تنقيح الأصول‏ - ج1

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
314 /
1

تنقيح الاصول‏

الجزء الاول‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه الموسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه الشيخ حسين التقوى الاشتهاردى‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره)

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: ... تنقيح الأصول (ج 1)*

* المؤلف: ... حسين التقوي الإشتهاردي*

* تحقيق و نشر: ... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: ... خرداد 1376- محرم الحرام 1418*

* الطبعة: ... الاولى*

* المطبعة: ... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ... 3000 نسخة*

* السعر: ... ريال*

* اسم الكتاب: ... تنقيح الأصول/ ج 4*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

مقدمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و الحمد للَّه على هدايته لدينه، و التوفيق لما دعا إليه من سبيله، و صلّى اللَّه على خاتم أنبيائه سيّد الخلق، و الصادع بالحق، البشير النذير، السراج المنير، الطهر الطاهر، و العلم الزاخر، أبي القاسم محمّد (صلّى اللَّه عليه و على آله) أئمة الهدى، و مصابيح الدجى، و العروة الوثقى، بهم نهتدي في الظلماء، و نتسنّم ذروة العلياء.

و بعد: فقد سارت مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره الشريف) سيراً حثيثاً، و خطت خطوات واسعة جبارة- و من أول يوم تأسيسها و لحدّ هذه الساعة- من أجل إحياء و نشر تراث الإسلام الأصيل، و الدين المحمّدي السامي الخالص، المنبثق من النور المتألق، و النابع من المعين الفيّاض المتدفّق، الثر بالعطاء، و المفعم بالرواء، و المعطّر من أريج وحي السماء، المتموج بالخيرات، و المتوّج بالبركات، أعني به زعيم المسلمين، و حامي المستضعفين، و قائد الأحرار الرساليين، و فخر الملّة، مُحيي علوم المرسلين، و المقتفي نهج الأئمة الطاهرين، سماحة آية اللَّه العظمى الإمام السيّد روح اللَّه الموسوي الخميني نوَّر اللَّه تعالى مضجعه الشريف.

لقد كرَّس هذا الرجل العظيم حياته الزاهرة، و استنفد وسعه و وجوده الطاهر، للدفاع عن حياض الشريعة المقدّسة، و الذب عن حقيقة الدين، و إرساء دعائم الرسالة الخالدة المباركة، و وقف طويلًا بوجه طواغي الغي، و أحزاب البدع، و أعداء الحق، و ضواري الفتنة، فركب الأهوال، و نازل الأعداء، بعزيمة جبّارة، و همة نافذة،

4

حتى ضعضع اللَّه تعالى أركان أعدائه، و أطاش سهامهم، و ردّهم بغيظهم على أعقابهم، لا يلوي آخرهم على أولهم.

نعم لقد كانت من نشاطات و أعمال مؤسستنا هذه، نشر آثار و أفكار و بيانات و تأليفات سماحة السيّد الإمام الخميني (قدس سره الشريف)، و إخراجها و بثها إلى عالم الثقافة و المعرفة بصورة رائعة، و تحقيق علمي شيّق، لينهل من ذلك رواد الحقيقة و طلابه، و ليقتبسوا من أنواره قبسات تضي‏ء لهم مهيع الحق و منهاجه الأصيل.

و لا يخفى فإنَّ الآثار العلمية الفقهية و الاصولية- على الخصوص- للسيّد الإمام (قدس سره) يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين:

أ- ما دوّنه السيّد الإمام (قدس سره) بقلمه الشريف و يده المباركة، و هي كثيرة نذكر منها:

أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية.

مناهج الوصول إلى علم الاصول.

كتاب الطهارة.

كتاب الخلل في الصلاة.

كتاب المكاسب المحرّمة.

تحرير الوسيلة.

كتاب البيع، و غير ذلك.

ب- ما كتبه تلاميذ السيّد الإمام أيّدهم اللَّه تعالى من تقريرات دروسه في علم الفقه و اصوله، و هي كثيرة أيضاً نذكر منها:

تقريرات آية اللَّه الشيخ فاضل اللنكراني.

و تقريرات آية اللَّه الشيخ جعفر السبحاني.

و تقريرات آية اللَّه الشيخ محمّد واعظزاده الخراساني.

5

و تقريرات آية اللَّه الشيخ محمّد المؤمن.

و تقريرات آية اللَّه السيّد محمّد حسن المرتضوي اللنگرودي، و غير ذلك.

و أما هذا الكتاب الماثل بين يديك- عزيزي القارئ- و الموسوم ب «تنقيح الاصول» و المشتمل على دورة كاملة في علم اصول الفقه، و هي من أبحاث سماحة السيّد الإمام الخميني (قدس سره) و التي كان قد ألقاها على تلامذته العظام في مدينة قم المقدّسة عش آل محمّد (عليهم السلام)، و هي بقلم علم من أعلام هذه الحوزة العلمية المباركة و هو سماحة آية اللَّه المحقق الشيخ حسين نجل المغفور له آية اللَّه الحاج الشيخ يحيى التقوي الاشتهاردي.

حياة المؤلف في سطور:

كان مولده الشريف في سنة 1304 ه. ش. في مدينة اشتهارد.

أخذ المقدّمات من والده سماحة آية اللَّه الشيخ يحيى التقوي (قدس سره)، و أنهى عنده كتاب (اللمعة) في الفقه، و كتاب (القوانين) في الاصول.

انتقل إلى مدينة قم المقدّسة للالتحاق بحوزتها العلمية المباركة في حدود سنة 1324 ه. ش.

درس السطوح و أتقنها على أيدي كبار العلماء أمثال: آية اللَّه الشهيد الشيخ الصدوقي (رضوان اللَّه عليه)، و آية اللَّه الشهيد الشيخ المطهري (رضوان اللَّه عليه)، و آية اللَّه الشيخ آقا باقر البروجردي حفظه اللَّه تعالى، و المرحوم آية اللَّه الشيخ المجاهدي التبريزي، و المرحوم آية اللَّه الشيخ عبد الجواد الأصفهاني، و المرحوم آية اللَّه الحاج آقا جواد الخندق‏آبادي، و آية اللَّه الميرزا علي أصغر الطهراني حفظه اللَّه تعالى.

حضر درس الخارج عند آية اللَّه العظمى السيّد حسين البروجردي (قدس سره)، و عند سماحة آية اللَّه العظمى الإمام السيّد الخميني (قدس سره)، و سماحة آية اللَّه العظمى السيّد

6

محمّد رضا الگلپايگاني (قدس سره).

و من سنة 1331 ه. ش. الى سنة 1340 ه. ش. حضر درس الخارج عند سماحة الإمام الخميني (قدس سره الشريف) في علم اصول الفقه، و كان من ثمرته هذا الكتاب المبارك الذي نقدّمه و الموسوم ب «تنقيح الاصول».

منهجنا في تحقيق الكتاب:

1- تقطيع نص الكتاب على المنهج المتداول في هذا الفن.

2- تخريج الآيات القرآنية المباركة و ذلك بذكر السورة و رقم الآية.

3- تخريج الأحاديث و الآثار الشريفة و عزوها إلى مصادرها.

4- تخريج أقوال العلماء من منابعها و الإشارة إليها.

و في الختام ندعو أصحاب الفضيلة من العلماء الأعلام و حجج الإسلام من الذين تشرّفوا بالحضور عند سماحة السيّد الإمام (قدس سره الشريف) و نهلوا من نميره المُترع، أن يتفضلوا علينا بتزويدنا ما بحوزتهم من تقريرات و كتابات و مذكرات، أثبتوها من محضر درسه المبارك، و سجلوها من إفاداته القدسية، لتقوم المؤسسة بواجبها من نشرها و بثها، ليعمّ نفعها، و ينعم المختصون بها، و ليستفيد منها طلاب الحوزات العلمية، و تتبرك بها المؤسسات الثقافية، و لهم منّا بذلك خالص المودة، و فائق الامتنان. و الحمد للَّه ربّ العالمين‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

فرع قم المقدّسة

رمضان المبارك 1417 هجري قمري‏

بهمن 1375 هجري شمسي‏

7

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه الذي هدانا لمعرفته، و خصّنا بولايته، و وفّقنا لطاعته، و الصلاةُ و السلامُ على خاتم رُسله، و أشرف خلقه، و أفضل بريّته، محمّد صلّى الله عليه و على آله المعصومين الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعدُ: فهذا ما وصل إلى فهمي القاصر و ذهني الفاتر من إفادات سيّدنا الأعظم، و استاذنا الأفخم، كهف المُستضعفين، و ملجأ المسلمين، و قامع اصول المُستكبرين، و هادم أبنية الظالمين؛ آية اللَّه العظمى الحاجّ السيّد روح اللَّه الموسوي الخميني (قدس سره)، قرَّرتُه تذكرة لنفسي و لمن يريد الرجوع إليه؛ ليكون ذخراً لي و له‏ «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ».

و سميتُه ب «تنقيح الاصول»، و رتّبتُه على مُقدّمةٍ و فصول:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المقدمة و تشتمل على امور

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الأمر الأوّل في موضوع كل علم‏

كلّ علم عبارة عن عدة من القضايا دُوِّنت تدريجاً؛ لأغراض مُختلفة تشتركُ في ترتّب بعض الفوائد عليها، فالأحكامُ التصديقيّة من كلّ علم هو ذلك العلمُ بعينه، و ليس من العلوم ما دُوِّنت جميع مسائله دفعةً واحدةً.

و ربّما كانت الأغراض في تدوين مسائل علم واحدٍ مُختلفة، كنيل الجائزة من السلطان، و نحوه من الأغراض الدنيويّة و الاخرويّة الداعية إلى ذلك.

فعلم المنطق مثلًا عبارة عن عدّة من القضايا، دُوِّنت لأغراض مُختلفة مُشتركة في ترتّب فائدة واحدة عليها؛ بحسب الاعتبار و السِّنخ، و هي حفظ الفكر عن الخطأ، فوحدة تلك الفائدة اعتباريّة لا حقيقيّة؛ لتركّبها من الموضوع و المحمول.

فظهر ممّا ذكرنا فساد ما يظهر من بعضهم: من أنّ الغرض من كُلِّ علم أمر واحد (1)، و كأنّه التبس عليه الغرض بالفائدة المترتّبة على مسائله، فإنّها كما عرفت واحدة.

____________

(1)- كفاية الاصول: 21- 22، نهاية الأفكار 1: 11- 12.

12

ثمّ إنّ القضايا المبحوث عنها في العلوم، إمّا حقيقيّة كما في غالب العلوم كالفقه؛ إذ الموضوع في مسائله ليس خارجيّاً، و ليس المراد من قولهم فيه: «الخمرُ حرامٌ» هو الخمرُ الخارجي فقط، بل المرادُ كلّما وُجد خمر كان حراماً.

و إمّا خارجيّة، كما في مسائل علم التأريخ و الهيئة و الجغرافيا و نحوها؛ فإنّ البحث في الأوّل إنّما هو عن الموضوعات الخارجيّة المُعيّنة من الأنبياء و السلاطين و غيرهم، و في الثاني عن أحوال الأفلاك و النجوم و أوضاعها، و هي من الموجودات الخارجيّة، و ليس الموضوع في مسائله كلّيّاً، بل هو هذا الفلك و ذاك الكوكب و نحوهما، و في الثالث عن أحوال البلاد و القُرى الموجودة في الخارج.

و قد يكون الموضوع في علم شخصاً خارجيّاً واحداً حقيقيّاً، كعلم العرفان، فإنّ البحث فيه إنّما هو عن المبدأ البارئ تعالى شأنُه.

و في القسم الأوّل: قد يتّحد موضوع العلم مع موضوعات مسائله، كعلم الفلسفة الذي موضوعه الوجود، و موضوعات مسائله أيضاً الموجودات، و إنّما الفرق بينهما غالباً هو الفرق بين الطبيعي و أفراده.

و في القسم الثاني: أيضاً قد يتّحد موضوع العلم مع موضوع بعض مسائله، و قد يكون موضوع المسألة فيه من أجزاء موضوع العلم، كالشمس، و القمر، و نحوهما ممّا هو موضوع المسألة في علم الهيئة، و هما من أجزاء موضوع علم الهيئة، الذي هو مجموع الأفلاك و الأرض.

و في القسم الثالث: موضوعات المسائل هو موضوع ذلك العلم دائماً.

إذا عرفت هذا يظهر لك ما في كلام بعضهم: من أنّ الفرق بين موضوع كلّ علم و بين موضوعات مسائله، هو الفرق بين الطبيعي و أفراده‏ (1) فإنّه بنحو الإطلاق ممنوع.

كما أنّ ما أفاده بعضهم: من أنّ موضوع كلّ علم هو ما يُبحث فيه عن عوارضه‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 21.

13

الذاتيّة (1) أيضاً غيرُ سديدٍ، بل موضوع كلّ علم هو ما يُبحث فيه عن أحواله العُرفيّة، سواء كان عروضُها لنفسه أم لجزئه أم لأمرٍ خارج مساوٍ لهُ أم أعمّ أم أخصّ.

و انقدح ممّا ذكرناه: أنّه لا يتحتّم أن يكون لكلّ علم موضوع يُبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، و إلّا يلزم خروج أغلب مسائل العلم عن ذلك العلم؛ و أنّها ذكرت فيه استطراداً، كعلم الفقه، إذ لو فُرض أنّ موضوعه هو أفعالُ المكلّفين كما هو المعروف‏ (2) فهو و إن صحّ بالنسبة إلى بعض مسائله مثل قولهم: «الصلاة واجبة» و «الصوم واجب» و نحوهما، إلّا أنّ أكثر مسائله ليست كذلك، كقولهم فيه: «الماء طاهر» و «العذرة نجسة» و «الكرّ كذا» و كمسائل الإرث و الضمانات و نحوها، ممّا لا يُبحث فيها عن العوارض الذاتيّة لأفعال المُكلّفين، و كعلم الفلسفة، فإنّ ما ذكروه و إن صحّ في بعض مسائله، كقولهم: «الوجود واحد» و نحوه، لكنّه لا يتمّ بالنسبة إلى أكثر مسائله، كمباحث الماهيّة التي هي من أهمّ مباحث الفلسفة، و مباحث الأعدام و المعاد و نحوها، ممّا لا يكون موضوع المسائل فيها أمراً وجوديّاً.

فدعوى أنّه لا بدّ أن يكون لكل علم موضوع يُبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة (3) ممّا لم ينهض عليها دليل من آية أو رواية أو برهان بل الوجدان شاهد على خلافها.

ثمّ إنّ القُدماء ذكروا أنّ العوارضَ الذاتيّة هي التي تُنتزع عن الذات بلا واسطة (4) و حيث إنّه يستلزم خروج كثير من مباحث كلّ علم عنه قالوا: إنّ العوارض الذاتيّة هي ما يعرض الشي‏ءَ و لو بواسطة أمرٍ خارج مساوٍ له أو أخصّ منه‏ (5).

____________

(1)- نفس المصدر.

(2)- معالم الدين: 25.

(3)- شرح الشمسية: 14، الحكمة المتعالية 1: 30، الفصول الغرويّة: 10، كفاية الاصول: 21.

(4)- انظر شرح الإشارات 1: 58 هامش 1.

(5)- انظر شرح الشمسية: 14 و 15.

14

و هذه الدعوى أيضاً ممّا لا شاهد لها، و لم يقم عليها برهان.

فتلخّص: أنّه لا دليل على أنّه يتحتّمُ أن يكون لكلّ علم موضوعٌ يُبحث فيه عنه، و لعلّ هذا الذي ذكروه إنّما هو لبيان أقرب الطرق إلى الواقع.

15

الأمر الثاني في تمايز العلوم‏

اختلفوا في أنّ تمايز العلوم هل هو بتمايز الموضوعات، أو بتمايز المحمولات، أو بتمايز الموضوعات المحيَّثة بالحيثيّة الفعليّة، أو الاستعدادية، أو غير ذلك‏ (1)؟

فيظهر منهم أنّه لا بدّ أن يكون هناك شي‏ء واحد تتمايز به العلوم بعضها عن بعض، و إنّما الاختلاف هو في أنّه هذا أو ذاك.

و فيه: أنّه لا يجب و لا يتحتّم تمايزها بأمرٍ واحدٍ، و العلوم كسائر موجودات العالم، فكما أنّه لا يُبحث مثلًا عن أنّه بِمَ امتاز الحجرُ عن الإنسان، و البقرُ عن الغنم، فكذلك العلوم لا تحتاج إلى البحث عن أنّه بِمَ امتاز بعضها عن بعضها الآخر، بل بعض العلوم ممتاز عن بعض بالموضوع، و بعضها بالمحمول، و بعضها بالموضوع و المحمول معاً، و بعضها ممتاز عن الآخر في مرتبة الذات، كعلم الفقه و الهيئة مثلًا.

و يُستفاد من «الكفاية» أنّ الملاك في وحدة العلم مع تشتّت الموضوعات و العوارض هو وحدة الغرض منها، بأن يكون الغرض و المهمّ من هذه المسائل بأجمعها أمراً واحداً، فمع وحدة الغرض من مسائل متعدّدة، يتّحد العلم، و تعدّ جميع تلك المسائل علماً واحداً، تُفرد بالتدوين و إن تشتّتت الموضوعات و كذلك المحمولات، و إذا تعدّدت الأغراض عُدَّ العلمُ مُتعدّداً بتعدّدها و إن اتّحدت الموضوعات؛ و ذلك لوجهين:

أحدهما: أنّه يُعتبر بين الأثر و المؤثِّر السِّنخيّة، و إلّا لأثّر كلُّ شي‏ءٍ في كلِّ شي‏ءٍ،

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 5- 6، فوائد الاصول 1: 23، نهاية الدراية 1: 4، نهاية الاصول 1: 5 و 8.

16

و حينئذٍ فلا يمكن أن يكون لعلم واحد أثران و غرضان، فإنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، و لا يصدر الواحد إلّا من الواحد، فتعدّد الغرض دليل على تعدّد العلم، و وحدته على وحدته‏ (1) و هو المراد من قولهم: إنّ اختلاف العلوم إنّما هو بتمايُز الأغراض‏ (2).

و فيه: أنّ اختلاف الأغراض ناش و مُسبَّب عن تعدّد العلوم في مرتبة ذاتها؛ لاستحالة وحدة العلوم في مرحلة الذات و تعدّد الغرض على مبناه (قدس سره).

و الحاصل: أنّ تعدُّد الأغراض و وحدتها مُسبّبان عن وحدة العلم و تعدّده في مرتبة الذات، فمع تعدُّده في مرتبة الذات لا تصل النوبة للقول: بأنّ تمايزه و تعدّده بالأغراض، فإنّه نظير أن يقال: إنّ تمايُز الإنسان عن الحجر هو بالإنصات و عدمه.

ثانيهما: أنّ من المسائل ما يُبحث عنها في علمين، كالبحث عن صيغ العموم، و أنّ الألف و اللّام هل تفيد العموم أو لا، في علمي البيان و الاصول، فلو كان امتياز العلوم بالموضوعات أو المحمولات لزم اتّحاد العلمين مع أنّهما متعدِّدان، فلا بدَّ أن يكون امتيازها بالأغراض، و أنّ البحث في مسائل مشتركة بين علمين أو أكثر في كلٍّ منها لغرض غير ما هو الغرض منها في علم آخر (3).

و فيه: أنّ مجرّد إيراد مسألة واحدة في علمين أو أكثر، و البحث عنها فيهما لا ينثلم به وحدتها، بل هي مسألة واحدة يُبحث عنها تارةً في علم لغرض، كفهم خصوصيّات كلمات العرب، و في علم آخر لغرضِ فهم خصوصيّات ألفاظ الكتاب و السنّة؛ لاستنباط الأحكام الشرعيّة، و إلّا فالمسألة واحدة سواءً اتّحد الغرض منها أو تعدّد.

و الوجه في عدوله (قدس سره) عمّا ذكره القوم في وجه امتياز العلوم، هو ما ذكرهُ بقوله:

____________

(1)- انظر كفاية الاصول 21- 22، نهاية الدراية 1: 8.

(2)- انظر نهاية الدراية 1: 8، و نهاية الأفكار 1: 11.

(3)- نفس المصدر.

17

و إلّا يلزم أن يكون كلّ باب- بل كلّ مسألة- من كلّ علم علماً على حِدَة، كما هو واضح لمن له أدنى تأمّل، فالاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول لا يوجب تعدُّد العلوم، كما لا يوجب وحدتها وحدته‏ (1).

و فيه: أنّه يمكن أن يعكس عليه الأمر.

توضيحه: أنّه لو سلّمنا أنّه لا بدّ لكل علم من موضوع يُبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، جامع لشتات موضوعات مسائله، و أنّ النسبة بينه و بين موضوعات مسائله هي نسبة الطبيعي إلى أفراده، و أغمضنا النظر عمّا أوردنا عليه نقول:

إنّ مراد المشهور بقولهم: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، هو موضوعات العلوم، لا موضوعات المسائل.

و أمّا موضوعات المسائل، فلها جهة اشتراك تتّحد فيها و تلك الجهة، كفعل المكلّف في الفقه، و الكلمة المستعدّة لعروض الحركات على آخرها في النحو، أو المستعدّة لعروض الصحّة و الاعتلال لذاتها في علم الصرف، و نحو ذلك، و امتيازُها إنّما هو بالعوارض و الخصوصيّات الشخصيّة، كامتياز أفراد الإنسان بها مع اشتراكها في الإنسانيّة.

و حينئذٍ: فالقول بأنّ امتياز العلوم إنّما هو بتمايز الموضوعات، لا يستلزم أن يكون كلّ باب أو كلّ مسألة من كلّ علم علماً على حِدة، بل هو لازم للقول: بأن امتياز العلوم إنّما هو بتمايز الأغراض، كما هو مذهبه (قدس سره)؛ لما سبق من أنّ مسائل أغلب العلوم دُوِّنت تدريجاً و أنّ مسائل كلّ علم- كعلم النحو ابتداءً- كانت مُنحصرة في عدّة قليلة منها، ثمّ زِيد عليها تدريجاً بمرور الدهور و كرور الأيام.

و يمكن اختلاف الأغراض في مسائل علم واحد؛ بأنْ اخترع أحد مسألة لأخذ الجائزة، و بعض مسألة اخرى منه للتقرّب إلى اللَّه، و بعض مسألة اخرى للتقرّب إلى‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 22.

18

السلطانِ أو الجاه و الشهرة، و غير ذلك من الأغراض الداعية إلى ذلك، كما هو المشاهد بالعيان، و مع ذلك لا يلزم أن يكون العلم الواحد- المشتمل على مسائل كثيرة، دُوِّنت كلّ واحدة منها لغرض غيرِ الغرض في الآخر- علوماً مُتعدّدةً، كما هو لازم مذهبه (قدس سره): من أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض، و هو كرٌّ على ما فرَّ منه.

و أمّا قولهم: الواحد لا يصدر إلّا من الواحد (1) فهو غير مربوط بهذه المسائل، بل المُراد منه البسيط من جميع الجهات.

ثمّ إنّ الإشكال الذي قدّمناه، ذكره المحقّق السبزواري في «المنظومة» حيث ذكر ما حاصله: أنّه لو كان موضوع علم الفلسفة هو الموجود بما هو موجود، فهو و إنْ صحّ بالنسبة إلى بعض مسائله، كقولهم: الوجود واحد، و الوجود بسيط، و غير ذلك، لكنّه لا يصحّ بالنسبة إلى أكثر مسائله، بل جعل الوجود فيها محمولًا لا موضوعاً، كقولهم: اللَّه تعالى موجود، و الفلك موجود، و القمر موجود و نحو ذلك، فصار الوجود عرضاً لشي‏ءٍ آخر.

ثمّ دفعه بقوله: إنّ المراد من قولهم: اللَّه تعالى موجود، و الفلك موجود، و نحوهما- ممّا جعل الوجود في القضيّة محمولًا- أنّ هذا الوجود هل يتعيَّن بالإلهيّة، أو الفلكيّة و القمريّة، أو لا، فيصير الموجود موضوعاً فيها، فلا إشكال‏ (2).

و ربّما يتوهّم: جريان هذا الدفع لإشكالٍ في المقام أيضاً بأن يقال: لو قلنا إنّ الموضوع لعلم الاصول هو عنوان الحجّة في الفقه‏ (3) فيرد عليه الإشكال بأنّه صحيح بالنسبة إلى قليل من مسائله، و لا يصحّ بالنسبة إلى كثيرٍ من مسائله، مثل قولهم:

خبر الواحد حجّة، و الاستصحاب حجّة، و نحوهما ممّا جعل عنوان الحجّة في القضيّة

____________

(1)- شرح المنظومة (قسم الفلسفة): 132.

(2)- انظر المصدر السابق: 206.

(3)- انظر نهاية الاصول: 12.

19

محمولًا لا موضوعاً، بل الموضوعُ فيها شي‏ءٌ آخر غير أفراد الحجّة.

و حينئذٍ: فلا يصحُّ جعل الحجّة موضوعاً لعلم الاصول، فيدفع هذا الإشكال بما ذكره السبزواري (قدس سره): بأنّ المراد من قولهم: خبرُ الواحد حجّة و نحوه، هل تتعيّن الحجّة بخبر الواحد أو الإجماع و غيره، أو لا؟

و فيه: مع عدم استقامة هذا الدفع في الفلسفة، أنّه غير مستقيم في المقام أيضاً، و لا يحتاج إلى هذه التعسّفات و التأويلات البعيدة عن الأفهام؛ لعدم قيام دليل على أنّه لا بدّ لكلّ علم من موضوع واحد، يتّحد مع موضوعات مسائله عيناً، و عدم الشاهد على أنّه لا بدّ أن يُبحث في كلّ علم عن العوارض الذاتيّة لموضوعه؛ فإنّ الوجوب و الحرمة و نحوهما- ممّا يُبحث عنها في الفقه- ليست من العوارض الذاتيّة للصلاة و الصوم و نحوهما، المُنتزعة عنها لذاتها أو لجزئها أو لأمرٍ مساوٍ لها أو أخصّ، المتّحدة معها خارجاً.

مع أنّ الخارج ظرف سقوط التكليف لا ثبوته، بل الوجوب و نحوه من الأحكام الشرعيّة امور اعتباريّة اعتبرها الشارع تعالى، و تُعتبر عند أمر الشارع بشي‏ءٍ أو زجره عن شي‏ءٍ، و كذلك مسائل الفلسفة، فإنّ قولهم: شريك البارئ ممتنع‏ (1) في قوّة قولهم: شريك البارئ ليس بموجود البتّة، و السالبة المحصّلة عبارة عن الحكم بسلب النسبة على التحقيق، لا نسبة السلب كما في المعدولة، و سلب النسبة قد يصدق بانتفاء الموضوع.

و بالجملة: المحمول في هذه القضايا أمر عدمي، و يستحيل عروض الأمر العدمي على شي‏ءٍ آخر وجودي أو عَدَمي.

و أيضاً: قد يكون بين موضوعات المسائل تباين كلّي أو تضادّ، و قد يكون الموضوع في مسألة أمراً وجوديّاً، و في الاخرى عدميّاً، و من الواضح استحالة وجود

____________

(1)- الحكمة المتعالية 1: 158.

20

جامع لشتات موضوعات هذه المسائل.

و عرفت أيضاً: أنّ الحقّ أنّ المناط في وحدة العلم هو وحدة مسائله سِنخاً، فالمسائل التي بينها وحدة سنخيّة، هي مسائل لعلم واحد، كمسائل علم الفقه، فإنّها مُمتازة بنفسها عن مسائل الفلسفة و غيرها، و الجامع لشتاتها هو أنّ الجميع تشترك في أنّها حكم شرعي إلهي، و لا مجال للسؤال في أنّه: لم لا يُكتب و لا يُبحث عن المسألة الفقهيّة في الكتب الكلاميّة و الفلسفيّة و نحوها، و لا تُذكر في تلك العلوم؟

نعم: يمكن أن يُوجَّه ما ذكروه- من أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و غيرها-:

بأنّ المراد ما هو القدر المشترك منها، الساري في جميع العلوم و بيان الكلّيّة، و ما ذكره في «الكفاية» بأنّ مراده: الامتياز في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت، و كلاهما كما ترى في غاية البُعد.

هذا كلّه في بيان القاعدة الكلّيّة.

و أمّا في خصوص علم الاصول، فهو أيضاً كذلك لا يلزم أن يُبحث فيه عن العوارض الذاتيّة لموضوع واحد جامع لشتات موضوعات المسائل؛ لكن هل له موضوع كذلك بنحو الاتّفاق مع عدم لزومه، أو لا؟ سيجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى.

21

الأمر الثالث في تعريف علم الاصول و ضابطة مسائله‏

عرّفه القدماء: بأنّه العلم بالقواعد المُمهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة (1).

و اورد عليه: بخروج كثير من المسائل الاصوليّة عنه، كالظنّ على الحكومة، و مبحث البراءة، و غيرهما ممّا لا يقع في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة، و إنّما ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل‏ (2).

و بأنّ التقييد بالممهّدة غير سديد؛ لأنّ كثيراً من المسائل الاصوليّة ليست كذلك، كمبحث المشتقّ، و دلالة الأمر على الوجوب و عدمها، و مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي، و غيرها ممّا لم يمهّد لاستنباط الأحكام الشرعيّة بالخصوص‏ (3) فإنّها قواعد علميّة كلّيّة، و وقوعها في طريق الاستنباط من فوائدها المترتِّبة عليها، لا أنّها مُمهّدة لذلك فقط، و من الفوائد المترتِّبة عليها فهم المُراد في اجتماع الأوامر و النواهي الصادرة من الموالي العُرفيّة.

و سلك بعضٌ هنا مسلكاً آخر بتمهيد مقدّمة: هي أنّ بعض العلوم متقدّمٌ على بعض آخر، و بينها ترتيب خاصّ، فإنّ علم اللّغة مُتقدِّم في الرتبة على النحو، و النحو مُتقدِّم كذلك على علم الرجال، و الرجال مُتقدِّم كذلك على الاصول، و الاصول مُتقدِّم‏

____________

(1)- انظر قوانين الاصول 1: 5، هداية المسترشدين: 12، الفصول الغرويّة: 9.

(2)- انظر كفاية الاصول: 23- 24، درر الفوائد: 32.

(3)- انظر مقالات الاصول 1: 10- 11.

22

على الفقه، و الفقه مُتأخِّر عن الجميع.

ثمّ ذكر أنّ ما هو المتأخّر عن جميع العلوم المُتقدّم على علم الفقه هو علم الاصول، و أمّا العلوم المتقدِّمة عليه فهي خارجة عن القواعد الاصوليّة.

و بعبارة اخرى: كلّ قاعدة تقع كبرى القياس في استنباط الأحكام الشرعيّة فهي من علم الاصول، و ما لا يقع من القواعد كبرى له- بل صغرى القياس- فهو خارج عن ضابطة المسائل الاصوليّة، كالبحث في علم اللّغة عن «الصعيد» و أنّه موضوع للتراب الخالص، أو مطلق وجه الأرض‏ (1).

أقول: و هذا أشكل من الأوّل؛ فإنّه يرد عليه:- مُضافاً إلى ما اورد على الأوّل- أنّ دعوى الترتيب الخاصّ المذكور بين العلوم المذكورة، و تقدُّم بعضها على بعض بحسب الرتبة، ممّا لا شاهد عليها، بل هي كلّها دخيلة في استنباط الأحكام الشرعيّة في عَرض واحد، حتّى أنّه يمكن تحصيل علم الاصول أوّلًا، ثمّ علم الرجال و غيره.

و ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره) في مبحث الاستصحاب طريقاً آخر لمعرفة ضابطة المسائل الاصوليّة: و هو أنّ كلّ مسألة يحتاج المجتهد بعد البحث عنها و تنقيحها في العمل بها إلى الاجتهاد، فهي من المسائل الاصوليّة، و ما لا يحتاج بعد البحث عنها في العمل بها إلى الاجتهاد، فهي من القواعد الفقهيّة.

و بعبارة اخرى: كلّ مسألة و قاعدة يمكن أن يتعلّق بها العمل بعد تنقيحها بلا احتياج إلى الاستنباط، و يمكن للعوامّ العمل بها، فهي من القواعد الفقهيّة، مثل:

«الخمر حرام» و «الصلاة واجبة»، و ما يحتاج فيها إلى الاستنباط، و لا يتمكّن العوامّ من العمل بها، فهي من المسائل الاصوليّة (2) انتهى.

و فيه أيضاً: أنَّه منقوض بمثل قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 18- 19.

(2)- انظر فرائد الاصول: 320.

23

و عكسها، فإنّها من القواعد الفقهيّة، مع أنّ الضابطةَ المذكورة للمسائل الاصوليّة شاملةٌ لها؛ إذ لا يقدر المكلّف على تطبيقها على مواردها.

و قال في «الدرر» في تعريف علم الاصول: إنّه العلم بالقواعد المُمهّدة لكشف حال الأحكام الواقعيّة المتعلّقة بأفعال المكلَّفين.

و قال بعد أسطر: و إنّما قيَّدنا القواعد بالمُمهّدة لكشف حال الأحكام؛ ليخرج مثل علم النحو و الصَّرف و أمثالهما ممّا يحتاج إليها في طريق كشف الأحكام، و علم الفقه.

أمّا الأوّل: فلأنّ مسائله لم تمهَّد لذلك بالخصوص.

و أمّا الثاني: فلأنّ مسائله هي الأحكام الواقعيّة الأوّليّة، و ليس وراءها أحكام يُستكشف حالُها بتلك المسائل‏ (1) انتهى.

و فيه أيضاً: ما قدّمناه من الإشكال على تعريف القدماء؛ حيث قيّدوا القواعد بالممهّدة، فراجع. نعم، لا يردُ عليه الإشكالات الاخر.

و قال في «الكفاية»: هو صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكنُ أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل‏ (2) انتهى.

و تعبيره ب «الصناعة» لعلّه إشارة إلى أنّ هذا العلم آليٌّ يُتوسَّل به إلى علم آخر، و ليس ممّا فيه ينظر، كالمنطق؛ فإنّه ممّا به يُنظر، فهو آلةٌ لتحصيل علم آخر و اكتسابه، و تركه (قدس سره) لقيد «الممهّدة» لعلّه لما يرد عليه من الإشكال المتقدّم.

لكن يردُ عليه: أنّ التعبير بلفظ «الصناعة» غير سديد من جهةٍ اخرى.

توضيحه: أنّهم اختلفوا في حقيقة العلم و أجزائه، فالمعروف أنّ أجزاء كل علم‏

____________

(1)- درر الفوائد: 31- 32.

(2)- كفاية الاصول: 23.

24

ثلاثة: الموضوعات، و المسائل، و المبادئ‏ (1).

و ذهب بعض إلى أنّ العلم عبارة عن القواعد المذكورة المبحوث عنها فيه، كقولهم: «خبر الواحد حُجّة»، و «الاستصحاب حجّة» و نحوهما، و الأدلّة التي يُستدلّ بها فيه هي المبادئ، كالاستدلال لحجيّة الاستصحاب بخبر زُرارة، و ببناء العقلاء لحجيّة خبر الواحد.

و حينئذٍ نقول: إنّ الظاهر من كلامه (قدس سره) في تعريف علم الاصول هو العكس؛ حيث جعل نفس العلم عبارة عن الصناعة التي يُعرف بها القواعد التي يُمكن أن تقع في طريق الاستنباط، لا نفس القواعد، بل جعلها من المبادئ، و لم يُعهد ذلك لأحدٍ من الاصوليين، فهذا التعريف من هذه الجهة أسوأُ حالًا من التعاريف الاخر.

و قال المحقّق العراقي في «المقالات» ما حاصله: أنّ كلّ مسألةٍ يُفهم منها حكمٌ من الأحكام الشرعيّة، أو يُفهم منها كيفيّة تعلّق التكاليف بالموضوعات، فهي من المسائل الاصوليّة.

و الأوّل: كالبحث عن حجيّة خبر الواحد.

و الثاني: كالبحث عن الألف و اللّام، و ألفاظ العموم مثل لفظ «كلّ» و كالمطلق و المقيّد؛ حيث إنّه إن قلنا: إنّ المُطلق حقيقة في الماهيّة لا بشرط، يُعلم منه أنّه تعلّق الأمر مثلًا بها، و أنّ المطلوب هي نفس الطبيعة و الماهيّة و هكذا، و كلّ مسألة ليست كذلك فهي من القواعد الفقهيّة (2) انتهى حاصله.

و هذا أيضاً منقوض بمسائل علم اللّغة؛ حيث إنّه يُبحث فيه عن معنى الصعيد مثلًا، أو معنى الفعل في أنّه هل يدلّ على الصدور اختياراً، أو لا؟ فيكشف به كيفيّة تعلّق الأوامر و النواهي به، و يُعلم منه أنّ قوله: «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» أنّ‏

____________

(1)- شرح الشمسيّة: 185، حاشية ملّا عبد اللَّه: 150، هداية المسترشدين: 18.

(2)- مقالات الاصول 1: 10- 11.

25

الإتلاف الغير الاختياري مُوجب للضمان، أو لا؟

و كنت أظنّ سابقاً أنّ ضابطة المسائل الاصوليّة، هي أنّ كلّ مسألة تقع كُبرى القياس و نسبتها إلى النتيجة نسبة الكُلّي إلى المصاديق، فهي من المسائل الاصوليّة، مثل قولنا: «هذا خبر الواحد، و كلّ خبر الواحد حجّة، فهذا حجّة» فإنّ نسبة الكبرى المذكورة إلى النتيجة نسبة الطبيعي إلى مصاديقه.

و لهذا يرد على الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة للقياس الاقتراني إشكال الدور المشهور (1) و يدفع بالإجمال و التفصيل، أو باختلاف العنوانين، بخلاف المسألة الفقهيّة، فإنّ نسبتها إلى النتيجة ليست كذلك؛ أي نسبة الكلّي إلى المصداق، كما في «كلّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده» فإنّه يُقال في القياس: إنّ الإجارة مثلًا يُضمن بصحيحها، و كلّ ما هو كذلك يُضمن بفاسده، فالإجارة يُضمن بفاسدها، و كذلك البيع.

و ليس نسبة هذه الكبرى إلى النتيجة المذكورة نسبة الطبيعي إلى مصاديقه؛ حيث إنّ البيع و الإجارة كليّان، لا من الجزئيات و المصاديق.

لكن فيه أيضاً إشكال، فإنه يبحث في الفقه عن البيوع و الإجارات الخارجية.

و الذي يقتضيه دقيق النظر: هو أنّ كثيراً من المسائل المبحوث عنها في علم الاصول خارجة عنه، و ليست من مسائله، و ذلك كمبحث المشتقّ، و حجّيّة الظواهر، و أنّ الأمر هل يدلّ على الوجوب أو لا، و النهي على الحرمة، و مباحث صيغ العموم، و أنّ الألف و اللّام للاستغراق أو لا؟ إلى غير ذلك من نظائرها، فإنّها في الحقيقة من المسائل اللّغويّة؛ إذ لا فرق بينها و بين البحث عن معنى الصعيد و نحوه، و إنّما ذكروها في الاصول لنكتةٍ، و هي أنّها ممّا يعمّ بها البلوى، و يحتاج إليها في جميع أبواب الفقه أو أكثرها، و لأهميّة الاجتهاد فيها؛ لعدم اعتمادهم فيها على اجتهاد اللّغويّين، و بعض من المسائل المبحوث عنها في علم الاصول من المباحث الفقهيّة، كقاعدة أصالة الحِلّيّة،

____________

(1)- شرح المنظومة (قسم المنطق): 79.

26

و قاعدتي الفراغ و التجاوز عن المحلّ و نحوها، فمع خروج المباحث عن الاصول يمكن أن يعرّف: بأنّه قواعد كلّيّة آليّة يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الحكم الشرعي، أو كبرى لاستنتاج الوظيفة الشرعيّة العمليّة.

فبقولنا: «القواعد الكلّيّة» تخرج المباحث اللّغويّة و الرجاليّة كلّها؛ إذ ليست هي قواعدَ كلّيّة.

و قولنا: «آليّة» فصل آخر يَخرج به القواعدُ الفقهيّة، كقاعدة الطهارة، و أصالة الحِلّيّة و نحوهما، فإنّ العلم بها ليس آلة لاكتساب علم آخر، بخلاف البحث عن حُجيّة خبر الواحد، فإنّها ليست مطلوبةً بالذات، بل ليُتوسّل بها إلى إثبات حكم شرعي هو المطلوب بنفسه.

و قولنا: «يمكن أن تقع ...» لإدخال القياس؛ فإنَّه و إن لم يكن حُجّةً، إلّا أنّ البحث عنه من المسائل الاصوليّة، و لا يستحيل وقوعه في طريق الاستنباط، و لإخراج المسائل النحويّة؛ إذ لا تقع هي كبرى الاستنباط.

و قولنا: «أو كبرى لاستنتاج الوظيفة ...» لإدخال الظنّ على الحكومة و غيره؛ ممّا لا يقع كبرى لاستنتاج الحكم الشرعي، بل يُنتهى إليه في مقام العمل.

و إنّما لم نقتصر على الجملة الأخيرة، و هي قولنا: «يمكن أن تقع كبرى لاستنتاج الوظيفة الشرعيّة ...» و أضفنا الجملة التي قبلها؛ حذراً من خروج أغلب مسائل علم الاصول ممّا لا يُنتهى إليها في مقام العمل، بل تقع كبرى للقياس في استنباط الحكم الشرعي، كالبحث عن حجيّة خبر الواحد و نحوه.

27

الأمر الرابع في الوضع و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في معنى الوضع‏

و هو في اللّغة عبارة عن جعل شي‏ءٍ لشي‏ءٍ، كجعل اللّفظ للمعنى، فيحتاج إلى الواضع و الموضوع و الموضوع له.

و قد يُدّعى: أنّ بين اللّفظ و المعنى مناسبةً ذاتيّة قبل الوضع؛ بحيث يلزم من تصوّره تصوّر المعنى‏ (1).

و قد يُدّعى: وجود المناسبة الذاتيّة بينهما، لكن لا بحيث يلزم من تصوّره تصوّر المعنى.

و استُدِلّ عليه: بأنّه لو لم يكن كذلك لزم الترجيح بلا مرجِّح؛ لأنّ الألفاظ كثيرة، و كذلك المعاني، و لا خصوصيّة لهذا اللّفظ بالنسبة إلى هذا المعنى دون غيره، فلا بدّ من مناسبة بين اللّفظ و المعنى ذاتيّة؛ ليوضع هذا اللّفظ من بين الألفاظ لهذا المعنى من بين المعاني، و إلّا يلزم الترجيح بلا مرجّح.

و من هنا ذهب بعضهم إلى أنّ الواضع هو اللَّه تعالى بالوحي إلى نبي، أو الإلهام إلى وصي نبي؛ لعدم اطّلاع غيره تعالى على تلك المناسبات بين الألفاظ و المعاني‏ (2).

____________

(1)- انظر مفاتيح الاصول: 2، و المحصول في علم الاصول (للرازي) 1: 57.

(2)- انظر فرائد الاصول 1: 30- 31.

28

و فيه: أنّه يكفي في المرجّحيّة اختيارُ الواضع لفظاً خاصّاً لمعنىً خاصّ، و ترجيحه له لبعض المناسبات و الجهات الموجودة في نظر الواضع و لو لم تكن ذاتيّة، مع أنّ لزوم الترجيح بلا مرجّح- مع قطع النظر عن ذلك أيضاً- ممنوع.

هذا، مع قيام البرهان على خلافه، فإنّا لو فرضنا معنىً بسيطاً من جميع الجهات، وُضعت له ألفاظ متعدِّدة، مثل «اللَّه» تعالى في اللّغة العربيّة، و لفظ «خدا» في الفارسيّة، و نحو ذلك في اللّغات الاخر، فلو كان لكلّ من هذه الألفاظ مناسبة ذاتيّة مع الذات المقدَّسة، للزم وجود جهات عديدة فيه تعالى، و هو خلاف فرض أنّه تعالى بسيط من جميع الجهات.

و قد يُقال: بتحقّق المناسبة بينهما بعد الوضع بسببه.

قال في «الدرر»: الوضع عبارة عن التزام الواضع و تعهّده بأنَّه متى أراد إفهام الغير لمعنىً تكلّم بلفظ كذا، فإذا التفت المخاطب إلى هذا الالتزام، ينتقل إلى ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ منه، فوجود العلاقة بين اللّفظ و المعنى نتيجة ذلك الالتزام‏ (1).

لكن قد عرفت أنّ الوضع ليس إلّا عبارة عن جعل اللّفظ للمعنى، و أمّا الالتزام المذكور في كلامه فهو من المُستعملين، لا من الواضع.

و قال في «الكفاية»: الوضع نحو اختصاص للّفظ بالمعنى و ارتباطٍ خاصّ بينهما ناش من تخصيصه به تارةً، و كثرة استعماله فيه اخرى‏ (2).

و قال في موضع آخر ما حاصله: أنّ قُبح المعنى و حسنه يسريان إلى اللّفظ و يصير حَسناً أو قبيحاً؛ لأنّ اللّفظ يصير فانياً فيه عند الاستعمال‏ (3) انتهى.

و قد عرفت ممّا ذكرنا الجواب عن ذلك، و ما ذكره من السراية ممنوع، و اشمئزاز

____________

(1)- درر الفوائد: 35.

(2)- كفاية الاصول: 24.

(3)- المصدر السابق: 53.

29

النفس و تنفّرها من بعض الألفاظ، إنّما هو لتصوّرها معناه القبيح و حضوره في الذهن عند استماع اللّفظ أو تصوّره، فيتخيّل أنّ اللّفظ قبيح.

و يدلّ على ذلك عدم النفرة من الألفاظ الموضوعة لتلك المعاني القبيحة في لغةٍ اخرى؛ لعدم الاطّلاع على وضعها لها.

ثمَّ إنَّ الوضع إمّا بالتصريح من الواضع بقوله: «إنّي وضعت هذا اللّفظ لهذا المعنى»، أو بالكناية، كما إذا ولد له ولد، فقال: «أعطني عليّاً» مثلًا فإنّه كناية عن وضعه له و جعل اسمه كذا.

و أمّا كثرة الاستعمال حتّى صار حقيقةً فيه، فهو ليس من أقسام الوضع كي يقسّم إلى التعييني و التعيّني.

المبحث الثاني: في الواضع‏

فاعلم: أنّ الألفاظ وضعت متدرّجةً بمرور الدهور و الأعصار، فإنّ البشر كان يقتصر ابتداءً في عيشه بما يسدّ به الرمق، و يرفع الجوع، و بما يقضي حاجته من سائر أسباب المعيشة من الظروف و الألبسة و نحوهما، فوضعوا للمعاني المقصود إفهامها المحتاج إليها في معاشهم و حياتهم ألفاظاً خاصّةً معدودةً، و هكذا كلّما احتاجوا إلى إفهام معنىً من المعاني للغير وضعوا له لفظاً.

فأوضاع الألفاظ للمعاني إنّما وقعت تدريجاً بمرور الأيّام و الأعوام، لا أنّه وضعها شخص خاصّ معيّن دفعةً واحدة و في زمانٍ واحدٍ، كما تُوهّم ذلك‏ (1) ليرد عليه: أنّه خارج عن الطاقة البشريّة؛ لعدم تناهي الألفاظ و المعاني، و فرّعوا عليه أنّ‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 30- 31.

30

الواضع هو اللَّه تعالى شأنه لا غير (1) مع أنّه لو اريد من عدم التناهي معناه الحقيقي فهو ممنوع؛ لتناهي الألفاظ و المعاني بهذا المعنى.

و إن اريد منه الكثرة- أي معناه العرفي- فهو مُسلّم، إلّا أنّك قد عرفت أنَّ الألفاظ قد وضعت للمعاني تدريجاً، لا دفعةً من واضع واحد.

فاتّضح بذلك: أنّ الواضع ليس هو اللَّه تعالى، و لا النبي، و لا وصي نبي، و لا شخص واحد معيّن، بل أشخاص متعدّدة تدريجاً، كما نشاهد بالعيان وضع بعض الألفاظ في زماننا هذا لمعانٍ جديدة مُخترعة لم تكن سابقاً، و هو السرّ في وقوع الألفاظ المشتركة و المترادفة؛ حيث إنّ الواضع للّفظ لمعنىً من المعاني وضعه له من دون اطّلاعه على وضع شخص آخر لفظاً آخر لذلك المعنى أو وضع هذا اللّفظ لمعنىً آخر.

المبحث الثالث: في أقسام الوضع‏

و قسّموه إلى أربعة أقسام: لأنّ الوضع و الموضوع له إمّا عامّان، أو الوضع عامّ و الموضوع له خاصّ، أو بالعكس، أو كلاهما خاصّ‏ (2).

و حيث إنّه لا بُدَّ في الوضع من تصوّر المعنى الموضوع له، فإمّا أن يتصوّر الواضع معنىً كلّيّاً، و يضع اللّفظ لهذا المعنى الكلّي، فهو القسم الأوّل، و إن تصوّر معنىً جزئياً، و وضع لفظاً خاصّاً لهذا المعنى الجزئي، فهو الأخير، و إن تصوّر معنىً كلّيّاً، و وضع اللّفظ بإزاء أفراده و جزئيّاته، فهو القسم الثاني، و إن تصوّر معنىً جزئيّاً، و وضع اللّفظ بإزاء كلّيّه، فهو القسم الثالث.

لا إشكال عندهم في ثبوت القسم الأوّل و الأخير، و إنّما الإشكال و الخلاف‏

____________

(1)- انظر الفصول الغرويّة: 23.

(2)- الفصول الغرويّة: 16، هداية المسترشدين: 29- 30، مقالات الاصول 1: 18- 19.

31

عندهم في القسم الثاني و الثالث، فذهب في «الكفاية» إلى ثبوت القسم الثاني لا الثالث؛ مُحتجّاً بأنّ العامّ صالح لأن يصير آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو عامّ، فإنّه وجهها، و معرفة وجه الشي‏ء هو معرفته بوجهٍ، بخلاف الخاصّ، فإنّه بما هو خاصّ ليس وجهاً للعامّ و لا لسائر الأفراد، فلا يكون معرفته و تصوّره معرفةً للعامّ و لا لها أصلًا و لو بوجه‏ (1).

لكن يرد عليه:

أوّلًا: أنّه إن أراد أنّ العامّ آلة للحاظ أفراده و حاكٍ عنها بخصوصيّاتها الشخصيّة، فهو ممنوع؛ لتباين الأفراد المُتشخّص كلٌّ بخصوصيّاته، مع أنّ العامّ من حيث هو عامّ كيف يحكي عنها بخصوصيّاتها؟!

لكن لا يعتبر في الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، حكاية العامّ الملحوظ عن خصوصيّات الأفراد الموضوع لها مُفصّلًا، بل يكفي الحكاية عنها و لو إجمالًا و بوجهٍ؛ بحيث يلزم من لحاظ العامّ و تصوّره الانتقال إلى تصوّر الأفراد و لو إجمالًا.

و حينئذٍ: فيمكن لحاظ الأفراد حين الوضع بخصوصها، و وضع اللّفظ بإزاء العامّ و كلّيّها- أي الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ- لحكاية الخاصّ عن العامّ إجمالًا و بوجهٍ، كما أفاده في «الدرر» و مثَّل له: بأنّا إذا رأينا شخصاً و جزئيّاً خارجيّاً من دون أن نعرف تفصيلًا القدرَ المشترك بينه و بين سائر الأفراد، و لكن علمنا باشتماله على جامع مشتركٍ بينه و بين سائر الأفراد، من كلّيّه، كما لو رأينا جسماً من بعيد، و لم نعلم أنّه جماد أو حيوان، و على أي حالٍ لم نعلم أنّه من أي الأنواع، فوضعنا لفظاً لما هو مُشترك مع هذا المرئي في الخارج من العامّ، فالموضوع له هو العامّ قد لوحظ إجمالًا و لو بوجهٍ.

و ليس الوجه في الفرض إلّا الجزئي الملحوظ؛ لأنّ المفروض أنّ الجامع عند

____________

(1)- كفاية الاصول: 24.

32

هذا الشخص لم يُعرف بعدُ، إلّا بعنوان اتّحاده مع هذا الفرد في الخارج.

و بالجملة: كما أنَّ العامّ وجه للخاصّ بالمعنى المتقدّم لمكان اتّحادهما في الخارج، كذلك الخاصّ أيضاً وجه للعامّ لمكان هذا الاتّحاد، نعم مع العلم بالجامع تفصيلًا لا يكون الخاصّ وجهاً له؛ لأنّ العامّ بنفسه متصوّر تفصيلًا، و ملحوظ بنفسه لا بوجهه‏ (1).

نعم: لو قلنا: باعتبار حكاية الملحوظ عن الموضوع له بخصوصيّاته، و عدم كفاية تصوّره الإجمالي، امتنع القسمان للوضع معاً؛ أي الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ و بالعكس، لكن قد عرفت عدم اعتباره.

و ثانياً: أنّه إنْ أراد بقوله: «معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجهٍ» أنّ تصوّر العامّ هو لحاظ تمام أفراده بخصوصيّاتها، فهو محال، لعدم تناهي أفراده، و لا يمكن لحاظ الغير المتناهي تفصيلًا.

و إن أراد أنّ معرفة العامّ معرفة لأفراده إجمالًا و بعنوان أنّها مصاديق العام، فيلاحظ الواضعُ العام، و يضع اللّفظ بإزاء أفراده بعنوان أنّها مصاديقه، فالموضوع له حينئذٍ يصير عامّاً؛ فإنّ عنوان ما هو مصاديق العامّ أيضاً عامّ و كلّي لا جزئي، إلّا أنّه عنوان يشير إلى الأفراد.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في «المقالات» في المقام ما حاصله: أنّ الكلّي الطبيعي على قسمين:

أحدهما: الموجود في الذهن المنتزع عن الأفراد، كطبيعة الإنسان لا بشرط المنتزعة عن الأفراد الخارجيّة.

الثاني: الطبيعة الكلّيّة الموجودة في الخارج بوجودها السِّعي ملصقةً بالأفراد الخارجيّة، ملازمةً لخصوصيّاتها المشتملة على حصصها.

____________

(1)- درر الفوائد: 36.

33

و الدليل على وجود هذا النحو من الكلّي في الخارج هو أنّ الطبيعي الأوّل بالمعنى الموجود في الذهن ليس مُنتزعاً من الأفراد الخارجيّة و الحصص الكائنة فيه، و معلولًا للأفراد، فلو لم يكن لأفرادٍ جامعٌ مشترك فيه، لم يمكن انتزاع الطبيعة الذهنيّة منها؛ لأنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، فهذه الطبيعة بالنسبة إلى الأفراد الملصقة بها بمنزلة الآباء بالنسبة إلى أبنائهم، و الطبيعة الاولى بمنزلة أب الآباء.

و إن شئت توضيح ذلك فقسهُ بوحدة الوجود.

إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ الواضع إمّا يلاحظ الطبيعة بالمعنى الأوّل، فيضع اللّفظ لها، فهو المعروف من الوضع العامّ و الموضوع له العامّ.

و إن لاحظ الطبيعة بالمعنى الثاني الموجودة في الخارج ملصقةً بالأفراد، و لها نحو اتّحاد فيه، و وضع اللّفظ لها، فهو قسم آخر من الوضع العامّ و الموضوع له العامّ.

ثمّ قال: و من دقّق النظر في هذا الكلام و تأمّل فيه، يجده صحيحاً، و يصدّق المبنى و البناء. و سيأتي ما يشير إلى ذلك‏ (1) انتهى.

أقول: و ما وعده قد ذكره في باب المعاني الحرفيّة، و جعلها من القسم الثاني من الوضع العامّ و الموضوع له العامّ‏ (2).

و إنّي كلّما دقّقتُ النظر و تأمّلتُ فيما ذكره زاد لي وضوحاً في أنّ ما ذكره من البناء و المبنى و تطبيق المعاني الحرفيّة على ما ذكره غير صحيح:

أمّا أوّلًا: فلأنّه إن أراد من قوله: «إنّ الأفراد الخارجيّة مشتملة على الحصص من الطبيعة» أنّ للطبيعة قطعاتٍ، و أنّ كلّ واحدٍ من الأفراد مشتمل على قطعة منها، كما هو مقتضى تعبيره ب «الحصة»، فهو واضح البطلان؛ بحيث لا يحتاج إلى البيان، فلا بدّ

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 17- 18.

(2)- نفس المصدر 1: 23.

34

أن يريد ما ذكره الرجل الهمداني‏ (1) و صنّف الشيخ في ردّه رسالة (2).

و إن أراد: أنّ في الخارج شيئاً واحداً تشترك فيه جميع الأفراد، فهو أيضاً محال؛ لأنّه لا يمكن أن يوجد في الخارج إلّا الواحد بوحدةٍ عدديّةٍ، و أمّا الواحد بوحدةٍ سنخيّةٍ فلا موطن له إلّا الذهن، و لا يمكن وجوده في الخارج، كما أنّ الواحد العددي لا يمكن وجوده في الذهن، فوجود شي‏ءٍ واحدٍ في الخارج تشترك فيه الأفراد مُلصقاً بها بوحدةٍ سنخيّةٍ اعتباريةٍ من المحالات.

و التحقيق: أنّ الكلّي الطبيعي كثير في الخارج؛ بمعنى أنّ كلّ واحدٍ من الأفراد- كزيد و عمرو و غيرهما من الأفراد- تمام ماهيّة الإنسان بدون زيادة و نقصان تُحمل على كلّ واحدٍ من الأفراد بالحمل الشائع؛ الذي يكون المناط فيه الاتّحاد خارجاً و التغاير بين الموضوع و المحمول ذهناً، فزيد الموجود في الخارج تمام ماهيّة الإنسان و طبيعته، و كذا سائر الأفراد، مع التباين بين الأفراد في الخارج.

و إن لُوحظت الطبيعة مجرّدة عن الخصوصيّات الشخصيّة، كما في صورة الغفلة عن الخصوصيّات الفرديّة، فهي الطبيعة لا بشرط، و لا موطن لها إلّا الذهن، لا في حاقّه بل في تحليله العقلي.

و أمّا ما استدلّ به على ما ذكره: من انتزاع الكلّي من الأفراد ... إلى آخره، فلا يخفى ما فيه، إذ ليس المراد انتزاع أمر خارجي من الأفراد الخارجيّة و إيطانه في الذهن؛ بأن يوقع ذلك الأمر الخارجي في الذهن، بل المراد من الانتزاع تجريد الأفراد عن الخصوصيّات الفرديّة، كما إذا لُوحظ ماهيّة الإنسان مع الذهول و الغفلة عن‏

____________

(1)- رسائل ابن سينا: 463 و ما بعدها، الحكمة المتعالية 1: 273، شرح المنظومة (قسم الفلسفة): 99.

(2)- مذكورة في رسائله باسم «رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام»، رسائل ابن سينا: 462.

35

الخصوصيّات الشخصيّة و المشخّصات الخارجيّة، فالملحوظ حينئذٍ هو نفس الطبيعة.

و إنّما قيّدنا بصورة الذهول عن الخصوصيّات؛ إذ مع الالتفات و التوجّه إلى الخصوصيّات الفرديّة يستحيل انتزاع الطبيعة من الأفراد.

و أمّا قولهم: «الواحد لا يصدر إلّا من الواحد» (1) فهو أجنبي عن المقام؛ فإنّ محلّه الواحد البسيط من جميع الجهات، و قد ثبت في محلّه بالبرهان: أنّ البسيط من جميع الجهات لا يصدر منه إلّا الواحد، و لا يصدر إلّا من الواحد.

و الإيراد عليه: بما يُشاهد بالوجدان من صدور الواحد من الاثنين كتسخّن الماء بالشمس و النار معاً، أو قتل واحد بسهمين، أو السراجين يضيئان بيتاً واحداً و نحو ذلك، فهو ناش عن الخلط بين المسألة العقليّة و العرفيّة، و القاعدة كما عرفت إنّما هي في البسيط من جميع الجهات، لا كلّ واحدٍ، مثل الأمثلة المذكورة.

و بالجملة: كلّما تأمّلتُ فيما ذكره، و دقّقتُ النظر فيما أفاده، ازداد الإشكال على ما ذكره، و الاطمئنان بعدم استقامته مبنى و بناءً و تطبيقاً للمعاني الحرفيّة عليه.

فتحصّل: أنّ الوضع العامّ و الموضوع له العامّ ليس له إلّا قسم واحد.

و هنا إشكال لو لم يكن دافعٌ له يلزم منه انتفاء الوضع العامّ، سواءً كان الموضوع له عامّاً أم خاصّاً، و هو أنّ الكلّي الملحوظ في الذهن- كالإنسان المتصوَّر في الذهن- من الموجودات الذهنيّة، سواء لُوحظ وجوده فيه، أم كان مغفولًا عنه، فهو جزئي حقيقي ذهني.

كما أنّ زيداً جزئي خارجي، فلا يمكن صدقه على الأفراد الخارجيّة؛ فإنّه أيضاً من أفراد طبيعة الإنسان المحمولة عليه بالحمل الشائع و شي‏ء موجود بالفعل، و يمتنع حمل شي‏ء خارجي بالفعل على آخر كذلك؛ لأنّ قضيّة هذا الحمل هو الاتّحاد في الخارج، و الشيئان الفعليّان يمتنع اتّحادهما فيه مع بقاء الشيئيّة الفعليّة لكلّ واحدٍ

____________

(1)- شرح المنظومة (قسم الفلسفة): 132.

36

منهما، و مع عدم بقائها في أحدهما، فليس هو شي‏ء حتّى يتّحد مع الآخر، و كذا مع انتفائها فيهما.

فانقدح بذلك: امتناع حمْل الموجود في الذهن على الموجود في الخارج، و كلُّ ما يوجد في الذهن فهو جزئي لا كلّي، و حينئذٍ يلزم انتفاء الوضع العامّ رأساً.

و يمكن دفعه: بأنّ الملحوظ في الذهن أوّلًا و بالذات و إن كان جزئياً حقيقياً ذهنياً كالإنسان الملحوظ، لكنّه مرآة لطبيعة الإنسان اللّابشرط، و هي ملحوظة ثانياً و بالعرض، فيمكن بهذا اللّحاظ وضع لفظٍ بإزائها أو بإزاء أفرادها.

ثمّ إنّهم مثّلوا للوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ بالأعلام الشخصيّة (1) و هو لا يخلو عن إشكالٍ و إن أرسلوه إرسال المسلّمات؛ حيث إنّ لفظ «زيد» مثلًا لو كان موضوعاً للهويّة الشخصيّة الخارجيّة التي يحمل عليها «الحيوان الناطق» بالحمل الشائع، لزم التجوّز في قولنا: «زيد موجود» فإنّه بمنزلة قولنا: «زيد الموجود موجود» و يلزم منه عدم صحّة قولنا: «زيد معدوم» لأنّ مرجعه إلى قولنا: «زيد الموجود معدوم» و كذا قولنا: «زيد إمّا موجود أو معدوم».

و التّوالي كلّها فاسدة؛ لعدم الفرق بين قولنا: «زيد موجود» و بين قولنا: «زيد ابن عمرو» في أنّه لا تجوّز في واحدٍ منها، و لو وضع اللّفظ للماهيّة الملحوظة التي لم تكن فكانت- التي هي مرآة للهويّة الشخصيّة الخارجيّة- لزم أن يكون الوضع و الموضوع له كلاهما عامّين فيه؛ لإمكان صدق تلك الماهيّة على كثيرين، و إن لم يوجد لها إلّا فرد واحد؛ لوضوح عدم اعتبار الصدق على كثيرين بالفعل، بل إمكان الصدق عقلًا و إن لم يوجد له فرد في الخارج أصلًا، كشريك البارئ، فإنّ مفهومه في عالم‏

____________

(1)- هداية المسترشدين: 29، الفصول الغرويّة: 16، مقالات الاصول 1: 17.

37

المفهوميّة ممكن الصدق على كثيرين، و لا يأبى عنه، إلّا أنّ البرهان العقلي القطعي قام على امتناع وجود فرد منه في الخارج، و قد يوجد من الكلّي في الخارج فرد واحد فقط، كالبارئ جلّت عظمته.

تبصرة:

قد يسبق إلى الأذهان أنَّ المراد بالعموم في الوضع العامّ، هو ما يقابل الخصوص في الوضع الخاصّ، و أنّه يُلاحظ العامّ بما هو عامّ و يُوضع اللّفظ بإزائه‏ (1) لكنّ الظاهر أنّه ليس كذلك، بل المراد بالعامّ فيه هو نفس الطبيعة الملحوظة باللّحاظ العرضي من حيث هي، لا من حيث إنّها كلّيّة فإنّها من حيث هي لا كلّيّة و لا جزئيّة، و لا موجودة و لا معدومة، بل ليست إلّا هي، و لذلك قد تكون جزئيّة، و قد تكون كلّيّة، موجودة أو معدومة، فالموضوع له في الوضع العامّ و الموضوع له العامّ هو نفس الطبيعة، لا الطبيعة الكلّيّة، في قبال الخاصّ بما هو خاصّ.

و يشهد لما ذكرناه تمثيلهم له بأسماء الأجناس‏ (2) الموضوعة للطبائع نفسها، و لو أنّ الموضوع له فيها هو الطبيعة بما أنّها كلّيّة، امتنع صدقها على الأفراد الخارجيّة مع صدق أسماء الأجناس عليها.

و حينئذٍ: فتسمية هذا القسم ب «الوضع العامّ و الموضوع له العامّ» على خلاف الاصطلاح في لفظ «العامّ» و مسامحة فيه.

و مُقتضى ما ذكرنا زيادة قسم خامس للوضع، هو أن يكون الوضع و الموضوع له هو طبيعي المعنى.

____________

(1)- انظر نهاية الدراية 1: 15- 16.

(2)- الفصول الغرويّة: 16، كفاية الاصول: 25، مقالات الاصول 1: 17.

38

المبحث الرابع: في وضع الحروف‏

و قبل الخوض في المطلب لا بدّ من بيان المعنى الاسمي و الحرفي، و أنّهما متغايران، خلافاً لبعض؛ حيث زعم أنّهما واحد (1).

فنقول: الموجودات الخارجيّة مختلفة في كيفيّة وجودها، فالجواهر موجودة في الخارج بنفسها استقلالًا، و يُشار إليها إشارة حسّيّة، كزيد و عمرو و غيرهما، و الأعراض موجودة فيه، و يُشار إليها إشارة حسّيّة أيضاً، لكن لا بنحو الاستقلال، بل تبعاً للغير كالسواد و البياض.

و أمّا الرابط في قولنا: «زيد له البياض» و نحوه، فله أيضاً نحو وجود في الخارج، و حقيقة خاصّة في قبال العدم، إلّا أنّه ليس مثل الجواهر و الأعراض؛ يُشار إليه بالإشارة الحسّيّة، بل هو عبارة عن الكون الربطي الذي يرتبط به الموضوع بالمحمول، و لولاه لم يتحقّق الارتباط بينهما، و كذلك الرابط في قولنا: «زيد على السطح». هذا في الموجودات الخارجيّة.

و أمّا الموجودات الذهنيّة فعالم الذهن أوسع من عالم الخارج، فما يوجد في الخارج مُستقلًاّ كالجواهر، أو تبعاً كالأعراض، يوجد في الذهن أيضاً كذلك، و كذا الكون الرابط بتصوّر قولنا: «زيد له القيام» مثلًا، و يمكن تصوّر الرابط- أي مفهومه- و لحاظه استقلالًا بتصوّر كلّ واحدٍ من «زيد» و «قيام» و الرابط بينهما استقلالًا.

لكن معنى الرابط بهذا اللحاظ معنىً اسمي يحمل عليه مفهوم الرابط بالحمل الأوّلي، و معناه الأوّل حرفي يحمل عليه مفهوم الرابط حملًا شائعاً، و يمكن حكاية الرابط الملحوظ استقلالًا عن الرابط الخارجي الغير المستقلّ.

____________

(1)- كالمحقّق الخراساني في كفاية الاصول: 25.

39

و بالجملة: الموجود في الخارج استقلالًا هو «زيد» و «البصرة» و «الكوفة» في قولنا «سرتُ من البصرة إلى الكوفة» و أمّا الابتداء و الانتهاء فهما و إن كان لهما نحو وجود في الخارج، و ليسا من الامور العدميّة، إلّا أنّ وجودهما ليس مثل وجود «زيد» و «البصرة» و «الكوفة» في الاستقلال و الإشارة الحسّيّة إليه، فلفظتا «من» و «إلى» موضوعتان لهذين المعنيين الغير المستقلّين، بخلاف «زيد» و «البصرة» و «الكوفة».

فاتّضح بذلك: كمال الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفيّ و عدم استقامة ما في «الكفاية» من اتّحاد معنيي الاسمي و الحرفي، و أنّ الاختلاف إنّما هو في كيفيّة الاستعمال‏ (1).

و بعبارةٍ اخرى: الموجودات لها أقسام:

منها: ما له استقلال في الوجود خارجاً و تعقّلًا، كزيد و عمرو و نحوهما.

و منها: ما ليس له استقلال في الوجود الخارجي، لكنّه مستقلّ في التعقّل، و له ماهيّة مستقلّة، كالأعراض من السواد، و البياض و نحوهما.

و منها: ما لا استقلال له أصلًا، لا في الوجود الخارجي، و لا في اللحاظ الذهني، بل وجوده تبعي للغير الخارجي و الذهني، كالنسب و الإضافات الجزئيّة، و ابتداء السير من البصرة و انتهائه إلى الكوفة، و الأوّلان من المعاني الاسمية، و الثالث من المعاني الحرفيّة.

ثمَّ إنّهم اختلفوا في أنّ الحروف كلّها إيجاديّة و إيقاعيّة؛ بمعنى أنّ المتكلِّم يوجد باستعمال ألفاظها معانيها في الخارج و يُنشئها، أو إخطاريّة تحكي عن معانيها في الخارج، أو أنّ بعضها إيقاعيّة و بعضها إخطاريّة:

ذهب الميرزا النائيني (قدس سره) إلى الأوّل على ما في «التقريرات».

و الثاني مذهب الآغا ضياء (قدس سره).

____________

(1)- نفس المصدر: 25.

40

قال الميرزا النائيني (قدس سره) على ما في تقريرات درسه: إنّ الأسماء كلّها إخطاريّة تحكي عن معانيها، بخلاف الحروف فإنّها إيقاعيّة، ك «ياء» النداء و «كاف» الخطاب، فباستعمالهما يوقع النداء و المخاطبة، و لا تحقّق لمعانيهما قبل الاستعمال ليحكيا عنها، بل يُوقَعان و يُنشئان بالاستعمال.

ثمّ ذكر أنّ باقي الحروف كذلك قطعاً انتهى‏ (1).

أقول: ظاهر كلامه أنّ بين الإيقاعيّة و الإخطاريّة تبايناً و تنافياً، لا يمكن اجتماعهما في لفظٍ واحدٍ، و ليس كذلك على تقدير أن يريد من الإخطاريّة خطور معانيها في الذهن؛ فإنّ من الحروف ما تُستعمل لإيقاع معانيها؛ لأنّها إخطاريّة وضعت للدلالة على معانيها، فهي تدلّ على إيقاع النسبة بملاحظة حضور معناها في الذهن، و إلّا فمع قطع النظر عن حصول معناها في الذهن، فمجرّد لفظها مع عدم لحاظ المتكلّم مفهومها و معناها، لا يدلّ على إيقاع معناها.

فالحقّ كما يشهد به الوجدان: أنّ بعض الحروف كذلك؛ يعني أنّها وُضعت لإيقاع لا في الخارج، بل في القضيّة الملفوظة؛ لأنّها تحكي عن معانيها، فإنّه لو قيل:

«سرت، البصرة، الكوفة» أي كلّ واحدٍ منها مفرداً، لا يُفهم منه ابتداء السير من البصرة و الانتهاء إلى الكوفة، فللدلالة على هذا المعنى في القضيّة الملفوظة يُذكر لفظتا «من» و «إلى» فالإيقاع بهذا المعنى لا ينافي الحكاية و الإخطار، بل يحتاج إلى الإخطار بالمعنى المتقدّم.

و من الحروف ما وضعت لإيقاع المعنى و إيجاده في الخارج بالاستعمال، مثل «ياء» النداء و حروف التنبيه و أدوات القسم و نون التأكيد، و ليس في الخارج قبل النداء شي‏ء؛ ليحكي عنه حرف النداء و غيره من الحروف المذكورة، بل باستعمالها يوجد معانيها في الخارج، و الإيقاع بهذا المعنى ينافي الإخطاريّة و الحكاية بخلاف‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 37- 39.

41

المعنى الأوّل.

و أمّا «كاف» الخطاب فقد يقال: إنّها إيجاديّة وضعت لإيقاع المخاطبة في الخارج، و ليس كذلك، بل فيها احتمالان:

أحدها: أنّها موضوعة للدلالة على ذكوريّة المخاطب و انوثيّته، أو وحدته و تثنيته و جمعه مثل: «ذلك» و «ذلكما» و «ذلكم» و «ذلكنّ».

و ثانيهما: أنّها تدلّ على المذكورات من دون أن تكون موضوعة لها، و الظاهر هو الأوّل.

و استدلّ المحقّق العراقي (قدس سره) على ما في تقريرات درسه لإخطاريّة الحروف:

بامتناع إيقاع معانيها التي هي الصور الذهنيّة بها بوجوه:

الأوّل: أنّه مُستلزم للمحال؛ و ذلك لأنّ استعمالها حينئذٍ علّة لوجودها، و العلّة مُتقدّمة على المعلول، فلا بدّ أن يتقدّم الاستعمال على المستعمل فيه، تقدّم العلّة على معلولها، لكن استعمال اللّفظ في المعنى متوقّف على وجود المعنى قبل الاستعمال ليستعمل فيه، فيلزم تقدّم الاستعمال على المستعمل فيه و تأخّره عنه، و هو محال‏ (1).

و فيه: أنّ تقدّم استعمالها على المستعمل فيه بنحو تقدّم العلّة على المعلول أو بالطبع مسلَّم، إلّا أنّا لا نُسلِّم لزوم تقدّم المستعمل فيه في الوجود على الاستعمال في الإيقاع، بل يوقع و يوجد بالاستعمال، فالاستعمال عند القائل بإيقاعيّة الحروف عبارة عن طلب عمل اللّفظ في إيجاد المعنى، و أنّ معناها يوجد بالاستعمال.

نعم: القائل بإخطاريّة الحروف لا بدّ أن يقول بلزوم تقدّم المعنى على الاستعمال لتحكي عن معانيها، بخلاف القائل بإيقاعيّة الحروف.

الثاني: أنّ المدلول بالذات للفظ و معناه الأوّلي هو الصورة الحاصلة من اللّفظ في الذهن، و لا يُعقل حضور الموجود في الخارج في الذهن، فالموجود في الخارج هو

____________

(1)- انظر بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 46.

42

المدلول بالعرض، و المدلول بالذات فانٍ فيه، فلو كانت الحروف إيجاديّة، لزم انتقال الموجود الخارجي إلى الذهن، و هو محال، فلا بدّ أن تكون إخطاريّة موضوعة بإزاء الصورة المعقولة في الذهن‏ (1).

و فيه أوّلًا: النقض بالأعلام الشخصيّة، فإنّه (قدس سره) قائل بأنّها موضوعة للهويّة الشخصيّة الخارجيّة، و على ما ذكره يلزم من استعمالها انتقال الموجود الخارجي إلى الذهن.

و ثانياً: بالحلّ؛ فإنّه لا يلزم من وضع الحروف للمعاني الموجودة في الخارج انتقال الموجود الخارجي- بما أنّه خارجي- إلى الذهن، بل توجد صورته في الذهن، كما أنّه لو اطلق لفظ «زيد» انتقش في ذهن المخاطب صورة وجوده الخارجي، لا الشخص الخارجي بما أنّه خارجي، و لا يلزم انتقال الموجود الخارجي إلى الذهن، و كذلك الحروف.

و ثالثاً: أنّا لا نُسلِّم أنّ شيئاً من الألفاظ موضوعة للموجود في الخارج، حتّى في أسماء الأجناس ك «الإنسان»، فإنّها موضوعة للماهيّة المجرّدة التي هي لا كلّيّة و لا جزئيّة، ملحوظة بالعرض بلحاظ صورتها بالذات، و قد تقدّم عدم اعتبار لحاظ المعنى الموضوع له بالذات، بل يكفي اللحاظ العرضي بسبب لحاظ أمرٍ آخر من مصاديقه، كزيد و عمرو، أو من مصاديق نقيضه، كما في قولنا: «المعدوم المطلق لا يخبر عنه» فيتصوّر للمعدوم المطلق صورة في العقل هي مرآة له و تلك الصورة معقولة بالذات، و المعدوم معقول بالعرض، و تلك الصورة من مصاديق نقيض المعدوم، بناءً على أنّ الصور الذهنيّة من الكيفيّات النفسانيّة، و هي تناقض المعدوم المطلق، و هكذا سائر الأسماء و الحروف، حتّى الأعلام الشخصيّة؛ فإنّ جميعها موضوعة للصور الذهنيّة، لا الأفراد الخارجيّة.

____________

(1)- نفس المصدر السابق 1: 46- 47.

43

الثالث من الوجوه: أنّه لا شبهة في استعمال أدوات النداء و التنبيه و الترجّي و التمنّي و الطلب و نحوها في غير ما هو نداء و تنبيه و ترجّ و تمنّ و طلب بالحمل الشائع، بل كثيراً ما تُستعمل هذه بداعي التشوّق و السخريّة و التودّد و التوجّد (1) و التعجيز و التهديد، و غير ذلك من الدواعي الاخر، كما هو مذكور في محلِّه، و لا ريب في أنّ الموجود بهذا الاستعمال ليس فرداً من أفراد معانيها، فليس استعمال أدوات النداء بداعي التوجّد مثل قوله:

يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرَهُ ... (2).

نداءً بالحمل الشائع، بل توجّداً، و كذلك استعمال الأمر بداعي التعجيز، كقوله تعالى: «كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً» (3) فإنّه ليس طلباً بالحمل الشائع و هكذا.

و حينئذٍ: فإمّا أن يكون استعمال هذه الألفاظ في هذه المعاني مجازاً و بضرب من العناية، و هو ممّا لا يقول به المفصّل، و إمّا حقائق استُعملت في معانيها الموضوعة لها، لكن بداعي أحد هذه الامور المذكورة؛ من التوجّد و التشوّق و غيرهما، فيكون معانيها غير ما يوجد بها حتّى فيما إذا استُعملت بداعي إفادة ما وضعت له‏ (4) انتهى.

أقول: و فيه:

أوّلًا: أنّه لا مانع من الالتزام بالتجوّز، و لا دليل على خلافه.

____________

(1)- يُقال: توجّدت لفلان، أي حزنت له. لسان العرب 15: 220، «وجد».

(2)- هذا صدر بيت و عجزه: و كذلك عمر كواكب الأسحار.

و هذا البيت من قصيدة للفاضل الأديب و الشاعر البليغ البارع أبي الحسن علي بن محمَّد بن الحسن الكاتب التهامي العاملي الشامي، المقتول في تاسع جمادى الاولى سنة 416 ه و له ديوان مشهور طبع في الإسكندرية سنة 1813 م. انظر أمل الآمل 1: 127/ 136، سير أعلام النبلاء 1: 381/ 242، شذرات الذهب 3: 204، الكنى و الألقاب 1: 45.

(3)- الإسراء (17): 50.

(4)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 47.

44

و ثانياً: بالالتزام بالثاني؛ أي أنّها حقائق.

بل التحقيق: أنّ اللّفظ في جميع المجازات مُستعمل فيما وضع له، لكنّه يجعل مَعبراً إلى معنىً آخر، كما في «رأيتُ أسداً يرمي» فإنّ «الأسد» مُستعمل في معناه الحقيقي؛ بدعوى أنّ «زيداً» من مصاديقه، كما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.

و حينئذٍ: فحرف النداء في الموارد المذكورة مُستعمل في معناه الحقيقي، و كذلك حروف التمنّي و الترجّي مستعملة في معانيها الحقيقيّة بداعي التوجّد و التشوّق؛ بادّعاء أنّهما من أفراد النداء و مصاديقه.

فتلخّص: أنّ الحقّ هو التفصيل، و أنّ بعض الحروف إيقاعيّة، و بعضها إخطاريّة، و الوجدان شاهد عليه، و لا دليل على خلافه أيضاً.

نعم يمكن أن يقال: إنّ بعض الحروف ليست إيقاعيّة و لا إخطاريّة، بل من قبيل أسماء الأصوات، كما هو محتمل في حرف النداء.

و قال بعض مُقرري درسه: إنّ الموجودات في العين على أنحاء: منها وجود الجواهر، و منها وجود الأعراض بأقسامها التسعة، المُعبَّر عنها بالوجود الرابطي، و منها ربط الأعراض بموضوعاتها، المُعبَّر عنها ب «الوجود الرابط».

و العرض من حيث افتقاره إلى الموضوع ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: ما يستغني بموضوع واحدٍ، مثل مقولة الكم و الكيف.

و ثانيهما: ما يحتاج في تحقّقه إلى موضوعين يتقوّم وجوده بهما، كمقولة الأين و الإضافة و سائر الأعراض الإضافيّة.

و السيرة العقلائيّة حسب الاستقراء، تدلّ على أنّهم لم يُهملوا معنىً من المعاني التي تدور عليها الإفادة و الاستفادة من جعل الطريق لها.

إلى أن قال: قد وجدنا أنّ الأسماء تدلّ على الجواهر و جملة من الأعراض، و وجدنا الحروف تدلّ على جملة من الأعراض الإضافيّة النسبيّة، و وجدنا الهيئات‏

45

تدلّ على ربط هذا العرض الأيني بموضوعه؛ أعني زيداً، و كذلك هيئة «عالم» و «أبيض» و «مضروب» تدلّ على ربط العرض بموضوع ما، و كذلك بقيّة الحروف، فإنّها تدلّ على إضافة خاصّة و ربط مخصوص بين المفاهيم الاسميّة.

فإن قلتَ: ما ذكرته يمكن تصديقه في مثل لفظة «من» و «إلى» و «على» و «عن» و ما رادفها من الحروف؛ بدعوى وضعها لأصناف مقولة الأين من الأين الابتدائي، و الأين الظرفي، و الأين الاستعلائي، و الأين التجاوزي، و الأين الانتهائي.

لكن يشكل ذلك في أكثر الحروف، ك «ياء» و حروف التأكيد و القسم و نحوها، التي يشكل جدّاً تشخيص كون مدلولها عرضاً من الأعراض.

قلتُ: قد عرفتَ أنّه ينحصر معنى الحروف في الجوهر و العرض، أو ربطه بمحلّه، و لا شبهة في عدم كون معناها من الجواهر، فينحصر في الأعراض و ربطها بمحالّها.

و لا مجال لتوهّم أنّ معاني الحروف في الموارد المذكورة هي ربط الأعراض بمحالّها، و كون نفس الأعراض مدلولة للهيئات على عكس سائر الموجودات، فالاستقراء يحكم بأنّ حال الحروف المذكورة كحال سائر الحروف؛ من أنّها دالّة على الأعراض، و الهيئات دالّة على ربطها بمحالّها، و أمّا تشخيص أنّه من أي أنواع الأعراض، فليس هو بمهمّ في المقام.

إن قلت: إذا كان مدلول الحرف عرضاً نسبيّاً فهو بذاته مرتبط بموضوعه، و عليه فنفس الحرف الدالّ عليه دالّ على الربط كما ذكر.

قلت: الذي يظهر من هذا الإشكال أنّ اللّازم الباطل من القول بوضع الحروف للأعراض النسبيّة إنّما هو تكرار دلالة الجملة المُتضمّنة للحروف على ربط العرض- الذي هو مدلول الحروف- بموضوعه، و لكنّ الأمر ليس كذلك؛ و ذلك لأنّ الحروف تدلّ على العرض المنتسب إلى موضوع ما، و الهيئة تدلّ على ربط ذلك العرض بموضوع معيّن مفصَّلًا.

46

فالهيئة تدلّ على معنىً يستلزم تفصيل ما دلّ عليه الحرف مُبهماً و مُجملًا، كما هو الشأن في دلالة الجمل التي لم تتضمّن حرفاً، مثل «زيدٌ قائمٌ»، فكما أنّ هيئة «قائم» دلّت على ارتباط القيام بموضوع ما، و هيئة الجملة دلّت على ارتباط ذلك العرض ب «زيد»، فكان مدلولها معنىً يستلزم تفصيل ذلك الربط المجمل، الذي دلّ عليه هيئة «زيد قائم» كذلك هيئة جملة «زيدٌ في الدار» فلفظة «في» دلّت على الأين منتسباً إلى موضوع ما، و هيئة الجملة دلّت على ربط ذلك العرض ب «زيد» نفسه، فمدلول الأوّل غير مدلول الثاني، فأين التكرار؟! (1) انتهى محصّله.

و يرد عليه:

أوّلًا: أنّ في كلامه تناقضاً؛ حيث صرّح أوّلًا في صدر كلامه: بأنّ الحروف دالّة على الكون الرابطي؛ أي الأعراض النسبيّة، و أنّها مُستقلّة بالمفهوميّة، و يُستفاد من الجواب عن الإشكال الثاني أنّ الفرق بين مدلول الهيئة و مدلول الحروف بالإبهام و التعيين، فمدلول الحروف هو عين مدلول الهيئة، و مدلول الهيئة هو الكون الرابط على عقيدته، فلا يستقلّ بالمفهوميّة.

و ثانياً: لو سُلّم تحقّق العرض النسبي و الكون الرابطي- مضافاً إلى تحقّق الموضوع و وجوده في الخارج و المحمول و الربط- نقول: قد عرفت أنّ الدالّ على الموضوع مثل: «زيد له القيام» هو لفظ «زيد» و على المحمول لفظ «القيام» و الدالّ على الربط بينهما لفظة «له» و لا يرتبط المحمول بالموضوع إلّا بها، و أمّا الكون الرابطي المعبّر عنه ب «العرض النسبي» فالدالّ عليه أيضاً هو الحرف، لكن لا بالمطابقة، بل بالالتزام.

و ثالثاً: هذا المعنى الذي ذكره للحروف مستقلّ بالمفهوميّة و التعقّل، فهو معنىً اسمي لا حرفي؛ فإنّ الأعراض النسبيّة طرف للربط أي المسند، و الطرف الآخر هو المسند إليه، و لا يمكن إسناد المعنى الحرفي إلى غيره، فما أفاده في المقام غير مُستقيم.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 49- 52.

47

و قد عرفت أنّ التحقيق: هو أنّ بعض الحروف موضوعة للدلالة على تحقّق الربط في الخارج، مثل: «زيد له القيام»، أو «سرتُ من البصرة إلى الكوفة»، و أمّا القضايا التي لا تشتمل على الحرف، فالدالّ على الربط فيها هو الحمل في مثل: «زيد قائم» و أنّ بعض الحروف موضوع لإيقاع معناها و إيجاده في الخارج بالاستعمال، ك «ياء» النداء و حروف القسم و التنبيه و الردع و نحوها.

ثمَّ إنّ وضع الحروف من أي قسم من أقسام الوضع؟

ذهب في «الكفاية»: إلى أنّ الوضع و الموضوع له و المُستعمل فيها عامّ، كما في أسماء الأجناس، و أنّ الخصوصيّة إنّما جاءت من قبل الاستعمال بتصرّف الواضع في الاستعمال؛ حيث وضع لفظ «الابتداء» ليراد منه عند الاستعمال معناه الاسمي بنفسه، و وضع لفظة «من» ليراد منها معنى الابتداء أيضاً، لكن لا بنفسه، بل بما أنّه حالة و آلة لملاحظة الغير، فهما مُترادفان، إلّا أنَّه لا يجوز استعمال أحدهما في مورد الآخر.

و الدليل على ذلك: هو أنَّه لو كان الموضوع له و المستعمل فيه أو كلاهما خاصّاً، فالخصوصيّة: إمّا خارجيّة، أو ذهنيّة.

فعلى الأوّل: يُشكَل بأنّ الحروف كثيراً ما تستعمل في المعاني الكلّيّة مثل:

«سِرْ من البصرة إلى الكوفة» حيث إنّ السير و الابتداء قابلان للصدق على كثيرين.

و على الثاني فيُشكَل أيضاً:

أوّلًا: بأنّ لحاظ الحروف حالة لغيرهما كلحاظ الاسم مستقلًا، فكما أنّ لحاظ الاستقلاليّة ليس مُعتبراً في الموضوع له في الأسماء أو المستعمل فيه فيها، كذلك لحاظ أنّها حالة للغير في الحروف.

و ثانياً: يلزم امتناع صدقه على الخارج؛ لأنّه كلّي عقلي حينئذٍ، فيمتنع الامتثال في مثل قوله: «سِرْ من البصرة إلى الكوفة» إلّا بالتجريد.

و ثالثاً: باستلزامه المحال، و هو اجتماع اللحاظين؛ فإنّ لحاظ كونه حالة للغير

48

إن كان مأخوذاً في الموضوع له أو المستعمل فيه، و صار جزءاً له لزم لحاظه عند الاستعمال؛ إذ لا بدّ من لحاظ المستعمل فيه لدى الاستعمال، و اجتماع اللحاظين ممتنع‏ (1) انتهى حاصله.

أقول: أمّا ما أفاده في فرض كون الخصوصيّة خارجيّة، فسيجي‏ء ما فيه إن شاء اللَّه تعالى.

و أمّا ما أورده من التوالي الفاسدة في فرض كون الخصوصيّة ذهنيّة.

ففيه: أنّ البحث إنّما هو- في أنّ الوضع و الموضوع له في الحروف عامّان أو لا- مبني على تغاير المعنيين الاسمي و الحرفي و عدمه، و قد وقع الخلط في كلامه (قدس سره) في المقامين، فإنّه لو فرض تغايرهما، و أنّ مداليل الحروف هي النسب الجزئيّة و الروابط الخارجيّة- كما هو الحقّ- لم يبقَ حينئذٍ مجال لاحتمال عموم الموضوع له فيها، بل الموضوع له و المستعمل فيه فيها كلاهما خاصّان.

و أمّا القائل بإيجاديّة الحروف:- و هو الميرزا النائيني (قدس سره)- فسلك مسلكاً آخر؛ حيث ذكر: أنّه ليس المراد من الكلّيّة و الجزئيّة هنا ما هو المتبادر منها في المفاهيم الاسميّة من قابليّة الصدق على كثيرين و عدمها، كما توهّمه في «الكفاية» (2) فأورد على القائلين بأنّ الموضوع له فيها خاصّ: بأنّ المستعمل فيه في الحروف غالباً عامّ، كما في مثل «سِرْ من البصرة إلى الكوفة» فإنّ المستعمل فيه في الحروف ليس إلّا النسب و الروابط في الكلام؛ بحيث لو اعيد الكلام مرّةً ثانية كانت النسبة مغايرة للُاولى، و هذه النسبة يستحيل صدقها على الخارج حتّى تتّصف بالكلّيّة و الجزئيّة.

إلى أن قال: بل المراد بالكلّيّة و الجزئيّة في المعاني الحرفيّة هو أنّ ما تتقوّم به النسبةُ الكلاميّة- و هي أطراف الكلام- كما أنّها خارجة عن حريم المعنى الحرفي، فهل‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 25- 26.

(2)- نفس المصدر السابق.

49

التقيّدات أيضاً خارجة، حتّى يكون الموضوع له واحداً و كلّيّاً، أم هي داخلة في الموضوع له، حتّى يكون المعنى متعدّداً و الموضوع له خاصّاً؟

و بعبارة اخرى: المفاهيم الحرفيّة- كما عرفت- لا محالة معانٍ غير استقلاليّة، بل إيجاديّة، فلا بدّ في مقام الوضع لها من تصوّر مفاهيم اسميّة عامّة، كمفهوم النسبة الابتدائيّة، فيكون الوضع عامّاً لا محالة.

إلى أن قال: إذا عرفت ذلك فالحقّ أنّ الموضوع له فيها كالوضع عامّ، فكما أنّ المفاهيم العرضيّة لا تحتاج في مقام ماهيّاتها إلى موضوع، بل في مقام وجودها، فكذلك المعاني الحرفيّة لا تحتاج في مقام مفهوميّتها إلى خصوصيّة الطرفين، بل في مقام استعمالها، فالموضوع له فيها هو المعنى الواحد بالهويّة المشتركة بين جميع موارد الاستعمالات، و الخصوصيّة إنّما نشأت من ناحيتها.

إلى أن قال: و أمّا الاستدلال على جزئيّة المعاني الحرفيّة بأنّها إيجاديّة، و الشي‏ء ما لم يتشخّص لم يوجد، فهو مبتنٍ على عدم وجود الكلّي الطبيعي في الخارج أصلًا، و أنّ الموجود في الخارج هي الأشخاص، أو على أنّ الكلّي و إن كان موجوداً، إلّا أنّه لا بدّ و أن يتشخّص في رتبةٍ سابقة على الوجود حتّى يوجد في الخارج، و التشخّص مُساوق للوجود، فإنّه بناءً عليهما حيث إنّ المعاني الحرفيّة إيجاديّة، و الإيجاد يستحيل تعلّقه بالكلّي فيستحيل أن يكون الكلّي موضوعاً له.

و أمّا إذا قلنا بأنّ الكلّي موجود في الخارج، و التشخّص مساوق للوجود رتبةً، كما هو التحقيق- لأنّ متعلّق الوجود و التشخّص شي‏ء واحد- فعليه يكون الموضوع له نفس الكلّي و إن كان حين وجوده متشخّصاً بخصوصيّات الطرفين، إلّا أنّ تلك الخصوصيّات من لوازم الوجود لا الماهيّة (1) انتهى محصّل كلامه (قدس سره).

و حاصل جميع ما أفاده: هو أنّ الموضوع له في الحروف عامّ، إلّا أنّ هذا العامّ‏

____________

(1)- انظر أجود التقريرات 1: 27- 29.

50

غير ما هو المصطلح منه، الذي هو نفس الطبيعة، بل المراد منه معنىً آخر عبارة عن معنىً واحد بالهويّة المشتركة بين موارد الاستعمالات، فلفظة «في» في قولنا: «زيد في الدار» معناها هو معناها في «زيد في السوق» و معناهما واحد.

لكن يرد عليه: أنّ ابتناءه هذا المطلب على القول بوجود الكلّي الطبيعي في الخارج يستلزم القول بخصوصيّة الموضوع له في الحروف؛ لما حقّق في محلّه: أنّ الطبيعي موجود في الخارج بنفسه و مُتكثِّر فيه، و أنّ كلّ واحدٍ من أفراده هو تمام ماهيّة الطبيعي، فزيد تمام ماهيّة الإنسان، و كذلك سائر الأفراد، لا أنّه يتحصّص في الخارج، و يوجد كلّ حصّة منها في فرد من أفرادها، و ليس للطبيعة سوى وجود أفرادها وجود على حِدة، إلّا أنّه يمكن انتزاع مفهوم الإنسان مثلًا من الأفراد الخارجيّة، و حينئذٍ يلزم أن يكون الكلّي- الذي ذكره، و ذهب إلى أنّه الموضوع له للحروف- نفسَ أفراده، و الأفراد جزئيّة، فيلزم منه خصوصيّة الموضوع له للحروف.

و ثانياً: يلزمه القول بوجود الكلّي في الذهن مُلصَقاً بالأفراد الذهنيّة؛ نظير القول بوجوده في الخارج كذلك، كما مرَّ عن المحقّق العراقي (قدس سره) و عرفت جوابه مفصّلًا، فلا نعيده.

و التحقيق: أنّ الحروف مختلفة: منها إيقاعيّة، و الوضع فيها لا محالة عامّ و الموضوع له خاصّ؛ بلحاظ الواضع المفهوم الاسمي للربط و وضعه لما يحكي عنه هذا المفهوم من الروابط و النسب الجزئيّة؛ بنوع من الحكاية و إن لم تكن حقيقيّة؛ لعدم كونها من مصاديقها الحقيقيّة.

و توهّم: أنّها موضوعة لإيجاد الربط في الخارج بالاستعمال مع عموم الموضوع له فيها، فيه ما لا يخفى، فإنّ ما يوجد في الخارج جزئي حقيقي يُنافي فرض عموم الموضوع له فيها، و هذا القسم من الحروف نظير وضع لفظٍ في الأسماء لما سيولد له بعدُ، فإذا قيل: «يا زيد» أو «يا رجال» أو «يا نساء»، فما يوجد بالنداء فيها واحد و إنّما