاجماع على حجية خبر الواحد في الموارد المذكورة لا يدل على حجيته في الاحكام ايضا.

(2) اي لقن المعترض خصمه و علّمه طريق الزام المعترض.

(3) اي على المعترض.

(4) هذا بيان للرد و ملخص الرد: على المعترض هو ان الموارد التي ثبت التعبد بها انما هو للاجماع و لا يمكن التعدى منهم الى غيرها فلا يتم التمسك بالاجماع على حجية خبر الواحد على اطلاقه.

(5) اي لو ادعى المعترض ان السيرة مستقرة على حجية الخبر مكان دعواه الاجماع عليها لكان دعواه متينة و أبعد من الرد.

توضيحه ان المعترض تمسك بالاجماع على حجية خبر الواحد و اعترض عليه السيد بأن معقد الاجماع على حجية خبر الواحد انما

12

اجماعيا عند العلماء كان أبعد عن الرد، فتأمل (1).

الرابع: (2) استقرار طريقة العقلاء طرا (3)،

____________

هو في الموارد المذكورة و ينعقد اجماع على حجيته في الاحكام. قال الشيخ «(قدس سره)» ان المعترض على نفسه لو كان متمسكا بالسيرة على حجية خبر الواحد لما كان الاعتراض المذكور واردا عليه لان السيرة تكون دليلا على حجية الخبر الواحد مطلقا سواء كان في الموضوعات أم في الاحكام لان مناط سيرة المسلمين و عملهم بالخبر هو وثاقة الراوى، و هذا المناط بعينها موجود في الاخبار الراجعة الى الاحكام ايضا و هذا بخلاف اجماع العلماء فان عملهم بالخبر الواحد ليس بالمناط المذكور كي يمكن التعدى من مورده بل لا بد من أن يؤخذ بالاجماع بمقدار كشفه عن رأى المعصوم (ع) و القدر المتيقن من كشفه هو معقده و هو غير الاحكام.

(1) لعله اشارة الى أن عمل المسلمين المعبر عنه بالسيرة مع عدم اطلاعهم على دليل جواز العمل بخبر الواحد ناش عن الغفلة أو عدم المبالات فلا يفيد شيئا.

و من المحتمل القريب ان يكون اشارة الى ان عمل المسلمين بالخبر الواحد و ان كان أمرا مسلما إلّا أنه لم يثبت كون عملهم به بما هم مسلمون ليكون ذلك دليلا تعبديا بل انهم عاملون به بما هم عقلاء فيكون داخلا في السيرة العقلائية لا انها بنفسها من الادلة.

[الرابع من وجوه تقرير الاجماع استقرار طريقة العقلاء]

(2) اي الوجه الرابع من وجوه تقرير الاجماع هو استقرار ...

(3) اي كلهم من ذوى الاديان و غيرهم.

13

على الرجوع (1) بخبر الثقة فى امورهم العادية، و منها (2) الاوامر الجارية من الموالى الى العبيد (3)، فنقول: ان الشارع ان اكتفى بذلك (4) منهم فى الاحكام الشرعية فهو (5) و إلّا (6) وجب عليه ردعهم و تنبيههم (7) على بطلان سلوك هذا الطريق (8) فى الاحكام الشرعية، كما ردع (9) فى موارد خاصة

____________

(1) الجار متعلق بقوله: استقرار.

(2) اى من الامور العادية.

(3) اي اذا أخبر ثقة بأن المولى أمر عبيده بكذا فيجب عليه الامتثال عند العقلاء بحيث لا يقبل عذره لو خالفه و اعتذر بانه لم يقم دليل على حجية خبر الثقة.

(4) اي بالرجوع الى الثقة من العقلاء اى رضى برجوعهم بخبر الثقة في اطاعة الاحكام الشرعية.

(5) اي فهو المطلوب فان المطلوب هو حجية خبر الواحد في الاحكام.

(6) اي و ان لم يكتف الشارع و لم يرض برجوع العقلاء الى الثقة وجب عليه ردع العقلاء عن الرجوع به.

(7) اي وجب على الشارع تنبيه العقلاء.

(8) اي على بطلان الرجوع بخبر الثقة في اطاعة الاحكام.

(9) أي ردع الشارع عن الرجوع بخبر الثقة في موارد خاصة كثبوت الزناء و القتل فانهما لا يثبتان بخبر الثقة.

فان الزنا لا يثبت شرعا إلّا باربعة عدول، و الحقوق لا تثبت الا

14

و حيث لم يردع (1) علم «2» منه رضا بذلك (3) لان (4) اللازم فى باب الاطاعة و المعصية الاخذ بما يعد طاعة فى العرف و ترك ما يعد معصية كذلك. فان قلت: يكفى فى ردعهم (5) الآيات (6)

____________

بعدلين و هذا الذى يقبل في المواضع المذكورة و ان كان من الخبر الواحد إلّا انه صنف خاص منه و الشارع قبله و ردع عن قبول غيره من اصناف خبر الواحد. نعم لو لم يردع لكان كلها على حد سواء.

(1) اي حيث لم يردع الشارع عن الرجوع بخبر الثقة.

(2) جواب «حيث» اي علم من عدم ردعه عن الرجوع بخبر الثقة.

(3) اي رضاء الشارع بالرجوع به، لما عرفت آنفا انه لو لم يرض به ينبغى أن يردعهم عن الرجوع به.

(4) بيان لما ذكره من الملازمة بين عدم الردع و ثبوت الرضاء.

توضيحه: ربما يقال: ان عدم الردع لا يكون دليلا على الرضاء، فانه اعم منه، فانه يقال فى جوابه: ان الحاكم في باب الاطاعة و المعصية هو العقل فانه يحكم بلزوم الاتيان بما يعد اطاعة عرفا، و ترك ما يعد معصية عرفا، و حيث ان الاخذ بخبر الثقة يعد اطاعة عرفا، فالشارع ان رضى به فهو المطلوب اذ يثبت به حجية خبر الثقة، و ان لم يرض به فلا بد من ردعه بتصرفه في موضوع حكم العقل و إلّا فيعد العامل به مطيعا عند العقل، و هو يكفى في باب الاطاعة اذ بعد صدق الاطاعة لا معنى لمؤاخذة العامل به.

(5) اى في ردع العقلاء.

(6) فاعل لقوله: «يكفى» اي يكفي الآيات الكثيرة في ردع‏

15

المتكاثرة و الاخبار المتظافرة (1) بل المتواترة على حرمة العمل بما عدا العلم.

قلت (2) قد عرفت انحصار دليل حرمة العمل بما عدا العلم فى أمرين (3)،

____________

سيرة العقلاء فهى مانعة عن دليليتها.

(1) و الفرق بين التظافر و التواتر هو ان الاول يطلق على روايات كثيرة لم تبلغ حد التواتر.

و ان شئت فقل: ان الاخبار المتضافرة فوق خبر الواحد و دون المتواتر.

و الثاني ما يحصل القطع بصدوره من كثرتها. و ملخص الاشكال:

انا لا نسلم ان الشارع لم يردع عن الرجوع بخبر الثقة فان الآيات الكثيرة الناهية عن العمل بغير العلم و الروايات المتضافرة بل المتواترة تكفى في الردع عن السيرة العقلائية و لا حاجة الى رادع آخر.

(2) ملخص الجواب ان ما دل من الآيات و الروايات على حرمة العمل بغير العلم لا يكون رادعا عن السيرة بعد كونها حجة ببناء العقلاء و رافعا لموضوع ما دل على حرمة العمل بغير العلم فيكون العمل بالسيرة عملا بالعلم فتأمل.

(3) محصل كلامه بنحو الاختصار: ان مفاد ادلة حرمة العلم بغير العلم راجع الى احد وجهين:

الاول: ان العمل بما عدا العلم من دون اذن من الشارع تشريع محرم.

الثاني: انه طرح للاصول المعتبرة من اللفظية و العملية و شي‏ء

16

و ان الآيات و الاخبار (1) راجعة الى أحدهما. الاول ان العمل بالظن و التعبد به من دون توقيف (2) من الشارع تشريع (3) محرم بالادلة الاربعة و الثانى ان فيه (4) طرحا لادلة الاصول العملية (5) و اللفظية (6) التى اعتبرها الشارع عند عدم العلم بخلافها (7)

____________

من الوجهين لا يجرى في المقام بعد استقرار السيرة اما الاول فلأنها كاشفة عن رضاء المعصوم.

و اما الثاني فلأن الاصول مما لا دليل على جريانها في مقابل خبر الثقة.

(1) اي الآيات و الاخبار الدالتين على حرمة العمل بغير العلم راجعتين الى احد الوجهين.

(2) اي من دون اذن.

(3) خبر لقوله: ان العمل بالظن اي العمل بالظن من دون اذن الشارع تشريع و ادخال ما لا يعلم من الدين في الدين و هو محرم بالكتاب و السنة و الاجماع و العقل.

(4) اي في العمل بالظن.

(5) كما اذا قام خبر على حرمة شرب التتن و دلت البراءة على حليته ففى العمل بالخبر المذكور طرح لاصالة البراءة.

(6) كما اذا اقتضى عموم الآية أو اطلاقها وجوب شي‏ء و قام خبر خاص على عدم وجوبه فالاخذ بهذا الخبر الخاص و تخصيص العام به أو تقييد المطلق به طرح لاصالة العموم أو اصالة الاطلاق التى اعتبرهما الشارع عند قيام قرينة بخلافهما.

(7) أي بخلاف الاصول سواء كانت لفظية أو عملية.

17

و شى‏ء من هذين الوجهين (1) لا يوجب ردعهم (2) عن العمل، لكون (3) حرمة العمل بالظن من اجلهما (4) مركوزا «5» فى ذهن العقلاء لان (6) حرمة التشريع ثابتة عندهم، و الاصول العملية و اللفظية معتبرة عندهم (7)

____________

(1) اي لزوم التشريع و طرح الاصول.

(2) اي ردع العقلاء عن العمل بالظن لان العمل بخبر الثقة ليس تشريعا و لا يوجب طرح اصل من الاصول فلا يكون الآيات أو الاخبار الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن العمل بخبر الثقة.

(3) اي انما قلنا ان شيئا من الوجهين المذكورين لا يوجب ردع العقلاء عن العمل بخبر الثقة لان العقلاء يعلمون بأن العمل بالظن اذا كان مستلزما لطرح الاصول و التشريع يكون حراما و مع وجود ذلك يعملون به فيظهر من هذا ان العمل بخبر الثقة عندهم ليس عملا بالظن الموجب للتشريع و طرح الاصول بل عمل بالعلم فلا يلزم من العمل به شي‏ء من المحذورين.

(4) اي من اجل الوجهين و هو لزوم التشريع و طرح الاصول.

(5) اي ثابتا و موجودا في ارتكازهم و مع وجود هذا الارتكاز يعملون بخبر الثقة فلو كان الوجهان المذكوران صالحين للمنع من العمل بخبر الثقة لم يعمل العقلاء من المسلمين به و الحال انهم يعملون به مع التفاتهم بالوجهين المذكورين.

(6) تعليل لما ذكره من ان حرمة العمل بالظن من اجلهما مركوز.

(7) بحيث لا يجوز طرحهما.

18

مع عدم الدليل (1) على الخلاف. و مع ذلك (2) نجد بناؤهم على العمل بالخبر الموجب للاطمئنان. و السر فى ذلك (3) عدم جريان الوجهين (4) المذكورين بعد استقرار سيرة العقلاء على العمل بالخبر، لانتفاء (5) تحقق التشريع مع بنائهم (6) على سلوكه فى مقام الاطاعة و المعصية، فان الملتزم (7) بفعل ما أخبر الثقة

____________

(1) اذ مع وجود الدليل الاجتهادى على خلاف الاصول لا يصل المجال اليها لكونه واردا عليها أو حاكما كما قرر في محله.

(2) اي مع كون حرمة العمل بالظن ثابتة عندهم لاجل الوجهين المذكورين.

(3) اي في عملهم بالخبر الموجب للاطمئنان مع علمهم بحرمة العمل بالظن من جهتين.

(4) هما التشريع و طرح الاصول.

(5) تعليل لقوله: «عدم جريان الوجهين ...».

(6) اي مع بناء العقلاء على سلوك الخبر و العمل به.

(7) اي الشخص الذى التزم بأن يمتثل ما أخبر الثقة بوجوبه و أن يترك ما أخبر بحرمته لا يعد عند العقلاء مشرعا لان التشريع هو ادخال ما ليس من الدين في الدين و لا يصدق هذا المعنى على الملتزم بالعمل بخبر الواحد.

و خلاصة الكلام: ان حرمة التشريع و قبحه مما يستقل به العقل، و مع الالتفات الى هذا القبح العقلى نرى ان العقلاء يعملون بخبر الثقة في مقام اطاعة المولى، و لا يقال عندهم ان العامل بالخبر ادخل ما ليس من الدين في الدين، بل يقال: انه اطاع لمولاه.

19

بوجوبه و ترك (1) ما أخبر بحرمته لا يعد مشرعا، (2) بل لا يشكون فى كونه مطيعا (3) و لذا (4) يعولون «5» به فى اوامرهم العرفية من الموالى الى العبيد، مع (6) ان قبح التشريع عند العقلاء لا يختص بالاحكام الشرعية.

____________

(1) اي الملتزم بترك ما اخبر الثقة بحرمته.

[في أن العمل بخبر الواحد ليس تشريعا]

(2) لان التشريع هو ادخال ما شك في كونه من الدين أو علم انه ليس من الدين في الدين، هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان كيفية امتثال احكام الشرعية موكولة الى العرف، و مع بناء العقلاء على الاعتماد في امتثال الاحكام بخبر الثقة لا يتحقق موضوع التشريع اذ العرف يرى العامل بخبر الثقة ممتثلا لا مشرعا اذ لا يتحقق موضوع التشريع بعد حصول امتثال الحكم الشرعي بطريق معتبر.

(3) اي في كون الملتزم بفعل ما اخبر الثقة بوجوبه أو بحرمته.

(4) اي و لاجل كون الملتزم بفعل ما اخبر الثقة بوجوبه مطيعا.

(5) اي يعتمد العقلاء بخبر الثقة في اوامرهم العرفية فان امر المولى اذا وصل الى عبده بخبر ثقة و ترك امتثاله معتذرا بعدم علمه به ذمه العقلاء و لم يقبل عذره بأن خبر الثقة ليس بحجة.

(6) جواب عن سؤال مقدر: و حاصل الاشكال: ان اعتماد العقلاء بخبر الثقة في اوامرهم العرفية لا يدل على عدم تحقق التشريع مع بنائهم على العمل به اذ يمكن ان يكون عملهم بخبر الثقة من جهة عدم قبح التشريع في العرفيات و اختصاصه بالاحكام الشرعية.

و ملخص الجواب: ان الحاكم بقبح التشريع هو العقل و هو كما يحكم بقبح التشريع في الاحكام الشرعية كذلك يحكم بقبحه في الاحكام العرفية.

20

و اما (1) الاصول المقابلة (2) للخبر فلا دليل على جريانها «3» فى مقابل خبر الثقة، لان الاصول التى مدركها (4) حكم العقل، لا الاخبار، لقصورها (5) عن افادة اعتبارها، كالبراءة و الاحتياط

____________

(1) شرع الى الجواب عن الوجه الثاني و هو لزوم طرح الاصول من العمل بالخبر بعد الجواب عن الوجه الاول و هو لزوم التشريع.

(2) بأن يكون مقتضى الاصول مخالفا للخبر كما اذ ادل خبر على وجوب شي‏ء و كان مقتضى اصالة البراءة عدم وجوبه.

(3) اي لا دليل على جريان الاصول عند تعارضها مع خبر الثقة.

فان ادلة حجية الاصول قاصرة عن الشمول على حجية الاصول المعارضة لخبر الثقة.

(4) هذه العبارة اشارة الى ان الاصول العملية على قسمين اصول عقلية و هي التى يكون مدركها العقل و اصول شرعية و هى التى يكون مدركها الاخبار.

(5) تعليل لقوله: «لا الاخبار» اى انما لا يكون الاخبار مدرك هذه الاصول الثلاثة لانها قاصرة عن الدلالة على حجيتها فهى معتبرة عقلا، فقط لا شرعا.

ذكر الآشتياني المراد من قصور الادلة الشرعية عن افادة اعتبار الاصول قصورها عنها على وجه لا يرجع الى امضاء حكم العقل بها و تأكيدها لحكم العقل و إلّا فدلالة جملة من الآيات و الاخبار بل الاجماع على البراءة بل الاحتياط مما لا شبهة فيه، نعم التمسك بغير الاجماع في التخيير العقلى مما لا معنى له و ان كان بعنوان امضاء حكم العقل فانه و ان توهم استفادته مما دل على التخيير بين‏

21

و التخيير، لا اشكال (1) فى عدم جريانها (2) فى مقابل خبر الثقة، بعد الاعتراف ببناء العقلاء على العمل (3) به فى احكامهم العرفية لان (4) نسبة العقل فى حكمه بالعمل بالاصول المذكورة الى الاحكام الشرعية و العرفية سواء.

____________

الخبرين المتعارضين المتكافئين إلّا انه فاسد جدا.

(1) خبر لقوله: «لان الاصول التي» اي الاصول التى مدركها العقل لا الاخبار- اعنى بها الاصول العقلية- لا اشكال في عدم جريانها في مقابل خبر الثقة.

(2) اي في عدم جريان الاصول.

(3) اي بالخبر. و الحاصل: انك قد اعترفت بأن العقلاء قد استقر بنائهم على العمل بخبر الثقة في الاحكام العرفية فبعد الاعتراف بهذا لا اشكال في عدم جريان اصول العقلية في مورد خبر الثقة كي يكون العمل بالخبر طرحا له و حراما اذ موضوع الاصول العقلية عدم البيان و خبر الثقة بعد بناء العقلاء على العمل به يكون بيانا و مع وجود البيان لا يبقى موضوع الاصول العقلية كي يكون العمل بخبر الثقة طرحا لها فانها تكون حجة في غير مورد خبر الثقة.

(4) تعليل لقوله: «لان الاصول التى مدركها حكم العقل» يعنى اذا ثبت ان الاصول التى مدركها حكم العقل لا تجرى في مقابل خبر الثقة في الاحكام العرفية فهى لا تجرى في الاحكام الشرعية ايضا لان نسبة العقل ...» اي لان الاحكام الشرعية و العرفية على حدّ سواء عند العقل فاذا لم تجر الاصول العقلية في الاحكام العرفية لا تجرى في الاحكام الشرعية ايضا.

22

و اما الاستصحاب (1) فان اخذ من العقل فلا اشكال فى أنه (2) لا يفيد الظن فى المقام، و ان أخذ (3) من الاخبار فغاية الامر حصول الوثوق بصدورها (4) دون اليقين.

____________

(1) لما بيّن ان البراءة و الاحتياط و التخيير لا تجرى في مقابل خبر الثقة، و لا يكون العمل به طرحا لها اراد أن يبيّن ان العمل بخبر الثقة لا يكون طرحا للاستصحاب ايضا.

(2) اي ان الاستصحاب لا يفيد الظن في المقام و هو مقام وقوعه في مقابل خبر الثقة، و اذا لم يفد الظن لا يكون حجة عند العقلاء اذ العقلاء لا يعملون بطريق من دون حصول الظن به اذن فلا يكون العمل بخبر الثقة طرحا للاستصحاب كي يكون حراما لان الطرح انما يصدق فيما تم مقتضى الحجية و اما فيما اذا لم يقم دليل على حجيته فلا يصدق الطرح على عدم العمل به.

أقول: ان هذا الاستدلال انما يتم بناء على أن الاستصحاب حجة من باب افادته الظن الشخصى فيصح ان يقال: ان العقلاء لا يعملون بطريق من دون حصول الظن به فما ذكره انما يتم على مبنى حجية الاستصحاب من باب افادته الظن الشخصى.

و اما على مبنى حجية من باب الظن النوعي كما بنى عليه شيخنا الاعظم «(قدس سره)» فيما يأتى في باب الاستصحاب فلا يتم الاستدلال المذكور لان الظن النوعى يجامع الظن بالخلاف فضلا عن عدم حصول الظن و الشك في البقاء.

(3) اي ان كان الاستصحاب حجة من باب الاخبار.

(4) اي بصدور الاخبار اى لا يحصل اليقين من الاخبار الدالة

23

و أما الاصول اللفظية (1) كالاطلاق و العموم، فليس بناء أهل‏

____________

على حجية الاستصحاب كي يتعين العمل به و يطرح خبر الثقة بخلافه غاية ما يقال في المقام انه يحصل الوثوق بصدورها اذ ليست الاخبار الدالة على حجية الاستصحاب متواترة كي يحصل العلم بصدورها، بل هى من الاخبار الآحاد التى يحصل الوثوق بصدورها فالقول بحجية الاستصحاب دون خبر الثقة ترجيح بلا مرجح اذ المفروض ان مرجع العمل بالاستصحاب الى العمل بالخبر الدال عليه و هو موثوق الصدور على الفرض فانه دليله فالاخذ بالاستصحاب في الحقيقة أخذ بخبر الثقة فلا وجه للاخذ بهذا الخبر الدال على الاستصحاب دون الخبر المقابل اذن فلا يكون هذا الاستصحاب حجة كي يكون العمل بالخبر المخالف له طرحا للخبر المذكور.

(1) لما بين أن العمل بالخبر لا يلزم منه طرح الاصول العقلية أراد أن يبين أن الاصول اللفظية أيضا كذلك فلا يلزم من العمل بالخبر طرحها أيضا.

توضيحه: أن حجية العام و المطلق بعد صدورهما انما هو ببناء أهل اللسان فمن تكلم بكلام عام أو مطلق ثم اعتذر بأن ظاهره لم يكن مرادا له، و لم ينصب قرينة على الخلاف لا يقبل منه هذا الاعتذار لكن لم يثبت منهم بناء على العمل بالعموم و الاطلاق مع وجود الخبر الموثوق بصدوره في مقابلهما فلا تجرى اصالة العموم أو الاطلاق في المقام كي يكون العمل بالخبر طرحا لها.

24

اللسان على اعتبارها حتى فى مقام وجود الخبر الموثوق به فى مقابلها فتأمل (1).

____________

(1) لعله اشارة الى أن بناء العقلاء على العمل بالظواهر في مقام الشك في المراد الاستعمالى أو المراد الجدى اعتمادا على أصالة الحقيقة و أصالة الجد، و لا يرفع اليد عنهما إلا أن يقوم قرينة على خلافهما، و الخبر الذى لم يثبت حجيته لا يصلح للقرينية.

و لكن يمكن أن يجاب عنه بأن المفروض أن مقتضى الحجية في الخبر تام و انما المانع من العمل به هو العموم أو الاطلاق و هما انما يجريان في مقام الشك في المراد و أما مع وجود الخبر على خلافهما فلا يشك في المراد كي تجريان و لم يثبت بناء من العقلاء على العمل بهما حتى مع وجود القرينة على خلافهما و الخبر المخالف قرينة عليه.

فتحصل الى هنا أن السيرة قائمة على حجية خبر الواحد من ذوى الأديان و غيرهم و استمرت هذه السيرة الى زمان المعصوم (ع) و لم يردع عنه المعصوم اذ لو كان لاشتهر و بأن و من عدم ردعه نستكشف تقرير الشارع للسيرة و امضاؤه لها فثبت بها حجية خبر الواحد في الاحكام.

و يقع الكلام في أن السيرة العقلائية المستقرة على خبر الثقة هل مردوعة من قبل الشارع أم لا؟ ربما يقال: بأن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن السيرة و كذا الروايات مانعة عن دليليتها فلا تصلح للاستدلال بها.

25

و قد اجيب عنه بوجوه:

الوجه الاول: ما اجاب به الشيخ، و قد عرفت تفصيله. و محصله:

ان مفاد ادلة حرمة العمل بغير العلم راجع اما الى التشريع، بتقريب ان العمل بها من دون اذن من الشارع تشريع، اذ هو ادخال ما يحتمل أن لا يكون من الدين في الدين.

و اما إلى طرح الاصول المعتبرة، و شي‏ء من الوجهين لا يجرى بعد استقرار السيرة على العمل بخبر الثقة. اما الاول فلانتفاء التشريع مع استقرار السيرة على العمل به اذ لا يصدق عليه ادخال ما ليس من الدين في الدين فان العمل به عمل بالدين. و اما الثاني فلأن الاصول مما لا دليل على جريانها في مقابل خبر الثقة.

و يمكن أن يجاب عنه: بأن مجرد استقرار السيرة على العمل بخبر الثقة لا يوجب انتفاء التشريع ما لم يثبت عدم ردع الشارع عنها، و هو غير ثابت بل ثابت ردعه بمقتضى الآيات الناهية. و كذا مجرد كون خبر الثقة مخالفا للاصل لا يوجب عدم جريان الاصول بعد اطلاق ادلتها فلا وجه لرفع اليد عنها بمجرد قيام خبر الثقة على خلافها ما لم يعلم بحجيتها عند الشارع.

الوجه الثاني: ما اجاب به صاحب الكفاية (1) و هو ان رادعية الآيات عن سيرة العقلاء دورية، فان رادعية الآيات عن السيرة تتوقف على عدم مخصصية السيرة لها، و إلّا فلا تكون الآيات رادعة عنها، و عدم مخصصية السيرة لها يتوقف على رادعية الآيات عنها و إلّا فتكون‏

____________

(1)- كفاية الاصول ج 2 ص 99.

26

السيرة مخصصة لها، فرادعية الآيات تتوقف على رادعية الآيات.

ثم اورد على نفسه بالنقض بأن اثبات حجية خبر الثقة ايضا لا يمكن إلّا على وجه دائر، فان اثبات حجية خبر الثقة بالسيرة يتوقف على عدم كون الآيات رادعة عنها، و عدم رادعيتها عنها يتوقف على مخصصية السيرة لها و إلّا فتكون الآيات رادعة عنها، و مخصصية السيرة لها تتوقف على عدم رادعيتها عنها و إلّا فلا تكون السيرة مخصصة لها.

و الحاصل: ان عدم رادعية السيرة متوقف على كون السيرة مخصصة للآيات، و كون السيرة مخصصة لها متوقفة على عدم رادعية الآيات، و هو دور باطل. و بعبارة ثالثة: أن عدم رادعية الآيات عن السيرة ايضا دورى كرادعيتها عنها، فكما أن رادعية الآيات الناهية عن السيرة دورى كذلك عدم رادعيتها عنها و حجية خبر الثقة بها ايضا دورى.

و اجاب عن النقض بما حاصله: ان اثبات حجية خبر الثقة بالسيرة لا يكون دوريا، اذ هو لا يتوقف على ثبوت رادعية الآيات كي يقال ان عدم رادعيتها عن السيرة يتوقف على مخصصية السيرة، و مخصصية السيرة لها تتوقف على عدم رادعية الآيات عن السيرة، بل يكفى في اعتبار خبر الثقة بالسيرة عدم ثبوت الرادع و عدم العلم به الذى يكفى فيه عدم صلاحية الآيات للرادعية. و ان شئت فقل: ان مخصصية السيرة ليست بدورية.

27

و اورد عليه الاستاذ الاعظم، و سيدنا الاستاذ دام ظلهما بانه لا يظهر وجه الفرق بين المقامين، و لو كان مجرد عدم ثبوت الردع عن السيرة و لو لعدم نهوض. ما يصلح للرادعية كافياً في اثبات حجية خبر الثقة و تخصيص الآيات الناهية بها لكان مجرد عدم ثبوت تخصيص السيرة لعموم الآيات كافياً في رادعيتها، فلا وجه للتفرقة بينهما بأن يقال ان حجية السيرة تتوقف على عدم ثبوت الردع، و رادعية الآيات تتوقف على عدم كون السيرة رادعة واقعا. هذا اولا

و ثانيا: ان الامر بعكس ما ذكره، اذ يكفى في رادعية الآيات من السيرة مجرد عدم ثبوت تخصيص عموم الآيات بالسيرة لأن العموم حجة ما لم تعم قرينة على خلافه فما لم يثبت مخصصية السيرة لها تكون هي رادعة، و هذا بخلاف تخصيص السيرة لعمومات الآيات، فلا يكفى فيه مجرد عدم ثبوت الردع عن السيرة، بل لا بد من احراز عدم امضائها المتوقف على اثبات عدم رادعية الآيات. (1)

و يمكن الجواب عنهما بأن عدم ثبوت الردع عن السيرة يكفي لكونها مخصصة للعام، و ما ذكرهما مبنى على عدم وجود الملازمة بين حجية شي‏ء عند العقلاء و حجيته عند الشارع فلا بد من امضاء الشارع فالمقتضى للحجية امضاء الشارع، و ثبوت عدم الردع احد الطرق الكاشفة عن امضائه، و اما على مبنى صاحب الكفاية الذى هو يقول بكفاية عدم ثبوت الردع و عدم الحاجة في حجية السيرة الى الامضاء- كما حكى عنه المحقق الاصفهانى بتقريب ان الشارع احد

____________

(1)- مصباح الاصول ج 2 ص 198.

28

العقلاء بل رئيسهم فهو بما هو عاقل متحد المسلك و ردعه الفعلى كاشف عن اختلافه فى المسلك و انه بما هو شارع له مسلك آخر- فلا يتم ما ذكرهما، فان عدم وصول الردع كاف في الحكم باتحاد المسلك لعدم المانع من الحكم بالاتحاد، و لا يكون الردع الواقعى كاشفا عن اختلاف مسلكه مع العقلاء ما لم يصل.

الوجه الثالث: ما حكى في هامش الكفاية عن درسه «(قدس سره)» و حاصله: انه لو سلم ان اثبات حجية السيرة بعدم الردع الكاشف عن الامضاء دورى إلّا انه امكن اثبات حجية السيرة بالاستصحاب لانها كانت حجة قبل نزول الآيات فيستصحب بقاؤها على ما كانت عليه من الحجية.

و اجاب عنه الاستاذ الاعظم باجوبة:

الجواب الاول: ان الاستصحاب المذكور استصحاب في الشبهات الحكمية، و هو غير جار.

و فيه ان هذا الاشكال مبنائى و لا يرد على صاحب الكفاية.

الجواب الثاني: ان الاستصحاب ان كان حجة من باب الظن فالآيات الناهية عن العمل بغير العلم تمنع عن العمل به، كما تمنع عن العمل بالسيرة.

و ان كان حجة من باب الاخبار، و الكلام في حجيتها، فانها اول الكلام.

الجواب الثالث: ان التمسك بالاستصحاب انما يصح اذا ثبت حجية السيرة قبل زمان نزول الآيات الناهية بامضاء الشارع، و ثبوت حجيتها كذلك انما يكون فيما اذا كان الردع عنها في ذلك الزمان‏

29

ممكنا ليكون عدم الردع عنها كاشفا عن امضائها، و اما اذا لم يمكن الردع عنها في ذلك الزمان ممكنا كما هو كذلك، فان النبى (ص) لم يكن متمكنا من تبليغ جميع الاحكام اصولا و فروعا دفعة واحدة فانه (ص)، كان يدعوا الناس مدة من الزمان الى كلمة التوحيد و ترك عبادات الاصنام، ثم بعد ذلك بلغ الاحكام شيئا فشيئا و من الظاهر ان عدم ردعه لا يكشف عن امضائه، و معه لا يمكن الاستصحاب لعدم ثبوت حالة سابقة لها.

أقول: انه (ص)، و ان كان بلغ الاحكام شيئا فشيئا إلّا انه لا يدل ذلك على انه لم يكن متمكنا من الردع الى زمان نزول الآيات الناهية فان عدم تمكنه من تبليغ جميع الاحكام دفعة واحدة لا يدل على عدم التمكن من تبليغ بعضها قبل نزول الآيات الرادعية.

الوجه الرابع: ما حكى عنه في هامش الكفاية ايضا. و حاصله.

ان المقام من صغريات دوران الامر بين أن يكون الخاص المتقدم مخصصا للعام المتأخر أو يكون العام المتأخر ناسخا له ذلك، فان السيرة اخص بالنسبة الى الآيات الناهية، و قد استقرت قبل نزولها فتكون نسبتها اليها نسبة الخاص المتقدم الى العام المتأخر، و القاعدة في مثله تقتضى تقديم التخصيص على النسخ لان كثرة التخصيص و قلة النسخ توجب أقوائية ظهور الخاص في الدوام و الاستمرار. و تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا مصلحة و ان كان قبيحا إلّا انه لا قبح في تقديمه عليها، كما لا يخفى.

30

و عليه فلا بد من تقديم السيرة على الآيات و تخصيص عمومها بها، لا تقديم الآيات عليها، و الحكم بكونها رادعة عنها.

و أجاب عنه الاستاذ الاعظم‏ (1) ان القاعدة و ان كانت تقتضى تقديم التخصيص على النسخ عند دوران الامر بينهما إلّا ان ذلك انما يصح فيما ثبتت حجية الخاص في نفسه، و لم تثبت حجية السيرة في المقام قبل نزول الآية لان حجيتها متوقفة على امضاء الشارع لها و لو باستكشافه عن عدم ردعه عنها و قد تقدم ان استكشاف امضائه عن عدم الردع انما يكون فيما اذا تمكن من الردع، و أما اذا لم يتمكن منه كما في المقام على ما عرفت فلا يمكن استكشافه عن عدم الردع. فالانصاف انه لا يمكن دفع توهم رادعية الآيات الناهية عن السيرة بشي‏ء مما ذكره صاحب الكفاية.

و هذا الاشكال أخذه من المحقق الاصبهاني حيث قال: اللهم إلّا يقال: ان عدم الردع في زمان يمكن فيه الردع هو المناط في حجية السيرة و حيث كان بناء التبليغ على التدريج فلعل زمان نزول الآيات أول اوقات امكان الردع خصوصا عن مثل ما استقرت عليه سيرة العقلاء في كل ملة و نحلة (2).

و لكن قد تقدم ان هذا الاشكال وارد على مبنى توقف حجية السيرة على امضاء الشارع، و اما على مبنى صاحب الكفاية القائل بكفاية عدم الردع فيها فلا يرد الاشكال.

____________

(1)- مبانى الاستنباط ص 350.

(2)- نهاية الدراية ج 2 ص 92.

31

الوجه الخامس ما أجاب به المحقق العراقي‏ (1) و المحقق النائيني‏ (2) و الاستاذ (3) الاعظم و سيدنا الاستاذ (4).

و هو ان الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل خبر الثقة حتى يتوهم انها تكفى للردع عن الطريقة العقلائية لان العمل بخبر الثقة في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم، بل هو من أفراد العمل بالعلم عندهم.

و ملخص كلامهم: ان السيرة حاكمة على الآيات لان العمل بالحجج التي قامت على العمل بها سيرة العقلاء لا يكون عملا بغير العلم في نظر العرف و العقلاء، و لذا لم يتوقف احد من الصحابة و التابعين في العمل بالظواهر مع أن الآيات الناهية عن العمل بمرأى منهم و مسمع، و هم من أهل اللسان، و حال خبر الثقة هي حال الظواهر من حيث قيام السيرة على العمل بها، فكما ان السيرة حاكمة على الآيات الناهية عن العمل بالظن بالنسبة الى الظواهر، كذلك حاكمة بالنسبة الى خبر الثقة.

و أورد عليه السيد الاستاذ دام ظله‏ (5) بانه لا معنى لحكومة الاعتبار العقلائي على الدليل الشرعي، اذ أي وجه لترتيب أو نفى الاثر الشرعي الثابت بالدليل على اعتبار العقلاء، فان الحكومة

____________

(1)- نهاية الافكار ج 3 ص 138.

(2)- مبانى الاستنباط ص 353.

(3)- فوائد الاصول ج 2 ص 69.

(4)- آراؤنا ج 2 ص 126.

(5)- منتقى الاصول الجزء 4 ص 308.

32

انما تصح اذا كان المعتبر هو جاعل الحكم نفسه كي يقال ان مقتضى اعتباره كون موضوع الحكم الاعم من الوجود الحقيقي و الاعتباري و اما اذا كان المعتبر غير جاعل الحكم فلا يصلح ذلك للحكومة، فاعتبار العقلاء الخبر علما لا يجدى في التصرف في الدليل الشرعي.

و هذا الاشكال بعينه موجود في كلمات بعض المحققين‏ (1)، (قدس سره)، لكن بتقريب آخر: و هو انه في خصوص المقام لا يعقل حكومة دليل الحجية على الآيات الناهية عن العمل بالظن لان الحكومة تصرف من الدليل الحاكم في موضوع الدليل المحكوم انشاء و تعبدا، و هذا انما يعقل فيما اذا كان الدليل الحاكم المتصرف من قبل نفس المشرع للدليل المحكوم، و في المقام حيث ان دليل الحجية هي السيرة العقلائية فلا يعقل أن تكون مباشرة حاكمة على الآيات الناهية اذ لا يعقل للعقلاء بما هم عقلاء التصرف في موضوع حكم الشارع، و أما اذا اريد جعل امضاء الشارع لها حاكما و متصرفا في الآيات فهو صحيح إلّا ان الكلام بعد في كيفية استكشاف هذا الامضاء.

و لنا كلام مع السيد الاستاذ و هو ان قوله: «ان الحكومة انما تصح اذا كان المعتبر هو جاعل الحكم نفسه» منقوض بما ذكره دام ظله في مبحث «الاصل عند الشك في حجية الامارة» ما نصه:

ان الاستصحاب حاكم على الحكم العقلي الثابت في فرض الشك لارتفاع موضوعه‏ (2) به» فان الحاكم في دليل الاستحباب هو الشرع و الحاكم في الحكم العقلي هو العقل، فكلما اجاب هناك نعيد عليه‏

____________

(1)- بحوث فى علم الاصول ص 398.

(2)- منتقى الاصول الجزء 4 ص 201.

33

بمثله في المقام.

و أما الحل فان حقيقة الحكومة ترجع الى التخصيص، و الحاكم عند العرف بمنزلة القرينة المتصلة الحاكية مع ذيها عن معنى واحد، بلحاظ ان مدلول المحكوم هو الذي يفهم منه بعد ضم الحاكم اليه، كما ان مدلول ذى القرينة هو الذي يفهم منه بعد ضم القرينة اليه، و لذا يقولون ان الحاكم وسط بين القرائن المتصلة و المنفصلة فمن حيث وحدة المدلول يشبه بالقرائن المتصلة، و من حيث تعدد الدال يشبه بالقرائن المنفصلة و بالنتيجة ان الدليل الحاكم يكون مبنيا لكمية الدليل المحكوم، فيكون الدليل الحاكم على هذا كل دليل أو اصل يبين كمية مدلول المحكوم، سواء كان المعتبر في الدليلين واحدا، أو متعددا. و لا مانع من ان يكون سيرة العقلاء مبينة للمراد من الآيات الناهية، و مفسرة لكمية مدلولها. بتقريب: ان الآيات الناهية كانت بمرأى منهم و مسمع و هم أهل اللسان، و مع ذلك قامت سيرتهم على الاخذ بخبر الواحد، و ليس ذلك إلّا لاجل انهم يفهمون ان الآيات الناهية لا تشمل المقام و ان ما استقرت عليه السيرة لا يكون عملا بغير العلم. فبعد كون العمل بمقتضى السيرة عملا بالعلم في نظر العرف و العقلاء فيكون هذا مبينا لكمية مدلول الآيات الناهية و لا نعنى من الحكومة الا هذا.

و ملخص الكلام: بعد تسليم ان مرجع الحكومة الى التخصيص فكما يكون الدليل العقلائى و العقلي مخصصا للعام و مبنيا للمراد منه، كذلك يكون حاكما على الدليل الآخر. و مما ذكرنا في‏

34

المقام يظهر ما في كلام كل من يقول بهذه المقالة.

الوجه السادس‏ (1) ما ذكره الاستاذ الاعظم دام ظله من أن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم ارشاد الى ما استقل به العقل من عدم جواز العمل بما لا يؤمن معه من العقاب، و لزوم تحصيل ما يوجب الأمن منه و اذن فلا تكون الآيات رادعة عن السيرة لعدم كونها واردة في مقام بيان حكم مولوي، بل السيرة تكون واردة عليها فان موضوعها هو احتمال العقاب و عدم امن المكلف منه، و من الظاهر ان العمل بالسيرة يوجب امن المكلف من العقاب لكونها حجة بامضاء الشارع المستكشف عنه عدم ردعه عنها.

أقول: سلمنا ان كون الآيات ارشادية تمنع ان تكون رادعة و سلمنا انه ارشاد الى عدم حجية الظن الذي منه السيرة و عدم كونه مؤمّنا إلّا أن عدم الردع عن السيرة لا يستكشف منه امضاء الشارع لها بعد حكم العقل على عدم كونها مؤمنة و ارشاد الشارع الى حكم العقل بل يمكن ان يقال: ان نفس ارشاده الى عدم كونه مؤمنا من العقاب رادع عن العمل بها.

الوجه السابع أيضا ما ذكره الاستاذ الاعظم‏ (2) دام ظله من ان السيرة كانت مستمرة حتى بعد نزول الآيات، فلو كانت الآيات واردة في مقام الردع عنها لانقطعت السيرة فان استمرارها بين المسلمين بعد نزول الآيات يكشف عن امضاء الشارع لها و جعلها

____________

(1)- مبانى الاستنباط ص 352.

(2)- نفس المصدر.

35

حجة و علما بالتعبد، و معه لا يكون العمل بمقتضى السيرة عملا بغير العلم فيرتفع موضوع الآيات الناهية تعبدا، و هذا الوجه يرجع الى ما ذكره العراقي، و النائيني، (قدس سرهما)، و هو الحق عندنا

و قد ذكر سيدنا الاستاذ دام ظله وجوها لجريان السيرة حيث قال: انه لا اشكال في جريان السيرة على العمل بخبر الثقة حتى بعد نزول الآيات بين الاصحاب و المتشرعة و مما يؤيّد المدّعى لو لم يدل عليه حرص اصحاب الحديث من الصدر الاول على جمع الروايات و تبويبها و لو لم تكن هي حجة لم يكن اثر مترتبا على تحمل هذه المشقة.

أضف الى ذلك انه لو لم يكن خبر الواحد حجة لكان مثل الطوسي و المفيد و الصدوق و الكليني عارفين به لقربهم من زمان المعصوم و الحال انهم يرون الخبر حجة.

و مجدين في جمع الاحاديث. مضافا الى أنه لو لم يكن الخبر حجة لم يكن وجه لتعلم علم الرجال، و لم يكن أيضا وجه لتدوين الكتب الرجالية و بيان حال الرجال بهذا النحو من التطويل، هذا اولا.

و ثانيا: انه لا اشكال في أن حجية الخبر في الجملة مما يكون مرتكزا في اذهان كافة المسلمين، و هذا أصدق شاهد على حجية الخبر فى الشريعة اجمالا.

و ثالثا: لو كانت الآيات رادعة عن السيرة فلما ذا لا تكون رادعة عن العمل بالظواهر، و انهما من باب واحد، و الاشكال فارد.

أقول: ان عمدة الاجوبة هو ان السيرة مما كانت مستمرة حتى‏

36

بعد نزول الآيات، و هذا مما لا يمكن انكاره، و كانت مستمرة في زمان الائمة الى زماننا هذا، و لو كانت الآيات رادعة لانقطعت السيرة و نحن نرى خلافها بالوجدان، و بعد استقرار السيرة العقلائية على العمل بالخبر حتى بعد نزول الآيات يكون العمل بالسيرة عملا بالعلم، فلا تشمله الآيات الرادعة، و هذه هى عمدة الادلة التي ذكروها لاثبات حجية خبر الثقة.

الوجه الثامن ما افاده المحقق الاصفهانى (قدس سره)(1): من ان رادعية العمومات للسيرة العقلائية مبنية على ان يكون للعقلاء في موارد التخصيص بناء ان: بناء على العمل بالعام مطلقا و لو كان في قباله خبر، و بناء آخر على العمل بخبر الثقة، اذ على هذا يمكن ان يقال: ان الشارع امضى البناء العمومى، و لم يمض البناء الخصوصى منهم، و ليس كذلك، فانه ليس لهم الابناء واحد، و هو بناء عملى منهم اما على اتباع الظهور العمومى مطلقا و لو كان في قباله خبر، أو على اتباعه ما لم يكن في قباله خبر، و الظاهر ان بنائهم على الاخير، فلو ثبت منهم بناء على حجية خبر الثقة لم يكن منهم بناء على العموم بالمرة بل البناء منهم رأسا على العموم في غير مورد الخبر فلا مقتضى للحجية في العام في مورد خبر الثقة كى يكون رادعا للسيرة.

و قال السيد الاستاذ دام ظله‏ (2): انه يتلخص اشكالنا على الاستدلال‏

____________

(1)- نهاية الدراية ج 2 ص 93.

(2)- منتقى الاصول ص 305.

37

بالسيرة في وجهين:

الاول: عدم ثبوت السيرة صغرويا.

الثاني: ثبوت الردع عنها بالآيات الكريمة، اما عدم ثبوت السيرة على حجية خبر الثقة فلأن القدر الثابت من بناء العقلاء و عملهم هو العمل بخبر الثقة اذ اطمأنوا بخبره، و اما في غير موارد الاطمئنان فلم يحصل منهم بناء على العمل بخبر الثقة.

اما دعوى ثبوت الردع عن السيرة بالآيات فلأنه لا مانع من كون الآيات رادعة عنها الا ما ادعى من لزوم الدور و هو مدفوع.

لأن التمسك بالعموم و الحكم برادعية الآيات لا يتوقف على عدم ثبوت الامضاء كي يقال: ان عدم ثبوت الامضاء ايضا متوقف على الردع بالآيات فيلزم الدور بل التمسك بالعموم متوقف على عدم الدليل الدال على التخصيص، و السر ما ذكرناه هو ان التخصيص لا يتحقق إلّا بوصول المخصص، و مع عدم ثبوته كان المرجع هو اصالة العموم، كما هو الحال في كل عام شك في خروج بعض افراده عن حكمه، و مجرد خروج الفرد عن الحكم العام في الواقع لا يكفى في رفع اليد عن العموم، فحيث انه لم يقم دليل على تخصيص العام في المقام اذا لا دليل على امضاء السيرة لان الدليل المفروض فيما نحن فيه على الامضاء هو القطع بالتقرير و امضاء الشارع للسيرة العقلائية، و من الواضح ان مجرد التشكيك في رادعية الآيات و احتمال رادعيتها يلازم عدم تحقق القطع فلا دليل على الامضاء.

و ملخص الكلام: ان القطع بالامضاء معلق على عدم ثبوت الردع‏

38

الخامس (1) ما ذكره العلامة فى النهاية من اجماع الصحابة على‏

____________

و مع تحقق احتمال الردع بالآيات لم يتحقق القطع بالامضاء قهرا فلا دليل على التخصيص الواقعى فكانت اصالة العموم بلا مزاحم، و الحكم بعدم رادعية الآيات مستلزم للدور لان تحقق القطع بعدم الرادعية و عدم العمل باصالة العموم متوقف على امضاء السيرة، و القطع بالامضاء متوقف على القطع بثبوت الردع.

و ان شئت فقل: ان عدم العمل بالعموم متوقف على امضاء السيرة، و امضائها يتوقف على عدم العمل بالعموم.

أقول: ان اساس ما ذهب اليه دام ظله هو الشك في الامضاء، و قد بينا سابقا عدم وجود اىّ ريب فيه، فانا نقطع بقيام السيرة على العمل بخبر الثقة سواء حصل الاطمئنان من خبره أم لا، فاذا بلغ امر المولى الى عبده بنقل ثقة لا يكون العبد معذورا في مخالفته في نظر العقلاء بدعواه انه لم يحصل له الاطمئنان من قوله، و هذا دليل على حجية خبر الثقة على اطلاقها.

و كذا نقطع بعدم الردع منها في الشريعة المقدسة لبقائها و استمرارها بين المتشرعة و اصحاب الائمة (ع)، بعد نزول الآيات، فان عملهم بخبر الثقة امر لا ينكر، و لو كانت الآيات رادعة عن العمل بالسيرة لكانت هي منقطعة في عصر الائمة (ع) و هو كما ترى.

و اما ما ذكره من ان الآيات منصرفة عن المقام أو راجعة الى اصول الدين فلا يحتاج جوابه الى أدنى تأمل.

[الخامس من وجوه تقرير الاجماع‏]

(1) اى الوجه الخامس من وجوه تقرير الاجماع هو ان الاجماع العملى من جميع المتشرعة من زمن الصحابة الى زماننا هذا على‏

39

العمل بخبر الواحد من غير نكير (1)، و قد ذكر فى النهاية مواضع كثيرة (2) عمل فيها الصحابة بخبر الواحد. و هذا الوجه (3) لا يخلو من تأمل، لانه ان اريد من الصحابة العاملين بالخبر من كان فى ذلك الزمان لا يصدر (4) إلّا عن رأى الحجة، (عليه السلام)، فلم يثبت عمل احد منهم (5) بخبر الواحد فضلا عن ثبوت تقرير الامام (6) (عليه السلام).

____________

العمل بخبر الواحد و الامام (عليه السلام)، لم ينكر عليهم، فيكشف من ذلك رضائه بالعمل بالخبر.

(1) اي و لم ينكر الامام (عليه السلام)، و لا المتشرعة عمل الصحابة به فيظهر منه تقريرهم في العمل بالخبر.

(2) منها ان أبا بكر قضى في واقعة ثم اخبر بلال بان النبى (ص) قضى بخلاف ما قضيت فنقض ابو بكر قضاوته.

(3) اي الوجه الخامس من تقريرات الاجماع.

(4) مضارع باب الافعال اي لا يصدر منه اى فعل إلّا أن يكون ذلك الفعل صادرا عن رأى الحجة بان يكون العامل في عمله تابعا للحجة حقيقة بحيث لو ردع الحجة من عمله لارتدع منه، فان عمل هؤلاء الاشخاص و ان كان كاشفا عن رأى المعصوم إلّا ان تحقق الصغرى ممنوع فلم يكن الصحابة كذلك الا قليل منهم.

(5) اي من الصحابة المطيعين للمعصوم.

(6) فان ثبوت تقرير الامام (عليه السلام)، عمل الصحابة فرع ثبوت عملهم بخبر الواحد.

40

و ان اريد به (1) الهمج (2) الرعاع الذين يصغون (3) الى كل ناعق، فمن المقطوع عدم كشف عملهم عن رضاء الامام (عليه السلام) لعدم (4) ارتداعهم بردعه فى ذلك اليوم (5) و لعل هذا (6) مراد السيد (رحمه اللّه‏) حيث اجاب عن هذا الوجه (7) بانه انما عمل بخبر

____________

(1) أي بالصحابة العالمين بالخبر. و الصحيح ان يذكر «بهم» مكان «به».

(2) الهمج بالتحريك هو الذي لا يعمل على طبق عقله، و الرعاع هو الرزالة.

(3) من الاصغاء اي يستمعون كل صوت، و هذه الجملة كناية عن الاشخاص اللّذين لا ارادة لهم في اعمالهم، و هم الذين لا يبالون.

و لا يعملون بما يقولون فانهم يتبعون الهوى و ليس في أعمالهم مبدأ و منتهى و الحاصل: ان اريد من الاجماع العملي للصحابة ان هؤلاء الاشخاص اللّذين لا يبالون يعملون بالخبر فنقول ان عمل هؤلاء لا كشف فيه عن رضاء المعصوم.

(4) أي انما لا يكون عملهم كاشفا عن رضاء المعصوم لانهم لا يرتدعون بردع الامام (ع) و منعه، فان عمل الصحابة انما يكون كاشفا عن رضاء المعصوم اذا كانوا مطيعين للامام بحيث لو منعهم من عملهم لارتدعوا.

(5) الذي ردعه الامام (ع) من عملهم.

(6) أي ان عمل الهمج الرعاع لا يكشف عن رضاء المعصوم.

(7) الذي هو الوجه الخامس.

41

الواحد المتأمرون (1) الذين يتجشم (2) التصريح بخلافهم، و امساك (3) النكير عليهم لا يدل على الرضا بعملهم إلّا أن يقال:

أنه لو كان عملهم (4) منكرا لم يترك الامام (عليه السلام) بل و لا اتباعه (5) من الصحابة النكير (6) على العاملين اظهارا (7) للحق و ان لم يظنوا الارتداع، اذ ليست هذه المسألة بأعظم من مسئلة الخلافة التى انكرها عليهم من انكر، لاظهار الحق و دفعا (8)

____________

(1) فاعل لقوله: «عمل» التأمر بمعنى التسلط أي المتسلطون و المستبدون برأيهم.

(2) أي يشق التصريح بخلافهم خوفا منهم.

(3) أي عدم انكار الامام (عليه السلام) على المتأمرين و السكوت في مقابلهم لا يدل على انه (ع) راض بعملهم.

(4) أي عمل الصحابة.

(5) أي بل لم يترك اتباع الامام (عليه السلام).

(6) مفعول لقوله: «لم يترك» و ملخصه أنه لو كان عمل الصحابة بخبر الواحد أمرا منكرا لم يترك الامام (عليه السلام) و كذا اتباعه انكار العاملين به و الحال لم ينكروا ذلك عليهم.

(7) علّة لقوله: «لم يترك» أي لم يترك الامام عليه الانكار اظهارا للحق و ان لم يرتدع العاملون بالخبر من ردعه (عليه السلام) فان مجرد اظهار الحق و اتمام الحجة يكفى في لزوم ردعهم كما انهم ردعوا الصحابة عن التصدي لامر الخلافة مع انهم لم يرتدعوا من ردعهم (عليهم السلام).

(8) أي لم يترك الامام (عليه السلام) الانكار على العاملين بالخبر

42

لتوهم دلالة السكوت على الرضا.

السادس (1): دعوى الاجماع من الامامية، حتى السيد و اتباعه، على وجوب الرجوع الى هذه الاخبار الموجودة فى ايديها المودعة (2) فى اصول الشيعة و كتبهم. و لعل هذا (3) هو الذى فهمه بعض من‏

____________

الخاصة و عملوا بها لزعم كونها منها و القائلون بكونها من الظنون الخاصة ايضا اختلفوا في شرائط العمل بالاخبار الموجودة في لدفع توهم ان سكوته (عليه السلام) يدل على رضاه بعملهم على خبر الواحد.

[السادس من وجوه تقرير الاجماع‏]

(1) أي الوجه السادس من الوجوه الستة دعوى الاجماع.

(2) بصيغة اسم المفعول من الوديعة و الفرق بين هذا الاجماع العملي و الاجماع العملي السابق ان هذا الاجماع منعقد على العمل بالاخبار الموجودة في الكتب المعتبرة للشيعة بخلاف السابق فان الاجماع فيه منعقد على العمل بمطلق الخبر و ان لم يكن موجودا في الكتب المعتبرة للشيعة. و الفرق بين الاجماع العملي و القولى هو ان الاجماع الاول عبارة عن اتفاق العلماء على العمل بشي‏ء فى المسألة الاصولية بان يستندوا اليه في مقام الاستنباط كاتفاقهم على العمل بالاستصحاب في أبواب الفقه، بخلاف الثاني فانه عبارة عن اتفاقهم على الفتوى بحكم في مسألة فرعية، أو اصولية.

(3) أي لعل الاجماع على وجوب الرجوع الى الاخبار الموجودة في الكتب المعتبرة للشيعة هو الذي فهمه بعض العلماء من عبارة الشيخ حيث فهم من كلام الشيخ ان مراده من دعوى الاجماع على الرجوع الى الاخبار هو الرجوع الى الاخبار الموجودة في الكتب.

43

عبارة (1) الشيخ المتقدمة عن العدة، فحكم بعدم مخالفة الشيخ للسيد (2) (قدس اللّه اسرارهما)، و فيه: اولا، انه ان اريد ثبوت الاتفاق على العمل بكل واحد من أخبار هذه الكتب فهو مما علم خلافه (3) بالعيان و ان اريد ثبوت الاتفاق على العمل بها (4) فى الجملة (5) على اختلاف العاملين فى شروط العمل (6) حتى يجوز أن يكون المعمول به عند بعضهم مطروحا عند

____________

(1) و هي قوله: اني وجدت الفرقة مجتمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها فى اصولهم.

(2) لان السيد ايضا يعتقد بحجية الخبر الموجود في الكتب الاربعة.

(3) اذ لم يثبت الاتفاق من العلماء على العمل بكل واحد من الاخبار الموجودة في الكتب الاربعة و قد تقدم سابقا ان القميين استثنوا كثيرا من اخبار نوادر الحكمة مع كونه من الكتب المشهورة.

و ابن الوليد استثنى من روايات العبيدي ما يرويها عن يونس مع نقلها في الكتب المشهورة.

(4) أي بالاخبار المودعة في الكتب المشهورة.

(5) أي بنحو الموجبة الجزئية بمعنى ثبوت الاتفاق على العمل ببعض الاخبار الموجودة فيها.

(6) حيث ان شرط العمل بالاخبار الموجودة في الكتب عند بعض العاملين بها كونها قطعية الصدور، اما بالتواتر أو بالاحتفاف بالقرائن الموجبة للعلم بالصدور بحيث لو لم يكن كذلك لم يعمل بها.

و شرط العمل عند جماعة اخرى من العاملين بها كونها من الظنون‏

44

الأخر (1) فهذا (2) لا ينفعنا الا فى حجية ما علم اتفاق الفرقة على العمل به بالخصوص و ليس يوجد ذلك (3) فى الاخبار الا نادرا خصوصا مع ما ترى من رد بعض المشايخ، كالصدوق و الشيخ، بعض الاخبار المروية فى الكتب المعتبرة، بضعف (4) السند أو بمخالفة

____________

الكتب فان بعضهم اعتبر في الراوي العدالة، و بعضهم اكتفى بوثاقته، و عمل جماعة ثالثة بها لزعم كونها حجة من باب الظن المطلق الذي هو حجة من باب الانسداد.

(1) بان عمل بعضهم بخبر الواحد باعتقاد ان شرط العمل بالخبر هو وثاقة الراوي و هذا الخبر يطرح عند من يرى اعتبار عدالة الراوي، أو اعتبار كون الخبر محفوفا بالقرينة.

(2) أي الاجماع المدعى لا ينفع إلّا في حجية الخبر الذى علم ان الفرقة كلهم عملوا به و لا يدل على المدعى و هو حجية جميع الاخبار الموجودة في الكتب المشهورة.

(3) أي لا يوجد الخبر الذى علم اتفاق الفرقة به بين الاخبار الا نادرا.

(4) الجار متعلق بقوله: «رد» و الحاصل ان مع رد بعض المشايخ بعض الاخبار بضعف السند أو بكونه مخالفا للاجماع كيف يتحقق اتفاق الفرقة على العمل بخبر الواحد فلا يبقى في الاخبار الا نادرا ان يعلم بعمل الفرقة بالخبر فكون هذا الخبر بالخصوص حجة لا يفيد المدعى لان دعوانا حجية جميع الاخبار الموجودة في الكتب لا خصوص الخبر النادر.

45

الاجماع أو نحوهما (1) و اما ثانيا (2): فلأن ما ذكر من الاتفاق لا ينفع، حتى فى الخبر الذى علم اتفاق الفرقة على قبوله (3) و العمل به، لان الشرط فى الاتفاق العملى (4) ان يكون وجه عمل المجمعين معلوما (5)

____________

(1) ككونه مخالف المشهور. و ملخص هذا الجواب: انه ان كان المراد ثبوت الاجماع العملي بكل واحد من الاخبار الموجودة في الكتب المعتبرة فهو واضح البطلان، و ان كان المراد ثبوته ببعض الاخبار في الجملة فهو اخص من المدعى.

(2) انه (قدس سره) سلّم في الجواب الاول بان الاتفاق المذكور أي الاجماع العملي ينفع في الخبر الذى علم اتفاق العلماء على العمل به، و في هذا الجواب الثاني اعرض عنه. و قال انه لا ينفع حتى في الخبر الذي علم اتفاق الفرقة على العمل به بالخصوص.

(3) أي على قبول الخبر.

(4) أي الشرط في كون الاتفاق العملي نافعا لاثبات حجية خبر الثقة امران: «الاول» كون جهة عمل المتفقين معلومة بان علم ان عملهم بهذا الخبر انما هو لاجل كونه خبرا واحدا فينفع الاتفاق المذكور في حجية خبر الواحد، و اما اذا لم يعلم هذا أو علم اختلاف جهة العمل- بان يكون العاملون بالخبر المجرد عن القرائن و القائلون بحجيته مختلفين في ملاك الحجية و جهته بانه حجة من جهة كونه خبر عدل، او كون الراوي ثقة في روايته و ان لم يكن ثقة على الاطلاق، او كون الرواية مظنونة الصدور- فلا ينفع الاتفاق العملي المذكور في المقام، و لا يثبت حجية الاخبار الموجودة فى الكتب المشهورة.

(5) من الخارج لان نفس الاتفاق العملي لا دلالة له على جهة

46

أ لا ترى (1) انه لو اتفق جماعة يعلم برضاء الامام (عليه السلام) بعملهم على النظر الى امرأة، لكن يعلم او يحتمل أن يكون وجه نظرهم كونها زوجة لبعضهم، و اما لآخر، و بنتا لثالث، و ام زوجة لرابع، و بنت زوجة لخامس، و هكذا (2) فهل يجوز لغيرهم (3) ممن لا محرمية بينها (4) و بينه ان ينظر اليها من (5) جهة اتفاق الجماعة الكاشف‏

____________

وقوع العمل و حقيقته كي يعلم ان عمل المتفقين مستند الى تلك الجهة فان عمل المجمعين بخبر الواحد لا يدل على انهم عملوا به من حيث انه خبر واحد لاحتمال كون العمل مستندا الى جهات مختلفة اخرى من كونه محفوفا بالقرائن و غيره و اذا لم يدل نفس العمل على جهة العمل و ملاكه لم يكن العمل بالخبر الواحد حجة.

(1) هذا شاهد لما ذكره من ان الشرط في الاتفاق العملي ان يكون وجه عمل المجمعين معلوما.

(2) بان تكون اختا للشخص السادس الذي ينظر اليها.

(3) أي هل يجوز النظر لغير الجماعة الذين يعلم برضاء الامام (عليه السلام) ان ينظروا اليها.

(4) أي لا محرمية بين الامرأة المنظورة اليها و بين الناظر اليها.

(5) أي ان يكون جواز نظرهم الى المرأة مستندا الى اتفاق الجماعة ...

و ملخص الكلام: ان اتفاقهم على النظر الى امرأة و ان كان كاشفا عن رضاء المعصوم (ع) ان ينظروا اليها لكن لا يكشف عن‏

47

عن رضاء الامام (عليه السلام) بل لو رأى شخص (1) الامام (عليه السلام) ينظر الى امرأة، فهل يجوز لعاقل التأسى به (2)؟ و ليس هذا (3) كله الا من جهة ان الفعل (4) لا دلالة فيه على الوجه الذى يقع عليه‏

____________

جواز نظرنا اليها أيضا ما دام لم يكن جهة عملهم معلومة لنا و ثابتة في حقنا أيضا.

(1) مفعول لقوله: «رأى».

(2) أي بالامام بان ينظر هو ايضا للمرأة المذكورة.

(3) أي عدم جواز النظر.

(4) أي النظر الى امرأة لا دلالة فيه على ان جهة النظر هل هي كونها زوجة للناظر أو أمته أو اخته.

و ملخص الكلام: ان الاجماع العملي المدعى لا يفيدنا الا بعد احراز أمرين:

أحدهما: احراز جهة الفعل الذي وقع موردا للتقرير من الخارج اذ الفعل بنفسه لا دلالة فيه على عنوانه و جهته.

ثانيهما: احراز تحقق هذه الجهة في حقنا أيضا فان مجرد احراز جهة الفعل ما لم يحرز تحقق هذه الجهة بالنسبة الينا غير مجد، مثلا اذا احرزنا انهم اتفقوا على جواز النظر الى امرأة كانت أما لهم فهو لا يثبت جواز نظرنا اليها ما لم يثبت انها امنا ايضا ففيما نحن فيه اذا علمنا ان بعض العاملين بخبر عمل به من حيث علمه بصدوره، و بعضهم عمل به من حيث ظنه بصدوره بعد كونه قاطعا بحجية الظن المذكور فان مجرد عملهم به لا يثبت حجية الخبر بالنسبة الينا ما لم يحصل لنا أيضا العلم بصدوره، أو العلم بحجية الخبر

48

فلا بد فى الاتفاق (1) العملى من العلم بالجهة و الحيثية (2) التى اتفق المجمعون على ايقاع الفعل من تلك الجهة و الحيثية و مرجع هذا (3) الى وجوب احراز الموضوع فى الحكم الشرعى (4) المستفاد من الفعل. ففيما نحن فيه (5) اذا علم بان بعض المجمعين يعملون بخبر من حيث علمه (6)

____________

بالنسبة الينا ما لم يحصل لنا أيضا العلم بصدوره، أو العلم بحجية الخبر المظنون صدوره.

(1) اي في حجية الاتفاق العملى.

(2) بان يعلم ان الجهة في اتفاقهم على العمل بخبر الواحد مثلا هو كونه خبرا واحدا و ليس له جهة أخرى.

(3) اي مرجع ما ذكرنا من انه لا بد من العلم بالجهة الى وجوب احراز الموضوع فان غاية ما يستفاد من الاتفاق العملى هو جواز النظر، و اما موضوعه هل هو عنوان الامّ او البنت، او غيرهما فلا بد من احرازه، و فيما نحن فيه غاية ما يستفاد من الاتفاق العملى جواز العمل، و اما موضوعه هل هو عنوان خبر الواحد، او عنوان وثاقة الراوى، او عدالته، فلا بد من احرازه كي يمكن ان يحكم بحجية خبر الواحد مطلقا، او خبر الثقة، او خبر العادل، و مجرد العمل به لا يدل على تعيين عنوان العمل، و جهته.

(4) و هو جواز العمل المستفاد من عمل المجمعين.

(5) الذى هو حجية خبر الواحد.

(6) اي علم بعض المجمعين بصدور الخبر بسبب كونه متواترا، او محفوفا بالقرينة.

49

بصدوره بالتواتر او بالقرينة، و بعضهم (1) من حيث كونه ظانا بصدوره قاطعا بحجية هذا الظن، فاذا لم يحصل لنا العلم بصدوره (2) و لا العلم بحجية الظن الحاصل منه، او علمنا بخطاء من يعمل به لاجل مطلق الظن (3) او احتملنا خطاءه (4) فلا يجوز (5) لنا العمل بذلك الخبر تبعا للمجمعين.

الرابع دليل العقل و هو من وجوه، بعضها مختص باثبات حجية

____________

(1) اي بعض المجمعين يعملون بخبر من حيث انه مظنون الصدور بعد كونهم قاطعين بحجية الظن بالصدور.

(2) اي اذا لم يحصل العلم بصدور الخبر الذى اتفقوا على العمل به و لم يحصل العلم بحجية الظن بصدوره الحاصل من عمل المتفقين به كي يعمل به من باب حجية الظن الخاص.

(3) كما اذا عمل شخص بخبر الواحد من باب العمل بالظن المطلق لتمامية مقدمات الانسداد عنده، و نحن نرى عدم تماميته و خطأ هذا الشخص.

(4) بان لم يثبت عندنا تمامية الانسداد، و كذا عدم تماميته، و هو عمل به معتقدا بتماميته و لكن حيث انا من المتوقفين فيه نحتمل خطاءه.

(5) جواب لقوله: «فاذا لم يحصل لنا العلم بصدوره» و ملخص الكلام: ان مجرد الاتفاق العملى حيث انه لا يدل على جهة عمل المجمعين، و لا يدل على ثبوت جهة عملهم عندنا ايضا فلا يدل على حجية خبر الواحد بالنسبة الينا ايضا.

50

خبر الواحد، و بعضها يثبت حجية الظن مطلقا (1) او فى الجملة فيدخل فيه (2) الخبر. اما الاول (3) فتقريره (4) من وجوه اولها:

ما اعتمدته (5) سابقا، و هو انه لا شك للمتتبع فى احوال الرواة المذكورة فى تراجمهم فى ان اكثر الاخبار بل جلها (6)، الا ما

____________

[الرابع من أدلة حجية خبر الواحد دليل العقل‏]

(1) الترديد انما هو لاجل الاختلاف في دليل الانسداد، هل نتيجته مطلقة اى يوجب حجية الظن مطلقا من اى سبب حصل، و باى مرتبة كانت، او مهملة يوجب حجية الظن في الجملة كالظن الاطمئنانيّ مثلا.

(2) اي في الظن المطلق، او الظن في الجملة اى سواء ثبت حجية الظن مطلقا او في الجملة يكون الخبر حجة. اما بناء على حجية مطلق الظن فواضح، فانه من أقسام الظن، فيشمله الدليل الدال على حجية الظن المطلق. و اما بناء على حجية الظن في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية فالخبر داخل فيه ايضا من باب القدر المتيقن.

و الحاصل: سواء كانت نتيجة دليل الانسداد قضية كلية او مهملة يدخل الخبر في الظن، فيكون حجة بدليل الانسداد الدال على حجية مطلق الظن.

[الوجه الأول من الوجوه العقلية]

(3) اي بعض الوجوه من الدليل العقلى الذى يختص باثبات حجية خبر الواحد.

(4) اي تقرير هذا الوجه الدال على حجية الخبر.

(5) يفهم من هذا الكلام انه رجع من اعتماده على هذا الوجه.

(6) و هو قريب الكل و ان لم يصل الى حده. و ملخص هذا الوجه انا نعلم اجمالا بصدور كثير من الاخبار.

51

شذ و ندر، صادرة عن الائمة (عليهم السلام)، و هذا (1) يظهر بعد التأمل فى كيفية ورودها (2) الينا و كيفية (3) اهتمام ارباب الكتب من المشايخ الثلاثة (4) و من تقدمهم (5)، فى تنقيح (6) ما او دعوه فى كتبهم، و عدم (7) الاكتفاء باخذ الرواية من كتاب‏

____________

(1) اي عدم الشك في صدور اكثر الاخبار عن الائمة (عليهم السلام).

(2) حيث ان هذه الاحاديث التى بايدينا انما وصلت الينا بعد ان سهرت العيون في تصحيحها، و ذابت الابدان في تنقيحها، و قطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان، فالاخبار وردت بهذه الكيفية الينا و بعد ملاحظة هذه الكيفية كيف لا يحصل العلم بصدور اكثر الاخبار عن الائمة (عليهم السلام).

(3) اي بعد التأمل في كيفية اهتمام ...

(4) هم المحمدون الثلاثة أصحاب الكتب الاربعة الصدوق و الكلينى و الطوسى.

(5) كمشايخ هذه الثلاثة.

(6) الجار متعلق الى قوله: «اهتمام» اي بعد التأمل في ان ارباب الكتب كيف اهتموا في تنقيح ما او دعوه في كتبهم يظهر عدم الشك في صدور اكثر الاخبار عن الائمة.

(7) اي بعد التأمل في كيفية اهتمام ارباب الكتب في عدم الاكتفاء اى انهم لم يأخذوا رواية من كتاب ما لم يسمعوا ذلك من صاحب الكتاب و لم يودعوا رواية في كتابهم الا بعد سماع هذا الخبر من صاحب الكتاب او بعد قراءة صاحب الكتاب اليه و هذا كله‏

52

و ايداعها فى تصانيفهم حذرا (1) من كون ذلك مدسوسا فيه من بعض الكذابين. فقد حكى عن احمد بن محمد بن عيسى أنه جاء الى الحسن بن الوشاء و طلب (2) منه أن يخرج اليه كتابا لعلاء بن رزين و كتابا لأبان بن عثمان الاحمر فلما أخرجهما (3). قال: (4) احب أن أسمعهما قال ما اعجلك (5) اذهب، فاكتبهما (6) و اسمع من بعده. (7) فقال له: (8) لا أمن الحدثان. فقال (9) لو علمت ان‏

____________

من جهة اهتمامهم بالروايات.

(1) اي انما لم يكتفوا بأخذ الرواية من كتاب ما لم يسمعوها من صاحب الكتاب حذرا من كون ذلك الخبر مدخولا في الكتاب من قبل بعض الكذابين.

(2) اي طلب احمد من الحسن ان يظهر اليه.

(3) اي لما أخرج الحسن كتابين و قال ان هذا كتاب علاء و هذا كتاب أبان خذ و اكتب ما شئت منهما.

(4) اي قال احمد أنا احب ان اسمع ما في الكتابين من لسانك ليطمئن قلبى اقرأهما لي.

(5) اي قال الحسن لما ذا تعجل.

(6) اي اكتب الاخبار الموجودة في الكتابين.

(7) اي أنا أقرأ لك الاخبار الموجودة في الكتابين و انت تسمعها بعد الاستنساخ.

(8) اي قال احمد للحسن اخاف ان تحدث حادثة فيفوتنى ان اسمعها منك.

(9) اي قال الحسن.