جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
3

الجزء الثاني‏

تتمة الباب الثالث‏

المقام الثالث (فيما يتعلق بالقوة الشهوية من الرذائل و الفضائل و كيفية العلاج)

الشره-فوائد الجوع-الشهوة الجنسية-خمود الشهوة-العفة-الاعتدال في الشهوة-حب الدنيا-لابد للمؤمن من مكسب-الدنيا المذمومة هي الهوى-ذم الدنيا و أنها عدوة اللّه و الإنسان-خسائس صفات الدنيا- تشبيهات الدنيا و أهلها-عاقبة حب الدنيا و بغضها-الجمع بين ذم المال و مدحه-حب المال-ذم المال-غوائل المال و فوائده-الأمور المنجية من غوائل المال -الزهد-مدح الزهد-اعتبارات الزهد و درجاته-الزهد الحقيقي-ذم الغنى-الفقر-اختلاف أحوال الفقراء-مراتب الفقر و مدحه-الموازنة بين الفقر و الغنى-ما ينبغي للفقير-وظيفة الفقراء-موارد قبول العطاء و ردّها-لا يجوز السؤال من غير حاجة-الحرص و ذمه-القناعة-علاج الحرص-الطمع و ذمه-الاستغناء عن الناس-البخل-ذم البخل-السخاء معرفة ما يجب أن يبذل-الإيثار-علاج البخل-الزكاة-سر وجوب الزكاة و فضيلة سائر الانفاقات-الحث على التعجيل في الإعطاء-فضيلة اعلان الصدقة الواجبة-ذم المن و الأذى في الصدقة-ما ينبغي للمعطي- ما ينبغي للفقراء في أخذ الصدقة-زكاة الأبدان-الخمس-الإنفاق على الأهل و العيال-ما ينبغي في الإنفاق على العيال-صدقة التطوع-فضيلة الإسرار في الصدقة المندوبة-الهدية-الضيافة-ما ينبغي أن يقصد في الضيافة-آداب الضيافة-الحق المعلوم و حق الحصاد و الجذاذ-القرض- إنظار المعسر و التحليل-بذل الكسوة و السكنى و نحوهما-ما يبذل لوقاية العرض و النفس-ما ينفق في المنافع العامة-الفرق بين الإنفاق و البر

4

و المعروف-طلب الحرام-عزة تحصيل الحلال-أنواع الأموال-الفرق بين الرشوة و الهدية-الورع عن الحرام-مدح الورع-مداخل الحلال- درجات الورع-الغدر-أنواع الفجور-الخوض في الباطل-التكلم بما لا يعني-حد التكلم بما لا يعني-أسباب الخوض فيما لا يعنى-الصمت، فنقول:

أما جنسا رذائلها

(1) فأحدهما:

الشره‏

و هو إطاعة شهوة البطن و الفرج، و شدة الحرص على الأكل و الجماع و ربما فسر باتباع القوة الشهوية في كل ما تدعو إليه: من شهوة البطن و الفرج، و حب المال، و غير ذلك، ليكون أعم من سائر رذائل قوة الشهوة، و تتحقق جنسيته، و على الأول يكون بعض رذائلها كحب الدنيا المتعلق بها أعم منه، إلا أن القوم لما فسروه بالأول فنحن اتبعناهم، إذ الأمر في مثله هين.

و بالجملة: رذيلة الشره من طرف الإفراط و لا ريب في كونه أعظم المهلكات لابن آدم،

و لذا قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «من وقى شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه فقد وقى»

، و القبقب: البطن، و الذبذب: الفرج، و اللقلق: اللسان.

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم: - «ويل للناس من القبقبين!فقيل: و ما هما يا رسول اللّه؟!قال: الحلق و الفرج» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «أكثر ما يلج به أمتي النار الأجوفان: البطن و الفرج» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «ثلاث أخافهن على أمتي من بعدي: الضلالة بعد المعرفة، و مضلات

____________

(1) أي القوة الشهوية.

5

الفتن، و شهوة البطن و الفرج» .

و يدل على ذم (الأول) -أعني شهوة البطن و الحرص على الأكل و الشرب‏

قوله-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» و إن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه و ثلث لشرابه و ثلث لنفسه» ،

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام و الشراب، فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «أفضلكم منزلة عند اللّه أطولكم جوعا و تفكرا، و أبغضكم إلى اللّه تعالى كل نؤم أكول شروب»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «المؤمن يأكل في معاء واحد و المنافق يأكل في سبعة أمعاء» ،

أى يأكل سبعة أضعاف ما يأكله المؤمن أو تكون شهوته سبعة أمثال شهوته، فالمعاء كناية عن الشهوة.

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «إن أبغض الناس إلى اللّه المتّخمون الملأى، و ما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت له درجة في الجنة» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «بئس العون على الدين قلب نخيب و بطن رغيب و نعظ شديد»

(1)

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «لا يدخل ملكوت السماوات من ملأ بطنه» .

و في التوراة: «إن اللّه ليبغض الحبر السمين»

، لأن السمن يدل على الغفلة و كثرة الأكل.

و في بعض الآثار: «إن اللّه يبغض القارئ السمين» .

و قال لقمان لابنه: «يا بني!إذا امتلأت المعدة فامت الفكرة

____________

(1) صححنا الحديث على نسخ الوسائل المصححة في كتاب الأطعمة، و الوافي 10: 66-. و كذا ذكره في مجمع البحرين مادة (نخب) ، و النخيب: الجبان الذي لا فؤاد له. و الرغيب: الواسع.

6

و خرست الحكمة، و قعدت الأعضاء عن العبادة» .

و قال الباقر-عليه السلام- «إذا شبع البطن طغى» .

و قال-عليه السلام-: «ما من شي‏ء أبغض إلى اللّه-عز و جل-من بطن مملو» .

و قال الصادق-عليه السّلام-: «إن البطن ليطغى من أكلة، و أقرب ما يكون العبد من اللّه إذا خف بطنه و أبغض ما يكون العبد إلى اللّه إذا امتلأ بطنه» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «ليس لابن آدم بد من أكلة يقيم بها صلبه، فإذا أكل أحدكم طعاما، فليجعل ثلث بطنه للطعام، و ثلث بطنه للشراب، و ثلثه للنفس، و لا تسمنوا تسمن الخنازير للذبح» .

و قال-عليه السلام-: «ما من شي‏ء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل و هي مورثة شيئين:

(قسوة) القلب، و (هيجان) الشهوة. و الجوع إدام للمؤمن، و غذاء للروح، و طعام للقلب، و صحة للبدن» .

و الأخبار الواردة بهذه المضامين كثيرة، و لا ريب في أن أكثر الأمراض و الأسقام تترتب على كثرة الأكل.

قال الصادق-عليه السلام-: «كل داء من التخمة إلا الحمى فإنها ترد ورودا» .

و قال-عليه السلام-: «الأكل على الشبع يورث البرص» .

و كفى لشهوة البطن ذما أنها صارت منشأ لإخراج آدم و حواء من دار القرار إلى دار الذل و الافتقار، إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهوتهما حتى أكلا منها، فبدت لهما سوآتهما.

و البطن منبت الأدواء و الآفات و ينبوع الشهوات، إذ تتبعها شهوة الفرج شدة السبق إلى المنكوحات، و تتبع شهوة المطعم و المنكح شدة الرغبة في الجاه و المال، ليتوسل بهما إلى التوسع في المطعومات و المنكوحات، و يتبع ذلك أنواع الرعونات، و ضروب المحاسدات و المنافسات، و تتولد من ذلك آفة الرياء، و غائلة التفاخر و التكاثر و العجب و الكبر، و يداعي ذلك إلى الحقد و العداوة و البغضاء، و يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي و المنكر

7

و الفحشاء. و كل ذلك ثمرة إهمال المعدة و ما يتولد من بطر الشبع و الامتلاء و لو ذلل العبد نفسه بالجوع، و ضيق مجاري الشيطان، لم يسلك سبيل البطر و الطغيان، و لم ينجر به إلى الانهماك في الدنيا و الانغمار فيما يفضيه إلى الهلاك و الردى،

و لذا ورد في فضيلة الجوع و الصبر عليه ما ورد من الأخبار، قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «جاهدوا أنفسكم بالجوع و العطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل اللّه، و أنّه ليس من عمل أحب إلى اللّه من جوع و عطش»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «أفضل الناس من قل مطعمه و ضحكه، و رضى بما يستر عورته» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «سيد الأعمال الجوع، و ذل النفس لباس الصوف»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «اشربوا و كلوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «قلة الطعام هي العبادة» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «إن اللّه يباهي الملائكة بمن قلّ مطعمه في الدنيا» يقول: انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام و الشراب في الدنيا فصبر و تركهما، اشهدوا يا ملائكتي: ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- «أقرب الناس من اللّه-عز و جل-يوم القيامة من طال جوعه و عطشه و حزنه في الدنيا» .

و قال عيسى (ع) : «أجيعوا أكبادكم و أعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى اللّه-عز و جل-» .

و قالت بعض زوجاته-صلّى اللّه عليه و آله-: «إنّ رسول اللّه لم يمتل قط شبعا، و ربما بكيت رحمة مما أرى به من الجوع فامسح بطنه بيدي، و أقول: نفسي لك الفداء!لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك و يمنعك من الجوع، فيقول: إخواني من أولى العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم و أجزل ثوابهم، فاجدني أستحي إن‏

8

ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم، فاصبر أياما يسيرة أحب إلي من أن ينقص بي حظي غدا في الآخرة و ما من شي‏ء أحب إلي من اللحوق بأصحابي و إخواني» .

و روي: «أنه جاءت فاطمة-عليها السلام- و معها كسيرة من خبز، فدفعتها إلى النبي-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-فقال:

ما هذه الكسيرة؟قالت: قرص خبزته للحسن و الحسين-عليهما السلام-جئتك منه بهذه الكسيرة، فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث» (1) .

فوائد الجوع‏

ثم للجوع فوائد: هي صفاء القلب و رقته، و اتقاد الذهن و حدته و الالتذاذ بالمناجاة و الطاعة، و الابتهاج بالذكر و العبادة، و الترحم لأرباب الفقر و الفاقة، و التذكر بجوع يوم القيامة. و الانكسار المانع عن الطغيان و الغفلة، و تيسر المواظبة على الطاعة و العبادة، و كسر شهوات المعاصي المسئولية بالشبع، و دفع النوم الذي يضيع العمر و يكل الطبع و يفوت القيام و التهجد، و التمكن من الإيثار و التصديق بالزائد، و خفة المؤنة الموجبة للفراغ عن الاهتمام بالتحصيل و الإعداد، و صحة البدن و دفع الأمراض، إذ المعدة بيت كل داء و الحمية رأس كل دواء،

و ورد: «كلوا في بعض بطونكم تصحوا»

، و أضداد هذه الفوائد من المفاسد يترتب على الشبع.

ثم علاج الشره بالأكل و الشرب: أن يتذكر الأخبار الواردة في ذمه، و ينبه نفسه على رذالة المأكولات و خساستها، و على خسة الشركاء من الحيوانات، و يتأمل في المفاسد المترتبة على الولوع به: من الذلة، و المهانة و سقوط الحشمة و المهابة، و فتور الفطنة، و ظهور البلادة، و حدوث العلل

____________

(1) صححنا الحديث على ما في سفينة البحار-1: 195.

9

و الأمراض الكثيرة، و بعد ذلك يحافظ نفسه عن الإفراط في الأكل و لو بالتكلف حتى يصير الاعتدال فيه عادة.

الشهوة الجنسية

(و أما الثاني) -أعني طاعة شهوة الفرج و الإفراط في الوقاع- فلا ريب في أنه يقهر العقل حتى يجعل الإنسان مقصور الهم على التمتع بالنسوان و الجواري، فيحرم من سلوك طريق الآخرة، أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش و ربما انتهت هذه الشهوة بمن غلب و همه على عقله إلى العشق البهيمي الذي ينشأ من استيلاء الشهوة، فيسخر الوهم العقل لخدمة الشهوة، و قد خلق العقل ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة، و هذا مرض قلوب فارغة خلت عن محبة اللّه و عن الهمم العالية.

و يجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة الفكر و النظر، و إذا استحكم عسر دفعه، و كذلك حب باطل من الجاه و المال و العقار و الأولاد، فمثل من يكسره في أول انبعاثه مثل من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب ليدخله، و ما أهون منعها بصرف عنانها، و مثل من يعالجه بعد استحكامه مثل من يترك الدابة حتى تدخل و تتجاوز الباب ثم يأخذ بذنبها و يجرها إلى ورائها، و ما أعظم التفاوت بين الأمرين في اليسر و العسر.

فليكن الاحتراز و الاحتياط في بدايات الأمور، إذ في أواخرها لا تقبل العلاج إلا بجهد شديد يكاد يوازى نزع الروح.

و ربما انتهى إفراط هذه الشهوة بطائفة إلى أن يتناولوا ما يقويها ليستكثروا من الجماع، و مثلهم كمثل من بلى بسباع ضارية تغفل عنه في‏

10

بعض الأوقات فيحتال لإثارتها و تهييجها في هذا الوقت ثم يشتغل بعلاجها و إصلاحها. و التجربة شاهدة بأن من ينقاد لهذه الشهوة و يسعى في تكثير ما يهيجها من النسوان و تجديدهن و التخيل و النظر و تناول الأغذية و الأدوية المحركة لها يكون ضعيف البدن سقيم الجسم قصير العمر، و قد ينجر إفراطها إلى سقوط القوة و اختلال القوى الدماغية و فساد العقل-كما برهن عليه في الكتب الطبية-. و الوقاع أضر الأشياء بالدماغ، إذ جل المواد المنوية يجلب منه، و لذا شبه الغزالي هذه الشهوة بالعامل الظالم الذي لو أطلقه السلطان و لم يمنعه من ظلمه أخذ أموال الرعية على التدريج بأسرها و ابتلاهم بالفقر و الفاقة، فأهلكهم الجوع و عدم تمكنهم من تحصيل القوت، و كذا هذه القوة لو لم يقهرها سلطان العقل و لم يقمها على طريق الاعتدال صرفت جميع المواد الصالحة و الأخلاط المحمودة التي اكتسبتها القوى الغذائية لبدل ما يتحلل من الأعضاء في مصارف نفسها و جعلها بأسرها منيا، و تبقى جميع الأعضاء بلا قوت، فتضعف و يدركها الفناء بسرعة. و لو كانت مطيعة للعقل، بحيث تقدم على ما يأمرها به و تنزجر عما ينهاها عنه، كانت كالعامل الذي يأخذ الخراج على طريق العدل و المروة، و يصرفه في مصارف المملكة من سد الثغور و إصلاح القناطر و خروج العساكر، و تبقى سائر أموال الرعية لأنفسهم، فيبقى لهم القوت و سائر ما يحتاجون إليه.

و لعظم آفة هذه الشهوة و اقتضائها هلاك الدين و الدنيا إن لم تضبط و لم ترد إلى حد الاعتدال، ورد في ذمها ما ورد من الأخبار،

و قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-في بعض دعواته: «اللهم إنى أعوذ بك من شر سمعي و بصري و قلبي و شر مني»

.

و روى: «أنه إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله»

و ورد في تفسير قوله تعالى:

11

وَ مِنْ شَرِّ غََاسِقٍ إِذََا وَقَبَ (1)

أي: و من شر الذكر إذا قام أو دخل.

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «النساء حبائل الشيطان»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-: «ما بعث اللّه نبيا فيما خلا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء، و لا شي أخوف عندي منهن» (2)

و قال-صلّى اللّه عليه و آله- «اتقوا فتنة النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من قبل النساء»

و روى: «أن الشيطان قال لموسى عليه السلام: لا تخل بأمرأة لا تحل لك. فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها» .

و روى أيضا: «أن الشيطان قال: المرأة نصف جندي، و هي سهمي الذي أرمى فلا أخطئ، و هي موضع سري، و هي رسولي في حاجتي»

و لا ريب في أنه لو لا هذه الشهوة لما كان للنساء تسلط على الرجال.

و قد ظهر بالعقل و النقل: أن الإفراط في هذه الشهوة و كثرة الطروقة و النزو على النسوان مذموم. و لا تغرنك كثرة نكاح رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-فإنه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا، و كان استغراقه في حب اللّه بحيث يخشى احتراق قلبه و السراية منه إلى قالبه، فكان-صلّى اللّه عليه و آله-يكثر من النسوان و يشغل نفسه الشريفة بهن، ليبقى له نوع التفات إلى الدنيا، و لا يؤدى به كثرة الاستغراق إلى مفارقة الروح عن البدن،

و لذا إذا غشيته كثرة الاستغراق و خاض في غمرات الحب و الأنس، يضرب يده على فخذ عائشة و يقول-صلّى اللّه عليه و آله-:

____________

(1) الفلق، الآية: 3.

(2) في إحياء العلوم-3: 86 ان هذا الكلام من قول سعيد بن المسيب لا من كلام النبي-صلّى اللّه عليه و آله-.

12

«كلميني و اشغليني يا حميراء!»

و هي تشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه.

ثم لما كانت جبلته الأنس باللّه، و كان أنسه بالخلق عارضا يتكلفه رفقا ببدنه، فإذا طالت مجالسته معهم لم يطق الصبر معهم و ضاق صدره

فيقول: «أرحنا يا بلال!»

، حتى يعود إلى ما هو قرة عينه. فالضعيف إذا لاحظ أحواله فهو معذور، لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله‏ (1) .

ثم علاج إفراط هذه الشهوة-بعد تذكر مفاسدها المذكورة-كسرها بالجوع، و سد الطرق المؤدية إليها: من التخيل و النظر و التكلم و الخلوة، فإن أقوى الأسباب المهيجة لها هو النظر و الخلوة، و لذا قال اللّه تعالى:

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصََارِهِمْ (2)

و قال النبي-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفا من اللّه تعالى أعطاه اللّه إيمانا يجد حلاوته في قلبه» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «لكل عضو من أعضاء ابن آدم حظ من الزنا فالعينان تزنيان و زناهما النظر» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «لا تدخلوا على المغيبات-أي التي غاب عنها زوجها-فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم» .

و قال عيسى بن مريم-عليهما السّلام-: «إياكم و النظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة، و كفى بها فتنة» .

و قيل ليحيى بن زكريا: ما بدء

____________

(1) هذا الكلام كله عن تعليل كثرة طروق النبي-صلّى اللّه عليه و آله مأخوذ من كلام الغزالي في احياء العلوم-3: 87-.

(2) النور، الآية: 30.

13

الزنا؟قال: «النظرة و التمني» .

و قال داود-عليه السّلام-لابنه:

«يا بني!امش خلف الأسد (و) (1) الأسود و لا تمش خلف المرأة» .

و قال إبليس: «النظرة قوسي و سهمي الذي لا أخطئ به» .

و لكون النظر مهيجا للشهوة، حرم في الشريعة نظر كل من الرجل و المرأة إلى الآخر، و كذا حرم استماع كل منهما لكلام الآخر، إلا مع الضرورة و عموم الحاجة، و كذا حرم نظر الرجال إلى المرد من الصبيان إذا كان مورثا للفتنة، و لذا كان كبراء الأخيار و عظماء الأبرار في الأعصار و الأمصار محترزين عن النظر إلى وجوه الصبيان، حتى قال بعضهم «ما أنا بأخوف على الشباب الناسك من سبع ضار كخوفي عليه من غلام أمرد يجلس إليه» .

ثم إن لم تنقمع الشهوة بالجوع و الصوم و حفظ النظر، فينبغي كسرها بالنكاح، بشرط الاستطاعة و الأمن من غوائله.

قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «معاشر الشباب!عليكم بالباءه، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء» .

و قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» .

(و ثانيهما) -أي ثاني جنسي رذائل قوة الشهوة-: الخمود

____________

(1) حرف (و) موجود في نسختنا الخطية و في احياء العلوم-3: 87-، و لكنه قد شطب عليها في النسخة المطبوعة.

14

و هو التفريط في كسب ضروري القوت، و الفتور عما ينبغي من شهوة النكاح، بحيث يؤدى إلى سقوط القوة و تضييع العيال و انقطاع النسل و لا ريب في كون ذلك مذموما غير مستحسن في الشرع، إذ تحصيل المعارف الإلهية و اكتساب الفضائل الحلقية و العبادات البدنية موقوف على قوة البدن، فالتفريط في إيصال بدل ما يتحلل إلى البدن يوجب الحرمان عن تحصيل السعادات. و هو غاية الخسران. و كذا إهمال قوة شهوة النكاح يوجب الحرمان عن الفوائد المترتبة عليها، فإن هذه القوة إنما سلطت على الإنسان لبقاء النسل و دوام الوجود، و لأن يدرك لذته فيقيس بها لذات الآخرة، فإن لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى اللذات الجسمانية، كما أن ألم النار أعظم الآلام الجسدانية، فالترغيب و الترهيب يسوقان الخلق إلى سعاداتهم، و ليس ذلك إلا بلذة مدركة و ألم محسوس مشابهين للذات و الآلام الأخروية.

و لبقاء النسل فوائد: موافقة محبة اللّه بالسعي في تحصيل الولد لبقاء نوع الإنسان، و عدم قطعه السلسلة التي وصلت إليه من مبدأ النوع، و طلب محبة رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-في تكثير من به مباهاته، و طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده، و طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله، كما استفاضت به الأخبار.

و من فوائد النكاح: كسر التوقان و التحرز من الشيطان، بغض البصر و حفظ الفرج و قطع الوساوس و خطرات الشهوة من القلب، و إليه الإشارة

15

بقوله-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «من تزوج فقد أحرز نصف دينه»

و من فوائد النكاح: تفريغ القلب عن تدبير المنزل، و التكفل بشغل الطبخ و الفرش و الكنس، و تنظيف الأواني و تهيئة أسباب المعيشة، فإن الفراغ عن ذلك أعون شي‏ء على تحصيل العلم و العمل،

و لذا قال النبي -صلّى اللّه عليه و آله-: «ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا و قلبا شاكرا و زوجة مؤمنة صالحة تعينه على آخرته» .

و منها: مجاهدة النفس و رياضتها بالسعى في حوائج الأهل و العيال، و الاجتهاد في إصلاحهم و إرشادهم إلى طريق الدين، و في تحصيل المال الحلال لهم من المكاسب الطيبة، و القيام بتربية الأولاد، و الصبر على أخلاق النساء، و كل ذلك من الفضائل العظيمة،

و لذا قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «الكاد في نفقة عياله كالمجاهد في سبيل اللّه» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «من حسنت صلاته، و كثر عياله و قل ماله، و لم يغتب المسلمين: كان معي في الجنة كهاتين» .

و قال -صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «من الذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «من كانت له ثلاث بنات فأنفق عليهن و أحسن إليهن حتى يغنيهن اللّه عنه أوجب اللّه تعالى له الجنة» .

و لا ريب في أن الخمود عن الشهوة يلزمه الحرمان عن الفوائد المذكورة فهو مرجوح.

ثم لما كان للنكاح آفات أيضا، كالاحتياج إلى المال و صعوبة تحصيل الحلال منه-لا سيما في أمثال زماننا-و العجز عن القيام بحقوق النسوان، و الصبر على أخلاقهن، و احتمال الأذى منهن، و تفرق الخاطر لأجل القيام بتدبير المعيشة و تهيئة ما يحتاجون إليه، و تأدية ذلك غالبا إلى ما لا ينبغي من‏

16

الانغمار في الدنيا و الغفلة عن اللّه-سبحانه-و عما خلق لأجله، فاللائق أن يلاحظ في كل شخص أن الراجح في حقه ما ذا؟-بعد ملاحظة الفوائد و المفاسد-فيأخذ به.

وصل العفة

قد عرفت أن ضد الجنسين (العفة) ، و هو انقياد قوة الشهوة للعقل في الإقدام على ما يأمرها به من المأكل و المنكح كما و كيفا، و الاجتناب عما ينهاها عنه، و هو الاعتدال الممدوح عقلا و شرعا، و طرفاه من الإفراط و التفريط مذمومان، فإن المطلوب في جميع الأخلاق و الأحوال هو الوسط، إذ خير الأمور أوساطها، و كلا طرفيها ذميم، فلا تظنن مما ورد في فضيلة الجوع أن الإفراط فيه ممدوح، فإن الأمر ليس كذلك، بل من أسرار حكمة الشريعة أن كلما يطلب الطبع فيه طرف الإفراط بالغ الشرع في المنع عنه على وجه يتوهم الجاهل منه أن المطلوب طرف التفريط، و العالم يدرك أن المقصود هو الوسط، فإن الطبع إذا طلب غاية الشبع، فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع، حتى يكون الطبع باعثا و الشرع مانعا، فيتقاومان و يحصل الاعتدال. و لما بالغ النبي-صلّى اللّه عليه و آله-في الثناء على قيام الليل و صيام النهار، ثم علم من حال بعضهم أنه يقوم الليل كله و يصوم الدهر كله، فنهى عنه. و الأخبار الواردة في مدح العفة و فضيلتها كثيرة،

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أفضل العبادة العفاف» .

و قال الباقر عليه السّلام: «ما من عبادة أفضل من عفة بطن و فرج» .

و قال عليه السّلام: «ما عبد اللّه بشي‏ء أفضل من عفة بطن و فرج»

و قال عليه‏

17

السّلام: «أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن و فرج» .

و في معناها أخبار أخر.

و إذا عرفت هذا، فاعلم أن الاعتدال في الأكل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة و لا بألم الجوع، بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه أصلا، فإن المقصود من الأكل بقاء الحياة و قوة العبادة، و ثقل الطعام يمنع العبادة و ألم الجوع أيضا يشغل القلب و يمنع منها فالمقصود أن يأكل أكلا معتدلا بحيث لا يبقى للأكل فيه أثر، ليكون متشبها بالملائكة المقدسين عن ثقل الطعام و ألم الجوع، و إليه الإشارة بقوله تعالى:

وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاََ تُسْرِفُوا (1)

و هذا يختلف بالنسبة إلى الأشخاص و الأحوال و الأغذية، و المعيار فيه ألا يأكل طعاما حتى يشتهيه، و يرفع يده عنه و هو يشتهيه: و ينبغي ألا يكون غرضه من الأكل التلذذ، بل حفظ القوة على تحصيل ما خلق لأجله، فيقتصر من أنواع الطعام على خبز البر في بعض الأوقات، و على خبز الشعير في بعضها، و لو ضم إليه الأدام فيكتفي بأدام واحد في بعض الأحيان، و لا يواظب على اللحم، و لا يتركه بالمرة،

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «من ترك اللحم أربعين يوما ساء خلقه، و من داوم عليه أربعين يوما قسى قلبه» .

(الاعتدال في الشهوة)

و الاعتدال أن يكتفي في اليوم بليلته بأكلة واحدة في وقت السحر، بعد الفراغ عن التهجد أو بعد صلاة العشاء، أو بأكلتين: التغدي و التعشي-

____________

(1) الأعراف، الآية: 30.

18

إن لم يقدر على الاكتفاء بمرة واحدة-و قد استفاضت أخبار أئمتنا الراشدين -عليهم السّلام-بالحث على التعشي.

ثم للعرفاء ترغيبات على الجوع و تصريحات على كثرة فوائده، و على توقف كشف الأسرار الإلهية و الوصول إلى المراتب العظيمة عليه، و لهم حكايات في إمكان الصبر عليه، و على عدم الأكل شهرا أو شهرين أو سنة و نقلوا حصوله عن بعضهم، و هذا أمر وراء ما وردت به السنة و كلفت به عموم الأمة، فإن كان ممدوحا فإنما هو لقوم مخصوصين.

و أما الجماع، فالاعتدال فيه أن يقتصر فيه على ما لا ينقطع عن النسل و يحصل له التحصن، و تزول به خطرات الشهوة، و لا يؤدي إلى ضعف البدن و القوى.

و أما غير الجنسين من الأنواع و النتائج و الآثار المتعلقة بالقوة الشهوية

-و إن كان بعضها أعم الجنسين أو مساويا لهما-:

فمنها:

حب الدنيا

اعلم أن للدنيا ماهية في نفسها و ماهية في حق العبد، أما ماهية الدنيا و حقيقتها في نفسها، فعبارة عن أعيان موجودة: هي الأرض و ما عليها و الأرض هي العقار و الضياع و أمثالهما، و ما عليها تجمعه المعادن و النبات و الحيوان، و المعادن تطلب لكونها إما من الآلات و الزينة كالنحاس و الرصاص و الجواهر و أمثالها، أو من النقود كالذهب و الفضة، و النبات يطلب لكونه‏

19

من الأقوات أو الأدوية، و الحيوانات تطلب إما لملكية أبدانها و استخدامها كالعبيد و الغلمان أو لملكية قلوبها و تسخيرها ليترتب عليه التعظيم و الإكرام و هو الجاه، أو للتمتع و التلذذ بها كالجواري و النسوان، أو للقوة و الاعتضاد كالأولاد. هذه هي الأعيان المعبر عنها بالدنيا، و قد جمعها اللّه سبحانه في قوله:

زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ اَلشَّهَوََاتِ مِنَ اَلنِّسََاءِ وَ اَلْبَنِينَ وَ اَلْقَنََاطِيرِ اَلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ اَلذَّهَبِ وَ اَلْفِضَّةِ وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ وَ اَلْأَنْعََامِ وَ اَلْحَرْثِ ذََلِكَ مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا (1) .

و حب جميع ذلك من رذائل قوة الشهوة، إلا حب تسخير القلوب لقصد الغلبة و الاستيلاء، فإنه من رذائل قوة الغضب-كما تقدم-و بذلك يظهر أن حب الدنيا المتعلق بقوة الشهوة أعم من الشره بأول تفسيريه -كما أشير إليه-.

و أما ماهيتها في حق العبد، فعبارة عن جميع ما له قبل الموت، كما أن بعد الموت عبارة عن الآخرة، فكل ما للعبد فيه نصيب و شهوة و حظ و غرض و لذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقه، و للعبد فيه علاقتان، علاقة بالقلب: و هو حبه له، و علاقة بالبدن: و هو إشغاله بإصلاحه، ليستوفى منه حظوظه. إلا أن جميع ما له إليه ميل و رغبة ليس بمذموم، و ذلك لأن ما يصحبه في الدنيا و تبقى ثمرته معه بعد الموت-أعني العلم النافع و العمل الصالح-فهو من الآخرة في الحقيقة، و إنما سمي بالدنيا

____________

(1) آل عمران، الآية: 14.

20

باعتبار دنوه، فإن كلا من العالم و العابد قد يلتذ بالعلم و العبادة بحيث يكون ذلك ألذ الأشياء عنده، فهو و إن كان حظا عاجلا له في الدنيا إلا أنه ليس من الدنيا المذمومة، بل هو من الآخرة في الحقيقة، و إن عد من الدنيا من حيث دخوله في الحس و الشهادة، فإن كل ما يدخل فيهما فهو من عالم الشهادة-أعني الدنيا-و لذا جعل نبينا-صلّى اللّه عليه و آله- الصلاة من الدنيا،

حيث قال: «حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب و النساء، و قرة عيني في الصلاة»

، مع أنها من أعمال الآخرة.

فالدنيا المذمومة عبارة عن حظ عاجل، لا يكون من أعمال الآخرة و لا وسيلة إليها، و ما هو إلا التلذذ بالمعاصي و التنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورة في تحصيل العلم و العمل.

و أما قدر الضرورة من الرزق، فتحصيله من الأعمال الصالحة-كما نطقت به الأخبار-

قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: العبادة سبعون جزءا، أفضلها طلب الحلال» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: ملعون من ألقى كله على الناس» .

و قال السجاد عليه السّلام: «الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ، و دنيا ملعونة»

و قال الباقر عليه السلام: «من طلب الدنيا استعفافا عن الناس، و سعيا على أهله، و تعطفا على جاره، لقى اللّه- عز و جل-يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» .

و قال الصادق عليه السّلام: «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه» .

و قال عليه السّلام «إن اللّه تبارك و تعالى ليحب الاغتراب في طلب الرزق» .

و قال عليه السّلام: «ليس منا من ترك دنياه لآخرته و لا آخرته لدنياه» .

و قال -عليه السّلام-: «لا تكسلوا في طلب معايشكم، فإن آباءنا كانوا يركضون فيها و يطلبونها» .

و قال له عليه السّلام رجل: «إنا لنطلب الدنيا و نحب أن نؤتاها، فقال: تحب أن تصنع بها ما ذا؟قال: أعود بها على نفسي‏

21

و عيالي، و أصل بها و أتصدق، و أحج و أعتمر، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة» .

و كان أبو الحسن عليه السّلام يعمل في أرض قد استنقعت قدماه في العرق، فقيل له:

«جعلت فداك!أين الرجال؟فقال: و قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه و من أبي، فقيل: و من هو؟فقال: رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-و أمير المؤمنين و آبائي كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم، و هو من عمل النبيين و المرسلين و الأوصياء و الصالحين»

و قد ورد بهذه المضامين أخبار كثيرة أخر مشهورة.

تذنيب (لا بد للمؤمن من مكسب)

قد ظهر من هذه الأخبار أن الراجح-بل اللازم-لكل مؤمن أن يكون له مكسب طيب يحصل منه ما يحتاج إليه من الرزق و غيره من المخارج المحمودة، و قد صرح بذلك في أخبار كثيرة أخر،

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أوحى اللّه-عز و جل-إلى داود عليه السّلام: إنك نعم العبد لو لا أنك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا، قال: فبكى داود أربعين صباحا، فأوحى اللّه-عز و جل-إلى الحديد أن لن لعبدي داود فألان اللّه له الحديد، و كان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة و ستين درعا فباعها بثلاثمائة و ستين ألفا، و استغنى عن بيت المال» .

و قال الصادق عليه السّلام «من أحبنا أهل البيت فليأخذ من الفقر جلبابا

22

أو تجفافا» ،

و الجلباب: كناية عن الستر على فقره، و التجفاف‏ (1) :

كناية عن كسب طيب يدفع فقره.

و قيل له في رجل قال: لأقعدن في بيتي، و لأصومن، و لأعبدن ربي، فأما رزقي فسيأتيني: قال أبو عبد اللّه «هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم» .

و هذا-أي ملكة تحصيل المال الحلال من المكاسب الطيبة و صرفها في المخارج المحمودة-هو الحرية بأحد المعنيين، إذ للحرية إطلاقان:

(أحدهما) ذلك، و هو الحرية بالمعنى الأخص، (و ثانيهما) التخلص عن أسر الهوى و عبودية القوة الشهوية، و هو الحرية بالمعنى الأعم المرادفة، و ضده الرقية بالمعنى الأعم الذي هو طاعة قوة الشهوة و متابعة الهوى.

و ضد الأول-أعني الرقية بالمعنى الأخص-هو افتقاره إلى الناس فيما يحتاج إليه من الرزق، و القاء نظره إلى أيديهم، و حوالة رزقه على أموالهم، إما على وجه محرم، كالغصب و النهب و السرقة و أنواع الخيانات أو غير محرم، كأخذ وجوه الصدقات و أوساخ الناس، بل مطلق الأخذ منهم إذا جعل يده يدا سفلى و يدهم يدا عليا. و لا ريب في كون الرقية بهذا المعنى مذمومة، إذ (الوجه الأول) محرم في الشريعة و موجب للهلاك الأبدي، و (الوجه الثاني) و إن لم يكن محرما إذا كان فقيرا مستحقا، إلا أنه لإيجابه التوقع من الناس و كون نظره إليهم يقتضي المذلة و الانكسار و التخضع للناس و الرقية و العبودية لهم، و هذا يرفع الوثوق باللّه و الاعتماد و التوكل عليه، و ينجر ذلك إلى سلب التوكل على اللّه بالكلية، و ترجيح المخلوق على الخالق، و هذا ينافي مقتضى الإيمان و المعرفة الواقعية باللّه سبحانه

____________

(1) التجفاف: آلة للحرب يتقى بها كالدرع و عن تفسير أمثال هذا الحديث راجع الجزء الأول من المجلد الخامس عشر من البحار ص 65، ففيه تفصيل معناه و قد نقل عن ابن الأثير في النهاية، و ابن أبي الحديد في شرحه: كلاما في هذا الباب.

23
فصل (الدنيا المذمومة هي الهوى)

قد ظهر مما ذكر: أن الدنيا المذمومة حظ نفسك الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة، و يعبر عنه بالهوى، و إليه أشار قوله تعالى:

وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ `فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ (1) .

و مجامع الهوى هي المذكورة في قوله تعالى:

أَنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكََاثُرٌ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ (2) .

و الأعيان التي تحصل منها هذه الأمور هي المذكورة في قوله سبحانه:

زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ اَلشَّهَوََاتِ مِنَ اَلنِّسََاءِ وَ اَلْبَنِينَ وَ اَلْقَنََاطِيرِ اَلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ اَلذَّهَبِ وَ اَلْفِضَّةِ وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ وَ اَلْأَنْعََامِ وَ اَلْحَرْثِ ذََلِكَ مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ اَللََّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ اَلْمَآبِ (3) .

فهذه أعيان الدنيا، و للعبد معها علاقتان:

____________

(1) النازعات، الآية: 40.

(2) الحديد، الآية: 20.

(3) آل عمران، الآية: 14.

24

(علاقة مع القلب) : و هي حبه لها و حظه منها و انصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بها، و يدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا: كالرياء، و السمعة، و سوء الظن، و المداهنة و الحسد، و الحقد، و الغل، و الكبر، و حب المدح، و التفاخر و التكاثر.

فهذه هي الدنيا الباطنة، و الظاهرة هي الأعيان المذكورة.

و (علاقة مع البدن) : و هو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه و حظوظ غيره، و هذا الاشتغال عبارة عن الصناعات و الحرف التي اشتغل الناس بها، بحيث أنستهم أنفسهم و خالقهم و أغفلتهم عما خلقوا لأجله، و لو عرفوا سبب الحاجة إليها و اقتصروا على قدر الضرورة، لم يستغرقهم اشتغال الدنيا و الانهماك فيها، و لما جهلوا بالدنيا و حكمتها و حظهم منها لم يقتصروا إلا على قدر الاحتياج، فأوقعوا أنفسهم في أشغالها، و تتابعت هذه الأشغال و اتصلت بعضها ببعض، و تداعت إلى غير نهاية محدودة، فغفلوا عن مقصودها، و تاهوا في كثرة الأشغال. فإن أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا و تنفتح لأجله عشرة أبواب أخر، و هكذا يتداعى إلى غير حد محصور، و كأنها هاوية لا نهاية لعمقها، و من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى... و هكذا على التوالي. أ لا ترى أن ما يضطر إليه الإنسان بالذات منحصر بالمأكل و الملبس و المسكن؟و لذلك حدثت الحاجة إلى خمس صناعات هي أصول الصناعات: الفلاحة، و الرعاية للمواشي، و الحياكة و البناء و الاقتناص-أي تحصيل ما خلق اللّه من الصيد و المعادن و الحشائش و الأحطاب-و تترتب على كل من هذه الصناعات صناعات أخر، و هكذا إلى أن حدثت جميع الصناعات التي نراها في العالم، و ما من أحد إلا و هو مشتغل بواحدة منها أو أكثر، إلا أهل البطالة و الكسالة، حيث غفلوا عن الاشتغال في أول الصبا، أو منعهم مانع و استمروا على غفلتهم و بطالتهم، حتى نشأوا

25

بلا شغل و اكتساب، فاضطروا إلى الأخذ مما يسعى فيه غيرهم، و لذلك حدثت حرفتان خبيثتان هي (اللصوصية) و (الكدية) (1) و لكل واحد منهما أنواع غير محصورة لا تخفى على المتأمل.

فصل (ذم الدنيا و أنها عدوة اللّه و الإنسان)

اعلم أن الدنيا عدوة للّه و لأوليائه و لأعدائه: أما عداوتها للّه، فإنها قطعت الطريق على العبادة، و لذلك لم ينظر إليها مذ خلقها، كما ورد في الأخبار (2) و أما عداوتها لأوليائه و أحبائه، فإنها تزينت لهم بزينتها و عمتهم بزهرتها و نضارتها، حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها. و أما عداوتها لأعدائه، فإنها استدرجتهم بمكرها و مكيدتها و اقتنصتهم بشباكها و حبائلها حتى وثقوا بها و عولوا عليها، فاجتبوا منها حيرة و ندامة تنقطع دونها الأكباد، ثم حرمتهم عن السعادة أبد الآباد، فهم على فراقها يتحسرون و من مكائدها يستغيثون و لا يغاثون، بل يقال لهم:

اِخْسَؤُا فِيهََا وَ لاََ تُكَلِّمُونِ (3) . أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا بِالْآخِرَةِ فَلاََ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذََابُ وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ (4) .

____________

(1) قال في المنجد: الكدية: الاستعطاء و حرفة السائل الملح.

(2) سيأتي الخبر بهذا المعنى-ص 26-و هو عامي.

(3) المؤمنون، الآية: 109.

(4) البقرة، الآية: 86.

26

و الآيات الواردة في ذم الدنيا و حبها كثيرة، و أكثر القرآن مشتمل على ذلك و صرف الخلق عنها و دعوتهم إلى الآخرة، بل هو المقصود من بعثة الأنبياء، فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها. فلنشر إلى نبذة من الأخبار الواردة في ذم الدنيا و حبها و في سرعة زوالها،

قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» .

و قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان للّه منها»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم- : «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «من أصبح و الدنيا أكبر همه فليس من اللّه في شي‏ء، و ألزم اللّه قلبه أربع خصال: هما لا ينقطع عنه أبدا، و شغلا لا يتفرغ منه أبدا و فقرا لا ينال غناه أبدا. و أملا لا يبلغ منتهاه أبدا،

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود و هو يسعى لدار الغرور!» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب» .

و قال: «ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي. و هل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟» .

و قال: «أوحى اللّه-تعالى-إلى موسى: لا تركنن إلى حب الدنيا، فلن تأتين بكبيرة هي أشد عليك منها»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .

و قال -صلّى اللّه عليه و آله-: «من أحب دنياه أضر بآخرته و من أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» .

و مر-صلّى اللّه عليه و آله-على مزبلة، فوقف عليها و قال: «هلموا إلى الدنيا!و أخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة و عظاما قد نخرت، فقال: ذه الدنيا!»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله- «إن اللّه لم يخلق خلقا أبغض إليه‏

27

من الدنيا، و إنه لم ينظر إليها منذ خلقها» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله- «الدنيا دار من لا دار له و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و عليها يعادى من لا علم عنده، و عليها يحسد من لا فقه له، و لها يسعى من لا يقين له» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-: «لما هبط آدم من الجنة إلى الأرض قال له: إن للخراب ولد للفناء» .

و قال -صلّى اللّه عليه و آله-: «لتجيئن أقوام يوم القيامة و أعمالهم كجبال تهامة. فيؤمر بهم إلى النار، فقيل: يا رسول اللّه!أ مصلين؟قال:

نعم، !كانوا يصومون و يصلون و يأخذون هنيئة من الليل، فإذا عرض لهم من الدنيا شي‏ء وثبوا عليه» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «هل منكم من يريد أن يذهب اللّه عنه العمى و يجعله بصيرا؟ألا إنه من رغب في الدنيا و طال فيها أمله أعمى اللّه قلبه على قدر ذلك، و من زهد في الدنيا و قصر أمله فيها أعطاه اللّه علما بغير تعلم و هدى بغير هداية» .

و قال -صلّى اللّه عليه و آله-: «فو اللّه ما الفقر أخشى عليكم، و لكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، و تهلككم كما اهلكتهم»

و قال: «أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج اللّه لكم من بركات الأرض، فقيل: ما بركات الأرض؟قال:

زهرة الدنيا» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «دعوا الدنيا لأهلها من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه فقد أخذ حتفه و هو لا يشعر» .

و قال -صلّى اللّه عليه و آله-: «سيأتي قوم بعدي يأكلون أطايب الطعام و أنواعها، و ينكحون أجمل النساء و ألوانها، و يلبسون ألين الثياب و ألوانها و يركبون أقوى الخيل و ألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع، و أنفس بالكثير لا تقنع، عاكفين على الدنيا، يغدون و يروحون إليها، اتخذوها آلهة دون إلههم و ربا دون ربهم إلى أمرهم ينتهون و هواهم يلعبون، فعزيمة

28

من محمد بن عبد اللّه لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم و خلف خلفكم أبدا لا يسلم عليهم و لا يعود مرضاهم و لا يتبع جنائزهم و لا يوقر كبيرهم و من فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «ما لي و للدنيا و ما أنا و الدنيا؟!إنما مثلي و مثلها كمثل راكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة، فقال تحت ظلها ساعة، ثم راح و تركها»

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت و ماروت» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «حق على اللّه ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه» .

و قال عيسى بن مريم-عليه السّلام- «ويل لصاحب الدنيا!كيف يموت و يتركها، و يأمنها و تغره، و يثق بها و تخذله، ويل للمغترين!كيف ألزمهم ما يكرهون، و فارقهم ما يحبون، و جاءهم ما يوعدون، ويل لمن أصبحت الدنيا همه و الخطايا عمله!كيف يفتضح غدا بذنبه» .

و قال-عليه السّلام-: «من ذا الذي يبني على أمواج البحر دارا تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارا» .

و قال عليه السّلام «لا يستقيم حب الدنيا و الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء و النار في إناء واحد» .

و أوحى اللّه-تعالى-إلى موسى: «يا موسى: !ما لك و لدار الظالمين!إنها ليست لك بدار، اخرج منها همك و فارقها بعقلك فبئست الدار هي، إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي، يا موسى! إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم» .

و أوحى إليه: «يا موسى! لا تركنن إلى حب الدنيا، فلن تأتين بكبيرة هي أشد منها» .

و مر موسى عليه السّلام برجل و هو يبكي، و رجع و هو يبكي، فقال موسى: «يا رب عبدك يبكي من مخافتك، فقال تعالى: يا بن عمران!لو نزل دماغه مع عينيه و رفع يديه حتى يسقطا لم أغفر له و هو يحب الدنيا!» .

و قال أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ما قيل له صف لنا الدنيا-:

29

«و ما أصف لك من دار من صح فيها سقم، و من أمن فيها ندم، و من افتقر فيها حزن، و من استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، و في حرامها العقاب» .

و قال-عليه السّلام-: «إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها و في جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل و يهوى إليها الصبي الجاهل» .

و قال في وصف الدنيا: «ما أصف من دار أولها عناء و آخرها فناء، في حلالها حساب و في حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها فاتته، و من قعد عنها آتته، و من بصر بها بصرته، و من أبصر إليها أعمته» ،

و قال عليه السّلام في بعض مواعظه: «ارفض الدنيا، فإن حب الدنيا يعمى و يصم و يبكم و يذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، و لا تقل غدا و بعد، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني و التسويف، حتى أتاهم أمر اللّه بغتة و هم غافلون فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة، و قد أسلمهم الأولاد و الأهلون، فانقطع إلى اللّه بقلب منيب. من رفض الدنيا و عزم ليس فيه انكسار و لا انخذال» .

و قال-عليه السّلام-: «لا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها دار بالبلاء محفوفة، و بالفناء معروفة، و بالغدر موصوفة، فكل ما فيها إلى زوال، و هي بين أهلها دول و سجال، لا تدوم أحوالها، و لا يسلم من شرها نزالها، بينا أهلها منها في رخاء و سرور إذا هم منها في بلاء و غرور أحوال مختلفة، و تارات متصرمة، العيش فيها مذموم، و الرخاء فيها لا يدوم، و إنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، و تفنيهم بحمامها. و اعلموا عباد اللّه انكم و ما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى، ممن كان أطول منكم أعمارا، و أشد منكم بطشا، و أعمر ديارا و أبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها، و أجسادهم بالية، و ديارهم على عروشها خاوية، و آثارهم عافية، استبدلوا

30

بالقصور المشيدة و السرر و النمارق الممهدة الصخور و الأحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب، و ساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين، و أهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، و لا يتواصلون تواصل الجيران الإخوان، على ما بينهم من قرب الجوار و دنو الدار، و كيف يكون بينهم تواصل، و قد طحنهم بكلكله البلاء، و أكلتهم الجنادل و الثرى و أصبحوا بعد الحياة أمواتا، و بعد نضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب و سكنوا تحت التراب، و ظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات! كَلاََّ إِنَّهََا كَلِمَةٌ هُوَ قََائِلُهََا وَ مِنْ وَرََائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (1) .

فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى و الوحدة في دار المثوى، و ارتهنتم في ذلك المضجع، و ضمكم ذلك المستودع، و كيف بكم لو عاينتم الأمور، و بعثرت القبور، و حصل ما في الصدور، و أوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، و هتكت عنكم الحجب و الأستار، فظهرت منكم العيوب و الأسرار، هنالك.

تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ (2) .

و قال أيضا-عليه السّلام-في بعض خطبه: «أوصيكم بتقوى اللّه و الترك للدنيا التاركة لكم، و إن كنتم لا تحبون تركها، المبلية أجسامكم و أنتم تريدون تجديدها، فإنما مثلكم و مثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا

____________

(1) المؤمنون، الآية: 101.

(2) المؤمن، الآية: 17.

31

و كأنهم قد قطعوه، و أفضوا إلى علم، فكأنهم قد بلغوه، و كم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية، و كم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا، و طالب حثيث يطلبه حتى يفارقها، فلا تجزعوا لبؤسها و ضرائها فإنه إلى انقطاع، و لا تفرحوا بمتاعها و نعمائها فإنه إلى زوال، عجبت لطالب الدنيا و الموت يطلبه، و غافل و ليس بمغفول عنه» .

و قال السجاد-عليه السّلام-: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، و إن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، و لكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا و كونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا، و قرضوا من الدنيا تقريضا، ألا و من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، و من أشفق من النار رجع عن المحرمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن للّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، و كمن رأى أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة و قلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، و حوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، و هم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم، و أما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، و ما بالقوم من مرض، أم خولطوا، فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار و ما فيها» .

و قال-عليه السّلام- «ما من عمل بعد معرفة اللّه-عز و جل-و معرفة رسوله-صلّى اللّه عليه و آله-أفضل من بغض الدنيا، فإن ذلك لشعبا كثيرة، و للمعاصي شعبا فأول ما عصى اللّه به الكبر معصية إبليس حين أبى و استكبر و كان من الكافرين ثم الحرص، و هي معصية آدم و حواء حين قال اللّه-عز و جل-لهما: ـ

32

فَكُلاََ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمََا وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ (1) .

فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة و ذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه. ثم الحسد، و هو معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء و حب الدنيا، و حب الرئاسة، و حب الراحة، و حب الكلام، و حب العلو و الثروة، فصرن سبع خصال، فاجتمعن كلهن في حب الدنيا. فقال الأنبياء و العلماء-بعد معرفة ذلك-: حب الدنيا رأس كل خطيئة، و الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ و دنيا ملعونة» .

و قال الباقر عليه السّلام لجابر: «يا جابر!إنه من دخل قلبه صافي خالص دين اللّه شغل قلبه عما سواه يا جابر!ما الدنيا و ما عسى أن تكون الدنيا؟!هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها؟يا جابر!إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها، و لم يأمنوا قدومهم الآخرة. يا جابر!الآخرة دار قرار، و الدنيا دار فناء و زوال، و لكن أهل الدنيا أهل غفلة، و كان المؤمنون هم الفقهاء أهل فكرة و عبرة، لم يصمهم عن ذكر اللّه-جل اسمه-ما سمعوا بآذانهم، و لم يعمهم عن ذكر اللّه ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم» (2)

____________

(1) الأعراف، الآية: 19.

(2) صححنا الحديث على الكافي في باب ذم الدنيا، و صدر الحديث هكذا:

«قال جابر: دخلت على أبي جعفر-عليه السّلام-فقال: يا جابر!و اللّه لمحزون! و إني لمشغول القلب، قلت: جعلت فداك!و ما شغلك و ما حزن قلبك... » إلى آخر الحديث.

33

و قال الصادق-عليه السّلام-: «مثل الدنيا كمثل ماء البحر، كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله» .

و قال: فيما ناجى اللّه-عز و جل-به موسى:

«يا موسى!لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين و ركون من اتخذها أبا و أما يا موسى!لو وكلتك إلى نفسك لتنظر لها إذن لغلب عليك حب الدنيا و زهرتها يا موسى!نافس في الخير أهله و استبقهم إليه، فإن الخير كاسمه، و اترك من الدنيا ما بك الغنى عنه و لا تنظر عينك إلى كل مفتون بها و موكل إلى نفسه، و اعلم أن كل فتنة بدؤها حب الدنيا، و لا تغبط أحدا بكثرة المال فإن مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق و لا تغبطن أحدا برضى الناس عنه. حتى يتعلم أن اللّه راض عنه، و لا تغبطن مخلوقا بطاعة الناس له، فإن طاعة الناس له و اتباعهم إياه على غير الحق هلاك له و لمن تبعه»

و أوحى اللّه-تعالى-إلى موسى و هارون لما أرسلهما إلى فرعون: «لو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا، يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت، و لكني أرغب لكما عن ذلك و أزوى ذلك عنكما و كذلك أفعل بأوليائي، إني لأزويهم عن نعيمها، كما يزوى الراعي الشفيق غنمه عن مواقع الهلكة، و إنى لأجنبهم عيش سلوتها، كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مواقع الغرة، و ما ذلك لهوانهم علي، و لكن ليستكلموا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا، إنما يتزين لي أوليائي: بالذل و الخشوع و الخوف و التقوى» .

و قال الكاظم-عليه السّلام-: «قال أبو ذر -رحمه اللّه-: جزى اللّه الدنيا عن مذمة بقدر رغيفين من الشعير، أتغدى بأحدهما و أتعشى بالآخر، و بعد شملتي الصوف، أتزر بأحداهما و أتردى بالأخرى» .

و قال لقمان لابنه: «يا بني!بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، و لا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعا. و قال له: «يا بني! إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى‏

34

اللّه-عز و جل-و حشوها الإيمان، و شراعها التوكل على اللّه، لعلك ناج و ما أراك ناجيا» . و قال: «يا بني!إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا و لم يبق من جمعوا له، و إنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل و وعدت عليه أجرا، فأوف عملك و استوف أجرك، و لا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت، فكان حتفها عند سمنها، و لكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها و تركتها، و لم ترجع إليها آخر الدهر، أخر بها و لا تعمر، فإنك لم تؤمر بعمارتها، و اعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللّه-عز و جل- عن أربع: شبابك فيما أبليته، و عمرك فيما أفنيته، و مالك مما اكتسبته.

و فيما أنفقته، فتأهب لذلك، و أعد له جوابا، و لا تأس على ما فاتك من الدنيا. فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، و كثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك و جد في أمرك، و اكشف الغطاء عن وجهك، و تعرض لمعروف ربك، و جدد التوبة في قلبك، و اكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك، و يقضى قضاؤك، و يحال بينك و بين ما تريد» .

و قال بعض الحكماء: «الدنيا دار خراب، و أخرب منها قلب من يعمرها. و الجنة دار عمران، و أعمر منها قلب من يعمرها» . و قال بعضهم: «الدنيا لمن تركها، و الآخرة لمن طلبها» . و قال بعضهم:

«إنك لن تصبح في شي‏ء من الدنيا إلا و قد كان له أهل قبلك، و يكون له أهل بعدك، و ليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة و غداء يوم، فلا تهلك نفسك في أكلة، و صم الدنيا، و أفطر على الآخرة، فإن رأس مال الدنيا الهوى، و ربحها النار» . و قال بعض أكابر الزهاد: «الدنيا تخلق الأبدان و تجدد الآمال، و تقرب المنية، و تبعد الأمنية، و من ظفر بها تعب، و من فاتته نصب» ، و قال بعضهم: «ما في الدنيا شي‏ء يسرك إلا و قد التزق‏

35

به شي‏ء يسؤك» . و قال آخر: «لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: إنه لم يشبع مما جمع، و لم يدرك ما أمل، و لم يحسن الزاد لما قدم عليه» و قال حكيم: كانت الدنيا و لم أكن فيها، و تذهب و لا أكون فيها، فكيف أسكن إليها؟فإن عيشها نكد، و صفوها كدر، و أهلها منها على وجل، إما بنعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منية قاضية» .

و قال بعض العرفاء: «الدنيا حانوت الشيطان، فلا تسرق من حانوته شيئا، فيجي‏ء في طلبك و يأخذك» . و قال بعضهم: «لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى، لكان ينبغي أن يختار العاقل خزفا يبقى على ذهب يفنى، فكيف و الآخرة ذهب يبقى و الدنيا أدون من خزف يفنى؟»

و قد ورد: «أن العبد إذا كان معظما للدنيا، يوقف يوم القيامة، و يقال: هذا عظم ما حقره اللّه» .

و روى: «أنه لما بعث النبي-صلّى اللّه عليه و آله و سلم-أتت إبليس جنوده، فقالوا: قد بعث نبي و أخرجت أمة، قال: يحبون الدنيا؟قالوا: نعم!قال: إن كانوا يحبونها ما أبالي ألا يعبدوا الأوثان، و أنا أغدو عليهم و أروح بثلاثة:

أخذ المال من غير حقه، و إنفاقه في غير حقه، و إمساكه عن حقه، و الشر كله لهذا تبع» .

و روى: «أنه أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه احذر مقتك، فتسقط من عيني، فاصب عليك الدنيا صبا» .

و قال بعض الصحابة: «ما أصبح أحد من الناس في الدنيا إلا و هو ضيف، و ما له عارية. فالضيف مرتحل، و العارية مردودة» . و قال بعضهم: «إن اللّه جعل الدنيا ثلاثة أجزاء: جزء للمؤمن، و جزء للمنافق، و جزء للكافر.

فالمؤمن يتزود، و المنافق يتزين، و الكافر يتمتع» . و قيل: «من أقبل على الدنيا أحرقته نيرانها حتى يصير رمادا، و من أقبل على الآخرة صفته نيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع بها، و من أقبل على اللّه سبحانه، أحرقته‏

36

نيران التوحيد، فصار جوهرا لا حد لقيمته» . و قيل أيضا: «العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن تتركه، و بني قبره قبل أن يدخله و أرضى خالقه قبل أن يلقاه» . و سأل بعض الأمراء رجلا بلغ عمره مائتي سنة عن الدنيا، فقال:

«سنيات بلاء و سنيات رخاء، يوم فيوم، و ليلة فليلة، يولد ولد، و يهلك هالك، فلو لا المولود باد الخلق، و لو لا الهالك لضاقت الدنيا بمن فيها» ، فقال له الأمير: سل ما شئت، قال: «أريد منك أن ترد علي ما مضى من عمري، و تدفع عني ما حضر من أجلي» ، قال: لا أملك ذلك، قال:

«فلا حاجة لي إليك» .

و الأخبار و الآثار في ذم الدنيا و حبها، و في سرعة زوالها و عدم الاعتبار بها، و في هلاك من يطلبها و يرغب إليها، و في ضديتها للآخرة، أكثر من أن تحصى. و ما ورد في ذلك من كلام أئمتنا الراشدين، (لا) سيما عن مولانا أمير المؤمنين-صلوات اللّه عليهم أجمعين إلى يوم الدين-فيه بلاغ لقوم زاهدين. و من تأمل في خطب علي عليه السّلام و مواعظه كما في نهج البلاغة و غيره-يظهر له خساسة الدنيا و رذالتها. و قضية السؤال و الجواب بين روح الأمين و نوح في كيفية سرعة زوال الدنيا مشهورة، و حكاية مرور روح اللّه على قرية هلك أهلها من حب الدنيا معروفة (1)

و لعظم آفة الدنيا و حقارتها و مهانتها عند اللّه، لم يرضها لأحد من أوليائه و حذرهم عن غوائلها، فتزهدوا فيها و أكلوا منها قصدا، و قدموا فضلا أخذوا منها ما يكفي، و تركوا ما يلهي، لبسوا من الثياب ما ستر العورة، و أكلوا من الطعام ما سد الجوع، نظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية، و إلى الآخرة أنها باقية، فتزودوا منها كزاد الراكب، فخربوا الدنيا و عمروا

____________

(1) ذكرها (الكافي) عن أبي عبد اللّه الصادق (ع) في باب حب الدنيا بتمامها.

37

بها الآخرة، و نظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم صبروا قليلا و نعموا طويلا.

فصل (خسائس صفات الدنيا)

اعلم أن للدنيا صفات خسيسة قد مثلت في كل صفة بما تماثله فيها فمثالها في سرعة الفناء و الزوال و عدم الثبات: مثل النبات الذي اختلط به ماء السماء فاخضر، ثم أصبح هشيما تذروه الرياح، أو كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كقنطرة تعبر عنها و لا تمكث عليها. و في كونها مجرد الوهم و الخيال، و كونها مما لا أصل لها و لا حقيقة، كفي‏ء الظلال، أو خيالات المنام و أضغاث الأحلام، فإنك قد تجد في منامك ما تهواه، فإذا استيقظته ليس معك منه شي‏ء.

و في عداوتها لأهلها و إهلاكها إياهم: بامرأة تزينت للخطاب، حتى إذا نكحتهم ذبحتهم.

فقد روى: «أن عيسى عليه السّلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شمطاء هتماء عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟قالت: لا أحصيهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى-عليه السّلام-: بؤسا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين؟كيف تهلكينهم واحدا واحدا و لا يكونون منك على حذر؟!» .

و في مخالفة باطنها لظاهرها: كعجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها.

فإذا وقفوا على باطنها و كشفوا القناع عن وجهها، ظهرت لهم قبائحها

38

روى: «أنه يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء، أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلائق، و يقال لهم: تعرفون هذه فيقولون: نعوذ باللّه من معرفة هذه!فيقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها، و بها تقاطعتم الأرحام، و بها تحاسدتم و تباغضتم و أغررتم، ثم يقذف بها في جهنم، فتنادي: أي رب!أين أتباعي و أشياعي؟فيقول اللّه -عز و جل-: ألحقوا بها أتباعها و أشياعها» .

و في قصر عمرها لكل شخص بالنسبة إلى ما تقدمه من الأزل و ما يتأخر عنه من الأبد: كمثل خطوة واحدة، بل أقل من ذلك، بالنسبة إلى سفر طويل، بل بالنسبة إلى كل مسافة الأرض أضعافا غير متناهية.

و من رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها، و لم يبال كيف انقضت أيامه في ضيق و ضر أو في سعة و رفاهية، بل لا يبني لبنة على لبنة. توفي سيد الرسل صلّى اللّه عليه و آله و ما وضع لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة.

و رأى بعض أصحابه يبني بيتا من جص، فقال: «أرى الأمر أعجل من هذا» .

و إلى هذا

أشار عيسى عليه السّلام حيث قال: «الدنيا قنطرة، فاعبروها و لا تعمروها» .

و في نعومة ظاهرها و خشونة باطنها: مثل الحية التي يلين مسها و يقتل سمها.

و في قلة ما بقى منها بالإضافة إلى ما سبق: مثل ثوب شق من أوله إلى آخره، فبقى متعلقا في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع.

و في قلة نسبتها إلى الآخرة: كمثل ما يجعل أحد إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع إليه من الأصل.

و في تأديه علائقها بعض إلى بعض حتى ينجر إلى الهلاك: كماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله.

39

و في تأدية الحرص عليها إلى الهلاك غما: كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما.

و في تعذر الخلاص من تبعاتها و استحالة عدم التلوث بقاذوراتها بعد الخوض فيها: كالماشي في الماء، فإنه يمتنع ألا تبتل قدماه.

و في نضارة أولها و خباثة عاقبتها: كالأطعمة التي تؤكل، فكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما و أكثر دسومة كان رجيعة أقذر و أشد نتنا، فكذلك كل شهوة من شهوات الدنيا التي كانت للقلب أشهى و أقوى، فنتنها و كراهيتها و التأذي بها عند الموت أشد، و هذا مشاهد في الدنيا.

فإن المصيبة و الألم و التفجع في كل ما فقد بقدر الالتذاذ بوجوده و حرصه عليه و حبه له، و لذا ترى أن من نهبت داره و أخذت أهله و أولاده، يكون تفجعه و ألمه أشد مما إذا أخذ عبد من عبيده، فكل ما كان عند الوجود أشهى عنده و الذ، فهو عند الفقد أدهى و أمر، و ما للموت معنى إلا فقد ما في الدنيا.

و في تنعم الناس بها ثم تفجعهم على فراقها: مثل طبق ذهب عليه بخور و رياحين، في دار رجل هيأه فيها، و دعا الناس على الترتيب واحدا بعد واحد ليدخلوا داره، و يشمه كل واحد و ينظر إليه، ثم يتركه لمن يلحقه، لا ليتملكه و يأخذه، فدخل واحد و جهل رسمه، فظن أنه قد وهب ذلك له، فتعلق به قلبه، لما ظن أنه له، فلما استرجع منه ضجر و تألم، و من كان عالما برسمه انتفع به و شكره و رده بطيب قلب و انشراح صدر. فكذلك من عرف سنة اللّه في الدنيا، علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لينتفعوا بما فيها، كما ينتفع المسافر بالعواري، ثم يتركوها و يتوجهوا إلى مقصدهم من دون صرف قلوبهم إليها، حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها، و من جهل سنه اللّه فيها، ظن أنها مملوكة له، فيتعلق بها

40

قلبه، فلما أخذت منه عظمت بليته و اشتدت مصيبته.

و في اغترار الخلق بها و ضعف إيمانهم بقوله تعالى في تحذيره إياهم غوائلها: كمفازة غبراء لا نهاية لها، سلكوها قوم و تاهوا فيها بلا زاد و ماء و راحلة، فأيقنوا بالهلاك، فبيناهم كذلك إذ خرج عليهم رجل و قال:

أ رأيتم إن هديتكم إلى رياض خضر و ماء رواء ما تعملون؟قالوا: لا نعصيك في شي‏ء. فأخذ منهم عهودا و مواثيق على ذلك، فأوردهم ماء رواء و رياضا خضراء، فمكث فيهم ما شاء اللّه، ثم قال: الرحيل!قالوا: إلى أين؟قال: إلى ماء ليس كمائكم، و إلى رياض ليست كرياضكم. فقال أكثرهم: لا نريد عيشا خيرا من هذا، فلم يطيعوه. و قالت طائفة -و هم الأقلون-: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم و مواثيقكم باللّه ألا تعصوه و قد صدقكم في أول حديثه؟فو اللّه إنه صادق في هذا الكلام أيضا! فأتبعه هذا الأقل، فذهب فيهم إلى أن أوردهم في ماء و رياض أحسن بمراتب شتى مما كانوا فيه أولا، و تخلف عنه الأكثرون، فبدرهم عدو، فأصبحوا من بين قتيل و أسير.

تذنيب (تشبيها الدنيا و أهلها)

قد شبه بعض الحكماء حال الإنسان و اغتراره بالدنيا، و غفلته عن الموت و ما بعده من الأهوال، و انهماكه في اللذات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات: بشخص مدلى في بئر، مشدود وسطه بحبل، و في أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه إليه، منتظر سقوطه، فاتح فاه لالتقامه، و في أعلى ذلك البئر جرذان أبيض و أسود، لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا، و لا يفتران عن قرضه آنا من الآنات، و ذلك الشخص،

41

مع أنه يرى ذلك الثعبان و يشاهد انقراض الحبل آنا فآنا، قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر و امتزج بترابه و اجتمعت عليه زنابير كثيرة، و هو مشغول بلطعه منهمك فيه، ملتذ بما أصاب منه، مخاصم لتلك الزنابير عليه، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك، غير ملتفت إلى ما فوقه و إلى ما تحته. فالبئر هو الدنيا، و الحبل هو العمر، و الثعبان الفاتح فاه هو الموت، و الجرذان الليل و النهار القارضان للعمر، و العسل المختلطة بالتراب هو لذات الدنيا الممتزجة بالكدورات و الآلام، و الزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها.

و شبه بعض العرفاء الدنيا و أهلها، في اشتغالهم بنعيمها و غفلتهم عن الآخرة، و حسراتهم العظيمة بعد الموت، من فقدهم نعيم الجنة بسبب انغمارهم في خسائس الدنيا: بقوم ركبوا السفينة، فانتهت بها إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، و حذرهم المقام فيها، و خوفهم مرور السفينة و استعجالها، فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته، و بادر إلى السفينة، فصادف المقام خاليا، فأخذ أوسع الأماكن و أوفقها بمراده. و بعضهم توقف في الجزيرة، و اشتغل بالنظر إلى أزهارها و أنوارها و أشجارها و أحجارها و نغمات طيورها، ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها، فلم يصادف إلا مكانا ضيقا، فاستقر فيه. و بعضهم، بعد التنبه لخطر مرور السفينة، لما تعلق قلبه ببعض أحجار الجزيرة و أزهارها و ثمارها، لم تسمح نفسه بأهمالها، فاستصحت منها جملة و رجع إلى السفينة فلم يجد فيها إلا مكانا ضيقا لا يسعه إلا بالتكلف و المشقة، و ليس فيه مكان لوضع ما حمله، فصار ذلك ثقلا عليه وبالا، فندم على أخذها، و لم يقدر على رميها، فحملها في السفينة على عنقه متأسفا على أخذها. و بعضهم اشتغل بمشاهدة الجزيرة، بحيث لم يتنبه أولا من خطر مرور السفينة و من

42

نداء الملاح، حتى امتلأت السفينة، فتنبه أخيرا و رجع إليها، مثقلا بما حمله من أحجار الجزيرة و حشائشها، و لما وصل إلى شاطئ البحر سارت السفينة، أ و لم يجد فيها موضعا أصلا، فبقى على شاطئ البحر. و بعضهم لكثرة الاشتغال بمشاهدة الجزيرة و ما فيها نسوا المركب بالمرة، و لم يبلغهم النداء أصلا، لكثرة انغمارهم في أكل الثمار و شرب المياه و التنسم بالأنوار و الأزهار و التفرج بين الأشجار، فسارت السفينة و بقوا في الجزيرة من دون تنبههم بخطر مرورها، فتفرقوا فيها، فبعضهم نهشته العقارب و الحيات و بعضهم افترسته السباع، و بعضهم مات في الأوحال، و بعضهم هلك من الندامة و الحسرة و الغصة، و أما من بقي على شاطئ البحر فمات جوعا، و أما من وصل إلى المركب مثقلا بما أخذه، فشغله الحزن بحفظها و الخوف من فوتها، و قد ضيق عليه مكانه، فلم يلبث إن ذبلت ما أخذه من الأزهار، و عفنت الثمار، و كمدت ألوان الأحجار، فظهر نتن رائحتها، فتأذى من نتن رائحتها و لم يقدر على إلقائها في البحر لصيرورتها جزءا من بدنه، و قد أثر فيه ما أكل منها، و لم ينته إلى الوطن إلا بعد إحاطة الأمراض و الأسقام عليه لأجل ما لم ينفك عنه من النتن، فبلغ إليه سقيما مدنفا، فبقى على سقمه أبدا، أو مات بعد مدة، و أما من رجع إلى المركب بعد تضيق المكان، فما فاته إلا سعة المحل، فتأذى بضيق المكان مدة، و لكن لما وصل إلى الوطن استراح، و من رجع إليه أولا و وجد المكان الأوسع فلم يتأذ من شي‏ء أصلا و وصل إلى الوطن سالما. فهذا مثال أصناف أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، و نسيانهم وطنهم الحقيقي، و غفلتهم عن عاقبة أمرهم. و ما أقبح بالعاقل البصير أن تغره بأحجار الأرض و هشيم النبت، مع مفارقته عند الموت و صيرورته كلا و وبالا عليه.

43
فصل (عاقبة حب الدنيا و بغضها)

اعلم أنه لا يبلغ مع العبد عند الموت إلا صفاء القلب، أعني طهارته عن أدناس الدنيا و حبه للّه و أنسه بذكره، و صفاء القلب و طهارته لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا، و الحب لا يحصل إلا بالمعرفة، و المعرفة لا تحصل إلا بدوام الفكرة، و الأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر اللّه و المواظبة عليه، و هذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت، و هي الباقيات الصالحات.

أما طهارة القلب عن أدناس الدنيا، فهي الجنة بين العبد و بين عذاب اللّه،

كما ورد في الخبر: «أن اعمال العبد تناضل عنه، فإذا جاء العذاب من قبل رجليه جاء قيام الليل يدفع عنه، و إذا جاء من قبل يديه جاءت الصدقة تدفع عنه... » الحديث.

و أما الحب و الأنس، فهما يوصلان العبد إلى لذة المشاهدة و اللقاء.

و هذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة، و كيف لا يصل صاحب الصفات الثلاث بعد موته غاية البهجة و نهاية اللذة بمشاهدة جمال الحق، و لا يكون القبر عليه روضة من الرياض الخلد، و لم يكن له إلا محبوب واحد، و كانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره و مطالعة جماله، و بالموت ارتفعت العوائق و أفلت من السجن و خلى بينه و بين محبوبه، فقدم عليه مسرورا سالما من الموانع آمنا من الفراق؟و كيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا و لم يكن له محبوب إلا الدنيا، و قد غصبت منه و حيل بينه و بينها، و سدت عليه طرق‏

44

الحيلة في الرجوع إليه؟و ليس الموت عدما، إنما هو فراق لمحاب الدنيا و قدوم على اللّه، فإذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث، و هي: الذكر، و الفكر، و العمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا و يبغض إليه ملاذها و يقطعه عنها. و كل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، و صحة البدن لا تنال إلا بالقوت و الملبس و المسكن، و يحتاج كل واحد إلى أسباب، فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا و كانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، و إن أخذ ذلك على قصد التنعم و حظ النفس صار من أبناء الدنيا و الراغبين في حظوظها. إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب اللّه في الآخرة، و سمى ذلك حراما، و إلى ما يحول بينه و بين الدرجات العلى و يعرضه لطول الحساب، و يسمى ذلك حلالا. و البصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب، فمن نوقش في الحساب عذب، و لذلك‏

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «في حلالها حساب و في حرامها عقاب» .

بل لو لم يكن الحساب، لكان ما يفوت عن الدرجات العلى في الجنة و ما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها، هو أيضا عذاب و يرشدك إلى ذلك حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك، و قد سبقوك إلى السعادات الدنيوية، كيف ينقطع قلبك عليها حسرات، مع علمك بأنها سعادات متصرمة لا بقاء لها، و منغصة بكدورات لا صفاء لها، فما حالك في فوات سعادات لا يحيط الوصف بعظمتها و تنقطع الأذهان و الدهور دون غايتها؟و كل من تنعم في الدنيا، و لو بسماع صوت من طائر أو بالنظر إلى خضرة أو بشربة ماء بارد، فهو ينقص من حظه في الآخرة و التعرض لجواب السؤال فيه ذل، و حذر، و خوف، و خطر، و خجل‏

45

و انكسار، و مشقة، و انتظار، و كل ذلك من نقصان الحظ.

فالدنيا-قليلها و كثيرها، حلالها و حرامها-ملعونة، إلا ما أعان على تقوى اللّه، فإن ذلك القدر ليس من الدنيا، و كل من كانت معرفته أقوى و أتم كان حذره من نعيم الدنيا أشد و أعظم، حتى‏

أن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم رمى به، إذ تمثل له إبليس و قال رغبت في الدنيا.

و حتى أن سليمان-عليه السلام-فى ملكه كان يطعم الناس من لذائذ الأطعمة و هو يأكل خبز الشعير،

فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا و شدة، فإن الصبر من لذيذ الأطعمة مع وجودها أشد. و لذا زوى اللّه-تعالى-الدنيا على نبينا-صلى اللّه عليه و آله- فكان يطوى أياما، و كان يشد الحجر على بطنه من الجوع، و لهذا سلط اللّه المحن و البلاء على الأنبياء و الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل في درجات العلى. كل ذلك نظرا لهم و امتنانا عليهم، ليتوفر من الآخرة حظهم، كما يمنع الوالد المشفق ولده لذائذ الفواكه و الأطعمة و يلزمه الفصد و الحجامة، شفقة عليه و حبا له لا بخلا به عليه. و قد عرفت بهذا أن كل ما ليس للّه فهو من الدنيا و ما هو للّه فليس من الدنيا.

ثم الأشياء على أقسام ثلاثة:

(الأول) ما لا يتصور أن يكون للّه، بل من الدنيا صورة و معنى و هي أنواع المعاصي و المحظورات و أصناف التنعم بالمباحات، و هي الدنيا المحضة المذمومة على الإطلاق.

(الثاني) ما صورته من الدنيا، كالأكل و النوم و النكاح و أمثالها، و يمكن أن يجعل معناه للّه، فإنه يمكن أن يكون المقصود منه حظ النفس فيكون معناه كصورته أيضا من الدنيا، و يمكن أن يكون المقصود منه الاستعانة على التقوى، فهو للّه بمعناه و إن كانت صورته صورة الدنيا،

46

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من طلب من الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقى اللّه و هو عليه غضبان، و من طلبها استعفافا عن المسألة و صيانة لنفسه جاء يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر» .

(الثالثة) ما صورته للّه، و يمكن أن يجعل معناه من الدنيا بالقصد، و هو ترك الشهوات، و تحصيل العلم، و عمل الطاعات و العبادات. فهذه الثلاث إذا لم يكن لها باعث سوى أمر اللّه و اليوم الآخر فهي للّه صورة و معنى، و لم تكن من الدنيا أصلا، و إن كان الغرض منها حفظ المال و الحمية و الاشتهار بالزهد و الورع و طلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة صار من الدنيا معنى و إن كان يظن بصورته أنه للّه.

و منها:

حب المال‏

و هو من شعب حب الدنيا، إذ حب الدنيا يتناول حب كل حظ عاجل، و المال بعض أجزاء الدنيا، كما أن الجاه بعضها، و اتباع شهوة البطن و الفرج بعضها، و تشفي الغيظ بحكم الغضب و الحسد بعضها، و الكبر و طلب العلو بعضها.

و بالجملة: لها أبعاض كثيرة يجمعها كل ما لإنسان فيه حظ عاجل، فآفات الدنيا كثيرة الشعب و الأرجاء، واسعة الأرجاء و الأكناف، و لكن أعظم آفاتها المتعلقة بالقوة الشهوية هو (المال) ، اذ كل ذي روح محتاج إليه و لا غناء له عنه، فإن قد حصل الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا و إن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا، فهو

47

لا يخلو من فوائد و آفات، و فوائده من المنجيات و آفاته من المهلكات، و تمييز خيرها و شرها من المشكلات، إذ من فقده تحصل صفة الفقر، و من وجوده تحصل صفة الغناء، و هما حالتان يحصل بهما الامتحان.

ثم (للفاقد) حالتان: القناعة، و الحرص، و أحداهما محمودة و الأخرى مذمومة. و (للحريص) حالتان: تشمر للحرف و الصنائع مع اليأس عن الخلق، و طمع بما في أيديهم. و إحدى الحالتين شر من الأخرى. و (للواجد) حالتان: إمساك، و إنفاق. و أحدهما مذموم و الآخر ممدوح و (للمنفق) حالتان: إسراف، و اقتصاد، و الأول مذموم و الثاني ممدوح و هذه أمور متشابهة لا بد أولا من تمييزها، ثم الأخذ بمحمودها و الترك لمذمومها، حتى تحصل النجاة من غوائل المال و فتنتها. و من هنا قال بعض الأكابر: الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه. قيل و ما رقيته؟قال: أخذه من حله، و وضعه في حقه.

فصل الكتاب و السنة متظاهران في ذم المال و كراهة حبه،
قال اللّه سبحانه:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُلْهِكُمْ أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ (1) .

و قال: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ (2) .

____________

(1) المنافقون، الآية: 9.

(2) الأنفال، الآية: 28.

48

و قال: اَلْمََالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا... الآية (1) .

و قال رسول الله-صلى اللّه عليه و آله-: «حب المال و الشرف ينبتان النفاق، كما ينبت الماء البقل» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا من حب المال و الجاه في دين الرجل المسلم» ،

و قال: «شر أمتي الأغنياء» .

و قال-صلى اللّه‏عليه و آله-: «يقول اللّه-تعالى-: يا ابن آدم!مالي، مالي!و هل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟!»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «أخلاء ابن آدم ثلاثة: واحد يتبعه إلى قبض روحه و هو ماله، و واحد يتبعه إلى قبره و هو أهله، و واحد يتبعه إلى محشره و هو عمله» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله: «يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع اللّه فيها و ماله بين يديه، كلما يكفأ به الصراط قال له ماله: امض و قد أديت حق اللّه في. ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع اللّه فيها و ماله بين كفيه، كلما يكفأ به الصراط قال ماله: ويلك ألا أديت حق اللّه في؟... فما يزال كذلك حتى يدعو بالثبور و الويل»

و قال-صلى اللّه عليه و آله: «إن الدينار و الدرهم أهلكا من كان قبلكم، و هما مهلكاكم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله: «لكل أمة عجل، و عجل هذه الأمة الدينار و الدرهم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله: «يؤتى برجل يوم القيامة، و قد جمع مالا من حرام و أنفقه في حرام فيقال: اذهبوا به إلى النار. و يؤتي برجل قد جمع مالا من حلال و أنفقه في حرام، فيقال اذهبوا به إلى النار. و يؤتى برجل قد جمع مالا من حرام و أنفقه في حلال فيقال اذهبوا به إلى النار. و يؤتى برجل قد جمع مالا من حلال و أنفقه في

____________

(1) الكهف، الآية: 47.

49

حلال، فيقال له: قف لعلك قصرت في طلب هذا بشي‏ء مما فرضت عليك من صلاة لم تصلها لوقتها، و فرطت في شي‏ء من ركوعها و سجودها و وضوئها، فيقول: لا يا رب!كسبت من حلال و أنفقت في حلال، و لم أضيع شيئا مما فرضت، فيقال: لعلك اختلت في هذا المال في شي‏ء من مركب أو ثوب باهيت به، فيقول: لا يا رب!لم اختل و لم أباه في شي‏ء، فيقال: لعلك منعت حق أحد أمرتك أن تعطيه من ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، فيقول: لا يا رب!لم أضيع حق أحد أمرتني أن أعطيه. فيجي‏ء أولئك فيخاصمونه، فيقولون: يا رب أعطيته و أغنيته و جعلته بين أظهرنا و أمرته أن يعطينا، فإن كان قد أعطاهم و ما ضيع مع ذلك شيئا من الفرائض و لم يختل في شي‏ء، فيقال: قف الآن هات شكر نعمة أنعمتها عليك من أكلة أو شربة أو لقمة أو لذة... فلا يزال يسأل» .

فليت شعري-يا أخي-إن الرجل الذي فعل في الحلال، و أدى الفرائض بحدودها، و قام بالحقوق كلها، إذا حوسب بهذه المحاسبة، فكيف يكون حال أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا و تخاليطها، و شبهاتها و شهواتها و زينتها، فيا لها من مصيبة ما أفظعها، و رزية ما أجلها، و حسرة ما أعظمها لا ندري ما تفعل بنا الدنيا غدا في الموقف عند يدي الجبّار.

و لخوف هذا الخطر قال بعض الصحابة: «ما يسرني أن أكتسب كل يوم ألف دينار من حلال و أنفقها في طاعة اللّه، و لم يشغلني الكسب عن صلاة الجماعة» ، قالوا له: و لم ذلك رحمك اللّه؟قال: «لأني غنى عن مقامي يوم القيامة، فيقول اللّه: عبدي من أين اكتسبت و في أي شي‏ء أنفقت؟» .

فينبغي لكل مؤمن تقي ألا يتلبس بالدنيا، فيرضى بالكفاف، و إن‏

50

كان معه فضل فليقدمه لنفسه، إذ لو بقي بعده لكان له مفاسد و آفات.

روي: «أنه قال رجل: يا رسول اللّه، ما لي لا أحب الموت؟فقال:

هل معك من مال؟قال: نعم يا رسول اللّه، قال: قدم مالك أمامك فإن قلب المؤمن مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، و إن خلفه أحب أن يتخلف معه» .

و وضع أمير المؤمنين-عليه السلام-درهما على كفه ثم قال: «أما إنك ما لم تخرج عني لا تنفعني» .

و روي: «أن أول ما ضرب الدينار و الدرهم رفعهما إبليس، ثم وضعهما على جبهته، ثم قبلهما و قال: من أحبكما فهو عبدي حقا» .

و قال عيسى عليه السلام: «لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا، فإن بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم» .

و قال بعض الأكابر: «مصيبتان لم يسمع الأولون و الآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته» ، قيل: و ما هما؟قال: «يؤخذ منه كله، و يسأل عنه كله» .

ثم جميع ما ورد في ذم الغنى و مدح الفقر-كما يأتي بعضه-، و جميع ما ورد في ذم الدنيا-كما تقدم بعضه-يتناول ذم المال، لأنه أعظم أركان الدنيا.

فصل (الجمع بين ذم المال و مدحه)

أعلم أنه كما ورد ذم المال في الآيات و الأخبار ورد مدحه فيهما أيضا و قد سماه اللّه خيرا في مواضع، فقال:

إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ... (1) . و قال في مقام الامتنان:

____________

(1) البقرة، الآية: 180.

51

وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنََّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهََاراً (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- : «نعم المال الصالح للرجل الصالح» .

و كل ما جاء في ثواب الصدقة، و الضيافة، و السخاء، و الحج و غير ذلك مما لا يمكن الوصول إليه إلا بالمال، فهو ثناء عليه.

و وجه الجمع بين الظواهر المادحة و الذامة هو: أن المال قد يكون وسيلة إلى مقصود صحيح هو السعادة الأخروية، إذ الوسائل إليها في الدنيا ثلاث، و هي: الفضائل النفسية، و الفضائل البدنية، و الفضائل الخارجية التي عمدتها المال. و قد يكون وسيلة إلى مقاصد فاسدة و هي المقاصد الصادة عن السعادة الأخروية و الحياة الأبدية، و الصادة سبيل العلم و العمل. فهو إذن محمود و مذموم بالإضافة إلى المقصودين. فالظواهر الذامة محمولة على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد فاسدة، و المادحة على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد صحيحة. و لما كانت الطبائع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل اللّه، و كان المال مسهلا لها و آلة إليها، عظم الخطر في ما يزيد على قدر الكفاية، فاستعاذ طوائف الأنبياء و الأولياء من شره، حتى‏

قال نبينا-صلى اللّه عليه و آله و سلم-: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا»

و قال-صلى اللّه عليه و آله- : «اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا» .

____________

(1) نوح، الآية: 12.

52
فصل (غوائل المال و فوائده)

قد ظهر مما ذكر: أن المال مثل حية فيها سم و ترياق، فغوائله سمه، و فوائده ترياقه، فمن عرفهما أمكنه أن يحترز من شره و يستدر منه خيره.

و لبيان ذلك نقول: إن غوائله إما دنيوية أو دينية:

و الدنيوية: هي ما يقاسيه أرباب الأموال: من الخوف، و الحزن، و الهم، و الغم، و تفرق الخاطر، و سوء العيش، و التعب في كسب الأموال و حفظها، و دفع الحساد و كيد الظالمين، و غير ذلك.

و الدينية: ثلاثة أنواع:

{h9~{h9أولها-أداؤه إلى المعصية. h9}~h9}إذ المال من الوسائل إلى المعاصي، و نوع من القدرة المحركة لداعيتها. فإذا استشعرها الإنسان من نفسه، انبعثت الداعية، و اقتحم في المعاصي، و ارتكب أنواع الفجور. و مهما كان آيسا عن القدرة لم يتحرك داعية إليها: إذ العجز قد يحول بين المرء و بين المعصية، و من العصمة ألا يقدر، و أما مع القدرة فإن اقتحم ما يشتهيهه هلك، و إن صبر وقع في شدة. إذ الصبر مع القدرة أشد، و فتنة السراء من فتنة الضراء أعظم.

{h9~{h9و ثانيها-أداؤه إلى التنعم في المباحات. h9}~h9}فإن الغالب أن صاحب المال يتنعم بالدنيا و يمرن عليه نفسه، فيصير التنعم محبوبا عنده مألوفا، بحيث لا يصبر عنه، و يجره البعض منه إلى البعض. و إذا اشتد ألفه به و صار عادة له، ربما لم يقدر عليه من الحلال، فيقتحم في الشبهات‏