زينب الكبري

- الشيخ جعفر النقدي المزيد...
156 /
1

-

2

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه الذى حبانا بمودة أهل بيت نبيه المختار، و الصلاة و السّلام على سيدنا محمد الهادي و آله الاطهار، ما دجا ليل و اضاء نهار.

(و بعد) فان من أظهر مورد التعظيم لشعائر اللّه تعالى هو تعظيم من أمر عباده بمودتهم و طلب من اوليائه الانحياز الى حوزتهم، و هم نبيه الامين و أهل بيته الغر الميامين صلوات اللّه عليهم أجمعين، و ان خير ما يعظم به هؤلاء الكرام، هو بث مناقبهم، و نشر فضائلهم بين الخاص و العام، و لذلك ألف العلماء الابرار، و حفظة الأخبار فى كل قرن من القرون الاسلامية المؤلفات المعتبرة، و المصنفات المطولة و المختصرة فى تواريخهم و سيرهم و أحوالهم، عليهم الصلاة و السّلام و لمالم اجد مؤلفا خاصا بالمعصومة الصغرى، سيدتنا و مولاتنا (زينب الكبرى) بنت الامام أمير المؤمنين صلوات اللّه عليها و على أبيها، يبين تفصيل احوالها، و بشرح فضائلها و مناقبها، و مزاياها التي خصها بها الباري تعالى، سوى الكتاب الفارسي المسمى (بالطراز المذهب) الذى جمع فيه مؤلفه بين الغث و السمين، الفت كتابي هذا فى شرح سيرتها و بيان فضلها و رفعة شأنها و جلالتها عليهاالسّلام طالبا من الباري جل شأنه المعونة و التوفيق، و هو حسبي و نعم الوكيل.

3

نسبها صلوات اللّه عليها

أما أبوها فهو أمير المؤمنين، و سيد الوصيين، و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين، الى جنات النعيم أبو الحسن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذى رباه النبي (ص) طفلا، و علمه علم ما كان و ما يكون شابا، و نصبه من بعده علما لامته كهلا، و فضائله لا تحصى، و مناقبه لا نستقصى و بحار علمه لا ننزف، و أطواد حلمه لا نتزعزع، أعلم الناس بعد رسول اللّه (ص) و أحلمهم، و أجودهم، و أكرمهم و أزهدهم و أشجعهم و أعبدهم و أوفاهم و أورعهم و أقضاهم.

ولد صلوات اللّه عليه في مكة المكرمة داخل البيت الحرام‏ (1)

____________

(1) لا يرتاب كل من قرأ التأريخ و جوامع الحديث في ولادة أمير المؤمنين في الكعبة المقدسة، و لذلك قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 483 تواترت الاخبار فيه، و تابعه جمع من علماء العامة منهم شاه ولي اللّه احمد بن عبد الرحيم الدهلوي في إزالة الخفا، و السيد محمود الالوسي المفسر في شرح عينية عبد الباقى العمري ص 15، و حمد اللّه المستوفي في تاريخ كزيدة طبع اوربا فارسي، و المؤرخ نشابنج زادة محمد بن احمد بن محمد بن رمضان في مرئاة الكائنات ج 1 ص 383 طبع تبريز بالتركية، و الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 26 طبع النجف و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة طبع ايران، و عبد الحميد الدهلوى في سيرة الخلفاء ج 8 بالهندية و سبط ابن الجوزى في التذكرة طبع ايران-

4

يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب المرجب سنة ثلاثين من عام الفيل، و لم يولد قبله و لا بعده مولود في بيت اللّه الحرام سواء عليه الصلاة و السّلام و ذلك إكراما من اللّه تعالى له، و إجلالا لمحله في التعظيم، و كانت امامته بعد النبي (ص) ثلاثين سنة، منها اربع و عشرون سنة و أشهر أيام الخلفاء الثلاثة و منها خمس سنين و أشهر ممتحنا بجهاد الناكثين و القاسطين و المارقين.

و كانت وفاته عليه السّلام قبيل الفجر ليلة الجمعة في احدى و عشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلا بسيف الخارجي عبد الرحمن ابن ملجم المرادي لعنه اللّه في مسجد الكوفة، و قد خرج «ع» يوقظ الناس لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، و كان هذا اللعين أرصده في أول الليل لذلك فلما مر به عليه السّلام في المسجد و هو مستخف بامره متناوم بين النائمين في المسجد و انتظره حتى اذا دخل في صلاته قام

____________

ق-و الشبلنجي في نور الابصار طبع مصر و احمد بن منصور الكازروني في مفتاح الفتوح فارسي، و عبد الرحمن الجامي في شواهد النبوة، و الشيخ عبد الحق الدهلوى في مدارج النبوة، و محمد صالح ابن عبد اللّه الكشفي الترمذى الاكبر آبادى في مناقبه مطبوع، و ميرزا محمد ابن رستم معتمد خان الحارثي البدخشي في مفتاح النجا في مناقب آل العبا و الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي المدرس بالازهر في كفاية الطالب في مناقب علي «ع» ص 37، و صدر الدين احمد البردواني في روائح المصطفي ص 10 هذا ما اوقفنا البحث في كتب العامة على الاعتراف و التصديق بولادته عليه السّلام في الكعبة، و قد اكتفينا بذلك عن ذكر كتب الخاصة البالغة الى عدد لا منتهى له في الكثرة و كلهم نصوا على ولادته فيها تركنا ذكر اسمائهم لعدم تحمل هذا المختصر (نقلا عن رسالة كتبها العلامة الميرزا محمد علي الاوردبادى في هذه المسألة خاصة مع تحقيقات رشيقة) .

5

اليه فضربه على أم رأسه بالسيف و كان مسوما، فمكث يوم تسعة عشر و ليلة عشرين و يومها و ليلة إحدى و عشرين الى نحو الثلث الاول من الليل ثم قضى نحبه شهيدا، و لقي ربه مظلوما، و بعد ما غسله و كفنه ولداه الحسنان عليهما السّلام حملاه الى الغري من نجف الكوفة فدفناه هناك، و عفيا موضع قبره بوصية كانت منه اليهما في ذلك، لما كان عليه السّلام يعلمه من دولة بني أمية و الذى أظهر قبره الشريف للناس هو الامام الصادق عليه السّلام روى محمد بن جرير الطبري (الامامي) في الدلائل عن حبيب بن الحسين عن عبيد بن خارجة عن علي بن عثمان عن فرات بن أحنف عن الامام الصادق «ع» في حديث زيارته لجده الامام أمير المؤمنين عليه السّلام قال هاهنا قبر أمير المؤمنين «ع» أما إنه لا تذهب الايام حتى يبعث اللّه رجلا ممتحنا في نفسه بالقتل يبني عليه حصنا فيه سبعون طاقا قال حبيب بن الحسين سمعت هذا الحديث قبل أن يبنى على الموضع شي‏ء ثم إن محمد بن زيد (الداعى العلوي صاحب طبرستان) وجه فبنى عليه فلم تمض الايام حتى امتحن محمد في نفسه بالقتل (انتهى) و قد توفي محمد بن زيد الداعي سنة 287 على اثر جراحات اصابته في محاربته مع عسكر اسماعيل الساماني (في قصة طويلة) انظر تاريخ أبي الفداء في حوادث سنة 287، و روى أيضا الصدوق في كتاب الزيارات من كتابه من لا يحضره الفقيه رواية فيها تعيين الامام الصادق «ع» قبر جده في موضعه المعروف في النجف لما زاره مع بعض أصحابه و في بعض الروايات عن بعض الأئمة الهداة عليهم السّلام أنه لما كان أيام السفاح و جاء ابو عبد اللّه الصادق «ع» الى الحيرة و اقام بها صار يزور قبر أمير المؤمنين «ع» مع خواص الشيعة فصاروا يعرفونه و يدلون عليه الخواص و لم يعرفه العامة و سائر الناس حتى أظهره الرشيد بالبناء عليه ايام خلافته او محمد بن زيد الداعى العلوي على خلاف في ذلك بين أهل التواريخ و كان سن أمير المؤمنين يوم وفاته ثلاثا و ستين سنة على أصح الاقوال‏

6

و أما أمها عليهاالسّلام فهي البضعة الطاهرة سيدة نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء، بنت رسول اللّه محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف صلوات اللّه عليه و آله و هي أصغر بنات النبي (ص) ولدت لسنتين من المبعث (و قيل) لخمس بعد المبعث (و قيل) قبله، و تزوجها أمير المؤمنين «ع» بعد الهجرة بسنة واحدة و توفيت بعد رسول اللّه (ص) بخمس و تسعين يوما (و قيل) بخمس و سبعين (و قيل) بأربعين (و قيل) بستة أشهر (و قيل) غير ذلك و الاصح الاول.

و فضائل فاطمة «ع» كثيرة و مناقبها لا تعد (روى) ابن حجر في الاصابة باسناده عن عمرو بن دينار قالت عائشة ما رأيت قط أحدا أفضل من فاطمة غير أبيها (و فيه) عن ابن عباس أفضل نساء أهل الجنة خديجة و فاطمة و مريم و آسية (و فيه) عن جابر حسبك من نساء العالمين أربع فذكرهن (و فيه) عن الصحيحين عن المسور بن مخرمة سمعت رسول اللّه (ص) و هو على المنبر يقول فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها و يريبني ما رابها (1) (و فيه) عن علي «ع» قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لفاطمة ان اللّه يرضى لرضاك و يغضب لغضبك.

و كانت فاطمة عليهاالسّلام تالية أبيها و بعلها في العبادة و التقوى و الزهد و العلم و الفضل و الحلم و الوقار و غير ذلك من الصفات الممتازة كما هو غير خفي على من نظر في تاريخ حياتها صلوات اللّه عليها.

ولدت فاطمة «ع» ولدها الحسن «ع» في السنة الثالثة من الهجرة و لم

____________

(1) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه (ج 3 ص 189) طبع مصر سنة1320 في باب مناقب فاطمة «ع» و مثله مسلم في صحيحه (ج 2 ص 248) طبع مصر سنة 1290، و أورده ابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 113 و قال أخرجه احمد و الشيخان و أبو داود و الترمذي عن المسور ابن مخرمة. (م ص) .

7

يكن بينه و بين أخيه الحسين الامدة الحمل، ثم ولدت زينب الكبرى ثم أم كلثوم و اسمها رقية على الصحيح (و قيل) زينب أيضا ثم حملت بالمحسن و أسقطته لستة أشهر، و على هذا أكثر المؤرخين و حملة الاخبار و الآثار و كان النبي (ص) يحب ذرية فاطمة «ع» حبا جما حتى قال أبو هريرة رأيت رسول اللّه (ص) يمص لعاب الحسن و الحسين كما يمص الرجل اللبن (و عن) اسامة بن زيد قال طرقت رسول اللّه (ص) ليلة لحاجة فخرج و هو مشتمل على شي‏ء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت ما هذا الذى أنت مشتمل عليه يا رسول اللّه فاذا هو حسن و حسين على وركه، فقال هذان ابناي و ابنا بنتي، اللهم انك تعلم اني احبهما فأحبهما ثلاث مرات و عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال دخلت على النبي (ص) و على ظهره الحسن و الحسين «ع» و هو يقول نعم الجمل جملكما و نعم العدلان انتما.

و الاخبار الواردة في فضائل الحسنين عليهما السّلام كثيرة جدا رواها المؤلف و المخالف في كتبهم و هي مشهورة نورد في كتابنا هذا شيئا يسيرا منها تبركا بها و الحاقا بهذا العنوان.

قال القندوزي البلخي في ينابيع المودة في الباب الرابع و الخمسين منه:

أخرج ابن عساكر عن علي و ابن عمر و ابن ماجة و الحاكم عن ابن عمر و الطبراني عن قرة و مالك بن حويرث و الحاكم أيضا عن ابن مسعود مرفوعا ابناي هذان الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة و ابوهما خير منهما (و فيه أخرج الترمذي و الطبراني عن اسامة بن زيد مرفوعا هذان ابناي و ابنا ابنتي اللهم اني أحبهما و أحب من يحبهما (و عن) زاذان عن سلمان قال سمعت رسول اللّه (ص) يقول في الحسن و الحسين اللهم اني احبهما فاحبهما و أحب من أحبهما و قال (ص) من أحب الحسن و الحسين أحببته و من أحببته أحبه اللّه، و من أحبه اللّه أدخله الجنة، و من أبغضهما أبغضته و من أبغضته أبغضه اللّه و من أبغضه اللّه أدخله النار و قال (ص)

8

هذان ريحانتاي من الدنيا و قال (ص) الولد ريحانة و ريحانتي الحسن و الحسين.

و في ارشاد المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري رحمه اللّه كان الحسن «ع» أشبه الناس برسول اللّه (ص) خلقا و هديا و سؤددا روى ذلك جماعة منهم معمر عن الزهري عن أنس بن مالك، قال لم يكن احد أشبه برسول اللّه (ص) من الحسن بن علي «ع» و روى ابراهيم بن علي الرافعي عن أبيه عن جدته زينب بنت أبي رافع و شبيب ابن أبي رافع الرافعي عن جدته، أتت فاطمة (ع) بابنيها الحسن و الحسين الى رسول اللّه (ص) في شكواه التي توفي فيها فقالت يا رسول اللّه هذان ابناك فورثهما شيئا فقال (ص) أما الحسن فان له هيبتي و سؤددي و أما الحسين فان له جودي و شجاعتي.

و في مودة القربى للعالم العارف السيد علي بن شهاب الدين الهمداني عن سلمان الفارسي (ره) قال دخلت على النبي (ص) فاذا بالحسين (ع) على فخذه و هو يقبل عينيه و يقبل فاه و يقول انت سيد و ابن سيد انت امام و ابن امام انت حجة و ابن حجة و انت ابو حجج تسعة تاسعهم قائمهم‏

اخوتها و اخواتها عليها و عليهم السّلام‏

نكتفي هنا بذكر اخوة زينب الكبرى الذينهم لامها و أبيها بما تقدم أما اختها أم كلثوم فسيأتى تفصيل أحوالها عند الكلام على موضع دفنها أما اخوتها و أخواتها الذين هم من غير الصديقة الطاهرة فاطمة صلوات اللّه عليها فاولهم محمد ابن الحنقية.

قال سبط ابن الجوزي في تذكرته كنيته ابو القاسم و قيل ابو عبد اللّه و هو من الطبقة الاولى من التابعين ولد بعد وفاة رسول اللّه (ص) و قال‏

9

احمد في المسند حدثنا و كيع حدثنا مطر حدثنا منذر حدثنا محمد ابن الحنفية عن أبيه علي (ع) قال قلت يا رسول اللّه ارأيت ان ولدلي بعدك ولد اسميه باسمك و اكنيه بكنيتك قال نعم. قال و أم محمد خولة بنت جعفر بن قيس الحنفي من سبي اليمامة قال الزهري كان محمد من اعقل الناس و اشجعهم معتزلا عن الفتن و ما كان فيه الناس.

و قال ابن سعد في الطبقات لما استولى ابن الزبير على الحجاز بعث الى ابن الحنفية يقول له بايعني و بعث اليه عبد الملك بن مروان يقول له كذلك فقال لهما أنا رجل من المسلمين اذا اجتمع الناس على امام بايعته فلما قتل ابن الزبير بايع عبد الملك (و قال وهب) بن منبه كانت القلوب مائلة الى محمد ابن الحنفية (أقول) كان محمد ابن الحنفية من اورع الناس و أتقاهم بعد أئمة الدين و كان عالما عايدا متكلما فقيها زاهدا شجاعا كريما خدم والده الكرار و أخويه السبطين «ع» خدمة صادقة شهد حروب والده و أبلى مع أخيه الحسن بلاءا حسنا «قال الباقر «ع» ما تكلم الحسين «ع» بين يدي الحسن «ع» اعظاما له، و لا تكلم محمد ابن الحنفية بين يدي الحسين اعظاما له. و كفي في شأن محمد و جلالة قدره ما رواه الكشي عن الرضا «ع» ان أمير المؤمنين «ع» قال تأبى المحامدة ان يعصى اللّه عز و جل، و هم محمد ابن جعفر، و محمد بن ابى بكر و محمد بن ابي حذيفة، و محمد ابن الحنفية، و كانت الكيسانية تقول بامامته و لكنه تبرأمنهم و من دعواهم، و كان يرى تقديم زين العابدين فرضا و دينا، كان لا يتحرك بحركة لا يرضى بها (ع) أما قضية التحاكم الى الحجر الاسود المشهورة فانما كانت منه لازاحة شكوك الناس في ذلك لما كان يبلغه من ادعاء الكيسانية الامامة له، و أما عدم خروجه مع الحسين «ع» فالذي يظهر من الاخبار التي عليها المعول انه كان مريضا، و به اجاب العلامة الحلي (قده) في المسائل المهنائية و في رواية ان يده كانت شلاء لعين اصابتها، و لما اشتدت محنة ابن الزبير

10

على الهاشميين و كثر اضطهاده لهم و امتنع محمد من بيعته حبسه في مكان يقال له حبس عارم، و فيه يقول كثير عزة و هو من الكيسانية يخاطب ابن الزبير:

يخبر من لاقيت انك عائذ # بل العائذ المظلوم في حبس عارم

و من ير هذا الشيخ في الخيف و المنى # من الناس يعلم انه غير ظالم

سمي نبي اللّه و ابن وصيه # و فكاك اغلال و قاضي المغارم‏

و يقال انه حبسه في قبة زمزم و حبس معه عشرين شخصا من وجوه عشيرته و جماعة من بني هاشم و هم الذين لم يبايعوه و ضرب لهم أجلا ان لم يبايعوه فيه و الا احرقهم بالنار، و اشار بعض من كان مع محمد ابن يبعث الى المختار فيعرفه حديثهم و ما توعدهم به ابن الزبير، و كان المختار قد ظهر امره في الكوفة يدعو الى اليسانية و الطلب بثار الحسين و يسمى ابن الحنفية المهدي فكتب اليه و قال في كتابه يا أهل الكوفة لا تخذلونا كما خذلتم الحسين «ع» فلما قرأ المختار كتابه بكى و جمع الاشراف و قرأه عليهم و قال هذا كتاب مهديكم و سيد أهل بيت نبيكم و قد تركهم الرسول ينتظرون القتل و الحريق و لست أبا اسحاق ان لم انصرهم و اسرب الخيل في أثر الخيل كالسيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل، ثم سرح اليهم عبد اللّه الجدلي في الف فارس و أتبعه بالف ثم بالف و الف فساروا حتى هجموا على مكة و نادوا يا لثارات الحسين و وافوا الحطب على باب القبة و لم يبق من الاجل سوى يومين فكسروا باب القبة و أخرجوا محمدا و من معه و سلموا عليه و قالوا خل بيننا و بين عدو اللّه المحل ابن الزبير، فقال محمد لا استحل القتال في حرم اللّه ثم لا تتابع عدا المختار حتى خرج محمد في اربعة الاف فخرج الى ايلة فاقام بها مدة سنتين، و كان ابن الزبير قد أحرق داره و قيل بل اقام بالطايف و هو الاشهر، و كانت وفاة محمد ابن الحنفية بالطائف سنة احدى و ثمانين و له من العمر خمس و ستون سنة، و اختلف‏

11

في مدفنه، فقيل بالطائف و قيل بأيله، و قيل بالمدينة، و الاشهر هو القول الاول (و قد روى) عبد اللّه بن عطا عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال انا دفنت عمي محمد ابن الحنفية و نفضت يدي من تراب قبره (أقول) و أخبار محمد ابن الحنفية و فضائله و فواضله كثيرة نكتفي منها بما نقلناه.

و من اخوتها العباس و عبد اللّه و جعفر و عثمان، امهم ام البنين فاطمة ابنة حزام الكلابية تزوجها علي (ع) باشارة أخيه عقيل، و كان عالما بانساب العرب و أخبارهم، و كانت من النساء الفاضلات العارفات بحق اهل البيت (ع) كما كانت فصيحة بليغة لسنة ورعة ذات زهد و تقى و عبادة، و لا كبارها و جلالتها زارتها زينب الكبرى بعد منصرفها من واقعة الطف كما كانت تزورها أيام العيد (1) و لقد كانت تخرج الى البقيع حاملة ولد العباس عبيد اللّه ترثي اولادها الاربعة فيجتمع الناس لسماع رثائها فيبكون و لا يزال مروان يسمع ذلك و يبكي فمن قولها:

لا تدعوني و يك أم البنين # تذكريني بليوث العرين

كانت بنون لي ادعى بهم # و اليوم اصبحت و لا من بنين

أربعة مثل نسور الربى # قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاءهم # فكلهم أمسى صريعا طعين

يا ليت شعري أكما أخبروا # بان عباسا قطيع الوتين‏

و من قولها:

يا من رأى العباس كر # على جماهير النقد

و وراه من أبناء حيـ # در كل ليث ذي لبد

انبئت ان ابني اصيـ # ب برأسه مقطوع يد

و يلى على شبلى أما # ل برأسه ضرب العمد

لو كان سيفك في يديـ # ك لما دنا منه أحد

____________

(1) حكي ذلك عن مجموعة الشهيد الأول.

12

ولدت لعلي «ع» العباس و عبد اللّه و جعفرا و عثمان أما العباس فكانت ولادته في الرابع من شعبان‏ (1) سنة ست و عشرين من الهجرة.

و له يوم قتله اربع و ثلاثون سنة، و كان له من الولد عبد اللّه و الفضل و الحسن و محمد و القاسم و بنت، و يكنى ابا قربة و ابا القاسم و أبا الفضل و يلقب بالشهيد و السقا و قمر بني هاشم و باب الحوائج، و هو من عظماء أهل البيت علما و ورعا و نسكا و عبادة، و لكثرة السجود بين عينيه أثر ظاهر، و كان صلب الايمان نافذ البصيرة لا تأخذه في اللّه لومة لائم و لا اماني متمرد غاشم، يدلنا على ذلك قول الامام الصادق «ع» كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع أخيه الحسين «ع» و أبلى بلاءا حسنا و مضى شهيدا، و يحدث الامام السجاد (ع) من قبله عما عوضه اللّه تعالى عن يديه بان جعل له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كجعفر الطيار، و عن منزلته في الجنان فيقول (ع) له منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة، و لفظ الجمع يشمل حتى حمزة أسد اللّه و جعفر الطيار مع الملائكة.

و أخبار فضله و فواضله و مناقبه لا تحصى و سنفرد لها كتابا خاصا انشاء اللّه تعالى.

و من الناس في قرننا هذا من يزعم أن لأمير المؤمنين (ع) عباسا آخر و ذلك لاختلاف بعض الروايات في قتله و صفته (ع) و تبعه على

____________

(1) حكاه العلامة الشيخ ميرزا محمد علي الأوردبادي عن كتاب (أنيس الشيعة) بالفارسية للعالم السيد محمد بن عبد الحسين بن السيد محمد عبد الهادي المدارسي الهندي من مؤلفي عصر (فتح علي شاه) رأى الكتاب في تبريز و قرأ على ظهره بخط المؤلف انه اهداه الى السلطان المذكور يوم الجمعة اول شعبان سنة 1244 و له من المؤلفات زاد المؤمنين، و تذكرة الطريق، و عناية الرضا، كلها بالفارسية.

13

هذا القول بعض الافاضل من المعاصرين، و هو قول لا يعرفه النسابون و لا المؤرخون، و أما تسمية سبط ابن الجوزي للعباس بالاكبر و اقتدى به الشبلنجي و غيره به فالمراد منه اكبر اولاد ام البنين او انه اكبر من يسمى بهذا الاسم من الطالبيين.

و من اخوتها محمد الاوسط، و امه امامة بنت أبي العاص، و أم امامة زينب بنت رسول اللّه (ص) تزوج بها أمير المؤمنين (ع) لوصية فاطمة و محمد هذا قتل مع أخيه الحسين (ع) يوم الطف و قيل المقتول هو محمد الاصغر و امه ام ولد و قاتله من تميم من بني ابان بن دارم و الاوسط مات حتف أنفه.

(و منهم) عمر و رقية الصغرى، و امهما ام حبيب بنت ربيعة التغلبي و كانت تسمى الصهباء، قيل ولد عمر و اخته تؤمين و عاشا، و قال الطبرسي في الاعلام كانت رقية بنت علي (ع) عند مسلم بن عقيل‏ (1) فولدت له عبد اللّه بن مسلم قتل يوم الطف، و عليا و محمدا ابني مسلم، و قال الداودي

____________

(1) ولد مسلم من ام ولد نبطية من آل فرزند و هم ملوك النبط اسمها علية او صهيلة اشتراها عقيل من الشام، و اولاده خمسة عبد اللّه و علي، امهما رقية بنت الصهباء، و محمد امه ام ولد قتل بالطف في جملة آل ابي طالب و مسلم و عبد العزيز، ذكرهما ابن قتيبة في المعارف و يظهر من المجلسي في البحار (ج 8) في وقعة صفين انه كان ممن يحمل السلاح فانه يقول (و جعل أمير المؤمنين على ميمنته الحسن و الحسين و عبد اللّه بن جعفر و مسلم بن عقيل و ان كلمة الحسين (ع) الثمينة في كتابه لاهل الكوفة (و انا باعث اليكم باخي و ابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل) ترشد البصير الى مكانة مسلم العالية في العلم و الكرامة و الخبرة باصول السياسة و الاصلاح بين الامة و لو لم يعرفه الحسين بان له القدرة على نشر مبادى‏ء الدين القويم و ازاحة الشبه في مختلف المسائل و تنظيم الشؤون-

14

عمر الاطرف ابن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) و يكنى أبا القاسم قاله الموضح النسابة، و قال ابن خداع يكنى أبا حفص و ولد توأما لاخته رقية، قال و كان ذا لسان و فصاحة وجود و عفة، و قال و لا يصح رواية

____________

ق-الادارية و العسكرية لم يعتمد عليه في هذه السفارة المهمة (اذ الرسول دليل عقل المرسل) و أما ابوه عقيل فناهيك في فضله و تقدمه في قريش كلمه المتكاثر في انساب العرب و مثالبها و فواضلها و رئي قريش الصائب في هذه الاحوال، اضف الى ذلك استحضاره للجواب مع النكات البديعة و أجوبته المسكتة تشهد بفضل رفيع. ولد في مكة بعد ولادة النبي (ص) بعشر سنين و كان اكبر من علي بعشرين سنة و من جعفر بعشر سنين و اصغر من طالب عشر سنين، و توفي سنة ستين من الهجره قبل حادثة الطف، و قد اهمل المؤرخون اسلامه، و ارخه ابن حجر في الاصابة بعد الحديبية، و لا بدع ان اهملوا مثله و قد طعنوا من قبل في أبيه شيخ الابطح و رئيى قريش و قد حمل وصايا الانبياء و سلمها الى النبي العظيم (ص) و نحن اذا قرأنا في تاريخ الطبري ج 2 ص 282 قول النبي (ص) لأصحابه (اني قد عرفت رجالا من بني هاشم قد خرجوا الى بدر كرها فمن لقى منكم رجلا منهم فلا يقتله) يمكننا ان نستفيد ايمان عقيل بالنبوة قبل الهجرة، غير أن سياسته قريشا اضطرته الى التستر و الاستخفاء كيف لا و هو يشاهد أباه و أمه و أخوته مصدقين بالنبوة خاضعين للدعوة الآلهية و هم اعضاد الحنيفية البيضاء فلم يكن الغصن الباسق من ذلك الدوح اليانع بدعا من أصله الكريم، و لو تنازلنا عن ذلك كله لدلنا ابن قتيبة في المعارف ص 68 على اسلامه يوم بدر بامر النبي (ص) أضف الى ذلك قول النبي (ص) لعلي و قد قال له انك لتحب عقيلا قال (اى و اللّه أحبه حبين حبا له و حبا لحب ابي طالب و ان ولده المقتول في محبة ولدك تدمع عليه عيون المؤمنين و تصلي عليه الملائكة المقربون) ثم بكى رسول اللّه (ص) و قال الى اللّه‏

15

من روى ان عمر حضر كربلا (قلت) و قد عمر عمرا طويلا، قيل تسعين سنة، و قيل خمسا و ثمانين، و رويت عنه بعض الاحاديث (و منهم) يحيى و عون، أما يحيى فلا خلاف في ان امه اسماء بنت عميس، و أما عون فقيل ان امه اسماء أيضا، و قيل امه ام ولد، توفي يحى في حياة أبيه، و استشهد عون يوم الطف مع أخيه الحسين «ع» (و منهم) ابو بكر قيل اسمه كنيته، و قيل هو محمد الاصغر، و قال ابو الفرج لم يعرف اسمه، و عبيد اللّه المقتول في المذار في جيش مصعب بن الزبير، و امه ليلى بنت مسعود بن خالد ابن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهش بن دارم بن مالك ابن حنظلة بن زيد مناة بن تميم (و منهم) زينب الصغرى و رقية الصغرى و كنيتها ام كلثوم، و قيل هي كنية زوجة مسلم بن عقيل و هذه لا كنية لها، و امهما ام سعيد بنت عروة الثقفية و كانت الاولى منهما عند محمد بن عقيل فولدت له عبد اللّه، و فيه العقب من ذرية عقيل، قال الذهبي روى عن ابيه و خاله ابن الحنفية و آخرين و ذكره ابن سعد الى ان قال كان خيرا فاضلا موصوفا بالعبادة من اهل الصدق مات بعد سنة 140.

و ماتت امه بالمدينة و دفنت ببقيعها، و كانت الثانية عند عبد الرحمن ابن عقيل فولدت له سعدا و عقيلا.

____________

ق-اشكو ما تلقى عترتي من بعدي. و في شخوصه الى معاوية اسرار دقيقة لا يهتدي اليها الا من استضاء بنور الولاية لانه كان عالما بالآثار واقفا على خفي الانساب سريع الجواب، و في حضوره هناك اظهر من فضل بيته الطاهر و الطعن في البيت الاموي ما لا يخفي على الباحث في السير و الآثار، و يكفيه فخرا انه يأتي يوم القيامة الى رسول اللّه (ص) و الأئمة من عترته رافعا رأسه الى النبي (ص) و امامه ابناؤه التسعة معتذرا عن حضوره في مشاهد اخيه الامام (ع) بكف بصره و مقدما هؤلاء المتشحطين بدم الشهادة و نعمت الهدية ذلك اليوم.

16

(و من اخواتها) بنت ماتت و هي صغيرة، قيل اسمها خديجة امها محياة بنت امرى‏ء القيس الكلابية، و كان من ذكائها انها كانت تلثغ باللام فكانت تحترز عن اللام في كلامها و كان اصحاب أمير المؤمنين «ع» يسئلونها من اخوالك فتقول وه وه احترازا من لام كلاب.

(و من اخوتها و أخواتها) لامهات شتى (عمران) قيل أصيب جريحا في النهروان و مات في بابل و قبره يزار هناك (و رملة) زوجها ابوها من ابي الهياج عبد اللّه بن ابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و ام هاني تزوجها عبد اللّه الاكبر بن عقيل بن ابي طالب فولدت له محمدا قتل يوم الطف و (عبد الرحمن) و (ميمونة) و كانت عند عقيل ابن عبد اللّه بن عقيل و (أمامة) و كانت عند الصلت بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و ولدت له نفيسة و توفيت عنده و (فاطمة) كانت عند أبي سعيد بن عقيل فولدت له حميدة، و عاشت فاطمة هذه حتى رأت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (ع) و قد رويت عنها احاديث و هي التي ارسلت جابر بن عبد اللّه الانصاري لتسلية علي بن الحسين عليه السّلام من البكاء.

هؤلاء اخوة زينب «ع» و أخواتها ذكرنا ما يتحمله الكتاب من ذكرهم، و لبعضهم أخبار و آثار ذكرنا شيئا منها فيما الفناه من مناقب أبيهم المرتضى من كتبنا، و عسى ان نتعرض لشي‏ء منها مع الحاجة اليه‏

اسمها و كناها و ألقابها و تاريخ ولادتها عليهاالسّلام‏

لما ولدت زينب (ع) جاءت بها امها الزهراء (ع) الى أبيها أمير المؤمنين (ع) و قالت سم هذه المولودة فقال ما كنت لا سبق‏

17

رسول اللّه (ص) -و كان في سفر له-و لما جاء النبي (ص) و سأله علي «ع» عن اسمها فقال ما كنت لا سبق ربي تعالى، فهبط جبرئيل يقرأ على النبي السّلام من اللّه الجليل و قال له سم هذه المولودة زينب فقد اختار اللّه لها هذا الاسم، ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب فبكى النبي (ص) و قال من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على اخويها الحسن و الحسين، و تكنى بام كلثوم كما تكنى بام الحسن أيضا و لم نقف له على حقيقة و يقال لها زينب الكبرى للفرق بينها و بين من سميت باسمها من أخواتها، و كنيت بكنيتها كما انها تلقب بالصديقة الصغرى للفرق بينها و بين امها الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء «ع» و تلقب بالعقيلة و عقيلة بني هاشم و عقيلة الطالبيين-و العقيلة هي المرأة الكريمة على قومها العزيزة في بيتها و زينب فوق ذلك-و بالموثقة و العارفة، و العالمة غير المعلمة، و الفاضلة، و الكاملة، و عابدة آل علي و غير ذلك من الصفات الحميدة و النعوت الحسنة، و هي أول بنت ولدت لفاطمة صلوات اللّه عليها في أشهر الاقوال، و هو القول الذي نعتمد عليه و نختاره، و قيل أول بنات فاطمة اسمها رقية و كنيتها أم كلثوم، و هي التي تزوجها عمر بن الخطاب و أولدها زيدا، و ماتت في حياة أخيها الحسن بن علي «ع» و الصحيح المشهور هو ما اعتمدنا عليه. اما أم كلثوم فسيأتي تحقيق اسمها و أحوالها ان شاء اللّه تعالى عند تحقيق موضع قبرها «ع» و مما يدلنا على انها اكبر بنات فاطمة ان الرواة في أيام الاضطهاد كانوا اذا ارادوا الرواية عن علي «ع» يقول الرجل منهم هذه الرواية عن أبي زينب كما نقل ذلك ابن ابي الحديد في شرح النهج، و انما كنوا أمير المؤمنين «ع» بهذه الكنية لان زينب «ع» كانت الاكبر من ولده بعد الحسنين «ع» و لم يكن يعرف بهذه الكنية عند أعدائه.

كانت ولادة هذه الميمونة الطاهرة (زينب عليهاالسّلام) في

18

الخامس من شهر جمادى الأولى في السنة الخامسة او السادسة للهجرة على ما حققه بعض الا فاضل و قيل في شعبان في السنة السادسة للهجرة، و قيل في السنة الرابعة، و قيل في أواخر شهر رمضان في السنة التاسعة للهجرة و هذا القول باطل لا يمكن القول بصحته لان فاطمة «ع» توفيت بعد والدها في السنة العاشرة او الحادية عشرة للهجرة على اختلاف الروايات فاذا كانت ولادة زينب في السنة التاسعة و هي كبرى بناتها فمتى كانت ولادة ام كلثوم و متى حملت بالمحسن و أسقطته لستة أشهر، لان المدة الباقية من ولادة زينب على هذا القول الى حين وفاة امها غير كافية، و الذي يترجح عندنا هو أن ولادة زينب كانت في الخامسة من الهجرة و ذلك حسب الترتيب الوارد في اولاد الزهراء «ع» أضف الى ذلك ان الخبر المروى في البحار عن العلل في باب معاشرة فاطمة مع علي عليهما السّلام جاء فيه (حملت الحسن على عاتقها الايمن و الحسين على عاتقها الايسر و اخذت بيد ام كلثوم اليسرى بيدها اليمنى ثم تحولت الى حجرة أبيها (ص) و أم كلثوم هذه ان كانت هي زينب «ع» فذلك دليل على انها كانت كبيرة، و ان كانت اختها فذاك دليل على ان امها (ع) تركت زينب لتنوب منابها في الشؤون المنزلية فهي كانت كبيرة اذن، و قد روى صاحب ناسخ التواريخ في كتابه (ان زينب اقبلت عند وفاة امها و هى تجر رداءها و تنادي يا أبتاه يا رسول اللّه الآن عرفنا الحرمان من النظر اليك (و روى) هذه الرواية صاحب البحار عن الروضة بهذا اللفظ (و خرجت ام كلثوم و عليها برقعة تجر ذيلها متجلببة برداء عليها تسحبهما و هى تقول يا أبتاه يا رسول اللّه الآن حقا فقد ناك فقدا لا لقاء بعده أبدا) و أم كلثوم هذه هى زينب (ع) من غير شك كما صرح باسمها في رواية صاحب الناسخ و لكونها اكبر بنات فاطمة عليهاالسّلام، و هذا دليل واضح على انها كانت عند وفاة امها في السادسة أو السابعة من عمرها، و لهذا الخبر نظائر و مؤيدات منها ما نقله في الطراز

19

المذهب عن بحر المصائب عن بعض الكتب لما دنت الوفاة من النبي (ص) رأى كل من أمير المؤمنين و الزهراء (ع) رؤيا تدل على وفاته (ص) فاخذا بالبكاء و النحيب فجاءت زينب الى جدها رسول اللّه (ص) و قالت يا جداه رأيت البارحة رؤيا انها انبعثت ريح عاصفة سودت الدنيا و ما فيها و اظلمتها و حركتني من جانب الى جانب فرأيت شجرة عظيمة فتعلقت بها من شدة الريح فاذا بالريح قلعتها و الفتها على الارض ثم تعلقت على غصن قوي من أغصان تلك الشجرة فقطعتها أيضا فتعلقت بفرع آخر فكسرته أيضا فتعلقت على أحد الفرعين من فروعها فكسرته أيضا فاستيقظت من نومي فبكى (ص) و قال الشجرة جدك و الفرع الاول امك فاطمة و الثاني أبوك علي و الفرعان الآخران هما أخواك الحسنان تسود الدنيا لفقدهم و تلبسين لباس الحداد في رزيتهم، و سيأتي أنها روت عن امها الاخبار.

نشأتها و تربيتها (ع)

التربية هى من أهم الامور للاطفال الذين يراد تثقيفهم و تهذيبهم و تأديبهم على الوجه الصحيح لأنها أساس كل فضيلة و دعامة كل منقبة و أول شي‏ء يحتاج اليه في التربية هو اختيار المربي الكامل العامل بالدروس التي يلقبها على من يراد تربيته، و لذلك ترى الامم الناهضة في كل دور من أدوار التأريخ ينتخبون لتربية ناشئتهم من يرون فيه الكفاءة و المقدرة من ذوي الاخلاق الفاضلة و الصفات الكاملة علما منهم ان الناشي‏ء يتخلق باخلاق مربيه و يتأدب بآدابه مهما كانت.

و لقد كانت نشأة هذه الطاهرة الكريمة، و تربية تلك الدرة اليتيمة (زينب عليهاالسّلام) في حضن النبوة، و درجت في بيت الرسالة رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، و غذيت بغذاء الكرامة من كف ابن عم الرسول، فنشأت نشأة قدسية، و ربيت تربية روحانية، متجلبية

20

جلابيب الجلال و العظمة، متردية رداء العفاف و الحشمة، فالخمسة اصحاب العباء «ع» هم الذين قاموا بتربيتها و تثقيفها و تهذيبها و كفاك بهم مؤدبين و معلمين.

و لما غربت شمس الرسالة، و غابت الانوار الفاطمية، و تزوج أمير المؤمنين بامامة بنت أبي العاص‏ (1) و امها زينب بنت رسول اللّه (ص) بوصية من فاطمة «ع» اذ قالت (و أوصيك ان تتزوج بامامة بنت اختي زينب تكون لولدي مثلي) قامت أمامة بشؤون زينب خير قيام، كما كانت تقوم بشؤون بقية ولد فاطمة و كانت أمامة هذه من النساء الصالحات القانتات العابدات، و كانت زينب عليهاالسّلام تأخذ التربية الصالحة و التأديب القويم من والدها الكرار و أخويها الكريمين الحسن و الحسين «ع» الى أن بلغت من العلم و الفضل و الكمال مبلغا عظيما كما سيأتي في بيان علمها و فضلها.

____________

(1) كان رسول اللّه (ص) يحب امامة بنت أبي العاص بن الربيع حبا شديدا و كان يفضلها على أهل بيته فيما يهدى اليه. (قالت عائشة) اهديت له هدية فيها قلادة من جزع فقال (ص) لأدفعنها الى أحب أهلي الي فقالت النساء ذهبت بها ابنة أبي قحافة فدعا رسول اللّه (ص) أمامة بنت زينب فاعلقها في عنقها (و عن عائشة) أيضا ان النجاشي أهدى الى النبي (ص) حلية فيها خاتم من ذهب فصه حبشي فاعطاه أمامة، خطبها المغيرة بن نوفل بن الحرث ابن عبد المطلب ثم أبو الهياج ابن أبي سفيان ابن الحرث فروت عن علي «ع» انه لا يجوز لازواج النبي و الوصي ان يتزوجن بغيره بعده، هذا هو الصحيح و أما ما رواه النوفلي و أمثاله فلا نصيب له من الصحة، و كان أبو العاص أبو أمامة هذه ابن اخت خديجة ام زينب بنت رسول اللّه (ص) و اسم امه هالة بنت خويلد، أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، و مات في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة من الهجرة.

21

شرفها و مجدها عليهاالسّلام‏

الشرف في اللغة هو العلو، و شرف شرافة و شرفا أي علا في دين أو دنيا فهو شريف أي ذو شرف، و الشرف في النسب اتصاله بعظيم من العظماء و أظهر أفراد هذا النوع هم الذرية الطاهرة من آل الرسول و المجد لغة يطلق على الشرف الواسع، و يطلق على الكرم و العز و الجاه، و المجد المؤثل هو الشرف المؤصل، يقال تأثل الشي‏ء أي تأصل و تعظم، و عن الشيخ ابي علي: المجد هو العلو و الكمال و الرفعة و التمجيد ان ينسب الانساب الى المجد كما ينسب الى الشرف في الآباء او الى عمله الشريف فهو التشريف و التعظيم، فاذا سمعت هذا فاستمع لما يوحى اليك، قال رسول اللّه (ص) كل بني أم ينتمون الى عصبتهم إلا ولد فاطمة فانى أنا أبوهم و عصبتهم‏ (1) و قد روي هذا الحديث بالاسناد الى فاطمة بنت الحسين «ع» عن فاطمة الكبرى «ع» بنت رسول اللّه (ص) و رواه الطبراني و غيره باسانيدهم المختلفة، كما في الشرف المؤبد للنبهاني‏ (2) عنه (ص) ان اللّه عز و جل جعل ذرية كل نبي في صلبه و ان اللّه تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب و الروايات بهذا المعنى كثيرة، و هذا الشرف الحاصل لزينب (ع) شرف لا مزيد عليه، فاذا ضممنا الى ذلك ان أباها علي المرتضى

____________

(1) أورده النبهاني في الشرف المؤبد (ص 51) و قال الصباني في اسعاف الراغبين هذه الخصوصية لاولاد فاطمة (ع) فقط دون اولاد بقية بناته (ص) فلا يطلق عليه (ص) انه أب لهم و انهم بنوه كما يطلق ذلك على أولاد فاطمة عليهاالسّلام، نعم يطلق عليهم أنهم من ذريته و نسله و عقبه.

(2) ص 53 طبع بيروت سنة 1309.

22

و أمها فاطمة الزهراء و جدتها خديجة الكبرى و عمها جعفر الطيار في الجنة و عمتها أم هاني بنت أبي طالب و أخواها سيدا شباب أهل الجنة و أخوالها و خالاتها أبناء رسول اللّه (ص) فماذا يكون هذا الشرف و الى اين ينتهي شأوه و يبلغ مداه، و اذا ضممنا الى ذلك أيضا علمها و فضلها و تقواها و كمالها و زهدها و ورعها و كثرة عبادتها و معرفتها باللّه تعالى كان شرفها شرفا خاصا بها و بامثالها من أهل بيتها، و مجدها مجدا مؤثلا لا يليق الا بها و بهم عليهم السّلام، و مما زاد في شرفها و مجدها ان الخمسة الطاهرة أهل العباء (ع) كانوا يحبونها حبا شديدا.

(و حدث) يحيى المازني قال كنت في جوار امير المؤمنين (ع) في المدينة مدة مديدة و بالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته فلا و اللّه ما رأيت لها شخصا و لا سمعت لها صوتا، و كانت اذا ارادت الخروج لزيارة جدها رسول اللّه (ص) تخرج ليلا و الحسن عن يمينها و الحسين عن شمالها و أمير المؤمنين أمامها فاذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (ع) فاخمد ضوء القناديل فسأله الحسن مرة عن ذلك فقال أخشى أن ينظر أحد الى شخص اختك زينب (و ورد) عن بعض المطلعين ان الحسن عليه السّلام لما وضع الطشت بين يديه و صار يقذف كبده سمع بان اخته زينب تريد الدخول عليه أمر و هو في تلك الحال برفع الطشت اشفاقا عليها.

(و جاء) في بعض الاخبار ان الحسين (ع) كان اذا زارته زينب يقوم اجلالا لها و كان يجلسها في مكانه، و لعمري ان هذه منزلة عظيمة لزينب لدى أخيها الحسين (ع) كما انها كانت أمينة أبيها على الهدايا الآلهية، ففي حديث مقتل امير المؤمنين (ع) الذي نقله المجلسي (ره) في تاسع البحار نادى الحسن اخته زينب‏ (1) أم كلثوم هلمي بحنوط

____________

(1) في بعض نسخ البحار زينب و أم كلثوم و ما نقلناه أصح-

23

جدي رسول اللّه (ص) فبادرت زينب (ع) مسرعة حتى أتته به فلما فتحته فاحت الدار و جميع الكوفة و شوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب.

و جاء ذكر زينب (ع) في احاديث نبوية (منها) الحديث الذي ذكره الشيخ سليمان الحنفي في كتابه ينابيع المودة في الباب الثامن و الخمسين عن ربيعة السعدي قال أتيت حذيفة (ره) فسئلته عن أشياء فقال اسمع مني وعه و بلغ الناس اني رأيت رسول اللّه (ص) و سمعته باذني و قد جاء الحسين بن علي (ع) على المنبر فجعله على منكبيه ثم قال أيها الناس هذا الحسين خير الناس جدا وجدة جده رسول اللّه سيد ولد آدم وجدته خديجة سابقة الى الايمان من كل الامة و هذا الحسين خير الناس خالا و خالة خاله القاسم و عبد اللّه و ابراهيم و خالته زينب و رقية و أم كلثوم و هذا الحسين خير الناس عما و عمة عمه حمزة و جعفر و عقيل و عمته أم هانى و هذا الحسين خير الناس أبا و أما و أخا و أختا أبوه علي و أمه فاطمة و أخوه الحسن و أخته زينب و رقية، ثم وضعه عن منكبه فاجلسه في جنبه فقال أيها الناس هذا الحسين جده في الجنة و جدته في الجنة و أخواله في الجنة و خالاته في الجنة و أعمامه في الجنة و عماته في الجنة و أبوه في الجنة و أمه في الجنة و أخوه في الجنة و أختاه في الجنة و هو في الجنة، ثم قال يا أيها الناس انه لم يعط أحد من ذرية الانبياء الماضين ما اعطي الحسين بن علي خلا يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، يا أيها الناس ان الفضل و الشرف و المنزلة و الولاية لرسول اللّه و ذريته فلا تذهبن بكم الاباطيل (قال) في الينابيع، أخرجه أبو الشيخ بن حيان في كتابه التنبيه الكبير كذا أخرجه الحافظ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي المدني في درر السمطين ا هـ.

____________

ق-بقرينة هلمي بلفظ المفرد و بقرينة فبادت زينب الخ.. و من هذا يظهر ان أم كلثوم الوارد ذكرها مكررا في هذه الرواية هى زينب (ع) .

24

(أقول) هذا الحديث يثبت لك ما حققناه من أن زينب (ع) هي اكبر بنات فاطمة (ع) و يثبت ايضا ان ام كلثوم اسمها رقية.

و من الشرف الذي لم يقابله شرف لزينب (ع) ان الحسين (ع) إئتمنها على اسرار الامامة كما في الخبر الذي رواه الصدوق في كتاب اكمال الدين و اتمام النعمة (1) قال حدثنا علي بن احمد بن مهزيار قال حدثني ابو الحسين محمد بن جعفر الاسدي قال حدثني احمد بن ابراهيم قال دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا اخت ابى الحسن العسكري (ع) في سنة 262، بالمدينة فكلمتها من وراء حجاب و سألتها عن دينها فسمت لي من تأتم بهم ثم قالت فلان ابن الحسن (ع) فسمته فقلت لها جعلني اللّه فداك معاينة او خبرا فقالت خبرا عن ابي محمد (ع) كتب به الى امه فقلت لها فاين المولود فقالت مستور فقلت فالى من تفزع الشيعة فقالت الى الجدة ام ابي محمد (ع) فقلت لها اقتدى بمن في وصيته الى المرأة فقالت اقتداء بالحسين بن علي بن ابي طالب (ع) ان الحسين بن علي (ع) أوصى الى اخته زينب بنت علي بن ابي طالب (ع) في الظاهر و كان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب الى زينب بنت علي سترا على علي بن الحسين ثم قالت انكم قوم أصحاب اخبار اما رويتم ان التاسع من ولد الحسين يقسم ميراثه و هو في الحياة (أقول) قد روى هذا الخبر شيخ الطائفة الطوسي قدس سره في كتاب الغيبة عن محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن جعفر الاسدي عن احمد بن ابراهيم الا انه قال فيه دخلت على خديجة بنت ابن محمد بن علي الرضا (ع) و ذكر الحديث و لعل تبديل الاسم بخديجة

____________

(1) أنظر ص 275 طبع ايران سنة 1301 و رواه ايضا ص 278 عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب عن محمد بن عبد اللّه عن أبيه عبد اللّه ابن جعفر الحميري عن محمد بن جعفر عن أحمد بن ابراهيم، و ذكر الخبر.

(م ص)

25

من قلم الناسخ (و روى) المجلسي (ره) في البحار الخبر عنهما بلفظ حكيمة و في هذا الخبر من الفضل لزينب «ع» ما لا يخفي على من عرف منزلة هذه الوظيفة السامية التي وظفها بها الامام «ع» (و مما يدل) على شرف قدرها و علو منزلتها ما نقله بعض المتتبعين للآثار ان بعض النساء تلقت كتابا من أختها في أثناء وقعة الجمل و فيه (ما الخبر ما الخبر إن عليا كالاشقر إن تقدم عقر و إن تأخر نحر) فجمعت هذه المرأة نساء قومها و صرن يضربن بالدفوف و يرددن ذلك الكلام فاخبرت زينب «ع» بذلك فعمدت الى توبيخهن، فقالت لها أم سلمة زوجة النبي أنت ابنة أمير المؤمنين و عقيلة آل أبى طالب قري في مكانك و دعيني أخرج اليهن و أو بخهن فابت الا أن تخرج بنفسها اليهن و تزيت بزي الجواري و خرجت تحف بها الاماء و معها أم سلمة و أم أيمن حتى دخلت على النسوة فلما رأتها المرأة استحيت و فرقت النساء و قالت لها انهن فعلن ذلك بجهل، فقالت لها زينب «ع» ان تظاهرتما على أبي فلقد تظاهرتما على رسول اللّه (ص) من قبل و عادت الى بيتها، و نقل شيخنا المفيد طاب ثراه هذه الرواية في كتاب النصرة في حرب البصرة قال فيه: لما بلغها نزول أمير المؤمنين «ع» بذي قار كتبت الى الاخرى أما بعد فلما نزلنا البصرة نزل علي بذي قار و اللّه داق عنقه كدق البيضة في الصفا بمنزلة الاشقر ان تقدم نحر و ان تأخر عقر.

فلما وصلها الكتاب استبشرت بذلك و دعت الصبيان و أعطت جواريها دفوفا و أمرتهن ان يضربن الدفوف و يقلن (ما الخبر ما الخبر علي في ذقر ان تقدم نحر و ان تأخر عقر) فبلغ أم سلمة (ره) اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه فبكت و قالت اعطوني ثيابي حتى أخرج اليهن واقع بهن فقالت أم كلثوم بنت علي «ع» (و هي زينب بقرينة النقل الاول) انا أنوب عنك فانني اعرف منك بهن فلبست ثيابها و تنكرت و تخفرت و استصحبت جواريها متخفرات و جاءت حتى دخلت عليهن كانها من

26

النظارة فلما رأت ما هن فيه من العبث و السفه كشفت نقابها و ابرزت لها وجهها ثم قالت ان تظاهرت و اختك على أمير المؤمنين «ع» فقد تظاهرتما على اخيه رسول اللّه من قبل فأنزل اللّه عز و جل فيكما ما أنزل و اللّه من وراء حربكما فانكسرت تلك المرأة المكتوب اليها و اظهرت خجلا و قالت انهن فعلن هذا بجهل و فرقتهن في الحال و انصرفن من المكان ا هـ.

و في البحار نقلا عن ابي مخنف ان الذي قلنه في غنائهن (ما الخبر ما الخبر علي في سفر كالفرس الاشقر ان تقدم عقر و ان تأخر نحر) (و في الطراز المذهب) عن ناسخ التواريخ انه قال من معجزات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انه كان يضع لسانه في فم اولاد فاطمة الرضع فيغنيهم عن اللبن قال و الأولاد الرضع يشمل الذكور و الاناث، فزينب و ام كلثوم يشار كان الحسنين عليهما السّلام في هذه الفضيلة، و من المعلوم ان من التقم لسان رسول اللّه عقل العقول و وارث علوم الاولين و الآخرين و ارتوى بمصه كيف يحصل على المراتب العالية و كيف يأخذ مقامات العلم و الشرف (و في البحار) عن معاني الاخبار باسناده عن محمد بن مروان قال قلت لابي عبد اللّه هل قال رسول اللّه (ص) ان فاطمة احصنت فرجها فحرم اللّه ذريتها على النار فقال «ع» نعم عنى بذلك الحسن و الحسين و زينب و ام كلثوم (و فيه عنه) بالاسناد عن حماد ابن عثمان قال قلت لابي عبد اللّه «ع» جعلت فداك ما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ان فاطمة احصنت فرجها فحرم اللّه ذريتها على النار فقال المعتقود من النار هم ولد بطنها الحسن و الحسين و ام كلثوم (قلت) ان لفظة و زينب سقطت من هذا الخبر من قلم الناسخين بقرينة الخبر الاول.

فضائلها و مناقبها عليهاالسّلام‏

قال شهاب الدين بن حجر في الاصابة زينب بنت علي بن ابي طالب‏

27

ابن عبد المطلب الهاشمية سبطة رسول اللّه (ص) أمها فاطمة الزهراء قال ابن الاثير انها ولدت في حياة النبي (ص) و كانت عاقلة لبيبة جزلة زوجها أبوها ابن أخيه عبد اللّه بن جعفر فولدت له أولادا و كانت مع أخيها لما قتل فحملت الى دمشق و حضرت عند يزيد بن معاوية و كلامها ليزيد بن معاوية حين طلب الشامي اختها فاطمة مشهور يدل على عقل و قوة جنان (أقول) و سيأتي انشاء اللّه هذا الكلام الذي عناه فيما نذكره من بلاغتها (و قال العلامة) البرغاني في مجالس المتقين ان المقامات العرفانية الخاصة بزينب «ع» تقرب من مقامات الامامة، و إنها لما رأت حالة زين العابدين «ع» حين رأى أجساد أبيه و اخوته و عشيرته و أهل بيته على الثرى صرعى مجزرين كالاضاحي و قد اضطرب قلبه و اصفر وجهه، أخذت «ع» في تسليته و حدثته بحديث أم ايمن من أن هذا عهد من اللّه تعالى (أقول) و سيأتى حديث أم أيمن ان شاء اللّه تعالى فيما نذكره من الاخبار المروية عنها «ع» (و في الطراز المذهب) إن شؤنات زينب الباطنية و مقاماتها المعنوية كما قيل فيها أن فضائلها و فواضلها و خصالها و جلالها و علمها و عملها و عصمتها و عفتها و نورها و ضياءها و شرفها و بهاءها تالية أمها «ع» و نائبتها (ع) .

(و في مقاتل الطالبيين) لابي الفرج الاصبهاني، زينب العقيلة بنت علي بن ابي طالب و أمها فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و العقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة (ع) في فدك فقال حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي (و في جنات الخلود) ما معناه كانت زينب الكبرى في البلاغة و الزهد و التدبير و الشجاعة قرينة أبيها و أمها (ع) فان انتظام امور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسين (ع) كان برأيها و تدبيرها (ع) (و قال ابن عنبة) في أنساب الطالبيين زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علي (ع) كنيتها أم الحسن تروى عن أمها فاطمة الزهراء

28

بنت رسول اللّه (ص) و قد امتازت بمحاسنها الكثيرة و أوصافها الجليلة و خصالها الحميدة و شيمها السعيدة و مفاخرها البارزة و فضائلها الظاهرة (و عن الحافظ) جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية ولدت زينب في حياة جدها رسول اللّه (ص) و كانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوة جنان فان الحسن ولد قبل وفاة جده بثمان سنين و الحسين بسبع سنين و زينب الكبرى بخمس سنين (و عن النيسابورى) في رسالته العلوية كانت زينب ابنة علي (ع) في فصاحتها و بلاغتها و زهدها و عبادتها كابيها المرتضى «ع» و أمها الزهراء «ع» (و قال) عمر ابو النصر اللبناني في كتابه (فاطمة) بنت محمد (ص) المطبوع ببيروت حديثا، و أما زينب بنت فاطمة «ع» فقد أظهرت انها من اكثر آل البيت جرأة و بلاغة و فصاحة، و قد استطارت شهرتها بما أظهرت يوم كربلا و بعده من حجة و قوة و جرأة و بلاغة حتى ضرب بها المثل و شهد لها المؤرخون و الكتاب، و قال أيضا في كتابه (الحسين بن علي) المطبوع حديثا أيضا و مما يجب ان يصار الى ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة و اخت الحسين «ع» من جرأة و ثبات جأش في مواقفها هذه يوم المعركة و عند ابن زياد و في قصر يزيد الى آخر ما قال (و قال) البحاثة فريد وجدي على ما نقله عنه بعض الاجلاء السيدة زينب بنت علي رضي اللّه عنها كانت من فضليات النساء و شريفات العقائل ذات تقي و طهر و عبادة هاجرت الى مصر و توفيت بها (ا هـ) .

و الذي رأيته في كتابه كنز العلوم و اللغة، زينب بنت الحسين بن علي، و لعل الاصل اخت الحسين ابن علي و تبديله الاخت بالبنت غلط مطبعي (و قال) الفاضل الاديب حسن قاسم في كتابه السيدة (زينب) ، السيدة الطاهرة الزكية زينب بنت الامام علي بن ابي طالب ابن عم الرسول (ص) و شقيقة ريحانتيه لها أشرف نسب و أجل حسب و أكمل نفس و أطهر قلب فكأنها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل فالمستجلي آثارها يتمثل‏

29

أمام عينيه رمز الحق، رمز الفضيلة، رمز الشجاعة، رمز المروءة و فصاحة اللسان، قوة الجنان، مثال الزهد و الورع، مثال العفاف و الشهامة، إن في ذلك لعبرة... (و قال أيضا) فلئن كان في النساء شهيرات فالسيدة أولاهن، و اذا عدت الفضائل فضيلة فضيلة!.. من وفاء و سخاء و صدق و صفاء و شجاعة و إباء و علم و عبادة و عفة و زهادة فزينب أقوى مثال للفضيلة بكل مظاهرها (و قال) العلامة السيد جعفر آل بحر العلوم الطباطبائي في تحفة العالم-المطبوع بالنجف حديثا زينب الكبرى زوجة عبد اللّه بن جعفر تكنى أم الحسن و يكفي في جلالة قدرها و نبالة شأنها ماورد في بعض الاخبار من انها دخلت على الحسين «ع» و كان يقرأ القرآن فوضع القرآن على الارض و قام لها اجلالا.

(و قال) العلامة الاجل السيد هبة الدين الشهرستانى سلمه اللّه في كتاب نهضة الحسين المطبوع‏ (1) لزينب اخت الحسين «ع» شأن

____________

(1) قال سلمه اللّه تعالى في هامش النهضة: لأمير المؤمنين «ع» بنتان بهذا الاسم و يلقب أم كلثوم و الكبرى هي سيدة الطف، و كان ابن عباس ينوه عنها بعقيلة بني هاشم ولدتها الزهراء بعد شقيقها الحسين بسنتين و تزوجها عبد اللّه ابن عمها جعفر الطيار بعد وفاة أختها في خلافة عثمان او معاوية، و كانت قطب دائرة العيال في المخيم الحسيني، و قد افرغ لسان الملك ترجمتها في مجلد خاص بها من موسوعه (ناسخ التواريخ) و جاء في الخيرات الحسان و غيره ان مجاعة اصابت المدينة فرحل عنها عبد اللّه ابن جعفر باهله الى الشام في ضيعة له هناك و قد حمت زوجته زينب من وعثاء السفر او ذكريات احزان و أشجان من عهد سبي يزيد لآل الرسول ثم توفيت على اثرها في نصف رجب سنة 65 و دفنت هناك حيث المزار المشهور، و قال جماعة ان هذا لزينب الصغرى كما مرسوم على صخرة القبر و ان الكبرى توفيت بمصر و دفنت عند قناطر السباع حيث المزار-

30

مهم و دور كبير النطاق في قضية الحسين «ع» (و في نساء العرب) نوادر امثالها ممن قمن في مساعدة الرجال و شاركنهم في تاريخهم المجيد و قد صحبت زينب أخاها في سفره الخطير صحبة من تقصد ان تشاطره في خدمة الدين و ترويج أمره، فكانت تدبر بيمناها ضيافة الرجال و باليسرى حوائج الاطفال و ذاك بنشاط لا يوصف، و المرأة قد تقوم باعمال يعجز عنها الرجل و لكن مادام منها القلب في ارتياح و نشاط أما لو تصدع قلبها او جرحت منها العواطف فتراها زجاجة اوارق و كسرها لا يجبر، و لذلك اوصى بهن النبي (ص) اذ قال ارفق بالقوارير فجعلهن كزجاج القوارير يحتاج الى لطف المداراة، فكانت ابنة علي «ع» قائمة بمهمات رحل الحسين «ع» و أهله غير مبالية بما هناك من ضائقة عدو او احصار او عطش اذ كانت تنظر في وجه الحسين «ع» تراه هشا بشا فتزداد به أملا و كلما ازداد الانسان املا ازداد نشاطا و عملا، و ان في بشاشة وجه الرئيس أثرا في قوة آمال الاتباع و نشاط اعصابهم، غير ان زينب باغتت أخاها الحسين «ع» في خبائه ليلة مقتله فوجدته يصقل سيفا له و يقول (يا دهر اف لك) الى آخر الابيات و المعنى، يا دهر كم لك من صاحب قتيل في ممر الاشراق و الاصيل فأف لك من خليل‏ (1) ذعرت زينب عند تمثل أخيها بهذه الابيات و عرفت ان أخاها قد يئس من الحياة و من الصلح مع

____________

ق-المشهور بالقاهرة ا هـ (أقول) قد عرفت اخبار ولادتها مما تقدم و سيأتي خبر تزويجها و تحقيق حال أم كلثوم و وفاة زينب و محل دفنها و غير ذلك من أحوالها و أحوال أختها صلوات اللّه عليهما في مطاوي كتابنا هذا، أما صاحب الناسخ فلم يخص زينب بمجلد من كتابه و كتاب الطراز المذهب هو لولده عباس قليخان المستوفي لاله.

(1) ستأتي هذه القضية في محلها و انما نقلتها هنا استيناسا بعبارات هذا العلامة الكبير و تحليلاته الثمينة دامت معاليه.

31

الاعداء و انه قتيل لا محالة و اذا قتل فمن يكن لها و العيال و الصبية في عراء و غربة و ألد الاعداء محيط بهم و متربص لهم الدواثر، لهذه و لتلك صرخت اخت الحسين «ع» نادبة أخاها و تمثل لديها ما يجري عليها و على اهله و رحله بعد قتله و قالت (اليوم مات جدي و أبي و أمي و أخي) ثم خرجت مغشية عليها اذ غابت عن نفسها و لم تعد تملك اختيارها فاخذ أخوها الحسين «ع» رأسها في حجره يرش على وجهها من مدامعه حتى أفاقت و سعد بصرها بنظرة من شقيقها الحسين «ع» و أخذ يسليها (و بعض التسلية تورية) فقال (يا أختاه ان أهل الارض يموتون و أهل السماء لا يبقون فلا يبقى الا وجهه و قد مات جدي و أبي و أمي و أخي و هم خير مني فلا يذهبن بحلمك الشيطان) و لم يزل بها حتى اسكن بروحه روعها و نشف بطيب حديثه دمعها، و لكن في المقام سر مكتوم، فان زينب تلك التي لم تستطع ان تسمع من نعي اخيها و هو حي كيف تجلدت في مذبح اخيها و أهلها بمشهد منها و رأت رأسه و رؤسهم مرفوعة على القنا، و تلعب بها صبيان كالاكر، ينكت ابن زياد و يزيد ثنايا اخيها بين الملأ بالقضيب الى غير ذلك من مصائب لا تطيق رؤيتها الاجانب، فضلا عن أمس الاقارب، فليت شعري ما الذي حول ذلك القلب الرقيق الى قلب اصلد و اصلب من الصخر الاصم، نعم كانت شقيقة الحسين «ع» اخته بتمام معاني الكلمة فلا غرو إن شاطرت سيدة الطف زينب اخاها الحسين «ع» في الكوارث و آلام الحوادث فقد شاطرته في شرف الابوين و مواريث الوالدين خلقا و خلقا و منطقا، و عليه فانها على رقة عواطفها و سرعة تأثرها تمكنت من تبديل حالتها و الاستيلاء على نفسها بنفسها من حين ما أوحى اليها الحسين «ع» باسرار نهضته و آثار حركته و انه لا بد ان يتحمل اعباء الشهادة و ما يتبعها من مصائب و مصاعب في سبيل الملة و احياء شريعة جده، و شعائر مجده لكنه سيار يطوي السرى الى حد مصرعه في كربلا ثم لا بد و أن تنوب هي‏

32

عن اخيها في انجاز مهمته، و ابلاغ حجته، في تحمل الخطوب و القاء الخطب، و مكايدة الآلام من كربلا الى الكوفة، ثم الى الشام، قائمة بوظيفته، محافظة على أسرار نهضته ناشرة لدعوته في كل أين و آن، منتهزة سوائح الفرص، و هو معها اينما كانت يباريها، لكنه على عوالي الرماح خطيبا كما هي الخطيبة بلسان المقال انتهى. (و قال) الفاضل العلامة الاجل المولى محمد حسن القزويني في كتابه المسمى (برياض الاحزان و حدائق الاشجان) يستفاد من آثار اهل البيت جلالة شأن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليهما السّلام و وقارها و قرارها بما لا مزيد عليه حتى اوصى اليها اخوها عليه السّلام ما أوصى قبل شهادته، و انها من كمال معرفتها و وفور علمها و حسن اعراقها و طيب اخلاقها كانت تشبه امها ست النساء فاطمة الزهراء «ع» في جميع ذلك، و في الخفارة و الحياء، و اباها في قوة القلب في الشدة، و الثبات عند النائبات، و الصبر على الملمات، و الشجاعة الموروثة من صفاتها، و المهابة المأثورة من سماتها و قد يستند في جميع ما ذكرناه الى ما رواه في كامل الزيارة من موعظتها لابن اخيها الامام السجاد زين العابدين عليه السّلام حين المرور بمصارع الشهداء، ثم ساق حديث أم أيمن الآتى في الاخبار المروية عن زينب عليهاالسّلام (و قال) محمد علي احمد المصري في رسالته التي طبعها بمصر: السيدة زينب رضى اللّه تعالى عنها هي ابنت سيدي الامام علي كرم اللّه وجهه و ابنة السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي من اجل اهل البيت حسبا و أعلاهم نسبا، خيرة السيدات الطاهرات، و من فضليات النساء، و جليلات العقائل، التي فاقت الفوارس في الشجاعة، و اتخذت طول حياتها تقوى اللّه بضاعة، و كان لسانها الرطب بذكر اللّه على الظالمين عضبا، و لا هل الحق عينا معينا، كريمة الدارين، و شقيقة الحسنين بنت البتول الزهراء، التي فضلها اللّه على النساء

33

و جعلها عند اهل العزم ام العزائم، و عند اهل الجود و الكرم ام هاشم، (الى ان قال) ولدت رضي اللّه عنها سنة خمس من الهجرة النبوية اي قبل وفاة جدها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخمس سنين، فسر بمولدها اهل بيت النبوة اجمعين و نشأة حسنة كاملة فاضلة عالمة من شجرة اصلها ثابت و فرعها في السماء، و كانت على جانب عظيم من الحلم و العلم و مكارم الاخلاق، ذات فصاحة و بلاغة يفيض من يدها عيون الجود و الكرم، و قد جمعت بين جمال الطلعة و جمال الطوية حتى انها اشتهرت في بيت النبوة، و لقبت بصاحبة الشورى، و كفاها فخرا انها فرع من شجرة اهل بيت النبوة الذين مدحهم اللّه تعالى في كتابه العزيز (الى آخر ما قال) .

علمها و فضلها (ع) و معرفتها باللّه تعالى‏

العلم من أفضل السجايا الانسانية، و أشرف الصفات البشرية، به اكمل اللّه انبيائه المرسلين، و رفع درجات عباده المخلصين، قال تعالى‏ (يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجََاتٍ) و قرن اهل العلم بنفسه و بملائكته في آية أخرى فقال جل شأنه‏ (شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قََائِماً بِالْقِسْطِ) و قال تعالى‏ (هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ) و انما صار العلم بهذه المثابة لانه يوصل صاحبه الى معرفة الحقائق، و يكون سببا لتوفيقه في نيل رضاء الخالق، و لذلك لما سئل رسول اللّه (ص) عن رجلين احدهما عالم و الآخر عابد فقال (ص) (فضل العالم على العابد كفضلي على ادناكم رجلا) و كان (ص) و الائمة من اهل بيته «ع» يحثون الامة على طلب العلم و كانوا يغذون اطفالهم العلم كما يغذونهم اللبن.

أما زينب المتربية في مدينة العلم النبوي، المعتكفة بعده ببابها العلوي

34

المتعذية بلبانه من أمها الصديقة الطاهرة سلام اللّه عليها، و قد طوت عمرا من الدهر مع الامامين السبطين يزقانها العلم زقا، فهي من عياب علم آل محمد عليهم السّلام و علب فضائلهم، التي اعترف بها عدوهم الالد (يزيد الطاغية) بقوله في الامام السجاد «ع» (إنه من أهل بيت زقوا العلم زقا) و قد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين «ع» (أنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة و فهمة غير مفهمة) يريد ان مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهاما لا بتخرج على استاذ، و أخذ عن مشيخة و ان كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها و أبيها و أمها و أخويها او لمحض انتهائها اليهم و اتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية فازيحت عنها بذلك الموانع المادية و في مقتضى اللطف الفياض وحده و إذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لافاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فأفيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به أئمة الدين عليهم السّلام من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى، على ان هنا لك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، و هي الرتبة الحاصلة من الرياضات الشرعية و العبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة و الاجزاء فان لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لامدها، و في الحديث (من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا إنفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) و لا شك أن زينب الطاهرة قد أخلصت للّه كل عمرها، فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة، و ما أحلى كلمة قالها علي جلال في كتابه (الحسين) من كان النبي (ص) معلمه و من كان ابوه علي ابن طالب «ع» و امه فاطمة الزهراء، ناشئا في اصحاب جده و اصدقاء أبيه سادات الامة، و قدوة الائمة، فلا شك أنه كان يغر العلم غرا كما قال ابن عمر (و في كتاب بلاغات النساء) لابي الفضل أحمد بن أبى طاهر بن طيفور قال حدثنى أحمد بن جعفر بن سلمان الهاشمى قال‏

35

كانت زينب بنت علي «ع» تقول (من أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه الى اللّه فليحمده ألم تسمع الى قولهم سمع اللّه لمن حمده فخف اللّه لقدرته عليك و استح منه لقربه منك) (و عن الصدوق) محمد بن بابويه طاب ثراه كانت زينب «ع» لها نيابة خاصة عن الحسين «ع» و كان الناس يرجعون اليها في الحلال و الحرام حتى برى‏ء زين العابدين «ع» من مرضه (و قال الطبرسي) ان زينب «ع» روت أخبارا كثيرة عن امها الزهراء «ع» (و عن عماد المحدثين) ان زينب الكبرى كانت تروي عن أمها و أبيها و أخويها و عن أم سلمة و أم هاني و غيرهما من النساء، و ممن روى عنها ابن عباس و علي بن الحسين و عبد اللّه بن جعفر و فاطمة بنت الحسين الصغرى و غيرهم (و قال ابو الفرج) زينب العقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة صلّى اللّه عليها في فدك فقال حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي «ع» و تفسير العقيلة في النساء السيدة كعقال في الرجال يقال للسيد (و روي مرسلا) أنها في طفولتها كانت جالسة في حجر ابيها و هو عليه السّلام يلاطفها بالكلام فقال لها يا بني قولي واحد فقالت واحد، فقال لها قولي اثنين فسكتت، فقال لها تكلمي يا قرة عيني، فقالت عليهاالسّلام يا أبتاه ما أطيق ان أقول اثنين بلسان أجريته بالواحد فضمها صلوات اللّه عليه الى صدره و قبلها بين عينيها انتهى. و لكن الذي رأيته في كتاب مصابيح القلوب للشيخ الاجل الشيخ ابى سعيد الحسن بن الحسين السبزواري المعاصر للشهيد الاول رحمه اللّه ان هذا السؤال من أمير المؤمنين «ع» كان لولده العباس «ع» و انه لما سكت قال أمير المؤمنين لم لم تقل اثنين فقال اني لا ستحي ان أقول واحد ثم أقول اثنين، ففرح أمير المؤمنين عليه السّلام بهذا الكلام و قبلها بين عينيه، و ان زينب عليهاالسّلام قالت لابيها اتحبنا يا أبتاه فقال «ع» و كيف لا احبكم و أنتم ثمرة فؤادي، فقالت «ع» يا أبتاه ان الحب للّه تعالى و الشفقة لنا، و هذا

36

الكلام عنها «ع» روي متواترا، و اذا تأمله المتأمل رأى فيه علما جما فاذا عرف صدوره من طفلة كزينب «ع» يوم ذاك بانت له منزلتها في العلم و المعرفة (و يظهر) من الفاضل الدربندي و غيره انها كانت تعلم علم المنايا و البلايا كجملة من اصحاب أمير المؤمنين «ع» ، منهم ميثم التمار و رشيد الهجري، و غيرهما، بل جزم في أسراره انها صلوات اللّه عليها افضل من مريم ابنة عمران و آسية بنت مزاحم و غيرهما من فضليات النساء، و ذكر قدس سره عند كلام السجاد «ع» لها «ع» (يا عمة انت بحمد اللّه عالمة غير معلمة و فهمة غير مفهمة) أن هذا الكلام حجة على أن زينب بنت أمير المؤمنين «ع» كانت محدثة أي ملهمة و أن علمها كان من العلوم اللدنية و الآثار الباطنية (و من نظر) في اسرار الشهادة رأى فيه من الاستنباطات و التحقيقات في حق زينب صلوات اللّه عليها ما هو أكثر مما ذكرناه (و قال العلامة) الفاضل السيد نور الدين الجزائري في كتابه الفارسي المسمى بالخصائص الزينبية، و ما ترجمته عن بعض الكتب ان زينب «ع» كان لها مجلس في بيتها ايام اقامة ابيها «ع» في الكوفة، و كانت تفسر القرآن للنساء ففي بعض الايام كانت تفسر كهيعص اذ دخل أمير المؤمنين «ع» عليها فقال لها يا نور عيني سمعتك تفسيرين كهيعص للنساء فقالت نعم فقال «ع» هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول اللّه (ص) ثم شرح لها المصائب عليه السّلام فبكت بكاء عاليا صلوات اللّه عليها.

بعض الاخبار المروية عنها عليها السّلام‏

أشهر ما روي عنها من الاخبار خطبة والدتها الزهراء عليهاالسّلام التي احتجت بها في خصوص فدك، قال ابن ابي الحديد في شرح النهج عند شرح قوله عليه السّلام (بلى كانت في ايدينا فدك) الخ انا نتكلم في‏

37

شرح هذه الكلمات بثلاثة فصول (الى ان قال) الاول فيما ورد من الاخبار و السير المنقولة من افواه اهل الحديث و كتبهم لا من كتب الشيعة و رجالهم لانا مشترطون على انفسنا ان لا نحفل بذلك ثم قال و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب ابي بكر احمد ابن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك، (قال) و ابو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الادب ثقة ورع اثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصنفاته و غير مصنفاته، ثم سرد الاسانيد و من جملتها، قال ابو بكر حدثني محمد بن زكريا، قال حدثني جعفر ابن محمد بن عمارة الكندي، قال حدثني ابي عن الحسين بن صالح بن حي، قال حدثني رجلان من بني هاشم عن زينب بنت علي بن ابي طالب «ع» و ساق الكلام الى أن ذكر الخطبة و قال المجلسي في البحار بعد نقله كلام ابن ابي الحديد و ذكره اسانيد اخر للخطبة، و روى الصدوق رحمه اللّه بعض فقراتها المتعلقة بالعلل في علل الشرايع عن ابن المتوكل عن السعد آبادي عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن احمد بن محمد بن جابر عن زينب بنت علي «ع» ، قال و اخبرني علي بن حاتم عن محمد ابن اسلم عن عبد الجليل الباقطاني عن الحسن بن موسى الخشاب عن عبد اللّه بن محمد العلوى عن رجال من اهل بيته عن زينب بنت علي عليه السّلام عن فاطمة عليهاالسّلام بمثله و اخبرني علي بن حاتم عن ابن ابى عمير عن محمد بن عمارة عن محمد بن ابراهيم المصري عن هارون ابن يحيى عن عبيد اللّه بن موسى العبسي عن حفص الاحمر عن زيد ابن علي عن عمته زينب بنت علي عن فاطمة عليهما السّلام و زاد بعضهم على بعض في اللفظ (اقول) و قد مر كلام ابي الفرج الاصبهاني ان ابن عباس روى هذه الخطبة عن زينب بنت أمير المؤمنين «ع» .

(و من الاخبار) المروية عنها صلوات اللّه عليها ما روي عن نور الدين محمد بن المرتضى باسناده عن أم كلثوم زينب بنت علي «ع» انها قالت‏

38

كان آخر عهد ابي الى اخوي عليهما السّلام انه قال لهما يا بني اذا انامت فغسلانى ثم نشفانى بالبردة التي نشف بها رسول اللّه (ص) و فاطمة و حنطانى و سجيانى على سريري ثم انظرا حتى اذا ارتفع لكما مقدم السرير فاحملا مؤخره، قالت فخرجت اشيع جنازة ابي حتى اذا كنا بظهر الكوفة و قدمنا بظهر الغرى ركز المقدم فوضعنا المؤخر ثم برز الحسن مرتديا بالبردة التي نشف بها رسول اللّه (ص) و فاطمة و أمير المؤمنين عليهما السّلام ثم اخذ المعول فضرب ضربة فانشق القبر عن ضريح فاذا هو بساجة مكتوب عليها سطران بالسريانية بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا قبر حفره نوح النبي لعلي وصي محمد قبل الطوفان بسبعمائة عام، قالت عليهاالسّلام فانشق القبر فلا ادرى اغاب سيدى في الارض ام اسرى به الى السماء اذ سمعت ناطقا لنا بالتعزية و هو يقول احسن اللّه لكم العزاء في سيدكم و حجة اللّه على خلقه.

و من الاخبار ما رواه الخزار في كفاية الاثر باسناده عن زينب عليهاالسّلام عن امها فاطمة عليهاالسّلام و ذكرت قصة ولادة الحسين عليه السّلام.

و من ذلك ما في كتاب الورع لاحمد بن حنبل المطبوع بمصر حديثا عن عطاء بن السائب قال حدثتني ام كلثوم ابنة علي هي زينب (ع) اذا اطلقت في لسان المحدثين و اذا اريد غيرها قيدوا الاسم بالوسطى او الصغرى) قال اتيتها بصدقة كان أمر بها قالت احذر شباننا فان ميمونا او مهران اخبرنى انه مر على النبي (ص) فقال يا ميمون او يا مهران انا اهل بيت نهينا عن الصدقة و ان موالينا من انفسنا فلا تأكل الصدقة و من ذلك ما روي (عن كتاب) ثاقب المناقب لعماد الدين محمد بن علي الطوسي طاب ثراه، قال عن زينب بنت علي «ع» قالت صلى رسول اللّه (ص) صلاة الفجر ثم اقبل على أمير المؤمنين «ع» فقال هل عندكم طعام؟فقال لم آكل‏

39

منذ ثلاثة ايام طعاما و ما تركت في بيتنا طعاما، فقال (ص) سر بنا الى فاطمة فلما دخلا على فاطمة نظرا اليها و قد اخذها الضعف من الجوع و حولها الحسنان «ع» فقال رسول اللّه (ص) يا فاطمة فداك ابوك هل عندك شي‏ء من الطعام؟فاستحيت فاطمة ان تقول لا فقالت نعم و قامت و استقبلت القبلة لتصلى ركعتين فاحست بحسيس فالتفتت و اذا بصحفة ملأى ثريدا و لحما فانت بها و وضعتها بين يدى ابيها (ص) فدعا رسول اللّه (ص) بعلي و الحسن و الحسين و نظر علي «ع» الى فاطمة متعجبا و قال يا بنت رسول اللّه أنى لك هذا فقالت هو من عند اللّه ان اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فضحك النبي (ص) و قال الحمد للّه الذي جعل في اهلي نظير زكريا و مريم اذ قال لها (أنى لك هذا قالت هو من عند اللّه ان اللّه يرزق من يشاء بغير حساب) و بينما هم مشغولون بالاكل و اذا بسائل بالباب يقول السّلام عليكم يا أهل البيت اطعموني مما تأكلون فقال النبي (ص) اخسأ اخسأ اخسأ فقال علي عليه السّلام من هذا يا رسول اللّه فقال (ص) هو ابليس لعنه اللّه علم ان هذا من طعام الجنة انانا بصورة سائل ليتناول من هذا الطعام و بعد ان اكل رسول اللّه (ص) و علي و الزهراء و الحسن و الحسين عليهم السّلام و شبعوا ارتفعت الصحفة الى السماء (1) .

____________

(1) حديث الجفنة او الصحفة او نزول المائدة من السماء لفاطمة في بيتها روي بطرق عديدة، و الظاهر ان هذه المائدة تكررت لفاطمة صلوات اللّه عليها، و قد روى المجلسي رحمه اللّه في البحار جملة من الاحاديث في ذلك منها ما نقله عن الخرايج روي ان عليا «ع» اصبح يوما فقال لفاطمة هل عندك شي‏ء تغذينيه قالت لا فخرج و استقرض دينارا ليبتاع لاهله ما يصلحهم فاذا المقداد في جهد و عياله جياع فاعطاه الدينار و دخل المسجد و صلى الظهر و العصر مع رسول اللّه «ع» ثم اخذ النبي (ص) بيد علي و انطلقا الى فاطمة و هي في مصلاها و خلفها جفنة تفور فلما سمعت كلام رسول اللّه (ص) -

40

و من ذلك ما رواه الشيخ احمد زين الدين الاحسائي في بعض مجاميعه عن عبد اللّه بن الحسن عن امه فاطمة الصغرى عن ابيها الحسين «ع» و عمتها زينب بنت أمير المؤمنين «ع» ان فاطمة «ع» قامت في محرابها في جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح و كانت تدعو للمؤمنين و المؤمنات و تسميهم و تكثر الدعاء لهم و لا تدعو لنفسها بشي‏ء فقال لها الحسين «ع» ألا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك فقالت الجار ثم الدار.

و من ذلك ما روي في كامل الزيارة للشيخ الفقيه ابى القاسم جعفر ابن محمد بن قولويه طاب ثراه، قال حدثني ابو عيسى عبيد اللّه بن الفضل بن محمد بن هلال الطائى البصري، قال حدثني ابو عثمان سعيد بن محمد، قال حدثنا محمد بن سلام بن يسار الكوفي، قال حدثني احمد بن محمد الواسطى قال حدثني عيسى بن ابي شيبة القاضي، قال حدثني نوح بن دراج، قال حدثني قدامة بن زايدة عن ابيه، قال قال علي بن الحسين «ع» بلغنى يا زايدة انك تزور قبر ابى عبد اللّه الحسين عليه السّلام احيانا فقلت ان ذلك لكما بلغك، فقال لي و لماذا تفعل ذلك و لك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل احدا على محبتنا و تفضيلنا و ذكر فضائلنا و الواجب على هذه الامة من حقنا، فقلت و اللّه ما اريد بذلك إلا اللّه و رسوله و لا احفل بسخط من سخط، و لا يكبر في صدري مكروه ينالنى بسببه، فقال و اللّه

____________

ق-خرجت فسلمت عليه فرد السّلام ثم قال عشينا غفر اللّه لك (و قد فعل) فوضعتها بين يدي رسول اللّه (ص) قال يا فاطمة أنى لك هذا الطعام الذي لم انظر الى مثل لونه قط و لم أشم مثل رائحته قط و آكل اطيب منه، قال علي «ع» و وضع كفه بين كتفي و قال (ص) يا علي هذا بدل عن دينارك ان اللّه يرزق من يشآء بغير حساب، و نقل عن الكشاف مثله عند قصة زكريا و مريم بتغيير يسير، ثم قال: و بقي الطعام كما هو بعد اكلهم و جميع اهل البيت و أوسعت فاطمة على جيرانها.

41

ان ذلك لكذلك، فقلت و اللّه ان ذلك لكذلك، يقولها ثلاثا و اقولها ثلاثا فقال ابشر ثم ابشر ثم ابشر فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون، فانه لما اصابنا في الطف ما اصابنا و قتل ابي «ع» و قتل من كان معه من ولده و اخوته و سائر اهله و حملت حرمه و نساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة فجعلت انظر اليهم صرعى و لم يواروا فعظم ذلك في صدري و اشتد لما ارى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج و تبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي «ع» فقالت مالي اراك تجود بنفسك يا بقية جدي و ابي و اخوتي فقلت و كيف لا اجزع و اهلع و قد أرى سيدي و اخوتي و عمومتي و ولد عمي مصر عين بدمائهم مرملين بالعراء مسلبين لا يكفنون و لا يوارون و لا يعرج عليهم احد و لا يقربهم بشر كانهم اهل بيت من الديلم و الخزر، فقالت لا يجز عنك ما ترى فو اللّه ان ذلك لعهد من رسول اللّه (ص) الى جدك و ابيك و عمك و لقد اخذ اللّه ميثاق اناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الامة و هم معروفون في اهل السموات انهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها و هذه الجسوم المضرجة و ينصبون لهذا الطف علما لقبر ابيك سيد الشهداء لا يدرس اثره و لا يعفو رسمه على كرور الليالي و الايام و ليجهدن ائمة الفكر و اشياع الضلالة في محوه و تطميسه فلا يزداد أثره الا ظهورا و امره الا علوا فقلت و ما هذا العهد و ما هذا الخبر فقالت نعم حدثتنى أم ايمن‏ (1) ان رسول اللّه (ص) زار منزل فاطمة «ع» في يوم من الايام فعملت له حريرة و أتاه علي «ع» بطبق فيه تمر ثم قالت أم

____________

(1) أم أيمن كانت مولاة النبي و حاضنته و قد شهد لها صلّى اللّه عليه و آله بانها امرأة من أهل الجنة اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن ابن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، تزوجها عبيد بن زيد من بني الحارث ابن الخزرج فولدت له أيمن و استشهد يوم خيبر، فتزوجها زيد بن حارثة فولدت له اسامة بن زيد، و كانت وفاتها في خلافة عثمان و صلى عليها-

42

أيمن فانيتهم بغس‏ (2) فيه لبن و زبد فأكل رسول اللّه و علي و فاطمة و الحسن و الحسين من تلك الحريرة و شرب رسول اللّه و شربوا من ذلك اللبن ثم أكلوا و اكل من ذلك التمر و الزبد ثم غسل رسول اللّه (ص) يده و علي «ع» يصب عليها الماء فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر الى علي «ع» و فاطمة و الحسن و الحسين نظرا عرفنا به السرور في وجهه ثم رمق بطرفه نحو السماء مليا ثم انه وجه وجهه نحو القبلة و بسط يديه و دعا ثم خر ساجدا و هو ينشج‏ (3) فاطال النشوج و علانحيبه و جرت دموعه ثم رفع رأسه و اطرق الى الأرض و دموعه تقطر كانها صوب المطر فحزنت فاطمة و علي و الحسن و الحسين عليهم السّلام و حزنت معهم لما رأينا رسول اللّه (ص) و هبناه ان نسأله حتى اذا طال ذلك قال له علي «ع» و قالت له فاطمة «ع» ما يبكيك يا رسول اللّه لا ابكى اللّه عينيك فقد اقرح قلوبنا ما نرى من حالك فقال (ص) يا اخي سررت بكم (و قال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هيهنا) فقال يا حبيبي انى سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط و اني لا نظر اليكم و احمد اللّه على نعمته علي فيكم اذ هبط علي جبرائيل «ع» فقال يا محمد ان اللّه تبارك و تعالى اطلع على ما في نفسك و عرف سرورك باخيك و ابنتك و سبطيك فاكمل لك النعمة و هناك العطية بان جعلهم و ذرياتهم و محبيهم و شيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك و بينهم يحبون كما تحب و يعطون كما تعطى حتى ترضى و فوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا و مكاره تصيبهم بايدي اناس ينتحلون ملتك و يزعمون انهم من امتك براء من اللّه و منك خبطا (4) خبطا و قتلا شتى مصارعهم نائية قبورهم

____________

ق-أمير المؤمنين عليه السّلام و دفنت في البقيع.

(2) العس بضم العين القدح الكبير.

(3) التشيج الصوت مع توجع و بكاء، و النحيب البكاء بصوت طويل.

(4) خبط خبطا يقال خبطه خبطا اي ضربه ضربا شديدا.

43

خيرة من اللّه لهم و لك فيهم فاحمد اللّه عز و جل على خيرته و ارض بقضائه فحمدت اللّه و رضيت بقضائه بما اختاره لكم، ثم قال لي جبرائيل يا محمد ان اخاك مضطهد (1) بعدك مغلوب على امتك متعوب من اعدائك ثم مقتول بعدك يقتله أشر الخلق و الخليقة و اشقى البرية يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون اليه هجرته و هو مغرس‏ (2) شيعته و شيعة ولده، و فيه على كل حال يكثر بلواهم و يعظم مصابهم، و ان سبطك هذا و اومى بيده الى الحسين (ع) مقتول في عصابة من ذريتك و اهل بيتك و اخيار من امتك بضفة الفرات بارض يقال لها كربلا من اجلها يكثر الكرب و البلاء على اعدائك و اعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه و لا تفنى حسرته و هي اطيب بقاع الارض و اعظمها حرمة يقتل فيها سبطك و اهله و انها من بطحاء الجنة فاذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك و اهله و احاطت به كتائب اهل الكفر و اللعنه تزعزعت الارض من اقطارها، و مادت الجبال و كثر اضطرابها و اصطفقت البحار بامواجها، و ماجت السموات باهلها، غضبا لك يا محمد و لذريتك، و استعظاما لما ينتهك من حرمتك، و لشر ما تكافي به في ذريتك و عترتك، و لا يبقى شي‏ء من ذلك الا استأذن اللّه عز و جل في نصرة اهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة اللّه على خلقه بعدك، فيوحي اللّه الى السموات و الارض و الجبال و البحار و من فيهن، اني انا اللّه الملك القادر الذي لا يفوته هارب و لا يعجزه ممتنع و انا اقدر فيه على الانتصار و الانتقام و عزتي و جلالي لا عذبن من وتر (3) رسولي و صفيي و انتهك حرمته

____________

(1) مضطهد يقال ضهدته فهو مضهود و مضطهد اي مقهور، و طاؤها بدل من تاء الافتعال.

(2) مغرس شيعته اي منبتهم.

(3) وتره أي جعل له وترا عنده فهو موتور، و الموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك دمه، و منه الحديث انا الموتور أي صاحب الوتر الطالب بالثار

44

و قتل عترته و نبذ عهده و ظلم اهل بيته عذابا لا اعذبه احدا من العالمين فعند ذلك يضج كل شي‏ء في السموات و الارضين بلعن من ظلم عترتك و استحل حرمتك فاذا برزت تلك العصابه الى مضاجعها تولى اللّه عز و جل قبض ارواحها بيده و هبط الى الارض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت و الزمرد مملوءة من ماء الحياة و حلل من حلل الجنة، و طيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، و البسوها الحلل، و حنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفا صفا عليهم، ثم يبعث اللّه قوما من امتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول و لا فعل و لا نية، فيوارون اجسامهم و يقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علماء لاهل الحق و سببا للمؤمنين الى الفوز و تحفه ملائكة من كل سماء مائة الف ملك في كل يوم و ليلة و يصلون عليه و يطوفون حوله و يسبحون اللّه عنده و يستغفرون اللّه لمن زاره و يكتبون اسماء من يأتيه زائرا من امتك متقربا الى اللّه تعالى و اليك بذلك و أسماء آبائهم و عشائرهم و بلدانهم و يوسمون في وجوههم بميسم‏ (1) نور عرش اللّه، هذا زائر قبر خير الشهداء و ابن خير الانبياء، فاذا كان يوم القيمة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار يدل عليهم و يعرفون به و كأني بك يا محمد بيني و بين ميكائيل و علي أمامنا و معنا من ملائكة اللّه ما لا يحصى عددهم و نحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم اللّه من هول ذلك اليوم و شدائده و ذلك حكم اللّه و عطاؤه لمن زار قبرك يا محمد او قبر اخيك او قبر سبطيك لا يريد به غير اللّه عز و جل و سيجتهد اناس ممن حقت عليهم اللعنة من اللّه و السخط ان يعفوا رسم ذلك القبر و يمحوا اثره فلا يجعل اللّه تبارك و تعالى لهم الى ذلك سبيلا، ثم قال

____________

(1) الميسم بالكسر اسم الآلة التي يكون بها الوسم اي العلامة، و اصله الواو و جمعه مياسم و مواسم الاولى على اللفظ و الثانية على الاصل.

45

رسول اللّه (ص) فهذا ابكاني و احزنني (قالت زينب (ع) فلما ضرب ابن ملجم لعنه اللّه ابي عليه السّلام و رأيت عليه اثر الموت منه قلت له يا أبة حدثتني ام أيمن بكذا و كذا و قد احببت ان اسمعه منك فقال يا بنية الحديث كما حدثتك ام ايمن‏ (1) و كأني بك و بنساء اهلك سبايا بهذا البلد اذلاء خاشعين تخافون ان يتخطفكم الناس فصبرا صبرا فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما للّه على ظهر الارض يومئذ ولي غيركم و غير محبيكم و شيعتكم و لقد قال لنا رسول اللّه (ص) حين اخبرنا بهذا الخبر ان ابليس لعنه اللّه في ذلك اليوم يطير فرحا فيجول الارض كلها بشياطينه و عفاريته فيقول يا معاشر الشياطين قد ادركنا من ذرية آدم الطلبة و بلغنا في هلاكهم الغاية و اورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم و حملهم على عداوتهم و اغرائهم بهم و اوليائهم حتى تستحكموا ضلالة الخلق و كفرهم و لا ينجو منهم ناج و لقد صدق عليهم ابليس و هو كذوب انه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح و لا يضر مع محبتكم و موالاتكم ذنب غير الكبائر (قال زائدة) ثم قال علي بن الحسين «ع» بعد ان حدثني بهذا الحديث خذه اليك ما لو ضربت في طلبه آباط الابل‏ (2) حولا لكان قليلا.

فصاحتها و بلاغتها و شجاعتها الادبية

الفصاحة هي الابانة و الظهور يقال كاتب فصيح و شاعر فصيح و البلاغة هي الوصول و الانتهاء يقال كلام بليغ و انسان بليغ و يجمعهما حسن الكلام (قال ابو هلال العسكري) انما يحسن الكلام بسلاسته

____________

(1) اي صدقت أم أيمن فيما حدثتك به، ثم شرح «ع» لها ما يجري عليها

(2) ضرب آباط الابل كناية عن الركض و الاسعتجال فان المستعجل يضرب برجليه آباط الابل لتعدو به.

46

و سهولته، و تخير لفظه، و اصابة معناه، وجودة مطالعه، و لين مقاطعه و استواء تقاسيمه، و تعادل اطرافه، و تشبه اعجازه بهواديه، و موافقة مآخره لمباديه فتجد المنظوم مثل المنثور، في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه و حسن رصفه و تأليفه، و كمال صوغه و تركيبه، و متى جمع الكلام بين العذوبة و الجزالة، و السهولة و الرصانة، و الرونق و الطلاوة، و سلم من حيف التأليف و بعد من سماجة التركيب، ورد على الفهم الثاقب فقبله و لم يرده، و على السمع المصيب فاستوعبه و لم يمجه، و النفس تقبل اللطيف، و تنبو عن الغليظ، و الفهم يأنس بالمعروف، و يسكن الى المألوف، و يصغي الى الصواب، و يهرب من المحال، و ليس الشأن في ايراد المعاني، فالمعاني يعرفها العربي و العجمي، و القروي و البدرى، و انما هو جودة اللفظ و صفاؤه، و حسنه و بهاؤه و نزاهته و نقاؤه، و ليس يطلب من المعنى الا ان يكون صوابا مستقيما أما اللفظ فلا يقنع به قانع حتى يكون على ما وصفناه (قلت) و هذا الذي ذكره لا ينطبق كل الانطباق إلا على كلام سيد الفصحاء، و امام البلغاء، أمير المؤمنين «ع» ، الذي قيل فيه كلامه فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق، و شاهدي على ما أقول هو كتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي رضي اللّه عنه من كلامه عليه السّلام و يعجبني ان انقل كلمة العلامة الشيخ محمد عبده فيه فانها كلمة ثمينة لا يمكنني الاعراض عنها (قال) اوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب نهج البلاغة صدفة بلا تعمل، اصبته على تغير حال، و تبلبل بال، و تزاحم اشغال، و عطلة من اعمال، فحسبته تسلية، و حيلة للتخلية، فتصفحت بعض صفحاته، و تأملت جملا من عباراته، من مواضع مختلفات، و مواضيع متفرقات، و كان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبت، و غارات شنت، و أن للبلاغة دولة، و للفصاحة صولة، و ان للاوهام عرامة، و للريب دعارة، و ان جحافل الخطابة و كتائب الذرابة في عقود النظام، و صفوف‏

47

الانتظام، تنافح بالصفيح الا بلج، و القويم الا ملج، و تملج المهج، بروائع الحجج، و تفل ذعارة الوساوس، و تصيب مقاتل الخوانس، فما انا الا و الحق منتصر، و الباطل منكسر، و مرج الشك في خمود و هرج الريب في ركود، و ان مدير تلك الدولة، و باسل تلك الصولة، هو حامل لوائها العالب، أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، بل كنت كلما انتقلت من موضع الى موضع، احس بتغير المشاهد، و تحول المعاهد فتارة كنت اجدني في عالم بعمره من المعاني ارواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية، و تدنو من القلوب الصافية توحي اليها رشادها و تقوم منها منآدها، و تنفر بها عن مداحض المزال، الى جواد الفضل و الكمال، و طورا كانت تنكشف لي الجمل عن وجوه باسرة، و انياب كاشرة، و ارواح في اشباح النمور، و مخالب النسور، و قد تحفزت للوثاب، ثم انقضت للاختلاب، فخلبت القلوب عن هواها، و أخذت الخواطر دون مرماها، و اغتالت فاسد الاهواء و باطل الآراء، و احيانا كنت أشهد ان عقلا نورانيا، لا يشبه خلقا جسدانيا، فصل عن الموكب الآلهي و اتصل بالروح الانساني فخلعه من غاشيات الطبيعة، و سما به الى الملكوت الاعلى، و نما به الى مشهد النور الاجلى، و سكن به الى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس، و آنات كأني اسمع خطيب الحكمة ينادي باعلياء الكلمة، و أولياء امر الامة، يعرفهم مواقع الصواب و يبصرهم مواضع الارتياب، و يحذرهم مزالق الاضطراب و يرشدهم الى دقائق السياسة، و يهديهم طريق الكياسة، و يرتفع بهم الى منصات الرياسة، و يصعدهم شرف التدبير، و يشرف بهم على حسن المصير (ا هـ) .

(اذا عرفت) هذه المقدمات فاعلم ان هذه الفصاحة العلوية و البلاغة المرتضوية، قد ورئتها هذه المخدرة الكريمة، بشهادة العرب اهل البلاغة و الفصاحة انفسهم، فقد تواثرت الروايات عن العلماء و ارباب الحديث‏

48

باسانيدهم عن حذلم بن كثير، قال قدمت الكوفة في المحرم سنة احدى و ستين عند منصرف علي بن الحسين «ع» من كربلا و معهم الاجناد يحيطيون بهم و قد خرج الناس للنظر اليهم، فلما اقبل بهم على الجمال بغير و طاء، و جعلن نساء الكوفة يبكين و ينشدن فسمعت علي بن الحسين «ع» يقول بصوت ضئيل و قد نهكته العلة و في عنقه الجامعة و يده مغلولة الى عنقه، ان هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا، قال و رأيت زينب بنت علي «ع» و لم أرخفرة انطق منها كانها تفرغ عن لسان امير المؤمنين «ع» (قال) و قد أومأت الى الناس أن اسكتوا فارتدت الانفاس و سكنت الاصوات فقالت الحمد للّه و الصلاة على محمد و آله الطيبين الاخيار، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر (1) و الغدر، اتبكون فلا رقأت الدمعة، و لا هدأت الرنة، انما مثلكم‏ (2) كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا، تتخذون ايمانكم دخلا (3) بينكم، الا و هل فيكم الا الصلف‏ (4) و النطف (5) و الكذب و الشنف، (6) و ملق الاماء، و غمز الاعداء، او كمرعى على دمنة (7) او كفضة على ملحودة، ألاساء ما قدمت لكم انفسكم ان سخط اللّه عليكم و في العذاب انتم خالدون، أتبكون و تنتحبون، إي و اللّه فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها و شنارها، و لن ترحضوها بغسل بعدها ابدا، و انى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، و معدن الرسالة، و سيد شباب اهل الجنة، و ملاذ خيرتكم، و مفزع

____________

(1) الختر بالتحريك الغدر و الخديعة او اقبح الغدر.

(2) اي لا تكونوا كالتي غزلت ثم نقضت غزلها، يقال كانت امرأة حمقاء تغزل مع جواريها الى انتصاف النهار ثم تأمرهن ان ينقضن ما غز لن و لا يزال ذلك دأبها

(3) اي خيانة و مكرا

(4) الصلف الادعاء تكبرا

(5) النطف التلطخ بالعيب‏

(6) الشنف بالتحريك البغض و التنكر

(7) الدمنة ما تدمنه الابل و الغنم بابوالها و ابعارها.

49

نازلتكم، و منار حجتكم، و مدره سنتكم، ألاسآء ما تزرون، و بعدا لكم و سحقا، فلقد خاب السعي، و بتت الايدي، و خسرت الصفقة، و يؤتم؟؟؟ بغضب من اللّه، و ضربت عليكم الذلة و المسكنة، و يلكم يا أهل الكوفة، أتدرون اي كبد لرسول اللّه فريتم، و اي كريمة له أبرزتم، و أي دم له سفكتم، و أي حرمة له انتهكتم، و لقد جئتم بها صلعاء عنفاء (1) سوداء فقهاء، خرقاء شوهاء، كطلاع‏ (2) الارض، او ملاء السماء، أفعجبتم ان مطرت السماء دما، و لعذاب الآخرة أخزى و انتم لا ننصرون، فلا يستخفنكم المهل، فانه لا يحفزه‏ (3) البدار، و لا يخاف فوت الثار، و ان ربكم لبالمرصاد، (قال الراوي) فو اللّه لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، و قد وضعوا ايديهم في افواههم، و رأيت شيخا واقفا الى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدموع، و هو يقول بابي انتم و امي كهولكم خير الكهول، و شبابكم خير الشباب، و نساؤكم خير النساء و نسلكم خير النسل، لا يخزى‏ (4) و لا يبزى (أقول) و هذا حذلم بن كثير من فصحاء

____________

(1) الصلعاء الداهية، و ما بعدها صفات لها في القبح و الشدة.

(2) طلاع الارض ملؤها

(3) الحفز الحث و الاعجال‏

(4) لا يبزى اي لا يغلب و لا يقهر، و قد فهم من قولها أفعجبتم أن مطرت السماء دما أن القوم لما رأوا قطرات الدم النازلة من السماء يوم قتل الحسين «ع» كانوا يتعجبون من ذلك و لم يلتفتوا الى فعلتهم الشنعاء، ففي كامل الزيارة عن حكيم بن داود بن حكيم عن سلمة بن الخطاب عن محمد بن ابي عمير عن الحسين بن عيسى عن أسلم بن القاسم، قال اخبرنا عمرو بن وهب عن ابيه عن علي بن الحسين عليه السّلام قال إن السماء لم تبك منذ وضعت الا على يحيى بن زكريا و الحسين بن علي عليهم السّلام، قلت اي شي‏ء كان بكاؤها قال كانت اذا استقبلت بثوب وقع على الثوب شبه اثر البراغيث من الدم (و في ينابيع المودة) عن ابي سعيد الخدري ما رفع حجر في الدنيا الا-

50

العرب اخذه العجب من فصاحة زينب و بلاغتها و أخذته الدهشة من براعتها و شجاعتها الادبية، حتى انه لم يتمكن ان يشبهها الا بابيها سيد البلغاء و الفصحاء، فقال كانها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين، و هذه الخطبة رواها كل من كتب في وقعة الطف او في احوال الحسين «ع» و رواها الجاحظ في كتابه البيان و التبيين عن خزيمة الاسدي، قال و رأيت نساء الكوفة يومئذ قياما يندين متهتكات الجيوب، و رواها ايضا ابو الفضل احمد بن ابي طاهر طيفور في (بلاغات النساء) و أبو المؤيد الموفق بن احمد الخوارزمي في الجزء الثانى من كتابه مقتل الحسين «ع» و شيخ الطائفة في اماليه و غيرهم من اكابر العلماء.

و من بلاغتها و شجاعتها الادبية ما ظهر منها «ع» في مجلس ابن زياد (قال) السيد ابن طاووس و غيره ممن كتب في مقتل الحسين «ع» إن ابن زياد جلس في القصر و أذن إذنا عاما و جيئى برأس الحسين عليه السّلام فوضع بين يديه و أدخلت عليه نساء الحسين و صبيانه‏ (1) و جاءت زينب ابنة علي «ع» و جلست متنكرة فسأل ابن زياد من هذه المتنكرة، فقيل له هذه زينب ابنة علي، فاقبل عليها فقال الحمد للّه الذى فضحكم، و اكذب

____________

ق-وجد تحته دم عبيط، و لقد أمطرت السماء دما و بقي اثره في الثياب حتى تقطعت (و قال فيه) أخرج الثعلبي و ابو نعيم انه امطرت السماء دما، و زاد ابو نعيم فاصبحنا و حبابنا و جرارنا مملوءة دما (قال) و في رواية أن السماء امطرت الدم على البيوت و الجدران بخراسان و الشام و العراق.

(1) في رواية المفيد (ره) فادخل عيال الحسين بن علي «ع» على ابن زياد فدخلت زينب اخت الحسين في جملتهم متنكرة و عليها ارذل ثيابها و مضت حتى جلست ناحية و حفت بها اماؤها، فقال ابن زياد لعنه اللّه من هذه التي انحازت فجلست ناحية و معها نساؤها فلم تجبه زينب، فاعاد ثانية يسأل عنها فقالت له بعض امائها هذه زينب بنت فاطمة بنت-