بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج5

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
591 /
3

-

4

[المقصد الثالث فى الشك‏]

[المراد باصل البراءة]

[المقام الاول فى البراءة و الاشتغال و التخيير]

[الموضع الثاني من المقام الأول: «الشك في المكلّف به»]

[ادامه المطلب الثاني: اشتباه الواجب بغير الحرام‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيبين الطاهرين حجج اللّه على الخلق أجمعين و لعنة اللّه على اعدائهم ابد الآبدين.

5

المطلب الثاني: إشتباه الواجب بغير الحرام‏

دوران الأمر بين المتباينين‏ (1)

دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر و هو قسمان:

القسم الأوّل: الشك في الجزء الخارجي‏

1- الشك في الجزئيّة لفقدان النص‏

2- الشك فيها لإجمال النص‏

3- الشك فيها لتعارض النصّين‏

4- الشك فيها لإشتباه الموضوع‏

القسم الثاني: الشك في الجزء الذهني (القيد)

- دوران الأمر بين التعيين و التخيير

- الشك في المانعيّة

- الشك في القاطعيّة

تنبيهات الأقلّ و الأكثر

التنبيه الأوّل: الشك في الرّكنيّة

____________

(1) و قد مرّ البحث فيه بطوله و تفصيله في المجلد الرابع.

6

التنبيه الثاني: سقوط التكليف بالكل أو المشروط عند تعذّر الجزء أو الشرط

التنبيه الثالث: دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعيّة

التنبيه الرابع: دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعيّة أو بين الجزئية و الزيادة المبطلة

المطلب الثالث: اشتباه الواجب بالحرام‏

- خاتمة فيها مقامان:

المقام الأوّل: ما يعتبر في العمل بالاحتياط

المقام الثاني: ما يعتبر في العمل بالبراءة، و فيه مقامان:

الأوّل: في وجوب أصل الفحص‏

الثاني: في مقدار الفحص‏

- الفاضل التوني و شرطان آخران للبراءة

1- ان لا يكون موجبا لثبوت حكم آخر

2- عدم تضرّر آخر

قاعدة لا ضرر

7

القسم الثاني من اشتباه الواجب بغير الحرام الأقلّ و الأكثر

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

(1) قوله (قدّس سرّه): (الثاني: فيما دار الأمر في الواجب بين الأقل و الأكثر) (1). (ج 2/ 315)

____________

(1) قال العلّامة الجليل السيّد عبد الحسين اللّاري (قدّس سرّه):

«أقول: وجه رجوعه إلى الشك في جزئيّة شي‏ء- و الحال انّ الشك بين الأقلّ و الأكثر على قسمين: ارتباطي يرجع إلى الشك في جزئيّة شي‏ء، و استقلالي لا يرجع إلى ما ذكر-: أن المسألة من أقسام الشك في المكلّف به و الأقلّ و الأكثر الإستقلالي راجع إلى الشك في التكليف و هو العلم التفصيلي بالأقلّ و كون الشك في الأكثر بدويا فلا يدخل في المسألة.

و من هنا يحتاج إلى تقييد عنوان المسألة بالأقلّ و الأكثر الإرتباطي ليخرج الإستقلالي منه صريحا، بل و كذا يحتاج إلى تقييد الشك في الشرطيّة و الجزئيّة فيما نحن فيه بما يكون في عرض المأمور به و ماهيّته لا في طوله و مقوّماته الخارجة عن ماهيته، فيخرج من الشرط و الجزء المشكوك ما يرجع إلى الشك في طريق الإطاعة كالشك في شرطيّة العلم التفصيلي بتعيين المأمور به و عدم كفاية العلم الإجمالي بتعيينه؛ فإنه يرجع إلى الشك في طريق الإطاعة.

و كذلك الشك في كون الأمر توصّليا أم تعبّديا يعتبر فيه القربة؛ فإنّه أيضا راجع إلى طريق الإطاعة، و كذلك الشك في إشتراط نيّة الوجه في العبادات؛ فإنه و إن كان من الشك في الشرطيّة إلّا انّه مع ذلك خارج عن هذا النزاع لخروجه عن ماهيّة المأمور به، و إنّما هو من مقوّماته الخارجة عنه- على تقدير اعتباره- هذا في تحرير محلّ النزاع.

و أما تأسيس الأصل للعمل في المسألة ففي كونه الإحتياط؛ نظرا إلى قاعدة لزوم دفع الضّرر المحتمل أو البراءة؛ نظرا إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان وجهان: أوجههما الأخير؛ نظرا إلى ورود قاعدة القبح على قاعدة لزوم دفع الضّرر لرفع قاعدة القبح موضوع لزوم الدفع و هو احتمال الضّرر، فلم يبق بعدها شائبة المعارضة سواء فرضنا قاعدة القبح قاعدة عقليّة من مستقلّات العقل كقبح الظلم- كما هو ظاهر الماتن- أم فرضناها قاعدة شرعيّة مأخوذة من‏

10

في دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر

أقول: قد عرفت ممّا أسمعناك سابقا- في بيان دوران الأمر بين المتباينين موضوعا-: الفرق بينه و بين دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، و أن مرجع الدوران هناك و لو كان بين الأقل و الأكثر إلى أقل بشرط لا، و الأكثر بشرط شي‏ء كالقصر و التمام، و هذا بخلاف المقام؛ فإن مرجع الدوران فيه إلى أقلّ لا بشرط و الأكثر حتى فيما احتمل مانعيّة شي‏ء للمأمور به؛ فإن مرجعه إلى الشكّ في الشرطيّة بالنسبة إلى عدمه، فلو كان الواجب هو الأمر الغير المربوط بعدمه كان لا بشرط بالنسبة إليه لا محالة، و من هنا أدرجه شيخنا (قدّس سرّه) في أقسام المقام و تعرّض لحكم دوران الأمر بين الجزئيّة و المانعيّة فيما سيأتي من كلامه.

____________

أخبار البراءة الثابتة بعد ثبوت الشريعة- كما هو المختار- غاية الفرق: انه على تقدير كونها عقليّة تتوسّع دائرتها لما قبل الشريعة فلم يبق لوجوب شكر المنعم و وجوب النّظر في المعجزة دليل، و على تقدير كونها شرعيّة تتضيّق دائرتها بالإختصاص بما بعد ورود الشريعة و ثبوتها هذا كلّه في تأسيس الأصل العملي في المسألة.

و أما الكلام في الدليل، فالدليل على البراءة في المسألة بعد تأسيس الأصل و قاعدة القبح بأحد وجهيه وجوه:

منها: الشهرة المنقولة، بل المحصّلة، بل الإجماع المنقول، بل المحصّل بين القدماء و المتأخرين ممن عدى السبزواري و تابعيه على ما حكاه أستاذنا العلّامة [الفاضل الإيرواني‏] من تتبّع كلماتهم و لكنّه على تقدير تسليمه دليل إقناعي لا إلزامي» إنتهى.

التعليقة على فرائد الأصول: ج 2/ 419.

11

ثمّ إنّ موضوع البحث و محلّه هو الأقلّ الأكثر الارتباطيّين؛ فإنه من صور الشكّ في المكلّف به و دورانه و إن كان القائل بالبراءة قائلا برجوع الشكّ بالنسبة إلى الزائد و الأكثر إلى الشكّ في التكليف كما ستقف عليه.

و أما الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّان فهو خارج عن محل البحث و موضوعه؛ فإن وجود الأكثر على تقدير وجوبه ليس معتبرا في صحة الأقل و سقوط الأمر به؛ فإنّ الأمر المعلّق بالأقلّ فيه نفسيّ استقلاليّ على كل تقدير، فهو خارج عن موضوع الشكّ في المكلّف به و داخل في الشكّ في التكليف حقيقة من غير فرق بين تعلّق العلم التفصيلي أوّلا بالأقلّ و الشكّ بالزائد، و بين انحلال المعلوم إجمالا إلى معلوم تفصيليّ و مشكوك على ما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا عند التكلم في حكم الموضع الأوّل يعني الشك في التكليف.

فما في كلام بعض المتأخرين من إدراجه في المقام ليس ممّا ينبغي و إن كان المتراءى من الأكثر تبعا للشيخ (قدّس سرّه) القول: بجريان قاعدة الاشتغال و التمسّك بها في بعض جزئيّاته و فروضه كدوران الفائتة بين الأقلّ و الأكثر مع التزامهم به في سائر جزئيّاته و فروضه على ما عرفته من كلام شيخنا في الموضع الأوّل؛ فإن مجرّد ذكر القاعدة اعتمادا أو تأييدا في بعض جزئيّات المسألة لا يوجب دخولها في الشكّ في المكلّف به كما هو واضح.

ثمّ إن الكثرة المحتمل اعتبارها قد تلاحظ بحسب الوجود الخارجي للمأمور به، فيكون الأكثر المحتمل وجوبه زائدا بحسب الوجود الخارجي على الأقلّ فيكون الزائد من مقولة الكمّ، و يعبّر عن هذا القسم بالشك في الجزئيّة.

12

و قد تلاحظ بحسب الوجود الذهني للمأمور به، فيكون التركّب ذهنيّا مع اتحاد وجود المحتمل اعتباره في المأمور به معه في الخارج، فيكون الزائد من مقولة الكيف، فالمعتبر حقيقة هو تقييده لا نفسه، و يعبّر عنه بالشكّ في الشرطيّة و يدخل فيه الشكّ في المانعة أيضا؛ من حيث إن تقييد المأمور به بعدم المانع كتقييده بوجود الشرط، فالشرط دائما من الحيثيّة المعتبرة في المأمور به خصوصيّة متحدة معه في الوجود من غير فرق بين ما يحتاج إلى إيجاد فعل في الخارج لتحصيلها في الغالب كالطّهارة و نحوها مما يعتبر في الصلاة- و هو المراد من الانتزاع في كلامه (قدّس سرّه)- و بين غيره مما لا يحتاج في الغالب إليه، و إن توهّم الفرق بينهما حكما بإلحاق الأوّل بالشكّ في الجزئيّة من حيث الرجوع إلى البراءة، و الثاني بالمتباينين من حيث الرجوع إلى قاعدة الاشتغال كما ستقف عليه من كلام شيخنا العلّامة، و من هنا أفرده في التكلّم و البحث.

ثمّ إن الكلام في المسألة كسائر مسائل الباب قد يقع: في الشبهة الحكميّة الراجعة إلى عدم تبيّن القضيّة الشرعيّة إمّا من جهة عدم الدليل، أو إجماله بالمعنى الأعمّ الذي عرفت المراد منه، أو تعارض الدليلين. و قد يقع: في الشبهة الموضوعيّة فالمراد من النصّ في «الكتاب» هو الدليل لا خصوص الحديث، أو قسم منه كما هو واضح.

13

القسم الأوّل: الشك في الجزء الخارجي‏

[المسالة الاولى الشك في الجزء الخارجي لفقدان النص‏]

(2) قوله: (و الظاهر أنه المشهور بين العامة و الخاصّة ... إلى آخره) (1). (ج 2/ 317)

____________

(1) قال الأصولي المحقق الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«عزّاه إلى المشهور أيضا المحقق القمّي (رحمه اللّه) في مبحث كون الفاظ العبادات أسامي للصحيح أو للأعم منه قال:

«و كيف كان: فالمتبع هو الدليل و لا ينبغي التوحّش مع الإنفراد إذا وافقنا الدليل، كيف! و جلّ الأصحاب إن لم نقل كلّهم متفقون على عدم الفرق، فمن يعمل بالأصل يعني أصالة البراءة لا يفرّق بين العبادات و غيرها» إنتهى.

و صرّح بالإتّفاق عليه قبله قال:

«فاعلم ان الظّاهر انه لا إشكال في جواز إجراء أصل العدم في ماهيّة العبادات كنفس الإحكام و المعاملات، بل الظاهر انه لا خلاف فيه كما يظهر من كلمات الأوائل و الأواخر و لم نقف على تصريح بخلافه في كلام الفقهاء» إنتهى.

و حكى الفاضل الإصبهاني في حاشية المعالم عن بعضهم نسبة القول بالالفاظ إلى المشهور أيضا.

و لعلّ منشأ الشبهة في النسبة: إمّا عدم عنوان هذه المسألة في كلماتهم الأصوليّة؛ لأنّه إنّما أحدث البحث عنها جماعة من المتأخرين، و لذا قد اختلفت مذاهبهم فيها و اختلفت النسبة

14

____________

إليهم.

و إمّا لأنهم قد تمسّكوا بالبراءة في كثير من موارد هذه المسألة في أبواب الفقه، فمن ادعى شهرة القول بالبراءة نظر إلى ظاهر كلماتهم في الفقه، و من ادعى شهرة القول بالإحتياط نظر إلى القاعدة لكون الشغل اليقيني بالواقع مقتضيا عندهم للبراءة اليقينيّة، فزعم منه كون القول بالإحتياط مذهبا لهم في المقام و يحتمل أن يريدوا بالبراءة في موارد التمسّك بها إطلاق الأدلّة على القول بالأعم في ألفاظ العبادات بأن تسامحوا في التعبير بها عنه لموافقتها في المؤدى، و من هنا سرت الشبهة إلى صاحب الرّياض فزعم كون القول بالبراءة ملازما للقول بوضع الفاظ العبادات أسام للأعم قال في صلاة الجمعة عند بيان اشتراطها بوجود سلطان عادل:

«ليس هنا إلّا الجمعة بهذا الشرط و باقي الشروط الآتية، و نفيه بأصالة البراءة إنّما يتّجه على القول بكونها أسام للأعم من الصحيحة و الفاسدة، و أمّا على القول بأنها أسام للصحيحة خاصة كما هو الأقرب فلا» إنتهى. [الرياض ج 3/ 316 ط مؤسّسة آل البيت‏].

و ظنّي انّ هذه الشبهة إنّما نشأت مما ذكره الوحيد البهبهاني ثمرة للقولين في ألفاظ العبادات من جواز التمسّك بأصالة البراءة عند الشك في الأجزاء و الشرائط على القول بالأعم و عدمه على القول بالصحيح.

و الحق عدم دلالة ما ذكره على الملازمة بين القول بالصحيح و الرجوع إلى قاعدة الإشتغال و أن التمسّك بأصالة البراءة على القول بالأعم غلط فاحش.

أمّا الأوّل: فإن المقصود من ذكر هذه الثمرة بيان جواز التمسّك بالبراءة على القول بالأعم؛

15

بيان حكم الأقلّ و الأكثر و الآراء فيه‏

أقول: ما استظهره (قدّس سرّه) من ذهاب المشهور إلى البراءة بقول مطلق- بعد حمل تمسّك جمع من القدماء بقاعدة الاشتغال في بعض جزئيّات المسألة على التأييد لما دلّ على حكم مورد التمسّك كما ترى تمسّكهم بها فيما اتّفقوا على كون الأصل فيه البراءة كالشكّ في التكليف خصوصا الشبهة الوجوبيّة- في كمال الاستقامة، و إن زعم بعض خلافه، و ذكر آخر كالمحقّق المحشيّ على «المعالم»:

____________

نظرا إلى إطلاق الأدلة على هذا القول بالصحيح فحيث كان لازمه القول بإجماع الأدلة الذي يلزمه الرجوع في مواردها إلى مقتضى الأصول و كان المرجع عنده عند الشك في الأجزاء و الشرائط هو الرجوع إلى قاعدة الإشتغال أطلق القول بالرّجوع إلى قاعدة الإحتياط على القول بالصحيح، لا أن هذا لازم للقول بالصحيح فهو أعم من القول بالإحتياط و أما الثاني: فلعدم جريان الأصول العمليّة سواء كانت هي أصالة البراءة أو الإشتغال مع وجود دليل اجتهادى في مواردها طابقته أو خالفته في المؤدّى، فعلى القول بكون الفاظ العبادات أسام للأعم يكون إطلاق أدلة العبادات حاكما أو واردا عليها، و أمّا على القول بالصحيح- كما هو الصحيح- فيمكن القول بالبراءة كما هو المختار و يمكن القول بوجوب الإحتياط كما حكاه المصنّف (رحمه اللّه) عن السبزواري.

و كيف كان: فالذي يقضي به المتتبع في فتاوي الفقهاء هو اشتهار القول بالبراءة في المقام كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه)» إنتهى. أنظر أوثق الوسائل: 361.

16

أنه اختلف نقل الشهرة على طرفي المسألة و اضطربت فيها كلماتهم.

و كيف كان: ما اختاره شيخنا هو الحقّ الذي لا محيص عنه، و إن ذهب جمع من أفاضل المتأخّرين- ممن قارب عصرنا، أو عاصرناه‏ (1)- إلى وجوب الاحتياط، منهم: الأستاذ الشريف‏ (2) شيخ شيخنا (قدّس اللّه سرّهما).

و بالحريّ أن نتعرّض أوّلا لما اعتمدوا عليه على سبيل الإجمال و الاختصار، ثمّ نعقّبه بالكلام فيما أفاده (قدّس سرّه) من دليل المختار.

وجوه الحكم بالإشتغال في الأقلّ و الأكثر

فنقول: إنهم تمسّكوا على ذلك بوجوه:

أحدها: ما يظهر من غير واحد من حكم العقل بذلك؛ من حيث إن الشغل اليقيني بالتكليف بالأمر المردّد بين الأقلّ و الأكثر يقتضي البراءة اليقينيّة و تحصيل العلم بفراغ الذمة عنه في حكم العقل على ما هو الأصل في جميع ما يكون من هذا القبيل؛ ضرورة كون مبنى الأصل المذكور هو حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل‏

____________

(1) كالمحقق السبزواري في ذخيرة المعاد: 273- و الشيخ محمّد تقي في هداية المسترشدين: 449 ط ق، ج 3/ 569 ط جماعة المدرسين و السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 528.

(2) شريف العلماء المازندراني في ما قرّر عنه من بحوث في ضوابط الأصول: 326.

17

من غير فرق بين الموارد، و لا يحصل العلم بالفراغ من هذا التكليف النفسي إلّا بإتيان الأكثر؛ فإنه على تقدير وجوب الأكثر يكون فعل الأقلّ لغوا.

فلا يقال: إن القدر الثابت هو وجوب الأقل، و وجوب الزائد مشكوك، فالاشتغال اليقيني إنّما هو بالنسبة إليه، و أمّا الأكثر فاشتغال الذمة بالنسبة إليه مشكوك فيرجع إلى البراءة كما يرجع إليها بالنسبة إلى الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين؛ ضرورة منافاته لفرض الدوران في المقام؛ فإن الثابت هو وجوب الأقلّ بالمعنى الأعمّ لا وجوبه بالوجوب النفسي و إلّا لم يكن الواجب النفسي مردّدا بين الأمرين و لا يعلم حصول البراءة من الواجب النفسي بفعل الأقل، و منه يظهر: فساد قياس المقام بالأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين؛ فإن الأقلّ فيه واجب نفسيّ من غير أن يكون له ارتباط بالأكثر أصلا.

ثانيها: استصحاب الاشتغال اليقيني بالطبيعة المردّدة بين الأقل و الأكثر؛ حيث إنه لا يعلم بكون فعل الأقلّ رافعا له فيحتمل بقاؤه.

قال المحقّق المحشي (قدّس سرّه) في تقريب الاستصحاب: «إنه لا شكّ في اشتغال ذمّة المكلّف بتلك العبادة المعيّنة و حصول البراءة بفعل الأقلّ غير معلوم لاحتمال الاشتغال بالأكثر فيستصحب إلى أن تبيّن الفراغ» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و مثل الاستصحاب المذكور: استصحاب بقاء الوجوب و التكليف،

____________

(1) هداية المسترشدين: ج 3/ 565.

18

و استصحاب عدم حصول الواجب بعد الإتيان بالأقلّ و غيرهما ممّا يوهم جريانه في المتباينين.

ثالثها: ما دلّ بظاهره على وجوب الاحتياط المختصّ بالشكّ في المكلّف به، بل المقام على وجه و احتمال، و إن استفيد منه حكم غيره كالصحيحة الواردة في جزاء الصيد (1) و قد تقدم نقلها في «الكتاب» (2)، أو المحمول على الشكّ في المكلّف به بحيث يشمل المقام جمعا بينه و بين ما دل على البراءة و قد تقدّمت الطّائفتان في «الكتاب» أيضا.

رابعها: ما سلكه بعض من تأخّر و ركن إليه: من أن الأحكام الشرعيّة لمّا كانت مبنيّة على المصالح و المفاسد الكامنة في الأفعال و معلولة لها حقيقة- على ما استقرّ عليه رأي العدليّة من الإماميّة و المعتزلة- فالمطلوب الأوّلي في كل واجب في الحقيقة: هو تحصيل المصلحة الموجبة لوجوبه؛ إذ هو المقصود بالطلب و العنوان في الواجب، و إن كان الأمر معلّقا في الظاهر بنفس الفعل، إلّا أنّا نعلم من جهة انطباق العنوان المطلوب حقيقة عليه، فالواجب هو تحصيل تلك المصلحة

____________

(1) الكافي الشريف: ج 4/ 391- باب «القوم يجتمعون على الصيد و هم محرمون»- ح 1، و التهذيب: ج 5/ 466 و 467- باب «من الزيادات في فقه الحج»- ح 277، و الوسائل:

ج 13/ 46- باب: «انه إذا اشترك اثنان أو جماعة و هم محرمون- و لو رجالا و نساءا- في قتل صيد لزم كل واحد منهم فداء كامل»- ح 6.

(2) فرائد الأصول: ج 2/ 76.

19

النفس الأمريّة أوّلا و بالذات، و يكون الأمر بالفعل من حيث كونه وصلة إليه. و هذا معنى قولهم: إن الواجبات السمعيّة إنّما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة و لو بالإجمال؛ حيث إن العقل يحكم بلزوم ما أوجبه الشارع من حيث اشتماله على ما يجب تحصيله في حكم العقل.

و إن شئت تقرير الدليل على معنى آخر لقولهم فقل: إنه لا شكّ في كون العنوان في الواجب السّمعي الذي أوجب وجوبه كونه لطفا و مقرّبا إلى المستقلّات العقليّة التي يحكم العقل بها تفصيلا مع قطع النظر عن الأحكام الشرعيّة السمعيّة كردّ الوديعة و نحوه؛ من حيث إن إيجاب فعل الواجبات تكميل النفوس الموجب للتنزّه عن القبائح و المنكرات العقليّة كما يدل عليه قوله تبارك و تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1) فالواجب أوّلا هو تحصيل اللطف فإذا لم يعلم تحصيل المصلحة أو اللطف بفعل الأقلّ، فيجب في حكم العقل الإتيان بالأكثر من حيث كونه محصّلا يقينيّا لهما؛ ضرورة لزوم تحصيل المأمور به على سبيل الجزم و اليقين و عدم جواز الاكتفاء باحتمال حصوله و لم يخالف فيه أحد من العلماء و العقلاء و سيجي‏ء الاعتراف به من شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في المسألة الرابعة (2)؛ فإن مرجع الدليل المذكور إلى رجوع الشبهة الحكميّة دائما إلى الشبهة

____________

(1) العنكبوت: 45.

(2) انظر فرائد الأصول: ج 2/ 352.

20

الموضوعيّة بالاعتبار المذكور. و إن كان الفرق بينهما من جهة أخرى و هي: عدم تبيّن القضيّة الظاهريّة الشرعيّة في الأولى و تبيّنها في الثانية.

خامسها: ما سلكه بعض أفاضل مقاربي عصرنا أو عاصرناه في «فصوله»:

من أن دليل البراءة لا يثبت ماهيّة المأمور به و لا يبيّنها و لا يعيّن كونها الأقل؛ نظرا إلى عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة، مضافا إلى أن مفاده مجرّد نفي العقاب فيلزم للقول بالاحتياط من جهة استقلال العقل بلزوم تحصيل المأمور به على سبيل القطع و اليقين ما لم يقم طريق ظاهريّ على تبيّنه. و الفرق بين المقام و غيره ممّا علم فيه التكليف على سبيل الإجمال مع كون التكليف المتعلّق نفسيّا- كما في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين- غير خفيّ على المتأمّل.

و ما ذكرناه و إن كان ملخّص كلامه إلّا أن الأولى نقله بألفاظه و طوله. قال (قدّس سرّه)- بعد جملة كلام له في المسألة و نقل الخلاف فيها و الإشارة إلى ما ذكره فيها عند البحث في الحقيقة الشرعيّة- ما هذا لفظه:

«و نقول: هنا توضيحا و تنقيحا: إنّ أصل البراءة و إن كان باعتبار عموم أدلّته قاضيا بنفي الوجوب الغيري عند الشكّ كالنفسي، فيصحّ نفي وجوب الأجزاء و الشرائط المشكوكة للتوصّل بها إلى فعل الكلّ و للشروط، إلّا أن المستفاد من أدلته: إنّما هو مجرّد نفي الحكم لا إثبات لوازمه العادية ككون الماهيّة المجعولة معرّاة عن اعتبار ذلك الجزء، أو ذلك الشرط، فلا يصلح دليلا على نفي الجزئيّة

21

و الشرطيّة ليتعيّن به الماهيّة المخترعة كما هو الثمرة في الاستدلال بالأصل، بل حينئذ قضيّة ثبوت الاشتغال بها وجوب الإتيان بهما تحصيلا لليقين بالبراءة.

و الفرق بين هذا الوجوب و الوجوب الذي نفيناه أوّلا: هو الفرق بين وجوب مقدّمة الواجب و وجوب مقدّمة العلم به.

فاتّضح بما قرّرنا: أن لا ثمرة يترتّب على نفي الوجوب بالاعتبار الأوّل، و حيث إن مرجع النزاع في جريان أصل البراءة في المقام و عدمه إلى جريانه فيه على وجه يترتب عليه الثمرة و عدمه، فالمتّجه: هو القول بعدم جريانه مطلقا.

و أما وجوب الجزء في ضمن الكلّ فلا سبيل إلى نفيه بالأصل؛ لأنه في معنى نفي وجوب أحد المركّبين مع أن نسبة الوجوب إلى كل واحد منهما سواء و الفرق بين المقام و بين بقيّة موارد أصل البراءة حيث يجري فيها و لا يجري فيه: أن البراءة من القدر المتيقّن من الاشتغال هنا لا يحصل بإتيان القدر المتيقّن، بخلاف بقيّة الموارد؛ فإنّ البراءة بفعل ما ثبت الاشتغال به لا يناط بحصول غيره في غير المقام على تقدير الاشتغال به في الواقع بخلاف المقام؛ فإن البراءة بفعل البعض منوطة بفعل الباقي على تقدير الاشتغال به فيتوقف العلم بها عليه؛ إذ لا علم بمطلوبية القدر المعلوم مستقلّا و إنما المعلوم مطلوبيّته في الجملة إما مستقلّا أو منضمّا، و لا سبيل إلى تعيين الأوّل بأصالة عدم تعلّق الوجوب التّبعي بالجزء، أو الشرط المشكوك فيه؛ لأن ذلك أصل مثبت و لا تعويل عليه عندنا.

22

و دعوى: أن التكليف لا يتعلّق إلّا بالقدر المتيقّن، و إلّا لزم التكليف بالمجمل و هو محال.

ممنوعة؛ لأن المجمل الذي لا يجوز تعلّق التكليف به هو المجمل الذي لا سبيل إلى امتثاله، و ظاهر أن المقام ليس منه.

و إلحاق الغائبين عن مجلس الخطاب بالحاضرين فيه في وجوب الاقتصار على ما ثبت لهم و بلغهم من البيان إنّما يتمّ إذا وصل إليهم خطاب دال بظاهره على حصر أجزاء الماهيّة و شرائطها في أمور معيّنة، كما هو الغالب في حق الحاضرين كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (1). و الكلام هنا مبنيّ على تقدير عدمه؛ إذ المقصود إثبات حجّيّة أصل البراءة و أصل العدم في المقام دون ظاهر النصّ.

و أمّا إذا لم يدلّ الخطاب على الحصر كما لو ورد نص: بأن الركوع جزء للصّلاة، ثم ورد نصّ: بأن السجود جزء، و هكذا ... كان تمسّك الحاضرين بأصل البراءة و أصل العدم في نفي غير المذكور مثل تمسّك الغائبين بهما في كونه في محلّ المنع قد نبّهنا عليه سابقا، و كذا الكلام في أصل العدم.

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1/ 197- الفصل التاسع «في ذكر أحاديث تتضمّن شيئا من أبواب الفقه ذكرها بعض الأصحاب في بعض كتبه»- ح 8 و ج 3/ 85- باب «الصلاة» في ضمن- ح 76 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2/ 345 باب «من سها فترك ركنا عاد الى ما ترك حتى يأتي بالصلاة على الترتيب».

23

نعم، لا يبعد دعوى مساعدة جملة من أخبار الباب على أصالة عدم الزيادة المشكوك فيها في المقام لا باعتبار حجب العلم، أو عدم العلم بالتكليف المشكوك فيه- ليتوجّه عليه: دعوى عدم الحجب فيه بالنظر إلى الظاهر تحصيلا ليقين البراءة كما في سائر أحكام التعليقيّة الظاهريّة- بل باعتبار دلالتها على نفي الجزئية و الشرطيّة ممّا شكّ في جزئيّته أو شرطيته من حيث حجب العلم عنهما ظاهرا و واقعا.

إذ ليس في وجوبهما من باب المقدّمة تحصيلا ليقين البراءة دلالة على إثبات الجزئيّة و الشرطيّة للواجب مطلقا، فإذا ثبت بعموم الروايات المذكورة سقوط اعتبار جزئيّته أو شرطيّته في الظاهر حصل العلم بالبراءة بدونه في الظاهر فيسقط اعتبار كونه مقدّمة. و هل هذا إلّا كسقوط اعتبار جزئيّة ما عدا الأركان في حقّ الناسي و شرطيّة بعض الشرائط كطهارة البدن و اللباس بالنسبة إلى الجاهل؟

و سيأتي لهذا مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى» (1). انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و مرجعه كما ترى، إلى الاستناد إلى قاعدة الاشتغال بعد منع جريان دليل البراءة بحيث ينفع في المقام.

و أمّا ما استدركه أخيرا بقوله: «نعم ... الى آخره» و نفي البعد عن دعوى مساعدة جملة من أخبار الباب على نفي الجزئيّة و الشرطيّة المشكوكتين و بيان‏

____________

(1) و (2) الفصول الغرويّة: 357.

24

ماهيّة المأمور به، فقد ضعّفه في باب أصالة العدم: بأن الجزئيّة الشرطيّة من الأمور الاعتباريّة فلا يشملهما الأخبار، و هذا و إن كان مخالفا لما بنى عليه الأمر في أول «كتابه»: من كون الأحكام الوضعيّة مجعولة، إلّا أنه رجوع عنه، و يثبت بناؤه على الاحتياط في المقام.

هذه عمدة ما اعتمد عليه القائلون بالاحتياط في المسألة و لهم بعض وجوه أخر ضعيفة يأتي الإشارة إليها في مطاوي «الكتاب» و كلماتنا.

إشارة إلى ضعف الوجوه المزبورة

و أنت خبير بأن الوجوه المذكورة لا تصلح للاعتماد عليها في قبال دليل البراءة، و لا بأس بالإشارة إلى بيان ضعفها على سبيل الإجمال و إن كان ما أفاده شيخنا في «الكتاب» كافيا في البيان.

أمّا الوجه الأوّل، فيتوجّه عليه: بأن اقتضاء الاشتغال اليقيني تحصيل العلم بالبراءة و البراءة اليقينيّة في حكم العقل إنما هو من حيث حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل- على ما اعترف به المستدلّ في طيّ دليله- مضافا إلى وضوح ابتنائه عليه، و نحن نحكم بمقتضى قاعدة قبح العقاب من غير بيان بعدم العقاب و الضرر في ترك الواجب المسبّب عن ترك المشكوك، أو في ترك الأكثر على تقدير وجوبه في نفس الأمر، فالقاعدة واردة على قاعدة وجوب الدّفع على نحو ما عرفته في الشكّ في التكليف.

25

و دعوى؛ عدم جريان القاعدة بالنسبة إلى الوجوب الغيري المشكوك؛ من حيث إن العقاب على تقدير ثبوته على ترك الواجب النفسي لا الغيري كما حكي عن شيخ شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّهما) فاسدة.

مضافا إلى أن مقتضاها على تقدير التسليم منع جريان القاعدة بالنسبة إلى ترك الجزء المشكوك لا الأكثر؛ فإنه لا يحتمل إلا الوجوب النفسي و يتمّ المدّعى، كما لا يخفى: بأن ترك الواجب الغيري سبب و علّة تامّة للعقاب، و هذا المقدار يكفي في حكم العقل و إن كان المعاقب عليه ترك الواجب النفسي المسبّب عن تركه هذا. مضافا إلى أن ترك الجزء عين ترك الكلّ.

لا يقال: إن ورود القاعدة على قاعدة وجوب الدفع إنّما هو فيما لم يكن هناك بيان و انحصر الأمر في جعل حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل بيانا، كما في موارد الشكّ في التكليف و ليس المقام منه؛ إذ المفروض ثبوت الاشتغال و العلم بالتكليف و وقوع الشكّ في المكلّف به، فالبيان القاطع للعذر موجود متحقّق واصل إلى المكلّفين، فكيف يقاس المقام بموارد الشكّ في أصل التكليف؟

فإن شئت قلت: إن العلم الإجمالي بالتكليف- كما ذكر في غير موضع من كلماتنا السّابقة و في «الكتاب»- منجّز للتكليف- بالمعلوم إجمالا و مانع من الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى أطرافه و رافع لموضوعها و بيان للتكليف المتعلّق بالواقع المحتمل بالنسبة إلى جميع المحتملات، فيصحّ إذن العقاب على ترك الأكثر

26

لو كان واجبا في نفس الأمر، فكيف يرجع إلى البراءة بالنسبة إليه و يقاس بموارد الشكّ في التكليف؟

لأنّا نقول: ما ذكر: من كون العلم الإجمالي بيانا، إنّما يسلّم في الجملة لا على إطلاقه؛ فإنّ من شرائط كونه بيانا و منجّزا للخطاب بالواقع المردّد عدم انحلال المعلوم بالإجمال إلى معلوم تفصيليّ و مشكوك بالشّكّ البدوي. و من هنا حكمنا: بالبراءة و حكموا بها في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين مع وجود العلم الإجمالي.

و نقول: في المقام أيضا: بأن الحاصل من العلم الإجمالي هو العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ و الشكّ البدوي بالنسبة إلى وجوب الأكثر، فلو عاقبنا الشارع على مخالفته كان قد عاقبنا مع عدم بيان بالنسبة إليه.

لا يقال: ما ذكر من الشرط أمر مسلّم لم يخالف فيه أحد من العقلاء و العلماء، إلّا أنا نقول: بتحقّق الشرط المذكور في محل البحث؛ حيث إن المعلوم بالإجمال و هو: الواجب الشرعي النفسي المردّد بين الأقلّ و الأكثر لم ينقلب و لم ينحل إلى المعلوم التفصيلي، و إلّا لم يبق شك بالنسبة إلى الزائد كما في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين. و الفرق بينه و بين المقام واضح؛ فإن المفروض هناك واجبان حقيقة: أحدهما معلوم و الآخر مشكوك. و في المقام واجب واحد فلو فرض العلم به تفصيلا في ضمن الأقلّ لزمه ما ذكرنا: من ارتفاع الشك، و هو خلف. غاية ما في‏

27

المقام: حصول العلم من الدوران المذكور بوجوب الأقلّ بالوجوب القدر المشترك بين النفسي و الغيري. و أين هذا من انحلال المعلوم بالإجمال و هو الواجب النفسي المردّد بين الأقلّ و الأكثر؟

لأنّا نقول: ما سلّم أخيرا من حصول العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ من الدوران في المقام بالوجوب الجامع يكفي مانعا لتنجّز الخطاب الواقعي بالنسبة إلى الأكثر؛ فإن التحريك العقلي تابع للعلم بالوجوب من غير فرق بين أن يكون غيريّا أو نفسيّا، فالحكم لاحق لوجود الجامع بينهما من غير أن يكون للخصوصيّات مدخل فيه أصلا، فلو رجع إلى البراءة بالنسبة إلى الأكثر لم يعارض بجريانها بالنسبة إلى الأقلّ.

و هذا هو الميزان و المدار في تنجّز الخطاب بالنسبة إلى موارد العلم الإجمالي و إن كان المختار عدم جريان الأصول فعلا في موارد تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي على ما أسمعناك في مطاوي كلماتنا السّابقة: من أنه المسلك الحقيق بالسلوك دون الحكم بجريان الأصول و تعارضها و تساقطها و الرجوع إلى أصالة الاحتياط، هذا كلّه.

مع أنّ في حكم الشرع بالبراءة بالنسبة إلى ما شكّ فيه من التكليف بمقتضى أخبارها المتقدّمة غنى و كفاية للحكم بعدم جريان قاعدة الاشتغال في المقام من غير حاجة إلى حكم العقل بها. فلو فرض توقف العقل عن الحكم بالبراءة في‏

28

المقام فليرجع إلى أخبارها. و من هنا كان شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه) جازما بالبراءة في المسألة مع تأمّله في حكم العقل بها في المقام كما صرّح به في «الكتاب». هذا فيما لو قرّر دليل البراءة بالنسبة إلى وجوب الأكثر، و منه يعلم كيفيّة تقريره بالنسبة إلى الوجوب الغيري للجزء المشكوك، فلا يحتاج إلى بسط القول فيه.

و أمّا الوجه الثاني، الذي سلكه من عرفت فيتوجّه عليه- مضافا إلى ما أسمعناك مرارا: من عدم جريان استصحاب الاشتغال و ما يطابقه و استصحاب البراءة و ما يرجع إليه في مورد من الموارد-:

أوّلا: بأن الوجود العلمي للمستصحب إذا لم يكن مؤثّرا في إيجاب الأكثر على المكلّف، فكيف يكون وجوده الاستصحابي التنزيلي مؤثّرا في إيجابه عليه؟

من غير فرق بين أن يجعل الاستصحاب المتوهّم جريانه من الاستصحاب التقديري كما في غالب فروض المسألة، أو التنجيزي كما في بعض فروض: و هو ما لو كان الجزء المشكوك بحسب المحلّ آخر أجزاء المركّب.

لا يقال: عدم تأثير الوجود العلمي إنما هو من جهة دوران المعلوم بين الأقل و الأكثر و بعد استصحابه يثبت كونه منطبقا على الأكثر، فلا يجوز الرجوع إلى البراءة بالنسبة إليه.

لأنا نقول:- مضافا إلى ابتناء ما ذكر على اعتبار الأصول المثبتة التي قد فرغنا عن إبطالها بناء على اعتبار الأصول من باب التعبّد و الأخبار-: إن الوجود

29

الظاهري للشي‏ء سواء كان من جهة الاستصحاب، أو غيره فيما لم يكن من الأحكام الشرعيّة إنما ينفع بالنسبة إلى ما يترتّب على وجوده الواقعي النفس الأمري من الأحكام الشرعيّة و كون الواجب هو الأكثر أو الأقلّ ليس ممّا يترتّب عليه شرعا وجوب الإتيان بهما و إن الحاكم في هذه القضيّة العقل فتدبّر.

و ثانيا: بأنّه إذا حكمنا بعدم وجوب الأكثر من جهة دليل البراءة عقلا و نقلا في مرحلة الظاهر فيرتفع الشكّ عن البقاء الموجب لجريان الاستصحاب بحكم الشارع؛ لأن الشكّ فيه مسبّب عن احتمال وجوب الأكثر الذي فرض عدم الإتيان به و المفروض نفيه من أوّل الأمر بدليل البراءة، فهي حاكمة في خصوص المقام على الاستصحاب و إن كان واردا عليها في وجه و حاكما عليها في وجه في غير المقام.

لا يقال: حكومة البراءة على الاستصحاب إنما يسلّم في المقام فيما لو بني على مساعدتها لإثبات كون الواجب هو الأقلّ و هي لا يساعد عليه بعد البناء على بطلان الأصول المثبتة.

لأنا نقول: حكومتها عليه مبنيّة على مساعدتها لنفي وجوب الأكثر في مرحلة الظاهر لا لإثبات كون الواجب هو الأقل كما هو ظاهر.

لا يقال: مفاد البراءة مجرّد نفي المؤاخذة على الواقع المشكوك فلا ينفي وجوب الأكثر حتى يكون حاكما على الاستصحاب.

30

لأنا نقول: نفي وجوبه في مرحلة الظاهر يكفي فيه نفي المؤاخذة عليه فتدبّر.

مضافا إلى كفاية ما دلّ من الأخبار على ثبوت الحكم الشرعي الظاهري في مورد الشكّ هذا بالنسبة إلى استصحاب الاشتغال. و منه يعلم: ما يتوجّه على غيره من الاستصحابات المتوهّمة فلا يحتاج إلى بسط الكلام و طوله.

و أمّا الوجه الثالث، فيتوجّه عليه:

بأن الصحيحة الواردة في جزاء الصيد ظاهرة في عدم جواز الحكم و الفتوى بالنسبة إلى حكم الواقعة بحسب نفس الأمر مع عدم العلم به، فمساقها مساق ما دلّ من الآيات و الأخبار على النهي عن القول بغير العلم و العمل بالآراء، فلا تعلق لها بمحل الكلام من حيث كون الحكم الظاهري وجوب الاحتياط أو البراءة، و نحن نقول: بمقتضاها حتى فيما وقع الاتفاق فيه على البراءة كالشبهة الوجوبيّة من صور الشكّ في التكليف هذا.

مضافا إلى أن دلالتها على وجوب الإفتاء بالاحتياط مع الغضّ عمّا يتوجّه عليه: من عدم التزام المستدلّ به في موردها إذا كان من الأقل و الأكثر الاستقلاليّين و في سائر موارد شمولها على ما عرفت تفصيل القول فيه- عند الاستدلال بها في الموضع الأول- مقصورة على صورة التمكّن من استعلام حكم الواقعة و إرجائها إلى لقاء الحجّة و لو بالنسبة إلى مستقبل الأوقات، و لا نضايق من‏

31

الحكم بالاحتياط فيها، و أين هذا من محلّ البحث؟ هذا بالنسبة إلى الصحيحة.

و أمّا ما دلّ من الأخبار على التوقّف و الاحتياط عموما فقد عرفت شرح القول فيما يستظهر منه و ما يحمل عليه، فلو فرض حمله على موارد الشكّ في المكلّف به فلا مناص من حمله على ما يجب الاحتياط فيه منها كالمتباينين من الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة فلا يشمل المقام، فالجمع المذكور فاسد جدّا.

و أمّا الوجه الرابع: فيتوجّه عليه:

أوّلا: أنه ليس المراد من ابتناء الأحكام الشرعيّة على المصالح- حسبما اتفقت عليه كلمة العدليّة: من جهة استحالة الترجيح بلا مرجّح، و الإيجاب بلا موجب، و امتناع كون الإرادة مرجّحة على ما زعمه الأشعري- كونها واجبا أوّليّا و مأمورا بها في الحقيقة بحيث يرجع الأمر المتعلّق بما اشتمل عليه إلى الأمر الغيريّ المقدّمي في الحقيقة، فيدخل جميع صور دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الشبهة المصداقيّة و الموضوعيّة بهذه الملاحظة، فلا متيقّن هناك أصلا؛ لأن احتمال حصول العنوان المذكور و المصلحة المطلوبة بفعل الأقلّ كاحتمال حصولها بفعل الأكثر من غير فرق بين الأمرين، فيدخل في المتباينين بهذه الملاحظة، و إن كان فعل الأكثر في المقام من جهة اشتماله على الأقلّ لا بشرط محصّلا قطعيّا له.

بل المراد: كونها مما لاحظها الشارع في تشريع الأحكام من غير أن يجب‏

32

على المكلّف تحصيلها، فهي علّة لفعل الشارع و تشريعه و إيجابه، فالواجب الشرعي هو نفس الفعل، و الواجب العقلي الذي يحكم به قاطبة العقلاء: إطاعة حكم الشارع على وجه يدفع به الضرر و العقاب. و أمّا وجوب تحصيل منشأ وجوب الفعل من المصالح، أو شي‏ء آخر من الغايات فلا يحكم العقل به قطعا.

نعم، لا إشكال في حكمه بجنسه، لكنه لا يجدي نفعا.

فإن قلت: سلّمنا عدم كون المصلحة واجبا أوّليّا و نفسيّا بحيث يرجع الأمر في جميع الواجبات إلى الأمر الغيري، لكن لا كلام في كونها الغرض للشارع من تشريع الواجبات، فيجب تحصيلها على المكلّف في حكم العقل و العقلاء، ألا ترى إلزامهم المريض بتحصيل ما يحتمل مدخليّته في المركّب الذي أمره الطبيب بشربه مع علمه بعدم كونه ضارّا و مفسدا على تقدير عدم المدخليّة؟ و ليس ذلك إلّا من جهة احتمال عدم حصول الغرض من المركّب المأمور بشربه بدونه.

و المقام من هذا القبيل لأن الشارع هو طبيب النفوس لا يأمر بشي‏ء يرجع فائدته إليه، بل أمره دائما يرجع إلى تداوي النفوس و الفوائد الراجعة إليهم، و إلّا فهو غنيّ بالذات.

قلت: نمنع لزوم تحصيل الغرض الذي يكون من العلّة الغائية و الفائدة المقصودة من تشريع الأحكام؛ لأن الواجب في حكم العقل هو تحصيل البراءة عمّا أوجبه الشارع ليس إلّا، و أمّا قياس المقام بأمر الطبيب ففاسد جدّا، لأن أمر الطبيب إرشاديّ صرف لا يتكلّم فيه من حيث الإطاعة و المعصية و الثواب‏

33

و العقاب. و من هنا لا يفرّق بين أمره و إخباره عن الدواء المركّب و إنها نافعة، بل الأمر كذلك فيما لو تعلّق غرض المريض أو غيره بتحصيل عنوان من فعل مركّب يشكّ في مدخليّة بعض الأمور في حصوله مع علمه بعدم كونه ضارّا؛ فإنّ ترك الاحتياط فيه نقض للغرض عند العقلاء، و هذا بخلاف المقام الذي نتكلّم فيه من حيث المعصية الإطاعة و إن كان للأمر الشرعي المولوي جهة إرشادي أيضا، لكنه ليس ممحّضا فيه كما تبيّن في محلّه.

فإن قلت: يجب على الشارع إيجاب الاحتياط في المقام؛ إذ لولاه لزم نقض الغرض من تشريع الأحكام المبتنية على المصالح فتسليم الابتناء يلازم الالتزام بذلك فيتمّ المدّعى.

قلت: الابتناء المذكور و إن كان مقتضيا لذلك كما يكشف عنه حديث الرّفع بالبيان الذي عرفته في الموضع الأوّل عند التكلم في الحديث الشريف، إلّا أنه ليس علّة تامّة له فربما يكون هناك موانع و مصادمات لمقتضاه لا يعلم بها إلّا علّام الغيوب. و من هنا كان بناء الشرع على رفع الأحكام الحرجيّة و تدريج بيان الأحكام. و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت على السّمحة السّهلة» (1). و لولاه كان مقتضى ما ذكر وجوب الاحتياط حتّى في الشك في التكليف كما هو ظاهر.

____________

(1) قريبا منه في البحار: ج 30/ 548 و الموجود: «بعثت اليكم بالحنيفيّة السمحة السهلة البيضاء» نقلا عن مسند أحمد بن حنبل: ج 5/ 266.

34

و ثانيا: سلمنا كون مقتضى الابتناء المذكور تعلّق التكليف الواقعي النفس الأمري بتحصيل المصلحة و إيجادها، لكن نمنع من اقتضائه وجوب الاحتياط في المقام؛ نظرا إلى كون المحصّل شرعيّا، فيجب بيانه على الحكيم تعالى. فإذا كان مردّدا بين الأقلّ و الأكثر فيرجع إلى البراءة بالنسبة إلى الزائد، و هذا نظير الأمر بالوضوء و الغسل المحصّلين للطهور مع كونه شرطا للصّلاة إذا فرض الشكّ في جزئيّة شي‏ء للوضوء مثلا، فإنا نحكم فيه بالبراءة و لا نوجب الاحتياط. و هذا إن كان مخالفا لما أطلقه شيخنا (قدّس سرّه) في المسألة الرابعة أو لما صرّح به، إلّا أنه الحق الذي لا محيص عنه و سيأتي له مزيد بيان في تلك المسألة.

و ممّا ذكرنا كله يظهر: فساد التمسّك بما ذكره المتكلّمون: من كون الواجبات السمعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة لإيجاب الاحتياط في المقام؛ نظرا إلى كون اللطف واجبا أوليّا حقيقة أو غرضا من تشريع الواجبات السمعيّة على نحو ما عرفت في تقريب الاستدلال بالابتناء المذكور هذا. و سيأتي بعض الكلام فيه، مضافا إلي ما عرفته عند تكلم شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه) عليه.

و أمّا الوجه الخامس الذي استند إليه الشيخ الفاضل في «الفصول» فمرجعه في الحقيقة إلى التمسّك بالوجه الأوّل مبنيّا على منع جريان دليل البراءة في المقام حقيقة؛ من جهة عدم مساعدته لإثبات كون الماهيّة هي الأقلّ الذي هو مبنى عدم جريان قاعدة الاشتغال بزعمه، و إن سلّم نهوضه لنفي الوجوب الغيري كنفي الوجوب النفسي المستقل.

35

فيتوجّه عليه: بأن ابتناء جريان القاعدة على عدم تعيين الماهيّة و منعه على نفيها لم يعلم له مستند أصلا: إذ مجرّد نفي العقاب المحتمل في ترك الأكثر أو الزائد يكفي رافعا لموضوع القاعدة، أعني: الضرر المحتمل. فلا شاهد لما أفاده أصلا، بل الشاهد على خلافه.

ثمّ إن في ما أفاده بطوله أنظارا يطول المقام بذكرها و لعل المتأمل يقف عليها. هذا ما ساعد عليه المجال في ذكر ما هو العمدة من مستند القائل بالاحتياط و الإشارة إلى ضعفه على سبيل الإجمال و سيجي‏ء الإشارة إلى بعض وجوه أخر في «الكتاب» و ضعفه و ليكن في ذكر منك لعلّه ينفعك في الوقوف على حقيقة الحال؛ فإن ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) في تحرير المقام؛ فإنه لا يخلو عن ثبوت الإجمال و الله أعلم بحقيقة الحال.

(3) قوله (قدّس سرّه): (و أمّا العقل فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلّف بمركّب ...

إلى آخره) (1). (ج 2/ 318)

____________

(1) قال المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«مرّ غير مرّة منع حكم العقل بقبح العقاب إلّا إذا علم عدم البيان واقعا من غير مانع عن البيان و كلا القيدين غير معلوم فيما نحن فيه، فلا يكون موردا لحكم العقل بنفي العقاب بل نقول- بناء على مذهب العدليّة: من تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد النفس الأمريّة-: انه يحكم العقل بوجوب الإحتياط حتى في الشبهات البدويّة الإستقلاليّة من باب وجوب دفع‏

36

____________

الضرر المحتمل» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 2/ 364.

* و قال المحقّق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه) الشريف:

«أقول: توضيح المقام بحيث يرتفع به غشاوة الأوهام و يتّضح به ملخّص مرام المصنّف (رحمه اللّه) هو أن الكلام يقع في مقامين:

أحدهما: و هو الذي عقد له هذا الباب أنه عند دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر هل التارك للجزء المشكوك مع إتيانه بما عداه من الأجزاء يعدّ عاصيا في حكم العقل و العقلاء فيحسن عقابه كما في المتباينين أم لا؟

ثانيهما: إنّه بعد البناء على عدم استقلال العقل بحسن العقاب و عدم كونه عاصيا في حكم العقلاء بالنظر إلى ذلك التكليف من حيث هو هل العقل يحكم بوجوب الإحتياط في الأحكام الشرعيّة لإحراز مصلحتها الواقعيّة الملزمة الموجبة للأمر الشرعي أم لا؟

أمّا الكلام في المقام الأوّل فنقول:

لا شبهة في انه اذا عزم العبد على إطاعة المولى و بذل جهده في تعيين موضوع أمره و لم يطّلع إلّا على عدّة أجزاء و احتمل إرادته أجزاء أخر لم يصل إليه بيانها، أو لم يتعرّض المولى لبيانها و لو لعجزه عن بيان تمام مراده و أتى العبد بجميع الأجزاء التي علم بوجوبها بعد فحصه و بحثه عن وجوب ما يحتمل وجوبه و عدم اطلاعه على ما يدلّ على وجوبه ليس للمولى أن يؤاخذه و يعاتبه- بقوله: لم عصيتني و خالفتني فيما أمرتك و تركت إطاعتي و الإتيان بمرادي؟- لأن عذر العبد معلوم مقبول عند العقلاء فيقبح من المولى مؤاخذته‏

37

____________

خصوصا مع اعترافه بأنّي ما نصبت له عليه دلالة.

و أمّا الكلام في المقام الثاني فملخّصه:

إن العقل لا يلزم بايجاد فعل بلحاظ مصلحته إلّا بعد العلم بأنّ فيه مصلحة ملزمة سواء علم بها تفصيلا أو إجمالا و هو فيما نحن فيه متعذّر؛ إذ لا طريق للعقل إلى إحرازها؛ لأن غاية ما يستقلّ به العقل و تقتضيه قواعد العدليّة هو أنّ أمر الشارع لا يكون إلّا عن مصلحة في المأمور به عائدة إلى المكلّف و لو بلحاظ الأمر على الخلاف في المسألة إلّا انه لم يعلم ترتّب تلك المصلحة على حصول ذات المأمور به كيف اتّفق، أو توقّفها على حصوله بكيفيّة خاصّة كأن كان المكلّف جازما حين الفعل عارفا بكيفيّة الطلب و خصوصيّاته و لا ينافي ذلك ما قوّيناه من عدم اعتبار معرفة الوجه في الإطاعة؛ لأنّ ما قوّيناه إنّما هو بالنظر إلى القواعد التي بأيدينا من كيفيّة الإطاعة بحكم العقل و العقلاء و لا إستحالة في أن يكون ما يترتّب عليه المصلحة كيفيّة خاصّة من الإطاعة لم يطلع عليها و اختفى عنا بيان الشارع كما انه لا امتناع عقلا و لا عادة في أن يكون للمركّبات أجزاء أخر اختفى علينا تصوّرها أو الإذعان بجزئيّتها لفقد أدلتها أو معارضتها بما هو أرجح منها في نظرنا أو اقتضاء الإطلاقات و العمومات نفي وجوبها.

و الحاصل: إن العلم الإجمالي الذي لا إحاطة للمكلف بأطرافه و لا يمكنه الإتيان بجميع الأطراف لا يصلح أن يكون منجّزا للتكليف فليس للعقل حكم إلزامي بوجوب ايجاد الواجبات الشرعيّة بلحاظ مصلحتها الواقعيّة ما لم يعلم بتلك المصالح تفصيلا و إنّما يحكم بوجوب إيجادها إطاعة لأمر الشارع و فرارا عن معصيته الموجبة لاستحقاق العقاب كما لا

38

____________

يخفى.

هذا مع أنّ العلم إجمالا بأن الغرض من هذا التكليف حصول مصلحة عائدة إلى الأمر أو المأمور مغايرة لنفس ذلك الفعل من حيث هو لا يصلح أن يكون مؤثّرا في ايجاب الاحتياط بالنسبة إلى ما تعلّق به الغرض إلّا اذا علم بتخلّفه عن المأمور به أحيانا و كون المكلف قادرا على تحصيله و إتيان المأمور به على وجه يترتّب عليه تلك الغاية المقصودة.

و أمّا اذا احتمل كونه من قبيل الخاصّيّات المترتّبة على هذا الفعل من حيث هو كما هو الغالب في الأوامر العرفيّة التي لا يعلم الأغراض المتعلّقة بها تفصيلا فلا؛ إذ لا يعلم حينئذ بمغايرة الفعل الإختياري الصّالح لأن يتعلّق به التكليف مما له دخل في حصول ذلك الغرض لهذا الفعل الذي وقع في حيّز الطلب كي يثبت بذلك تكليف، مثلا إذا كلّف المولى عبده بالرّواح إلى السوق و علم العبد بأنّ نفس الرّواح من حيث هو ليس متعلّقا لغرضه و إنّما مقصوده تحصيل أمر آخر اختياري له، إمّا لكونه من عند أفعاله الإختياريّة كشراء لحم و نحوه، او غاية مترتّبة على فعله الإختياري كوقوع رؤية زيد عليه عند مروره من عند دكّانه بارزا، فحينئذ يجب على العبد عند تردّد ذلك الغرض بين أمرين أو أمور مقدورة، الإحتياط و تحصيل الجزم بحصول ما تعلّق به غرض المولى، لا لأجل أنّ الإطاعة عقلا و عرفا اسم للإتيان بالمأمور به على وجه تعلّق به غرض المولى، و ذلك لان الإطاعة التي يستقل العقل بوجوبها ليس إلّا ايجاد المأمور به بداعي الأمر لا غير، و إنّما على المولى أن لا يأمر العبد إلّا بما يطابق غرضه، و لكن بعد أن علم العبد بالمخالفة و أنّ ما تعلّق به الغرض أمر مباين لهذا الفعل كشراء اللحم في المثال المزبور، أو شي‏ء لا يترتّب عليه إلّا على بعض التقادير كوقوع‏

39

في بيان القول المختار و مستنده‏

أقول: لا يخفى عليك أن ما ذكره (قدّس سرّه) من الوجهين في الاستدلال على المدّعى هو الذي ينبغي أن يذكر و يعتمد عليه على ما عرفت الإشارة إليه.

و أمّا سائر الوجوه التي استدلوا بها للقول المختار فستعرف عدم نهوضها لإثباته و عدم تماميتها.

____________

رؤية زيد عليه فى المثال وجب عليه حينئذ تحصيل الجزم بحصول ذلك الغرض لكون علمه حينئذ طريقا عقليّا لتنجيز التكليف به و إن لم يكن هناك خطاب سمعي فضلا عمّا إذا كان خطابه قاصرا عن الوفاء بمراده و لكن هذا مع العلم بالتخلّف أو المباينة.

و أمّا إذا احتمل كونه من قبيل الخواص المترتّبة على نفس المأمور به كهضم الغذاء الذي هو من فوائد الرّواح إلى السوق في المثال المزبور، فلا أثر لعلمه الإجمالي كما هو واضح.

و ما نحن فيه كلّها من هذا القبيل؛ لأن غاية ما اقتضته قواعده كون التكاليف السمعيّة ناشئة عن المصالح النفس الأمريّة لازمة التحصيل بنظر العقل على تقدير الإطلاع عليها، فمن الجائز- إن لم نقل بانّه المتعيّن- كون تلك المصالح من قبيل الخاصّيّات المترتّبة على نفس هذه الأفعال التي تعلّق بها الطلب السمعي فلا يتنجّز التكليف حينئذ إلّا بنفس هذه الأفعال، فعند تردّدها بين الأقل و الأكثر يتمشّى فيها الكلام المزبور: من أنّ مقتضى الأصل حينئذ- بالنسبة إلى الأكثر- هل هو البراءة أو قاعدة الشغل؟ كما لا يخفى على المتأمّل» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: 248- 245.

40

ثمّ إن ما ذكره من استقلال العقل في الحكم بقبح المؤاخذة في الفرض المذكور ممّا لا شبهة فيه و لا ريب يعتريه يشهد به الوجدان، و تقبيح العقلاء كافة من يعاتب عبده و يؤاخذه على ترك المركّب المسبّب عن ترك بعض أجزائه الذي لا يعلم العبد بوجوبه بعد الفحص التام بقدر وسعه عنه فيما نصبه المولى لمعرفة أحكامه، و ما حكم به العقل عند فقد الطريق المنصوب من قبل المولى سيّما بملاحظة الخصوصيّة التي ذكرها الأستاذ العلامة بقوله: «خصوصا مع اعتراف المولى بأني ما نصبت لك عليه دلالة» (1) فإن حكم العقل بقبح المؤاخذة في الفرض أوضح.

و دعوى: أن العقل إنما يقبح المؤاخذة على المولى فيما لم ينصب دلالة على الحكم أصلا، لا فيما نصبها و اختفت على العبد، و الكلام إنما هو في الثاني لا الأوّل.

فاسدة جدّا؛ لأنه إذا قيل بكون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامّة في نظر العقل في حكمه بوجوب الاحتياط و إن تردّد متعلّقه بين الأقل و الأكثر لم يكن معنى للدعوى المذكورة أصلا.

و من هنا نلتزم بوجوب الاحتياط فيما التزمنا بوجوبه من المتباينين حتى في صورة العلم بعدم نصب الدلالة عن المولى على بيان المكلّف به على ما عرفت‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 318.

41

تفصيل القول فيه سابقا، غاية ما في الباب، كون ترك النصب منه قبيحا لو فرض عدم المصلحة فيه، لكنه لا يرفع قبح ترك الاحتياط من العبد و حسن مؤاخذته على الواقع المتروك؛ إذ لا ملازمة بينهما أصلا، و لا دخل لأحدهما بالآخر جزما؛ إذ مورد أحد القبيحين فعل العبد من غير أن يكون له دخل بفعل المولى، و مورد الآخر فعل المولى من غير أن يكون له دخل بفعل العبد.

و الحاصل: أنّ هنا قاعدتين لا دخل لأحدهما بالأخرى و لا ارتباط بينهما أصلا، أحدهما: وجوب اللطف و البيان على المولى. الثانية: وجوب الاحتياط و تحصيل الإطاعة القطعيّة العلميّة على العبد بعد العلم الإجمالي بإرادة المولى، و إن لم يعلم المراد تفصيلا: بأن تردّد بين أمرين، أو أمور متباينة، أو الأقلّ و الأكثر، فالتوهّم المذكور فاسد جدّا.

فقد تبيّن مما ذكرنا كلّه: عدم الارتياب في حكم العقل بالبراءة في المقام بالنظر إلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان سواء جعل مورده الوجوب النفسي المحتمل المتعلّق بالأكثر، أو الغيري المتعلّق بالجزء المشكوك بالنظر إلى ذاته من حيث توقف وجود الكل عليه؛ من جهة كون تركه سببا لترك الكل، أو عينه على ما عرفت الإشارة إليه سابقا؛ لأن المعاقب عليه و إن كان ترك الكلّ إلّا أن السبب له ترك الجزء الذي لم يبيّنه الشارع و هذا المقدار يكفي في جريان القاعدة و حكم العقل.

42

(4) قوله (قدّس سرّه): (فإن قلت: إن بناء العقلاء ... إلى آخره). (ج 2/ 318)

أقول: هذا السؤال إشارة إلى ما زعمه غير واحد و ركن إليه في منع جريان قاعدة القبح في المقام و كون العقل مستقلّا في الحكم بوجوب الاحتياط؛ من جهة إلزامه دفع الضّرر المحتمل مستكشفا ذلك من بناء العقلاء على ذلك في الأوامر العرفيّة الصّادرة من الموالي بالنسبة إلى العبيد، أو الأطبّاء بالنسبة إلى المرضى، فهو إيماء إلى ما عرفته في طيّ الاستدلال للقول بوجوب الاحتياط في المقام.

(5) قوله: (قلت: أمّا أوامر الطبيب فهي إرشاديّة ... إلى آخره) (1). (ج 2/ 318)

____________

(1) قال الأصولي الجليل الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«حاصله: بيان الفرق بينما كان الغرض من الأمر إطاعة العبد لمولاه و بينما كان الغرض منه حصول شي‏ء آخر، و كان المأمور به مقدمة لحصوله بأن كان الأمر به إرشادا للمكلّف إلى تحصيل هذا الشي‏ء بل كان هو المأمور به في الحقيقة بدعوى تقبيح العقلاء لمؤاخذة المولى لو عاقب العبد لأجل ترك الجزء المشكوك فيه في المقام الأوّل و حيث كان طريق الإطاعة و المعصية موكولة إلى طريقة العقلاء في أوامرهم العرفيّة يثبت بذلك حصول الإطاعة بالإتيان بالأقل و إن كان المأمور به عند المولى هو الأكثر بخلاف ما لو كان الغرض من المأمور به تحصيل شي‏ء آخر بحيث كان حصوله موقوفا على حصول جميع أجزاء المأمور به الواقعي؛ لأن بناءهم على الإحتياط عند الشك في بعض أجزائه و شرائطه إنما هو من جهة كون نفي جزئيّة المشكوك فيه أو شرطيّته منافيا للغرض المقصود من الأمر، و أوامر الطبيب من هذا القبيل، و ما نحن فيه من قبيل الأوّل و لذا قلنا بوجوب الإحتياط عند الشك في بعض أجزاء الطهارات الثلاث أو شرائطها» إنتهى. أنظر أوثق الوسائل: 362.

43

في إبداء الفرق بين أوامر المقام و أوامر الأطباء

أقول: ما أفاده في الجواب عن السؤال يرجع إلى إبداء الفرق بين المقام و بين أوامر الأطبّاء مع تسليم وجوب الاحتياط في الثاني: بأن أوامرهم إرشاديّة محضة لا يقصد منها إلا تحصيل ما هو الثابت في المأمور به من الخواص و الفوائد.

و من المعلوم ضرورة لزوم الاحتياط فيما إذا تعلق الغرض بتحصيل عنوان من الفعل يشكّ في حصوله بترك بعض ما يعلم بعدم كون فعله مضرّا و لم يزل بناء العقلاء على الالتزام بفعله، و لو لم يكن هناك أمر من أحد أصلا، على ما عرفت الإشارة إليه؛ لئلا يلزم نقض الغرض.

و هذا بخلاف المقام المفروض كون الأمر فيه مولويّا و إن كان له جهة إرشاد يتكلّم فيه و يبحث عنه: من حيث الإطاعة و المعصية؛ فإن العقل مستقلّ في الحكم فيه بكفاية فعل الأقلّ في التخلّص عن تبعة العقاب و تحقّق الإطاعة التي لا واقعيّة لكيفيّتها و شؤونها إلّا بملاحظة حكم العقل و إن لم يقطع بحصول الواجب الواقعي في ضمن ما يتحقّق به الإطاعة و هو فعل الأقلّ في مفروض البحث؛ فإن هذا ليس شرطا في تحقق الإطاعة الموجب لاستحقاق الثواب و رفع العقاب.

إذ قد عرفت- من مطاوي كلماتنا السابقة في هذا الجزء و في الجزء الأوّل من التعليقة غير مرّة-: أن الخطابات الواقعيّة و الأحكام النفس الأمريّة ليس ممّا

44

يقتضي بأنفسها وجوب الإطاعة و حرمة المعصية بحيث يترتّبان على وجودها النفس الأمري و يكون لهما كنفس الأحكام ثبوت واقعيّ و نفس أمريّته‏ (1)، بل هما من الأحكام العقليّة الوجدانيّة يختلف مراتبهما في حكم العقل بحسب اختلاف الموارد و الحالات: فقد يحكم العقل في مقام بلزوم تحصيل العلم و القطع، و لا يكتفى بغيره في مقام الإطاعة. و قد يحكم في مقام بلزوم تحصيل مرتبة من الظّن، و لا يكتفى بغيره في حصول الإطاعة. و قد يحكم بكفاية مطلق الظنّ و لا يكتفى بغيره. و قد يكتفى في مقام الإطاعة ببعض محتملات الواقع، هذا بالنسبة إلى أوامر الطبيب.

و أمّا الأوامر الصادرة من الموالي بالنسبة إلى عبيدهم:

فإن كانت مولويّة فنلتزم فيها بما التزمنا بالنسبة إلى الأوامر الشرعيّة: من قبح المؤاخذة على ترك الواقع المسبّب عن ترك الجزء المشكوك للمركّب الذي تعلّق به الأمر المولوي، و دعوى حكم العقلاء على خلافه مكابرة بيّنة واضحة.

و إن كانت إرشادية محضة فحالها حال أوامر الأطبّاء.

____________

(1) كذا و الظاهر: «نفس أمريّة» و الصحيح: «نفس أمريّ».

45

(6) قوله (قدّس سرّه): (نعم، قد يأمر المولى بمركّب يعلم أن المقصود منه ...

إلى آخره) (1). (ج 2/ 319)

أقول: ما استدركه إشارة إلى تسليم وجوب الاحتياط بفعل ما شكّ في مدخليّته و جزئيّته، و حسن المؤاخذة من المولى على تركه فيما يفرض الأمر المولوي المتعلّق بالمركّب المردّد بين الأقلّ و الأكثر منبعثا عن عنوان يشكّ في حصوله بفعل الأقلّ بحيث يكون هو المأمور به الحقيقي حقيقة و يكون الأمر بالفعل‏

____________

(1) أورد المحقق الجليل الشيخ (رحمة اللّه) الكرماني (قدّس سرّه) ها هنا شطرا من تعليق الفقيه المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه) السابق الذكر إلى قوله: «الموجبة لاستحقاق العقاب كما لا يخفى»- و التي أوردناها بكاملها قبل قليل- ثمّ علّق عليها قائلا:

«أقول: لا بد في طلب الشارع و أمره من وجود مصلحة إمّا في (نفس) الطلب كما في قضيّة إسماعيل ذبيح اللّه (عليه السّلام)؛ فإن المصلحة في أمر الخليل بالذبح كما يحصل للخليل و الذبيح (صلوات اللّه عليهما) توطين النفس للإطاعة و الإنقياد لأمر المولى الحقيقي و يحصل بذلك لهما مرتبة لم تكن لهما بدون ذلك و إن لم تكن مصلحة في نفس الذبح و إلّا لم يمنع منه بعد ايجاد مقدّماته و يلوح من كلام الهمداني أن المصلحة في القسم الثاني أيضا في المأمور به إلّا انه بلحاظ الأمر، فإن أراد أنّ مصلحة الطلب توجد و تحصل مصلحة في المطلوب مع انه لم يكن فيه بوجه فذلك ضبط و إن أراد أن تعلّق الطلب به مع عدم المصلحة فيه باعتبار وجود المصلحة في الطلب فلا كلام فيه.

و بالجملة: لمّا كان همّنا عدم الوقوع في معرض استحقاق العقاب طويت الكلام في المقام الثاني حامدا» إنتهى. أنظر حاشية (رحمة اللّه) على الفرائد المحشّي: 273.

46

غيريّا أو غرضا من الأمر بالفعل من غير فرق بين كون العنوان المذكور معلوما بالتفصيل، أو مجهولا؛ فإن تحصيل العلم بحصول العنوان المذكور لازم عند العقلاء في الصورتين، و إن كان حكمهم به في الصورة الأولى أظهر و أوضح من حكمهم به في الصورة الثانية هذا. و لكنّك عرفت ما يتوجّه على ما أفاده في طيّ الجواب عن وجوه القول بالاحتياط، و ستمرّ الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

(7) قوله (قدّس سرّه): (فإن قلت: إن الأوامر الشرعيّة ... إلى آخره). (ج 2/ 319)

أقول: لمّا سلّم (قدّس سرّه) وجوب الاحتياط فيما كان من الأمر المولوي العرفي المتعلّق بالمركّب قصد به عنوان و وجه يكون هو المكلّف به حقيقة، أو غرضا للأمر به، فقد تفطّن ورود سؤال على نفسه فيما بني الأمر عليه: من عدم وجوب الاحتياط في محل البحث من الشرعيّات. و قد عرفت: أنه من وجوه القائلين بالاحتياط في المقام.

و نقول توضيحا لما أفاده: أن من المسلّمات عند العدليّة: كون الأحكام الشرعيّة بأسرها مبنيّة على جهات الأفعال أو الأحكام- كما زعمه بعض- من المصالح و المفاسد و إن لم يعلم بها تفصيلا و بحقائقها. و من هنا حكموا في مسألة الملازمة بثبوت التلازم من الطرفين، و إنه كما يكون حكم العقل دليلا على حكم الشرع و كاشفا عنه يكون حكم الشرع أيضا كاشفا عن حكم العقل و لو كان بين‏

47

الكشفين فرق من حيث الإجمال و التفصيل.

فالمصلحة: إمّا من قبيل العنوان و الوجه للمأمور به كالطّهور المطلوب حقيقة من الأمر بإزالة الخبث، و الحدث بالوضوء و الغسل الرافعين، أو الغرض من الأمر به، فلا بدّ إذن من الالتزام بوجوب الاحتياط في المقام و أمثاله، ممّا يشكّ في حصول المصلحة بفعل بعض محتملات الواجب على ما وقع الاعتراف به سابقا.

و الحاصل: أن الأوامر الشرعيّة بأسرها على قسمين:

أحدهما: ما يكون إرشاديّة محضة كأوامر الإطاعة و التوبة- على ما يقتضيه التحقيق- و الإشهاد عند المعاملة و نحوها.

ثانيهما: ما يكون له جهتان: جهة مولويّة، و جهة إرشادية إلى ما هو المكنون في المأمور به من المصلحة كأكثر الأوامر الواردة في الشريعة، خلافا لبعض المدقّقين فيما حكي عنه في تعليقه على «المعالم»؛ حيث ذهب إلى كون الأوامر الشرعيّة بأسرها إرشاديّة محضة، في قبال الأشعري القائل بكونها مولويّة محضة.

و لآخر؛ حيث اكتفى بوجود المصلحة في الأمر. و ليس لهما قسم ثالث عند العدليّة.

فإذن لا بدّ من الالتزام بوجوب الاحتياط في الشكّ في المكلّف به مطلقا بناء على الاستدراك المذكور. هذا حاصل ما أفاده في تقريب السؤال.

48

و أما ما أفاده بقوله (قدّس سرّه): (و بتقرير آخر (1): المشهور بين العدليّة: أن الواجبات‏

____________

(1) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«هذا تقرير للسؤال على طرز آخر لا يبتني على قول الإماميّة و المعتزلة بكون الأحكام الشرعيّة ناشئة من المصالح و المفاسد الكامنة، و قد سمعت من بعض مشايخي في تقريره:

أن شكر المنعم و إطاعته سبحانه و تعظيمه واجب بحكم العقل و المحصّل لهذه العناوين هي الواجبات الشرعيّة فهي لطف فيها بمعنى كونها مقرّبة للعبد إليها لأجل كونها مقدّمة لحصولها، بل هذه العناوين قائمة بها فهي المأمور به في الحقيقة، و الأفعال المحصّلة لها مقدّمة لها، أو هي أغراض مقصودة منها.

و فيه نظر، يظهر وجهه بالتأمّل فيما حكي عن المحقق الثاني في جامعه عند بيان نيّة وجه الوجوب و الندب في الوضوء قال:

«المراد بوجه الوجوب و الندب السبب الباعث على ايجاب الواجب و ندب المندوب فهو على ما قرّره جمهور العدليين من الإماميّة و المعتزلة: «أن السمعيّات ألطاف في العقليّات» و معناه: أن الواجب السمعي مقرّب من الواجب العقلي أي: إمتثاله باعث على إمتثاله؛ فإن من امتثل الواجبات السمعيّة كان أقرب إلى امتثال الواجبات العقليّة من غيره، و لا معنى للطف إلّا ما يكون المكلّف معه أقرب إلى الطاعة، و كذا الندب السمعي مقرّب من الندب العقلي أو مؤكّد لإمتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللطف و الزيادة في الواجب لا يمتنع أن يكون ندبا و لا نعني أن اللطف في العقليّات منحصر في السمعيّات؛ فإن النبوّة و الإمامة و وجود العلماء و الوعد و الوعيد، بل جميع الآلام تصلح للألطاف فيها و إنّما هي نوع من الألطاف» إنتهى.

49

الشرعيّة ... إلى آخر ما أفاده) (1) فليس معناه عند التحقيق: كون الواجبات السّمعيّة منطبقة على الواجبات العقليّة بحيث يحكم العقل بها تفصيلا على تقدير علمه بجهات الأحكام و كاشفة عنها بهذه الملاحظة على وجه الإجمال، بل كونها مقرّبة إلى الواجبات العقليّة التي استقل العقل بها مع قطع النظر عن الشارع كردّ الوديعة و نحوه، كما يشير إليه قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (2) و إن كان تقريبها إليها من جهة اشتمالها على ما يوجب كمال النفس و التشبّه بالروحانيّين فلعلّه (قدّس سرّه) لاحظ الجهة المذكورة فتأمل.

و كيف كان: الظاهر من القضيّة المذكورة في كلمات المتكلّمين ما ذكرنا، كما صرّح به (قدّس سرّه) في مجلس البحث.

(8) قوله (قدّس سرّه): (قلت: أوّلا: إن مسألة البراءة و الاحتياط ... إلى آخره) (3). (ج 2/ 319)

____________

و على كل تقدير فمبنى التقرير الأوّل على كون الغرض من الأوامر تحصيل المصالح الكامنة، و مبنى الثاني على كون الغرض منها كون العبد قريبا من امتثال الواجبات العقليّة» إنتهى. انظر أوثق الوسائل: 362.

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 319.

(2) العنكبوت: 45.

(3) قال المحقّق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

50

____________

«ما ذكره أوّلا: إشارة إلى ما نبّهنا عليه آنفا: من أن الكلام في هذا المقام إنّما هو في بيان ما يقتضيه الأصل في مقام الخروج عن عهدة التكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر من البراءة و الإحتياط.

و أمّا أنّ الصلاة التي يشك في جزئيّة السورة لها مثلا هل هي من جزئيات هذه المسألة أو أنّها مقدّمة لواجب عقلي يجب تحصيله لقاعدة الملازمة؟

فهو أجنبي عن ذلك؛ إذ بعد تسليم المقدّميّة ننقل الكلام في ذلك الواجب فنقول: إن علم عنوانه تفصيلا فقد وجب الإتيان بذلك المعلوم، و إن تردّد بين أمور متباينة وجب الإتيان بمحتملاته، و إن تردّد بين الأقلّ و الأكثر اندرج في موضوع هذه المسألة فلاحظ و تأمّل».

إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 248.

* قال السيّد عبد الحسين اللاري (قدّس سرّه):

«أقول: لا يخفى أنّ كلّا من جوابيه المذكورين لا يتمّ إلّا على بعض الأقوال الضعيفة التي لا يقول بها المجيب هو أيضا.

و العجب كلّ العجب من المصنّف في المقام كيف اقتصر في جواب المعترض عليه بجوابين لا يتم شي‏ء منهما على المذهب المشهور و لا على مذهبه هو أيضا.

أمّا جوابه الأوّل: فلإبتناءه على ما صرّح به من مذهب الأشاعرة دون العدليّة أو على مذهب الفصول و هو بشي‏ء منهما لا يقول.

و أمّا جوابه الثاني: فلإبتناءه أيضا على القول باعتبار نيّة الوجه في العبادات الذي لا يقول به هو أيضا.

51

____________

و الصواب في الجواب هو:

أن يجاب عن ذلك الإعتراض:

أوّلا- على وجه المعارضة و الإجمال-: بأنّ استتباع الأوامر الشرعيّة للمصالح النفس الأمريّة لو كان مقتضيا للإحتياط لانسدّ باب العمل بما عداه من سائر الأصول العمليّة حتى في مورد الشك في التكليف و دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الإستقلالي بل و في الشبهات الموضوعيّة من الشك في التكليف و الحال ان اللازم باطل بالإتفاق و الوفاق فالملزوم مثله.

و ثانيا- على وجه التفصيل و الحلّ- بأن أمر الشارع و ترخيصه الرجوع إلى البراءة في مشكوكات الوجوب من الأجزاء و الشروط كاشفة و حاكية:

إمّا عن عدم استتباع الأوامر الشرعيّة للخواص و المصالح كما هو مذهب الأشاعرة و إن كان باطلا عندنا.

و إمّا عن كون المصلحة و الخاصّيّة قد تكون في الأمر دون المأمور به كما هو مذهب الفصول [ص 111] و غيره من بعض الفحول مستشهدا له بالأوامر الإمتحانيّة و الإبتدائيّة.

و إمّا عن كون المصلحة و الخاصّيّة في المأمور به ليست بذاتيّة لا يتخلّف، بل هي قابلة للإختلاف بالوجوه و الإعتبارات التي من جملتها جهل المأمور و علمه كما هو المشهور و المنصور، و على ذلك فتتبدّل المصلحة و الخاصّيّة الكائنة الكامنة في تمام الأجزاء بالنسبة إلى العالم بها بمصلحة و خاصّيّة أخرى في ناقص الأجزاء بالنسبة إلى الجاهل بما عداها مثل المصلحة و الخاصّيّة الأولى الكامنة في تمام الأجزاء.

و إمّا كاشفه عن كون المصلحة و الخاصّيّة الكائنة الكامنة في المأمور به ممّا لا يتغيّر بنقصانها

52

أقول: قد يناقش فيما أفاده: بأن ابتناء الكلام في المسألة على مذهب الأشعري- مضافا إلى ما فيه- لا يجامع التمسّك للقول بالبراءة في مفروض البحث بقاعدة قبح العقاب من غير بيان عقلا. نعم، التمسّك بالدليل العقلي ممّا لا غبار فيه على مذهبهم.

نعم، ما أفاده يستقيم على ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن قال بوجوب الاحتياط في المقام، إلّا أنه بنى المسألة على جريان قاعدة الاشتغال من غير التفات إلى ما ذكر من الوجه.

(9) قوله (قدّس سرّه): (و ثانيا: أن نفس الفعل ... الى آخره) (1). (ج 2/ 320)

____________

عن الجزء المشكوك بالنسبة إلى الجاهل كخواصّ بعض المعاجين غير المتغيّرة بنقصان بعض أجزاءها.

و إمّا كاشفه عن كون الفائت من المصلحة و الخاصّيّة بواسطة العمل بالبراءة عن الجزء المشكوك في عهدة الآمر المرخّص للعمل بالبراءة فيتدارك و يتلافى ما يفوت من مصلحة المأمور به بواسطة العمل بما جعله أصلا و مرجعا للجاهل كما هو لازم كلّ حكيم يجعل لكيفيّة الوصول إلى أمره سبيلا من عنده فإنّ ما يفوت من مصلحة أمره بسلوك السبيل المجعول له إنّما هو في عهدته و هو الضامن لتداركه و تلافيه» إنتهى.

أنظر التعليقة على فرائد الأصول: ج 2/ 421.

(1) قال المحقّق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: قد تبيّن شرحه مفصّلا فراجع و تأمّل فيما حرّرناه حتى يرتفع عن ذهنك ما تراه في‏