الحاشية على كفاية الأصول - ج2

- السيد حسين البروجردي المزيد...
509 /
3

المقصد السادس الأمارات‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد السادس:

في بيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا

و قبل الخوض في ذلك، لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام،

و إن كان خارجا من مسائل الفن، و كان أشبه بمسائل الكلام، لشدة مناسبته مع المقام.

(1) (قوله: المقصد السّادس في بيان الأمارات المعتبرة ... إلخ) اعلم أنّه قبل الخوض في المقصود لا بأس في بيان صحة إطلاق الحجّة على القطع و عدمها و بأيّ اعتبار يصح الإطلاق، فيقال و على اللّه الاتكال: انّ شيخنا الأنصاري (قدس سره) ذهب إلى انّه لا يصحّ إطلاق الحجّة على القطع، كما يصحّ ذلك في سائر الأمارات، و ذلك لأنّ الحجّة بنظره الشريف عبارة عن الوسط الّذي به يحتج على ثبوت الأكبر (الّذي يكون محمولا في الكبرى) للأصغر (الّذي يكون موضوعا في الصغرى) و يصير واسطة للقطع بثبوته له، و على هذا فلا بدّ في إثبات متعلّق الأمارات بحيث يقطع بثبوتها من تأليف قياس مؤلّف من صغرى وجدانية و كبرى شرعية، و كانت الأمارة كالظنّ مثلا واسطة لإثبات الأكبر للأصغر، فيقال مثلا: «هذا مظنون الوجوب، و كل مظنون‏

6

..........

الوجوب فهو واجب» فينتج بالضرورة بأنّ مظنون الوجوب واجب جزما، و هذا بخلاف القطع، فانّ متعلّقه يكون ثابتا لدى القاطع بمجرد قطعه به من دون احتياج إلى تأليف قياس يقع القطع في وسطه لإثبات متعلّقه، فلا يقال: «هذا معلوم الخمريّة، و كل معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه» فانّ وجوب الاجتناب انّما يكون مترتبا على نفس الخمر لا عليها بوصف كونها معلومة.

و فيه ما لا يخفى، ضرورة انّ الوسط انّما يكون حجّة في إثبات الحكم المذكور في القضيّة المؤلّفة من الصغرى و الكبرى، لا في إثبات حكم آخر غير مذكور فيها، فانّه لا يصحّ إطلاق الحجّة عليه، و ما نحن فيه أي الأمارات تكون من قبيل الثاني، فلا يصح إطلاق الحجة عليها باعتبار وقوعها أوساطا مطلقا سواء أ كانت ظنّية، أو قطعيّة، و ذلك لأنّ الأمارات طرّا انّما تكون حجّة على ثبوت الأحكام الواقعيّة، و هي غير مذكورة في القضيّة التي تقع الأمارة وسطا فيها، و لا تكون حجّة على ثبوت الحكم المذكور فيها، و عليه فلا يصحّ إطلاق الحجّة عليها مطلقا سواء في ذلك القطع و الظنّ و غيرهما كما لا يخفى، فلا يختصّ عدم صحّة إطلاق الحجة بالقطع فقط باعتبار عدم وقوعه وسطا، بل يعمّ غيره من الأمارات الأخر فافهم، فانّ توسيط غير القطع من الأمارات الأخر لا بدّ و ان يثبت بها الحكم المذكور في القياس و ليس إلّا حكما ظاهريا، مع انّ حجيتها انّما تكون بالإضافة إلى إثبات الحكم الواقعي المحكي بها.

و بالجملة إطلاق الحجيّة على الأمارات انّما يصحّ بحسب اصطلاح الأصوليّين، فانّهم اصطلحوا عليها في باب الأدلّة بأنها عبارة عما يكون قاطعا للعذر و حجّة على المكلّف بأنّ مضمونها و مدلولها هو الواقع فيجب اتّباعها، و عليه‏

7

فاعلم: أن البالغ الّذي وضع عليه القلم،

يصحّ إطلاق الحجّة على القطع أيضا، فانّه بذاته يكون قاطعا لعذر المكلّف، و امّا بحسب اصطلاح المنطقيين من انّ الحجة عبارة عمّا يقع واسطة لثبوت الأكبر للأصغر فلا يصحّ مطلقا، حتى بالإضافة إلى غير القطع كما لا يخفى، ضرورة انّ الحجّة بالمعنى المذكور انّما تكون حجّة على إثبات الحكم المذكور في الكبرى، لا على إثبات حكم آخر غير مذكور، و توسيط الأمارات مطلقا انّما يكون مقتضيا لحكم آخر غير مذكور أعني به الحكم الواقعي كما لا يخفى فافهم.

(1) (قوله: انّ البالغ الّذي وضع عليه القلم.) اعلم انّ شيخنا الأنصاري (قدس سره) ذهب إلى تثليث الأقسام في المقام فقال: ان المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ فتارة يحصل له القطع بالحكم و مرّة الظن، و أخرى الشك، فورد عليه على ما أفاده المصنّف في تعليقته، بأنّ تثليث الأقسام بنحو المذكور في غير محلّه، ضرورة انّه ربما يتداخل الظنّ و الشك في الحكم مع انه في مقام الميز بينها و انفكاك كلّ واحد منها عن الآخر، و ذلك لأنه ربّ ظنّ لا يساعد على اعتباره دليل فيلحق بالشك من الرجوع إلى الأصول العمليّة، و رب شكّ اعتبر في مورد و لا يورث الظنّ كما إذا اعتبر خبر من لم يتحرّز عن الكذب، فانّ قضيّة اعتبار خبره، مع انه لا يوجب الظنّ بالحكم، الأخذ به، و لا يبقى معه مجال إلى الرجوع إلى الأصل أصلا.

فالأولى ان يقال: انّ المكلّف امّا ان يحصل له القطع بالحكم أو لا، و على الثاني امّا ان يقوم عنده طريق معتبر أولا، لئلا يتداخل الأقسام، مع انّا لا نحتاج إلى التثليث، بل يكفينا فيما يهمّنا التقسيم بالثنائية بإلغاء الظنّ، و نقول: انّ الحكم أعمّ من الواقعي و الظاهري، و مع تعميم الحكم لا يبقى إلّا القطع به أو الشك، و يمكن التقسيم بالثنائي على وجه لا يرد عليه شي‏ء، و هو بان يقال: انّ‏

8

إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري، متعلق به أو بمقلديه، فإما أن يحصل له القطع به، أو لا، و على الثاني، لا بد من انتهائه إلى ما استقل به العقل، من اتباع الظن لو حصل له، و قد تمت مقدمات الانسداد- على تقرير الحكومة- و إلا فالرجوع إلى الأصول العقلية: من البراءة و الاشتغال و التخيير، على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

المكلّف إذا التفت إلى حكم امّا ان يقوم عنده حجة على الحكم، سواء أ كانت الحجة عقليّة أم شرعيّة، أو لا يقوم، فعلى الأول المرجع هو الحجة على الحكم من القطع أو الأمارة المعتبرة، و على الثاني المرجع هو الأصول العمليّة من البراءة، و الاشتغال، و التخيير على حسب اختلافات المقامات و الأحوال.

(1) (قوله: إذا التفت إلى حكم فعليّ ... إلخ) انّما قيّد الحكم بالفعلي لأنّ الحكم عنده مقول بالتشكيك و له أربع مراتب:

الأولى: الحكم الاقتضائي و هو عبارة عن نفس المصلحة أو المفسدة التي تكون في نفس الأفعال من دون إنشاء حكم على طبقها.

الثانية: الحكم الإنشائي، و هو إنشاء الحكم على طبق ما يقتضي المرتبة الأولى من دون داعي الانبعاث و الانزجار.

الثالثة: الحكم الفعلي، و هو إنشائه بداعي الانبعاث و الانزجار.

الرابعة: الحكم التنجيزي، و هو وصوله إلى حد التنجّز.

و العلم بالمرتبة الأولى و الثانية لا يؤثر في شي‏ء فانّ الحكم في تلك المرتبتين ليس بحكم حقيقة، و الّذي يكون العلم به مؤثرا انّما هو وصوله إلى المرتبة الثالثة الّتي يعبّر عنها بالفعلي، و لذلك قيّده به.

و لكن التحقيق على ما أفاده السيّد الأستاذ هو انّه لا نحتاج إلى تقييد الحكم بالفعلي، لأنّه ليس للحكم إلّا مرتبة واحدة.

9

و إنما عممنا متعلق القطع، لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلقا بالأحكام الواقعية، و خصصنا بالفعلي، لاختصاصها بما إذا كان متعلقا به- على ما ستطلع عليه- و لذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- من تثليث الأقسام.

و إن أبيت إلا عن ذلك، فالأولى أن يقال: إن المكلف إما أن يحصل له‏

و هي الفعليّة، لأنّ المقول بالتشكيك عبارة عن حقيقة واحدة مختلفة بالشدّة و الضعف و الكمال و النقص و غيرها من سائر الاختلافات الّتي يمتاز بها مرتبة عن مرتبة أخرى، و يكون ما به الامتياز عين ما به الاشتراك فيها، كالبياض مثلا، فانّه بذاته يختلف و يمتاز مرتبة منه عن مرتبة أخرى لا بأمر خارج عن ذاته، و الحكم ليس كذلك، فانّ المصلحة أو المفسدة الكائنة في الأفعال ليست من مراتب الحكم بل علّة غائيّة له.

لا يقال: انّ المعلول مرتبة نازلة من العلّة كالحرارة بالإضافة إلى النار.

فانّه يقال: ان هذا انّما يكون في الأمور التكوينيّة، و امّا الأمور الشرعيّة فليست كذلك، لأنّ المصلحة الكائنة في الأفعال داعية إلى جعل الحكم على مقتضاها، و كذلك مرتبة الإنشاء لا بداعي البعث فانّه بمنزلة جسد بلا روح، فانّ داعي البعث بالإضافة إلى الإنشاء بمنزلة الروح من الجسد، فكما انّ الروح ليس من مراتب الجسد و بالعكس، و كذلك الجسد مع الروح ليس من مراتب الجسد بلا روح، فهكذا الإنشائي بالنسبة إلى الفعلي ليس أحدهما من مراتب الآخر.

و كذلك مرتبة التنجز ليست من مراتب الحكم، فان التنجّز يحصل بأمر خارج عن الحكم و هو علم المكلّف بالحكم.

إذا عرفت ذلك فظهر لك انّ الحكم حقيقة هو الفعلي ليس غير، و ما

10

القطع أو لا، و على الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا، لئلا تتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام، و مرجعه على الأخير إلى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع، و من يقوم عنده الطريق، على تفصيل يأتي في محله- إن شاء اللّه تعالى- حسبما يقتضي دليلها.

و كيف كان فبيان أحكام القطع و أقسامه، يستدعي رسم أمور:

الأمر الأوّل:

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا، و لزوم الحركة على طبقه جزما، و كونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق‏

سواه من المراتب المذكورة خارج عنه، و إطلاق الحكم عليها مسامحة، فلا احتياج إلى تقييد الحكم بالفعليّ كما قيّده المصنّف (قدس سره).

(1) (قوله: الأمر الأوّل لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع ... إلخ.) يمكن ان يراد بنفي الشبهة في وجوب العمل على وفق القطع نفيها عند القاطع و بنظره، و الحاكم على ذلك لديه تارة عقل نفسه، و حكمه على وجوب الاتّباع تارة يكون لأجل انكشاف الواقع عند القاطع تمام الانكشاف بما هو واقع لا بما هو مقطوع و منكشف عنده، و أخرى يكون ذلك بما هو مقطوع و منكشف بحيث يكون للقطع دخل في حكم وجوب الاتباع، و تارة الحاكم على ذلك عنده هو الشرع، و حكمه على وجوب العمل على وفق القطع لا يمكن إلّا لأجل الواقع المنكشف عنده بما هو واقع، لا بما هو منكشف و مقطوع بحيث يكون القطع داخلا في موضوع حكمه، و ذلك للزوم اجتماع المثلين فيما أصاب، و اجتماع الضدّين فيما أخطأ، و ان أبيت عن ذلك و قلت: انّ تعدد العنوان يكفي في ارتفاع المثلين أو الضدّين.

قلت: لا محالة يلزم منه التسلسل، ضرورة: انّ القطع إذا أخذ بنحو الموضوعية، فلا بد من قطع آخر يكون طريقا إلى إحراز المقطوع بما هو مقطوع. فيأتي الكلام‏

11

الذم و العقاب على مخالفته، و عذرا فيما أخطأ قصورا، و تأثيره في ذلك لازم، و صريح الوجدان به شاهد و حاكم، فلا حاجة إلى مزيد بيان و إقامة برهان.

فيه إلى ان يتسلسل، فتأمل [1].

و يمكن ان يراد بنفي الشبهة نفيها عند كل عقل، و ذلك بان يقال: انّ كل عقل يحكم بأنّ القطع لمّا كان كاشفا عن الواقع تمام الانكشاف منجّز للواقع، و مؤثّر في استحقاق العقوبة على ترك متابعته بحيث يحكم العقل بمذمة القاطع، و انّه يستحق العقوبة فيما إذا خالف قطعه و لم يعمل على طبقه.

نعم لا إشكال في حكم العقل على ذلك كما يشهد به الوجدان بحيث لا نحتاج في إثباته إلى مزيد بيان و إقامة برهان.

و انّما الإشكال في انّ حكم العقل على استحقاق العقوبة على ترك متابعة القطع هل يكون مقصورا على صورة إصابة القطع الواقع، بمعنى ان استحقاق العقوبة انّما يكون مترتبا على ترك الواقع بما هو تركه، أو يكون حكمه على ذلك مطلقا و ان لم يكن القطع مصيبا، بمعنى انّ استحقاق العقوبة يكون مترتبا على نفس مخالفة القطع و ان لم يكن مصيبا.

و بالجملة الكلام في ملاك حكم العقل باستحقاق العقوبة على ترك متابعة القطع في انّه هل يكون باعتبار انّ مخالفته موصلة إلى ترك الواقع، فيكون استحقاق العقوبة مقصورا في صورة إصابة القطع الواقع، أو يكون باعتبار مخالفة نفس القطع‏

____________

[1] لعلّ وجه التأمل هو عدم لزوم التسلسل أصلا، و ذلك لعدم الاحتياج إلى قطع آخر غير القطع الأوّل المتعلّق بذات المقطوع فانّه إذا حصل القطع بشي‏ء يكون طريقا إلى ذلك الشي‏ء الّذي فرض كونه جزءاً للموضوع، و هو بنفس ذاته العنواني الّذي فرض كونه جزءاً آخر له، طريق إلى نفسه بذات نفسه من دون احتياج إلى محرز آخر في إحرازه، فانّه محرز بذات نفسه، و بالجملة القطع مع كونه موضوعا يكون أيضا طريقا إلى ذات المقطوع و إلى نفس ذاته بذاته من دون احتياج إلى محرز آخر. و هذا نظير ما ذكرناه في تصحيح أخذ التقرّب و الداعي في متعلّق الأمر سابقا من عدم احتياج الداعي إلى داع آخر متعلّق بالدّاعي، و كفاية ذاته عنه بذاته.

12

و لا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل، لعدم جعل تأليفي حقيقة بين‏

و موضوعيّته لاستحقاق العقوبة و ان لم تكن مخالفته موصلة إلى ترك الواقع كما إذا أخطأ الواقع، و الكلام فيه موكول إلى البحث في التجرّي، فان قلنا هناك باستحقاق العقوبة على التجرّي قلنا في المقام باستحقاق العقوبة على نفس مخالفة القطع بما هي هي، و ان لم نقل هناك به قلنا في المقام بأنّ الاستحقاق مترتب على ترك الواقع بما هو هو.

و إذا عرفت انّ القطع بحكم العقل منجّز، للتكليف الفعلي فيما أصاب الواقع، و عذر للمكلّف فيما أخطأ عن الواقع، ظهر لك انّ القاطع إذا خالف قطعه و لم يعمل به يستحقّ العقوبة و يصحّ عقابه على مخالفته مطلقا سواء أصاب أم أخطأ على القول بأنّ المتجري يستحق العقوبة، أو في صورة الإصابة كما هو الحق.

و انّه إذا عمل على طبق قطعه و صادف الواقع كان مثابا، و في صورة الخطاء كان معذورا إذا كان خطؤه عن قصور لا عن تقصير بأن لا يكون منشأ قطعه أسباب و مقدّمات منهيّة كالقطع الحاصل من القياس، فانّه و ان لم يكن للقاطع مخالفة قطعه ذلك، و لا يصحّ للمولى زجره عن العمل بقطعه، إلّا انّه يصحّ للمولى مؤاخذة عبده على فوت الواقع بسبب قطعه، فانّه على المفروض ممنوع عن الاقتحام فيما يكون معرضا للخطإ و مؤدّيا إليه نوعا، و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، كمن أسقط نفسه بالاختيار عن شاهق، فلا بدّ من النّظر في الأدلّة و الأمارات التي جعلت مقياسا للأحكام و إحرازها، و هي الّتي تؤدّي نوعا إلى الواقع، بحيث يكون خطائه عن الواقع نادرا، و هذا بخلاف منجزيته فيما أصاب، فانّه و ان حصل من المقدمات المنهيّة لكن بعد حصوله لا يصحّ للقاطع مخالفته فانّه حجّة عليه و يصحّ للمولى الاحتجاج عليه به بأنه لم خالفت الواقع مع انكشافه عندك؟ و ليس للعبد الاعتذار بأنك زجرتني عن الاقتحام فيما يؤدّي نوعا إلى الخلاف و الخطاء.

(1) (قوله: و لا يخفى انّ ذلك لا يكون بجعل جاعل ... إلخ.) اعلم انّه إذا عرفت بأنّ القطع بنفس ذاته كاشف عن الواقع تمام الانكشاف،

13

الشي‏ء و لوازمه، بل عرضا بتبع جعله بسيطا.

و بذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا، مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا، و حقيقة في صورة الإصابة، كما لا يخفى.

ثم لا يذهب عليك أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا، و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز، و استحقاق العقوبة على المخالفة، و إن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة، و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي، و لا مخالفته عن عمد بعصيان، بل كان مما سكت اللّه عنه، كما في الخبر، فلاحظ و تدبر.

نعم، في كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين، على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى، مع ما هو التحقيق في دفعه، في التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري، فانتظر.

و انّ المنجزيّة و الحجيّة و المعذّرية من لوازمه الغير المفارقة له في الوجود، و غير المتأخّرة عنه، بل تكون ضروري الثبوت للقطع، فلا يمكن ان تناله يد الجعل لا إثباتا و لا نفيا تكوينا و تشريعا.

امّا إثباتا تكوينا فلأنّ الجعل التكويني، الّذي يكون عبارة عن الإصدار، لا يمكن تعلّقه بما يكون ضروريّ الثبوت للشي‏ء و من لوازمه غير المتأخرة عن الشي‏ء في الوجود، كالزوجيّة بالنسبة إلى الأربعة، فانّها ضروري الثبوت لها و لا تفارقها في الوجود، فيكون إصدار الزوجيّة عين إصدار الأربعة، و لا يتعلّق بها جعل غير الّذي تعلّق بالأربعة، فكذلك التنجز و الحجيّة بالإضافة إلى القطع، فانّ التنجّز كما عرفت من لوازم غير المنفكّة عن القطع، و ضروري الثبوت له، فتعلّق الجعل التكويني بالملزوم أي القطع يغني عن تعلّقه بلوازمه غير المفارقة عنه في الوجود أعني التنجّز و الحجيّة و المعذرية، للزوم اللغويّة و تحصيل الحاصل.

و بالجملة الأمور الاعتباريّة المنتزعة عن الشي‏ء، و هي الّتي لا وجود لها في‏

14

الأمر الثاني:

قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة، و المثوبة على الموافقة في صورة الإصابة، فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإصابة على التجرّي بمخالفته، و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته، أو لا يوجب شيئا؟.

الحق أنه يوجبه، لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته، و ذمه على تجريه، و هتكه لحرمة مولاه و خروجه عن رسوم عبوديته، و كونه بصدد الطغيان، و عزمه على العصيان، و صحة مثوبته، و مدحه على قيامه بما هو قضية عبوديته، من العزم على موافقته و البناء على إطاعته، و إن قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة،

نفس الأمر سوى وجود منشأها، كالزوجيّة المنتزعة عن الأربعة، و الحجيّة المنتزعة عن القطع، لا تصلح لتعلّق الجعل التأليفي بها. و لا لجعل البسيط حقيقة و واقعا، نعم يتعلّق الجعل بها عرضا تبعا لجعل البسيط المتعلّق بمنشئها كما لا يخفى.

(1) (الأمر الثاني قد عرفت انّه لا شبهة في انّ القطع يوجب استحقاق العقوبة ... إلخ) اعلم انّ القطع إذا تعلّق بالوجوب أو الحرمة بعنوان عام أو بمصداق واجب أو حرام فلا كلام في استحقاق العقاب على المخالفة و الثواب على الإطاعة فيما إذا أصاب الواقع بلا شك و ارتياب، و انّما الإشكال و الكلام فيما أخطأ عن الواقع فانّه محل النزاع بين الاعلام و مجمل الكلام فيما أفاده المصنّف من بيان ما هو الحق من انّ التجرّي يوجب استحقاق العقاب، و هو مترتب على عزم العصيان لا على مجرّد سوء سريرة العبد كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري، و لا على فعل المتجري به باعتبار أنّ القطع بالوجوب انّما يوجب و يحدث في المقطوع حسنا مستتبعا للوجوب الشرعي و ان لم يكن بحسب الواقع وجوب أصلا، و كذلك القطع بالحرمة كما توهمه بعض، هو أنّ مناط استحقاق العقاب‏

15

ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة، بمجرد سوء سريرته أو حسنها، و إن كان مستحقا للّوم أو المدح بما يستتبعانه، كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة.

و بالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو لوما، و إنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا إلى أحدهما، إذا صار بصدد الجري على طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم، و ذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك، و حسنها معه، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة و العصيان، و ما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان.

و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري [به‏] أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن‏

و الثواب انّما هو صدق الإطاعة و العصيان، و هو موجود في المقام لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذة من كان بصدد هتك حرمة مولاه و خروجه عن رسم عبوديّته، و أنّ الاستحقاق انّما يكون مترتبا على عزمه على العصيان كما أشار إليه بقوله: «انّه يوجب بشهادة الوجدان»، لا انّه مترتّب على سوء سريرته كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري، فانّه لا يكاد يوجب الاستحقاق، و ذلك لأنّ الصفة الكائنة في النّفس ما لم تبلغ في مرتبة الظهور و لم يصدر على طبقها فعل في عالم الشهود خارجة عن الاختيار، و مع كونها كذلك لا يوجب شيئا كما لا يخفى سوى المدح أو الذم مع إمكان منع ذلك أيضا كما أشار إليه بقوله: «و ان قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة بمجرّد سوء سريرته .. إلخ، كما انّ الاستحقاق لا يترتب على الفعل المتجري به كما توهّمه بعض بزعم انّ القطع بالحرمة انّما يحدث في الفعل المتجري به جهة قبح و ان لم يكن بحسب الواقع قبيحا أصلا، كما انّ القطع بالوجوب يحدث جهة حسن فيه و هاتان الجهتان تستتبعان الوجوب الشرعي و الحرمة الشرعية و عليه يتصف الفعل المتجري به‏

16

أو القبح، و الوجوب أو الحرمة واقعا، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصفة، و لا يغير جهة حسنه أو قبحه بجهته أصلا، ضرورة أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح عقلا و لا ملاكا للمحبوبية و المبغوضية شرعا، ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى، بسبب قطع العبد بكونه محبوبا أو مبغوضا له. فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له، و لو اعتقد العبد بأنه عدوّه، و كذا قتل عدوه، مع القطع بأنه ابنه، لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا.

هذا مع أن الفعل المتجري به أو المنقاد به، بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا، فإن القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي، بل لا يكون غالبا بهذا العنوان مما يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا؟ و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا؟ و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلا إذا كانت اختيارية.

بالوجوب أو الحرمة و ان لم يكن بحسب الواقع كذلك.

و وجه عدم ترتّب الاستحقاق على المتجرّى به هو انّ الفعل المتجرّى به لا يتغيّر به عمّا هو عليه من الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة واقعا بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه واقعا، و إلّا لزم فيما أصاب اجتماع الحسنين أو القبيحين و الوجوبين أو الحرمتين مع انّه باطل بلا ريب، مضافا إلى انّ القطع بالحسن و القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح، و ذلك لأنّ قتل ابن المولى لا يخرج عن المبغوضيّة بسبب قطع العبد بأنه عدوّه، و مضافا إلى استحالة توجيه الطلب إلى من لا يكاد ان يلتفت إليه، و ذلك لأنّ القاطع لا يقصده إلّا بما قطع انّه عليه من عنوانه الواقعي لا بعنوان انّه متعلّق قطعه فانّه مغفول عنه و خارج عن الاختيار، كما أشار إليه بقوله: «و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري به ... إلخ».

17

إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع، و هل كان العقاب عليها إلا عقابا على ما ليس بالاختيار؟.

قلت: العقاب إنما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار.

إن قلت: إن القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار، و هي ليست باختيارية، و إلا لتسلسل.

قلت:- مضافا إلى أن الاختيار و إن لم يكن بالاختيار، إلا أن بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار، للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه‏

ان قلت: لو لم يكن الفعل معنونا بعنوان انّه مقطوع الحرمة أو الوجوب لما يبقى وجه لاستحقاق العقاب بعد منعه و منع موجبه و هو سوء السريرة.

قلت: العقاب انّما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان على كونه خارجا عن الاختيار، و لا على سوء سريرة العبد مع كونها خارجة عن الاختيار.

ان قلت: هذا كرّ على ما فرّ، فانّ العزم و القصد انّما يكون من مبادئ الاختيار، و انّ الفعل انّما يصير بالإرادة اختيارا و ليست نفس الإرادة اختياريا و إلّا لتسلسل.

قلت: نعم و لكن ربما تكون الإرادة اختياريّة باعتبار بعض مباديها الاختيارية من النّظر و التفكر فيما يوجب الميل إلى فعل محرّم أو ترك واجب، مع إمكان صرفه إلى ترك الحرام و فعل الواجب باعتبار التفكر فيما يوجب صرف الميل و الشوق.

هذا مضافا إلى انّه يمكن ان يقال: انّ حسن المؤاخذة و العقوبة انّما يكون من تبعات بعد العبد عن سيّده بتجرّيه عليه و ان لم يكن باختياره، بل كان‏

18

من تبعة العقوبة و اللوم و المذمّة- يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة و العقوبة إنما يكون من تبعة بعده عن سيّده بتجرّيه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنه يوجب البعد عنه، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، و إن لم يكن باختياره إلا أنه بسوء سريرته و خبث باطنه، بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و إمكانه، و إذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال ب (لم) فإن الذاتيات ضروري الثبوت للذات.

باعتبار خبث باطنه، السعيد سعيد في بطن أمّه، و الشقي شقي في بطن أمّه، و التفاوت بينهما يكون ذاتيا و الذاتي لا يعلّل، و بما ذكرنا ظهر انّه لا احتياج في إثبات العقاب على التجرّي على ما ذكره الشيخ في طريق إثباته من البرهان فراجع كلامه يظهر لك الحال، هذا كلّه ما أفاده المصنّف (قدس سره).

و التحقيق على ما ذهب إليه السيّد الأستاذ يحتاج إلى بيان ما يمكن ان يقع النزاع فيه و ما هو الحق فيقال و على اللّه الاتكال: ممّا يمكن ان يقع النزاع فيه هو انّه هل يحكم على الفعل المتجرّي به انّه واجب أو حرام شرعا باعتبار تعلّق القطع بها أولا، و هي مسألة فرعيّة، كما يظهر من كلام الشيخ في أواخر هذا البحث انه جعل النزاع فيه، و ان أشرنا آنفا بأنه (قدس سره) ذهب إلى ترتّب الاستحقاق على سوء سريرة العبد، فانّه لا تنافي بينهما، و على هذا فيمكن ان يكون موضوع الوجوب و التحريم هو القطع بهما مطلقا سواء كان الواقع كذلك أم لا، كما يمكن ان يكون بشرط عدم الإصابة، و يمكن ان يكون الموضوع هو العزم على المخالفة.

و يمكن النزاع أيضا في انّه هل يتّصف الفعل المقطوع بكونه حراما أو واجبا بالقبح و الحسن العقليين، بسبب القطع أو لا؟ فتكون المسألة عقليّة، و عليه جلّ المحقّقين كصاحب «الكفاية» و السيّد الأستاذ، و عليه أيضا يمكن ان‏

19

و بذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان؟ و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا؟ و الإنسان لم يكون ناطقا؟.

و بالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى و البعد عنه، سبب لاختلافها في استحقاق الجنة و درجاتها، و النار و دركاتها، [و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدم نيلها]، و تفاوتها في ذلك بالأخرة يكون ذاتيا، و الذاتي لا يعلل.

إن قلت: على هذا، فلا فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار.

قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته، لتكمل به نفسه، و يخلص مع ربه أنسه، ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، قال اللّه تبارك و تعالى:

يكون موضوع حكم العقل بالحسن و القبح هو ما يكون موضوعا للحكم الشرعي في التحرير الأول.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّه و ان كان كلّ منهما ممكنا إلا انّه لم يكن دليل على انّ مقطوع الوجوب واجب بعنوان انّه مقطوع الوجوب، و كذلك مقطوع الحرمة، بل يمكن القطع بأنه لم يرد من الشرع في ذلك خبر و لا أثر، فالنزاع الأوّل يسقط عن الاعتبار، و ينحصر النزاع في الثاني، و التحقيق فيه على ما أفاده السيّد الأستاذ هو انّ العقل حاكم مستقلّ باستحقاق العقاب بلا إشكال و ارتياب، و انّما الكلام في مناط حكمه، هل هو الحسن الطاري على المقطوع وجوبه باعتبار تعلّق القطع به، و كذلك القبح العارض على المقطوعة حرمته باعتبار القطع بها، كما توهمه بعض و ليس بصحيح، ضرورة انّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه من الحسن و القبح بسبب القطع، و على هذا فالفعل المتجرّى به لا يصير حسنا و لا قبيحا، بل يكون باقيا على الحال الّذي كان عليه من دون ان يحدث القطع فيه شيئا.

20

وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏

و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته، ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة، كيلا يكون للناس على اللّه حجة، بل كان له حجة بالغة.

و لا يخفى أن في الآيات و الروايات، شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة، و معه لا حاجة إلى ما استدل على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: إنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار، من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته و اختياره، مع بطلانه و فساده، إذ للخصم أن يقول بأن استحقاق العاصي دونه، إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه، و هو مخالفته عن عمد و اختيار، و عدم تحققه فيه لعدم مخالفته أصلا، و لو بلا اختيار، بل عدم صدور فعل منه في بعض افراده بالاختيار، كما في التجري بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام، كما إذا قطع مثلا بأن مائعا خمر، مع أنه لم يكن‏

أو يكون مناط حكم العقل و موضوعه هو العزم على المعصية و الطغيان، كما ذهب إليه المصنّف (قدس سره)، و هذا أيضا في غير محلّه، فانّ العزم و الإرادة خارج عن الاختيار، و ما يكون كذلك لا يتصف بالحسن أو القبح، و كذلك سوء السريرة و حسنها كما لا يخفى.

و إذا عرفت عدم صحة المناطين ظهر لك ان المناط في قبح التجرّي و استحقاق العقوبة هي شي‏ء آخر و هو على التحقيق العصيان و الطغيان على المولى، كما انّ موضوع حكم العقل باستحقاق العقوبة في المعاصي الحقيقيّة هو الطغيان فكذلك في التجرّي، لأنّ العصيان و الطغيان بملاكه و هو خروج العبد عن رسوم العبودية و كونه بصدد الشقاق مع مولاه موجود في المتجرّي بلا تفاوت بينهما أصلا، لأنّ المتجرّي على المولى خارج عن رسوم العبودية كما انّ مرتكب المعصية الحقيقيّة أيضا خارج عن العبوديّة بلا تفاوت في الخروج، نعم بينهما

21

بالخمر، فيحتاج إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

ثم لا يذهب عليك: إنه ليس في المعصية الحقيقية إلا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة، و هو هتك واحد، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم، مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما، كما لا يخفى.

تفاوت و هو إصابة قطع أحدهما دون الآخر، و هذا التفاوت لا يؤثّر في ملاك الاستحقاق شيئا فإنّ الإصابة و عدمها خارجان عن الاختيار.

و بالجملة انّ حكم العقل بالقبح في التجري و باستحقاق العقوبة في المتجري مثل حكمه في العصيان الحقيقي و العاصي الواقعي فكما انّ حكمه في قبح المعصية الحقيقية و تقبيح العاصي و استحقاقه للعقوبة انما يكون باعتبار انّ العاصي الحقيقي كان بصدد مخالفة مولاه، و خرج بذلك عن رسم العبوديّة التي يحكم العقل بحكم إلزاميّ على القيام بها من دون اعتبار وقوع العبد في المفاسد المترتبة على ذوات الأفعال مع قطع النّظر عن تعلّق النهي من الشارع بها.

كذلك حكمه في المقام موجود بعين الاعتبار و الملاك بلا تفاوت أصلا، فانّ المتجرّي أيضا خرج عن رسم العبودية و انما التفاوت بينهما انّ العاصي الحقيقي يقع في المفسدة المترتّبة على المنهي عنه بخلاف المتجري فانّه سالم عن الوقوع فيها و ذلك لا يوجب تفاوتا في حكم العقل و استقلاله بالقبح و الاستحقاق فيهما على السواء، و ذلك لاتّحاد الملاك في المقامين، و بذلك ظهر أيضا انّه ليس في المقامين إلّا عقاب واحد مترتب على نفس المخالفة، و ان كان عقاب آخر مترتب على نفس الفعل باعتبار مفسدة ذاته في العصيان الحقيقي، لا بنحو التداخل كما توهّم.

22

و لا منشأ لتوهمه، إلا بداهة أنه ليس في معصية واحدة إلا عقوبة واحدة، مع الغفلة عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الإنّ عن وحدة السبب.

الأمر الثالث:

إنه قد عرفت أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب، يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب، أو الذم و العقاب، من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب، و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه، لا يماثله و لا يضاده، كما إذا ورد مثلا في الخطاب أنّه (إذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدق بكذا) تارة بنحو يكون تمام الموضوع، بأن يكون القطع بالوجوب مطلقا و لو أخطأ موجبا لذلك، و أخرى بنحو يكون جزؤه و قيده، بأن يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجبا له، و في كل منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه، و آخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به، و ذلك لأن القطع لما كان من‏

(1) (قوله: الأمر الثالث انّه قد عرفت ان القطع بالتكليف ... إلخ) اعلم انّه لا بدّ من تقديم مقدمة لا تخلو عن الفائدة فيما يهمّنا من إمكان أخذ القطع في موضوع الحكم و عدمه، و هي: انّ متعلق القطع لا بدّ و ان يكون متحصلا و متحققا بنفسه مع قطع النّظر عن تعلّق القطع به، و من دون مدخليته في تحصله، و ذلك لبداهة تأخر القطع عن المقطوع بالطبع و تفرّع الكشف على المنكشف، فلا يمكن ان يكون القطع موجبا لتحقق متعلقه، و لا يجوز أخذه في متعلقه شرعا مطلقا سواء كان المتعلّق موضوعا أو حكما، ضرورة عدم إمكان أخذ المتأخر في المتقدم، مثلا إذا قطع بوجوب لا يمكن أخذه في الوجوب الّذي تعلق به للزوم الدور، و هذا بخلاف ما إذا أخذ في غير متعلقه، كما إذا أخذ في موضوع حكم آخر مخالف لنفس متعلقه، فانّه بمكان من الإمكان كما إذا ورد مثلا في الخطاب إذا قطعت بوجوب شي‏ء مثلا يجب عليك التصدق بكذا، فان القطع بالوجوب في هذه القضيّة أخذ في موضوع حكم آخر و هو وجوب التصدق.

23

الصفات الحقيقية ذات الإضافة- و لذا كان العلم نورا لنفسه و نورا لغيره- صح أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة، بإلغاء جهة كشفه، أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها، كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه، فتكون أقسامه أربعة، مضافا إلى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ في الموضوع شرعا.

ثم لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة- بدليل حجيتها و اعتبارها- مقام هذا القسم، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما أخذ في‏

إذا عرفت هذا فاعلم انّه قد يؤخذ القطع في موضوع حكم آخر بنحو يكون تمام الموضوع، بان يكون القطع بالوجوب في المثال المذكور مثلا موجبا لوجوب التصدق و ان لم يكن بحسب الواقع وجوب الشي‏ء الكذائي واقعا و محققا و كان القطع به خطاء واقعا.

و تارة أخرى يؤخذ بنحو يكون جزء له و قيده. بان يكون القطع بالوجوب مع كون الوجوب محققا واقعا موجبا لوجوب التصدق، بحيث كان للقطع و الوجوب كليهما دخل في وجوب التصدق، بحيث إذا انتفى أحدهما انتفى الوجوب الآخر.

و في كل من القسمين قد يؤخذ القطع بما هو كاشف عن متعلّقه، بحيث تكون جهة الكشف فيه منظورا في أخذه، و قد يؤخذ بما هو صفة خاصّة، بإلغاء جهة الكشف فيه، فالأقسام أربعة، مضافة إلى قسم آخر لمطلق القطع، و هو القطع الطريقي، و هو طريق بحث و كشف محض غير مأخوذ في الموضوع شرعا.

(1) (قوله: ثمّ لا ريب في قيام الطرق و الأمارات ... إلخ) اعلم انّه لا شبهة في قيام الطرق غير العقلية مقام القطع فيما إذا كان القطع طريقا محضا غير مأخوذ في الموضوع شرعا، فانّه يستفاد من دليل حجيتها

24

الموضوع على نحو الصفتية من تلك الأقسام، بل لا بد من دليل آخر على التنزيل، فإن قضية الحجية و الاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار، لا له بما هو صفة و موضوع، ضرورة أنه كذلك يكون كسائر الموضوعات و الصفات.

و منه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الكشف، فإن القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعا، كسائر ما لها دخل في الموضوعات أيضا، فلا يقوم مقامه شي‏ء بمجرد حجيته، و قيام دليل على اعتباره، ما لم يقم دليل على تنزيله، و دخله في الموضوع كدخله، و توهم كفاية دليل الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه و جعله بمنزلة القطع، من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقا فيقوم مقامه طريقا كان أو موضوعا، فاسد جدّاً.

فإن الدليل الدالّ على إلغاء الاحتمال، لا يكاد يكفي إلا بأحد التنزيلين،

تنزيلها منزلة القطع في كونه طريقا إلى الواقع، فتقوم مقامه بنفس دليل التنزيل، من غير حاجة إلى دليل آخر.

و امّا إذا كان القطع مأخوذا في الموضوع امّا بإلغاء جهة كشفه، أو مع لحاظ كشفه، فقيام الطرق غير العلميّة مقام القطع في كونه موضوعا للحكم تمامه أو بعضه، و تنزيلها منزلة القطع في كونه موضوعا بنفس دليل حجيتها محلّ إشكال بل منع، و ان كان يمكن ذلك بدليل آخر غير دليل الحجيّة، و بيان المنع يحتاج إلى بيان مقدّمة:

و هي انّه معلوم انّ تنزيل موضوع منزلة موضوع آخر في إثبات حكمه للمنزّل انّما يكون باعتبار ثبوته له في عرض ثبوته للمنزّل عليه غير متأخر عنه كتنزيل عقد الولي مثلا منزلة عقد الزوج في حصول الزوجيّة، و تنزيل الأمارة نفسها منزلة القطع في كونه موضوعا لحكم في ثبوت ذلك الحكم لها كما لا يخفى.

بخلاف تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع في ترتب ما يكون للواقع من الآثار

25

حيث لا بد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه، و لحاظهما في أحدهما آليّ، و في الآخر استقلالي، بداهة أن النّظر في حجيته و تنزيله منزلة القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع و مؤدى الطريق، و في كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما، و لا يكاد يمكن الجمع بينهما.

نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما، يمكن أن يكون دليلا على التنزيلين، و المفروض أنه ليس، فلا يكون دليلا على التنزيل إلا بذاك اللحاظ اللئالي، فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه، و صحة العقوبة على مخالفته في صورتي إصابته و خطئه بناء على استحقاق المتجري، أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي، فيكون مثله في دخله في الموضوع، و ترتيب ما له عليه من الحكم الشرعي.

لا يقال: على هذا لا يكون دليلا على أحد التنزيلين، ما لم يكن هناك قرينة في البين.

فإنه يقال: لا إشكال في كونه دليلا على حجيته، فإن ظهوره في أنه بحسب اللحاظ اللئالي مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه، و إنما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه، فتأمل في المقام فإنه دقيق و مزالّ الأقدام للأعلام.

على مؤداها، فانّ ثبوت تلك الآثار المترتبة على الواقع لمؤدّى الأمارة بدليل حجيتها انّما يكون مترتبا على ثبوته للواقع و متأخرا عن ثبوته له، و بعبارة أخرى ثبوت هذا الحكم الظاهري أي ما أدت إليه الأمارة انّما يكون في طول الواقع و مترتبا عليه، بحيث ان لم يكن للواقع المحكي بها مع قطع النّظر عن قيام الأمارة أثر أصلا يكون قيام الأمارة لغوا بل محالا كما لا يخفى، و لذا يعبّر عن ذلك الحكم الّذي أدّت إليه الأمارة بالظاهري مرّة، و بالواقعي الثانوي أخرى.

إذا، عرفت ذلك ظهر لك انّه لا بدّ في دليل اعتبار الأمارات و حجيتها من‏

26

و لا يخفى أنه لو لا ذلك، لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد- دالّ على إلغاء احتمال خلافه- مقام القطع بتمام أقسامه، و لو فيما أخذ في الموضوع على نحو الصفتية، كان تمامه أو قيده و به قوامه.

فتلخص ممّا ذكرنا: إن الأمارة لا تقوم بدليل اعتبارها إلا مقام ما ليس بمأخوذ في الموضوع أصلا.

و أما الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلتها- أيضا- غير الاستصحاب، لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام، من تنجز التكليف و غيره- كما مرت إليه الإشارة- و هي ليست إلا وظائف مقررة للجاهل في مقام العمل شرعا أو عقلا.

لا يقال: إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان.

فإنه يقال: أما الاحتياط العقلي، فليس إلا لأجل حكم العقل بتنجز التكليف، و صحة العقوبة على مخالفته، لا شي‏ء يقوم مقامه في هذا الحكم.

و أما النقلي، فإلزام الشارع به، و إن كان مما يوجب التنجز و صحة العقوبة على المخالفة كالقطع، إلّا أنه لا نقول به في الشبهة البدوية، و لا يكون بنقلي في المقرونة بالعلم الإجمالي، فافهم.

ثم لا يخفى إن دليل الاستصحاب أيضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ

التنزيلين و اللحاظين: لحاظ تنزيل نفس الحاكي و الأمارة منزلة القطع حتى يكون تنزيل نفس الحاكي بما هو شي‏ء و موضوع منزلة القطع كذلك، و لحاظ تنزيل المحكي منزلة الواقع، و لا يخفى وضوح التنافي بين اللحاظين، بحيث لا يكاد يمكن الجمع بينهما في خطاب واحد يكون من قبيل صدّق العادل و ألغ احتمال الخلاف، فكيف يمكن ان يتوجه في إنشاء الإلزام بالتصديق و إلغاء احتمال‏

27

في الموضوع مطلقا، و إن مثل (لا تنقض اليقين) لا بد من أن يكون مسوقا إما بلحاظ المتيقن، أو بلحاظ نفس اليقين.

و ما ذكرنا في الحاشية- في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع و القطع، و أن دليل الاعتبار إنما يوجب تنزيل المستصحب و المؤدى منزلة الواقع، و إنما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما، و تنزيل القطع بالواقع تنزيلا و تعبدا منزلة القطع بالواقع حقيقة- لا يخلو من تكلف بل تعسف.

فإنه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده، بما هو كذلك بلحاظ أثره، إلا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان، أو تنزيله في عرضه، فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع، ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر، فيما لم يكن محرزا حقيقة، و فيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة، كما في ما نحن فيه- على ما عرفت- لم يكن دليل الأمارة دليلا عليه أصلا، فإن دلالته على تنزيل المؤدى تتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة، و لا دلالة له كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدى، فإن الملازمة إنما تكون بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي، و تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى، فتأمل جيّدا، فإنه لا يخلو عن دقة.

الخلاف، و النّظر إلى الأمارة من حيث حكايتها عن الواقع نظر إلى المحكي من جهة فنائه فيه، و من جهة النّظر إليها نفسها من دون اعتبار حكايتها عن الواقع نظر آخر، و لا يمكن الجمع بينهما في خطاب واحد.

و ليعلم أيضا ان لا فرق فيما ذكرنا من عدم إمكان اجتماع التنزيلين في خطاب واحد و عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، بمجرد دليل حجيتها، بين ان يؤخذ القطع على نحو الصفة الخاصة، أو يؤخذ على نحو الكشف و الطريقيّة، كما يستفاد هذه التفرقة من كلام الشيخ، فانّ ظاهر كلامه يدلّ على‏

28

ثم لا يذهب عليك أنّ هذا لو تمّ لعمّ، و لا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذا على نحو الكشف.

الأمر الرابع:

لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور، و لا مثله للزوم اجتماع المثلين، و لا ضده للزوم اجتماع الضدين، نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضده.

و أما الظن بالحكم، فهو و إن كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون، إلا أنه لما كان معه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، كان جعل حكم آخر في مورده- مثل الحكم المظنون أو ضده- بمكان من الإمكان.

إن قلت: إن كان الحكم المتعلق به الظن فعليا أيضا، بأن يكون الظن متعلقا بالحكم الفعلي، لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعلي آخر مثله أو ضده، لاستلزامه الظن باجتماع الضدين أو المثلين، و إنما يصح أخذه في موضوع حكم آخر، كما في القطع، طابق النعل بالنعل.

قلت: يمكن أن يكون الحكم فعليا، بمعنى أنه لو تعلق به القطع- على ما هو عليه من الحال- لتنجز و استحق على مخالفته العقوبة، و مع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلف، برفع جهله لو أمكن، أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن،

انّ سائر الطرق و الأمارات تقوم مقام القطع بمجرّد دليل حجيّتها فيما إذا أخذ في الموضوع على نحو الكاشفيّة، بخلاف ما إذا أخذ على نحو الصفة الخاصّة، فأورد عليه صاحب «الكفاية» بعدم الفرق بينهما، هذا ما أفاده المصنّف و اختاره السيّد الأستاذ أيضا، و لكن في تشقيقه القطع الموضوعي على قسمين: المأخوذ على نحو الصفة، و على نحو الكاشفيّة، ما لا يخفى، ضرورة انّ كون القطع صفة خاصّة عبارة عن انكشاف الواقع لدى القاطع و كونه كاشفا عن متعلّقه يكون‏

29

بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة، و إلى ضده أخرى، و لا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده، كما لا يخفى، فافهم.

إن قلت: كيف يمكن ذلك؟ و هل هو إلا أنه يكون مستلزما لاجتماع المثلين أو الضدين؟.

قلت: لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك المعنى- أي لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز- مع حكم آخر فعلي في مورده بمقتضى الأصل أو الأمارة، أو دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص، على ما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهري و الواقعي.

الأمر الخامس:

هل تنجز التكليف بالقطع- كما يقتضي موافقته عملا- يقتضي موافقته التزاما، و التسليم له اعتقادا و انقيادا؟ كما هو اللازم في الأصول الدينية و الأمور الاعتقادية، بحيث كان له امتثالان و طاعتان، إحداهما بحسب القلب و الجنان، و الأخرى بحسب العمل بالأركان، فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاما و لو مع الموافقة عملا، أو لا يقتضي؟ فلا يستحق العقوبة عليه، بل إنما يستحقها على المخالفة العملية.

عين انكشاف الواقع عنده، فلا معنى لإلغاء جهة كشفه و اعتباره صفة خاصّة مرّة، و عدم إلغائها و اعتباره كاشفا مرّة أخرى، و على هذا فالقطع الّذي يكون عبارة عن الكشف التامّ تارة يكون صرف الطريق إلى الواقع، و أخرى يكون مأخوذا في الموضوع من غير تفصيل و تشقيق، و استفادة المصنف و غيره من كلام الشيخ (قدس سره)، تقسيم القطع الموضوعي إلى صفة خاصّة و إلى كونه كاشفا، و الحكم بقيام الأمارات مقامه بمجرّد دليل حجيّتها في القسم الثاني، مع انّ كلام الشيخ ليس ظاهرا فيما استفيد منه، خلاف الظاهر، فانّ كلامه (قدس سره) ناظر إلى انّ القطع ينقسم في مقام الإثبات إلى قسمين: الموضوعي و الطريقي، و يؤخذ

30

الحق هو الثاني، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان بذلك، و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده إلا المثوبة دون العقوبة، و لو لم يكن متسلما و ملتزما به و معتقدا و منقادا له، و إن كان ذلك يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيده، لعدم اتصافه بما يليق أن يتصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه و الانقياد لها، و هذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا، كما لا يخفى.

ثم لا يذهب عليك، إنه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية، لو كان المكلف متمكنا منها لوجب، و لو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملا، و لا يحرم المخالفة القطعية عليه كذلك أيضا لامتناعهما، كما إذا علم إجمالا بوجوب شي‏ء أو حرمته، للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعا، و الانقياد له و الاعتقاد به بما هو الواقع و الثابت، و إن لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة.

و إن أبيت إلا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه، لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة، و لما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا، فإن محذور الالتزام بضد التكليف عقلا ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة، مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي إلا الالتزام بنفسه عينا، لا الالتزام به أو بضده تخييرا.

و من هنا قد انقدح أنه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول‏

في لسان الدليل تارة طريقا، و مرة أخرى موضوعا، إلّا انّ غرضه من التقسيم المذكور ليس في مقام الثبوت بل في مقام الإثبات فقط، كما إذا ورد في دليل مثلا:

«إذا علمت عدالة زيد فاقتد به» فانّ العلم المأخوذ في لسان هذا الدليل بالإضافة إلى العدالة تارة يلاحظ طريقا إليها من دون مدخليّة له في جواز الاقتداء، و تارة أخرى يلاحظ دخيلا في جوازه.

31

الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية، مع قطع النّظر عنه، كما لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به.

إلا أن يقال: إن استقلال العقل بالمحذور فيه إنما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام و الاقتحام في الأطراف، و معه لا محذور فيه، بل و لا في الالتزام بحكم آخر.

إلا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، مع عدم ترتب أثر عملي عليها، مع أنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية، مضافا إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه، للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها، كما ادعاه شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه، و إن كان محل تأمل و نظر، فتدبر جيّدا.

الأمر السادس:

لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما يترتب على القطع من الآثار عقلا، بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف، و من سبب ينبغي حصوله منه، أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه، كما هو الحال غالبا في القطّاع، ضرورة أن‏

ان قلت: فأيّ فائدة في هذا التقييد في الصورة الأولى؟

قلت: التعبير به انّما يكون لبيان ما هو المتعارف من إحراز الواقع، فانّ طريق الإحراز غالبا هو العلم، فافهم.

(1) (قوله: الأمر السادس لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما رتّب على القطع من الآثار ... إلخ) اعلم انّه إذا عرفت انّ حجيّة القطع عقلي لا شرعي ظهر انّه لا تفاوت عند العقل في حجيّته بين ان يحصل من المقدمات السمعيّة النقليّة، أو يحصل من المقدّمات العقليّة، و لا فرق أيضا بين ان يكون القاطع شخصا خاصا مثل ان لا يكون قطّاعا، و بين كونه كذلك، بحيث يحكم العقل بصحة مؤاخذة القاطع مطلقا

32

العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله، و صحة مؤاخذة قاطعه على مخالفته، و عدم صحة الاعتذار عنها بأنه حصل كذلك، و عدم صحة المؤاخذة مع القطع بخلافه، و عدم حسن الاحتجاج عليه بذلك، و لو مع التفاته إلى كيفية حصوله.

نعم ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعا، و المتبع في عمومه و خصوصه دلالة دليله في كل مورد، فربما يدل على اختصاصه بقسم في مورد، و عدم اختصاصه به في آخر، على اختلاف الأدلة و اختلاف المقامات، بحسب مناسبات الأحكام و الموضوعات، و غيرها من الأمارات.

و بالجملة القطع فيما كان موضوعا عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع، و لا من حيث المورد، و لا من حيث السبب، لا عقلا- و هو واضح- و لا شرعا، لما عرفت من أنه لا تناله يد الجعل نفيا و لا إثباتا، و إن نسب إلى بعض الأخباريين أنه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية، إلا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها، و أنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شي‏ء و حكم الشرع بوجوبه، كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر في باب الملازمة، فراجع.

فيما إذا خالف قطعه، و لا خلاف في ذلك إلّا من الأخباريّين مع انّ كلامهم في ذلك قابل للحمل على ما لا ينافي حكم العقل، من انّ عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية انّما يكون فيما إذا لم تكن مفيدة إلّا الظنّ، أو غيره من المحتملات الأخر.

نعم غاية ما يمكن ان يقال في المقام: هو انّ الشارع إذا معنى عن النّظر في بعض المقدّمات، و لكن المكلّف خالف الشارع، و نظر في تلك المقدمات الممنوعة، و قطع بالحكم منها، ثم أخطأ قطعه عن الواقع لا يكون معذورا و يصحّ عقابه على ترك الواقع، و ذلك لعدم دليل عقلي على المعذورية في الفرض المذكور،

33

و إما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية، لأنها لا تفيد إلا الظن، كما هو صريح الشيخ المحدث الأمين الأسترآبادي (رحمه اللّه) حيث قال- في جملة ما استدل به في فوائده على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في السماع عن الصادقين (عليهم السلام):

الرابع: إن كل مسلك غير ذلك المسلك- يعني التمسك بكلامهم (عليهم الصلاة و السلام)- إنما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم اللّه تعالى، و قد أثبتنا سابقا أنه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها) و قال في جملتها أيضا- بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة- ما هذا لفظه:

(و إذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم (عليهم السلام) فقد عصمنا من الخطأ، و إن تمسكنا بغيره لم يعصم عنه، و من المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا و عقلا، أ لا ترى أن الإمامية استدلوا على وجوب العصمة بأنه لو لا العصمة للزوم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ، و ذلك الأمر محال، لأنه قبيح، و أنت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى)، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و ان كان على القاطع العمل على طبق قطعه، بحيث ان خالف قطعه و لم يعمل على طبقه و صادف الواقع يصحّ عقابه عند العقل و الاحتجاج عليه، هذا في مقام الثبوت، و انّما الكلام في مقام الإثبات في أنه هل يكون في البين ما يدلّ على النهي عن التوغل في المقدّمات العقليّة المحضيّة، أو لا؟

لا يبعد دلالة الروايات الناهية عن العمل بالقياس على الأول لكن بمعونة العلل الواردة فيها من انّ الدين أبعد من عقول العباد و غيره من سائر التعليلات فراجع حتى يظهر لك الحال.

34

و ما مهده من الدقيقة هو الّذي نقله شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- في الرسالة.

و قال في فهرست فصولها أيضا:

(الأول: في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى شأنه، و وجوب التوقف عند فقد القطع بحكم اللّه، أو بحكم ورد عنهم (عليهم السلام))، انتهى.

و أنت ترى أن محل كلامه و مورد نقضه و إبرامه، هو العقليّ الغير المفيد للقطع، و إنما همّه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع.

و كيف كان، فلزوم اتباع القطع مطلقا، و صحة المؤاخذة على مخالفته عند إصابته، و كذا ترتب سائر آثاره عليه عقلا، مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلا عن فاضل، فلا بد فيما يوهم خلاف ذلك في الشريعة من المنع عن حصول العلم التفصيليّ بالحكم الفعلي لأجل منع بعض مقدماته الموجبة له، و لو إجمالا، فتدبر جيّدا.

الأمر السابع:

إنه قد عرفت كون القطع التفصيليّ بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه، لا تكاد تناله يد الجعل إثباتا أو نفيا، فهل القطع الإجمالي كذلك؟.

(1) (قوله: الأمر السابع انّه قد عرفت كون القطع التفصيليّ ... إلخ) اختلفوا في انّ العلم الإجمالي منجّز للتكليف أو لا، و على فرض التنجيز هل هو على نحو الاقتضاء بمعنى انه منجّز لو لم يمنع مانع عقلا أو شرعا، أو يكون بنحو العلّية بحيث لا يمنع عن تأثيره مانع، بعد الاتفاق على انّ القطع التفصيليّ بالتكليف منجز له بنحو العلّية التامّة.

فذهب بعض إلى عدم تأثير العلم الإجمالي حتى بنحو الاقتضاء كما نسب إلى المحقق الخوانساري و القمي.

35

فيه إشكال، ربما يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف، و كانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة، جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالا بل قطعا، و ليس محذور مناقضته مع المقطوع إجمالا [إلّا] محذور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة الغير المحصورة، بل الشبهة البدوية، ضرورة عدم‏

و ذهب بعض إلى التفصيل فقال: انّه منجز للتكليف بنحو العلّية بحيث لا يقبل المنع كالقطع التفصيليّ بالإضافة إلى المخالفة القطعيّة، يعني بالإضافة إلى جميع الأطراف، و بنحو الاقتضاء بالإضافة إلى المخالفة الاحتماليّة، يعني بالإضافة إلى بعض الأطراف، بحيث يقبل المنع كإذن الشارع في الاقتحام في البعض، كما اختاره الشيخ الأنصاري.

و ذهب بعض إلى انّه منجّز للتكليف بنحو الاقتضاء مطلقا في جميع الأطراف و بعضها بحيث يقبل المنع كإذن الشارع في الاقتحام، كما هو مختار المصنف.

و ذهب بعض إلى انّه منجز بنحو العلّية مطلقا، سواء كان بالإضافة إلى الجميع أم إلى البعض، بمعنى انّه لا يقبل الاذن في الاقتحام حتى في بعض الأطراف كما اختاره السيّد الأستاذ (مدّ ظله العالي).

إذا عرفت الأقوال فيه فاعلم انه لا بدّ قبل الخوض في المطلوب من تحرير محل النزاع هنا حتى يمتاز عن البحث في البراءة و الاشتغال، فنقول: البحث هنا يكون في مقامين:

الأوّل: هو البحث في انّ العلم الإجمالي لو خلّى و طبعه مع قطع النّظر عن المانع هل هو منجّز كالتفصيلي، أو ليس منجزا باعتبار طروّ الجهل؟

الثاني: البحث في انّه هل يمكن ان يمنع مانع عن تنجيزه كإذن الشارع في الاقتحام، أو لا يمكن، و هذا البحث بعد الفراغ عن إثبات تنجيزه.

36

تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي و الإذن بالاقتحام في مخالفته بين الشبهات أصلا، فما به التفصّي عن المحذور. فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضا، كما لا يخفى، [و قد أشرنا إليه سابقا، و يأتي إن شاء اللّه مفصلا].

و هذا ممّا اتفق عليه الشيخ و المصنّف (قدس سرهما) و السيّد الأستاذ (مدّ ظله).

و انّما الكلام في انّ تنجيزه هل يكون بنحو العلّية التامّة، كالتفصيلي فلا يمكن ان يمنع عنه مانع، أو يكون بنحو الاقتضاء فيقبل المنع؟

ذهب الشيخ الأنصاري إلى انّ العلم الإجمالي علّة تامّة بالإضافة إلى جميع الأطراف و لا يمكن الاذن في الاقتحام فيها بجواز ترك الجميع و المخالفة القطعيّة، و مقتض للتنجز بالإضافة إلى بعض الأطراف، و دليله على ذلك هو لزوم التناقض في الأوّل دون الثاني، و ذلك لبداهة المنافاة بين البعث و الزجر الفعليين و الاذن في الاقتحام و الترخيص في المخالفة القطعيّة، بخلاف الترخيص في ترك أحد المحتملين و الاقتحام في المخالفة الاحتمالية، فانّه لا يلزم منه تناقض إلّا احتمالا.

و توهم انّ الاذن في الاقتحام في بعض الأطراف ربما يلازم ترك الواقع و إلقاء المكلّف في محذور المخالفة فيما إذا صادف الواقع.

مدفوع بأنه يمكن ان يكون البعض المأتيّ به بدلا عن الواقع بجعل الشارع، فلا يلزم محذور المخالفة و إلقاء المكلّف في ترك الواجب أو فعل الحرام، فافهم.

و امّا البحث في الاشتغال و البراءة فهو انّما يكون لبيان وجود المانع عقلا أو شرعا.

37

نعم كان العلم الإجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء، لا في العلّية التامة، فيوجب تنجز التكليف أيضا لو لم يمنع عنه مانع عقلا، كما كان في أطراف كثيرة غير محصورة، أو شرعا كما في ما أذن الشارع في الاقتحام فيها، كما هو ظاهر (كل شي‏ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه).

و بعبارة أخرى: البحث في المقام انما يكون في أنّ العلم الإجمالي هل يكون مقتضيا للتنجّز أو لا؟

و بعد الفراغ عن تنجيزه الاقتضائي يبحث فيه انه هل يمكن ان يمنع مانع عن تأثيره أو لا؟ فان أثبتنا انّه منجز للتكليف و يمكن ان يمنع عنه مانع فهو منجّز اقتضائي محض، فنبحث عن ثبوت المانع، و ان أثبتنا انّه لا يمكن لمانع ان يمنع عن تنجيزه فهو علة تامة للتنجّز، و لا يبقى مجال للبحث عن ثبوت المانع و عدمه.

إذا تقرّر ذلك فاعلم انّه لا إشكال في تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي لو خلّي و طبعه، كالتفصيلي، و انّه يجب الإتيان بجميع الأطراف بحيث ان لم يأت المكلّف بأحدها و صادف الواقع يستحقّ العقوبة إذا كان التكليف وجوبيّا، و كذلك التحريم، و ذلك لاستقلال العقل بصحّة العقوبة و المؤاخذة على المخالفة حتى بالإضافة إلى الاحتمالية منها كما لا يخفى، و ملاك حكم العقل في المقام هو انّه لمّا رأى انّ المولى لا يرضى بترك مطلوبه على كلّ حال، و لو في ضمن سائر الأطراف، حكم بوجوب الإتيان بجميع الأطراف، و انّ العبد لا يعذّر في ترك بعضها إذا صادف ذلك البعض الواقع، و لا يصحّ له الاعتذار بأني ما علمت انّه هو الواقع بل احتملت.

و ذهب المصنّف (قدس سره) إلى انّ القطع الإجمالي مقتض للتنجّز لا علّة تامّة مطلقا حتى بالإضافة إلى جميع الأطراف و المخالفة القطعيّة، بمعنى انّه‏

38

و بالجملة: قضية صحة المؤاخذة على مخالفته، مع القطع به بين أطراف محصورة و عدم صحتها مع عدم حصرها، أو مع الإذن في الاقتحام فيها، هو كون القطع الإجمالي مقتضيا للتنجز لا علة تامة.

و أما احتمال أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية، و بنحو

يمكن ان يأذن المولى في ترك جميع المحتملات و الأطراف بلا محذور تناقض أصلا، و ذلك لعدم انكشاف التكليف تمام الانكشاف، باعتبار تردده بين الأطراف و المحتملات، فلا مانع من جعل حكم ظاهريّ من الإباحة و غيرها باعتبار جهل المكلّف، و محذور المناقضة مع المقطوع الإجمالي انّما هو محذور المناقضة بين الحكم الظاهري و الواقعي في الشبهة غير المحصورة بل الشبهة البدويّة، و سيأتي إن شاء اللّه في بحث الظنّ الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، و انّه لا منافاة بينهما أصلا، و ان أغمضنا عن ذلك يكون احتمال المناقضة كالقطع بثبوتها في الاستحالة كما لا يخفى، فتأمّل تعرف.

و لكن التحقيق على ما ذهب إليه السيّد الأستاذ هو انّ العلم بالتكليف و ان كان إجمالا منجز له بنحو العلّية التامّة مطلقا، حتى بالإضافة إلى بعض الأطراف، بمعنى انّه إذا علم المكلّف بوجوب شي‏ء أو حرمته و لو إجمالا يستقلّ العلم بوجوب الإتيان بجميع الأطراف لتحصيل مطلوب المولى، بحيث يحكم بصحّة المؤاخذة في صورة المخالفة و لو كانت في بعض الأطراف فيما إذا صادف ذاك البعض الواقع، و لا يمكن الاذن في الاقتحام فيها و الترخيص في الترك و لو بالنسبة إلى بعض الأطراف للزوم التناقض بنظر القاطع، لأنّ المكلّف إذا علم بأنّ للمولى مطلوبا يطلبه طلبا حتميا و بعث إليه بعثا فعليا، أو مبغوضا يزجر عنه كذلك، بحيث لا يرضى بترك الأول و فعل الثاني حتى في حال التردّد و الاشتباه الحاصل من قبل المكلّف بواسطة جهله على المفروض، فترخيص المولى و اذنه‏

39

العلية بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية و ترك المخالفة القطعية، فضعيف جدا.

ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة، فلا يكون عدم القطع بذلك معها موجبا لجواز الإذن في الاقتحام، بل لو صح الإذن في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضا، فافهم.

ينافي بعثه الفعلي و زجره، فإذا ورد في مقام الإثبات ما يدلّ على الترخيص لا بدّ من حمله أو طرحه كما لا يخفى.

نعم ان لم يكن الأمر بهذه المثابة، بمعنى أنّ المكلّف علم انّ الشي‏ء الفلاني مطلوب للمولى و بعث إليه بعثا فعليّا و لا يرضى بتركه، و لكن بعثه إليه كذلك و عدم رضائه بتركه انّما يكون فيما إذا لم يكن موجبا لوقوع العبد في المشقّة زيادة على مشقّة الإتيان بنفس المطلوب، كما إذا اشتبه المطلوب بين أشياء يكون الإتيان بها تحصيلا لمطلوب المولى عسرا و مشقّة على العبد، فاذن المولى في هذه الصورة لا ينافي بعثه، كالحرام المشتبه بين أشياء غير محصورة.

و بعبارة أخرى: الأحكام الصادرة عن الشارع بحسب المصالح و المفاسد تكون على قسمين:

قسم منها يكون بحسب المصلحة و المفسدة بمثابة يكون مطلوبا أو مبغوضا على كل حال بحيث لا يرضى المولى بترك الأوّل و فعل الثاني مطلقا و ان كان الإتيان بها موجبا لوقوع المكلّف في كلفات كثيرة زائدة على كلفة أصل المطلوب، ففي هذا القسم إذا علم المكلّف به، و ان اشتبه بين أطراف يكون الإتيان بها لتحصيل أصل المطلوب شاقّا و عسرا عليه، لا يمكن الاذن في الترك أو الفعل مطلقا، حتى بالإضافة إلى بعض الأطراف، للزوم التناقض و التنافي عند القاطع.

و قسم منها لا يكون بهذه المثابة، بمعنى انّه انّما يكون مطلوبا فيما إذا لم‏

40

و لا يخفى أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك، كما أن المناسب في باب البراءة و الاشتغال- بعد الفراغ هاهنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو الاقتضاء لا العلية- هو البحث عن ثبوت المانع شرعا أو عقلا و عدم ثبوته، كما لا مجال بعد البناء على أنه بنحو العلية للبحث عنه هناك أصلا، كما لا يخفى.

يكن موجبا لوقوع العبد في كلفات زائدة على كلفة أصل المطلوب، كأكثر الأحكام فيما إذ اشتبه بين أطراف غير محصورة، ففي هذا القسم إذا علم المكلّف بالحكم و اتفق الاشتباه فيه عليه فاذن المولى بتركه لا يعدّ مناقضا و لا منافيا كما لا يخفى.

و إثبات هذين القسمين يحتاج إلى النّظر في أدلّة الأحكام، و يرجع الأمر إلى حجيّة إجماليّة، فلا بدّ من النّظر إلى تلك الحجّة القائمة على الحكم الّذي اشتبه بين الأطراف، و إلى الحجة الناهضة على الاذن و أقوائيّة أحدهما على الآخر فيتبع الأقوى.

و بالجملة ان كان المراد بالعلم الإجمالي هو القطع الجزمي بالتكليف الفعلي على جميع التقادير حتى في حال اشتباه متعلقه، فالعقل يستقل بصحة عقوبة من خالفه و مثوبة من أطاعه، و لا يصحّ عنده الترخيص في الاقتحام و الاذن في المخالفة و لو كانت احتمالية، فانّ حكم العقل باستحقاق العقوبة في المخالفة القطعيّة انّما يكون باعتبار ترك مطلوب المولى و تفويت غرضه، و هو بعينه موجود في المخالفة الاحتمالية فيما إذا صادف الواقع بلا تفاوت فيه أصلا كما لا يخفى.

و على هذا فلا وجه لما ذهب إليه الشيخ من ان تنجّز التكليف به بالإضافة إلى المخالفة الاحتمالية يكون بنحو الاقتضاء لا بنحو العلّية، كما لا وجه أيضا لما ذهب إليه المصنّف من انّه يكون بنحو الاقتضاء مطلقا، كما لا يخفى للزوم التناقض عند القاطع.

41

..........

و ان كان المراد به هو العلم بالحجّة، إذ التردد في متعلّقه، مثل إطلاق آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... (1) ... إلخ.

و تردّدت الميتة بين شيئين أو الأشياء، فالمرجع هو الحجّة الإجمالية، و اللازم هو ان ينظر في ذاك الدليل، فان كان له ظهور في الإطلاق، بحيث يشمل صورة الاشتباه، و لم يكن في البيان حجّة أقوى ناهضة على الترخيص فيها يحكم بثبوته حتى في هذا الحال، و لازم ذلك هو الاجتناب عن جميع الأطراف، و ان لم يكن كذلك، أي لا يكون دليل على ثبوته في صورة الاشتباه أو كانت في البين حجّة أقوى ناهضة على الاذن في الاقتحام تحكم بعدم ثبوته في حال الاشتباه، و لازمه عدم لزوم الاجتناب عن جميع الأطراف بل جواز ارتكابها و لا يلزم من ذلك تناقض، فانّه يستكشف من هذا الدليل الأقوى انّه لم تكن إرادة بعث أو زجر من أول الأمر، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا ظهر لك انّه لا وجه للاختلاف في انّ تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي هل يكون بنحو العلّية أو بنحو الاقتضاء، فانّه في القسم الأول لا شبهة في كون العلم منجّزا له بنحو العلّية و لو كان إجمالا، و في القسم الثاني فان لم يكن دليل على ثبوت الحكم أو كانت في البين حجة أقوى ناهضة على الاذن، فلا تنجز أصلا، و ان كان من قبيل القسم الأول من القسم الثاني فيكون التنجيز فيه اقتضائيا أي قابلا للمنع، و كونه اقتضائيا انّما هو في مقام الإثبات لا الثبوت كما لا يخفى.

و لا وجه أيضا في دفع التناقض للتمسّك بأنّ مرتبة الحكم الظاهري مع‏

____________

(1) سورة المائدة: 5.

42

هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف و تنجزه به، و أما سقوطه به بأن يوافقه إجمالا، فلا إشكال فيه في التوصليات. و أما [في‏] العباديات فكذلك فيما لا يحتاج إلى التكرار، كما إذا تردد أمر عبادة بين الأقل و الأكثر، لعدم الإخلال بشي‏ء مما يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها،

العلم الإجمالي محفوظة باعتبار الشك في الواجب أو الحرام، و الشك فيه موضوع للحكم الظاهري الّذي هو في المقام الاذن في الاقتحام كما ذهب إليه المصنف، و ذلك لأنّ موضوع الحكم الظاهري الثانوي هو الشك في الحكم الواقعي الأوّلي كما أشار إليه المصنّف في تضاعيف كلماته، و المقام ليس كذلك، فانّ الحكم الواقعي معلوم قطعا، فافهم و تأمّل.

(1) (قوله: و اما سقوطه به بان يوافقه إجمالا فلا إشكال فيه في التوصليات و اما في العبادات فكذلك .. إلخ) لا بدّ قبل الخوض في المطلوب من تحرير محل النزاع فنقول: ان القوم قد جعلوا محلّ النزاع عبارة عن انّه هل يجوز الاحتياط و هل يكفي الموافقة الإجمالية في مقام الامتثال و هل يسقط التكليف به، أو لا بدّ من الامتثال التفصيليّ.

و لكنه في غير محلّه، ضرورة انّ الموافقة الإجماليّة ان كانت عبارة عن موافقة الاحتياط الّذي هو الإتيان بجميع ما يكون له دخل في حصول المطلوب أو يحتمل دخله فيه فلا شبهة في جوازها و كفايتها، و ان كانت غيرها فلا وجه لتسميتها احتياطا و لا وجه أيضا في كفايتها.

فالحريّ ان يجعل النزاع في انه بما ذا يحصل الاحتياط و الموافقة، و انه في صورة الامتثال الإجمالي هل يمكن الإتيان بجميع ما له دخل أو يحتمل دخله في حصول الغرض، كقصد الوجه و التميز و غيرهما، أو لا يمكن؟

43

مما لا يمكن أن يؤخذ فيها، فإنه نشأ من قبل الأمر بها، كقصد الإطاعة و الوجه و التمييز فيما إذا أتى بالأكثر، و لا يكون إخلال حينئذ إلا بعدم إتيان ما احتمل جزئيته على تقديرها بقصدها، و احتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف في الغاية و سخيف إلى النهاية.

فان كان الاحتياط بذاك المعنى ممكنا، أو قام الدليل على عدم المدخلية فلا شبهة في الجواز و الكفاية، و ان لم يكن ممكنا و لم يقم دليل على عدم الاعتبار فلا شبهه في عدم الكفاية، فيما إذا أمكن الامتثال التفصيليّ، و انما الإشكال في تعيين ما له دخل في حصول المطلوب، و الفرق بين التفصيليّ و الإجمالي في مقام الامتثال، و تحقيق الحال يحتاج إلى بسط المقال فنقول و على اللّه الاتكال: انّه لا إشكال في السقوط في التوصليات كغسل الثوب و غيره فانّ المطلوب فيها ليس إلّا وجودها في الخارج بأيّ وجه اتّفق و ان وجدت من غير التفات، و مطلق الحكم التحريمي كذلك، فانّ الغرض فيه يتعلق بنفس ترك متعلّقه بأيّ وجه حصل، و امّا في العبادات فالامتثال الإجمالي فيها امّا يحتاج إلى التكرار، أولا، و الثاني و هو الّذي لا يحتاج إلى التكرار. و الترديد فيه بين الأقل و الأكثر، و هو لا يخلو عن أمور: الأوّل ان يكون الترديد بين مانعية شي‏ء و عدمها، و الثاني ان يكون بين شرطية شي‏ء و عدمها، و الحكم فيهما سهل، ضرورة ان ترك الأول و فعل الثاني لا يحتاجان إلى شي‏ء غير نفس الترك و الفعل، لأنّهما من التوصليات الّتي لا تحتاج إلى القصد أصلا.

و الثالث ان يكون الترديد فيه بين جزئيّة شي‏ء و عدمها. و هو تارة يكون باعتبار انّها تكون من الاجزاء المستحبة أو الوجوبية، و أخرى يكون من حيث أصل الجزئية باعتبار احتمال اللغوية، و على الأول يمكن ان يستشكل من جهة الإخلال بالوجه فيه، و التفصي منه على المختار، من انّ الأوامر تتعلّق بالطبائع،

44

و أما فيما احتاج إلى التكرار، فربما يشكل من جهة الإخلال بالوجه تارة، و بالتمييز أخرى، و كونه لعبا و عبثا ثالثة.

و أنت خبير بعدم الإخلال بالوجه بوجه في الإتيان مثلا بالصلاتين المشتملتين على الواجب لوجوبه، غاية الأمر أنه لا تعيين له و لا تمييز فالإخلال إنّما يكون به، و احتمال اعتباره أيضا في غاية الضعف، لعدم عين منه و لا أثر في الأخبار، مع أنه مما يغفل عنه غالبا، و في مثله لا بد من التنبيه على اعتباره و دخله في الغرض، و إلا لأخل بالغرض، كما نبهنا عليه سابقا.

و أما كون التكرار لعبا و عبثا، فمع أنه ربما يكون لداع عقلائي، إنما يضر إذا

لا الافراد كما توهم، واضح لا ريب فيه، لأن قصد الوجه محفوظ، فانّ الأمر المتعلق بالطبيعة على ما هو المفروض وجوبي، و الداعي إلى إتيان الفرد و ان كان محتويا للاجزاء المستحبة ليس إلّا ذاك الأمر الوجوبيّ، و ذاك الفرد يكون من أفضل افراد الطبيعة، و امّا بناء على تعلّقها بالافراد فالتفصّي عنه موقوف على عدم اشتراط نيّة الوجه كما هو الحق، و تفصيل ذلك في محلّه.

و على الثاني فما يمكن ان يقال في وجه الإشكال انّما من جهة الإخلال بقصد الجزئيّة ان اعتبرناه، و بنيّة الوجه أيضا ان قلنا بتعلّق الأوامر بالافراد، و التفصّي عنهما مبنيّ على عدم اشتراطهما كما هو الحقّ.

و امّا الّذي يحتاج إلى التكرار فربّما يستشكل فيه من جهة الإخلال بالوجه تارة، و بالتميز أخرى، و كونه لعبا و عبثا ثالثة.

و لكنه بأقسامه مدفوع، امّا الأوّل فواضح، ضرورة عدم الإخلال به أصلا، و ذلك لأنّ الداعي إلى التكرار و الإتيان بكل واحد من الأطراف انّما هو الأمر الوجوبيّ ليس غير غاية الأمر انّه مردّد بين تعلّقه بهذا أو ذاك فالإخلال انّما يكون بالتميز و التعيين، و احتمال اعتبار مثل ذلك في غاية الضعف و السقوط،

45

كان لعبا بأمر المولى، لا في كيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها، كما لا يخفى، هذا كله في قبال ما إذا تمكن من القطع تفصيلا بالامتثال.

و أما إذا لم يتمكن إلا من الظن به كذلك، فلا إشكال في تقديمه على الامتثال الظني لو لم يقم دليل على اعتباره، إلا فيما إذا لم يتمكن منه، و أما لو قام على اعتباره مطلقا، فلا إشكال في الاجتزاء بالظني، كما لا إشكال في الاجتزاء بالامتثال الإجمالي في قبال الظني، بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد، بناء على أن يكون من‏

و ذلك لعدم عين منه، و لا أثر في الاخبار، مع انّه ممّا يغفل عنه غالبا، و في مثله لا بدّ من التنبيه على اعتباره و دخله في حصول الغرض و إلّا لأخلّ بالغرض، هذا مع انّه يمكن التمسّك بالبراءة في رفعه كما يأتي في مسألة البراءة إن شاء اللّه.

هذا كلّه فيما إذا كان الامتثال التفصيليّ و القطع به ممكنا، أو تمكّن عن الأخذ بالحجّة القائمة على إثبات الأكثر في مسألة الأقلّ و الأكثر، أو على التعيين و التشخيص في مسألة التردد بين المتباينين، فانّه عليه يصحّ البحث في الاجزاء و عدمه، و ذلك لأنّ الإتيان بالمأمور به بجميع ما يحتمل في حصوله في هذا المقام ممكن.

و امّا إذا لم يمكن الامتثال إلّا بنحو الإجمال و الاحتياط، بحيث كان يدور الأمر بين ترك الامتثال رأسا و بين الامتثال كذلك، فلا شبهة في وجوبه فضلا عن جوازه عقلا و شرعا.

و لا يخفى عليك انّ التمكن من الأخذ بالحجة انّما يفيد في تعيين العمل على طبقها فيما إذا كان مفاد دليل الحجيّة جعل حكم مماثل لمؤدّاها، و امّا إذا كان مفاده تنجيز الواقع فيما أصابت الواقع، و عذرا للمكلّف فيما أخطأت فلا كما لا يخفى، و ذلك لأنّه على الأول يتمشّى من المكلّف القصد البتيّ الجزمي عند العمل على طبق الحجة، فانّه على الفرض يحصل له القطع بما قامت عليه الحجة.

46

مقدماته عدم وجوب الاحتياط، و أما لو كان من مقدماته بطلانه لاستلزامه العسر المخل بالنظام، أو لأنه ليس من وجوه الطاعة و العبادة، بل هو نحو لعب و عبث بأمر المولى فيما إذا كان بالتكرار، كما توهّم، فالمتعين هو التنزل عن القطع تفصيلا إلى الظن كذلك.

و عليه: فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد و الاجتهاد، و إن احتاط فيها، كما لا يخفى.

هذا بعض الكلام في القطع مما يناسب المقام، و يأتي بعضه الآخر في مبحث البراءة و الاشتغال، فيقع المقال فيما هو المهم من عقد هذا المقصد، و هو بيان ما قيل باعتباره من الأمارات، أو صح أن يقال، و قبل الخوض في ذلك.

بخلاف الثاني فانّه عليه لا يتمشّى منه القصد البتّي الجزمي لمكان احتمال خطائها عن الواقع، و معه لا يحصل القطع بما قامت عليه الحجّة حتى يتمشّى منه القصد كذلك، اللهمّ إلّا ان يقال بكفاية قصد الامتثال على مقدار ما قامت عليه الحجّة في حصول الغرض و لا يخلو ذلك من وجه فافهم و تأمّل.

و حاصل المرام في المقام هو البحث عن الاجزاء بالاحتياط في الامتثال و عدمه، و لا ريب في الاجزاء به بعد كونه احتياطا بمعنى انّ الإتيان بالمأمور به بجميع ما يحتمل في حصول الغرض لا ريب في اجزائه، و انّما الكلام في كون الامتثال الإجمالي احتياطا، باعتبار فقدان ما يحتمل في حصول الغرض من قصد الجزئيّة و الوجه و التميز، و ذلك لا يكون إلّا إذا تمكّن من القطع التفصيليّ أو الحجّة، سواء كانت ثابتة بدليل خاصّ أو بمقدّمات دليل الانسداد.

و توهم انّ بطلان الاحتياط من المقدّمات التي يعتبر بها الظنّ المطلق، فلا محيص حينئذ إلّا من الأخذ بالظنّ، و لا يجوز الأخذ بالاحتياط في الامتثال.

مدفوع بأنّ بطلان الاحتياط باعتبار كونه موجبا لاختلال النظام انّما

47

ينبغي تقديم أمور:

أحدها:

إنه لا ريب في أن الأمارة الغير العلمية، ليس كالقطع في كون الحجية من لوازمها و مقتضياتها بنحو العلية، بل مطلقا، و أن ثبوتها لها محتاج إلى جعل أو ثبوت مقدمات و طروء حالات موجبة لاقتضائها الحجّية عقلا، بناء على‏

يكون فيما إذا كان على نحو التام في جميع الأحكام بالإضافة إلى كافة الأنام، و البحث في المقام انّما يكون في جواز الأخذ بالاحتياط في قبال الأخذ بالظنّ المطلق المعتبر بدليل الانسداد و ان لم يكن على نحو التام في جميع الأحكام. بل انّما يجري النزاع و ان كان في واقعة مخصوصة من شخص خاصّ من غير ترتب العسر و الحرج فضلا عن ترتب اختلال النظام، فتأمل تأمل التام.

و على هذا فلا وجه في تفريع هذا المقام و ابتنائه على القول بعدم وجوب الاحتياط هناك أو بطلانه حتى نأخذ بالظن المطلق في صورة، و بالاحتياط في صورة أخرى، كما أفاده المصنّف (قدس سره).

(1) (- في الظن- قوله: ينبغي تقديم أمور أحدها انّ الأمارات العلمية ليس كالقطع ...

إلخ) اعلم انّ التحقيق انّ الظنّ لو خلّى و طبعه مع قطع النّظر عن جعل الشارع و من دون ملاحظة امر خارج كمقدّمات الانسداد لا يقتضى بنفسه الحجيّة و وجوب اتباعه، فضلا عن ان يكون علة تامّة كالعلم، بل يحتاج ثبوتها له إلى جعل أو ثبوت مقدمات موجبة لاقتضاء الحجية كمقدمات الانسداد، لأنّه معلوم بالضرورة من الوجدان انّه لا يقتضيه بنفسه بحيث ينقدح في نفس الظان باعث و محرّك عقلي نحو ما ظنّ بوجوبه، و مانع و زاجر عمّا ظنّ حرمته من دون‏

48

تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة، و ذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجيّة بدون ذلك ثبوتا بلا خلاف، و لا سقوطا و إن كان ربما يظهر فيه من بعض المحققين الخلاف و الاكتفاء بالظن بالفراغ، و لعله لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل، فتأمل.

ملاحظة امر خارج.

و معلوم أيضا انّ ذلك ليس إلّا من جهة عدم الاقتضاء، لا من باب اقتضاء العدم، بحيث يأبى عن صيرورته حجّة و لو بسبب من الخارج كجعل الشارع كونه كذلك، فظهر انّ النزاع الآتي في إمكان التعبد بالظنّ ليس في الإمكان الذاتي، بل انما يكون في الإمكان الوقوعي فلا يترتب عليه محذور و محال.

و الحاصل انّ الحجيّة لمّا كانت من الأمور الاعتباريّة الانتزاعيّة، فتارة تنتزع من الذات من دون ملاحظة امر خارج أو جعل جاعل كما هو كذلك بالإضافة إلى القطع، فانّ حجّيته منتزعة عن ذاته.

و أخرى تنتزع بملاحظة امر خارج كجعل الشارع كون الشي‏ء كذلك، كما هو كذلك بالإضافة إلى الظنّ، فانّ حجّيته باعتبار جعل الشارع.

ثمّ انّ جعل الشارع الحجيّة للظنّ أو الأمارات يمكن ان يتعلّق بنفس الحجيّة، كما إذا قال: إنّي قد جعلت الظنّ حجّة، مثلا، و يمكن ان يتعلّق بما يلازم ذلك، كما إذا امر بسلوك طريق، فانّ الأمر بسلوكه يلازم حجيّته.

و على كلّ حال لمّا كانت الحجيّة عبارة عن المنجزية إذا صادفت الواقع، و المعذرية إذا خالفت الواقع، فإذا تعلّق الجعل بنفس الحجيّة نفى صورة الإصابة لا يكون في البين إلّا امر واحد متعلّق بالواقع، و في صورة المخالفة لا يكون في البين امر أصلا.

و امّا إذا تعلّق بما يلازم الحجيّة ففي صورة الإصابة يكون في البين امران:

49

ثانيها:

في بيان إمكان التعبد بالأمارة الغير العلمية شرعا، و عدم لزوم محال منه عقلا، في قبال دعوى استحالته للزومه، و ليس الإمكان بهذا المعنى، بل مطلقا أصلا متّبعا عند العقلاء، في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع، لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشك فيه، و منع حجيتها- لو سلم ثبوتها- لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها، و الظن به لو كان فالكلام الآن في‏

امر متعلّق بالواقع، و امر متعلّق بسلوك الطريق، و في صورة المخالفة لا يكون إلّا امر واحد متعلّق بالسلوك، فافهم.

(1) (قوله: ثانيها في بيان إمكان التعبد بالأمارة غير العلميّة ... إلخ) اعلم انّه لا بدّ قبل الخوض في المقصود من بيان معنى الإمكان، فنقول:

انّ الإمكان يطلق على معان:

الأوّل الإمكان الذاتي و هو على قسمين: الإمكان العام، و هو عدم ضرورة الجانب المخالف، و الإمكان الخاصّ، و هو عدم ضرورة الجانبين: المخالف و الموافق.

الثاني الإمكان الاستعدادي، و هو عبارة عن القوة الّتي تستعدّ لأن يترتّب عليه الشي‏ء الفلاني، كقوّة الإنسانية المودعة في النطفة.

الثالث الإمكان الوقوعي، و هو بحسب اصطلاح أهل المعقول عبارة عن القوّة الّتي تستعدّ لأن يترتّب عليه الشي‏ء الفلاني لكن لا باعتبار نفسها، بل باعتبار ترتب ذلك الشي‏ء عليها. كالإطلاق الإمكان على القوة الإنسانية المودعة في النطفة باعتبار ترتّب الإنسانية عليها.

و بحسب اصطلاح الأصوليين عبارة عما لا يلزم من وجوده محال و محذور.

و الإمكان الذاتي الخاصّ قسيم للواجب لأنه ضروري الوجود، و للممتنع فانه ضروريّ العدم.

50

إمكان التعبد بها و امتناعه، فما ظنك به؟ لكن دليل وقوع التعبد بها من طرق إثبات إمكانه، حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تال باطل فيمتنع مطلقا، أو على الحكيم تعالى، فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى إثبات الإمكان، و بدونه لا فائدة في إثباته، كما هو واضح.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ النزاع هنا في الإمكان الوقوعي بحسب اصطلاح الأصوليين، فانّه يبحث في المقام بأنّ التعبّد هل يوجب محذورا من تحريم الحلال و تحليل الحرام و اجتماع الضدين أو المثلين و غيرها، أو لا يوجب شيئا، و لا يخفى انّ الإمكان بهذا المعنى بل مطلقا ليس أصلا متّبعا في مقابل احتمال الامتناع حتى يتمسك به في مقام الشك في الإمكان، بل لا بدّ في إثبات الإمكان أو الامتناع من إقامة البرهان، نعم إذا ورد من الشرع ما يدلّ على التعبّد يستكشف منه الإمكان ما لم يقم على الامتناع برهان عقلي.

و ما ورد من الشيخ الرئيس من انّه: «كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان» لا يكون دليلا على انّ الأصل في المقام هو الإمكان، لعدم حجيّة قوله في إثبات ذلك، مضافا إلى انّ كلامه ناظر إلى ان كلّما قرع سمعك من الغرائب لا تسرع إلى إنكاره، و ذره في بقعة الاحتمال، ففي إثباته لا محيص عن إقامة البرهان فافهم.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ المحاذير الّتي يمكن ان تترتب على التعبّد بغير العلم من الأمارات أمور:

الأول: اجتماع الضدين فيما إذا كان الحكم الواقعي خلاف ما قامت عليه الأمارة، و كذلك يلزم طلب النقيضين و اجتماع الإرادة و الكراهة في نفس واحدة.

الثاني: اجتماع المثلين فيما إذا لم يكن الحكم الواقعي خلاف ما قامت عليه الأمارة.

51

و قد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- من كون الإمكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلا، و الإمكان في كلام الشيخ الرئيس: (كلما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذدك عنه واضح البرهان)، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع و الإيقان، و من الواضح أن لا موطن له إلا الوجدان، فهو المرجع فيه بلا بينة و برهان.

الثالث: تفويت المصلحة فيما إذا أدّت الأمارة عدم وجوب ما هو واجب واقعا، و الإلقاء في المفسدة فيما إذا أدّت إلى عدم حرمة ما هو حرام واقعا ..

الرابع: التصويب الباطل ان قيل: بأنه لم يكن حكم واقعا بل الواقع تابع لما أدّت إليه الأمارة.

و امّا الجواب عن تلك المحاذير فهو بان يقال: انّ جعل الحجيّة لا يكون مستلزما للأحكام التكليفيّة، فلا يلزم اجتماع الضدين أو المثلين، و لا التصويب، بل انّما يكون التعبد بطريق غير علمي موجبا لتنجّز الواقع فيما أصاب، و عذرا فيما أخطأ، و امّا تفويت المصلحة فيما إذا كان الواقع ذا مصلحة ملزمة و أدّى الطريق إلى عدم الوجوب، و كذلك الإلقاء في المفسدة فيما إذا كان الواقع حراما و أدّى الطريق إلى عدم الحرمة فهما ليسا من لوازم حجيّة الطريق، بل هما مستندان إلى جهل المكلّف بالواقع فلا يكون تفويت بل فوت.

و يمكن ان يقال أيضا: بأنّ مصلحة الواقع أو مفسدته متداركة بالمصلحة المترتّبة على سلوك الطريق، و ذلك باعتبار انّ الطريق المنصوب من الشرع يكون بنظر الشارع أغلب مطابقة للواقع، بحيث ان لم يكن في البين طريق منصوب من قبله وقع المكلّف غالبا في خلاف الواقع، فانّ طريق العلم به قليل، و العلم به ربما يكون جهلا مركبا كما لا يخفى.

و ان أبيت إلّا عن كونه مستلزما للأحكام التكليفيّة مما ثلة لمؤدّى الطّريق‏

52

و كيف كان، فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من المحال، أو الباطل و لو لم يكن بمحال أمور:

أحدها: اجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين مثلا فيما أصاب، أو ضدين من إيجاب و تحريم و من إرادة و كراهة و مصلحة و مفسدة ملزمتين بلا كسر و انكسار في البين فيما أخطأ، أو التصويب و أن لا يكون هناك غير مؤديات الأمارات أحكام.

من الوجوب أو الحرمة أو غيرهما من سائر الأحكام فكذلك أيضا لا يلزم محذور، بناء على كونها أحكاما طريقيّة مجعولة عن مصلحة في نفسها باعتبار التوسل بها إلى الأحكام الواقعيّة، لا انّها أحكام موضوعيّة مجعولة باعتبار احداث مصلحة أو مفسدة في مؤدّى الطرق باعتبار قيامها، و ذلك لأنّ الأحكام الظاهريّة المجعولة، الّتي اعتبرت لإدراك المصالح الواقعيّة المترتبة على الأفعال بعناوينها الأوليّة، انّما تكون أحكاما صوريّة طريقيّة محضة، من دون ان يكون في جعلها مصلحة سوى إدراك المصالح الواقعيّة كما عرفت، فلا يلزم اجتماع المثلين في صورة المصادفة و لا اجتماع الضدين في صورة المخالفة، ضرورة انّ الأحكام الطريقية ليست أحكاما حقيقة، بل غايتها الوصول إلى الأحكام الواقعيّة، و كذلك لا يلزم اجتماع المصلحة، و المفسدة، لأنّه لا تكون في البين إلّا المصالح أو المفاسد المترتبة على الأفعال بعناوينها الأوليّة. و بذلك يرتفع سائر الإشكالات كما يظهر بالتأمّل هذا.

مع انّ الاجتماع انّما يكون فيما إذا كان موضوع الحكمين واحدا، و هو في المقام يكون متعددا، لأنّ موضوع الحكم الواقعي هو مؤدّى الطريق بعنوانه الأوّلي، و موضوع الحكم الظاهري هو السلوك على طبقه، و هما متغايران.

مضافا إلى انّ حديث الاجتماع بالإضافة إلى الضدّين و طلبهما في صورة المخالفة انّما يكون فيما إذا كان البعث إلى الفعل و الزجر عنه فعليين، و المفروض‏