تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
1

[تتمة المطلب الاول‏]

الجزء الثانى تنقيح الاصول‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه الموسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه الشيخ حسين التقوى الاشتهاردى‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره)

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: ... تنقيح الأصول/ ج 2*

* المؤلف: ... حسين التقوي الإشتهاردي*

* تحقيق و نشر: ... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: ... خرداد 1376- صفر المظفر 1418*

* الطبعة: ... الاولى*

* المطبعة: ... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ... 3000 نسخة*

* السعر: ... ريال*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الفصل الثاني عشر في مقدّمة الواجب‏

اختلفوا في وجوب مقدّمة الواجب و عدمه على أقوال، و تحقيق القول في ذلك، و بيان أنَّ البحث عقلي أو لفظي‏ (1)، يحتاج إلى تقديم امور:

الأمر الأوّل: في تنقيح محطّ البحث:

و لا بدَّ أوّلًا من ملاحظة الإرادة الفاعلية كي يُعلم منها حال الإرادة التشريعية فنقول:

لو أراد شخص شيئاً، كلقاء صديقه في مكان مُعيّن، لاشتياقه إليه، فرأى أنّه يتوقف على عمل أو أعمال، كالذهاب إلى مكانه، فأرادهُ- أيضاً- فهنا إرادتان: تعلّقت إحداهما بذي المقدّمة، أي لقاء الصديق؛ و ثانيهما بالمقدّمة، أي الذهاب إلى مكانه، و لا فرق بين هاتين الإرادتين إلّا في غايتيهما، فإنَّ غاية الاولى هي لقاء الصديق الذي هو المقصود بالذات، و غاية الثانية الذهاب إلى‏ مكانه، و ليس هو المقصود بالذات، بل لأجل التوسّل به إلى‏ مقصوده الأصلي و هو لقاء الصديق، فالإرادة الاولى نفسيّة،

____________

(1)- هداية المسترشدين: 198، مطارح الأنظار: 83، درر الفوائد: 124، وقاية الأذهان: 205.

6

و الثانية غيرية.

و من هذا تعرف و يظهر ما في قولهم: إنّه يترشّح من إرادة ذي المقدّمة إرادة اخرى‏ متعلّقة بالمقدّمة (1).

هذا بالنسبة إلى الإرادة الفاعلية التكوينيّة.

أما الإرادة التشريعيّة فالآمر حيث يرى أنَّ ايجاد الفعل الفلاني من الغير ذو مصلحة، فتتعلّق قوّته الشوقية به، لكن حيث يرى أنّه لا وسيلة له لإيجاد الغير إيّاه إلّا بأن يبعثه نحوه و يأمره بإيجاده، و رأى أنَّ إيجاده من الغير يتوقّف على وجود شي‏ء آخر، فينقدح في ذهنه إرادتان: إحداهما متعلّقة ببعثه إلى ذي المقدّمة، و ثانيتهما بالمقدّمة، كما في الإرادة الفاعلية.

فنقول: يمكن تصوير محطّ البحث بصور كلّها مخدوشة، فإنّه لو قيل: إنَّ محطّ البحث هو في ثبوت المُلازمة الفعلية بين الإرادة الفعلية المتعلّقة بالبعث إلى ذي المقدّمة، و بين الإرادة الفعلية المتعلِّقة بالبعث إلى المقدّمة، فهو سخيف جدّاً، فإنَّ الآمر قد يغفل عن المُقدّمات، و لا يتوجّه إليها كي يريدها فعلًا.

و كذا القول بأنَّ النزاع في ثبوت المُلازمة الفعلية بين الإرادة الفعلية المتعلِّقة بذي المقدّمة و بين الإرادة الفعلية المُتعلِّقة بعنوان المقدِّمة.

و كذلك لو قيل بأنَّ النزاع إنّما هو في ثبوت المُلازمة الفعلية بين البعث الفعلي إلى ذي المقدّمة و بين البعث الفعلي إلى المقدّمة، أو إلى عنوانها؛ لما ذكرنا من أنَّ المقدّمات و عنوانها مغفول عنها في كثير من الموارد، مع أنَّ الإرادة و البعث إلى شي‏ءٍ يحتاج إلى خطوره و التصديق بفائدته و صلاحه و غير ذلك، و المفروض أنّها مغفول عنها.

و لو قيل: إنّ البحث إنّما هو في ثبوت الملازمة الفعليّة بين الإرادة الفعلية لذي المقدّمة و بين الإرادة التقديرية للمقدّمة بمعنى أنّه لو التفت إليها أرادها، أو ثبوت‏

____________

(1)- انظر نهاية الأفكار 1: 258، كفاية الاصول: 117، فوائد الاصول 1: 385 و 387.

7

الملازمة الفعليّة بين البعث الفعلي إلى‏ ذي المقدّمة و بين البعث التقديري إلى المقدّمة بالمعنى المذكور، فهو غير معقول؛ فإنّ الملازمة عبارة عن التضايف، و هو يستدعي وجود المتضايفين فعلًا، كما في العلّة و المعلول، و لا يمكن التضايف الفعلي بين الموجود و المعدوم فإنّ المتضايفين متكافئان فعلًا و قوّة، فالابوّة الفعليّة إنّما تتحقّق مع وجود الابن، و بدونه لا يمكن تحقّقها، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

فإن قلت: اليوم مقدّم على الغد فعلًا، و لا ريب في أنّ التقدّم- أيضاً- من التضايف مع أنّ الغد غير موجود فعلًا.

قلت: التقدّم فيه- أيضاً- غير معقول، و إطلاق العرف له فيه مسامحة و من الأغلاط المشهورة. هذا كلّه لو قلنا بأنّ النزاع في المسألة عقليّ.

و يظهر من صاحب المعالم: أنّ النزاع في المسألة لفظيّ؛ حيث استدلّ لعدم الوجوب بانتفاء الدلالات الثلاث، و أنّ البحث إنّما هو في دلالة لفظ الأمر و عدمها، و أنّه لا دلالة مطابقيّة فيه قطعاً؛ لأنّ مادّة الأمر لا دلالة لها إلّا على الطبيعة لا بشرط، و هيئته- أيضاً- لا تدلّ إلّا على البعث، و شي‏ء منهما لا يدلّ على وجوب المقدّمة (1).

أقول: و أمّا التضمّن و الالتزام فهما ليستا من أقسام الدلالات اللفظيّة، فإنّ دلالة الالتزام هي دلالة المعنى على المعنى، فإنّ قولنا: «الشمس طالعة» يدلّ على طلوع الشمس بالمطابقة، لكن لمّا استلزم طلوع الشمس لوجود النهار يُعلم بالالتزام أنّ النهار موجود، و كذلك التضمّن. هذا، و لكن يمكن تصوير النزاع العقلي بنحوٍ آخر بأن يقال: إنّ محطّ البحث إنّما هو في ثبوت الملازمة الفعليّة بين إرادة ذي المقدّمة و بين ما يراه مقدّمة، و لا يرد عليه الإشكالات المذكورة.

توضيح ذلك: أنّ الآمر يتصوّر ذا المقدّمة أوّلًا، و أنّ فيه مصلحة و فائدة، ثمّ يشتاق إليه، فتتعلّق إرادته به، و هذه المصلحة إنّما هي بنظره، و إلّا فيمكن خطاؤه في‏

____________

(1)- انظر معالم الدّين: 61.

8

التشخيص، بل كان ذا مفسدة، ثمّ يرى أنّ وجوده يتوقّف على مقدّمات بنظره، فيريدها أيضاً، و يمكن خطاؤه في المقدّمات، و أنّ ما هو الموقوف عليه ذو المقدّمة واقعاً غير ما هو الموقوف بنظره. هذا بالنسبة إلى‏ غير الشارع من الموالي العرفيّة، فإنّ البحث أعمّ.

و أمّا بالنسبة إلى الشارع تعالى‏ فإنّ الخطاء فيه غير متصوّر، فيمكن أن يُقال بثبوت الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة و بين إرادة ما يراه مقدّمة، و يمكن أن يقال- أيضاً- بعدم الملازمة، بل يكفي الإرادة الاولى، و القائل بثبوت الملازمة إنّما يقول بوجوب الإتيان بالمقدّمة إذا لم يُعلم خطاؤه في ما يراه مقدّمة، و أمّا مع العلم بخطائه فلا يجب الإتيان بالمقدّمة التي يراها مقدّمة، بل يجب الإتيان بما هو مقدّمة واقعاً، لكن بملاك آخر، و هو وجوب تحصيل غرض المولى و إن لم يُردها لخطائه فيها، كما لو غرق ابن المولى و هو غافل عنه، فإنّه يجب إنقاذه تحصيلًا لغرضه و إن لم تتعلّق إرادته به؛ بحيث لو لم يغفل عنه لَأَراده. و هذا بالنسبة إلى‏ غير الشارع من الموالي العرفيّة، و إلّا فلا يتصوّر الخطاء بالنسبة إلى‏ الشارع المقدّس، فما يراه مقدّمة و هو مقدّمة واقعاً.

الثاني من الامور: أنّ هذه المسألة هل هي من المسائل الاصوليّة، أو من المبادي الفقهيّة، أو من المسائل الكلاميّة أو غيرها؟

فإن قلنا: إنّ موضوع علم الاصول هو عنوان الحجّة في الفقه، كما عن بعض المعاصرين‏ (1)، و عليه فالمسائل الاصولية هي ما يُبحث فيها عن العوارض الذاتيّة للموضوع؛ و هو عنوان الحجّة، و عليه فهذه المسألة من المبادي الفقهيّة، لا من المسائل الاصوليّة؛ لعدم رجوع البحث فيها إلى‏ ما ذكرناه.

____________

(1)- انظر نهاية الاصول 1: 12 و 142.

9

و إن قلنا: إنّه لا يلزم أن يكون لكلّ علمٍ موضوعٌ معيَّن يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، مثل أفعال المُكلَّفين في الفقه؛ لما عرفت في أوّل الكتاب أنّ الوجوب و الحرمة ليسا من الأعراض؛ كي يقال: إنّها من الأعراض الذاتيّة، أو من الأعراض الغريبة، مضافاً إلى‏ أنّ كثيراً من المسائل الفقهيّة ليست كذلك، مثل قولنا: «الماء الكرّ لا ينجّسه شي‏ء» أو «أنّ القليل ينجس بالملاقاة للنجس»، بل كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل مرتبطة واحدة سنخاً.

و قلنا: إنّ علم الاصول علم آليّ يمكن أن تقع نتيجته كبرى‏ في مقام استنباط الأحكام الفقهيّة أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل.

فعليه فهذا البحث من المسائل الاصوليّة؛ لإمكان وقوع نتيجته في مقام الاستنباط و إن لم يكن واقعاً بالفعل، نظير القياس. هذا كلّه بالنسبة إلى‏ ما ذكرناه من أنّ هذا البحث عقليّ.

و أمّا بناء على ما ذكره صاحب المعالم (قدس سره)(1) و تسليم أنّ الدلالة الالتزاميّة من الدلالات اللفظيّة، فهو من المباحث اللفظيّة لعلم الاصول.

لكن فيه إشكال و لو مع فرض تسليم أنّ الدلالة الالتزاميّة من الدلالات اللفظيّة؛ للفرق بين الدلالة الالتزامية و بين الملازمة المبحوث عنها في المقام؛ لأنّ المناط في الدلالة الالتزاميّة دلالة اللفظ على معنىً مطابقيّ ملازم لمعنىً آخر بحيث يستكشف من اللفظ بما هو لفظ المعنى اللازم بواسطة المعنى الملزوم، مثل قولنا: «الشمس طالعة»، فإنّه يدلّ بالمطابقة على طلوع الشمس، فيدلّ على وجود النهار بالالتزام.

و بعبارة اخرى‏: الدلالة الالتزاميّة هي دلالة المعنى من حيث إنّه مدلول مطابقي للّفظ على معنىً خارجٍ لازمٍ له، و ما نحن فيه ليس كذلك، فإنّ هيئة الأمر تدلّ على البعث إلى‏ المادة، و المادّة تدلّ على الطبيعة لا بشرط، و هذا المعنى- أي البعث إلى‏

____________

(1)- انظر معالم الدين: 61.

10

الطبيعة- و إن دلّ على وجود الإرادة لذي المقدّمة، و هي- أيضاً- مستلزمة لإرادة المقدّمة، لكن هذه الدلالة ليست بما أنّها لفظ؛ بأن يستكشف من اللفظ من حيث إنّه لفظ هذا المعنى بواسطة، بل بما أنّه فعل من الأفعال الاختيارية؛ لما ثبت في محلّه: أنّ كلّ فعل اختياريّ صادر عن عاقل فهو مسبوق بإرادته، في قبال الأشاعرة القائلين بالجزاف، و ليس فيه مناط الدلالة الالتزاميّة؛ لما عرفت أنّ المناط فيها استكشاف المعنى من اللفظ بما هو لفظ بالواسطة، لا بما هو فعل.

الثالث من الامور: المقدمة الداخلية و الخارجية

أنّ المقدّمة على قسمين: داخليّة و خارجيّة، و الخارجيّة- أيضاً- على أقسام، و المقدّمة الداخليّة عبارة عن أجزاء المركّب المأمور به، كأجزاء الصلاة، و الخارجيّة عبارة عمّا هو خارج عن المأمور به، لكنّه يتوقّف عليه بحسب الوجود، و حينئذٍ فهل القسمان كلاهما محطّ البحث، أو يختصّ البحث بالمقدّمات الخارجيّة مطلقاً، أو بعض أقسامها؟

فنقول: قد استشكل في القسم الأوّل بأنّ المقدّمة عبارة عمّا يتوقّف عليه ذو المقدّمة، فلا بدّ و أن تكون متقدّمة- و لو بحسب الرتبة- على ذي المقدّمة، و المقدّمات الداخليّة- الّتي هي أجزاء المركّب- ليست كذلك؛ لأنّه يلزم تقدّم الشي‏ء على نفسه؛ لأنّ الكلّ عين الأجزاء بالأسر (1).

و أجاب عنه في «الكفاية» بما حاصله: أنّ الأجزاء بالأسر لا بشرط هي المقدّمة، و هي بشرط الاجتماع ذو المقدّمة، ففرق بينهما و لو بالاعتبار، نظير الفرق بين المادّة و الصورة و بين الجنس و الفصل، فإنّ الفرق بينهما كذلك اعتباريّ‏ (2).

____________

(1)- انظر هداية المسترشدين: 216 نسبهُ الى بعض الأفاضل.

(2)- كفاية الاصول: 115.

11

و اورد عليه أنّ غاية ما ذكره (قدس سره) أنّ الفرق بينهما هو بالاعتبار، فيلزم أن يكون مقدّميّة المقدّمة اعتباريّة لا حقيقيّة، مع أنّه لا ريب في أنّ مقدّميّة المقدّمة و تقدّمها حقيقيّة لا اعتباريّة، و أيضاً يلزم ممّا ذكره أن يتعلّق إرادتان بشي‏ء واحد حقيقةً، و هو اجتماع المثلين، و هو مستحيل، أو لغويّة إحدى الإرادتين، و هي- أيضاً- محال بالنسبة إلى‏ الحكيم‏ (1).

أقول: المركّبات على أقسام:

منها المركّبات الحقيقيّة: و هي فيما إذا التأمت الأجزاء بحيث صار المجموع طبيعة ثالثة، كالإنسان المركّب من الجنس و الفصل، فإنّهما من الأجزاء التحليليّة، و هذا القسم من الموجودات التكوينيّة لا يمكن أن يتعلّق به البعث لعدم قدرة المكلف على إيجادها.

و منها المركّبات الاعتباريّة: و هي- أيضاً- على قسمين:

منها: ما لمجموعها و هيئة أجزائها اسم خاصّ عرفاً، مثل المسجد الذي هو مركّب من أجزاء مختلفة ملتئمة؛ بحيث يعدّ المجموع مسجداً لا الأجزاء، و هو واحد عرفاً، لا بالدقّة العقليّة.

و منها: ما ليس كذلك، و ليس مجموع أجزائها شيئاً واحداً عرفاً، مثل الفوج و العسكر المركّب من مائة فرد- مثلًا- فإنّها مائةٌ آحادٌ، و ليست ملتئمة كما في القسم الأوّل منهما و مع ذلك فرق بين مائةٍ آحادٍ و بين المائة الواحدة، فتعتبر الوحدة في الثاني دون الأوّل.

إذا عرفت هذا فلا بدّ من ملاحظة الإرادةِ الفاعليّة فيما لو اريد إيجاد مركّب من المركّبات، و كيفيّةِ تعلُّق الإرادة بالأجزاء و الكلّ؛ كي تتفرّع عليها الإرادة التشريعيّة.

فنقول: الداعي إلى‏ إرادة بناء المسجد نفس المسجد لما فيه من المصالح، فيريده‏

____________

(1)- انظر حاشية القوچاني على كفاية الاصول: 84.

12

الباني. ثمّ إنّه لمّا رأى أنّ بناءه يتوقّف على تحصيل اللبن و الآجر- مثلًا- فيريد تحصيلها لذلك، فإرادة بناء المسجد سبب لهذه الإرادة، فلا فرق بين الإرادتين إلّا في أنّ الاولى نفسيّة و الثانية غيريّة، ثمّ لو تعدّدت المقدّمات تعدّدت إراداتها أيضاً، و لو اتّحدت تتّحد.

فيظهر ممّا ذكرنا ما في قول بعض الأعاظم: من أنّ إرادة ذي المقدّمة منبسطة على المقدّمات، و أنّه ليس هنا إلّا إرادة واحدة منبسطة (1)؛ و ذلك لشهادة الوجدان على خلافه، و أنّ هنا إرادتين أو إرادات.

و الحاصل: أنّه لا فرق بين المقدّمات الداخلية و الخارجيّة في أنّ لكلّ واحد منها إرادة مستقلّة، و أنّ تعدّد الإرادة مستلزم لتعدّد المراد و بالعكس، مضافاً إلى‏ قيام البرهان على ذلك.

توضيحه: أنّ الإرادة من ذوات الإضافة، و لها إضافة إلى‏ النفس، و بدونها لا يمكن تحقّقها، ثمّ إنّها تحتاج إلى المراد؛ لأنّها نظير الحبّ و الشوق، فكما أنّ تحقّقهما في الخارج يتوقّف على ما يتعلّق به الحبّ و الشوق، كذلك تحقّق الإرادة يحتاج إلى‏ المراد، ثمّ إنّ الإرادة تابعة للمراد وحدةً و تعدّداً و بالعكس، فالإرادة الواحدة تستلزم مراداً واحداً، و تعدّدها مستلزم لتعدّده و بالعكس، و لا يمكن تعلُّق إرادتين بمراد واحد، و لا إرادة واحدة بمرادين، فإذا كان هناك مركّب معجون له مصلحة واحدة تتعلّق به إرادة واحدة لإيجاده، فلمّا رأى أنّ إيجاده متوقّف على إيجاد كلّ واحد من أجزائه يتعلّق بكلّ واحد منها إرادة مستقلّة غيريّة؛ لأنّ المجموع من الأجزاء مغاير لكلّ واحدٍ من الأجزاء، و لهذا يمكن أن يتحقّق في الكلّ مصلحة لا توجد في كلّ واحد من الأجزاء، و يتوقّف إيجاد الكلّ على إيجاد كلّ واحد من أجزائه، فيتعلّق بالكلّ إرادة نفسيّة، و بكلّ واحد من الأجزاء إرادة غيريّة، و مقتضى استلزام تعدُّد الإرادة لتعدّد المراد، هو

____________

(1)- انظر نهاية الاصول 1: 144.

13

مغايرة كل واحد من الأجزاء للكلّ حقيقةً، و هو المطلوب.

و بالجملة: هنا ملاكان للإرادة: أحدهما في المجموع، و هو ملاك الإرادة النفسيّة، و ثانيهما في كلّ واحد من أجزاء الكلّ، و هو ملاك الإرادة الغيريّة، و هذه الإرادة إنّما هي في كلّ واحد واحد من الأجزاء، لا الأجزاء بالأسر، فإنّ الأجزاء بالأسر عين الكلّ، و وجود الكلّ يتوقّف على وجود مجموعها، مضافاً إلى‏ كلّ واحدة.

و لا فرق فيما ذكرنا بين الإرادة الفاعلية و بين التشريعيّة، و لا بين المقدّمات الداخليّة و بين الخارجيّة، فمحطّ البحث هو كلتاهما، فيبحث في الداخليّة في أنّ إرادة ذي المقدّمة المركّبة هل تستتبع إرادة اخرى‏ متعلّقة بالأجزاء أو لا، بل يكفي إرادة ذي المقدّمة؟

و ممّا ذكرنا يظهر ما في «الكفاية» من خروج المقدّمات الداخليّة عن محلّ النزاع، مستدلّاً بأنّه لو تعلّق بها إرادة مستقلّة يلزم اجتماع المِثلين؛ لأنّ الأجزاء عين الكلّ حقيقةً، و إنّما الفرق بينهما بالاعتبار (1).

و ذلك لأنّا لا نُسلّم أنّ الإرادة مع الإرادة و كذا البعث مع البعث من قبيل المتماثلين، و على فرض التسليم فاستحالة اجتماع المثلين إنّما هي في الموضوع الواحد، و الموضوع للإرادتين فيما نحن فيه متعدّد؛ لما عرفت من أنّ كلّ واحد من الأجزاء مغاير للكلّ.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في المقام ما حاصله: إنّ المركّبات الغير الحقيقيّة على قسمين: أحدهما ما يعتبر الوحدة فيه قبل تعلّق الإرادة، و ثانيهما ما ليس كذلك، بل الوحدة تتحقّق من قِبَل الإرادة و بعدها.

و محلّ البحث هو القسم الأوّل لا الثاني؛ لأنّ الكلّيّة في القسم الثاني إنّما جاءت من قِبَل الإرادة، و قَبْلَها ليس كلٌّ و لا جزء، فلا معنى لدعوى الملازمة بينهما كما

____________

(1)- كفاية الاصول: 115.

14

لا يخفى‏ (1).

أقول: لا إشكال في أنّه ليس المراد من الوحدة مفهومها بل مصداقها، و حينئذٍ فإذا فرض مجموع آحاد له مصلحة ليست هي في كلّ واحد واحد من الأجزاء، كفتح البلاد في العسكر، فلا يعقل تعلّق الإرادة به بدون اعتبار الوحدة؛ لما عرفت من أنّه ليس المراد مفهومها بل مصداقها، و تقدّم الجزء على الكلّ إنّما هو في مرتبة الذات و في الوجود، و إلّا فعنوانا الكليّة و الجزئيّة من المتضايفين و لا يعقل تقدّم أحد المتضايفين على الآخر نظير العلّة و المعلول، فإنّ عنوانيهما من المتضايفين، و المتضايفان متكافئان فعلًا و قوّةً، مع أنّ ذات العلّة و مصداقها متقدّمة على المعلول، فملاك البحث ليس عنوان الكلّيّة و الجزئيّة كي يرد عليه ما ذكره (قدس سره) بل الملاك هو التوقّف بحسب الوجود، و لا فرق في ذلك بين القسمين من المقدّمات.

الرابع من الامور: ثبوت النزاع في العلّة التامّة

هل النزاع في جميع المقدّمات الخارجيّة بأقسامها حتّى العلّة التامّة و السبب التامّ، أو أنّ النزاع في غير العلّة التامّة؟ قولان:

استدلّ لثانيهما: بأنّ المعلول للعلّة التامّة ليس مقدوراً للمكلّف كالإحراق، فلا يتعلّق به البعث و الإرادة، و المقدور هو إيجاد العلّة، و حينئذٍ فلو فرض تعلّق أمر بمعلول فهو أمر صوريّ لا بدّ من إرجاعه إلى‏ العلّة؛ لاعتبار القدرة في متعلّق الأمر، فمع عدم تعلّق الإرادة بالمعلول لا معنى للبحث عن ثبوت الملازمة بين إرادتها و بين إرادة المعلول‏ (2).

و فيه: أنّ المسألة ليست عقليّة، بل عرفيّة عقلائيّة لا بدّ من ملاحظة المتفاهم‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 314.

(2)- انظر فوائد الاصول 1: 269- 271.

15

العرفي و حكم الوجدان في ذلك فنقول: لا إشكال في أنّ ايجاد العلّة بنفسها مقدور، و المعلول بلا واسطة غير مقدور و لكنّه مقدور مع الواسطة، فإذا فرض أنّ زيداً عدوّ فالوجدان شاهد على أنّه يمكن إحراقه لكن بواسطة جمع الحَطَب- مثلًا- فيتعلّق به إرادته، فيبحث عن أنّها هل تستلزم إرادة علّته أولا؟

هذا في الإرادة التكوينيّة، و كذا في الإرادة التشريعيّة، فلا فرق بين المقدّمة التي هي علّة تامّة و بين غيرها في أنّ البحث شامل لكليهما.

و حاصل الإشكال: أنّه لا ريب في أنّه يشترط في صحّة التكليف قدرة المكلّف على إيجاد متعلّقه، و المفروض أنّه غير قادر بالنسبة إلى متعلّقه في الأفعال التوليديّة و المعلولات، فهي خارجة عن البحث بنحو الاستثناء المنقطع.

و حاصل دفع الإشكال: أنّه إنّما يرد لو قلنا: إنّ مناط حسن التكليف و صحّته هو قدرة المكلّف على متعلّق التكليف بلا واسطة، و أمّا لو قلنا بأنّه يكفي في صحّته القدرة عليه و لو مع الواسطة- كما هو الصحيح- فلا، و إلّا فلو اعتبر القدرة على متعلّق التكليف بلا واسطة في صحّته، لزم خروج جميع المقدّمات عن محطّ البحث، فإنّ لقاء الصديق أو الكون على السطح ليس مقدوراً للمكلّف بدون الذهاب إلى‏ مكانه أو نصب السُّلّم، فعلى ما ذكره لا وقع للبحث عن المقدّمات كلّها.

الخامس من الامور: المقدّمة المتأخرة

أنّ المقدّمة تنقسم إلى‏ أقسام بحسب تقدّمها و تأخّرها عن ذي المقدّمة و اقترانها: إلى‏ المقدّمة المتقدّمة بحسب الوجود عن ذي المقدّمة، و المتأخّرة، و المقارنة.

و اختلفوا في تصوير المتأخّرة و إمكانها، و عبّروا عنها بالشرط المتأخّر (1)، كالأغسال الليليّة للمستحاضة بالنسبة إلى‏ صحّة صوم اليوم الماضي، و كالإجازة

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 271، كفاية الاصول: 118.

16

في البيع الفضولي على القول بالكشف الحقيقي، بل و كذلك في الشرط المتقدّم‏ (1) على أقوال:

أحدها: إمكانهما مطلقاً، سواء كان في التكوينيّات، أم في التشريعيّات.

و ثانيها: عدم إمكانهما مطلقاً.

ثالثها: التفصيل بين التكوينيّات فلا يمكن، و بين التشريعيات فيمكن.

و استدلّوا على عدم الإمكان: بأنّ الشرط من أجزاء العلّة التامّة، فلا يمكن تأثير المتأخّر منه و كذلك المتقدّم منه على المشروط؛ لوجوب اقتران العلّة التامّة بمعلولها، فكذلك أجزاؤها.

و اختار في «الكفاية» الإمكان مطلقاً في التكوينيّات و التشريعيّات، سواء كان شرطاً للتكليف أو الوضع أو المأمور به، لكنّه لم يبيّن وجه الإمكان في مقام الاستدلال في التكوينيّات‏ (2).

و اختاره المحقّق العراقي (قدس سره) أيضاً، و استدلّ عليه بأنّه لا شبهة في أن المقتضي لوجود المعلول ليس هو طبيعة العلّة، بل حصّة خاصّة منها؛ مثلًا: النار تقتضي الإحراق، لكن ليس المؤثر فيه هو طبيعة النار، بل حصّة خاصّة منها، و هي التي تُماسّ الجسم المستعدّ باليبوسة لقبول الاحتراق، و أمّا الحصّة التي لا تُماس الجسم المستعدّ للاحتراق فلا يعقل أن تؤثّر في الإحراق، فهذه الحصّة المقتضية لا بدَّ لها من محصِّل خارجي، فما به تحصل خصوصيّة الحصّة المؤثّرة يسمّى شرطاً، و الخصوصيّة المذكورة:

عبارة عن النسبة القائمة بتلك الخصوصيّة الحاصلة من إضافة الحصّة المزبورة إلى‏ شي‏ء ما، و ذلك الشي‏ء المضاف إليه هو الشرط، فالمؤثِّر هو نفس الحصّة الخاصّة المقتضية، و الشرط هو محصِّل خصوصيّتها، و هو طرف الإضافة المذكورة، و ما شأنه‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 118.

(2)- كفاية الاصول: 118- 120.

17

ذلك جاز أن يتقدّم على ما يضاف إليه، أو يقترن به، أو يتأخّر عنه.

ثمّ أورد على ذلك: بأنّ ذلك يقتضي تأثير الحصّة من النار مع اليبوسة المتقدّمة أو المتأخّرة في الجسم.

و أجاب: بأنّا لم ندّعِ أنّ مطلق الإضافة توجب خصوصيّة في المضاف يكون بها مقتضياً للمعلول، بل الإضافة الخاصّة.

و الحاصل: أنّ الشرط هو مُحصِّص الحصّة و محصّلها، و هو الإضافة، و المؤثّر هو الحصّة (1). انتهى ملخّصه.

أقول: لا ريب في أنّ الإضافة التي ذكرها من الامور الاعتباريّة، فمع تسليم ما ذكره من الحصّة يلزم أن يؤثّر الأمر الاعتباري في التكويني، و هو واضح البطلان؛ لأنّ ما ذكره من الحصّة- أيضاً- من الامور الاعتباريّة، و هو صحيح في مثال النار، لكن لا يختصّ النزاع به، بل هو أعمّ، مضافاً إلى‏ أنّ ما ذكره غير معقول أصلًا.

توضيحه: أنّ القضيّة: إمّا موجبة أو سالبة، و كلّ واحد منهما إمّا محصّلة أو معدولة، و السالبة لا تستدعي وجود الموضوع، لكن الموجبة مطلقاً- سواء كانت معدولة أو محصّلة- تستدعي وجود الموضوع: إمّا ذهناً، مثل قولنا: المعدوم المطلق لا يُخبر عنه، و إمّا خارجاً إلّا أن يرجع إلى‏ السالبة، مثل: «شريك الباري ممتنع»، فإنّ مرجعه أنّه ليس بموجود البتّة؛ لأنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّه (قدس سره) إن أراد أنّ صوم المستحاضة صحيح فعلًا؛ لإضافته إلى‏ الأغسال الليليّة الآتية- أي الأغسال المتوهّمة الخياليّة بأن يكون طرف الإضافة هو الغسل المتوهّم الخيالي- ففساده واضح؛ لاستلزامه القول بأنّ الشرط هو الغسل الخيالي المتوهّم.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) 1: 320- 321.

18

و إن أراد أنّ طرف الإضافة هو نفس الغسل حقيقة، و أنّها فعلًا موجودة، فهو طرف الإضافة لاحتياج الإضافة إلى‏ متضايفين، مع أنّه معدوم فعلًا.

ففيه: أنّ صدق الموجبة- كما عرفت- يتوقّف على وجود الموضوع، فلا يصحّ أن يقال: إنّ غسل الليلة الآتية طرف للإضافة الفعليّة، و هو مضاف.

و يرد هذا الإشكال على من جعل الشرط هو تعقُّب صوم المستحاضة بالغسل، أو تعقُّب العقد الفضولي بالإجازة، و هو مقارن للصوم و العقد، و ليس متأخّراً (1)؛ و ذلك لأنّه كما أنّ الإضافة تستدعي وجود المتضايفين فعلًا، و بدونه لا يمكن تحقُّقها فعلًا، كذلك المعنى الإضافي كعنوان التعقُّب، فإنّه يستدعي وجود المتعقِّب- بالكسر- أي الإجازة و المتعقَّب- بالفتح- أي العقد، فلا يمكن وجود عنوان التعقُّب بدون وجود المتعقِّب، و هو الإجازة فعلًا.

و التحقيق في دفع الإشكال: هو أنّ منشأ وقوع هذا البحث و النزاع هو ما وقع في الشريعة من الشرط المتأخِّر في التكليف و الوضع و المأمور به: فالأوّل كما إذا كان العبد قادراً في الغد فقط على الفعل، فيأمره اليوم بإتيانه في الغد، فإنّ التكليف صحيح مع تأخّر القدرة عن زمان التكليف، و الثاني كصحّة البيع الفضولي مع وقوع الإجازة بعده، و الثالث كصوم المستحاضة المأمور به فعلًا بشرط فعل الأغسال الليليّة الآتية أو أغسال الليلة الماضية في الشرط المتقدّم.

فنقول: لا يمكن دفع الإشكال في هذه الأقسام بنهج واحد، بل يختلف:

فالجواب عن الأوّل: هو أنّ القدرة التي هي شرط في التكليف من المولى ليست هي القدرة الواقعيّة؛ كي يقال بأنّه لا يمكن التكليف من المولى مع عدم قدرة العبد فعلًا عليه، بل الشرط هو تشخيص المولى قدرة العبد عليه في الغد في المثال، و هو موجود حال التكليف، و الشاهد على ذلك هو الوجدان، فإنّ الآمر إذا علم أنّ‏

____________

(1)- انظر الفصول الغرويّة: 80 سطر 36.

19

عبده قادر على فعل المكلّف به غداً صحّ تكليفه به، فإن كان قادراً عليه في الواقع فهو، و إن تبيّن خطؤه في التشخيص فالتكليف قد تمشّى منه و صح لوجود شرطه، و هو تشخيص المولى أنّه قادر عليه في الغد حين التكليف، و الظاهر أنّ هذا هو المراد ممّا أجاب به في «الكفاية» (1) في القسمين الأوّلين، و إن علم بعدم قدرته على الفعل غداً لم يصحّ منه التكليف المذكور فعلًا.

و إن أخطأ في التشخيص و تبيّن قدرته عليه غداً، فارتفع الإشكال حينئذٍ؛ لأنّ الشرط هو تشخيص المولى مقدوريّة الفعل للعبد، و هو مقارن للتكليف.

و قد وقع هنا خلط في كلام المحقّق العراقي (قدس سره)؛ لأنّه قال ما حاصله: إنّ الشرط عبارة عمّا له دَخْل في تحقُّق المصلحة في المأمور به، و حينئذٍ فللمأمور به في هذه الصورة إضافة إلى‏ القدرة مثلًا، و هذه الإضافة هي المحصّصة و المحصّلة للحصّة المؤثّرة (2).

توضيح الخلط: أنّه لم يفرّق بين الشرائط الشرعيّة و العقليّة، فإنّ القدرة التي هي شرط للتكليف ليست دخيلة في تحقّق المصلحة في المكلّف به فإنّه ذو مصلحة قدر العبد على فعله أو لا مضافاً إلى ما يرد عليه من الإشكال المتقدّم ذكره.

و أمّا الجواب عن الإشكال بالنسبة إلى‏ الوضع و المأمور به: أمّا بالدقّة العقليّة فهو أنّ الزمان متصرِّم الوجود، و بعض أجزائه متقدّم على الآخر؛ لأنّه يوجد و ينعدم شيئاً فشيئاً ذاتاً بدون أن يصدق و يطلق عليه عنوانا المتقدّم و المتأخّر؛ لما عرفت من أنّ عنواني التقدّم و التأخّر من العناوين المتضايفة، التي لا بدّ فيها من وجود طرفي الإضافة فعلًا في رتبة واحدة عقلًا، بل ذات العلّة و مصداقها متقدّمة على المعلول، و ذات المعلول متأخّر، فذات اليوم متقدّم على ذات الغد بدون أن يطلق عليهما عنوانا

____________

(1)- كفاية الاصول: 118- 119.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) 1: 323- 324.

20

المتقدّم و المتأخّر، فكما أنّ الزمان كذلك كذلك الزمانيّات، فهي- أيضاً- بعضها مقدّم على الآخر لا ذاتاً و حقيقةً، بل تبعاً للزمان و بالعرض، بدون أن يطلق عليهما عنوانا التقدّم و التأخّر؛ ليرد عليه الإشكال الذي ذكرناه، و حينئذٍ نقول العقد الفضولي- مثلًا- و كذا صوم المستحاضة لا يخلو عن أحد أمرين: إمّا أن يقع بعدهما الإجازة و الغسل في الواقع و نفس الأمر أو لا، فعلى الأوّل فالشرط موجود حال العقد و الصيام؛ لأنّهما متّصفان بوقوع الإجازة و الغسل بعدهما في الواقع بخلافهما فيما إذا لم يقع الإجازة و الغسل بعدهما فإنّهما لا يتّصفان بهذه الصفة واقعاً، فلو دلّ على صحّة العقد الفضولي مع الإجازة و لو بناءً على الكشف، لا يلزم منه محذور عقلي، و كذلك صوم المستحاضة، و حينئذٍ فما قيل- من أنّ الشرط هو تعقُّب الإجازة (1)- فهو يرجع إلى‏ ما ذكرناه، لكن لا بعنوان التعقُّب ليرد عليه الإشكال العقلي، بل التعقُّب الواقعي و مصداقه. هذا كلّه بحسب الدقّة العقليّة.

و أمّا بحسب النظر العرفي العقلائي فنقول: لا إشكال في أنّ الإجازة المتأخّرة، و كذا أغسال الليلة الآتية، شرطان للعقد السابق و صوم اليوم الماضي؛ إذ لا تأثير و تأثّر فيه حقيقة، بل التأثير و التأثّر عرفيان عقلائيان، فإنّه لا إشكال عرفي و عقلائي في الشرط المذكور، و الشارع- أيضاً- بيّن الأحكام بلسان أهل العرف و بحسب نظرهم و فهمهم، و المصلحة الواقعيّة الاخرويّة غير معتبرة في المأمور به، خصوصاً في الأحكام الوضعيّة، و يكفي في صحّة بيع الفضولي وجود مصلحة نظاميّة ترجع إلى‏ نظام العقلاء في معاشهم و معاملاتهم.

و ليعلم أنّ ما ذكرنا في دفع إشكال الشرط المتأخّر بالنسبة إلى‏ التكليف إنّما هو في التكاليف الجزئيّة المتوجّهة إلى‏ الأشخاص، و أمّا التكاليف العامّة الكلّيّة، كالأوامر الشرعيّة و كأوامر السلاطين بالنسبة إلى‏ العموم المتعلّقة بالعناوين الكلّيّة، مثل‏ «يا*

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 80 سطر 36.

21

أَيُّهَا النَّاسُ»* و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»*، فلا يستقيم ما ذكرنا فيها، و لكنّ الإشكال غير وارد فيها أصلًا؛ لأنّ المناط في تمشّي الإرادة و التكليف فيها: هو قدرة بعض الأفراد على فعل المكلّف به و إن لم يقدر عليه بعض آخر منهم، و لا يحتاج إلى‏ ما ذكرناه من أنّ الشرط هو تشخيص المولى قدرة العبد عليه.

نعم: لو كان للواجدين للشرط عنوان خاصّ، و للفاقدين عنوان آخر، لزم توجيه الخطاب إليهم بهذا العنوان الخاصّ، و لا يصحّ توجيهه إلى‏ الجميع حتّى الفاقدين، بخلاف ما إذا لم يكن لهم عنوان خاصّ، فإنّه لا ريب في صحّة الإرادة و توجيه التكليف بالنسبة إلى‏ العموم، غاية الأمر أنّ الفاقد للشرط معذور عقلًا، و لا يجب عليه فعل المكلّف به.

و قال المحقّق النائيني (قدس سره) في المقام ما حاصله: إنّه لا ريب في أنّ المقدّمات العقليّة خارجة عن محلّ الكلام؛ لامتناع تأخّرها عن المعلول و وجوده قبل وجود علّته التامّة بتمام أجزائها، و لا إشكال- أيضاً- في خروج العناوين الانتزاعيّة عن محلّ النزاع- أيضاً- لأنّها إنّما تنتزع عمّا تقوم به، و ليس للطرف الآخر دخل في انتزاعها عن منشأ انتزاعها أصلًا، مثل الأُبُوّة و البُنُوّة ينتزع كلّ منهما عن شخص باعتبار حيثيّة قائمة به، لا عنه و عن الآخر.

فتوهم: أنّ عنوان السبق إنّما يُنتزع من السابق باعتبار دَخْل الأمر اللاحق فيه، فإن كان شرطاً لوضع أو تكليف فمرجعه إلى‏ دخل الأمر اللاحق فيهما.

مدفوع بأنّ السبق إنّما ينتزع عن نفس السابق بالقياس إلى‏ ما يوجد بعده، و لا دخل للسابق- أيضاً- في انتزاع اللحوق عن اللاحق، و بناء عليه لو قام دليل على ثبوت الملكيّة بالمعاملة الفضوليّة حينها على فرض تعقُّبها، بالإجازة كشف ذلك عن انتزاعها من نفس عنوان التعقُّب الثابت للبيع المنتزع عنه بلحاظ تحقّق الإجازة في ظرفها.

22

و التحقيق: خروج شرائط المأمور به عن حريم النزاع- أيضاً- بداهة أنّ شرطيّة شي‏ء للمأمور به ليست إلّا بمعنى‏ أخذه قيداً للمأمور به، فكما يجوز تقييده بأمر سابق أو مقارن يجوز تقييده بأمر لاحق- أيضاً- كتقييد صحّة صوم المستحاضة بأغسال الليلة اللاحقة؛ إذ كما أنّه لا إشكال في إمكان تأخّر الأجزاء بعضها عن بعض، كذلك، لا ينبغي الإشكال في جواز تأخّر الشرط عن المشروط به أيضاً.

ثمّ إنّه لا ريب في أنّ العلّة الغائيّة و الملاكات المترتّبة على متعلّقات الأحكام التي هي علل تشريعها، لا تكون بوجودها الخارجي مؤثّرة في تشريعها و جعلها؛ بداهة أنّها متأخّرة في الوجود الخارجي عن متعلّقات الأحكام، فضلًا عن نفسها، بل المؤثّر دائماً هو علم الجاعل و المشرِّع بترتُّب الملاك على متعلّق حكمه، و من الواضح أنّ العلم بالترتُّب مقارن للجعل دائماً، و إنّما المتأخّر هو ذات المعلوم.

فظهر من ذلك: أنّ شرائط الجعل خارجة عن حريم النزاع، فالنزاع منحصر في شرائط المجعول.

توضيحه: أنّ القضايا على قسمين: حقيقيّة و خارجيّة:

أمّا الثانية: فلا يتوقّف الجعل فيها إلّا على‏ دواعي الحكم المؤثّرة فيه بوجودها العلمي طابق الواقع أو لا، و هذا القسم خارج عن محلّ النزاع، فإن الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم فقط.

و أمّا الاولى: فإن قلنا: إنّ المجعول الشرعي في القضايا الحقيقيّة هي السببيّة دون المسبب عند وجود أسبابها كان تأخّر الشرط عن المشروط به من قبيل تأخّر المعلول عن علّته حقيقة و هو واضح الاستحالة، مثلًا لو قلنا بأنّ المجعول للشارع سببيّة الدلوك لوجوب الصلاة، لا نفس وجوبها عند الدلوك كان الدلوك من أجزاء علّة الوجوب حقيقةً و مرجع تأخّره عن الحكم إلى‏ تقدّم المعلول عن علّته. و إن قلنا:

إنّ المجعول هو نفس المسبّب، و إنّما تنتزع السببيّة من جعل المسبّبات عند امور خاصّة

23

- كما هو الحقّ- فقد عرفت أنّه لا بدّ أن يكون نسبة الشرائط إلى‏ الأحكام نسبة الموضوعات إليها، و كما يمتنع وجود المعلول قبل وجود علّته؛ للزوم الخُلف و المناقضة، كذلك يمتنع وجود الحكم قبل وجود موضوعه المقدّر وجوده في مقام الجعل.

و بالجملة: إذا كان وجود الأمر المتأخّر دخيلًا في فعليّة الحكم- سواء كان دخله على وجه العليّة أو الموضوعيّة- ففرضُ وجود الحكم قبل تحقّق ذلك يستلزم الخلف و المناقضة.

فظهر أنّ مقتضى القاعدة بعد امتناع الشرط المتأخّر هو الالتزام بالنقل في باب البيع الفضولي دون الكشف‏ (1). انتهى محصّل كلامه.

أقول: أمّا ما ذكره من عدم الإشكال في خروج المقدّمات العقليّة فهو مسلّم.

و أمّا خروج العناوين الانتزاعيّة فهو- أيضاً- كذلك بالأصالة؛ لأنّ النزاع بالأصالة إنّما هو في موارد معدودة وقعت في الشريعة و إن وقع النزاع في الامور الانتزاعيّة- أيضاً- تبعاً.

و أما ما ذكره من خروج شرائط المأمور به فهو غير صحيح؛ لأنّ النزاع ليس في جواز الأمر و التكليف مع تأخّر شرطه، بل النزاع إنّما هو في أنّه لو دلّ دليل على صحّة صوم المستحاضة لو فعلت الأغسال في الليلة اللاحقة، فهل يلزم منه محذور عقلي أو لا؟ و لا فرق فيه بين المأمور به و الوضع و التكليف.

و أمّا قوله: إنّ السبق إنّما ينتزع من نفس وجود السابق كالأُبوّة، ففيه ما لا يخفى‏؛ لعدم إمكان تحقّق التضايف إلّا من أمرين متضايفين، و عنوان السبق و الأُبُوّة من هذا القبيل.

____________

(1)- أجود التّقريرات 1: 220- 226.

24

المبحث الأوّل في الواجب المطلق و المشروط

قد يقسَّم الواجب إلى المطلق و المشروط: اعلم أنّ وصفي الإطلاق و الاشتراط للواجب إضافيّان، فكلّ قيد إذا لوحظ الواجب مقيّداً و مشروطاً به فهو المشروط، و إلّا فهو المطلق، فيمكن اتّصاف واجب بكلا الوصفين باعتبارين، و هذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في أنّ القيود المأخوذة في الواجب المشروط هل هي للمادّة فقط، أو للهيئة فقط، أو أنّها مختلفة، فبعضها قيد للمادّة، و بعضها الآخر للهيئة؟ فلا بدّ أوّلًا من ملاحظة مقام الثبوت، ثمّ مقام الإثبات، فنقول:

أمّا مقام الثبوت فإنّ القيود مختلفة؛ لأنّه قد يتعلّق غرض المولى بشي‏ء كشرب الماء لرفع العطش- مثلًا- فتتعلّق إرادته بأمر عبده بإتيان الماء، ثمّ يبعثه نحوه، فالهيئة و المادّة فيه كلاهما مطلقان، و المأمور به المحصِّل لغرضه هو إتيان الماء مطلقاً.

و قد يتعلّق غرضه بإحضار الماء في ظرف مخصوص، لا لمجرّد الشرب لرفع العطش، بل رياءً للناس الحاضرين عنده لا مطلقاً.

و قد يتعلّق غرضه بفعل، كإنقاذ ابنه الغريق مطلقاً، لكنّه مقيّد عقلًا بالقدرة عليه، و ليست المادّة، و هي الإنقاذ مقيّدة بالقدرة؛ لعدم دخلها في مصلحته، و كذا علم العبد بها، و قد يمنع مانع عن البعث، كظالم يخاف منه، و قد يستحيل أخذ القيد للمادّة.

هذا في مقام الثبوت.

و أمّا مقام الإثبات: فقد يقال بامتناع تقييد الهيئة، و أنّه يجب إرجاع القيود إلى‏

25

المادة (1)؛ لوجوه:

الأوّل: أنّ مفاد الهيئة من المعاني الحرفيّة، و هي غير قابلة للتقييد؛ لعدم استقلالها في اللحاظ (2).

الثاني: أنّ الموضوع له في الهيئات خاصّ و جزئي و لا يمكن تقييد الجزئي‏ (3).

الثالث: أنّ التقييد مستلزم للنسخ لو كان للهيئة، فإنّه لو أمر بشي‏ء خاصّ جزئيّ، ثمّ قيّده بقيد، فهو مستلزم للإعراض عمّا أطلق‏ (4) أوّلًا، و مرجعه إلى‏ الوجه الثاني.

و كلّ هذه الوجوه مدخولة:

أمّا الوجه الأوّل: فلأنّ تقييد المعنى الحرفي ممكن جدّاً، بل لا يحتاج إلى‏ ما ذكرناه سابقاً من أنّ تقييدها إنّما هو بلحاظ معناها ثانياً بالمعنى‏ الاسمي.

توضيح ذلك: أنّ الألفاظ حاكية عن المعاني النفس الأمريّة في الإخبار، سواء كانت أسماءً أو حروفاً، فإنّ قولنا: «ضرب زيد عمراً يوم الجمعة أمام الأمير» يحكي ذلك عن المعنى الواقع في نفس الأمر مع جميع القيود و النسب، فالتقييد بهذه القيود إنّما هو في نفس الأمر، و ليس من قِبَل المتكلّم اللافظ، فإنّه يتصوّر هذه المعاني كذلك، ثمّ يخبر عنها بهذه الألفاظ الدالّة عليها مع قيودها، و لو احتاج كلّ قيد إلى‏ لحاظ المقيّد يلزم لحاظ معنىً واحد مرّات في القيود المتعدّدة، و الوجدان شاهد على خلاف ذلك.

هذا في الإخباريّات.

و أمّا الإنشائيّات فهي- أيضاً- كذلك أو قريب منها؛ لأنّ المُنشِئ يتصوّر المعنى‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 45، 46، فوائد الاصول 1: 181.

(2)- فوائد الاصول 1: 181.

(3)- مطارح الأنظار: 46.

(4)- انظر فوائد الاصول: 181.

26

مع قيوده جميعاً، ثمّ ينشئه بالألفاظ الدالّة عليها، و تعدّد القيود لا يحتاج إلى‏ تعدّد اللحاظ، و لا فرق في ذلك بين المعاني الاسميّة و المعاني الحرفيّة.

و أمّا الوجه الثاني: فقد تفصّى عنه بعض: بأنّ الموضوع له في الهيئات عامّ فلا إشكال، و على فرض كونه خاصّاً فيها فتقييد المعنى الجزئي من قبيل «ضيّق فم الرَّكيّة» (1)؛ بأن يوجده مقيّداً، لا أنّه يطلق أوّلًا، ثمّ يقيّد؛ ليرد عليه الإشكال‏ (2).

أقول: قد عرفت سابقاً أنّ الموضوع له في الهيئات خاصّ، و حينئذٍ نقول:

لا ريب و لا إشكال في إمكان تقييد المعنى الجزئي، و لذا لا يجوز حمل كلام المتكلّم على شي‏ء حتّى يأتي بجميع قيوده.

و أمّا الوجه الثالث: فهو- أيضاً- كذلك و إذا لم يجز حمل كلام المتكلّم على شي‏ء حتّى يفرغ منه، و يأتي بجميع قيوده فلا يلزم منه نسخ لما أطلقه أوّلًا.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في المقام ما حاصله: أنّ المناط في تشخيص أنّ القيد للهيئة أو المادّة و ملاك التميّز بينهما لُبّاً، هو أنّ القيد إن كان دخيلًا في اتّصاف الموضوع بالمصلحة؛ بأن لم يكن فيه بدونه مصلحة، كالحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة، و كذا وجوب الصلاة بالنسبة إلى الدلوك‏ (3)؛ لعدم اتصافها بالمصلحة بدون الدلوك، فهو قيد للهيئة، و إن كان دخيلًا في فعليّة المصلحة و استيفائها لا في أصلها، و لا يمكن استيفاؤها بدون القيد، كالطهارة و الستر و الاستقبال و نحوها للصلاة، فإنّها دخيلة في فعليّة المصلحة و استيفائها، لا في أصلها، فهي قيود للمادة.

ثم قال: هذان القسمان موجودان في الأوامر العرفية أيضاً، ثمَّ فرَّع على ذلك بطلان ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من إرجاع جميع القيود إلى‏ المادة لأنّها لُبّاً على القسمين،

____________

(1)- الركية: البئر و جمعها ركايا، مثل عطية عطايا. المصباح المنير: 282.

(2)- كفاية الاصول: 122- 123.

(3)- الدلوك: و يُراد به زوالها عن وسط السماء. النهاية 2: 130.

27

و ليس أمرها بأيدينا (1)؛ انتهى مُحصل كلامه.

و فيه ما لا يخفى في كلا الشقّين من الشرطية:

أمّا الأوّل: فإنّه لا ريب في أنَّه قد يتعلّق الغرض بإيجاد شي‏ء مُطلقاً، كما لو فرض أنَّ زيداً في غير هذه البلدة، و قال: أكرمه، أو أمر بالصلاة في المسجد مُطلقاً، و قد يتعلّق بإكرامه لا مُطلقاً، بل لو قدم البلد، و قد يكون قدومه مبغوضاً له، لكن تعلّق غرضه بإكرامه على فرض القدوم، أو الصلاة في المسجد لو كان لا مُطلقاً، ففي الصورة الاولى الإكرام مراد مُطلقاً يجب تحصيله و لو بتحصيل مقدّمات قدومه، و كذا في مثال الصلاة، فمع عدم وجود المسجد يجب بناؤه، ليصلي فيه و يحصّل غرضه، فالإرادة فيهما مطلقة لا تقييد فيها، بخلاف الصورة الثانية، فإنَّ الإرادة فيها مُقيّدة لا مطلقة، و يتصوّر هذان القسمان فيما ذكره أوّلًا فإنّ الإرادة قد تتعلّق بالحجّ مع الاستطاعة، فالإرادة فيه مطلقة يجب تحصيل الاستطاعة على فرض عدمها، و قد تتعلّق بالحجّ على تقدير وجود الاستطاعة، فالإرادة فيه مقيّدة، فالمناط في التقييد و الإطلاق هو تقييد الإرادة و إطلاقها، فيمكن دخالة القيد في اتّصاف الموضوع بالمصلحة، مع أنّ الواجب مطلق لا مشروط، فما ذكره- من أنّه متى كان القيد دخيلًا في اتّصاف الموضوع بالمصلحة، فالوجوب فيه مشروط- غير سديد، بل لا بدّ من ملاحظة الإرادة في الإطلاق و الاشتراط.

و أمّا الثاني من شقّي الشرطية فيرد عليها:

أوّلًا: أنّ لازم ما ذكره تحقّق المصلحة في ذات الصلاة بدون الستر و الساتر مثلًا؛ لأنّ المفروض أنّها دخيلة في فعليّة المصلحة و استيفائها، لا في أصل تحقّقها و هو كما ترى‏.

و ثانياً: لو سلّمنا ذلك، لكن يرد عليه: أنّه إذا كانت الإرادة مطلقة متعلّقة

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 335.

28

بشي‏ء له قيد دخيل في فعليّة المصلحة و استيفائها، فالواجب مطلق لا مشروط، و لا تصل النوبة إلى‏ البحث في أنّه قيد للهيئة أو المادّة، فلو تعلّقت إرادته بشرب المسهل- مثلًا- مع المرض بنحو الإطلاق يجب أن يوجد المرض و يمرِّض نفسه مقدّمة لتحصيل المسهل الواجب، بخلاف ما لو تعلّقت إرادته به مقيّدة بالمرض؛ يعني على تقدير وجوده فما ذكره- من أنّه على فرض دخالة المصلحة في فعليّة المصلحة فهو قيد للمادّة- أيضاً غير سديد.

ثمّ إنّ الإيجاب و الوجوب واحد حقيقة، و الفرق بينهما بالاعتبار، فهو من حيث انتسابه إلى‏ الفاعل إيجاب، و من حيث إنّه شي‏ء وجوب، نظير الإيجاد و الوجود، فإذا أراد المولى إيجاد شي‏ء بعث عبده نحوه، فهنا مقدّمات: كالخطور، و التصديق بالفائدة، و الشوق، ثمّ الإرادة.

و بعد المقدّمات هنا أمران: أحدهما الإرادة المضمرة أو المظهرة، و ثانيهما البعث.

و لا إشكال في أنّ الحكم- سواء الوضعي منه أو التكليفي، فإنّ التحقيق: أنّ الأحكام الوضعيّة مجعولة مستقلّاً، لا أنّها منتزعة عن الأحكام التكليفيّة- عبارة عن البعث، أو المنتزع عن البعث عن إرادة، أو الإرادة المظهرة كما عن المحقق العراقي (قدس سره)(1) و ذلك لشهادة الوجدان و حكم العرف و العقلاء بذلك؛ أ فترى‏ في نفسك وجود الحكم بمجرّد الإرادة أو مع إظهارها، كما لو صرّح المولى بوجود الإرادة له- مثلًا- من دون صدور البعث منه، حاشا و كلّا، و إن أمكن أن يقال بوجوب تحصيل غرض المولى، لكنّه لا يختصّ بصورة وجود الإرادة، بل لو علم العبد بأنّ للمولى غرضاً، كإنقاذ ابنه الغريق، و هو غافل عنه، فإنّه ليس هنا إرادة من المولى و لا بعث، و مع ذلك يجب على العبد تحصيل غرضه، كما مرّ مراراً.

إذا عرفت هذا فنقول: هل الوجوب في الواجب المشروط فعليّ قبل تحقّق‏

____________

(1)- انظر مقالات الاصول 1: 106 سطر 5.

29

الشرط و القيد، و حينئذٍ فالشرط للواجب و الامتثال، لا للوجوب، أو أنّه شرط للوجوب و قبل تحقّق الشرط لا وجوب؟ قولان.

و جعل المحقّق العراقي هذا مبتنياً على أنّ الحكم هل هو عبارة عن الإرادة المظهرة أو البعث؟ فعلى الأوّل فالوجوب فعليّ، بخلافه على الثاني، و اختار الأوّل، و فرّع عليه فعليّة الوجوب قبل حصول القيد (1).

و فيه أوّلًا: أنّ الحكم- كما عرفت- عبارة عن البعث أو المنتزع عنه، لا الإرادة المظهرة.

و ثانياً: لو سلّمنا ذلك لكن تفريع فعليّة الحكم عليه غير صحيح؛ لأنّ الإرادة ليست مطلقة بل مقيّدة، فلو قال: الزبيب لو غلى ينجس فهل تجد من نفسك تحقّق النجاسة قبل الغليان؟ كلّا، فإنّ الحكم بنجاسته تقديريّ، و هو يُنافي فعليّة الحكم قبل الغليان.

فتلخّص: أنّه لا وجوب قبل حصول القيد في الواجب المشروط، و هو المشهور (2) بين الاصوليّين أيضاً.

لكن اورد عليه بوجوه:

الأوّل: ما تقدّم من أنّ الموضوع له في الهيئات خاصّ غير قابل للتقييد (3)، و قد عرفت دفعه.

الثاني: ما عن المحقق العراقي (قدس سره) من أنّه على المشهور لا فائدة للبعث حينئذٍ؛ إذ لا إرادة و لا حكم قبل حصول القيد فيلزم لَغويّة الأمر و البعث، بخلاف ما لو قلنا انّ الحكم عبارة عن الإرادة المُظهَرة، فإنّ الحكم- حينئذٍ- متحقِّق بعد البعث و لو قبل‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 338- 340، مقالات الاصول 1: 106 سطر 2.

(2)- الفصول الغرويّة: 79، كفاية الاصول: 121.

(3)- مطارح الأنظار: 46.

30

تحقُّق القيد، فلا يلزم اللَّغويّة (1).

و فيه: أنّ الإرادة موجودة على المشهور أيضاً، فإنّ الآمر يريد البعث فيأمر مقيّداً، و لا يلزم منه اللَّغويّة؛ لأنّ المولى لو كان في مقام جعل القوانين الكلّيّة لعبيده، فقال: «من استطاع وجب عليه الحجّ» فهو مفيد، و لا يلزم لغويته؛ فإنّه يشمل المستطيع في الحال فيجب عليه الحجّ منجّزاً، و مَن سيصير مستطيعاً فيجب عليه بعد تحقُّقها من دون احتياج إلى‏ خطاب آخر، بل لا يمكن جعل القوانين إلّا بهذا النحو، خصوصاً إذا لم يمكنه البعث بعد حصول الشرط، فلا يلزمه اللغويّة.

الثالث: ما هو المشهور- أيضاً- من أنّا نرى في بعض الموارد أنّه قد حكم الشارع بوجوب مقدّمة الواجب المشروط، كوجوب الغسل للمستحاضة قبل الفجر في شهر رمضان، فمع عدم وجوب ذي المقدّمة كيف يمكن القول بوجوب مقدّمته؟! لأنّ وجوبها إنّما هو للملازمة بينه و بين وجوب ذيها، بخلاف ما لو قلنا بفعليّة الوجوب قبل حصول القيد، كما لا يخفى.

و فيه: أنّ وجوب المقدّمة ليس لأجل الملازمة المذكورة أو الملازمة بين الإرادة و البعث إلى‏ ذي المقدّمة و بين ما يراه مقدّمة، بل الملاك لوجوب المقدّمة هو توقّف وجود ذي المقدّمة على وجود المقدّمة، ففيما نحن فيه لمّا علم العبد بأنّه سيجب عليه عمل بعد حصول شرطه، و يتوقّف وجوده على وجود المقدّمة؛ بحيث لو لم يأتِ بها قبل حصول القيد لما أمكنه فعل ذي المقدّمة بعد تحقّق القيد، حكم العقل بوجوب إتيانه بالمقدّمة المذكورة.

و أمّا الملازمة التي ذكرها فهي صحيحة من طرف الملزوم؛ أي كلّما وجب ذو المقدّمة وجبت المقدّمة، و أمّا في جانب اللازم فلا؛ لاحتمال أن يكون اللازم أعمّ فلا يصحّ أن يقال: كلّما وجبت المقدّمة وجب ذو المقدّمة؛ لجواز وجوب المقدّمة بدون‏

____________

(1)- انظر بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 346- 347.

31

ذي المقدّمة كما في المفروض، فإنّ المقدّمة واجبة بحكم العقل و بملاك التوقّف و إن لم يجب ذو المقدّمة فعلًا قبل وجود الشرط؛ لأنّه مع عدم الإتيان بالمقدّمة فيه لا يتمكّن من الإتيان بذي المقدّمة، فيؤدّي تركها إلى تركه اختياراً لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

و بالجملة: هذا الإشكال ناشٍ عن توهّم أنّ وجوب المقدّمة و إرادتها يترشّحان من وجوب ذي المقدّمة و إرادته، و يتولّد من إرادته إرادة وجوب المقدّمة (1)، فيقال: كيف يمكن الترشّح المذكور مع عدم وجوب ذي المقدّمة فعلًا قبل حصول الشرط؟

و لهذا اتّخذ كلٌّ مهرباً عن الإشكال:

فذهب بعضهم إلى‏ أنّ وجوب الأغسال للمستحاضة قبل الفجر ليس من باب المقدّميّة، بل وجوبها تهيُّئيّ.

و ذهب المحقّق العراقي (قدس سره) إلى‏ أنّ وجوب ذي المقدّمة قبل حصول الشرط فعليّ؛ لأنّه عبارة عن الإرادة المظهرة، و هي موجودة متحقّقة (2).

و ذهب الميرزا النائيني (قدس سره) إلى‏ أنّ إيجاب الاغتسال هنا من باب تتميم الجعل الأوّل، و هو جعل وجوب الصوم‏ (3).

لكن عرفت أنّ ملاك وجوب المقدّمة غير ملاك وجوب ذيها، فإنّه لا معنى لترشُّح إرادة عن إرادة، و لا تولُّد وجوب عن وجوب، و لا أنّ إيجاب ذي المقدّمة إيجاب للمقدّمة، فإنّ الوجدان و الذوق السليم ينكران جميع ذلك بل الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة غير الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة، بل ملاك وجوب المقدّمة هو ما ذكرناه.

____________

(1)- كفاية الاصول: 117، فوائد الاصول 1: 385 و 387، بدائع الأفكار: 385 و 399.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 366- 367.

(3)- انظر أجود التقريرات 1: 115.

32

و أمّا ما أفاده المحقّق العراقي (قدس سره) من أنّ الوجوب عبارة عن الإرادة المظهرة، فينشأ منها في ذي المقدّمة إرادة المقدّمة، فلم نتعقّله؛ لأنّه لا ريب في أنّ إرادة المقدّمة على فرض تسليم ما ذكره تابعة لإرادة ذي المقدّمة في الإطلاق و التقييد، و الإرادة المتعلّقة بذيها مقيّدة لا مطلقة، فالإرادة الناشئة منها المتعلّقة بالمقدّمة لا بدّ و أن تكون كذلك، و إلّا يلزم أوسعيّة دائرة المعلول من دائرة علّته، و هو مستحيل.

المبحث الثاني في الواجب المعلَّق و المنجَّز

قال صاحب الفصول ما ملخّصه: انّ الواجب ينقسم باعتبارٍ إلى‏ منجَّز و معلَّق؛ لأنّ الواجب إن كان معلّقاً على أمر غير مقدور للمكلّف فهو الثاني، مثل صلاة الظهر بالنسبة إلى‏ الدُّلوك، و إلّا فهو المنجَّز، كتحصيل المعرفة.

و الفرق بين الواجب المعلَّق و المشروط: هو أنّ القيد شرط للوجوب في الثاني، فلا وجوب قبل حصوله، و شرط للواجب في الأوّل، فالوجوب فيه فعليّ، و الواجب استقبالي‏ (1). انتهى.

و اورد على الواجب المعلّق بوجوه:

أحدها:

أنّه يستلزم تخلّف المراد عن الإرادة في الإرادة الفاعليّة و التشريعيّة (2). و ذكر بعض المحقّقين في توضيحه ما حاصله: أنّ الإرادة عبارة عن الشوق المؤكّد، فإنّ الشخص إذا اشتاق إلى‏ شي‏ء يشتدّ اشتياقه شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ حدّاً يصير

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 79- 80.

(2)- نسبهُ الميرزا أبو الحسن المشكيني في حاشيته على الكفاية إلى المحقّق النّهاوندي 1: 161.

33

منشأً و علّةً لتحريك العضلات في الإرادة الفاعليّة، أو إلى‏ البعث في التشريعيّة، فإذا بلغ الشوق إلى‏ هذا الحدّ و مع ذلك لم تتحرَّك العضلات، لزم تخلُّف المعلول و المراد- و هو تحريك العضلات أو البعث- عن علّته التامّة أو الإرادة التي هي الشوق المؤكّد، و هو مستحيل، فالواجب المعلّق الذي هو مستلزم لذلك مستحيل.

فإن قلت: يمكن أن تكون الإرادة مشروطة بدخول الوقت في تأثيرها.

قلت: إن اريد أنّ دخول الوقت شرط لتكميل الشوق إلى‏ أن يبلغ الحدّ المذكور، و قبل حصول القيد لم يبلغ إلى‏ ذلك الحدّ الذي هو الإرادة، فلا شوق مؤكّد قبل حصول القيد، فهو صحيح، لكنّه خارج عن الفرض.

و إن اريد أنّ دخول الوقت شرط لتأثيره مع بلوغه إلى‏ ذلك الحدّ، و مع ذلك لا تأثير له قبل دخول الوقت، فهو محال؛ لاستلزامه تخلّف المعلول عن علّته التامّة.

فإن قلت: يمكن أن تتوقّف الإرادة على مقدّمات مقدورة للمكلّف، و عليه فلا يمكن البعث نحو فعل في وقته مع عدم حصول مقدّماته الوجوديّة؛ ضرورة عدم إمكان الانبعاث نحو ذي المقدّمة إلّا بعد وجود مقدّماته، و الفرض أنّه لا ينبعث نحو مقدّماته إلّا عن البعث إلى‏ ذيها.

قلت: حيث إنّ تحصيل المقدّمات ممكن، فالبعث و الانبعاث إلى‏ ذيها متّصفان بصفة الإمكان، بخلاف البعث إلى‏ شي‏ء قبل حضور وقته، فإنّ الفعل المتقيّد بالزمان المتأخّر في الزمان المتقدّم محال من حيث لزوم الخلف و الانقلاب، فهو ممتنع وقوعاً، بخلاف فعلٍ له مقدّمات غير حاصلة، فإنّ البعث نحوه ممكن الوقوع.

لا يقال: كيف حال المركّب من امور تدريجيّة الوجود، كالصلاة و الإمساك في مجموع النهار، فإنّ الانبعاث نحو الجزء المتأخّر في زمان الانبعاث في زمان الجزء المتقدّم غير معقول و مع ذلك فالكلّ مبعوث إليه ببعث واحد في أوّل الوقت؟

لأنّا نقول: ليس في الفرض إرادة واحدة بل اشتياقات يكمل كلّ واحد منها

34

بالحركة الجوهريّة تدريجاً فتصير إرادات متدرّجة الوجود متعلّقة بكلّ واحد من الأجزاء عند بلوغ أوانها (1). انتهى.

و فيه مواقع للنظر:

أمّا أوّلًا: فانّ ما ذكره (قدس سره) من أنّ الإرادة عبارة عن الشوق المؤكّد فهو غير صحيح، فإنّ الاشتياق انفعال و الإرادة فعل من أفعال النفس و لها مقام الباعثية، فعلى ما ذكره يلزم أن يكون الفعل انفعالًا.

و ثانياً: ما ذكره من أنّ الاشتياق إلى‏ ذي المقدّمة سبب للاشتياق إلى‏ المقدّمة أيضاً غير صحيح؛ لعدم تعلُّق الشوق بالمقدّمات أبداً؛ لأجل عدم وجود ما يشتاق بسببه إليها، بخلاف ذي المقدّمة.

و ما ذكره ناشٍ عن توهّم أنّ الإرادة في جميع مواردها مسبوقة بالشوق مع أنّ الإنسان كثيراً ما يريد فعلًا بدون الاشتياق إليه، بل مع الكراهة أو الإلجاء و الاضطرار، مثل شرب الدواء المرّ لدفع المرض.

و ثالثاً: ما ذكره من أنّ الاشتياق يكمل شيئاً فشيئاً بالحركة الجوهريّة حتّى يبلغ حدّ النصاب- أي الإرادة- أيضاً غير مستقيم، فإنّ الإرادة المحرّكة للعضلات غير الإرادة الناشئة عن الاشتياق، فإنّ الاولى لا تنفكّ عن المراد؛ أي تحريك العضلات، و هو ليس مشتاقاً إليه، و أمّا الثانية فليست متعلّقة بتحريك العضلات، و هي علّة لوجود الاولى، فبمجرد الاشتياق إلى‏ ذي المقدّمة و إرادته لا تتحرك العضلات نحو الفعل، فما ذكره من تدرُّج الاشتياق حتى يبلغ حدّاً يُحرِّك العضلات خلطٌ بين الإرادتين: احداهما المحرّكة للعضلات، و هي مبدأ للتحريك، و ثانيتهما المتعلّقة بذي المقدّمة.

و أمّا ما قرع سمعك: من أنّ الإرادة علّة تامّة أو جزء أخير لها لتحريك‏

____________

(1)- نهاية الدّراية 1: 184- 187.

35

العضلات، و أنّه يستحيل انفكاك المعلول عن علّته التامّة، فلم يقم عليه دليل و لا برهان، فإنّ غاية ما يمكن أن يقال في تقريبه هو أنّ القوى النفسانيّة حيث إنّها مراتب للنفس، فلا تعصي النفس، بل تطيعها؛ لعدم معقوليّة تعصّي الشي‏ء عن نفسه، فلا يمكن تخلّف المراد عن الإرادة.

لكن فيه: أنّه إذا كان الإنسان مفلوجاً لا يمكنه أن يتحرّك نحو الفعل، و النفس غافلة عن ذلك، فتريد تحريكه، لكن لا يمكنه التحرُّك لعلّته، و هو تخلّف المراد عن الإرادة بالوجدان.

و أيضاً لو فرض أربعة: أحدهم: يشتاق إلى‏ الحجّ، لكنّه يعلم بعدم قدرته عليه؛ لعلمه بعدم وجود ما يتوقّف عليه، فهو لا يريده مع اشتياقه إليه.

و ثانيهم: يشتاق إليه و يريده لعلمه بحصول ما يتوقّف عليه.

و ثالثهم: لا اشتياق له إليه طبعاً، لكن يريده خوفاً من العذاب المتوعّد عليه في تركه.

و رابعهم: لا اشتياق له إليه أبداً، و لا إرادة أيضاً.

ففرقٌ بين هذه الأربعة، فإنّ الثاني يريد الحجّ بعد حصول ما يتوقّف عليه، و لم يتحقّق بعدُ، فيلزم تخلُّف المراد عن الإرادة.

و على فرض الإغماض عن جميع ذلك، و تسليم استحالة تخلّف المراد عن الإرادة في الإرادة التكوينيّة، لكن قياس الإرادة التشريعيّة عليها في غير محلّه.

فقوله: إنّ الداعي إلى‏ البعث هو الانبعاث، و هو موصوف بصفة عدم الإمكان.

فيه: أنّ غاية ما ذكر هو لزوم لَغويّة البعث فيما نحن فيه، و هو مسلّم، لكن الداعي إلى‏ البعث هو الانبعاث في وقته و زمانه، فالبعث المطلق يلزمه وجوب الانبعاث المطلق، و البعث إلى‏ الفعل في زمان متأخّر عنه يلزمه وجوب الانبعاث أيضاً كذلك.

36

و أمّا القول بأنّ البعث إنّما هو لإيجاد الداعي للمكلّف على الاتيان بالمكلّف به ففيه:

أمّا أوّلًا: فلأنّ البعث ليس لإيجاد الداعي، بل هو لتمهيد موضوع العقاب و الثواب.

و ثانياً: لو سلّمنا ذلك، لكن إيجاد الداعي تبع للبعث، فإن كان البعث مطلقاً و في زمان الحال فهو لإيجاد الداعي كذلك، و إن كان البعث إلى‏ الفعل في زمان متأخّر فهو لإيجاد الداعي كذلك.

ثانيها:

قال المحقّق النائيني (قدس سره) في المقام ما حاصله: إنّه لا إشكال في الواجب المعلّق من حيث تعلُّق الإرادة بالأمر المتأخّر لإمكانه بالوجدان، بل الإشكال فيه من جهة اخرى‏، و هي أنّ الخطابات الشرعيّة: إمّا صادرة من الشارع بنحو القضايا الحقيقيّة، أو بنحو القضايا الخارجيّة، فعلى الأوّل فاستحالة الواجب المعلّق واضحة؛ لأنّه لا بدّ أن ترجع جميع القيود إلى‏ المادّة و الموضوع فإذا فُرض تعلّق الأمر بالصلاة معلّقاً على الدلوك فلا بدّ أن يُفرض الموضوع موجوداً ثمّ يبعث إليه، و حينئذٍ فالقيد إمّا حاصل و متحقّق، و المفروض أنّ الأمر متوجّه إلى‏ الموضوع بجميع قيوده، فيلزم تحصيل الحاصل، و هو القيد، و هو محال، و إمّا غير حاصل و غير متحقّق، بل سيحصل بعد ذلك، فيلزم الأمر بغير المقدور؛ لأنّ تحصيل القيد- و هو الدلوك- غير مقدور للعبد، و هو- أيضاً- محال. و كذلك لو كانت الخطابات الشرعيّة بنحو القضايا الخارجيّة. (1) انتهى.

و فيه ما لا يخفى:

أمّا أوّلًا: فلأنّك قد عرفت أنّ القيود بحسب اللُّبّ مختلفة: فبعضها قيد للمادّة، و بعضها راجع إلى‏ الهيئة، و ليست باختيارنا حتّى نرجعها جميعها إلى‏ المادّة، و كلّ من‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 186- 188.

37

الواجب المطلق و المشروط معلّقاً أو منجّزاً، لا ينقلب عمّا هو عليه من الإطلاق و الاشتراط بحصول الشرط و تحقّقه و عدمه، و لا يصير المشروط مطلقاً بحصول الشرط، و لا المعلّق منجّزاً بحصول القيد المعلّق عليه.

و أمّا ثانياً فقوله (قدس سره): يلزم تحصيل الحاصل، فيه: أنّه لو فُرض تعلّق الأمر بالصلاة مع الطهارة، معناه أنَّ الصلاة مع الطهارة مطلوبة، فإذا فرض أنّه مُتطهّر لا يجب عليه التطهّر حتّى يُقال إنَّه تحصيل للحاصل.

و ثالثاً قوله: يلزم الأمر بغير المقدور، فيه: أنّه ناشٍ عن توهّم أنَّ الأمر بالمقيّد أمر بالقيد أيضاً، و ليس كذلك؛ لأنَّ الأمر متعلّق بالمقيّد بعد حصول القيد لا بالقيد.

فتلخص: أنَّ الواجب المُعلّق ممكن الوقوع، لكن بعد ما عرفت إثبات الواجب المشروط و جواز الشرط المُتأخّر و عدم ورود الإشكالات عليه، و بعد ما عرفت أنّ وجوب المقدّمات إنّما هو بملاك التوقّف و حكم العقل، لا من باب المُلازمة، لا يترتّب على الواجب المعلّق ثمرة و فائدة؛ فإنَّ الداعي إلى الالتزام بالواجب المعلّق إنّما هو لأجل أنَّهم لما رأوا وجوب بعض المقدّمات في الشريعة قبل وجوب ذيها، كغسل الاستحاضة للصوم قبل الفجر في شهر رمضان، و أشكل الأمر عليهم؛ بأنَّه كيف يُمكن وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها؟ التزموا بالواجب المعلّق لدفع الإشكال.

لكن لمّا عرفت أنَّ وجوب المقدّمة المذكورة و نحوها بملاك التوقّف- أي توقف ما سيجب بعد حصول القيد- فلا حاجة إلى الالتزام بالواجب المعلّق.

خاتمة:

إذا دار الأمر بين تقييد الهيئة أو المادة، و شُك في ذلك بعد الفراغ عن إثبات إمكان إرجاعه إلى كل واحد منهما، فهل هناك دليل شرعي يُعين أحدهما أو لا؟

نُسب إلى الشيخ (قدس سره) أنّه يتعيّن إرجاع القيود إلى‏ المادة لوجهين:

38

أحدهما: أنَّ إطلاق الهيئة شمولي و إطلاق المادة بدليّ، فإنَّ إطلاق وجوب الإكرام شامل لجميع التقادير التي يُمكن أن تكون تقديراً له في حال واحد، و إطلاق المادّة بدلي غير شامل لفردين في حال واحد، فلو دار الأمر بين تقييد أحدهما، فتقييد الثاني أولى‏ (1).

أقول: لا بُدَّ من ملاحظة كلمات القوم في باب المطلق و المقيّد أوّلًا، ثمَّ التعرّض لصحّة ما نُسب إلى الشيخ (قدس سره) و عدمها:

أمّا الأوّل: فإنّهم قالوا في الباب المذكور: إنَّ الإطلاق على نحوين: شمولي كإطلاق العالم في أكرم العالم، و بدلي مثل أكرم عالماً، و ذكروا أنَّه لا فرق بين الإطلاق الشمولي و العام الشمولي نحو «كل عالم» في أنَّ مفاد كلّ واحد منهما هو السعة و الشمول لكل فردٍ من أفراده، إلّا أنَّ دلالة الأوّل إنّما هي بمعونة مقدّمات الحكمة، و الثاني بالوضع‏ (2).

أقول: لا ريب في أنَّ لفظ «العالم» أو «البيع» في «أكرم العالم» و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» (3) إنّما هو موضوع للطبيعة لا بشرط كالإنسان، و هي متّحدة مع الأفراد في الوجود الخارجي، و أنَّ كل واحدٍ من الأفراد تمام الطبيعة، و حينئذٍ فالموضوع في «أكرم العالم» و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» ليس إلّا الطبيعة لا بشرط، و خصوصيات الأفراد خارجة عن مدلول اللفظ، فلا يدل لفظ «البيع» أو «العالم» إلّا على الطبيعة لا بشرط فقط، و هي تمام الموضوع للحكم؛ بحيث كلّما تحقّقت بتحقّق فردٍ من الأفراد يثبت له الحكم، بخلاف قولنا: «أكرم كلّ عالم»، فإنَّه يدل بالدلالة اللفظية الوضعيّة على الاستغراق؛ ففرق واضح بين الإطلاق الشمولي و العموم الشمولي.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 49.

(2)- فوائد الاصول 1: 511.

(3)- البقرة: 275.

39

نعم: لو قال: «أكرم العالم» فهو- من حيث إنَّه فعل اختياري صادر عن عاقل مُختار- ظاهر في العموم، لكنّه ظهور الفعل من حيث إنَّه فعل، لا من حيث إنّه لفظ، بخلاف قولنا: «كل عالم» فإنّه يدل بالدلالة اللّفظية على الاستغراق و الشمول.

و ثانياً: لو أغمضنا عن ذلك، لكن لا يمكن أن يكون الإطلاق في الهيئة شمولياً و في المادة بدلياً؛ لاستحالته.

توضيح ذلك: أنَّه لا ريب في عدم إمكان تعلّق إرادتين بطبيعة واحدة مع قطع النظر عن الخصوصيات، و حينئذٍ فالمادة لا تدل إلّا على مُجرَّد الطبيعة، و أما دلالتها على الإطلاق البدلي فليست دلالة لفظية، بل لأجل أنَّه فعل اختياري صادر عن مُتكلّمٍ عاقلٍ مُختارٍ، ظاهر في الإطلاق البدلي؛ لأنَّه لو أراد فرداً خاصّاً من البيع في‏ «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» مثلًا، لزم عليه البيان؛ لاحتياجه إلى‏ مئونةٍ زائدةٍ، فمع فرض كون المُتكلِّم في مقام البيان و عدم نصبه قرينة على الخلاف اقتضى ذلك الحملَ على العموم البدلي.

و ما ذكروه: من أنَّ إحدى‏ مقدّمات الحكمة عدم وجود القدر المُتيقن في البين.

غير صحيح، بل مقدّمات الحكمة ليست إلّا ما ذكر من كون المُتكلِّم في مقام البيان، و عدم نصب القرينة على الخلاف و جعل الموضوع نفس الطبيعة.

و بالجملة: المادة لا تدلّ بالدلالة اللّفظية إلّا على مُجرَّد الطبيعة لا بشرط، فلو كانت الهيئة موضوعة للإطلاق الشمولي، فمعناها و مفادها الأبعاث المُتعددة بنحو الشمول، و هي مسبوقة بإرادات مُتعددة متعلّقة بالطبيعة المجرَّدة؛ و هو محال، لما عرفت من عدم إمكان تعلّق إرادات مُتعددة بطبيعة واحدةٍ و شي‏ءٍ واحد.

ثمَّ لو سلمنا أنَّ إطلاق الهيئة شمولي و إطلاق المادة بدلي، لكن لا ترجيح لأحدهما على الآخر في التقييد في صورة دوران الأمر بين تقييد أحدهما، فإنَّ لكل واحدٍ من الإطلاق الشمولي مثل «العالم» و الإطلاق البدلي مثل «عالماً» دلالة لفظية،

40

و هي دلالتها على الطبيعة المجردة، و دلالة خارجية، و هي دلالة مقدّمات الحكمة على الإطلاق الشمولي في الأول و البدلي في الثاني، و لا دليل على أنَّ تقييد الثاني أولى عند الدوران.

و يظهر من المحقّق النائيني (قدس سره) اختيار ما ذكره الشيخ (قدس سره) من لزوم إرجاع القيود إلى المادة لكن لوجهين آخرين:

أحدهما: أنَّ تقديم الإطلاق البدلي يقتضي رفع اليد عن الإطلاق الشمولي في بعض مدلوله، و هي حرمة إكرام الفاسق في قوله «لا تكرم فاسقاً»، بخلاف تقديم الإطلاق الشمولي، فإنَّه لا يقتضي رفع اليد عن مدلول الإطلاق البدلي أصلًا، مثل «أكرم عالماً»؛ لأنَّ المفروض أنَّه الواحد على البدل؛ و هو محفوظ لا محالة، غاية الأمر أنّ دائرته كانت وسيعة، فتضيّقت بالتقييد.

و ثانيهما: أنّ الإطلاق البدلي يحتاج- زائداً على كون المولى في مقام البيان و عدم نصب قرينة على الخلاف- إلى‏ إحراز تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض حتّى يحكم العقل بالتخيير بينها، بخلاف الإطلاق الشموليّ، فإنّه لا يحتاج إلى‏ ذلك، بل يكفي تعلّق النهي بالطبيعة الغير المقيّدة، فيسري الحكم إلى‏ الأفراد قهراً، فمع وجود الإطلاق لا يُحرز العقل تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض، فالإطلاق الشموليّ حاكم على الإطلاق البدليّ من حيث دليليّته و حجّيّته.

و بالجملة: يتوقّف حجّيّة الإطلاق البدليّ على عدم المانع في بعض الأطراف عن التخيير العقلي، و الإطلاق الشموليّ صالح للمانعيّة (1). انتهى.

أقول: ما ذكره من المثال للإطلاق الشموليّ بقوله: «لا تكرم فاسقاً» غير صحيح؛ لأنّه عامّ من جهة وقوع النكرة في سياق النفي، و هو يفيد العموم، و لا يصلح مثالًا للمطلق، و لو أغمضنا النظر عن ذلك؛ لكونه مناقشةً في المثال، يرد عليه: أنّ‏

____________

(1)- أجود التقريرات: 161- 162.

41

التضييق المذكور في كلامه- في صورة تقييد الإطلاق البدليّ- عبارة عن التقييد الاصطلاحي الذي ذكروه، و ليس المراد من التقييد إلّا ذلك التضييق، فإنّه بدون التصرّف فيه غير ممكن، بل غير معقول.

و أمّا ما أفاده: من احتياج الإطلاق البدلي إلى‏ بيان زائد، ففيه: أنّه قد عرفت أنّه لا فرق بين الإطلاق الشمولي و البدلي في أنّ لكلّ واحدٍ منهما دلالة في نفسه، و دلالة من الخارج: أمّا الاولى فهي دلالة كلّ واحد منهما على الطبيعة، و الثانية دلالة مقدّمات الحكمة على أنّ الإطلاق شموليّ أو بدليّ، فيحتاج كلّ واحد منهما إلى‏ مقدّمات الحكمة، و إلّا فمجرّد تعلّق حكم الحلّيّة بالبيع- مثلًا- لا يُفيد ذلك.

فتلخّص: أنّ ما ذكره الشيخ: من أنّ الإطلاق في الهيئة شموليّ؛ لأنّ مفادها الوجوب في جميع التقادير، و في المادّة بدلي؛ لعدم الاحتياج إلى‏ أزيد من فرد واحد منها، فلا بدّ من تقييد المادّة في صورة الدوران‏ (1)؛ و لعلّه للأظهريّة، أو لما ذكره النائيني في باب التعارض من احتياج الإطلاق البدلي إلى‏ مئونة زائدة (2).

مدفوع: أمّا أوّلًا فلما عرفت من أنّ تقسيم الإطلاق إلى‏ البدلي و الشمولي غير صحيح؛ لاحتياج جميع المطلقات إلى‏ مقدّمات الحكمة من غير فرق بينها، و دلالتها- أيضاً- من باب ظهور الفعل، لا ظهور اللفظ، فإنّ الشموليّة و البدليّة ليستا مفادين للإطلاق، بل مستفادان من القرائن الخارجيّة.

ثمّ على فرض تسليم أنّ الإطلاق على قسمين شموليّ و بدليّ، لكن ما نسب إليه من أنّ الإطلاق في الهيئة شموليّ و في المادّة بدليّ- أيضاً- ممنوع عقلًا؛ لأنّه لو فرض أنّ المولى قال: «أكرم زيداً»، ثمّ قيّده منفصلًا، و فرض الشكّ في أنّه قيد للهيئة حتّى لا يجب تحصيله، أو للمادّة فيجب تحصيله، لم يمكن إرجاعه إلى‏ المادّة لأجل أنّ‏

____________

(1)- تقدّم تخريجُهُ.

(2)- انظر فوائد الاصول 4: 729، 730.

42

الإطلاق في الهيئة شموليّ و في المادّة بدليّ؛ فإنّ معنى شموليته أنّه على كلّ تقدير يفرض فيه وجوب، و أنّ لكلّ واحد من الوجوبات إرادة، و لا يعقل تعلّق وجوبات و إرادات متعدّدة بإكرام واحد على البدل، فالقول بأنّ الإطلاق في الهيئة شموليّ و في المادّة بدليّ غير معقول.

و إن أراد من الإطلاق الشموليّ في الهيئة أنّ الوجوب واحد لكن لا قيد له، فهو صحيح معقول، لكن المادّة- أيضاً- كذلك، و لا مرجّح لتقديم الإطلاق في الهيئة.

الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ (قدس سره) لتقديم تقييد المادّة: أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة، و يرتفع به مورده و موضوعه، بخلاف العكس، و إذا دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى:

أمّا الصغرى: فلأجل أنّه لا يبقى‏ مع تقييد الهيئة محلّ حاجة و بيان لإطلاق المادّة؛ لأنّها لا محالة لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة، بخلاف تقييد المادّة، فإنّ محلّ الحاجة إلى‏ إطلاق الهيئة على حاله، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد و عدمه.

و أمّا الكبرى: فلأنّ التقييد و إن لم يستلزم المجازيّة إلّا أنّه خلاف الأصل، و لا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق و بين أن يعمل عملًا يشترك مع التقييد في الأثر و بطلان العمل‏ (1). انتهى.

أقول: ما ذكره من أنّ تقييد الهيئة يُوجب إبطال محلّ الإطلاق في المادّة دون العكس، فهو غير متصوّر؛ لعدم ارتباط تقييد الهيئة بالمادّة، فإنّه إذا قيل: «إذا جاءك زيد فأكرمه»، و فُرض أنّ المجي‏ء قيد للهيئة- أي وجوب الإكرام- فلا يستلزم ذلك التقييد الاصطلاحي للمادّة.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 49 سطر 26.

43

و إن أراد من استلزام تقييد الهيئة لتقييد المادّة هو التضييق الذاتي للمادّة لبّاً، لا التقييد الاصطلاحي، فعكسه- أيضاً- كذلك، فإنّ تقييد كلّ منهما مستلزم لتقييد الآخر بهذا المعنى، و هو ليس بتقييد اصطلاحي.

المبحث الثالث في الواجب النفسي و الغيري‏

قد يقسّم الواجب إلى‏ النفسي و الغيري، و عرّف النفسي: بما امر به لأجل نفسه، و الغيري: بما امر به لأجل غيره‏ (1).

و أورد عليه: بأنّه يلزم من ذلك أن تكون جميع الواجبات غيرية؛ لأنّ الأمر بكلّ طبيعة إنّما هو لأجل غاية و فائدة تترتّب عليه هي المقصودة بالذات، و لولاها لما كان داعٍ إلى‏ الأمر بها، فالصلاة محبوبة للمولى و مأمور بها لأجل المصلحة الكامنة فيها، و إلّا لما أمر بها، فيكون وجوبها للغير (2).

و أجاب عنه في «الكفاية»: بأنّه و إن كان كذلك، لكنّ ذو الأثر لمّا كان مُعنوناً بعنوان حسن- يستقلّ العقل بمدح فاعله، بل و يذم تاركه- صار متعلَّقاً للأمر و الإيجاب بما هو كذلك، و لا ينافيه كونه مقدّمة لأمر مطلوب واقعاً، بخلاف الواجب الغيريّ لتمحض وجوبه في أنّه مقدّمة لواجب نفسيّ‏ (3).

أقول: لا بدّ من ملاحظة الإرادة الفاعليّة و الإرادة الآمريّة و الوجوب النفسي و الغيري، فنقول: لا ريب في أنّ أحداً لو أراد إيجاد شي‏ء فلا بدّ و أن يكون هو إمّا

____________

(1)- هداية المسترشدين: 193 سطر 7، مطارح الأنظار: 66 سطر 20.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 66 سطر 21.

(3)- كفاية الاصول: 136.

44

محبوباً بالذات له، أو يرجع إلى‏ ما هو المحبوب بالذات، و كذلك الإرادة الآمريّة لا بدّ أن يكون أمره لغاية هي المحبوبة بالذات أو يرجع إلى‏ ما هو المحبوب بالذات، على أي تقدير لا دخل للوجوب النفسي و الغيري في الإرادة مطلقاً؛ لما عرفت من أنّ الوجوب عبارة عن البعث أو المنتزع عنه لا الإرادة، و حينئذٍ نقول: كلّ بعث ليس فوقه بعث فهو بعث نفسي و إيجاب نفسي و إن تعدّدت الأغراض المختلفة منه، و كلّ بعث فوقه بعث آخر فهو بعث و إيجاب غيري، فلو فرض أنّ للبنّاء عملة متعدّدين، فبعث أحدهم لتحصيل التراب، و الثاني لجعله طيناً، و الثالث لإعطاء الطين له، فالبعث و الإيجاب بالنسبة لكل واحد منهم نفسي؛ لأنّ لكلّ واحد منهم بعثاً ليس فوقه بعث.

و لو فُرض أنّ له عاملًا واحداً، فبعثه أوّلًا نحو تحصيل التراب، و ثانياً نحو جعْلِهِ طيناً، و ثالثاً نحو إعطاء الطين له، فالأمر بتحصيل التراب و جعله طيناً غيريّ؛ لأنّ فوق كلّ منهما أمر و أمّا أمره بإعطاء الطين بيده فهو أمر نفسي؛ لأنّه أمر ليس فوقه أمر آخر، فمناط الفرق بين الواجب النفسي و الغيري هو ذلك، و لا يرد عليه الإشكال المتقدّم.

و من هنا يظهر فساد ما أفاده الميرزا النائيني (قدس سره) من أنّ الإرادة المترشِّحة من إرادة اخرى‏ هي الوجوب الغيري، و الإرادة المُترشَّح منها هي الوجوب النفسي‏ (1).

و كذا ما يظهر من غيره: من أنّ البعث اللازم لبعث آخر هو الوجوب الغيري، و البعث الملزوم هو الوجوب النفسي‏ (2).

و ما ذكرنا من مناط الفرق لا إشكال فيه.

و إنّما الإشكال فيما لو شكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري، فهل هنا قاعدة تقتضي تعيين أحدهما أو لا؟

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 220.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 372.

45

فذهب في «الكفاية» إلى‏ أنّه لو كان المولى في مقام البيان، و أطلق الأمر، فمقتضى الإطلاق هو كونه نفسيّاً؛ لأنّ الغيريّة تحتاج إلى بيان و مئونة زائدة على الإطلاق، فمع عدم ذكر القيد و الحكم بالإطلاق يحكم بأنّه واجب نفسي‏ (1). انتهى محصّله.

أقول: ما ذكره مستلزم لاتّحاد القسم و المقسم؛ فإنّ الوجوب على قسمين:

نفسي و غيري، و بناء على ما ذكره من أنّ المحتاج إلى‏ القيد هو الغيري لا النفسي، فالنفسي الذي هو قسم من الوجوب عين الوجوب الذي هو المقسم، و هو مستحيل، فلا بدّ أن يكون للنفسي- أيضاً- قيدٌ به يمتاز عن المقسم كالغيري، سواء كان القيد وجوديّاً؛ بأن يقال: النفسي ما امر به لأجل نفسه، و الغيري ما امر به لأجل غيره أم كان في النفسي عدميّاً، و في الغيري وجوديّاً؛ بأن يقال: الغيري ما امر به لأجل غيره، و النفسي ما امر به لا لأجل غيره، أو بالعكس، بأن يقال: النفسي ما امر به لأجل نفسه، و الغيري ما امر به لا لأجل نفسه، و على أيّ تقدير لا بدّ لكلّ واحد منهما من قيد به صار قسماً للمقسم، و عليه فما ذكره من الحكم بالنفسيّة لأجل الإطلاق غير تامّ بل إرادة النفسي- أيضاً- تحتاج إلى‏ قيد و مئونة زائدة.

و أمّا القول: بأنّ الوجوب موضوع للجامع بينهما، فقد عرفت أنّ الموضوع له في الهيئات خاصّ لا عامّ، و كيف يمكن وضع الهيئة للجامع بين الوجوب الذي يترتّب على تركه العقاب و بين الوجوب الذي ليس كذلك؟! و حينئذٍ فالبعث واحد و الغايات مختلفة، و بهذا الاعتبار يمكن أن يقال بعدم صحّة تقسيمه إلى القسمين هنا.

و أمّا توهّم انصراف الوجوب إلى‏ النفسي، فلا يخفى ما فيه؛ لأنّ منشأ الانصراف المعتبر هو كثرة الاستعمال، و هي غير معلومة، فالأولى في المقام أن يقال- كما عرفت سابقاً- إنّ أمر المولى حجّة منه على العبد تحتاج إلى‏ الجواب، فلو أمره‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 136.

46

بإحضار الماء، و فرض أنّه تطهّر بماء آخر، فشكّ في أنّ هذا البعث نفسي حتّى يجب عليه إحضاره، أو غيري للتطهير، فلا يجب لحصول الغرض منه بتطهّره بماء آخر، و تَرَكه معتذراً باحتمال أنّه غيري، لم يُقبل عذره عند العقلاء، بل يقبّحونه، و صحّ للمولى الاحتجاج عليه به و عقابه، فلا بدّ أن يتعامل معه معاملة الوجوب النفسي في صورة الشكّ، لكن لا يثبت به الوجوب النفسي بخصوصيّته.

و ذكر بعض الأعاظم (و هو المحقّق النائيني (قدس سره) و مال إليه المحقّق العراقي (قدس سره)) في المقام ما حاصله: حيث إنّ وجوب المقدّمة مترشح من وجوب ذي المقدّمة، فوجوب المقدّمة مشروط بوجوب ذيها، و وجود ذيها مشروط و متقيّد بوجوب المقدّمة، فوجوب الوضوء مشروط بوجوب الصلاة، و وجود الصلاة متقيّد بوجود الوضوء، فإذا شكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري فالشكّ ناشٍ عن جهة شرطيّة الوجوب و تقييد الوجود المذكورين، و إذا فرض كون دليل كلٍّ من المقدّمة وذي المقدّمة مطلقاً، و اخذ بالإطلاق، يُرفع به كلا التقييدين في كلّ واحد منهما، و يحكم بأنّه نفسي لا غيري، بل لو فرض كون أحد الدليلين مطلقاً فقط يتمسّك بإطلاقه لنفي كلا التقييدين: أحدهما بالمطابقة، و الآخر بالالتزام؛ بناء على أنّ مثبتات الاصول اللفظيّة حجّة. (1) انتهى محصّله.

و فيه أوّلًا: أنّه ليس كلُّ ما شُكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري هو من قبيل الشرط و المشروط، بل إنّما هو في بعض أقسام المفروض، و بعضها الآخر ليس كذلك، فإنّه لو أمر المولى بالسير إلى‏ الحجّ، و شكّ المكلّف في أنّه واجب نفسي أو غيري مقدّمة للحجّ، فعلى فرض غيريّته ليس وجود الحجّ متقيّداً بوجوده، و كذلك لو أمر المولى بنصب السُّلَّم، و شكّ في أنّه واجب نفسي أو غيري مقدّمة للكون على السطح فوجود الكون على السطح، ليس مقيّداً بوجود نصب السُّلَّم، نعم: باب‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 220- 222، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) 1: 372.

47

الوضوء و الصلاة كذلك، فليس كلّ ما كان وجوبه مشروطاً بشي‏ء يقيّد وجوده بوجود الشرط.

و ثانياً: لو فرض أنّ وجوب المقدّمة ترشّحي، لكن لا يعقل اشتراط وجود ذي المقدّمة بوجود المقدّمة.

بيان ذلك: أنّ معنى الترشُّح: هو أنّ وجوب المقدّمة معلول لوجوب ذي المقدّمة، فالمعلول إمّا حال عدمه متقيّد بالعلّة، فهو غير معقول؛ لعدم قابليّة المعدوم للاشتراط و التقييد، أو حال وجوده متقيّد بها، فهو- أيضاً- كذلك، فإنّ لمعلول كلّ علّة و إن كان تقييد و ضيق ذاتيّ بالعلّة الخاصّة كالحرارة المعلولة للنار، لكن لا يمكن تقييد وجوده بوجود علّته.

و توهّم: أنّ مراده (قدس سره) هو ذلك الضيق الذاتي، مدفوع: بأنّه خلاف ما صرّح هو (قدس سره) به؛ لأنّه صرّح: بأنّه يُرفع التقييد بالأخذ بالإطلاق، و التقييد الذاتي لا يقبل الرفع.

و بالجملة: من المعلوم أنّ النار- مثلًا- علّة للحرارة الحاصلة منها، لكن لا يمكن تقييد الحرارة بوجود النار، فإنّ المعلول هو طبيعة الحرارة، لا الحرارة المتقيّدة بوجود النار، فوجوب الوضوء معلول لوجوب الصلاة بناءً على الترشّح، و ليس مشروطاً به، و إلّا يصير وجوب الوضوء من قبيل الواجب المشروط؛ لأنّ معنى المشروط هو تعلّق إرادة مستقلّة به متقيّدة بالشرط.

و ثالثاً: ما ذكره من ترشّح وجوب المقدّمة من وجوب ذي المقدّمة يُنافي ما ذكره سابقاً: من أنّ الأمرَ المتعلّق بشي‏ء مقيّداً بشي‏ء آخر- كالصلاة في المسجد- أمرٌ بالقيد، و فرّع عليه: بأنّه لا بدّ من أن يكون القيد مقدوراً للمكلّف، و معه فلا معنى للترشُّح، و بينهما تنافٍ ظاهر.

فتلخّص: أنّ المولى و إن كان في مقام البيان فلا يصحّ الأخذ بالإطلاق و الحكم‏

48

بأنّه نفسي.

و رابعاً: ما ذكره- من أنّ مُثبتات الاصول اللفظيّة حجّة- لم يقم عليه دليل و لا برهان؛ لأنّ مع الإطلاق لا يعلم إلّا أنّ الموضوع لذاك الحكم هو ذلك ليس إلّا، و إلّا لبيّنه، و أمّا إثبات لوازمه العقليّة أو العاديّة فلم يثبت بناء العقلاء عليه؛ إذ المسلَّم هو صحّة احتجاج المولى على عبده بالإطلاق، و أمّا غيره فلا.

مقتضى الأصل العمليّ:

ثمّ لو فُرض عدمُ كونه في مقام البيان، و عدمُ ما هو المرجع من الاصول اللفظيّة في المقام، فهل هنا أصل عملي يعيَّن به أحدهما أو لا؟

فنقول: ذكر المحقّق النائيني (قدس سره) للشكّ صوراً، و أنّ مقتضى الاصول مختلف باختلافها:

إحداها: ما لو شكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري كالوضوء، و علم بتعلّق الوجوب النفسي بشي‏ء يحتمل تقييده بالمشكوك- أي الوضوء- كالصلاة و هو- أيضاً- على قسمين:

أحدهما: ما علم فيه تماثل الوجوبين من جهة الإطلاق و الاشتراط بشي‏ء، فالشكّ فيه متمحّض في خصوص تقييد ما علم أنّه نفسي بالواجب الآخر، فأصالة البراءة جارية عن التقييد، و يثبت بذلك نتيجة الإطلاق، كما لو علم اشتراط كلّ من وجوبي الطهارة و الصلاة بدخول الوقت، أو علم إطلاق كلّ منهما بالنسبة إليه، و شكّ في تقييد الصلاة بالوضوء.

الثاني: ما علم فيه اشتراط خصوص ما علم أنّه نفسي بالآخر فالشّك فيه من جهة تقييد ما علم أنّه نفسي بالآخر، فالبراءة فيه- أيضاً- جارية، كما أنّ الشكّ فيه من جهة الشكّ في الوجوب النفسي قبل حصول ما هو شرط للوجوب الآخر- أيضاً

49

مجرىً للبراءة.

و هاتان صورتان.

و الصورة الثالثة: ما لا يُعلم فيه إلّا وجوب ما يدور أمره بين الوجوب النفسي و الغيري؛ لاحتمال وجود واجب آخر في الواقع فعليّ يتوقّف حصوله على ما علم وجوبه إجمالًا، فالحقّ فيها هو لزوم الإتيان بما عُلم وجوبه؛ للعلم باستحقاق العقاب على تركه؛ إمّا لنفسه أو لكونه مقدّمة لواجب فعليّ؛ فإنّ ترك ما يُحتمل وجوبه النفسي المستند إلى‏ ترك ما هو معلوم الوجوب، ممّا يوجب العقاب، و أمّا تركه من غير ناحيته فالمكلّف في سعة منه، و يشمله أدلّة البراءة (1).

أقول: أمّا الصورة الاولى ففيها:

أولًا: المفروض أنّه لا إطلاق فيها في مقام البيان حتى يتمسّك به، فبناء على ما ذكره من جريان البراءة بالنسبة إلى‏ تقييد الصلاة بالوضوء- مثلًا- لزم صحّة الصلاة بدون الوضوء، و أمّا الوضوء فإنّه و إن علم وجوبه، لكن المفروض أنّه مردّد بين الذي يترتّب على مخالفته العقاب- أي النفسي- و بين الذي ليس كذلك- أي الغيري- في الواقع، و مجرّد العلم بالوجوب المردّد بينهما لا يكفي في حكم العقل بموافقته، بل لا بدّ فيه من العلم تفصيلًا بأنّه نفسي، و لا معنى للقدر الجامع بين ما يترتّب على تركه العقاب و بين ما ليس كذلك، و بالجملة يشكّ المكلّف فيه في أنّ الوضوء واجب يترتّب على تركه العقاب أولا و إن علم بالمردّد بينهما، و العقل لا يحكم فيه بوجوب موافقته، و يحكم بقبح العقاب عليه؛ لأنّه بلا بيان و برهان نظير ما علم بأمر مردّد بين الوجوب و الاستحباب أو بين المولوي و الإرشادي.

و بعبارة اخرى‏: الحكم بالاشتغال إنّما هو فيها لو علم بالوجوب المبغوض تركه، لا المردّد بين المبغوض تركه و بين غير المبغوض تركه، كما فيما نحن فيه. نعم: لو

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 222- 224.

50

قيل بأنّ الواجب مطلقاً نفسيّاً أو غيريّاً مبغوض تركه تمّ ما ذكره، لكنه ليس كذلك، فعلى فرض جريان البراءة بالنسبة إلى‏ تقيّد الصلاة بالوضوء في المثال لا مانع من جريانها بالنسبة إلى‏ الوضوء أيضاً.

و ثانياً: ما ذكره هنا في الصورة الاولى مُنافٍ لما ذكره في مسألة الأقلّ و الأكثر ردّاً على صاحب الكفاية في إشكاله على الشيخ (قدس سره).

توضيحه: أنّ الشيخ (قدس سره) ذهب في مسألة الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين- إلى‏ أنّ العلم الإجمالي فيه بوجوب الأقلّ- إمّا نفسيّاً أو غيريّاً في ضمن الأكثر- ينحلّ إلى‏ العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ و الشكّ البدوي في وجوب الأكثر، فيجب الأقلّ على كلّ تقدير، و تجري البراءة بالنسبة إلى‏ الأكثر (1).

و أورد عليه في «الكفاية»: بأنّ الانحلال المذكور مستلزم لعدم الانحلال، و ما يلزم من وجوده عدمه محال، و ذلك لأنّ العلم الإجمالي فيه إنّما هو لتردّد الأقلّ بين الوجوب النفسي و الغيري، و إجراء البراءة بالنسبة إلى‏ الأكثر يوجب زوال العلم بوجوب الأقلّ- أيضاً- لاحتمال الوجوب الغيري فيه، و قد حكم بجريان البراءة بالنسبة إلى‏ الأكثر المستلزم لزوال العلم بوجوب الأقلّ، و ليس ذلك انحلالًا (2).

و أورد عليه المحقّق النائيني (قدس سره): بأنّه إنّما يصحّ ذلك الاشكال في أجزاء المركّب، كما إذا شكّ في القنوت أنّه واجب في الصلاة أو لا؛ لعدم اتّصاف الأجزاء بالوجوب الغيري، لكنّه لا يتمّ فيما لو علم بوجوب الوضوء ... إلى‏ آخر ما ذكره في الصورة الاولى، فصرّح هناك بعدم جريان البراءة في الشكّ في تقيّد الصلاة بالوضوء، فهو منافٍ لما ذكره هنا من جريان البراءة بالنسبة إلى‏ الأقلّ‏ (3).

____________

(1)- فرائد الاصول: 274.

(2)- كفاية الاصول: 413.

(3)- انظر فوائد الاصول 4: 156.