بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج7

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
423 /
1

[تتمة المقصد السابع‏]

[تتمة فصل فى اصل البراءة]

بقي أمور مهمة لا بأس بالاشارة اليها: الاول: إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعا و عقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقا و لو كان موافقا لها، فإنه معه لا مجال لها أصلا، لوروده عليها كما يأتي تحقيقه (1)

____________

تنبيهات البراءة:

[الاول اشتراط جريان البراءة بعدم وجود اصل موضوعي‏]

(1) لا يخفى ان الاصل تارة يكون حكميا لا غير من دون الشك في الموضوع، كما لو شك- مثلا- في حرمة شي‏ء و اباحته من ناحية نسخ الحكم الثابت له أو لا فيجري الاصل الحكمي و هو الاستصحاب للحكم الاولي سواء كان حرمة او حلية، و لا مجرى معه للبراءة، و هل تقدم الاستصحاب الحكمي على اصل البراءة لانه حاكم عليه او لوروده عليه او لغير ذلك ككونه توقيفا؟ ... يأتي بيانه ان شاء اللّه تعالى في مسألة تعارض الاصول.

و اخرى: يكون الاصل الجاري موضوعيا كما لو شك في حرمة شي‏ء و حليته من ناحية الشك فيما هو الموضوع لهما كالخمرية و الخليّة، و كان معلوم الحالة السابقة بان كان متيقن الخمرية أو الخليّة سابقا، و مع جريان الاصل في الموضوع لا مجال لجريان الاصل في نفس الحكم، بل الحكم يترتب على الموضوع الذي يجري فيه لاستصحاب، لوضوح ان نسبة الموضوع الى حكمه نسبة السبب الى مسببه، و الاصل في السبب اما حاكم على الاصل في المسبب او وارد عليه، بل حتى لو قلنا بعدم تقدّم الاصل السببي على المسببي لا بد من تقديم الاصل الموضوعي، لان الحكم بالنسبة اليه نسبة العارض الى معروضه، و الغاية من جريان الاصل في المعروض لحوق عارضة به، و الّا يسقط الاصل في الموضوعات من رأس، و ان لم يكن هناك اصل جار في الحكم لان البناء على تحقق الموضوع تعبدا ان لم يكن بلحاظ ثبوت حكمة و ترتبه عليه لا وجه لجريانه، لوضوح لغوية التعبد بالموضوع حيث لا يلحقه الحكم و سيأتي ايضا بيانه في مبحث الاستصحاب ان شاء اللّه تعالى، و يظهر من المصنف انه يرى وروده عليه.

2

فلا تجري- مثلا- أصالة الاباحة في حيوان شك في حليته مع الشك في قبوله التذكية، فإنه إذا ذبح مع سائر الشرائط المعتبرة في التذكية، فأصالة عدم التذكية تدرجها فيما لم يذك و هو حرام إجماعا، كما إذا مات حتف أنفه، فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعمّ غير المذكى شرعا، ضرورة كفاية كونه مثله حكما، و ذلك بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الاوداج الاربعة مع سائر شرائطها، عن خصوصية في الحيوان التي بها

____________

فاذا عرفت هذا ... نقول: اذا شك في حرمة شي‏ء و حليته لا مجال لجريان اصالة البراءة في الحرمة لا شرعا و لا عقلا فيما اذا كان هناك اصل موضوعي كالاستصحاب يعيّن ما هو الموضوع للحرمة او الحليّة.

اما شرعا فلوضوح كون رفع الحرمة المشكوكة بحديث الرفع انما يصح حيث لا يكون هناك ما يثبتها، و مع جريان الاصل المثبت لما هو الموضوع للحرمة تكون الحرمة ثابتة لثبوت موضوعها، و مع ثبوتها لا وجه لجريان اصل البراءة لرفعها.

و اما عقلا فلان موضوع البراءة العقلية اللابيان، و الاصل المثبت للموضوع بيان تام فيرتفع موضوع البراءة العقلية، فاتضح انه بجريان الاصل المثبت لموضوع الحرمة لا مجال لرفعها بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لوضوح استحقاق العقاب عليها بعد ثبوتها بالاصل المثبت لموضوعها، و لا البراءة الشرعية بعد ثبوت موضوع الحرمة بالاصل.

و منه يتضح ايضا عدم جريان البراءة عقلا و شرعا مع جريان الاصل المثبت لحكم يوافقها، كما لو كان المشكوك المتقدّم مسبوقا بالخليّة فانه مع استصحاب الخليّة تثبت الاباحة، و لا مجال للشك فيها حتى نحتاج الى اثباتها بقاعدة الحل شرعا او البراءة عن الحرمة عقلا، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: ( (انه انما تجري اصالة البراءة شرعا و عقلا فيما لم يكن هناك اصل موضوعي ... الى آخر الجملة)) و بقوله: ( (لوروده عليها)) يظهر منه ان مختاره الورود.

3

يؤثر فيه الطهارة وحدها أو مع الحلية، و مع الشك في تلك الخصوصية فالاصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري بسائر شرائطها، كما لا يخفى (1).

____________

[أصالة عدم التذكية]

(1) بعد ما عرفت من انه مع جريان الاصل الموضوعي لا مجال لاصالة البراءة و لا لاصالة الاباحة قطعا ... يقع الكلام في انه فيما اذا شك في حليّة لحم حيوان للشك في قبوله للتذكية ام لا، فهل هناك اصل موضوعي يثبت الموضوع للحرمة فيه ام لا؟

و توضيح ذلك يحتاج الى بيان امور:

الاول: ان التذكية هل هي من المفاهيم العرفية و هي الذبح و النحر كما يظهر من صاحب القاموس، او انها من الحقائق الشرعيّة كما يظهر من موارد استعماله في لسانه كقوله (عليه السّلام): (كل يابس ذكي) (1) و قوله (عليه السّلام): (ذكاة الارض يبسها) (2) و قوله (عليه السّلام): (ذكاة الجنين ذكاة أمه) (3) و غيرها من الموارد التي اطلق عليها الذكاة في لسان الشارع، فان الظاهر ان استعمالها في هذه المقامات المختلفة ليس على سبيل المجاز.

و على كل فبناء على انها من الحقائق الشرعيّة فهل هي معنى بسيط يترتب على اسباب له عند الشارع فيترتب على الذبح بشرائطه و يترتب على يبس الارض، و يترتب في الجنين على ذكاة أمه؟

او انها عبارة عن نفس هذه الامور التي اعتبرها الشارع كالنحر في الابل و الذبح في غيره؟

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 1، ص 49.

(2) راجع نهاية ابن الاثير و لسان العرب و مجمع البحرين في مادة (ذكا).

(3) وسائل الشيعة: ج 16، باب 18 من أبواب الذبائح حديث 12.

4

.....

____________

أم على نحو كون الامور التي اعتبرها في التذكية كالتسمية و استقبال الكعبة اجزاء او شرائط؟

و على الاخير لا تكون التذكية امرا بسيطا مرتبا على اسباب له، بل هي نفس تلك الاسباب، و عليه فلا تكون تلك الاسباب اسبابا للتذكية بل هي نفس التذكية.

الثاني: انه لا اشكال في ان في بعض الحيوان خصوصية و هي القابلية و الاستعداد لان تتحقق التذكية فيه و تؤثر، و بعض الحيوان ليس فيه تلك الخصوصية و القابلية، لوضوح تحققها في مثل الابل و الغنم و عدم تحققها في مثل الكلب او المسوخ.

و لا يخفى ايضا ان آثار التذكية مختلفة، فتارة تؤثر الطهارة و الحلية لأكل اللحم كما هي في الغنم و الإبل و ساير ما هو مأكول اللحم، و اخرى تؤثر الطهارة فقط من دون حلية الاكل كما في الارنب و الثعلب، فان التذكية فيها طهارة لحمها و اجزائها من دون الحليّة لاكلها لانها مما لا يؤكل لحمه.

الثالث: ان الشك في الحلية تارة للشبهة الحكمية، و اخرى للشبهة الموضوعيّة، و قد تعرّض المصنف في اول كلامه للشك من ناحية الشبهة الحكمية، و اشار الى الشبهة الموضوعية في ذيل كلامه.

الرابع: ان الشك في الشبهة الحكميّة على انحاء:

- منها: ان الشك في الحليّة من جهة الشك في كون الحيوان واجدا للخصوصية التي تؤثر التذكية فيه- بشرائطها- الحلية، او انه ليس واجدا لتلك الخصوصية فلا تؤثر التذكية فيه الحليّة، كما في الحيوان المتولد من كلب و شاة فانه يشك في حلّيته مع فرض ذبحه و تحقق ساير ما اعتبر من الامور الأخر كالتسمية و الاستقبال.

- و منها: ان يعلم بان التذكية تؤثر الطهارة و لكن الشك من جهة كون الحيوان واجدا لخصوصية الحلية للأكل، او غير واجد لها كالحيوان المتولد من ثعلب و شاة مع العلم بكونه اما ثعلبا او شاة.

5

.....

____________

- و منها: ان يشك في الحلية من جهة احتمال مانع عنها كالجلل و الموطوئيّة، فمع العلم بكون الحيوان من الغنم الواجد للخصوصية القابلة لتأثير الحلية و الطهارة، و لكن احتملنا كون الجلل مانعا عن تأثير التذكية فيه و كان الحيوان جلالا.

الخامس: ان المذكى الذي كان اثره الطهارة و الحلية او الطهارة وحدها، و غير المذكى الذي كان اثره النجاسة و حرمة الاكل، هل هما متقابلان بتقابل التضاد؟ بان تكون التذكية معنى وجوديا، و عدم التذكية ايضا معنى وجوديا و هي عنوان الميتة، فيراد من عدم التذكية هو المثبتيّة، و انما عبّر عن المعنى الوجودي بالعنوان العدمي و هو عدم التذكية او كونه غير مذكى لانهما من الضدين اللذين لا ثالث لهما في الحيوان الذي زهقت روحه لانه اما مذكى او ميتة، فعدم التذكية من الملازمات لعنوان الميتة، و يصح الاشارة الى الملازم بالعنوان الآخر الملازم له.

او انهما من المتقابلين بتقابل العدم و الملكة؟ بان يكون وصف التذكية و عدم التذكية من اللاحقين للذي له شأنية ان يكون ذكيا و غير ذكي و هو الحيوان الذي زهقت روحه، فالحيوان في حال حياته لا مذكى و لا غير مذكى.

او انهما من المتقابلين بتقابل السلب و الايجاب؟ و حيث ان تقابل السلب و الايجاب مما لا يعقل ان يجتمعا و ان يرتفعا فلا يخلو الشي‏ء عن كونه مصداقا لاحدهما و لا يخلو عنهما شي‏ء من الاشياء، لوضوح ان تقابل البصر و العمى يجوز ان يخلو الشي‏ء عنهما معا كالجدار فانه لا اعمى و لا بصير، بخلاف البصر و اللابصر فان الجدار و ان لم يصدق عليه انه اعمى لكنه يصدق عليه انه لا بصر له، و على هذا فالحيوان الحي حال حياته يصدق عليه انه غير مذكى.

اذا عرفت هذا ... فنقول: ان الشك في الحلية و الحرمة في الحيوان اذا كان من جهة الصورة الاولى، و هو ما كان الشك فيه من ناحية الشك في كونه واجدا للخصوصية التي تؤثر التذكية فيه ذلك، ام ليس واجدا لتلك الخصوصية فلا تؤثر فيه شيئا، فان كان التقابل بين التذكية و عدم التذكية من تقابل التضاد لا مجرى لاصالة

6

[جريان اصالة عدم التذكية اذا شك فيها و صور المسألة]

عدم التذكية لعدم العلم بها سابقا، لوضوح عدم كون الحيوان حال حياته ميتا، و مثله ما اذا كان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة فانه لا مجرى فيه ايضا لاصالة عدم التذكية، لما عرفت من انهما وصفان متقابلان لما له شأنية ان يكون مذكى و غير مذكى، و هو الحيوان الذي زهقت روحه، فالحيوان حال الحياة لا مذكى و لا غير مذكى، فلا علم بعدم التذكية حال الحياة حتى يستصحب الى حال الموت.

فينحصر جريان الاصل في عدم التذكية فيما اذا كانا متقابلين بتقابل السلب و الايجاب، لوضوح العلم بعدم التذكية حال الحياة فنستصحب الى حال ازهاق الروح و يترتب الاثر المترتب على زهاق الروح و عدم التذكية، لاحراز احدهما بالوجدان و الثاني بالاصل.

و يظهر من عبارة المصنف امور:

الاول: فرض الصورة الاولى، و هي ما كان الشك في حلية الحيوان من جهة الشك في وجدانه للخصوصية و القابلية و عدمها، و اليه اشار بقوله: ( (فلا تجري مثلا اصالة الاباحة)) و التعبير ب (مثلا) للاشارة الى ان التذكية قد يكون اثرها الاباحة و الطهارة، و قد يكون اثرها الطهارة فقط دون الاباحة، ففي مثل الحيوان المتولد من كلب و شاة- بناء على انه اما كلب او شاة- فانه حينئذ يكون اثر التذكية فيه- لو تمت- الاباحة و الطهارة، و اثر عدم التذكية النجاسة و الحرمة، و مع جريان اصالة عدم التذكية لا تجري اصالة الاباحة ( (في حيوان شك في حليته مع الشك في قبوله التذكية فانه)) يكون من الحرام حتى فيما ( (اذا ذبح مع)) تحقيق ( (سائر الشرائط المعتبرة في التذكية)).

الثاني: انهما من المتقابلين بتقابل السلب و الايجاب، لقوله (قدس سره):

( (فاصالة عدم التذكية تدرجها)) أي تدرج الحيوان المذبوح مع تحقق ساير الشرائط للذبح عدا الخصوصية و القابلية التي كان الشك في حليته و عدم حليته من اجلها و انه واجد لتلك الخصوصية ام لا، فبأصالة عدم التذكية تندرج في الحرام، و تأنيث الفعل‏

7

.....

____________

و الضمير في تدرجها، اما الضمير فباعتبار كونه ذبيحة، و اما الفعل فقوله في ذيل كلامه: ( (فالاصل عدم تحقق التذكية)).

فاتضح: ان مختار المصنف في الصورة الاولى جريان اصالة عدم التذكية و هي الاصل الموضوعي، و بسبب هذا الاصل يندرج الحيوان المذبوح في عنوان غير المذكى، و عليه يترتب الاثر و هي النجاسة و الحرمة، كما ان الطهارة و الاباحة في آثار الحيوان المذكى، و لا مجال مع جريان هذا الاصل الموضوعي لجريان اصالة البراءة أو الاباحة، لما عرفت من كون الاصل الموضوعي اما واردا عليها او حاكما.

الثالث: ان الحرمة في لسان بعض الاخبار و الآيات مترتبة على عنوان غير المذكى، و لا يضر مع ترتبها على هذا العنوان العام ترتبها في لسان بعض الاخبار على نفس عنوان الميتة التي هي عنوان وجودي اخص من عنوان غير المذكى، لاختصاص ظهورها فيما مات حتف أنفه، و مع ترتب الاثر على هذا العنوان العام لا حاجة الى التكلف في تعميم عنوان الميتة لان يساوق العنوان العام و هو غير المذكى، كما تكلف لذلك الشيخ (قدس سره) في رسائله، و اليه اشار بقوله: ( (و هو حرام)) أي ان عنوان غير المذكى حرام ( (اجماعا)) آيات و اخبارا و هو في الحرمة (كما اذا مات)) الحيوان ( (حتف انفه فلا حاجة الى)) ان نتكلف ( (اثبات ان الميتة تعم غير المذكى شرعا ضرورة كفاية كونه)) أي كفاية كون عنوان غير المذكى ( (مثله)) أي مثل عنوان الميتة ( (حكما)).

ثم اشار بقوله-: ( (و ذلك بان التذكية انما هي عبارة عن فري الاوداج الاربعة مع ساير شرائطها)) ككون الذابح مسلما و التسمية و الاستقبال بالمذبوح و ان يكون ذلك ( (عن خصوصية في الحيوان التي بها)) أي بفري الاوداج مع الشرائط و الخصوصية ( (يؤثر فيه الطهارة وحدها)) كما في الثعلب و الأرنب ( (او مع الحلية)) كما في الغنم و البقر و غيرهما من مأكول اللحم، فان تلك الامور تؤثر فيه حلية اكل لحمه و طهارته- الى امرين:

8

نعم لو علم بقبوله التذكية و شك في الحلية، فأصالة الاباحة فيه محكمة، فإنه حينئذ إنما يشك في أن هذا الحيوان المذكى حلال أو حرام، و لا أصل فيه إلا أصالة الاباحة، كسائر ما شك في أنه من الحلال أو الحرام (1).

____________

الاول: كون التذكية عنده من الحقائق الشرعية و انها ليست امرا بسيطا بل هي نفس هذه الامور، لقوله: ( (انما هي عبارة عن فري الاوداج ... الى آخره)).

الثاني: انه اذا كان عنوان غير المذكى مما يترتب عليه الاثر و هو الحرمة و النجاسة او النجاسة وحدها مثل عنوان الميتة، فباستصحاب عدم التذكية في حال الحياة يترتب عليه الاثر المترتب على عنوان غير المذكى المحرز بالقطع بعد زهاق روحه، و لذا الحق كلامه بقوله: ( (و مع الشك في تلك الخصوصية فالاصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري بسائر شرائطها)).

(1) هذه الصورة الثانية و هي ما اذا كان الشك في ترتب الاباحة على التذكية مع العلم بقبول الحيوان للتذكية، و ان اثرها طهارته بعد الذبح قطعا كما في غير المسوخ من الحيوان كالأرانب فان التذكية فيها هي طهارة الحيوان بعد الذبح، فالمتولد من الارنب و الشاة- مثلا- بعد فرض العلم بأنه اما شاة أو أرنب يعلم قطعا بقبوله للتذكية و انها تؤثر فيه الطهارة قطعا، و يتمحض الشك فيه في الاباحة و عدمه، و مختار المصنف في هذه الصورة جريان اصالة الاباحة فيه فيحل اكل الحيوان المشكوك كونه ارنبا او شاة بواسطة اصالة الاباحة.

و توضيح ذلك: انه قد عرفت ان مختار المصنف ان التذكية هي نفس فري الاوداج بشرائطه المعتبرة فيه، و ليست هي امرا بسيطا يترتب على هذه الامور، و لا اشكال ايضا في ان الخصوصية في الحيوان ليست بعض الامور التي تتركب منها التذكية بناء على انها نفس هذه الامور، و ليست من اسباب التذكية بناء على ان التذكية امر بسيط يترتب على هذه الاسباب.

9

.....

____________

و لكنه مما لا اشكال فيه ان للخصوصية و القابلية دخلا في ترتب الآثار على التذكية من حلية الاكل و الطهارة بنحو من الانحاء، و لو بنحو الاعداد لان تؤثر هذه الامور المعنى البسيط الذي اثره الطهارة او مع الحلية، أو لأن يترتب على نفس هذه الامور الطهارة أو الحلية، و لذا كان في صورة الشك فيها يجري الاصل الموضوعي و يترتب عليه ان الحيوان من غير المذكى كما مر، فهي و ان كانت خارجة عن نفس التذكية او عن اسبابها، إلّا أنها لها دخل في ترتب الاثر عليها و لو بنحو الاعداد لان يكون الحيوان مما للتذكية اثر فيه.

فالوجه في جريان اصالة الاباحة في هذه الصورة دون الاصل الموضوعي هو ان المفروض كون الحيوان مما يقبل التذكية، فالخصوصية نفسها لا شك فيها حتى يكون مجال للاصل الموضوعي و هو اصالة عدم التذكية، فانه بعد العلم بقبوله لاصل التذكية لا وجه للشك في اصل التذكية بعد حصول تلك الامور في حال زهوق روح الحيوان، فلا مجرى للاصل الموضوعي اذ لا شك فيه، و انما الشك في انه في مثل هذا الحيوان هل يترتب عليها الطهارة فقط، او هي مع اباحة الاكل فيتمحض الشك في نفس الاباحة من دون جريان اصل في الموضوع الوارد أو الحاكم على اصالة الحل، فلا مانع من جريان اصالة الاباحة و تثبت بواسطتها حلية الاكل.

لا يقال: انه بعد ان كانت الخصوصية مختلفة في الحيوان، فانها في بعض الحيوان يكون اثر التذكية فيه الطهارة و الحلية كما في الغنم المذكى، و في بعض الحيوان تؤثر التذكية الطهارة فقط من دون حلية الاكل كما في الارنب المذكى، فيستكشف من هذا ان هناك خصوصيتين، و لكن في بعض الحيوانات الخصوصيتان معا كما في الغنم، و في بعضها خصوصية واحدة كما في الارنب، فالعلم باحد الخصوصيتين لا ينافي الشك في الخصوصية الاخرى، و عليه فيجري الاصل الموضوعي في الخصوصية الثانية المشكوكة و يترتب عليه حرمة الاكل، فلا مجال لجريان اصالة الاباحة ايضا في هذه‏

10

هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية، كما إذا شك- مثلا- في أن الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها، أم لا؟ فأصالة قبوله لها معه محكمة، و معها لا مجال لاصالة عدم تحققها، فهو قبل الجلل كان يطهر و يحل بالفري بسائر شرائطها، فالاصل أنه كذلك بعده (1).

____________

الصورة كما في الصورة الاولى، إلّا ان الاثر للاصل الموضوعي في هذه الصورة هي حرمة الاكل دون النجاسة.

فانه يقال: ان نفس الخصوصية و القابلية في الحيوان امر بسيط، و البسيط لا تعدد فيه و انما تعدد الاثر للتذكية، فان الشارع رتب عليها، تارة الطهارة و الحلية معا، و اخرى رتب عليها الطهارة فقط، و لما كان نفس الخصوصية لا شك فيها مع بساطتها لفرض العلم بوجودها فلا مجرى للاصل الموضوعي فلا مانع من جريان اصالة الاباحة، و لذا قال (قدس سره): ( (نعم لو علم بقبوله التذكية)) فلا مجرى للاصل الموضوعي في الخصوصية للعلم بوجودها ( (و)) حينئذ لو ( (شك في الحلية فاصالة الاباحة محكمة)) لعدم وجود الاصل الموضوعي الوارد أو الحاكم عليها في موردها، و يتمحض الشك في حلية هذا الحيوان مع فرض كونه من المذكى، فلا مجال لاصالة عدم التذكية لتدرجه في غير المذكى بعد فرض كونه من المذكى، و تجري اصالة الاباحة بعد عدم الاصل الموضوعي المانع عن جريانها، و لذا قال (قدس سره): ( (فانه حينئذ انما يشك في ان هذا الحيوان المذكى)) هل هو ( (حلال او حرام و لا اصل فيه)) على الفرض ( (إلّا اصالة الاباحة)) فتجري فيه اصالة الاباحة و تثبت بواسطتها اباحة لحمه ( (كسائر ما شك في انه من الحلال او الحرام)) فتأمل.

(1) هذه هي الصورة الثالثة، و هي ما اذا كان الشك من ناحية وجود المانع الموجب لارتفاع الخصوصية في الحيوان المعدة لأن تؤثر التذكية فيه، فاذا شك في ان الجلل في الحيوان هل يؤثر في رفع قابليته و خصوصيته ام لا؟ .. فالاصل الجاري فيه هو

11

.....

____________

الاصل الموضوعي لكن المثبت لقبول التذكية، و عليه يترتب الاثر من الطهارة او الحلية ايضا، و لا مجال لاصالة الاباحة لما مر من ان جريان الاصل الموضوعي سواء كان اثره الحرمة و النجاسة او كان اثره الطهارة و الحلية لا مجال معه لجريان اصالة الاباحة، و في هذه الصورة الثالثة يجري الاصل الموضوعي و لكنه مثبت لقبول التذكية لا لعدمها كما في الصورة الاولى، و لا كالصورة الثانية الذي كان لا مجرى فيها للاصل الموضوعي و الجاري فيها اصالة الاباحة.

و ينبغي ان لا يخفى: ان الشك في كون الجلل مانعا عن الحلية من باب الفرض، لكون مانعيته عنها من المسلمات و ان الجلال مما لا يحل اكل لحمه، و لكن في طهارته بالذبح بشرائطها مجال للشك.

و على كل حال فتوضيح الحال فيه ان الاصل: تارة يجري في بقاء خصوصيته المتيقنة قبل جلله و هو اصل موضوعي باستصحابه تثبت للحيوان المذبوح بشرائطه تحقق الخصوصية حال زهاق الروح، و يترتب عليها اثرها و هو الطهارة- هنا- فقط، و هذا استصحاب تنجيزي لا تعليقي، لتحقق نفس الخصوصية و القابلية قبل الجلل و يشك في ارتفاعها بالجلل فتستصحب الى حال الذبح.

و اخرى: يكون الاصل الجاري تعليقيا و هو استصحاب طهارة هذا الحيوان بالتذكية قبل الجلل، بأن يقال: هذا الحيوان كان بحيث يطهر بفري الاوداج و ساير الشرائط قبل الجلل، و يشك في بقائه على تلك الحال بعد الذبح لاحتمال عدمه بالجلل فيستصحب و يترتب عليه اثره.

و فيه أولا: ان هذا الاصل صحته مبنية على القول بصحة جريان الاستصحاب التعليقي.

و ثانيا: انه من قبيل المسبب بالنسبة الى الخصوصية التي هي مجرى للاستصحاب بنفسها، و مع جريان الاصل في السبب لا وجه لجريان الاصل في المسبب، لأن من آثار بقاء الخصوصية في الحيوان هو طهارة الحيوان المذبوح.

12

و مما ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حليته و حرمته بالشبهة الموضوعية من الحيوان، و أن أصالة عدم التذكية محكمة فيما شك فيها لاجل الشك في تحقق ما اعتبر في التذكية شرعا، كما أن أصالة قبول التذكية محكمة إذا

____________

و ثالثة: يستصحب نفس طهارة بدنه قبل الجلل، و هذا استصحاب تنجيزي لا تعليقي، و يشك في ارتفاعها عند الذبح لاجل الجلل، فان الذبح بالنسبة الى الحيوان غير الجلال تأثيره بالنسبة الى حلية الاكل تأثير حدوث، لوضوح انه لا يجوز اكل الحيوان الحي، و انما يجوز اكل الحيوان المذبوح بواسطة تأثير الذبح في حدوث الحلية له بعد الذبح، و اما بالنسبة الى طهارة بدنه فالذبح انما يؤثر في بقاء طهارة بدنه بعد زهاق الروح، فالتذكية بالنسبة الى طهارة بدن الحيوان لا تؤثر احداث الطهارة، و انما اثرها بالنسبة الى الطهارة هو إبقاؤها و استمرارها، و ليست نفس طهارة بدن الحيوان من آثار الخصوصية، لوضوح تحقق الطهارة في بعض الحيوان الميت حتف انفه و هو ما لا نفس له.

فاتضح ان استصحاب نفس طهارة بدن الحيوان قبل الجلل استصحاب تنجيزي، و ليس من آثار نفس الخصوصية حتى يكون استصحابه من قبيل السبب و المسبب.

و قد اشار المصنف الى الاستصحاب بالنحو الاول و هو استصحاب نفس الخصوصية بقوله: ( (فاصالة قبولها)) أي اصالة قبول الحيوان للتذكية المتيقن لفرض تحقق الخصوصية فيه قبل الجلل، فاصالة بقاء هذه الخصوصية ( (معه)) أي مع الجلل لاحتمال ارتفاعها به ( (محكمة و معها)) أي مع جريان هذا الاصل الموضوعي المثبت لبقاء قبول التذكية ( (لا مجال لاصالة عدم تحققها)) أي عدم تحقق التذكية.

و اما قوله (قدس سره): ( (فهو قبل الجلل كان يطهر و يحل بالفري ... الى آخر الجملة)) فيحتمل ان يكون اشارة الى الاستصحاب التعليقي، و يحتمل ان يكون اشارة الى الاستصحاب التنجيزي و هو طهارة بدن الحيوان قبل الجلل، و المراد من قوله: ( (يطهر)) هو استمرار بقاء الطهارة.

13

شك في طروء ما يمنع عنه، فيحكم بها فيما أحرز الفري بسائر شرائطها عداه، كما لا يخفى، فتأمل جيدا (1).

____________

[صور الشك في التذكية بالشبهة الموضوعية]

(1) لما فرغ من حال الشك في الحيوان بالنسبة الى الشبهة الحكمية، اشار الى حال الشك في الحيوان بالنسبة الى الشبهة الموضوعية، و قد اشار الى صور ثلاث فيها:

الاولى: ان يشك في كون هذا المذبوح هل هو واجد للخصوصية التي تؤثر التذكية فيه مع تحققها، ام ليس بواجد لتلك الخصوصية فلا يكون للذبح بسائر شرائطه اثر فيه، كما لو شك في ان هذا المذبوح هل هو شاة او من المسوخ ككونه قردا او غير ذلك من المسوخات؟

و من الواضح ان هذا الشك من الشك في الشبهة الموضوعية للعلم بكون لحم الشاة المذبوحة حلالا و لحم القرد المذبوح حراما، فالشك في حرمة هذا الحيوان و حليته نشأ من الجهل بكونه شاة او قردا.

و قد ظهر مما ذكرنا في الصورة الاولى من الشبهة الحكمية ان اصالة عدم التذكية هنا محكمة ايضا لفرض صدق عدم التذكية عليه في حال الحياة، فان هذا الحيوان سواء كان شاة او قردا هو من غير المذكى في حال حياته، و نشك بارتفاع ذلك عنه في حال زهاق روحه بالذبح، فانه لو كان شاة يكون مرفوعا، و لو كان قردا لكان باقيا فنستصحب كونه غير مذكى الى حال زهاق روحه بالذبح و يحصل ما هو الموضوع للحرمة، و هو مركب من امرين زهاق الروح و عدم التذكية، و قد احرز الاول بالوجدان و الثاني بالاصل.

الصورة الثانية: ان يعلم كون الحيوان مما يقبل التذكية ككونه شاة، و لكن يشك في تذكيته للشك في تحقق ما اعتبر في التذكية، كما لو شك في انه ذبح او خنق او انه ذبح بالحديد او بغير الحديد- بناء على اشتراط الحديدية في آلة الذبح- او كون الذابح مسلما او غير مسلم.

14

.....

____________

و قد ظهر مما ذكرنا: ان الحال في هذه الصورة كالحال في الصورة الاولى لصدق عدم التذكية على الشاة حال حياتها فتستصحب الى حال زهاق الروح و يترتب الاثر و هو الحرمة، و قد اشار الى هاتين الصورتين معا بقوله: ( (و مما ذكرنا)) و هو ما ذكره في الصورة الاول من الشبهة الحكمية من اصالة عدم التذكية ( (ظهر الحال فيما اشتبهت حليته و حرمته بالشبهة الموضوعية من الحيوان)) كما في صورة تردد المذبوح بين كونه غنما او قردا او في صورة الشك في حلية الشاة المذبوحة للشك في كون الذبح بالحديد او بغيره مثلا ( (و ان اصالة عدم التذكية محكمة)) في الصورتين لانه في كلتيهما قد شك في تحقق التذكية تارة لاجل الخصوصية و اخرى للشك في شرائطها، و يجمعهما معا كون الشك من ناحية تحقق ما هو معتبر في التذكية، و لذا قال (قدس سره): ( (فيما شك فيها)) أي في التذكية ( (لاجل الشك في تحقق ما اعتبر في التذكية شرعا)) من الخصوصية و من شرائط التذكية.

الصورة الثالثة: ان نعلم بكون الجلل مانعا عن قبول التذكية و موجبا لرفع الخصوصية في الحيوان المحلل الاكل، و لكنه نشك في ان هذا الحيوان المذبوح هل طرأ عليه الجلل المانع ام لا؟ و لا اشكال في هذه الصورة من ان الاصل هو بقاء تلك الخصوصية للعلم بها حال الحياة، و الشك في ارتفاعها بالجلل فنستصحب بقاءها الى حال الذبح، و يترتب عليها تحقق الحلية بالذبح، و الى هذا اشار بقوله: ( (كما أن اصالة قبول التذكية محكمة)) في هذه الصورة و هي ما ( (اذا شك في طروء ما يمنع عنه)) أي القبول لها ( (فيحكم بها)) أي بالتذكية ( (فيما احرز الفري)) للاوداج ( (بسائر شرائطها)) وجدانا ( (عداه)) أي عدا عدم هذا المانع، و يرتفع اثر هذا الشك باستصحاب بقاء الخصوصية الى حال الذبح، فان من آثارها حلية المذبوح و عدم الاعتناء باحتمال هذا المانع.

15

الثاني: إنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعا و عقلا في الشبهة الوجوبية أو التحريمية في العبادات و غيرها، كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما إذا احتاط و أتى أو ترك بداعي احتمال الامر أو النهي (1).

____________

[الثاني: حسن الاحتياط شرعا و عقلا]

فتحصل مما ذكرنا جريان الاصل الموضوعي المثبت للحرمة في الصورتين الاوليين و جريان الاصل الموضوعي المثبت في الصورة الثالثة، فلا مجال لجريان اصالة الاباحة في هذه الصورة كلها، تارة للاصل المخالف لها و اخرى للاصل الموافق حكما لها.

(1) حاصل ما اشار اليه في هذا الامر هو حسن الاحتياط شرعا و عقلا، و ترتب الثواب عليه، و انه لا استثناء فيه في كل ما احتمل وجوبه او حرمته سواء كان من العبادات او من غيرها.

اما حسن الاحتياط شرعا، فلورود الامر به في لسان الشارع كثيرا كما مرت الاشارة اليه في ادلة الاخباريين، و الامر به شرعا اما مولوي او ارشادي، فان كان مولويا فلازمه كونه حسنا، اذ لا يعقل امر الشارع مولويا بغير ما هو حسن عنده، و ان كان ارشاديا الى حسنه عقلا فارشاد الشارع الى ما هو حسن عند العقل يدل ايضا على امضائه لهذا الحسن العقلي و صحته عنده.

و اما حسن الاحتياط عقلا، فلوضوح ان الطاعة من مصاديق العدل و الحسن عند العقل، و لا ريب ايضا ان اتيان العبد بما يحتمل وجوبه أو حرمته- أي ترك ما يحتمل حرمته- عند مولاه من مصاديق اطاعة العبد لمولاه، بل هي عند العقل اكمل الطاعات و افضل مراتب الانقياد، لان الانقياد لاحتمال امر المولى ابلغ في الاطاعة و الالتزام بمراسيم العبودية من الاطاعة لما علم انه مما امر به المولى.

و اما ترتب الثواب عليه، فلوضوح انه بعد ما عرفت انه حسن شرعا و عقلا، و انه من اكمل الطاعات و افضل الانقيادات لا مناص من استحقاق العبد للثواب على ما هو افضل الطاعات.

16

و ربما يشكل في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الامر بين الوجوب و غير الاستحباب، من جهة أن العبادة لا بد فيها من نية القربة المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا (1).

____________

[إشكال جريان الاحتياط في العبادات‏]

و اما عدم الاستثناء و انه حسن مطلقا حتى في العبادات فلما سيأتي من عدم صحة الاشكال على الاحتياط في العبادات و عبارة المتن واضحة، و قوله فيما اذا احتاط و اتى او ترك بداعي احتمال الامر و النهي فانه تفسير للامتثال بعنوان الاحتياط، فان معنى كون الامتثال امتثالا احتياطيا هو كون المكلف قد اتى و تحرك عن احتمال الامر او ترك لاحتمال النهي.

(1) حاصل الاشكال انه لا يمكن الاحتياط في العبادات، فما شك بكون الوجوب المحتمل على فرض تحققه عباديا لا يمكن الاحتياط فيه، لان الاحتياط في العبادة لا يكون إلّا بكون المأتي به عباديا، و هو لا يعقل ان يتحقق إلّا بقصد القربة.

و لا يخفى ان معنى الامر بالاحتياط في مقام محتمل الوجوب العبادي لازمه اخذ الامر في متعلق الامر، لبداهة ان قوله ائت بمحتمل الوجوب عبادة: أي أقصد في مقام الاتيان التقرب باتيانه بداعي الامر المحتمل، و هذا هو المحذور الذي يشير اليه الماتن، و ربما قيل انه هناك محذور آخر في المقام و هو انه من الواضح، لتوقف قصد القربة على قصد امتثال الامر، لا يتأتى قصد امتثال الأمر الا بعد العلم بالامر و الجزم به، و مع فرض كون العبادة محتملة لا علم و لا جزم بالامر فلا يتأتي الاحتياط فيها.

و لا يخفى ان الوجوب العبادي المحتمل: تارة يدور امره بين كونه واجبا او مباحا، و الاشكال في هذه الصورة هو في امكان الاحتياط فيه من ناحية لزوم اخذ الامر في الامر، و من جهة توقفه على العلم بالامر.

و اخرى يدور امره بين كونه واجبا او حراما. و فيه مع الاشكال المذكور انه لا حكم للعقل و لا للشرع بحسن الاحتياط، بل لا يعقل الاحتياط، لان الاحتياط

17

.....

____________

اتيان ما هو حسن و محبوب على كل حال، و من الواضح ان محتمل الوجوب و الحرمة لا يقطع باتيانه انه اتيان ما هو حسن و محبوب على أي حال اما لحسنه بذاته او لحسنه بعنوان الاحتياط لفرض انه محتمل الحرمة، و محتمل الحرمة محتمل القبح و المبغوضية.

فتبين ان الاحتياط انما يكون حسنا حيث يكون مما يقطع بانه لا قبح فيه و لا مبغوضية، فلا يرى العقل حسن الاتيان بما احتمل كونه مبغوض المولى، و يلزم تركه لو كان واصلا و ان احتمل كونه محبوبا له ايضا، و يلزم اتيانه لو كان واصلا.

و ثالثة: يدور امره بين كونه واجبا او مكروها، و الحال في هذه الصورة هو الحال في صورة الدوران بين الوجوب و الاباحة في تمحض الاشكال من ناحية عدم تأتي قصد القربة، لان احتمال الكراهة مع فرض كونه مرخصا فيه فعلا لا يمنع عن حسن الاحتياط عند العقل، فيما كان الطرف الآخر هو احتمال لزوم الاتيان بالفعل لو كان واصلا.

و قد اتضح مما ذكرنا: ان اشكال عدم تأتي قصد القربة مطّرد في هذه الصور كلّها.

و رابعة: يدور امره بين كونه واجبا عباديا او مستحبا، و كذلك في هذه لا اشكال بحسن الاحتياط لانه لم يؤخذ في الاحتياط قصد الامر، لفرض كونه امرا عباديا مفروغا عنه، و الامر الاحتياطي قد تعلّق بما هو مفروض كونه عبادة، و لم يتعلّق الامر الاحتياطي باتيانه بداعي الامر، بل الامر الاحتياطي تعلّق بذات ما هو مفروض كونه عبادة، و لا اشكال ايضا من جهة عدم العلم و الجزم، لفرض العلم و الجزم بوجود الامر إما وجوبيا او استحبابيا، و لا تحتاج العبادة الى اكثر من قصد الامر المفروض تحققه، فان الاشكال اما ان يكون من ناحية عدم تأتي قصد الامر لعدم امكان اخذ الامر، او من جهة عدم تأتي قصد الوجه، لان مرجع اشتراط العلم و الجزم الى اشتراط الاتيان بقصد الوجه، و لا يتأتي في محتمل الوجوب قصد الوجه.

18

و حسن الاحتياط عقلا لا يكاد يجدي في رفع الاشكال، و لو قيل بكونه موجبا لتعلق الامر به شرعا، بداهة توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته (1)؟

____________

[الجواب عن الاشكال باستكشاف الأمر بالاحتياط لمّا و مناقشة المصنف (قده) فيه‏]

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: ( (و ربما يشكل)) الحكم بحسن الاحتياط في محتمل الوجوب مطلقا و ان كان عباديا، بانه لا وجه ( (في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الامر)) في العبادة المحتملة ( (بين الوجوب و غير الاستحباب)) و هي الصور الثلاث المتقدمة لاطّراد اشكال عدم تأتي قصد القربة فيها، و ان اختصّت الصورة الثانية باشكال آخر، و اما في مقام الدوران بين الوجوب و الاستحباب فقد عرفت عدم الاشكال لتأتي قصد القربة قطعا، و على كل فالاشكال فيما عدا هذه الصورة الاخيرة في جريان الاحتياط في العبادة هو ( (من جهة ان العبادة لا بد فيها من نية القربة المتوقفة على العلم بامر الشارع تفصيلا)) كما لو علم بانه واجب او مستحب بعينه ( (او اجمالا)) كما لو علم بانه اما واجب او مستحب، و فيما لم يعلم بالامر لا تفصيلا و لا اجمالا فلا مجال لحسن الاحتياط لعدم امكانه في العبادات المحتملة كما عرفت.

(1) لا يخفى ان المصنف قد اشار الى وجوه اجيب بها عن هذا الاشكال لا يصح عنده الجواب بها: منها ما اشار اليه بقوله: ( (و حسن الاحتياط عقلا لا يكاد يجدي)).

و تقريب هذا الجواب: انه لا اشكال في حسن الاحتياط عند العقل، و كلما كان حسنا عند العقل كان حسنا عند الشارع ايضا، للملازمة بين ما يراه العقل و ما يراه الشرع، اما لان الشارع رئيس العقلاء فمرجع ما يرونه الى ما يراه، أو لان ما ادركه العقل من الحسن الشارع اولى بادراكه منه، و على كل فما يراه العقل حسنا يراه الشارع حسنا ايضا، و ما كان عند الشارع حسنا لا بد من الامر به على طبق حسنه، لان الحسن عند الشارع علة تامة لامره به، فأمر المولى معلول للحسن.

19

.....

____________

فاتضح مما ذكرنا: ان الاحتياط في محتمل الوجوب ممكن لتحقق الامر به قطعا فتتأتى فيه قصد القربة.

و اتضح ايضا: ان حسن الاحتياط عقلا هو الكاشف عن الامر به كشفا لميّا و هو كشف العلة عن المعلول، و قد اشكل المصنف على هذا الجواب باشكالين:

الاول: ما اشار اليه بقوله: ( (و لو قيل بكونه موجبا لتعلق الامر به)) و سيوضحه في اشكاله على الجواب الثاني عن هذا الاشكال، و بيانه: ان الامر الذي ينفع قصده في وقوع متعلقه عباديا هو الامر المولوي دون الامر الارشادي، و على فرض الالتزام بان ما يراه العقل يراه الشرع فيكون حسنا ايضا عنده، الّا انه لا يلزم من ذلك الامر به من الشارع مولويا، بل امره به لا يكون إلّا ارشاديا كامر الشارع بالاطاعة، لوضوح انه بعد حكم العقل بذلك و جعله للداعي الى اتيانه لا يبقى مجال للامر المولوي الذي لا يكون الابداعي جعل الداعي، و بعد جعل الداعي من العقل لا مجال لجعل الداعي من الشارع.

فحاصل هذا: انّا لا نسلّم ان الحسن العقلي كاشف عن الامر المولوي المتوقف عليه قصد القربة.

الثاني: ما اشار اليه بقوله: ( (بداهة توقفه ... الى آخر الجملة)) و توضيحه: انه لو سلّمنا كون الحسن العقلي كاشفا عن الامر المولوي لكنه يكون كاشفا في غير المقام، اما في المقام فلا حكم من العقل بالحسن حتى يكون كاشفا عن الامر، لوضوح انه يلزم من حكم العقل بحسن الاحتياط في محتمل الوجوب الدور، لاستلزامه توقف الشي‏ء على نفسه، لان حسن الاحتياط عند العقل هو حكم من الاحكام المتعلقة بموضوعها، و من الواضح ان كل حكم بالنسبة الى موضوعه هو من قبيل العارض بالنسبة الى المعروض، و من الجلي توقف العارض على معروضه، فالحسن بما انه حكم و عارض لموضوعه و هو الاحتياط فهو متوقف على الاحتياط، فاذا كان الاحتياط ممكنا من قبل ذاته امكن ان يلحقه الحكم عليه بالحسن، و اذا لم‏

20

.....

____________

يكن الاحتياط ممكنا لا يعقل ان يلحقه الحكم عليه بالحسن، فحسن الاحتياط موقوف على امكان الاحتياط، و الاحتياط انما يكون ممكنا في المقام حيث يتأتى من المكلف قصد القربة، و تأتي قصد القربة منه يتوقف على الامر بالاحتياط، و من الواضح ان الامر بالاحتياط متوقف على حسن الاحتياط لانه معلول له كما عرفت، فحسن الاحتياط يتوقف على امكان الاحتياط توقف العارض على معروضه، و امكان الاحتياط يتوقف على الامر بالاحتياط، و الامر بالاحتياط يتوقف على حسن الاحتياط، فانتهى الامر بالواسطة الى توقف حسن الاحتياط في المقام على نفسه و هو الدور، فحسن الاحتياط انما يكون علة للامر في غير المقام، و هو فيما اذا كان امكان الاحتياط ثابتا بذاته للاحتياط، و لا يكون متوقفا على الامر به كما في المقام، و الى هذا اشار بقوله: ( (و حسن الاحتياط عقلا لا يكاد يجدي في رفع الاشكال)) في المقام ( (و لو قيل بكونه)) أي و لو قيل بكون حسن الاحتياط ( (موجبا لتعلق الامر به)) أي بالاحتياط ( (شرعا)) بنحو ان يكون الامر مولويا و لم نناقش في ان حسن الاحتياط لا يستلزم الامر المولوي كما مر، لكنه انما يكون موجبا للامر المولوي في غير المقام، اما في المقام فلا يعقل ذلك لاستلزامه الدور ( (بداهة توقفه)) أي توقف حسن الاحتياط ( (على ثبوته)) أي على ثبوت الاحتياط لانه عارض على الاحتياط، و من الواضح ( (توقف العارض على)) ثبوت ( (معروضه فكيف يعقل ان يكون)) العارض ( (من مبادئ ثبوته)) أي من مبادئ ثبوت معروضه، فان العارض اذا كان من مبادئ ثبوت معروضه يستلزم الدور، لوضوح توقف ثبوت العارض على ثبوت معروضه، فاذا كان ثبوت معروضه متوقفا على ثبوت العارض كان ثبوت العارض متوقفا على ثبوت نفسه.

21

[الجواب عن الاشكال بترتب الثواب على الاحتياط]

و انقدح بذلك أنه لا يكاد يجدي في رفعه أيضا القول بتعلق الامر به من جهة ترتب الثواب عليه (1)، ضرورة أنه فرع إمكانه، فكيف يكون من مبادئ جريانه؟ هذا مع أن حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الامر به بنحو اللم، و لا ترتب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الإن، بل يكون حاله في ذلك حال الاطاعة، فانه نحو من الانقياد و الطاعة (2).

____________

(1) هذا اشارة الى الجواب الثاني عن هذا الاشكال، و تقريبه: انه لا اشكال بترتب الثواب على الاحتياط في المقام، و ترتب الثواب اما ان يكون للامر المولوي من الشارع او للانقياد، و ليس ترتبه في المقام لاجل الانقياد لان الانقياد هو الاتيان بالشي‏ء مع فرض مخالفته للواقع، و لا اشكال ان ثواب الاحتياط ليس له فرض مخالفة للواقع، فلا بد و ان يكون الثواب عليه للامر به، و اذا كان هناك امر ارتفع الاشكال بعدم امكان الاحتياط في محتمل الوجوب، و قد اشار الى تقريب الجواب بقوله:

( (و انقدح بذلك انه لا يكاد يجدي في رفعه)) أي في رفع الاشكال ( (ايضا القول بتعلق الامر به)) أي بالاحتياط المستكشف ( (من جهة ترتب الثواب عليه)) أي على الاحتياط، و قد عرفت انه لا اشكال مع تحقق الامر لحصول العلم و الجزم به، و مع حصول العلم يتأتى من المكلف قصد القربة.

(2) قد اشكل على هذا الجواب الثاني باشكالين ايضا، الاول: الدور الذي تقدم ايراده على الجواب الاول، فانه وارد على هذا الجواب ايضا، لان ترتب الثواب على الامر متوقف على تحقق الامر توقف المعلول على علته، و الامر بالاحتياط متوقف على امكان الاحتياط توقف الحكم على موضوعه و العارض على معروضه، و امكان الاحتياط في المقام موقوف على الامر لتتأتى بواسطته قصد القربة، و تحقق العلم بالامر متوقف على ترتب الثواب توقف المكشوف على كاشفه، فترتب الثواب قد انتهى الى كونه متوقفا على نفسه، او نكتفي بلزوم الدور في علة ترتب الثواب و هو الامر، بان نقول ان ترتب الثواب يتوقف على الامر، و الامر متوقف على‏

22

.....

____________

امكان الاحتياط، و امكان الاحتياط في المقام متوقف على الامر به فيلزم الدور في علة الثواب و هو الامر، و اذا لزم الدور من فرض تحقق علة الشي‏ء لا يعقل تحقق ذلك، فالمعلول و هو الثواب لا يعقل تحققه للزوم الدور بفرض تحقق علته، و الى هذا اشار بقوله: ( (ضرورة انه فرع امكانه فكيف يكون من مبادئ جريانه)).

الاشكال الثاني على هذا الجواب: انه قد انقدح ايضا مما ذكرنا في حسن الاحتياط، بانه على فرض تسليم استلزام الحسن للامر فلا يكون الامر امرا مولويا النافع قصده في حصول القربة، بل الامر يكون ارشاديا من الشرع الى الحسن العقلي، كأمر الشارع بالاطاعة كما عرفت، فلا يكون حسن الاحتياط كاشفا لميا عن الامر المولوي، و مثله نقول في ترتب الثواب فان ترتب الثواب لا يستلزم الامر المولوي استلزام المعلول لعلته فيكون كاشفا إنيا عن الامر المولوي النافع قصده في حصول القربة، فان ترتب الثواب لا ينحصر امره باطاعة الامر المولوي و لا بالانقياد المفروض فيه المخالفة للواقع، بل يترتب على كل ما كان اتيانه مظهرا من مظاهر رسم العبودية و مراسم الرقية من العبد لمولاه، و الاحتياط و ان لم يفرض فيه المخالفة إلّا انه من مظاهر العبودية و مراسم الرقية، فلا يكون ترتب الثواب على الاحتياط في المقام بعد تسليم امكانه كاشفا إنيا عن الامر المولوي كشف المعلول عن علته، كما لا يكون الحسن كاشفا عنه كشفا لميا كشف العلة عن معلولة، و الى هذا اشار بقوله:

( (هذا مع ان حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الامر به بنحو اللم)) لان الامر معلول لحسن الاحتياط، فكشفه عن الامر يكون كشفا لميا لانه كشف العلة عن المعلول ( (و لا)) يكون ( (ترتب الثواب عليه)) أي على الاحتياط ( (بكاشف عنه)) أي عن الامر به ( (بنحو الإن)) لان الثواب معلول للامر، فكشفه عنه يكون كشفا إنيا و هو كشف المعلول عن علته ( (بل يكون حاله في ذلك)) أي يكون حال ترتب الثواب على الاحتياط ( (حال)) ترتبه على ( (الاطاعة فانه نحو من)) انحاء ( (الانقياد و الطاعة)).

23

و ما قيل في دفعه: من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة (1).

____________

[جواب الشيخ الأعظم (قده) عن الاشكال‏]

(1) هذا الجواب الثالث الذي ذكره الشيخ الاعظم في رسائله عن هذا الاشكال.

و حاصله: ان الاحتياط في العبادة و ان توقف على الامر المولوي لتتأتى فيه نية القربة و لكن الامر المولوي موجود فيه، و قد دلت الاخبار الآمرة بالاحتياط عليه، فالامر المولوي في المقام متعلق بنفس الفعل الذي يؤتى به، و تسميته احتياطا باعتبار انه كالاحتياط الحقيقي من كل جهة، الا في كون الاحتياط الحقيقي في المقام هو الاتيان بالفعل المحتمل الوجوب بداعي القربة، و في هذا المقام الاحتياط هو الاتيان بالفعل المحتمل الوجوب لتعلق الامر به بذاته من دون داعي القربة باتيانه بما هو محتمل الوجوب، و يكون اطلاق الاحتياط عليه من المجاز لكمال المشابهة بينه و بين الاحتياط الحقيقي، فمتعلق الامر في هذا الاحتياط المجازي هو مجرد الفعل بذاته المطابق للعبادة الواقعية لو كانت من جميع الجهات عدا نية القربة فيه، و هي الاتيان به بما هو محتمل الوجوب، و بهذا يرتفع اشكال الدور لانه انما يلزم فيما لو كان الامر بالاحتياط بما هو احتياط حقيقي يكون الاتيان بالفعل فيه بداعي كونه محتمل الوجوب، لا فيما كان الامر فيه متعلقا بذات الفعل، و الى هذا اشار بقوله: ( (المراد بالاحتياط في العبادات)) ليس هو الاحتياط الحقيقي بل ( (هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة)) و المراد بنية القربة في الاحتياط الحقيقي هو الاتيان بداعي احتمال الوجوب.

اما نية القربة في هذا الاحتياط المجازي هو الاتيان بالفعل بداعي نفس الامر الاحتياطي المتعلق بذات الفعل، و لما كان الامر الاحتياطي مولويا و انه احتياط في العبادة فلا بد و ان يكون قد اخذ فيه قصد القربة على ساير الاوامر المتعلقة بالعبادات.

24

فيه: مضافا إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها، بداهة أنه ليس باحتياط حقيقة، بل هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوبا مولويا نفسيا عباديا، و العقل لا يستقل إلا بحسن الاحتياط، و النقل لا يكاد يرشد إلا إليه (1).

____________

[ايراد المصنف (قده) على جواب الشيخ الأعظم (قده)]

(1) اورد عليه المصنف ايرادين ايضا، الاول: ان الكلام في عنوان هذه المسألة هو حكم العقل بحسن الاحتياط مطلقا، و اشكل المستشكل فيه بعدم امكانه في خصوص العبادات، فالكلام دعوى و اشكالا انما هو في الاحتياط الذي يحكم العقل بحسنه، و من الواضح ان الاحتياط الذي يحكم العقل بحسنه هو الاتيان بالفعل بما هو محتمل الوجوب، لان معنى الاحتياط في الشي‏ء هو الاتيان به للتحفظ على الواقع، و لاحراز الاتيان بالواقع بما هو واقع لو كان، فلا مناص من كون الاحتياط في المقام الذي يحكم العقل بحسنه هو الاتيان بالفعل بما هو محتمل الوجوب، و اما الاتيان بالفعل لتعلق الامر به بذات الفعل فليس هو من الاحتياط اصلا و لا حكم للعقل بحسنه، لوضوح انه لو دل دليل على تعلق الامر بذات الفعل كان ذات الفعل بما هو ذات الفعل لا بما هو محتمل الوجوب مطلوبا، و لازم طلبه كذلك كونه مطلوبا نفسيا، فان كان الامر فيه قريبا كان عباديا ايضا، و إلّا كان مطلوبا نفسيا فقط، و لما كان المفروض كونه عبادة فيكون مطلوبا نفسيا عباديا، و الامر بالاحتياط- بما هو احتياط- لا محالة يكون الامر فيه طريقيا لا نفسيا، لانه بداعي التوصل به الى الواقع لا بداعي نفس الفعل بذاته.

فاتضح مما ذكرنا: ان متعلق الحسن العقلي هو الاحتياط بما هو احتياط، و هو اتيان الفعل بما هو محتمل الوجوب لا بما هو واجب نفسي، و كذلك المستفاد من الادلة النقلية التي كان الامر فيها متعلقا بمادة الاحتياط، كقوله (عليه السّلام): (فاحتط لدينك) (1)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18، ص 123 باب من أبواب صفات القاضي ح 41.

25

نعم، لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة، لما كان محيص عن دلالته اقتضاء على أن المراد به ذاك المعنى، بناء على عدم إمكانه فيها بمعناه حقيقة، كما لا يخفى (1) أنه التزام‏

____________

فان الظاهر منها كون المتعلق فيه هو الاحتياط بما هو احتياط، و اتيان للفعل بما هو محتمل التكليف، لا الاتيان به لانه واجب نفسي بذاته، فظاهر الادلة النقلية ايضا كون الامر فيها طريقيا لا نفسيا.

فالجواب عن الاشكال بالتزام كون الاتيان به بداعي الامر المتعلق بذات الفعل و ان ارتفع به اشكال الدور، إلّا انه ليس بجواب عن الاشكال على الاحتياط في العبادة في محتمل الوجوب، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: ( (فيه مضافا الى عدم مساعدة دليل حينئذ)) أي عدم مساعدة دليل من الادلة العقلية و النقلية على حسن الاحتياط في العبادة المحتملة بنحو ان يكون بنفسه مطلوبا، بل الظاهر فيها كونه مطلوبا طريقيا، و ذلك باتيانه بداعي كونه محتمل الوجوب، بل ( (بهذا المعنى فيها)) و هو الوجه المذكور من التزام كون الامر فيه متعلقا بذات الفعل المطابق للعبادة المحتملة من دون قصد القربة خروج عما هو المفروض، لوضوح ( (انه)) بهذا المعنى ( (ليس باحتياط حقيقة)) لما عرفت من الاحتياط الحقيقي هو الاتيان بالفعل بداعي كونه محتمل الوجوب ( (بل هو امر لو دل عليه دليل)) كانت دلالته ان المطلوب هو ذات الفعل بعنوانه الخاص به لا بعنوان انه محتمل الوجوب ( (كان)) حينئذ ( (مطلوبا مولويا نفسيا عباديا و العقل لا يستقل)) في حكمه ( (إلّا بحسن الاحتياط و)) كذلك الدليل الدال على الاحتياط من ( (النقل)) فانه ( (لا يكاد يرشد الا اليه)) أي لا يرشد إلّا الى الاحتياط الحقيقي كمثل كقوله (عليه السّلام): (فاحتط لدينك) لان متعلقه هو نفس مادة الاحتياط الظاهرة في الاحتياط الحقيقي و ان الامر فيه للارشاد الى حسنه عقلا.

(1) توضيح هذا الاستدلال مما ذكره: انه لو كان الاشكال المذكور في الاحتياط في العبادة المحتملة لا مدفع له، ثم يدل الدليل النقلي على صحة الاحتياط في خصوص‏

26

بالاشكال و عدم جريانه فيها، و هو كما ترى (1).

____________

العبادة، بان يكون صريحا على الترغيب في خصوص العبادة لكان لما ذكره من حمل الامر بالاحتياط على تعلقه بذات الفعل، و انه من الاحتياط مجازا لا حقيقة، اما لو كان عاما فالاشكال المذكور يصح ان يكون مخصصا له و حاضرا له في غير العبادة المحتملة، و على كل فاذا دل الدليل النقلي صريحا على صحة الاحتياط في العبادة فجمعا بين منع العقل عن الاحتياط في العبادة المحتملة، و دلالة الدليل النقلي على صحة الاحتياط فيها، لا محيص فيه الا عن حمل الدليل النقلي الدال على الاحتياط الذي ظاهره الاحتياط الحقيقي على الاحتياط المجازي، و هو تعلق الامر بذات الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة، و الى هذا اشار بقوله: ( (نعم لو كان هناك دليل)) نقلي يدل ( (على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة)) بنحو دلالته على ذلك بالخصوص لا بالعموم، و على هذا الفرض ( (لما كان)) لنا ( (محيص عن)) حمل ( (دلالته اقتضاء على ان المراد به)) على خلاف ظاهره (ذاك المعنى)) و هو الاحتياط المجازي، لانحصار التصرف في الدليل النقلي فيما اذا خالفه الدليل العقلي، لعدم امكان التصرف في الدليل العقلي، لوضوح عدم امكان الاجمال في الدليل العقلي لا موضوعا و لا حكما، بخلاف الدليل النقلي فلان دلالته انما هي بالظهور و من الممكن ارادة خلاف الظاهر فيما له ظاهر، فلذا ينحصر التصرف في الدليل النقلي، فيحمل ما ظاهره الاحتياط الحقيقي على الاحتياط مجازا و ان كان خلاف الظاهر.

هذا كله بناء على عدم امكان الجواب عن الاشكال المذكور المانع عن امكان الاحتياط في العبادة بمعناه الحقيقي، و الى هذا اشار بقوله: ( (بناء على عدم امكانه فيها بمعناه حقيقة)).

(1) هذا هو الايراد الثاني على جواب الشيخ الاعظم، و تقدير معنى العبارة: ان هذا الجواب الثالث فيه مضافا الى عدم مساعدة دليل ... الى آخره انه التزام بالاشكال،

27

قلت: لا يخفى أن منشأ الاشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها، مما يتعلق بها الامر المتعلق بها، فيشكل جريانه حينئذ، لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها (1)،

____________

[مختار المصنف (قده) في دفع الاشكال‏]

فقوله: مضافا ... الى آخر الجملة هو الايراد الاول، و قوله انه التزام بالاشكال هو الايراد الثاني.

و حاصله: ان الجواب عن الاشكال المذكور بالالتزام بامر متعلق بذات الفعل مرجعه الى الالتزام بالاشكال، و ان العقل مانع عن امكان الاحتياط في العبادة المحتملة، و يؤول هذا التسليم الى ان هذا الجواب ليس بجواب. و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: ( (انه)) أي الجواب بما ذكره هو ( (التزام)) منه (قدس سره) ( (بالاشكال و)) ان ما ذكره المستشكل من ( (عدم جريانه)) أي عدم جريان الاحتياط ( (فيها)) أي في العبادة صحيح ( (و هو كما ترى)) لما سيأتي الجواب عنه في قوله قلت.

او ان المراد بقوله كما ترى انه لا ينبغي ان يكون الجواب عن الاشكال بتسليم الاشكال، فلا يصح عده جوابا عن الاشكال ثانيا.

(1) توضيحه: ان الاشكال المذكور من عدم امكان الاحتياط في العبادة المحتملة يمكن ان يكون له منشآن:

احدهما: ما يراه المصنف منشأ له، و حاصله: ان اشكال الاحتياط في العبادة المحتملة هو من اجل ان متعلق الاحتياط لا بد و ان يكون الفعل بما هو عبادة، فانه لو كان متعلقه ذات الفعل لم يكن من الاحتياط، فالامر بالاحتياط سواء كان من العقل او من الشرع لازمه تعلق الامر بالفعل مع قصد القربة، و قد عرفت في مبحث التعبدي و التوصلي ان تعلق الامر بالفعل مع اخذ قصد القربة فيه محال لمحاذير مر ذكرها هناك، و ان ما لا يتأتى إلّا من قبل الامر لا يعقل اخذه في متعلق الامر، فاشكال عدم امكان الاحتياط في المقام في العبادة المحتملة ينشأ من ان لازم كونه احتياطا في العبادة هو تعلقه بالفعل بقصد القربة، اما بنحو الاشتراط او بنحو

28

و قد عرفت أنه فاسد، و إنما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لاجل أن الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه.

و عليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الامكان، ضرورة التمكن من الاتيان بما احتمل وجوبه بتمامه و كماله، غاية الامر أنه لا بد أن يؤتى به على نحو لو كان مأمورا به لكان مقربا، بأن يؤتى به بداعي احتمال الامر أو احتمال كونه محبوبا له تعالى، فيقع حينئذ على تقدير الامر به امتثالا لامره تعالى، و على تقدير عدمه انقيادا لجنابه تبارك و تعالى، و يستحق الثواب على كل حال إما على الطاعة أو الانقياد (1).

____________

الجزئية، و الامر بالاحتياط و لو من العقل اذا كان متعلقه الاحتياط المفروض تعلقه بالفعل بما هو مأخوذ فيه القربة يأتي فيه الاشكال المذكور في اخذ قصد القربة متعلقا للامر، و قد مر محالية اخذ قصد القربة متعلقا للامر، و لذلك لا يتأتى الاحتياط في المقام، و الى هذا اشار بقوله: ( (ان منشأ الاشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها مما يتعلق بها)) أي بقصد القربة ( (الامر المتعلق بها)) أي بالعبادة، و لما كان الامر متعلقا بالاحتياط اللازم كون متعلقه هو العبادة بما هي عبادة لفرض كونه احتياطا في العبادة و لذلك ( (فيشكل جريانه)) أي جريان الاحتياط ( (حينئذ)) في المقام ( (لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها)) لعدم امكان تعلق الامر الاحتياطي بالعبادة المفروض قصد القربة فيها إما جزءا او شرطا.

(1) يشير الى فساده الذي مر في مبحث التعبدي: من ان قصد القربة لم يؤخذ في العبادة كسائر الشروط المأخوذة فيها كالستر و القبلة مثلا، بل حيث كان الفرض انها عبادة و الغرض من العبادة لا يتم إلّا بقصد القربة، فالعقل يرشد الى اتيان متعلق الامر بقصد القربة، و اما الامر فلم يتعلق الا بنفس الفعل العبادي من دون اخذ قصد القربة فيه، و الاحتياط في المقام كذلك فانه حيث فرض كونه احتياطا في العبادة فمتعلق الامر الاحتياطي نفس الفعل العبادي من دون اخذ قصد القربة فيه، و لكن‏

29

.....

____________

حيث فرض كونه احتياطا في العبادة فالعقل يلزم ياتيانه بقصد القربة، و هو اتيانه بداعي احتمال الامر لتتحقق عباديته لو كان واجبا عباديا في الواقع.

فاتضح ان عدم التمكن الناشئ من توهم لزوم اخذ قصد القربة في متعلق الامر الاحتياطي فاسد، لعدم اخذ قصد القربة في متعلق الامر الاحتياطي، بل الامر الاحتياطي متعلق بنفس الفعل في المقام من دون اخذ قصد القربة فيه، و قصد القربة مما يرشد الى لزومه العقل بعد فرض كونه احتياطا في العبادة، فلا وجه لعدم امكان الاحتياط في المقام لهذا التوهم، و قد اشار الى وجه الفساد بقوله: ( (و انما اعتبر قصد القربة فيها)) أي في العبادة المقطوع بها في غير المقام و في العبادة المحتملة في المقام من جهة اعتبار ذلك فيها ( (عقلا لاجل ان الغرض منها)) أي من العبادة ( (لا يكاد يحصل بدونه)) أي بدون قصد القربة ( (و عليه)) أي و على فرض كون العقل يرشد اليها من ناحية دخولها في الغرض و لا تكون متعلقة للامر الحقيقي او الاحتياطي، و لذلك ( (كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الامكان ضرورة التمكن من الاتيان بما احتمل وجوبه)) بقصد القربة ( (بتمامه و كماله غاية الامر انه)) في محتمل الوجوب ( (لا بد ان يؤتى به على نحو لو كان)) الاحتياط مصادفا للواقع و كان الفعل واجبا عباديا واقعا و ( (مأمورا به)) بنحو ان يؤتى به عبادة ( (لكان)) الفعل المؤتى به بعنوان الاحتياط ( (مقربا)) ايضا و وقوع الفعل المؤتى به بعنوان الاحتياط قربة يكون بنحوين، اما ( (بان يؤتى به بداعي احتمال الامر او)) بداعي ( (احتمال كونه محبوبا له تعالى)) فان قصد المحبوبية الاحتمالية كقصد الامر الاحتمالي يوجب وقوع الفعل قربيا و عباديا ( (فيقع)) الفعل المؤتى به احتياطا بداعي احتمال الامر ( (حينئذ على تقدير الامر به)) واقعا ( (امتثالا لامره تعالى)) الواقعي لمصادفة الاحتياط للواقع ( (و على تقدير عدمه)) أي عدم الامر به واقعا يقع الاحتياط ( (انقيادا لجانبه تبارك و تعالى و)) تحصل ان المكلف الآتي بالفعل بداعي الاحتياط ( (يستحق الثواب على‏

30

.....

____________

كل حال اما على الطاعة)) في صورة المصادفة ( (او)) على ( (الانقياد)) في صورة عدم المصادفة و عدم الامر به واقعا.

هذا ما ذكره هنا ... و قد قال في هامش الكتاب ما محصله:

انه لو اغمضنا النظر عن إرشاد العقل الى لزوم قصد القربة به لدخوله في الغرض، نقول ان الاحتياط في المقام ممكن بتعدد الامر، أمر يتعلق بالفعل بعنوانه، و امر ثان يتعلق باتيانه بداعي احتمال الوجوب، هذا هو الوجه الاول الذي يراه المصنف منشأ للإشكال في امكان الاحتياط في المقام.

ثانيهما: ان منشأ الاشكال ليس ما ذكر، بل المنشأ هو ان قصد القربة لا يحصل بقصد الاحتمال، بل لا بد فيه من العلم بقصد القربة سواء كان قصد القربة مأخوذا في متعلق الامر بأمر واحد أو بأمرين او بارشاد من العقل، و الوجه في اعتبار العلم به و الجزم بدخوله و انه لا يتأتى بقصد احتمال ذلك، هو ان قصد القربة هو الذي يتحرك به المكلف في مقام امتثاله للمأمور به العبادي، و لا يعقل التحرك إلّا بما هو حاضر في افق النفس ليكون محركا للمكلف، و حضور الشي‏ء في افق النفس لا يكون إلّا بالعلم به، و مع فرض عدم العلم في المقام لفرض كونه محتملا لا يكون قصد القربة حاضرا في افق النفس حضورا تاما، و مع عدم حضوره تماما لا يعقل التحرك.

و الحاصل: ان حضوره احتمالا لا يعقل التحرك به، و الذي يمكن التحرك به هو الحضور التام العلمي الجزمي، فعلى هذا لا يكون منشأ الاشكال في امكان الاحتياط هو عدم امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر الاحتياطي، بل عدم امكان الاحتياط لعدم العلم بقصد القربة، و انه اذا كان محتملا لا يعقل وقوع التحرك عنه، و اذا لم يقع التحرك عن الاحتمال لا يتحقق الاحتياط، و اذا كان التحرك عن نفس الامر بالاحتياط لا يكون احتياطا، بل يكون عبادة حقيقة عن امر معلوم حقيقة لا عن داعي الاحتمال.

31

و قد انقدح بذلك أنه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلق أمر بها (1) بل لو فرض تعلقه بها لما كان من الاحتياط بشي‏ء، بل كسائر ما علم وجوبه أو استحبابه منها، كما لا يخفى (2).

____________

فتحصل مما ذكرنا: ان التحرك عن الاحتمال مستحيل لعدم الحضور في افق النفس، مع ان الاحتياط لا يكون احتياطا في المقام إلّا بالاتيان بداعي الاحتمال ...

و لا بد ان يكون الجواب عنه: هو ان النفس كما تتحرك عن الامر المعلوم كذلك تتحرك النفس عن الامر المظنون و المحتمل، لان صورة الامر بما هو مظنون او محتمل حاضرة في افق النفس كحضور صورة الامر المعلوم فيها.

فاتضح انه كما يكون العلم بالامر محركا كذلك يكون ظن الامر و احتماله ايضا محركا، فان صادف الواقع كان الفعل طاعة، و ان لم يصادف الواقع كان الفعل انقيادا.

(1) حاصله: انه بعد ما عرفت من امكان الاحتياط في المقام بالاتيان بالفعل بداعي احتمال وجوبه ... يتضح انه لا حاجة الى تصحيح الاحتياط في المقام بالالتزام بتعلق الامر الاحتياطي بنفس الفعل بذاته، ليتأتى قصده و يقع عبادة بواسطة قصد هذا الامر المتعلق بذات الفعل كما مر في الجواب الثالث عن الشيخ الاعظم في رسائله، و لذا قال (قدس سره): ( (و قد انقدح بذلك)) أي بما مر من امكان الاحتياط في العبادة، و ان المأتي به بداعي احتمال وجوبه يقع قريبا يتضح ( (انه لا حاجة في جريانه)) أي في جريان الاحتياط ( (في العبادات الى تعلق امر بها)) أي بذات ما هو عبادة.

(2) حاصله: ان ما ذكر من تصحيح الاحتياط في المقام- بالتزام تعلق امر بنفس الفعل بذاته، و لا بد من كونه امرا مولويا عباديا، لوضوح ان الامر الارشادي و المولوي التوصلي لا يلزم قصدهما، و لا بد في وقوع العبادة عبادة من قصد الامر، فلذلك كان الامر في العبادة لا بد و ان يكون مولويا عباديا- يستلزم الخلف و ان لا يكون الامر الاحتياطي امرا احتياطيا، لما مرت الاشارة اليه من ان معنى الاحتياط

32

.....

____________

في العبادة هو الاتيان بداعي كونه محتمل الوجوب، و الاتيان بداعي الامر المتعلق بذات العبادة اتيان له بداعي الامر المعلوم، فاذا كان امرا مولويا عباديا يقع هذا الفعل عبادة كسائر العبادات الواصل امرها و المأتي بها بداعي امرها المعلوم المحقق، و هو خلف لفرض كون الامر احتياطيا للتحفظ على الواقع، لا لان متعلقه امر عبادي بذاته و بعنوانه.

و بعبارة اخرى: الاتيان بالشي‏ء بداعي التحفظ على الواقع المحتمل غير اتيانه لذاته و لعنوانه الخاص به، فتصحيح الاحتياط بتعلق الامر الاحتياطي بذات محتمل الوجوب لا بداعي انه محتمل الوجوب لا يكون من الاحتياط في شي‏ء، بل ظهر مما ذكرنا ان الاحتياط في محتمل الوجوب لا داعي له الى امر اصلا لا مولوي توصلي و لا عبادي، لانه بعد حكم العقل بحسن الاحتياط الذي لا يقع احتياطا الا ملازما لقصد القربة، و هو اتيانه بداعي احتمال وجوبه فلا داعي للامر التوصلي به لحكم العقل بحسنه، و لا داعي للامر العبادي لفرض كون الاحتياط ملازما لقصد القربة فلا داعي ايضا للامر العبادي.

و على كل، فقد بان انه لا وجه لتصحيح الاحتياط في المقام بتعلق امر بذات ما هو محتمل الوجوب، بل تعلق الامر به كذلك يوجب كونه عبادة مستقلة بذاته لا عبادة احتياطية للتحفظ، و يكون كسائر الواجبات و المستحبات العبادية و هو خلف، لفرض كونه احتياطا في العبادة لا انه عبادة مستقلة، و لذلك ترقى المصنف فقال:

( (بل لو فرض تعلقه بها)) أي لو فرض في المقام تعلق الامر بذات العبادة المحتملة بعنوان ذاتها لا بعنوان انها عبادة محتملة ( (لما كان)) ذلك ( (من الاحتياط بشي‏ء بل)) يكون عبادة مستقلة ( (كسائر ما علم وجوبه او استحبابه منها)) أي من العبادات.

و الحاصل: ان الفرق بين ما ذكره المصنف و ما ذكره الشيخ هو تعلق الامر بالمحتمل الوجوب بما هو محتمل الوجوب، غايته ان العقل يرشد الى قصد اتيانه بداعي القربة، و عند الشيخ تعلق الامر بذات محتمل الوجوب لا بما هو محتمل الوجوب.

33

فظهر أنه لو قيل بدلالة أخبار من بلغه ثواب على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب و لو بخبر ضعيف، لما كان يجدي في جريانه في خصوص ما دلّ على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف، بل كان عليه مستحبا كسائر ما دلّ الدليل على استحبابه (1).

____________

[الجواب الخامس في دفع الإشكال بأخبار من بلغ‏]

و لكن يمكن ان يقال: انه بعد ان كان يرشد العقل الى اتيانه بداعي القربة، و داعي القربة لا يكون إلّا بقصد امتثال الامر، فان كان الامر المقصود اتيانه بداعيه هو الامر المتعلق بداعي محتمل الوجوب و هو الامر الاحتياطي عاد المحذور، و ان كان الامر هو المتعلق بذات الفعل، ففيه أولا: انه ليس هناك امر متعلق بذات الفعل على رأيه، و ثانيا: يرجع الى ما ذكره الشيخ.

(1) هذا خامس الاجوبة عن الاشكال المتقدم في امكان الاحتياط في محتمل الوجوب او الاستحباب، و لا يخفى انه يختص بالوجوب و الاستحباب الذي قام عليهما خبر ضعيف، و لا يعمّ مطلق محتمل الوجوب و الاستحباب، و ان لم يقم عليه دليل اصلا لوضوح انه مع فرض عدم قيام دليل عليه اصلا لا يكون مشمولا لأخبار من بلغ المختصّة بالمحتمل الذي قام عليه خبر ضعيف غير تام الحجيّة.

و حاصل هذا الجواب: ان سيأتي دلالة اخبار من بلغ على امر استحبابي متعلق بمؤدّى ما قام عليه الخبر الضعيف، و لكونه عباديا لظهور بعضها في من عمل ذلك العمل رجاء ذلك الثواب، فاذا تمّ هذا ... نقول انه لو دلّ خبر ضعيف على وجوب شي‏ء فيمكن جريان الاحتياط فيه بقصد الامر الاستحبابي العبادي المتحصّل من اخبار من بلغ، و هذا امر قربي معلوم، فلا اشكال في جريان الاحتياط لا من ناحية قصد القربة لفرض كونه قربيّا و لا من ناحية عدم العلم لفرض كونه معلوما.

و حاصل ما اشكل عليه: هو انه قد ظهر مما ذكرنا: ان الاتيان بالفعل المحتمل الوجوب لا بداعي انه محتمل الوجوب، بل بداعي الامر المتعلق به بذاته لا يكون من الاحتياط في شي‏ء، فالاتيان بمحتمل الوجوب بقصد الامر الاستحبابي المتعلق بذاته‏

34

لا يقال: هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب بعنوانه، و أما لو دل على استحبابه لا بهذا العنوان، بل بعنوان أنه محتمل الثواب، لكانت دالة على استحباب الاتيان به بعنوان الاحتياط، كأوامر الاحتياط، لو قيل بأنها للطلب المولوي لا الارشادي (1).

____________

بواسطة اخبار من بلغ لا يكون اتيانا له بعنوان الاحتياط، بل يكون فعلا مستحبا كسائر المستحبات بعناوينها الذاتية، و الى هذا اشار بقوله: ( (فظهر انه لو قيل بدلالة اخبار من بلغه ثواب على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب و لو بخبر ضعيف لما كان يجدي في جريانه)) أي في جريان الاحتياط لتوقف كونه احتياطا على اتيانه بعنوان انه محتمل الوجوب لا للامر المتعلق به بعنوانه، و اشار الى اختصاصه بخصوص ما قام عليه الخبر الضعيف بقوله: ( (في خصوص ما دل على وجوبه او استحبابه خبر ضعيف بل كان عليه)) أي بل كان بناء على استحبابه باخبار من بلغ يكون ( (مستحبا كسائر ما دل الدليل على استحبابه)) بعنوانه و لا يكون من الاحتياط في شي‏ء.

(1) حاصله: ان اخبار من بلغ اذا قيل انها تدل على جعل الحكم الاستحبابي على طبق مؤدى الخبر الضعيف البالغ للمكلفين، كان الامر الاستحبابي متعلقا بذات الفعل المحتمل لا بالاحتياط فيه و اتيانه بداعي الاحتمال كما ذكرت، و لا يكون من الاحتياط في شي‏ء، و اما اذا كان المستفاد من اخبار من بلغ هو الامر الاستحبابي باتيان الشي‏ء بداعي احتمال انه قاله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فيكون المتحصّل منها هو الامر بالاحتياط، و لا اشكال انه أمر مولوي عبادي فيتأتى الاحتياط بواسطة هذا الامر الاستحبابي المستفاد من اخبار من بلغ، و يترفع الاشكال المذكور من عدم امكان الاحتياط في العبادة المحتملة، و الى هذا اشار بقوله: ( (لا يقال هذا لو قيل بدلالتها)) أي لو قيل بدلالة اخبار من بلغ على جعل الحكم الاستحبابي و ( (على استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب بعنوانه)) فانه لا يكون من الاحتياط في شي‏ء كما

35

فإنه يقال: إن الامر بعنوان الاحتياط و لو كان مولويا لكان توصليا، مع أنه لو كان عباديا لما كان مصححا للاحتياط، و مجديا في جريانه في العبادات كما أشرنا إليه آنفا (1).

____________

مر بيانه ( (و اما لو دل)) دليل من بلغ ( (على استحبابه)) أي استحباب الفعل المأتي به ( (لا بهذا العنوان)) و هو عنوانه بذاته ( (بل)) يدل على استحبابه ( (بعنوان انه محتمل الثواب لكانت)) اخبار من بلغ ( (دالة على استحباب الاتيان به)) أي بالفعل ( (بعنوان الاحتياط)) و يكون الامر المستفاد من اخبار من بلغ ( (كأوامر الاحتياط)) مثل قوله (عليه السّلام): احتط لدينك، و اخوك دينك، في الدلالة على اتيان الشي‏ء لاجل الاحتياط، بان يؤتى به بداعي الاحتمال فيما ( (لو قيل بانها)) أي لو قيل ان أوامر الاحتياط كانت ( (للطلب المولوي لا الارشادي)) و على هذا فيرتفع الاشكال في عدم امكان الاحتياط، لعدم العلم بقصد القربة لا تفصيلا و لا اجمالا، فان هذا الامر الاستحبابي معلوم تفصيلا.

(1) توضيحه: ان اخبار من بلغ، اما ان يكون المستفاد منها جعل الحكم الاستحبابي على طبق مؤدى الخبر الضعيف الذي بلغ، فلا يكون من الاحتياط في شي‏ء كما مر بيانه.

و اما ان يكون المستفاد منها هو اعطاء الثواب على الاتيان بقصد ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قاله، فلا تكون لها دلالة على الامر الاستحبابي بالاتيان بالفعل بداعي الاحتمال، بل لا يكون لها دلالة على امر اصلا، و انما المتحصل منها هو اعطاء الثواب على هذا الانقياد و الاتيان برجاء الواقع، و المستشكل لا يستشكل في امكان الانقياد، و لكنه يستشكل في امكان الاحتياط في العبادة و وقوع الفعل عباديا بواسطة الاحتياط، بحيث لو اصاب الاحتياط الواقع لنجزه، و لوقع الفعل عبادة كالفعل المأتي به بداعي الامر العبادي المعلوم. هذا كله في الاحتياط بالنسبة الى اخبار من بلغ.

36

ثم إنه لا يبعد دلالة بعض تلك الاخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب، فإن صحيحة هشام بن سالم المحكية عن المحاسن، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من بلغه عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب فعمله، كان‏

____________

و اما توضيح الحال في كلية الامر الاحتياطي فنقول: الاحتياط ان كان في غير العبادة فلا مانع من كون الامر فيه مولويا توصليا، اذا لم نقل بان مطلق الاوامر الاحتياطية لا تكون الا ارشادية، لكفاية جعل الداعي فيها من ارشاد العقل الى حسنها، و اما الاحتياط في العبادة المحتملة فلا يعقل ان يكون فيه امر أصلا لا توصلي و لا عبادي، لوضوح انه لو كان توصليا لما كان مصححا لقصد القربة، و ان كان عباديا فاما ان يتعلق بعنوان ذات الفعل المحتمل الوجوب فلا يكون من الاحتياط في شي‏ء كما عرفت، و اما ان يتعلق باتيانه بداعي الوجوب فلا يكون امرا عباديا، لان عبادية العبادة باتيانها بداعي احتمال الوجوب لا بداعي الامر الاحتياطي المتعلق باتيانها بداعي احتمال الوجوب، فلو كان امر لكان توصليا لا عباديا، مع انه لا داعي الى الامر التوصلي ايضا لفرض ارشاد العقل الى اتيانه بداعي الاحتمال، فلا فائدة في هذا الامر الاحتياطي التوصلي، و الى هذا اشار بقوله: ( (فانه يقال ان الامر بعنوان الاحتياط و لو كان مولويا)) أي لو قلنا بان الامر الاحتياطي ليس منحصرا في الارشاد بل يكون مولويا لكنه اذا كان مولويا ( (لكان توصليا)) و ذلك في غير الفعل العبادي، اما في العبادة المحتملة فلا يكون مجديا لو كان توصليا، و كونه عباديا لا معنى له مع فرض كون العبادية فيه انما هي باتيانه بداعي الاحتمال لا بداعي الامر الاحتياطي و عباديته، لكونه متعلقا بذات الفعل لا مانع منه، إلّا انه لا يكون من الاحتياط في العبادة اصلا، و إلى هذا اشار بقوله: ( (مع انه لو كان عباديا كان مصححا للاحتياط و مجديا في جريانه)) أي و مجديا في جريان الاحتياط بما هو احتياط ( (في العبادات)) بل يكون عبادة مستقلة لا عبادة احتياطية.

37

أجر ذلك له، و إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله ظاهرة في أن الاجر كان مترتبا على نفس العمل الذي بلغه عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنه ذو ثواب (1)، و كون‏

____________

[المستفاد من دلالة أخبار من بلغ‏]

(1) لما انجر الكلام الى اخبار من بلغ ... شرع المصنف في ما يستفاد منها، و انه هل هو جعل الحكم الاستحبابي على طبق مؤدى الخبر البالغ، أو ان المستفاد منها هو اعطاء الثواب على الانقياد و الاتيان برجاء الواقع و التماسه، او ان المتحصل منها جعل الحجية للخبر الضعيف؟

الذي يظهر من المشهور هو الاول لافتائهم باستحباب العمل الذي ادى اليه الخبر الضعيف، و هو مختار المصنف ايضا، و استظهر الشيخ الاعظم في رسالة التسامح الثاني.

و اما الثالث فواضح الضعف لانه لو كان الغرض فيها للشارع جعل الحجية للخبر الضعيف، لقال: ان الراوي للثواب على عمل قد جعلت روايته حجة او امثال هذه العبارة، لا قوله: ان من عمل على طبق ما بلغه كان ذلك الثواب له و ان كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله، فان ديدن الشارع في مقام جعل الحجية ان يقول ان ما دلت عليه الحجة هو الواقع، كما في مثل قوله (عليه السّلام): (العمري و ابنه ثقتان فما أديا اليك عني فعني يؤديان) (1).

و يبقى الامر دائرا بين ما استظهره المصنف تبعا للمشهور من جعل الحكم الاستحبابي النفسي على طبق مؤدى الخبر الضعيف بعنوان من بلغ، و بين ما استفاده الشيخ الاعظم و هو اعطاء ثواب العمل البالغ لاجل الانقياد، و لازم مختاره (قدس سره) هو عدم الحكم و عدم الامر الاستحبابي المولوي، و اذا كان هناك امر فهو ارشادي محض.

____________

(1) الكافي ج 1، ص 330.

38

.....

____________

و لا يخفى انه هناك احتمالات اخرى واهنة جدا اعرضنا عن ذكرها.

و قبل التعرض للأخبار و مفادها ينبغي ان لا يخفى: ان اخبار من بلغ لا تشمل الحرمة و الكراهة المدلولة للخبر الضعيف، لظهور قوله من بلغه ثواب على عمل في خصوص الخبر الدال على الاستحباب او الوجوب، فان الظاهر من الثواب على العمل هو الثواب على الفعل لا على الترك، و ليس الترك مستحبا شرعيا، لعدم انحلال الحكم الى حكمين.

و لا يخفى ايضا ان المراد بالخبر الضعيف هو الضعيف من ناحية السند لا من ناحية الدلالة، لظهور قوله و ان كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله في ذلك.

و من الواضح ايضا ظهور اخبار من بلغ في كون الواسطة المبلغة للثواب هو الخبر الحسي الضعيف، دون المبلغ للثواب حدسا كالفتوى بالاستحباب من المفتي، فانه و ان بلغ الثواب على العمل إلّا انه بواسطة الحدس دون الحس، و ذلك ايضا لظهور قوله (عليه السّلام) و ان كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله في ان المبلغ للثواب كان منه التبليغ بواسطة نقله لقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، لا لحدسه ان الحكم المترتب عليه الثواب هو حكم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

و لكن جماعة من الاكابر شملوه للاجماع المنقول و الفتوى، بان يراد من بلغه وصول الثواب سواء كان بالتبليغ اللفظي او بغيره من انحاء الوصول و هو غير بعيد.

و مما ينبغي ان لا يخفى ايضا ان اخبار من بلغ موردها الخبر الضعيف دون الخبر المعتبر، لان المستفاد منها اما جعل الحكم، و لا معنى لجعل الحكم على طبق مؤدى الحكم المعتبر فانه من اجتماع المثلين، و اما اعطاء الثواب و لا معنى له ايضا بعد ان دل عليه الخبر المعتبر، مع ان الظاهر منها تكفلها لما لم يتكفله الخبر البالغ بذاته، و مع كون الخبر معتبرا فانه يكون متكفلا بذاته لما تكفلته اخبار من بلغ، مضافا الى ما مر من ان المناسب لقوله و ان كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله هو كون الخبر البالغ ضعيفا، و اذا كان معتبرا يكون مؤداه مما قاله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، لا انه لم يقله.

39

.....

____________

و اما اخبار من بلغ فهي كثيرة:

منها: الصحيحة المشار اليها في المتن.

و منها: ما عن البحار فقد روى الصحيحة المذكورة، و قال بعد ذكرها ان الخبر من المشهورات رواه العامة و الخاصة.

و منها: ما في الوسائل عن عدة الداعي لابن فهد، قال روى الصدوق عن محمد بن يعقوب بطرقه عن الائمة (عليهم السّلام): (من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه و ان لم يكن الامر كما نقل اليه) (1).

و منها: ما عن الكليني في الكافي بسنده الصحيح عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): (قال (عليه السّلام): من سمع شيئا من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له و ان لم يكن على ما بلغه) (2).

و منها: ما عن الكافي ايضا عن محمد بن مروان (قال سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: من بلغه ثواب من اللّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب اوتيه و ان لم يكن الحديث كما بلغه) (3).

و منها: ما عن طرق العامة عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال (قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من بلغه من اللّه فضيلة فاخذ بها و عمل بها ايمانا باللّه و رجاء ثوابه اعطاه اللّه ذلك و ان لم يكن كذلك).

و قال ابن فهد (ره) له بعد نقله لهذه الروايات فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين.

و لا يخفى انها اخبار مستفيضة و قد ادعى تواترها معنى و قد عمل بها الاصحاب فسندها مما لا ريب في حجيته.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1، 61/ 8، باب 18 من أبواب مقدمة العبادة.

(2) الكافي: ج 2، ص 87.

(3) الكافي: ج 2، ص 87.

40

.....

____________

و اما المستفاد من هذه الاخبار فهل هو جعل الحكم الاستحبابي لما قام عليه الخبر الضعيف كما هو ظاهر المشهور، او ان المستفاد منها هو اعطاء الثواب على العمل لاتيانه بداعي الانقياد و رجاء ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قاله، فيكون المحصل منها هو ترتب الثواب لاجل الانقياد، و لا يكون لها دلالة على كون العمل بنفسه مستحبا بعنوان انه قد بلغ الثواب عليه.

و المختار للمصنف هو ما استفاده المشهور من دلالتها على جعل الحكم الاستحبابي، لظهور صحيحة هشام بن سالم المشار اليها في ترتب الثواب على نفس العمل بقوله (عليه السّلام): (من بلغه شي‏ء من الثواب فعمله- أي فعمل الذي قد بلغه انه له ثواب- كان اجر ذلك له) (1) فان الظاهر منها كون الاجر و الثواب على نفس العمل لا على الانقياد و الرجاء، و لازم كون الثواب على نفس العمل ان نفس العمل هو الموضوع و هو الملزوم لهذا الثواب، و لا يكون كذلك الا حيث يكون هو مستحب بنفسه، فتدل هذه الصحيحة على ان المستحب الذي هو الملزوم لهذا الثواب هو نفس العمل، فالمتحصل منها ذكر اللازم و هو الثواب دليلا على جعل ملزومه و هو استحباب نفس العمل كما هو احد طرق بيان جعل المستحبات في لسان الاخبار، كدلالة قوله (عليه السّلام): من سرح لحيته فله كذا من الثواب و الاجر، و من صلى النافلة او صام اليوم الفلاني فله كذا مقدار من الثواب ... على ان تسريح اللحية هو المستحب بعنوانه، و ان صوم اليوم الفلاني و النافلة الكذائية مستحبان بعنوان ذاتهما، فلازم هذا الظاهر ان البلوغ حيثية تعليلية لجعل العمل الذي هو البالغ بالخبر مستحبا بعنوانه، و لذا ترتب الثواب و الاجر على نفس العمل، و إلى ما ذكرنا اشار بقوله:

( (ظاهرة)) أي ان الصحيحة المذكورة ظاهرة ( (في ان الاجر كان مترتبا على نفس الذي بلغه عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) انه ذو ثواب)) لقوله (عليه السّلام) من بلغه فعمله كان اجر ذلك له،

____________

(1) وسائل الشيعة ج 1، 60/ 3 باب 18 من أبواب مقدمة العبادة.

41

العمل متفرعا على البلوغ، و كونها الداعي إلى العمل (1) غير موجب لان يكون الثواب إنما يكون مترتبا عليه، فيما إذا أتى برجاء أنه مأمور به و بعنوان الاحتياط (2)، بداهة أن الداعي إلى العمل لا يوجب له وجها

____________

فترتب الاجر على نفس العمل لازمه كون نفس العمل بذاته مستحبا، و ان بلوغه حيثية تعليلية لجعله مستحبا.

فالمتحصل منها كون نفس العمل مستحبا، و لكنه في ظرف كونه قد بلغ المكلف الثواب عليه.

(1) يريد ان يشير الى ما يمكن ان يكون منافيا للظهور المذكور، الذي عرفت ان لازمه كون الفعل بذاته مستحبا، و هو امران:

الاول: انه ينافي هذا الظهور ظهور الفاء في قوله فعمله في التفريغ على البلوغ، فان ظاهر التفريع كون المتفرع معلولا للمتفرع عليه، و لازم هذا كون العمل معلولا للبلوغ، و معنى كونه معلولا للبلوغ هو كون الداعي للعمل هو البلوغ دون نفس عنوان الفعل بذاته، و من الواضح ان لازم كون الفعل بعنوانه مستحبا هو كون العمل بداعي استحبابه لا بداعي البلوغ، و هذا ينافي ظهور قوله (عليه السّلام) من بلغه شي‏ء من الثواب فعمله في انه قد عمل لما بلغه من الثواب عليه، فان هذا الكلام ظاهر في ان الداعي للعمل هو رجاء ذلك الثواب و اذا كان الداعي للعمل هو رجاء ذلك الثواب لم يكن مجال لان يكون الداعي له هو نفس عنوان الفعل بذاته، لوضوح محالية اجتماع داعيين فعليين على فعل واحد، فالفعل الماتي به بداعي الرجاء لا يعقل ان يكون الداعي له نفس عنوان ذاته و استحبابه بنفسه، و الى هذا اشار بقوله: ( (و كون العمل متفرعا على البلوغ و)) و معنى ذلك ( (كونها الداعي الى العمل)) أي كون نفس العمل و ان الداعي لاتيانه هو نفس استحبابه الذاتي، لا بلوغ الثواب و ان يؤتى برجاء الواقع لا بداعي نفسه.

(2) يشير الى الجواب عن هذا الظهور المنافي لكون العمل بنفسه مستحبا.

42

.....

____________

و بيانه: ان الفاء لا تدل على اكثر من التفريع و كون العمل متفرعا على البلوغ، و لكن تفريع شي‏ء على شي‏ء كما يكون لكونه معلولا له كذلك يكون لمحض ترتبه عليه من دون ان يكون المتفرع معلولا للمتفرع عليه، لوضوح انه كما يصح التفريع في العلية و المعلولية كقوله من اتلف مال الغير فهو له ضامن في ان الضمان معلولا للاتلاف، كذلك يصح التفريع في مثل قوله من سمع الاذان فبادر الى الصلاة كان له ثواب كذا، فان الفاء التفريعية هنا لا تدل على اكثر من كون المبادرة متفرعة على سماع الاذان، و اما كون سماع الاذان هو الداعي للمبادرة فلا، لوضوح ان الداعي للمبادرة هو استحبابها ذاتا لا سماع الاذان، بل حيث انه لما سمع الاذان قصد المبادرة لما عليها من الثواب صح ان تفرع المبادرة على السماع للاذان.

فتحصل مما ذكرنا: ان الفاء لمطلق التفريع، و التفريع لا يستلزم كون المفرع عليه هو العلة للمتفرع عليه، و ليس لها ظهور في العلية لتمنع ظهور ترتب الثواب على نفس العمل عما يقتضيه من كون العمل مستحبا بذاته، و السبب في التفريع هو انه لما كان بلوغ الثواب عليه كظرف لجعل استحباب العمل بذاته صح التفريع، فيكون الظاهر من الرواية ان من بلغه الثواب فعمل كان له الثواب على عمله، و لازم هذا كون العمل بنفسه مستحبا، و ان البلوغ كظرف لجعل هذا الفعل مستحبا، و يصح التفريع لان الفاء لمطلق ترتب شي‏ء على شي‏ء، لا لخصوص كون المتفرع معلولا للمتفرع عليه.

و الى هذا اشار بقوله: ( (غير موجب)) أي ان نفس التفريع غير موجب للمعلولية و ( (لان يكون الثواب انما يكون مترتبا عليه)) أي على الفعل ( (في)) خصوص ( (ما اذا اتى به برجاء انه مأمور به)) واقعا ( (و بعنوان الاحتياط)).

43

و عنوانا يؤتى به بذاك الوجه و العنوان (1). و إتيان العمل بداعي طلب قول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كما قيد به في بعض الاخبار، و إن كان انقيادا، إلا أن‏

____________

(1) لا يخفى ان هذا تعليل لقوله: ( (غير موجب لان يكون الثواب انما يكون مترتبا عليه ... الى آخر الجملة)) و لا يخفى ايضا غموض العبارة فيما هو مراده منها.

و يحتمل في تفسيرها احتمالان:

الاول: ان صدر الصحيحة و ان دل على ان البلوغ للثواب هو الداعي الى العمل، إلّا ان ذيلها قد دل على ان ذلك الثواب مترتب على نفس العمل، و لا منافاة بين الامرين، فان المتحصل منها ان هذا العمل كما يمكن ان يؤتى بداعي البلوغ و رجاء الثواب الواقعي، كذلك يمكن ان يؤتى به بداعي نفس الثواب المترتب على نفس العمل، و لا دلالة للصدر على حصر الثواب للعمل بخصوص العمل الذي يؤتى به بداعي الرجاء، و يشعر بهذا التفسير قوله ( (غير موجب لان يكون الثواب انما يكون مترتبا عليه فيما اذا اتى برجاء انه مأمور به و بعنوان الاحتياط)) أي لا دلالة للصدر على حصر الثواب للعمل بخصوص ما إذا اتى به برجاء انه مأمور به و بعنوان الاحتياط حتى يكون منافيا لترتب الثواب عليه فيما اذا اتى به بداعي نفس عنوان ذات العمل و يكون قوله: ( (بداهة ... الى آخره)) تعليلا لهذا المعنى.

و حاصله: ان كون العمل يمكن ان يؤتى به بداعي الرجاء و البلوغ للثواب الواقعي لا يستلزم ان يكون ذلك قيدا فيه و وجها له، بحيث لا يترتب عليه إلّا اذا اتى به بقصد الرجاء، بل كما يمكن ذلك يمكن ايضا ان يترتب عليه الثواب فيما اذا اتى به بقصد عنوانه الذاتي و الثواب المترتب على نفس عنوان الفعل ... و يبعد هذا الاحتمال امران:

الاول: انه عين الجواب الآتي عن الاشكال الثاني المشار اليه بقوله: ( (و اتيان العمل بداعي طلب قول النبي ... الى آخره)) و الظاهر ان الجواب عن الاشكال في هذه الصحيحة هو غير الجواب عن الاشكال الآتي.

44

.....

____________

الثاني: ان الظاهر من الصحيحة ان هناك ثوابا واحدا للعمل، اما ان يكون مترتبا على اتيانه بقصد الرجاء، او يكون مترتبا عليه فيما اذا اتى به بقصد عنوان نفس العمل، و اذا سلم المصنف كون صدر الصحيحة تدل على الثواب لهذا العمل بقصد الرجاء، فلا بد و ان يكون الاجر في ذيلها هو ذلك الثواب المترتب على العمل بقصد الرجاء، و لا يكون الذيل دالا على ان للعمل ثوابا آخر يترتب بعنوانه عليه حتى يكون كاشفا عن الحكم الاستحبابي لنفس عنوان الفعل كشف المعلول عن علته، و هو الامر به بعنوانه حتى يكون الثواب مترتبا عليه بعنوانه ايضا.

لا يخفى ان هذا الثاني خلاف ما يظهر من المصنف في جوابه عن الاشكال الثاني، لانه قد التزم بان اخبار من بلغ المطلق منها يدل على الثواب على نفس العمل و لازمه جعل الحكم الاستحبابي، و المقيد منها يدل على الثواب على الاتيان برجاء الواقع و لازمه كون الثواب على الانقياد، و لا مانع في المستحبات من عدم تقييد مطلقاتها بالمقيد منها.

الاحتمال الثاني: ان يكون مراده ان صدر الصحيحة و ان دل على ان البلوغ هو الداعي للعمل، إلّا انه لا يدل على تقييد الاتيان بالعمل بهذا الداعي، بل البلوغ و رجاء الثواب يكون داعيا للعمل من باب الداعي الى الداعي، و المتحصل منها على هذا ان من بلغه الثواب يكون داعيا له لان يعمل العمل لاجل تحصيل ذلك الثواب، و اذا كان ذلك الثواب مترتبا على نفس العمل كما هو مدلول ذيلها، فذلك الداعي يكون داعيا له لان يقصد العمل بنفس عنوانه، لانه هو الذي يترتب عليه ذلك الثواب، و لا دلالة في الصحيحة على ان الثواب انما يترتب على هذا العمل حيث يؤتى به بقصد الرجاء لا غير، حتى يكون منافيا لما دل عليه الذيل من ترتب الثواب على نفس قصد عنوانه الكاشف ذلك عن استحبابه بنفسه.

و بعبارة اخرى: ان كون البلوغ داعيا للعمل لا يدل على تقيد العمل بهذا الوجه و العنوان حتى يكون لا يترتب عليه ذلك الثواب الا مقيدا بإتيانه بقصد الرجاء،

45

الثواب في الصحيحة انما رتب على نفس العمل، و لا موجب لتقييدها به، لعدم المنافاة بينهما، بل لو أتى به كذلك أو التماسا للثواب الموعود، كما قيد به في بعضها الآخر، لاوتي الاجر و الثواب على نفس العمل، لا بما هو احتياط و انقياد، فيكشف عن كونه بنفسه مطلوبا و إطاعة، فيكون وزانه وزان من سرح لحيته أو من صلى أو صام فله كذا (1) و لعله‏

____________

و على هذا ينطبق قوله: ( (بداهة ان الداعي الى العمل لا يوجب له وجها)) أي ان الداعي لا يوجب ان يكون قيدا و وجها للعمل، بحيث انما يترتب الثواب عليه فيما اذا أتى به بهذا القيد او الوجه و هو قصد الرجاء ( (و)) لا دلالة للصدر على ان قصد الثواب الواقعي كان ( (عنوانا)) لازما لا يترتب عليه شي‏ء إلّا ان ( (يؤتى به بذاك الوجه و العنوان)) فالاحتمال الثاني اقرب، و اللّه العالم.

(1) هذا اشارة الى الاشكال الثاني على استفادة الحكم الاستحبابي النفسي لنفس عنوان الفعل من اخبار من بلغ، و حاصله: ان هذه الصحيحة و ان دل ذيلها على ترتب الثواب على نفس عنوان العمل الكاشف عن الامر الاستحبابي المتعلق بنفس عنوان العمل، إلّا ان اخبار من بلغ ليست الصحيحة وحدها، بل هناك اخبار أخر ظاهرة على ان الثواب هو للعمل الماتي به بقصد الرجاء، كرواية محمد بن مروان المتقدمة التي كان مضمونها: من بلغه عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ثواب على عمل فعمله التماس قول النبي كان له و ان كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله ... فان قوله (عليه السّلام) في هذه الرواية فعمله التماس قول النبي ظاهر في ان العمل المترتب عليه هو المأتي به بقصد الرجاء و التماس قول النبي، و هذا ظاهر في ان الثواب في المقام للانقياد و ليس لنفس العمل بعنوانه، فتكون هذه الرواية و امثالها قرينة على المراد من هذه الصحيحة ايضا، و لا بد من صرف ظهورها الى ظاهر هذه الرواية.

و حاصل ما اجاب به: هو انه لا مانع من ان يكون المستفاد من اخبار من بلغ امرين: الاتيان الانقيادي هو اتيان الفعل بقصد الرجاء و التماس قول النبي‏

46

.....

____________

الواقعي و لهذا ثواب الانقياد، و الاستحباب النفسي و هو ترتب الثواب على نفس عنوان الفعل.

و الاول يستفاد من رواية محمد بن مروان، و الثاني يستفاد من الصحيحة، و لا داعي لتقييد احدهما بالآخر.

و قد اشار الى الاشكال بقوله: ( (و اتيان العمل بداعي طلب قول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كما قيد به في بعض الاخبار و ان كان انقيادا)) و هي مثل رواية محمد بن مروان التي مر أنها ظاهرة في ان الثواب للعمل الماتي به التماسا لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، فكونه التماسا لقول النبي هو القيد المتقيد به العمل الذي لازمه كون الثواب في اخبار من بلغ للانقياد لا للاستحباب النفسي لنفس عنوان الفعل، و اشار الى الجواب عنه بقوله: ( (إلّا ان الثواب في الصحيحة انما رتب على نفس العمل)) كما مر بيانه، و ان لازمه الاستحباب لنفس عنوان الفعل لا الانقياد، و بعد ان كان مفادها ذلك لا داعي لحملها على مفاد رواية محمد بن مروان الظاهرة في ان الثواب للانقياد ( (و لا موجب لتقييدها به)) أي لا موجب لتقييد الصحيحة في ان ثواب العمل فيها مقيد بالالتماس و الانقياد ( (لعدم المنافاة بينهما)) أي لعدم المنافاة بين مفاد الصحيحة من الالتزام بالثواب لنفس العمل غير المقيد بالالتماس، و بين مفاد رواية محمد بن مروان الدالة على ان الثواب مقيد بالعمل بداعي الالتماس، و لا مانع من ترتب الثواب على العمل بعنوان نفسه فيكون مستحبا بذاته، و من ترتبه على العمل بداعي الالتماس فيكون الثواب انقياديا، و لذا قال (قدس سره): ( (بل لو اتى به كذلك)) أي بداعي عنوان نفس الفعل و استحبابه النفسي كما في الصحيحة ( (او)) اتى به بداعي الانقياد و ( (التماسا للثواب الموعود كما قيد به في بعضها الآخر)) و هي رواية ابن مروان، و حيث لا منافاة بينهما فلو اتى بالعمل بداعي عنوان نفسه ( (لاوتي الاجر و الثواب على نفس العمل لا بما هو احتياط و انقياد فيكشف)) ترتب الثواب على نفس عنوان العمل ( (عن كونه بنفسه)) مستحبا و ( (مطلوبا)) بنفسه ( (و)) يكون اتيانه‏

47

لذلك أفتى المشهور بالاستحباب (1)، فافهم و تأمل (2).

____________

( (اطاعة)) للاستحباب المتعلق بذاته ( (فيكون)) المستفاد من الصحيحة ( (وزانه وزان من سرح لحيته او من صلى او صام فله كذا)) فكما ان المستفاد من هذه الجمل هو استحباب تسريح اللحية و الصلاة و الصوم بعناوينها الذاتية، كذلك يكون مدلول الصحيحة المرتبة للثواب على نفس العمل في ظرف البلوغ هو استحباب نفس العمل بعنوانه.

(1) لا يخفى انه اذا كان الثواب للانقياد لا يكون عنوان العمل بنفسه مستحبا، فلا يجوز الافتاء باستحبابه، و المشهور يفتون باستحباب ما دل عليه الخبر الضعيف، فافتاؤهم كذلك يدل على أن نفس العمل عندهم هو المستحب، و يترتب على نفس اتيانه بعنوانه و الثواب، و الوجه في افتائهم كذلك لا بد و ان يكونوا قد فهموا من الصحيحة ذلك.

(2) لعله اشارة الى ان الظاهر في اخبار من بلغ هو وحدة المطلوب فيها، و انها كلها مسوقة لامر واحد، فالمستفاد منها: اما ان يكون اثبات الثواب للعمل المتقيد بالالتماس، فتكون دالة على كون الثواب انقياديا، و لا يكون نفس العمل بعنوانه مستحبا و يكون الامر فيها لو كان فهو للارشاد.

و اما ان يكون المستفاد منها ترتب الثواب على نفس العمل، فيكون نفس العمل مستحبا بعنوانه و يكون الامر فيها مولويا، فحمل بعضها على التقييد و بعضها على عدم تقييد العمل ينافي وحدة المستفاد فيها.

او يكون اشارة الى ان الصحيحة مما يمكن ان يكون ذيلها قرينة على صدرها، و قد عرفت ان التفريع فيها و كون العمل بداعي بلوغ الثواب يقتضي ان يكون المشار اليه في ذيلها- بقوله كان اجر ذلك له- هو الثواب على العمل المتقيد، لا على نفس العمل، و لا اقل من ان يكون من مصاديق احتفاف الكلام بمحتمل القرينية

48

.....

____________

فتكون مجملة، و تبقى الروايات الأخر كرواية محمد بن مروان ظاهرة في كون الثواب فيها انقياديا.

او يكون اشارة الى ان الصحيحة لا دلالة لها على استحباب نفس العمل اصلا، لانها قد دلت على ثبوت الثواب لمن عمل مع فرض عدم وصول اخبار من بلغ له، لبداهة دلالتها على ان من عمل بمجرد بلوغه الثواب كان له الثواب بنحو القضية الخبرية عن فرض عامل عمل كذلك، و لا اشكال في ان من عمل كذلك انما عمل للبلوغ لا للاستحباب الذاتي.

و غاية ما يمكن ان يكون مبعدا له امور ثلاثة:

الاول: ظهور صدر الصحيحة في ان الثواب على نفس العمل.

و الجواب عنه: ان العمل انما يكون محققا للانقياد، اذ لا يعقل ان يتحقق الانقياد من دون العمل، و لا وجه للاخذ بهذا الظهور بعد تقييده بان الثواب منوط باتيانه بالتماس قوله النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

الثاني: ان اخبار من بلغ اذا دلت على ترتب الثواب على الانقياد فتكون ارشادية الى ما يحكم به العقل من حسن الانقياد و ثواب الانقياد، ثواب آخر غير الثواب الخاص المقرر لنفس العمل، و اخبار من بلغ صريحة في ان الثواب الموعود به هو الثواب الخاص دون مطلق الثواب، و مع كونه هو الثواب فهو ثواب من الشارع بما هو شارع لا بما هو رئيس العقلاء، و لازم كونه من الشارع جعل ملزومه و هو الحكم الاستحبابي.

و الجواب عنه: ان كون الثواب هو الثواب الخاص لا يستلزم جعل الحكم الاستحبابي، لان ثواب الشارع على الانقياد معين واقعا، و تعيينه لا يستلزم ان يكون ثوابا منه بما هو شارع، و لما كان المكلف يأتي به برجاء ذلك الثواب الذي بلغه فتفضل الشارع عليه و اخبره ان له على انقياده عين ذلك الثواب.

49

الثالث: إنه لا يخفى أن النهي عن شي‏ء، إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان، بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان و لو دفعة لما امتثل أصلا، كان اللازم على المكلف إحراز أنه تركه بالمرة (1) و لو

____________

[الثالث: جريان البراءة و عدمها في الشبهة الموضوعية التحريميّة]

الثالث: ان الظاهر من اخبار من بلغ هو الترغيب في العمل، و لازم الترغيب في العمل كون العمل بنفسه راجحا و محبوبا، و ليس الحكم الاستحبابي الا كون العمل بذاته محبوبا و راجحا.

و الجواب عنه: ان الترغيب في العمل انما هو لانه به يتمّ الانقياد، اذ لا يعقل ان يكون المكلف منقادا من دون ان يعمل، و ليس في اخبار من بلغ ظهور في ان العمل بذاته راجح و محبوب، بل تقييد الاتيان به برجاء قول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ربما يدل على خلاف ذلك.

(1) لما فرغ فيما سبق من جريان البراءة و عدمها في الشبهة الحكمية التحريمية ... أشار بهذا الامر الثالث الى الكلام في جريان البراءة و عدمها في الشبهة الموضوعية التحريمية التي يكون الشك فيها لاجل الشك في الانطباق، بعد وصول الحكم المتعلق بالكلي ... و الاحتمالات في المقام ثلاثة:

- جريان البراءة في الفرد المشكوك مطلقا.

- و عدم جريانها فيه مطلقا.

- و التفضل بين كون النهي التحريمي انحلاليا بحيث ينحل الى نواه متعددة بتعدد افراد الطبيعة، كالنهي عن الخمر فانه ينحل الى نواه متعددة بتعدد افراد طبيعة الخمر المتعلقة للنهي، و بين تعلقه بمجموع اعدام الطبيعة، و الفرق بين النحو الاول و النحو و الثاني هو ان النهي على النحو الاول يكون له اطاعات و عصيانات متعددة بتعدد افراد الطبيعة، بخلافه على النحو الثاني فانه لو وجد فرد من افراد الطبيعة و لو مرة واحدة في زمان واحد او في مكان واحد لتحقق العصيان، فتكون اطاعة هذا النهي بترك المجموع، و عصيانه بفعل فرد واحد من الافراد.

50

[أنحاء تعلق النهي بالطبيعة]

فاذا كان النهي على النحو الاول جرت البراءة في الفرد المشكوك، و ان كان النهي على النحو الثاني لم تجر البراءة، و هذا هو مختار الماتن (قدس سره).

و توضيح هذا التفصيل يتوقف على بيان امرين:

الاول: ان المصلحة الداعية الى الامر بالشي‏ء، تارة تكون في كل فرد من افراد الطبيعة و لذلك يكون الطلب عموما شموليا بنحو الكل الافرادي.

و اخرى تكون المصلحة قائمة بالطبيعة، و لكن بنحو يكون بمجرد حصول الطبيعة تتحقق المصلحة الداعية و لذلك يكون الطلب عموما بدليا.

و ثالثة: تكون المصلحة قائمة في مجموع افراد الطبيعة، بحيث يكون المطلوب مجموع الافراد على نحو لو ترك واحد منها لما حصل الامتثال اصلا، و بهذا يفترق عن النحو الاول، فانه فيه لكل فرد اطاعة و عصيان، فيمكن أن تكون للطبيعة عصيان باعتبار ترك فرد منها، و اطاعة باعتبار اتيان فرد آخر منها، بخلاف النحو الثالث فان الاطاعة لا تكون الّا باتيان المجموع، و العصيان يتحقق بترك فرد واحد منها، و يسمى الطلب فيه بالكلّ المجموعي، و يفترق عن الثاني بان اطاعته منوطة باتيان الكل، بخلاف الثاني فان اطاعته منوطة باتيان فرد من افراد الطبيعة، و تركه يكون بترك الكل او بترك ما عدا واحد من الكل، بخلاف الثاني فان تركه بترك الكلّ فقط، و اتيانه باتيان فرد من الافراد.

و في قبال الطلب المتعلق بالفعل بالانحاء الثلاثة النهي المتعلق بالترك فانه ايضا على انحاء ثلاثة:

الاول: ان يكون النهي المتعلق بالترك لقيام مفسدة بكل فرد من افراد الطبيعة، بحيث يكون لكل فرد من افرد الطبيعة اطاعة و عصيان، و عليه يكون النهي المتعلق بالطبيعة منحلا الى نواه متعددة بتعدد افراد الطبيعة، و يكون النهي على هذا عاما شموليّا افراديا.