محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - ج1

- الراغب الأصفهاني المزيد...
830 /
5

الجزء الاول‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الراغب الأصفهاني و كتابه «محاضرات الأدباء»

بقلم: الدكتور عمّر الطبّاع تعدّدت ينابيع عرفانه، و تنوّعت مناهل علومه و موارد آدابه، و تشعّبت مذاقاته الفكريّة، حتّى شملت جملة ثقافات عصره الأصيلة و الدخيلة، فكان طويل الباع في آداب العربية-لغة و بيانا و رواية و قصصا و شعرا و مثلا-كما كان عميق الاطلاع في المعارف الدينيّة الإسلامية- حديثا و فقها و عقيدة و تفسيرا-.

و لئن توزّعت ملكاته بين هذين الاتجاهين الرئيسين من اتجاهات التراث فقد كان مشدودا إلى جداول شتّى من ثقافات اليونان و الهند و فارس، و التي كانت قد تآلفت بأسباب التمازج الحضاري و التفاعل البيئي، و بفضل النّقلة و حركة النقل الواسعة، لتناسب بقوّة و زخم في خضم نهر المعارف العربية الدافق و الذي كان يتّسع و يمتد و يعمق غوره، و تصطخب أثباجه و لججه، منذ مشارف دولة العبّاسيين على اختلاف أعصرها، و تعدّد أصقاعها، حتّى زمن السلاجقة و حملة الصليبيين، بين بدايات القرن الخامس و نهايات القرن السابع الهجريين.

ذاك هو العلاّمة الفذّ الباحث و المؤلف و المصنّف المعروف بـ «الراغب الأصفهانيّ» .

هو الحسين بن محمّد بن المفضّل، باتفاق جلّ المؤرخين، أو الفضل في بعض النّصوص و الروايات.

و ذهب السيوطي إلى أن اسمه هو الفضل بن محمّد. و قد اشتهر بلقبه الراغب الأصفهانيّ في المصادر و المراجع القليلة التي عنيت بأخباره و آثاره، كما كنّي بأبي القاسم.

و لعلّ السيوطي في «بغية الوعاة» ، و الذهبي في «طبقات المفسّرين» ، في القديم، و بروكلمن في «دائرة المعارف الإسلامية» و جرجي زيدان في «تاريخ آداب اللغة العربية» حديثا، هم الذين ألقوا الضوء على شخصية الراغب و نتاجه مما دفعنا إلى التساؤل عن أسباب إغفال سيرته و درسه من قبل مؤرخين مرموقين كبار، من أمثال ياقوت و ابن العماد

6

الحنبلي و غيرهما، في الوقت الذي رحبت فيه موسوعاتهم أو معاجمهم بأعلام أقلّ منه نباهة و أقصر، في حقل التأليف، باعا.

بسبب هذا الصدوف عن احتضان الراغب الأصفهاني الرجل و العالم، وجدنا أنفسنا نفتقر إلى كثير من الأرقام و الأخبار التي من شأنها تحديد المحطّات الهامة في تاريخ حياته، و الخطوط الرئيسة من سيرته، بين الولادة و عهد الطلب و عهد الأستاذية، لمعرفة كبار شيوخه و بالتالي تلامذته، و غير ذلك من وقائع تلك الحياة و روابطها الاجتماعية و السياسيّة.

و أيّا كانت طبيعة المعطيات الكامنة وراء افتقادنا آثار أقدام الراغب الأصبهانيّ فوق رمال عصره، فنحن نستطيع أن نرسم صورة لكثير من معالم تلك الأقدام الضائعة في ضوء أحداث القرن الخامس الهجري و الإحاطة بظروفه و أحواله على كافة الصعد سياسيا و اجتماعيا و فكريا:

لقد شهد عصر الراغب الأصفهانيّ، من الناحية السياسية حدثين كبيرين في فترتين متباعدتين: أما الأول فهو ظهور مملكة السلاجقة في أواسط تركستان و الغرب لتشتمل منذ نهاية العقد الثالث من القرن الخامس أي حوالي سنة 430 هـ (1038 م) على رقعة واسعة من البلدان، من أرض الصين و أفغانستان في شرقي آسيا إلى كردستان و العراق و الشام لجهة الغرب.

أما الحدث الثاني الذي أشرنا إليه فهو حملة الصليبيين التي انطلقت من أوروبا غربا إلى بيت المقدس في فلسطين مكتسحة الشام من أعاليها وصولا إلى مصر.

و يتضح للمتأمل في حياة الراغب أنها ظلّلت جميعا بحكم السلاجقة و لكنّها لم تعاصر حرب الصليبيين إلا في السنوات الاثنتي عشرة التي سبقت وفاته، و معلوم أن الراغب مات سنة 502 هـ (1108 م) ، و أن دولة الصليبيين أرسيت مدامكها الأولى سنة 492 هـ (1098 م) .

و لئن كان التمهيد لكتاب من آثار الراغب لا يسمح لنا بأن نتبسط في درس ظروف بيئته العامّة و الخاصّة إبّان القرن الخامس الهجري، إلا أننا نقف عند بعض الوقائع الكبرى في سياق العصر انطلاقا من بدايات العقد الخامس أي في حدود السنة 444 هـ، و لا ندري هل كان الراغب آنذاك قد أبصر نور الحياة أم أن ولادته كانت بعد هذا التاريخ؟ ففي السنة المذكورة كما يذكر الذهبي في تاريخه‏ (1) ذرّت الفتن المذهبية قرنها في بغداد، و لا سيّما في الكرخ، و جرت تصادمات بين فئات متناوئة فكان قتال و حملات و مناوشات و شبّت نيران و وقعت الضحايا من كل فريق.

و في هذا العام بالذات لم تقتصر الفتن على داخل البلاد بل بدأت الغارات على جهات

____________

(1) الحافظ الذهبي: العبر في خبر من غبر: خبر سنة 444 هـ (الجزء الثالث) .

7

شتّى من العراق بين السلاجقة الغزّ و أنصار الغزنويّ. و كان من نتائج هذه الحروب تقدّم الطلائع السلجوقية نحو الحواضر العراقية.

و في العام 440 رافق وفاة أبي العلاء في المعرّة دخول المصريين إلى حلب بعد أن عجز صالح بن مرداس عن الثبات، و البلاد تعاني قحطا و أزمات اجتماعية، كما حصدت الأوبئة في بلاد ما وراء النهر نحو مليون و نصف من أهاليها.

و في حدود السنة 456 بسط السلطان طغرلبك السلجوقي ملكه على العراق بعد بلاد الريّ و نيسابور، و انتصر للشافعيّة، كما حلّ ألب أرسلان من سلاطين سلجوق على هراة و تقدّمت جيوشه إلى أذربيجان كما غزا العديد من حصون الروم قبل عودته إلى أصبهان.

و من أبرز مظاهر الفكر في سياق حياة الراغب الأصفهاني قيام المدرسة النظامية ببغداد و انتداب مشاهير العلماء للتدريس فيها. و نظامية بغداد، هي التي احتضنت الغزالي يافعا في عهد الطلب و عالما قطبا في عهد الأستاذية.

و في السياق عينه امتدت الحركة الإسماعيلية إلى الشام و اشتد الصراع بينهم و بين السلاجقة بين كرّ و فرّ في العديد من النواحي و المدن، بينما كانت جيوش الفرنج تستولي على مدن الساحل بين طرابلس و بيروت.

و في السنة التي مات فيها الراغب كان الملك بغدوين يحاصر مدينة صور. و صادف موته موت الإمام أبي حامد الغزالي.

و لئن كان عصر الراغب قاتما في العديد من النواحي العامّة السياسية و الإدارية و الاجتماعية و لا سيما من حيث اتساع رقعة الفتن الدينية، فهو في جانب آخر كان عصر ازدهار علمي و أدبي، من أبرز معالمهما قيام المدارس النظاميّة و نبوغ عدد كبير من العلماء و الباحثين و اهتمام الأدباء بالتأليف في شتّى حقول الأدب، و ظهور المعاجم التاريخية و الجغرافية و الأدبيّة.

عاصر الراغب الأصبهاني من الشعراء أبا العلاء المعري (449 هـ 1057 م) و ابن سنان الخفاجي (466 هـ 1073 م) ، و ابن حيوس (473 هـ 1080 م) من شعراء الشام؛ و الطغرائي (514 هـ 1120 م) من شعراء العراق و أعالي الجزيرة، و ابن الهبارية (509 هـ 115 م) و أبو إسحاق الغزاليّ (524 هـ 1129 م) و ابن عبدون (520 هـ 1126 م) ، و ابن خفاجة من شعراء الأندلس.

و من معاصريه الذين كانوا أقطاب العلوم اللغوية و الأدبية: التبريزي (502 هـ 1108 م) ، و الحريري صاحب المقامات (516 هـ 122 م) ، و ابن الشجري الشريف أبو السعادات (542 هـ 1147 م) ، و عبد القاهر الجرجاني (471 هـ 1078 م) ، و الزوزني شارح المعلّقات (486 هـ 1093 م) ، و الميداني صاحب مجمع الأمثال (518 هـ

8

1124 م) ، و أبو القاسم الزمخشري الموسوعي (538 هـ 1141 م) صاحب التصانيف البارعة في اللغة و البيان و التفسير و الحديث، و غير هؤلاء العشرات من المؤرخين و أرباب اللغة و كبار النحاة في أقطار العالمين العربي و الإسلامي، و هو ما لا يتسع هذا المجال لتعدادهم و التنويه بآثارهم و مآثرهم.

كان من الطبيعي أن يتحفنا الراغب الأصفهاني بعدد لا يستهان به من المؤلّفات و التصانيف في العديد من حقول الفكر و الأدب، بمؤثّرات شتّى تمخضت عن التفاعل العميق، بين الأقاليم الإسلامية آنذاك، و هو الامتزاج الذي كان يتجاوز نطاق الإدارة و السياسة إلى ضرب من التلاقي الثقافي النشيط و التكامل الحضاري الدائب، اللذين تمخّض عنهما العدد الهائل من الدراسات و الأبحاث و المختصرات، فضلا عن المعاجم، و بالتالي دوائر المعارف و الموسوعات.

ليس بعيدا أن يكون الزمن قد أضاع في ثناياه عددا من تآليف الراغب، لأنه إذا فات أقطاب التاريخ الأدبي الالتفات إلى شخصيّته أو حملهم على إهماله باعث من عصبيّة أو ذريعة من حميّة مذهبية أو دينيّة، فليس ببعيد أن تطمس أعماله بجريرة الرغبة في تقليص أثره و حجمه. و لم يكن التأريخ في أي حقبة من الزمن في منأى عن مثل تلك الأهواء و الميول و الأغراض، المخالفة للتاريخ كعلم، و التي هي من أغلاط المؤرخين التي نبّه إليها العلماء و على رأسهم ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة.

و في اعتقادي أن الراغب الذي نسب عند فريق إلى مذهب المعتزلة، قد أجحف حقّه من قبل الدارسين الذين كانوا يرفعون راية السلفيّة و يحاربون ما اعتبروه بدعة في الاجتهاد و حكموا عليه بالبطلان، و لا ينفي ما ذهبنا إليه كون بعض العلماء أمثال الرازي في كتابه «أساس التقديس» قد قال بأن الراغب من المحافظين و أنه كان من أهل السنة.

و بعد جلاء هذه الظاهرة و التنبّه إلى احتمال وقوع الراغب ضحية مغالطات المؤرخين و خروجهم عن أسس الموضوعية و الصدق، نشير إلى أنّ ما ذكر من آثار أبي القاسم موضوع هذه التوطئة يمكن إدراجه في جدولين من جداول مفردات التراث الأدبي و الديني، عنيت ما هو ملحوظ في باب المخطوطات، و ما هو موصوف في باب المطبوعات.

فمن كتبه التي لا تزال مخطوطة:

أ-حلّ متشابهات القرآن.

ب-تحقيق البيان و هو كتاب في اللغة و الحكمة (1) .

____________

(1) انظر الأعلام الزركلي: (2/255) .

9

د-كتاب في الاعتقاد هـ-كتاب في أدب الشطرنج، محفوظ في قاشان، تحت عنوان: [170/94 Menzel-isl ].

أما كتب الراغب المطبوعة، كما وردت في قاموس تراجم «الأعلام» للزركلي، فهي:

أ-الذريعة إلى مكارم الشريعة.

ب-جامع التفاسير.

ج-المفردات في غريب القرآن.

د-تفصيل النشأتين.

هـ-كتاب «محاضرات الأدباء» الذي تجدّد دار الأرقم اليوم طبعته، بعد مرور نحو قرن على نشر مختصره بالقاهرة عام 1902، و لنا عودة ثانية إلى هذه المطبوعة.

و بالرجوع إلى ترجمة الراغب في دائرة المعارف الإسلاميّة، يطلعنا بروكلمن على تفاصيل أشمل و أكثر دقّة تتصل بمجموعة هذه المؤلفات، حرصنا على إثبات ما رأيناه ضروريا منها، لمزيد من الإحاطة بعلم الراغب و أدبه. و لهذا نحن نضع بين يدي الباحث الإلماعات التالية:

أ-يعتبر بروكلمن أن طليعة الدراسات التي قام بها الراغب كانت تدور حول تفسير القرآن الكريم و تعاليمه في التهذيب و هي «رسالة منبهة على فوائد القرآن» قيل إن البيضاوي نقل عنها في التفسير المعروف باسمه.

و يرجّح بروكلمن أن الرسالة المذكورة هي عينها التي طبعت بالقاهرة سنة 1329 هـ (1911 م) ذيلا لكتاب «تنزيه القرآن عن المطاعن» لعبد الجبّار، و هي كذلك الرسالة التي تعرف باسم «مقدّمة التفسير» .

ب-أما كتاب «مفردات ألفاظ القرآن» فهو من المعاجم التي ترتّب القرآن على حروف الهجاء، و لهذا الكتاب مخطوطات شتّى في استانبول‏[ ( Le Monde Oriental (7/106- 127) ]، و في بنكيبور برمز Cat (18/1484) . و هذا الكتاب مطبوع في القاهرة سنة 1322 هـ (1907 م) بعنوان «مفردات في غريب القرآن» ، على هامش كتاب ابن الأثير المعروف باسم «النهاية» .

و يشير إلى بروكلمن إلى أن الراغب أشار في مقدمة كتابه هذا إلى كتاب آخر كان يخطط له بعنوان: «في مترادفات القرآن» .

ج-و يفهم من سياق ترجمة الراغب في دائرة المعارف الإسلامية أن كتاب «الذريعة إلى مكارم الشريعة هو المعنيّ بكتاب الراغب الكبير في الأخلاق و أنه لنفاسته و أهمية مضامينه، كان الإمام أبو حامد الغزالي «يحمل دائما نسخة» منه. و لهذا الكتاب مخطوطات‏

10

محفوظة في المتحف البريطاني و في مكتبة استانبول‏ (1) ، فضلا عن طبعته الصادرة في القاهرة 1299 هـ (1882 م) .

د-و يعتقد بروكلمن أن كتاب «تفصيل النشأتين و تحصيل السعادتين» -الذي طبعه طاهر الجزائري في القاهرة، نقلا عن مخطوط بيت المقدس الموجود في المكتبة الخالدية (تحت رقم 72) ، مماثل في موضوعه، و بالتالي غير بعيد في مضمونه عن الكتاب أعلاه، و هو الذريعة إلى مكارم الشريعة.

و تبقى لنا إلمامة وافية بكتاب الراغب الذي نقدّم له و هو «محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء» .

كان الراغب الأصفهاني، مثقفا متوازن الأبعاد الثقافية و الفكريّة، و كانت شخصيته كمؤلف ذات مرتكزات ثلاثة فهو في الآن نفسه الفقيه و المتكلّم و الأديب. و لهذا خاض في مسائل الشريعة و العقيدة و الأخلاق، و مزج الأدلة الدينيّة بالأدلة العقلية و كتابه «تحقيق البيان» المنوّه به في مقدّمة «كتاب الشريعة» كما يقول بروكلمن يعتبر كتابا في اللغة و الكتابة و الأخلاق و العقائد و الفلسفة و علوم الأوائل.

إلا أن أهم أثر للراغب الذي من شأنه الكشف عن شخصية الأديب الناقد فهو كتابه «محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء» و هو أشبه بالكتاب الموسوعي الغنيّ بالشفافيّة الأدبيّة و الذوق الشعري، و روح الكاتب الذي يجيد أساليب التصنيف و طرق العرض و التبويب، و الذي لا تحوجه المنهجيّة العلميّة و لا أداة التقسيم المنطقي؛ يستمدها- و لا ريب-من زاد معرفي واسع، و إلمام بمصادر شتّى أدبيّة و فلسفيّة.

و خير دليل على هذه المقولة ما أورده الراغب نفسه في مقدّمة كتابه ذاكرا أنه استجاب في وضعه لرغبة من ينعته بقوله: «سيّدنا» ، دونما تحديد أو تركيز أو وصف. و لا نستطيع نحن التكهن بصاحب السيادة الذي أحبّ أن يختار له الراغب هذه الفصول «في محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء» من «نكت الأخبار و عيون الأشعار» ، ليغدو الكتاب «صيقل الفهم و مادة العلم» .

و الدّارس للمقدمة التي صدّر بها الراغب كتابه، و المتأمل في أبواب الكتاب و فصوله و التي استعاض فيها عن التقسيم المألوف بمصطلح «الحدّ» ، فجعل كتابه «خمسا و عشرين حدا» جامعة لمسائل العقل و العلم و الجهل و السيادة و العدل و الأخلاق و القرابة و أنواع المروءات و العرفان و العقوق، انطلاقا إلى الصناعات و مسائل الإيمان و مرابع العطاء و الجود،

____________

(1) دائرة المعارف الإسلامية: 9/474.

11

و ما يدور في فلكها من الكلام على الأطعمة و المشارب، تخلصا إلى الندماء و مجالس اللهو و الغناء، انعطافا إلى مراتع الوجدان في دائرة الغزل و الهوى و العشق، دون أن يسقط من ثنايا كتابه فضيلة الشجاعة و ما كان يدور في فلكها من مواقف الحرب و الصلح و الثأر و دفع الديات عند العرب، معرّجا إلى موضوع الزواج و حيثيّاته و سياسة الرجل المرأة و مسائل الغيرة و الطلاق.

و يستكمل الراغب فيما تبقى من هاتيك الحدود كلّ ما يمسّ واقع الإنسان في بيته و ديانته فيتحدث عن الرياش و الملابس و العبادات و يخوض في مسائل العقيدة فيشتمل عرضه على قضايا الإيمان و الزهد و التصوف و النبوّة مرورا بالإسلام و القرآن و أسباب التنزيل.

و يتبع شئون الحياة بالكلام على الموت، و يجول عبر الزمان و المكان فيلوّن كتابه بزخارف شيّقة تنساب عبر فصول الطبيعة و نباتها و أزاهرها و حيوانها من وحش و طير و هوام، ثم تراه يذهب بعيدا فيحدث عن الأفلاك و النجوم و السحب انتهاء إلى جملة من النوادر و الحكم.

فكتاب «المحاضرات» وجه يكاد يكون فريدا في بابه بين كتب الطرائف و الحكايات، لأنه يمتاز بالشمولية و العمق و تلفّه روح العلم و تهيمن عليه هواطل من معطيات الوجدان و العقل. إنّه بحقّ سفر جامع بين الجدّ و اللهو و الأخبار و الملح الأدبية و كأن الراغب يحدّد به صفات النديم و ثقافته إذ يقول:

«و من لا يتحلّى في مجلس اللهو إلا بمعرفة اللغة و النحو كان من الحصر صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. و من لا يتتبع طرفا من الفضائل المخلدة على ألسنة الأوائل كان ناقص العقل. فالعقل نوعان: مطبوع و مسموع، و لا يصح أحدهما إلا بالآخر» .

و كأني بكتاب المحاضرات كما أراده الراغب، قمة أدب المؤانسة و المجالسة حتى عصره و في ضوئه وضع شهاب الدين الأبشيهي كتابه «المستطرف في كل فن مستظرف» و في بابه نجد «طرف الألباب و تحف الأحباب» لليافعي و «طرف المجالسة و ملح المؤانسة» لابن المرابط و عشرات التصانيف المماثلة.

و الكتاب فضلا عمّا تقدّم معرض فكري شيّق لم يدع مفردة من مفردات الواقع الإنساني، إلا تتبعه في دواوين الشعراء و كتب الأمثال و خواطر الحكماء و الأدباء، و هو يتميّز بالطلاوة و الإيجاز و البعد عن الهذر، مع أمانة في العرض، و روح واقعية، تجعله في منأى عن أي إسفاف أو تبذل، و بعيدا أيضا عن التلفيق أو التصنع فهو لا يتستر على عيب، و لا يتردد في سوق الشواهد على ما فيها أحيانا من الركة أو السخرية أو الابتذال و البذاءة، ما دامت ترمي إلى الإمتاع و المصارحة و المكاشفة.

12

إن كل إسهاب في وصف مضامين كل حدّ من ماهيات تلك الفصول يصبح ضربا من اللغو و الإطالة الباعثة على الإملال، ما دام الكتاب بين أيدينا و هو خير مترجم عن أدب صاحبه و أسلوبه و ذائقته الفنيّة و علو كعبه في العلوم و الآداب و الخبرة في طبائع الإنسان و ملكاته و ما فيه من الكياسة و الظرف و الملاحظة النفسيّة.

إن النسخة التي انطلقنا منها في تحقيق جزئي هذا الكتاب ترتقي إلى العام 1326 هـ (1908 م) ، و قد تكبّدنا في قراءتها و تصويبها و التغلّب على عثرات الطبع فيها-و هنات الطباعة القديمة و إهمال الضوابط على اختلافها-الكثير من العناء، و إلى درجة الإعياء، و بالرغم من المثابرة و المصابرة و الرجوع إلى عشرات المصادر الخاصّة بالشعر لتذليل مواطن الإبهام و الغموض المتفشية في نسخة الكتاب، لا يسعنا مع ذلك، إلا الاعتذار عمّا يكون قد فاتنا من تقصير أو ضبط أو تحديد لبعض العبارات و الشواهد. و فيما خلا ما تقدّم يبقى كتاب المحاضرات في حلّته الجديدة-و إخراجه و طريقة عرضه و تقسيم كل حدّ من حدوده و إبراز مقاطع كل منها و عناوينها. تجعل منه-ملاذ كلّ قارئ محبّ للأدب و متذوّق لفنون القول و ضروب الكلم و أغراضه.

إنّ هذا الكتاب الموسوعة، هو بحق نزهة للعقل و القلب على السواء و زاد لا ينضب من علم الأوّلين و أشعارهم و حكمهم و أمثالهم و معارفهم.

و لئن كانت ألف ليلة و ليلة إحدى قمم السرد الشيّق و الحكايات الطريفة الجامعة بين الواقع و الخيال فكتاب الراغب- «المحاضرات» -رحلة مماثلة و لكنها في عالم الوعي و الحقائق و الأمثولات و العبر، فهو يضع بين يدينا الأشياء و أضدادها و الفكر و نقائضها، و يترك لنا البحث عمّا هو أكثر صدقا و واقعية.

لعلّ أمثل ما نقوله في ختام هذا التصدير لتبرير عدم ترددنا عن إحياء قديم التراث الذي يظلّ قادرا على مواكبة الحداثة بما فيه من الإبداع و الأصالة على ما في هذه الرسالة من صعاب كلمة العماد الأصفهاني إذ يقول: رأيت إنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غيّر هذا لكان أحسن، و لو زيد كذا لكان يستحسن و لو قدم هذا لكان أفضل و لو ترك هذا لكان أجمل و هذا من أعظم العبر، و هو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.

إن الكمال للّه وحده، و حسب المرء أن يكون صادقا فيما يعمل و في هذا كلّ الرضى و العزاء، لأن العطاء مشفوعا بالطموح إلى الأفضل، أجدى من النكوص مع التزمّت، و هذا هو معيار الارتقاء الحقيقيّ، و للّه الحمد و عليه التّكلان.

بيروت في: 18/2/1999 م 2/10/1419 ه

13

بسم اللّه الرّحمن الرحيم

فاتحة الكتاب‏

بقلم: الراغب الأصفهاني قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمّد المفضّل الراغب، رحمه اللّه تعالى:

الحمد للّه الذي تقصر (1) الأقطار أن تحويه، و تعجز الأستار أن تخفيه، حمدا يقتضي تضاعف نعمائه‏ (2) و يمتري ترادف آلائه‏ (3) .

و صلّى اللّه على من أوضح به الإعلام، و شرع بلسانه الإسلام، منار الهدى و خيار الورى‏ (4) .

و بعد: فإن سيّدنا-عمّر اللّه بمكانه مرابع الكرم، و مجامع النّعم-، أحبّ أن أختار له ممّا صنّفت من نكت‏ (5) الأخبار، و من عيون الأشعار، و من غيرهما من الكتب، فصولا في محاضرات الأدباء، و محاورات الشّعراء و البلغاء، يجعله صيقل الفهم‏ (6) و مادة العلم.

ففعلت ذلك إيجابا له إذ قد جعل مراعاة الأدب شعاره و دثاره‏ (7) ، و محاماة الفضل إيثاره‏ (8)

و اختياره، و جعل زمام حسبه بكفّ أدبه، و سلك في زماننا طريقا قلّ سالكوه-طرق العلاء قليلة الإيناس‏ (9) .

____________

(1) تقصر: خلاف تطول، من القصر و القصر و هما خلاف الطول، و القصير خلاف الطويل، و القصر:

الكفّ أو كفّ النفس عن أمر، لذا يقال: قصرت نفسي عن هذا أقصرها قصرا. و قال ابن السكّيت:

أقصر عن الشي‏ء إذا نزع عنه و هو يقدر عليه و قصر عنه إذا عجز عنه و لم يستطعه، و هذا هو المعنى المقصود من قوله: تقصر الأقطار أن تحويه‏

.

____________

(2) يقتضي تضاعف نعمائه: النّعماء: اليد البيضاء الصالحة، جمع أنعم.

(3) ترادف آلائه: الآلاء: جمع الإلى و الألى أي النعمة.

(4) الورى: الخلق.

(5) نكت الأخبار: النكت جمع النّكتة و هي في هذا السياق الجملة اللطيفة تؤثر في النفس انبساطا، و النكتة أيضا المسألة الدقيقة أخرجت بدقة نظر و إمعان.

(6) صيقل الفهم: الصّيقل: مبالغة صاقل من صقل الشي‏ء إذا جلاّه و ملّسه و كشف صدأه، و الفهم: تصوّر الشي‏ء و إدراكه.

(7) دثاره: الدثار: ما يتغطّى به و هو أيضا الثوب الذي يستدفأ به من فوق الشّعار و الدثار هنا من باب المجاز.

(8) إيثاره: الإيثار: التفضيل.

(9) الإيناس: مصدر أنس الشي‏ء أبصره و علمه، و الصوت سمعه و أحسّ به.

14

و قد ضمّنت ذلك طرفا من الأبيات الرائقة، و الأخبار الشائقة، و أوردت فيه، ما إذا قيس بمعناه:

يكون منه مكان الروح من جسد # و البدر من فلك و النجم من قطب‏

فإنه ظرف‏ (1) ملي‏ء طرفا (2) ، و وعاء حشي‏ (3) جدا و سخفا، من شاء وجد منه ناسكا (4) يعظه و يبكيه، و من شاء صادف منه فاتكا (5) يضحكه و يلهيه:

فالجدّ و الهزل في توشيح لحمتها # و النبل و السّخف و الأشجان و الطرب‏

و أعوذ باللّه أن أكون ممّن مدح نفسه و زكّاها (6) ، فعابها بذلك و هجاها، و ممّن أزرى‏ (7) بعقله، لإعجابه بفعله، فقد قيل لا يزال المرء في فسحة من عقله، ما لم يقل شعرا أو يصنف كتابا.

و أولى من يصرف همّته إلى مراعاة مثل هذا الكتاب، من تحلّى بطرف من الآداب، فيصير به طليق اللسان، ذليق البيان‏ (8) ، فكم من أديب تتقاعد بداهة المقال‏ (9) ، في كثير من الأحوال، فلا يجد من فهمه مساعفة (10) ، و لا من علمه مكاتفة (11) ، فيرى في العيّ مثل باقل‏ (12) ، و إن كان في الغزارة سحبان وائل‏ (13) .

و قد قيل: خير الفقه ما حاضرت به، و من لا يتحلّى في مجلس اللهو، إلا بمعرفة

____________

(1) الظّرف (هنا) : الوعاء، و الظرف أيضا الكياسة، و الظّرف كل ما يستقرّ فيه مثل الحين و اليوم و هما من ظروف الزمان، و أمام و وراء و هما من ظروف المكان.

(2) الطرف: جمع طرفة و هي الملحة و الحديث المستحسن أو الجديد، أي الطريف.

(3) حشي: ملئ.

(4) الناسك: العابد المتزهّد الذي صفّى نفسه للّه من دنس الآثام، من نسك نسكا و نسكا و نسكا: تقشّف و تزهد و تعبّد.

(5) الفاتك: الجري‏ء الشجاع الذي يلحّ في الأمر أو الخبث.

(6) زكّى (النفس) : مدحها و زكّاه اللّه طهّره.

(7) أزرى بعقله: تهاون به و وضع من حقّه أو عابه.

(8) ذليق البيان: الذليق الفصيح و البليغ، يقال لسان ذلق أي طلق و ذو حدّة، و البيان: البلاغة و الوضوح في الكلام.

(9) البداهة في اللغة المفاجأة و البداهة أيضا عدم طول التفكّر و البديهي من الأمور ما يفهم و يدرك من دون رويّة.

(10) المساعفة (صيغة مفاعلة) : مصدر ساعفه يساعفه مساعفة أي معاونة و مساعدة.

(11) المكاتفة: المعاضدة و المعاونة.

(12) باقل: رجل ضرب به المثل في العيّ و العجز عن البيان. بخلاف سحبان وائل.

(13) سحبان وائل: من خطباء العرب و فصحائهم يضرب به المثل في البيان و البلاغة. خطب في مجلس معاوية ساعات فقال له معاوية: أنت أخطب العرب (انظر الهامش السابق) .

15

اللغة و النّحو، كان من الحصر (1) صورة مثيلة، أو بهيمة مهملة. و من لا يتتبع طرفا من الفضائل، المخلّدة عن ألسنة الأوائل، كان ناقص العقل.

فالعقل نوعان: مطبوع و مسموع، و لا يصلح أحدهما إلا بالآخر. و قد تحرّيت فيما أخرجته من كلّ باب غاية الاختصار و الاقتصار، و أعفيته من الإكثار و الإهذار (2) ، لئلا تعاف ممارسته و مدارسته، لكن عظم هذا الكتاب بعض العظم، لكثرة فصوله و تحقيق تفاصيله.

و قد جعلت ذلك حدودا و فصولا و أبوابا. و ذكرت جملة الحدود و الفصول في أوّل الكتاب، ليسهل طلب كل معنى في مكانه. و وضعت كلّ نكتة في الباب الذي هو أليق بها، و إن كان كثير من ذلك يصلح استعماله في أمكنة سهّل اللّه علينا ما يحمد عقباه‏ (3) ، و وفّقنا في جميع أمورنا لما يرضاه، و جعل خير أعمالنا ما قرب من آجالنا، إنه عليم قدير. نعم المولى و نعم المصير.

الحدّ الأول: في العقل و العلم و الجهل، و ما يتعلّق بها.

الأول: العقل و الحمق و ذمّ اتباع الهوى‏ (4) .

الثاني: الحزم و العزم و ما يضادّهما، و الظنّ و الشكّ و التثبّت‏ (5) ، و العجلة.

الثالث: المشاورة و الاستبداد بالرأي.

الرابع: العلم و العلماء مدحا و ذما، و الحفظ و النسيان.

الخامس: التعليم و التعلّم، و ما يتعلق بهما.

السادس: البلاغة (6) و ما يضادّها.

السابع: النطق و السماع و المقال و السكوت.

الثامن: المذاكرة و المجادلة (7) .

التاسع: الشّعر و الشّعراء.

____________

(1) الحصر: مصدر حصر (فلان) حصرا: أي عيي في النّطق و أصله من الحضر أي الضّيق.

(2) الإهذار: الهذر من هذر و أهذر الرجل في كلامه أي خلط و تكلّم بما لا ينبغي، و الهذر سقط الكلام الذي لا يعبأ به.

(3) العقبى: العاقبة.

(4) الهوى (هنا) : إرادة النفس و ميلانها إلى ما تستلذ، و غلب استعمال الهوى في غير المحمود من الميول و الجمع أهواء. يقال اتبع هواه أي زاغ عن الصواب أو صار من أهل البدع.

(5) التثبّت: التحقّق من الأمور و هو نقيض التشكيك و عدم الجزم في الأمور.

(6) البلاغة في الاصطلاح: البيان و التعبير عن مقتضى الحال.

(7) المجادلة: المخاصمة أو المهارة في الخصومة.

16

العاشر: الكتابة و الكتّاب.

الحادي عشر: التصحيفات‏ (1) .

الثاني عشر: آلات الكتابة.

الثالث عشر: الصّدق و الكذب.

الرابع عشر: السرّ.

الخامس عشر: النّصح.

السادس عشر: المواعظة و المتّعظون، و الآمرون بالمعروف، و القصّاص و المفتون.

السابع عشر: الخطباء و قرّاء القرآن.

الثامن عشر: الفراسة (2) و القيافة (3) .

التاسع عشر: تأويل الرؤيا (4) .

العشرون: جمل علوم الأمم و رموز العرب.

الحدّ الثاني: في السّيادة و ذويها و أتباعها:

الأول: السيادة و الولاية.

الثاني: أحوال أتباع السلاطين.

الثالث: القضاء (5) و الشهادة.

الرابع: الحجاب و الحجّاب و الغلمان.

الحدّ الثالث: في الإنصاف و الظّلم، و الحلم، و العفو، و العقاب، و العداوة، و الحسد، و التّواضع و التكبّر:

الأول: الإنصاف و الظّلم.

الثاني: مدح الحلم و كظم‏ (6) الغيظ، و الرحمة و العفو، و الاستغفار و الاعتذار.

____________

(1) التصحيفات: التصحيف من صحّف الكلام إذا أخطأ في قراءته و روايته، و التصحيف في الكلمة نقل الحرف إلى ما يشبهه مثل رواية نحيل في موضع بخيل بنقل الحاء إلى خاء و النون إلى ياء، أو قولنا شرح في موضع سرح. و ربّما اعتمد الكتاب و الشعراء التصحيف في الذم و الهجاء و من الذين برعوا في هذا الضرب ابن الرومي كما هو معروف.

(2) الفراسة: إدراك الباطن من النظر في الظّاهر، يقال هو: فارس بكذا أي عالم به، و الفرّاس الألمعيّ الخارق الذكاء.

(3) القيافة: تتبّع الأثر.

(4) تأويل الرؤيا: تفسيرها، و الرؤيا ما تراه في المنام.

(5) القضاء: مصدر قضى يقضي قضاء و قضيا و قضيّة بين الخصمين، أي حكم و فصل بينهما.

(6) كظم الغيظ: الكظم: مصدر كظم (غيظه مثلا) : أي حبسه و أمسك على ما في نفسه منه، يقال: فلان لا يكظم على جرّته أي لا يسكت على ما في جوفه بل يتكلّم به و هو مأخوذ من كظم البعير كظوما أي كفّ عن الاجترار.

17

الثالث: ذمّ الحلم و مدح العقاب.

الرابع: العداوات.

الخامس: الحسد.

السادس: التّواضع و التكبّر.

الحدّ الرابع: في النّصرة و الأخلاق، و المزح و الحياء، و الأمانة و الخيانة، و الرفعة و النذالة الأول: الجوار و النّصرة.

الثاني: الأخلاق الحسنة و القبيحة.

الثالث: المزح و الضّحك حمدا و ذمّا.

الرابع: الحياء (1) و الوقاحة.

الخامس: الأمانة و الخيانة السادس: المسابقة إلى المعالي، و الرفعة و المجد.

السابع: النّذالة و التأخّر عن المكارم و المثالب‏ (2) ، و صيانة النّفس و الفتوّة و المروءة.

الحدّ الخامس: في ذكر الأبوّة و البنوّة و مدحهما و ذمّهما و الأقارب الأول: البنون و البنات.

الثاني: ممادح‏ (3) الأبوة و مذامها و وصف القبائل.

الثالث: الدعوة.

الرابع: الأقارب.

الحدّ السادس: في الشكر و المدح و الذم و الاغتياب و الأدعية و التهنئة و الهدية الأول: في الشّكر.

الثاني: المدح و مستحقّوه، و الهجو و ذووه.

____________

(1) الحياء: الاحتشام و هو من مفاعيل الإرادة لأن الحيي هو الذي يقبض نفسه من الشي‏ء و يتركه مخافة اللوم.

(2) المثالب: العيوب جمع مثلبة، و مثالب النفس معايبها من ثلبه أي عابه و لامه و اغتابه.

(3) الممادح: ضدّ المقابح، و ضدّ المذام أيضا.

18

الثالث: الغيبة (1) و النميمة (2) .

الرابع: التحيّة و الأدعية و التّهنئة.

الخامس: الدّعاء على الإنسان.

السادس: الهدايا.

السابع: الطبّ و المرض و العيادة (3) .

الحدّ السابع: في الهمم و الجدّ و الآمال الأول: الهمم‏ (4) الرفيعة و الوضيعة.

الثاني: الجدّ.

الثالث: الأماني و الآمال.

الحدّ الثامن: في الصّناعات و المكاسب، و التقلّب و الغنى و الفقر.

الأول: الحرفة (5) .

الثاني: المبايعة.

الثالث: الدّين و متعلّقاته.

الرابع: الإيمان.

الخامس: الاكتساب و الإنفاق.

السادس: مدح الغنى و ذمّ الفقر.

السابع: الزهد و مدح الفقر و ذمّ الغنى.

الحدّ التاسع: في العطاء و الاستعطاء (6)

الأول: قصد أولي الأفضال.

الثاني: السّؤال.

الثالث: الوعد و الإنجاز و المطل‏ (7) .

____________

(1) الغيبة: الاغتياب و هو أن يعيب فلان فلانا و ينعته بالسوء و هو غائب، و الغيبة من مقابح أو رذائل النفس.

(2) النّميمة: الوشاية و إظهار الحديث بالوشاية على وجه الإشاعة و الإفساد.

(3) العيادة: مصدر عاد عودا و عيادا و عيادة المريض زاره فهو عائد و الجمع عوّاد و المريض معود.

(4) الهمم: جمع همّة و هي العزم على الشي‏ء و قصده.

(5) الحرفة: جمع حرف اسم من الاحتراف و من معانيه الصناعة، و الحرفة طريقة الكسب. يقال: حرف لعياله أي كسب.

(6) الاستعطاء: مصدر استعطى أي سأل العطاء و من معاني الاستعطاء الاستجداء.

(7) المطل: خلاف الإنجاز و هو مصدر مطل (ه) حقّه و يحقّه، أي سوّفه بوعد الوفاء مرّة بعد أخرى.

19

الرابع: الشّفاعات.

الخامس: البخل بالأموال.

الحدّ العاشر: في الأطعمة و الأكلة (1) ، و القرى‏ (2) و أوصاف الأطعمة الأول: ما جاء في أوصاف الأطعمة.

الثاني: أحوال الأكل و الأكلة و التطفّل‏ (3) .

الثالث: الدّعاء إلى الدعوات.

الرابع: الأجواد بالقرى.

الخامس: في الجود و الأجواد.

السادس: البخلاء بالقرى.

الحدّ الحادي عشر: في الشرب و الشّراب و أحوالهما و آلاتهما الأول: الشّرب و الشّراب.

الثاني: الندام و النّدماء (4) و السقاة..

الثالث: وصف المجالس و أمكنة الشّرب.

الرابع: آلات الشرب و المجالس.

الخامس: الغناء و المغنّون و الملاهي.

السادس: آلات الملاهي.

السابع: آلات القمر.

الحدّ الثاني عشر: في الإخوانيات الأول: الإخوان و أحوالهم.

الثاني: محبّة المعاشرين.

الثالث: الزيارة و المزور.

الحدّ الثالث عشر: الغزل و متعلقاته الأول: أوصاف الهوى و أحوال العشّاق.

____________

(1) الأكلة: الطّعمة.

(2) القرى: ما يقدّم للضّيف.

(3) التطفّل: مصدر تطفّل أي صار طفيليا و الطفيليّ الذي يدخل وليمة و لم يدع إليها و هو منسوب إلى رجل اسمه طفيل.

(4) النّدام و المنادمة مصدر نادم (ه) على الشراب: أي جالسه عليه، و الندماء أو الندمان جمع نديم و هو الرفيق و الصاحب على الشراب.

20

الثاني: التذكّر.

الثالث: التّوديع و الفراق.

الرابع: الهجران.

الخامس: البكا و وصف الدّموع.

السادس: الشّوق و الحنين‏ (1) .

السابع: السهر و طول الأزمنة.

الثامن: الوشاية (2) و العذل‏ (3) .

التاسع: ستر الهوى و كشفه.

العاشر: معاشرة الحبيب و مكاتبته.

الحادي عشر: مزاورة المحبوب و ملاقاته، و النّظر إليه و الأمنية فيه.

الثاني عشر: الطّيف‏ (4) .

الثالث عشر: السلوّ (5) .

الرابع عشر: فنون مختلفة من الغزل.

الحدّ الرابع عشر: الشجاعة و ما يتعلق بها الأول: الشجعان و أحوالهم.

الثاني: التهدّد (6) .

الثالث: الأسلحة و المتسلحة.

الرابع: طلب الثأر و الدّية (7) .

الخامس: التحذير من الحرب و طلب الصلح.

السادس: الهزيمة.

السابع: التلصص‏ (8) .

الثامن: الحبس و القيد و الضّرب و نحوها.

____________

(1) الحنين: مصدر حنّ إليه أي اشتاق.

(2) الوشاية: النميمة.

(3) العذل: الملامة مصدر عذله أي لامه فهو عاذل و الجمع عذّل و عذّال و عذلة.

(4) الطّيف: الخيال الطائف في النّوم.

(5) السلوّ: النسيان و هو مصدر سلا يسلو سلوا و سلوّا و سلوانا الشي‏ء و عنه: أي نسيه.

(6) التهدّد: التوعّد بالعقوبة، و التخويف. يقال هدّده و تهدّده تهدّدا و تهدادا أي خوّفه و توعّده بالعقوبة.

(7) الدّية: من ودى يدي وديا وديّة القاتل القتيل أعطى وليّه ديته، فالدية ما يعطى من المال بدل نفس القتيل و الأصل في اللفظة الودي و التاء عوض الواو المحذوفة.

(8) التلصّص: التخلّق بأخلاق اللصوص و الفعل تلصّص أي صار لصّا.

21

الحدّ الخامس عشر: في التزوج و الأزواج، و الطّلاق و العفّة و التديّث‏ (1)

الأول: النكاح و الطّلاق، و أحوال الأزواج و سياستهنّ.

الثاني: العفّة.

الثالث: الغيرة و التّديّث.

الحدّ السادس عشر: في المجونات‏ (2) و السخف‏ (3)

الأول: الإجازة و اللواطة (4) .

الثاني: الأبنة (5) و التخنّث‏ (6) و الدبيب‏ (7) و القيادة (8) .

الثالث: ذكر السوءتين‏ (9) و الجماع‏ (10) .

الرابع: السحق‏ (11) و الدّلك‏ (12) .

الخامس: الضراط و الفسو.

____________

(1) التديّث: التذلّل مصدر ديّث (ه) : أي ذلّله.

(2) المجونات: من مجن مجونا أي فرح و قلّ حياء فهو ما جن و المجون أصلا الغلظ و الصلابة فكأن الماجن صار صلب الوجه بسبب قلّة الحياء.

(3) السخف: ضعف العقل خاصّة من سخف يسخف سخفا و سخافة كان ضعيف العقل، و سخّفه جعله سخيفا.

(4) الإجازة: مصدر أجاز (إجازة) الموضع سلكه و خلّفه، و أجازه أعطاه الإجازة و هي الإذن و الترخيص.

و أجاز إجازة البيع صيّره نافذا-اللواطة: من لاط الرجل لواطا و لاوط أي عمل عمل قوم لوط و لوط نبيّ بعثه اللّه إلى قومه فكذّبوه و أحدثوا ما أحدثوا فاشتق الناس من اسمه فعلا لمن فعل فعل قومه، و لوط و لاط في اللغة طلا الحوض بالطين و من معاني لوط اللصوق يقال لاط حبّه بقلبي إذا لصق به (انظر لسان العرب مادة لوط) .

(5) الأبنة: العيب، الحقد.

(6) التخنّث أو الخنث: هو أن يكون أحدهم على صورة الرجال و أحواله أحوال النّساء.

(7) الدبيب: المشي كالحيّة أو على اليدين و الرجلين كالطفل و المراد بالدبيب هنا الانسياب إلى خدور النساء.

(8) القيادة: مصدر قاد يقود قودا (الدابّة) : مشى أمامها آخذا بقيادها، و المراد هنا قيادة النّساء العواهر اللواتي يمارسن الفجور و العمل المنكر.

(9) السوء ثان و السوءتين: مثنّى سوأة و هي العورة، و السوءة أيضا الفاحشة.

(10) الجماع و المجامعة: النكاح، من جامعها مجامعة و جماعا أي نكحها.

(11) السّحق: السحق في اللغة الدقّ، يقال سحقه سحقا أي دقّه أشد الدقّ، و السحق في الاصطلاح.

(12) الدّلك: الفرك و الدعك، يقال دلك وجهه بالطّيب أي ضمّخه و طلاه.

22

الحدّ السابع عشر: خلق الناس و أسماؤهم الأول: خلقة (1) الإنسان مستحسنها و مستقبحها.

الثاني: محاسن المحبوب.

الثالث: مقابح خلق النّسوة.

الرابع: الشّيب و الشباب و ذكر المعمّرين‏ (2) .

الخامس: الأسامي و الكنى و الألقاب‏ (3) .

الحدّ الثامن عشر: في الملابس و الفرش الأول: الملابس و ذووها.

الثاني: البسط و الفرش و آلات المنزل.

الحدّ التاسع عشر: في ذمّ الدنيا، و انكشاف النّوب الأول: ذمّ الدنيا و نوبها (4) .

الثاني: انكشاف‏ (5) الشدائد.

الحدّ العشرون: في الدّيانات و العبادات الأول: الوحدانية و التّقوى، و الإيمان و التوبة، و الورع‏ (6) و التصوّف‏ (7) و متعلّقاتها.

الثاني: المذاهب‏ (8) المختلفة.

____________

(1) الخلقة: الهيئة و الخلقة أيضا الفطرة.

(2) المعمّرون و المعمّرين: جمع معمّر و هو الرجل الذي عاش زمانا طويلا.

(3) الكنى: جمع كنية و هي الاسم العلم المصدّر بلفظ الأب أو الأم نحو: أبو عمرو و أم عمرو-الألقاب:

جمع لقب و هو اسم يسمّى به الإنسان سوى اسمه الأول مثل لقب الجاحظ الذي أطلق على الكاتب العبّاسي عمرو بن بحر. و اللقب قد يحمل صفة و الجاحظ لقب أطلق على هذا الكاتب لجحوظ عينيه أي بروزهما و هكذا يشعر اللقب بالمدح أو الذم.

(4) نوب الدنيا أو الأيام: مصائبها و صروفها التي تنتاب الإنسان.

(5) انكشاف الشدائد: زوالها أو انفراجها.

(6) الورع: التقوى و صدق العبادة و الخشية من غضب اللّه.

(7) التصوّف: ضرب من ضروب العبادة له قواعده و أصوله و مذاهبه، و الصوفيّ هو من كان فانيا بنفسه باقيا باللّه تعالى.

(8) المذاهب: جمع مذهب و هو المعتقد أو الطريقة، و المذهب الأصل.

23

الثالث: الأنبياء و المتنبئون‏ (1) .

الرابع: أحوال القرآن و نزوله و فضيلته.

الخامس: العبادات من الطهارة و الصّلاة و الزّكاة و الصوم و الحجّ.

السادس: الأدعية.

الحدّ الحادي و العشرون: في الموت و أحواله الأول: الموت و أحواله.

الثاني: الغموم و الصبر و التّعازي و المراثي.

الحدّ الثاني و العشرون: الأسماء و الأزمنة و الأمكنة و المياه و الأشجار و النيران الأول: الملوان و السماء و النجوم.

الثاني: الأزمنة و السّحاب و الأمطار و المياه، و ما يتعلّق بذلك.

الثالث: الربيع و الخريف و الأزهار و الأشجار و النّبات.

الرابع: الأمكنة و الأبنية.

الخامس: المفاوز (2) .

السادس: السّفر.

السابع: الحنين إلى الأوطان.

الثامن: النّيران.

الحدّ الثالث و العشرون: الملائكة و الجنّ الأول: الملك‏ (3) .

الثاني: إبليس و الجن و الشياطين.

الحدّ الرابع و العشرون: في الحيوانات الأول: الخيل و البغال و الحمير.

____________

(1) الأنبياء: جمع نبيّ و هو المخبر عن الغيب أو المستقبل بإلهام من اللّه-المتنبئون: جمع منبئ و هو الذي يدّعي النبوءة.

(2) المفاوز: جمع مفازة و هي الفلاة لا ماء فيها و سمّيت مفازة لأن من خرج منها و قطعها فاز.

(3) الملك: السلطة و العظمة، و الملك ما يملكه الإنسان و يتصرّف به.

24

الثاني: النّعم‏ (1) .

الثالث: الوحشيات‏ (2) .

الرابع: الطّيور.

الخامس: الهوام‏ (3) .

الحدّ الخامس و العشرون: في فنون مختلفة و هو آخر الحدود و إذ قد أتينا على ذكر الحدود و الأنواع فلنبدأ، مستعينين باللّه، و هو حسبنا و نعم الوكيل و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله و صحبه و سلّم.

____________

(1) النّعم: جمع أنعام و جمع الجمع أناعم و تطلق على الإبل و البقر و الغنم.

(2) الوحشيات: جمع الوحشيّ و هو واحد الوحش، و كل ما يستوحش و ينفر عن الناس.

(3) الهوام: حشرات الأرض.

25

الحدّ الأوّل في العقل و العلم و الجهل و ما يتعلّق بها

(1) فيما جاء في العقل و الحمق‏ (1) و ذمّ اتباع الهوى‏

ما يحدّ به العقل و بنوه و الحمق و ذووه‏

قيل: العقل الوقوف عند مقادير الأشياء قولا و فعلا و قيل النظر في العواقب و قال المتكلّمون اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صحّ تكليفه.

و قيل: العاقل من له رقيب على جميع شهواته. و قيل: من عقل نفسه عن المحارم، و لذلك لم يصح وصف اللّه تعالى به.

و الحمق قلّة الإصابة و وضع الكلام في غير موضعه، و قيل: فقدان ما يحمد من العاقل.

مدح العقل و ذمّ الحمق‏

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى.

و قيل: الحمق يسلب السلامة و يورث الندامة و العقل وزير رشيد و ظهير سعيد، من أطاعه أنجاه، و من عصاه أرداه.

و قيل: لو صوّر العقل لأضاء معه الليل و لو صوّر لأظلم معه النهار.

و قال المتنبّي:

لو لا العقول لكان أدنى ضيغم # أدنى إلى شرف من الإنسان‏

حاجة الفضائل إلى العقل‏

قيل: العقل بلا أدب فقر، و الأدب بغير عقل حتف. و قيل: بلوغ شرف المنزلة بغير عقل أشفاء على الهلكة. و قيل: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه.

____________

(1) الحمق: قلّة العقل أو فساده.

26

ذمّ من له أدب بلا عقل‏

وصف أعرابيّ رجلا، فقال: هو ذو أدب وافر و عقل نافر:

فهبك أخا الآداب أيّ فضيلة # تكون لذي علم و ليس له عقل‏

و قيل: ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريا ازداد مرارة.

حاجة العقل إلى الأدب‏

عاقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح. العقل و الأدب كالروح، و الجسد بغير روح صورة، و الروح بغير جسد ريح.

و قيل: العقل بغير أدب كأرض طيّبة خربة، و أن العقل يحتاج إلى مادة الحكمة، كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام.

ضياع العقل بفقد التقوى‏

قيل: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا بلغه عن إنسان عبادة، قال: كيف عقله؟فإن قالوا عاقل، قال: ما أخلقه أن يبلغ؛ و إن قالوا ليس بعاقل، قال: ما أخلقه أن لا يبلغ.

و قال الحسين: ثلاثة تذهب ضياعا: دين بلا عقل، و مال بلا بذل، و عشق بلا وصال. و قيل: لا تعتدّوا بعبادة من ليس له عقدة من عقل.

فضل اجتماعهما

قال معاوية، لرجل حكيم مسنّ: أيّ شي‏ء أحسن؟فقال: عقل طلب به مروءة، مع تقوى اللّه و طلب الآخرة.

عزّة العقل‏

كل شي‏ء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر كان أغلى. و لو بيع لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله. أوّل شرف العقل أنه لا يشترى بالمال.

قلّة العقل و ذويه‏

قيل لبهلول: عدّ لنا المجانين، فقال: هذا يطول، و لكنّي أعد العقلاء. و مثله و إن لم يكن من بابه-أن رجلا كتب كتابا و عرضه على آخر، فقال: فيه خطأ كثير، فقال الكاتب: علّم على الخطأ لأصلحه، فقال: بل أعلّم على الصواب فهو أسهل.

و قيل لرجل: ما جماع العقل؟فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه و ما لا يوجد كاملا لا يحدّ.

27

فضل مصاحبة العقلاء

قال الزهري: إذا أنكرت عقلك، فاقدحه بعاقل.

و قال: عدوك ذو العقل أبقى عليك، و أرعى من الوامق‏ (1) الأحمق.

تبرّم العقلاء بصحبة الجهّال‏

قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسرّ منه بلين العيش مع السّفهاء و قيل: قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل:

لم يبل ذو الجهل الذي # دارت عليه صروف دهره

ببليّة أشجى له # من جاهل يزري بقدره‏ (2)

يمضي حكومته عليه # بجهله و جواز أمره‏

النّهي عن مصاحبة الجاهل‏

قال لقمان: لا تعاشر الأحمق و إن كان ذا جمال؛ و انظر إلى السيف ما أحسن منظره.

و قال الجاحظ: لا تجالس الحمقى، فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد، ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرا، من الصّلاح. فإنّ الفساد أشد التحاما بالطّباع.

و قيل: العاقل يضلّ عقله بمصاحبة الجاهل.

استعمال العقل و الجهل مع ذويهما

قيل: العاقل يعامل الإنسان على خليقته، و يجاري الزمان على طريقته:

فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم # و إن كنت في الحمقى فكن مثل أحمق‏ (3)

و قال آخر:

أحامقه حتّى يقال سجيّة # و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله‏ (4)

ذمّ عاقل متجاهل‏

قيل: عظمت المئونة (5) في عاقل متجاهل، و جاهل متعاقل. وددت أني مثلك في ظنّك، و أن أعدائي مثلك في الحقيقة.

قال المتنبّي:

و من ذا الذي يدري بما فيه من جهل # يرى النّاس ضلالا و ليس بمهتد

____________

(1) الوامق: المحب الودود.

(2) البليّة: البلوى، المصيبة-أزرى يزري بقدره: استهان به و حقره.

(3) الأكيس (صيغة أفعل التفضيل) : أكثر كياسة، و الكياسة الفطنة و الظرف.

(4) السجيّة: الطبيعة.

(5) المئونة و المئونة: الثقل و الشدّة.

28

صعوبة مداواة الأحمق‏

لكلّ داء دواء يستطبّ به # إلا الحماقة أعيت من يداويها (1)

و قال المتنبّي:

و من البليّة عذل من لا يرعوي # عن جهله و خطاب من لا يفهم‏ (2)

روي أن عيسى عليه الصلاة و السلام، أتى بأحمق ليداويه، فقال: أعياني مداواة الأحمق و لم يعيني مداواة الأكمه‏ (3) و الأبرص‏ (4) .

و قال الحجّاج: أنا للعاقل المدبّر أرجى منّي للجاهل المقبل.

و قيل: أنك تحفظ الأحمق من كل شي‏ء إلا من نفسه، و تداويه إلا من حمقه.

تعب العاقل و استراحة الجاهل‏

قيل لحكيم: من أنعم الناس عيشا؟فقال: من كفى أمر دينه، و لم يهتم لأمر آخرته.

قال أبو علي كاتب بكر:

من رزق الحمق فذو نعمة # آثارها واضحة ظاهره

يحطّ ثقل المرء عن نفسه # و الفكر في الدنيا و في الآخرة

و قال آخر (المتنبّي) :

ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله # و أخو الجهالة في الشّقاوة ينعم‏

موصوف بالعقل‏

كان ابن المقفع و الخليل‏ (5) يحبّان أن يجتمعا. فاتفق التقاؤهما، فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران. فقيل لابن المقفع: كيف رأيته؟فقال: وجدت رجلا عقله زائد على علمه.

و سئل الخليل عنه، فقال: وجدت رجلا علمه فوق عقله.

قال بعض العلماء: صدقا فإن الخليل مات حتف أنفه في خص‏ (6) و هو أزهد خلق اللّه، و تعاطى ابن المقفع ما كان مستغنيا عنه حتى قتل أسوأ قتلة.

قال الصنوبري:

فإن يلتمس يوما حجاكم فإنّكم # جبال الحجا لكنّكم أبحر الجدوى‏ (7)

____________

(1) يستطبّ به: يداوى به و يعالج.

(2) العذل: اللوم-يرعوي: المضارع من ارعوى أي ارتدع و أقلع عن...

(3) الأكمه: الأعمى.

(4) الأبرص: المصاب بالبرص و هو مرض يحدث في الجسم كله قشرا أبيض و يسبب للمريض حكّا مؤلما.

(5) الخليل: (هنا) هو الخليل بن أحمد من أئمة اللغة و واضع علم العروض.

(6) الخصّ: البيت من قصب أو شجر، جمع خصوص.

(7) حجاكم: الحجى: العقل-الجدوى: العطاء.

29

و قال آخر:

فإن يك حائلا لوني فإنّي # لعقل غير ذي سقط وعاء (1)

موصوف بالحماقة و الجهل‏

سئل أعرابي عن رجل، فقال: لو كان في بني إسرائيل و وقعت قصة البقرة ما ذبحوا غيره.

و قيل: فلان ليس له من عقله فاه و لا من نفسه واعظ. و قيل: أحمق من دغة و من رخمة (2) و في الرخمة: إنك من طير اللّه فانطقي، يقال ذلك كناية عن الحمق خامري أم عامر.

و قيل: ليس مع فلان من العقل إلا ما يوجب حجة اللّه عليه إذا أمر به إلى النار.

و قيل: فلان مخدوع من عقله فلا تستعن به:

ليس يدري من الجهالة ما ذا # دور البعر في بطون الجمال‏

و قال آخر:

ربّ ما أبين التباين فيه # منزل عامر و عقل خراب‏

و إذا قيل: فلان سليم الصدر، أو جامح في المسجد أو هو من أهل الجنة، فهو كناية عن الحمق.

تفضيل الجدّ (3) على العقل‏

قيل: استأذن العقل على الجدّ، فلم يأذن له، و قال: أنك تحتاج إليّ و أنا لا أحتاج إليك. و افتخر العقل، فقال له الجدّ: أمسك فما لك نفاذ (4) ما لم أصحبك. و قيل لأعرابي: فلان أحمق مرزوق، فقال هذا هو الرجل الكامل. قال:

و هيهات الحظوظ من العقول‏

قال آخر:

و ما لبّ اللبيب بغير حظّ # بأغنى في المعيشة من فتيل‏ (5)

____________

(1) السّقط: اللئيم، و السّقط: ما لا خير فيه.

(2) الرخمة: واحدة الرخم، طائر من الجوارح أو فصيلة النّسريات.

(3) الجدّ (بفتح الجيم) : الحظّ.

(4) النفاذ: الخلاص، من نفذ نفذا و نفوذا و نفاذا الشي‏ء خرقه، و جاز عنه.

(5) اللبّ: العقل و الجوهر-الفتيل: المفتول، و ما فتلته بين أصابعك من الوسخ، و الفتيل هنا كناية عن الشي‏ء الرخيص.

30

صعوبة اجتماع العقل و الجدّ

قيل: من زيد في عقله نقص من حظّه. و ما جعل اللّه لأحد عقلا وافرا إلا احتسب عليه من رزقه. و قال شاعر في المعنى:

و خصلة ليس فيها من يخالفني # الرزق و الجهل مقرونان في قرن‏ (1)

كون الجدّ من جملة العقل‏

روى في الخبر، أن اللّه تعالى إذا أراد أن يزيل نعمة عبد، فأوّل ما يسلب منه عقله.

و في كتاب كليلة السبب المانع. حظّ العاقل، هو السبب لحظّ الجاهل.

و سئل بعضهم العقل أفضل أم الجدّ؟فقال: العقل من جملة الجدّ.

موصوف بالجنون‏

و كأنّه من دير هرقل مفلت # جرد يجرّ سلاسل الأقياد (2)

قال آخر:

به ما شئت من حمق # و من جهل و من هوج‏ (3)

قال آخر:

به طائف من جنّة غير معقب‏

قال آخر:

كأنّه من شهود الجنّ محتضر # و قد رأى عقله منه على سفر

و يقال: فلان سمين الجهل مهزول العقل.

كون الهوى غالبا للهدى‏

قال عامر بن الظرب: الرأي نائم و الهوى يقظان فإذا هوي العبد شيئا نسي اللّه، ثم تلا قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ (4) .

-العقل صديق مقطوع و الهوى عدوّ متبوع.

-كم من عقل أسير في يدي هوى أمير.

____________

(1) الخصلة: الخلّة رذيلة كانت أو فضيلة، و غلب عليها الفضيلة-القرن: المقرون بآخر، و القرن حبل يقرن به البعيران.

(2) الأقياد: القيود.

(3) الهوج: مصدر هوج يهوج فهو أهوج: أي كان في حمق و طيش و تسرّع.

(4) القرآن الكريم: الفرقان/43.

31

و قيل: الهوى شريك العمى و اتباع الهوى أوكد أسباب الردى. قال منصور الفقيه:

إنّ المرآة لا تريك # خدوش وجهك في صداها

و كذاك نفسك لا تريك # عيوب نفسك في هواها

النهي عن اتّباع الهوى‏

قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ (1) .

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: اعص هواك و النساء، و أطع من شئت.

و قيل للناس: في قصة يوسف عليه الصّلاة و السّلام آيات أعظمها قوله تعالى: إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ (2) و قال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك مخالفة فالصواب في مخالفة الهوى.

قال:

من أجاب الهوى إلى كلّ ما يد # عو إليه داعيه ضلّ و تاها

النهي عن اتّباع هوى غيرك‏

قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَتَّبِعُوا أَهْوََاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ (3) .

و قال: وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ (4) . و قال: وَ لاََ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنََا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنََا وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ (5) . و قال بعضهم لرجل: أني أهوى أن تقتل فلانا، فقال له: إني لا أدخل النار في هوى غيري و إن كنت أدخلها في هواي.

ذمّ من اتبع هواه‏

قال اللّه تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مََا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ (6) .

و قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه.

و قيل: اتباع الهوى أوكد أسباب الردى.

و وقّع‏ (7) عبد اللّه بن طاهر إلى عامل له:

نفسك قد أعطيتها مناها # فاغرة نحو مناها فاها (8)

____________

(1) القرآن الكريم: ص/26.

(2) القرآن الكريم: يوسف/53.

(3) القرآن الكريم: المائدة/81.

(4) القرآن الكريم: الأنعام/150.

(5) القرآن الكريم: الكهف/28.

(6) القرآن الكريم: الأنعام/116.

(7) وقّع: من التوقيع.

(8) فاغرة: اسم الفاعل المؤنث من فغر فاه أي فتحه.

32

و قيل: إن قدمت هواك على عقلك لم تصب رشدا في حياتك، و لا أمنا بعد وفاتك. و أنشد:

إنّ الهوان هو الهوى جزم اسمه # فإذا ألقيت هوى لقيت هوانا (1)

حمد مخالفته‏

قال اللّه تعالى: وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ `فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ (2) .

و بعث ملك إلى عابد مالك لا تخدمني و أنت عبدي. فقال: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي. قال: كيف؟قال: لأنك تتبع الهوى فأنت عبده و أنا أملكه فهو عبدي. فقال: صدقت.

و قيل: سلطان من ملك الهوى فوق سلطان من ملك الدنيا.

ذمّ من يجهل نفسه‏

قال أبو علي الورّاق: آفة الناس قلّة معرفتهم بقدر أنفسهم.

قيل لبزرجمهر: أيّ العيوب أعظم؟ قال: قلّة معرفة المرء بنفسه.

و قال المتنبّي:

و من جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى‏

و قال سقراط: لا شي‏ء أضرّ بالإنسان من رضاه عن نفسه، فإنه إذا رضي عنها اكتفى باليسير فعابه كل خطير.

مدح من يعرفها

قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه: لن يهلك امرؤ عرف قدره. و قيل: أجمع كلمة قول الحكيم: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه.

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: من أراد اللّه به خيرا فقّهه في الدين و عرّفه عيوب نفسه.

و قيل في قوله تعالى: وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً (3) : معناه عرّفناهم عيوب أنفسهم.

وقوف المرء على عيب نفسه‏

قيل: لحكيم ما أصعب الأشياء؟قال: معرفة الإنسان عيب نفسه، و الإمساك عن الكلام في ما لا يعنيه.

و قيل: قد يعرف نقص غيره من لا يعرف نقص نفسه، و لا يعرف نقص نفسه من لا

____________

(1) الهوان: الذلّ.

(2) القرآن الكريم: النازعات/40.

(3) القرآن الكريم: الإسراء/70.

33

يعرف نقص غيره. فآكل الثوم لا يجد نتن نفسه.

الحثّ على تدبّر معايبك‏

قال لقمان عليه السلام: لا تدع النظر في مساويك كلّ وقت، لأنّ ترك ذلك نقص من محاسنك. و قيل: كن في الحرص على تفقّد عيوبك كعدوّك.

الحثّ على قذع‏ (1) النفس‏

قال الحسن رضي اللّه عنه: أقذعوا هذه النفوس فإنها طلعة.

و قال حكيم: لا ينبغي لحكيم أن يطلب طاعة غيره و طاعة نفسه عليه ممتنعة.

و قال أبو ذؤيب:

و النّفس راغبة إذا رغّبتها # و إذا تردّ إلى قليل تقنع‏ (2)

و قيل: العاجز من يعجز عن قذع نفسه.

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: أ لا أخبركم بأشدّكم من ملك نفسه عند الغضب.

النهي عن الركون إلى النفس‏

قال الجنيد رحمه اللّه: لا تسكن إلى نفسك و إن دامت طاعتها فإنّ لها خدائع؛ و إن سكنت إليها كنت مخدوعا.

و قيل: من رضي عن نفسه سخط الناس عليه.

المسرور بأن عرف عيوبه‏

قال عمر رضي اللّه عنه: رحم اللّه امرا أهدى إلينا عيوبنا.

و قالت الحكماء أنت لا ترى عيب نفسك، فسل من ترضى عقله و نصحه يعرّفك.

و قال رجل لمسعر: أ تحبّ أن تهدى إليك عيوبك؟فقال أمّا من ناصح فنعم، و أمّا من شامت فلا. و قيل: ينبغي للرجل أن يكون مرآة أخيه تريه خيره و شرّه.

قال الشاعر:

أصبحت في هيئة المرآة تخبرنا # عيوبنا كلّ ما فينا من الكدر (3)

____________

(1) قذع النفس: القذع مصدر قذع قذعا فلانا عابه و رماه بسوء القول، و قذع نفسه عابها.

(2) يتناول أبو ذؤيب الهذلي في هذا البيت تأثير العادة في النفس و يحثّ على كبح رغباتها و ردّها إلى جادة القناعة.

(3) الكدر في هذا السياق كناية عن عيوب النفس، فالشاعر يدعو إلى تأمل النفس في مرآة النقد الذاتي للكشف عن تلك العيوب لتلافيها و تجنّبها.

34

(2) ما جاء في الحزم و العزم و ما يضادّهما، و الظنّ و الشكّ و التثبت و العجلة

ماهية الحزم و العزم‏

قال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: ما العزيمة في الأمر؟قال: إصداره إذا ورد بالحزم. فقال: و هل بينهما فرق؟قال: نعم، أ ما سمعت قول الشاعر:

ليست تكون عزيمة ما لم يكن # معها من الرأي المشيد رافع‏ (1)

فقال: للّه درّك عشت دهرا و ما أرى بينهما فرقا.

و قيل لبعضهم: ما الحزم؟قال: التفكر في العواقب.

النهي عن الدخول فيما يصعب الخروج منه‏

قال: معاوية لعمرو بن العاص (رضي اللّه عنهما) : ما بلغ من دهائك؟قال: ما دخلت في أمر إلا عرفت كيف الخروج منه. فقال: لكنّي ما دخلت في أمر قطّ و أردت الخروج منه.

و قيل في الحكمة: إن اتسع لك المنهج، فاحذر أن يضيق بك الخروج.

قال الشاعر:

و إذا هممت بورد أمر فالتمس # من قبل مورده طريق المصدر (2)

حمد تلقّي الأمر بالجزم‏

قيل: من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه. من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.

خذ الأمر بقوابله، إن رمت المحاجزة فقبل المناجزة. قبل الرمي تملأ الكنائن‏ (3) . قبل

____________

(1) هذا القول شبيه بقول القائل:

إذا كنت ذا رأي فكن فيه مقدما # فإنّ فساد الرأي أن تتردّدا

(2) يدعو الشاعر إلى تلمّس طريق الخلاص قبل الإقدام على أمر أو سلوك درب و هذا شبيه بقول ابن المقفع: ... و لكنّ العاقل يحتال للأمر حتى لا يقع فيه، و مثله قول المهلهل في قصيدته «الدّاهية» :

من شاء ولّى النفس في مهمه # ضنك، و لكن من له بالمضيق‏

و البيت من إحدى القصائد السبع المعروفة بـ «المنتقيات» .

(3) الكنائن: جمع كنانة و هي جعبة السهام.

35

الإقدام‏ (1) تراش السهام. دمث لنفسك قبل اليوم مضطجعا. اتّق العثار (2) بحسن الاعتبار.

قال البحتري:

فتى لم يضيّع وقت حزم و لم يبت # يلاحظ أعجاز الأمور تعقبا

قال آخر:

و خير الأمر ما استقبلت منه # و ليس بأن تتبعه اتباعا

مدح التفكّر في العواقب‏

قال أزدشير: ليس للأيام بصاحب، من لم يتفكر في العواقب. يا عاقد اذكر حلا، من لم ينظر في العواقب تعرض لحادثات النوائب.

قال الشاعر:

و من ترك العواقب مهملات # فأيسر سعيه أبدا تبار (3)

و قيل: الفكرة مرآة تريك الحسنات و السيئات.

إقامة العذر باستعمال الحزم‏

قيل: من استشار فيما نزل به صديقه و استخار به، و أجهد رأيه، فقد قضى ما عليه، و أمن رجوع الملامة إليه. و قيل: من أعجب الأشياء جاهل يسلم بالتهوّر، و عاقل يهلك بالتوقّي.

قال كشاجم‏ (4) :

و عليّ أن أسعى و ليـ # س عليّ إدراك النّجاح‏

تفضيل الحزم على الجهل‏

الحيلة أنفع من الغيلة. قال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك فالحرب حرب للمتهوّر، و غنيمة للمتحذّر.

و قيل: الاهتداء لوجه الحيلة غنيمة جليلة.

قال الموسوي:

و لست مقارعا جيشا و لكن # برأيي يستضي‏ء ذوو القراع‏ (5)

____________

(1) تراش السهام: يلزق عليها الرّيش.

(2) العثار: ما عثر به أي ما زلّ به أو كبا.

(3) التبار: الخراب و الهلاك.

(4) كشاجم: هو أبو الفتح محمود المعروف باسم السنديّ لأنه هندي الأصل، و كان يعمل طبّاخا عند سيف الدولة له كتاب أدب النديم.

(5) المقارع: اسم فاعل من قارعه أي غالبه-يستضي‏ء: يستنير و يستأنس.

36

فضل التدبير و ذويه‏

نظام الأمر التدبير، و رأس الأمر التقدير. و قيل: من فعل بغير تدبير، و قال بغير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا و لا حيا.

و قيل: فلان يعرف من أين تؤكل الكتف‏ (1) و يعرف منابت القصيص، و هما مثلان يقالان في من يعرف وجه الأمر.

الحثّ على الاشتغال بما يعنيك عمّا لا يعنيك‏

قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟قال: حفظ ما كلفت و ترك ما كفيت. و قيل للأحنف: بم سدت قومك؟قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.

و قال رجل لأفلاطون‏ (2) لم تختمت في يمينك؟فقال لأعرف المتكلفين، و من يسأل عمّا لا يعنيه.

قال الشاعر:

و لا تعترض في الأمر تكفي شئونه‏

ذمّ تارك ما يعنيه لما لا يعنيه‏

قال ابن هرمة (3) :

كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا

و قال آخر:

هراق‏ (4) الماء و اتّبع السّرابا

عتب من نصر نفسه لنفع غيره‏

قال الشاعر:

يكسي الأنام و يعري استه # و ينسل من خلفه الأسفل‏

____________

(1) من أين تؤكل الكتف: مثل يقال لمن يحسن انتهاز الفرص و الإفادة من السوانح و معرفة دروب النجاح و مسالك الأمور، و مثله قولهم: فلان يعرف منابت القصيص.

(2) أفلاطون: أحد كبار فلاسفة الإغريق. كان تلميذا للحكيم سقراط، و من تلامذته أرسطو رأس فلاسفة اليونان و العالم قبل الميلاد.

(3) ابن هرمة: هو إبراهيم بن هرمة ولد في المدينة سنة 195 هـ (810 م) ، و مدح الخليفة العبّاسي أبا جعفر المنصور و مات سنة 627 هـ (880 م) .

(4) هراق الماء: أي أراق، و كانت بعض قبائل العرب تستعمل الهاء في موضع همزة التعدية مثل هنار و هطاع في موضع أنار و أطاع.

37

و قال العبّاس بن الأحنف‏ (1) :

صرت كأنّي ذبالة نصبت # تضي‏ء النّاس و هي تحترق‏ (2)

ذمّ الاقتصار على مجرّد التوكّل‏

جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: إني أرسل ناقتي و أتوكل. فقال: بل اعقلها (3) و توكّل.

مرّ الشعبيّ بإبل قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها أ ما تداوي إبلك؟فقال: إن لنا عجوز نتكل على دعائها. فقال: اجعل مع دعائها شيئا من القطران.

و في كتاب كليلة لا يمنع العاقل يقينه بالقدر من توقّي‏ (4) المخوف، بل ليجمع تصديقا بالقدر و أخذا بالحزم.

قال الشاعر:

و المرء تلقاه مضياعا لفرصته # حتّى إذا فات أمر عاتب القدرا

قال أبو عبيدة لعمر رضي اللّه عنه، حين كره طواعين الشأم و رجع إلى المدينة، أ تفرّ من قدر اللّه؟قال: نعم إلى قدر اللّه. فقال له: أ ينفع الحذر من القدر؟فقال: لسنا ممّا هناك في شي‏ء، إن اللّه لا يأمر بما لا ينفع، و لا ينهى عما لا يضر، و قد قال تعالى: وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ (5) و قال تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ (6) .

ذمّ طلب الأمر بعد فوته‏

قيل: لبعض الحكماء هل شي‏ء أضرّ من التواني؟فقال: الاجتهاد في غير موضعه.

و قيل: العجز عجزان عجز التقصير و قد أمكن؟و الجدّ في طلبه و قد فات. أخذه الشاعر فقال:

تتبّع الأمر بعد الفوت تغرير # و تركه مقبلا عجز و تقصير (7)

و قيل: شرّ الرأي الدبري‏ (8) .

____________

(1) العبّاس بن الأحنف: شاعر الرشيد و من أبرز شعراء الغزل مات سنة 193 هـ (808 م) .

(2) الذبالة: الفتيلة-شبّه نفسه بالذبالة التي تحترق لتضي‏ء النّاس. و في هذا الكلام صورة بارعة من صور الإيثار و التضحية.

(3) اعقلها: أي اعقل الدّابة، و العقل هنا بمعنى الربط، و المقصود بهذا القول تدبّر الأمور و عدم الإهمال أو الغفلة عن الواقع.

(4) توقّي المخوف: أي الحذر من العواقب السيئة، و تجنّبها قبل الوقوع فيها.

(5) القرآن الكريم: البقرة/195.

(6) القرآن الكريم: النساء/70 و 101.

(7) الفوت: تجاوز الميقات الصحيح.

(8) الرأي الدبري: هو الذي يأتي متأخرا بعد فوات الأمر.

38

قال الشاعر:

أصبحت تنفخ في رمادك بعد ما # ضيّعت حظّك من وقود النّار

الأمر بترك التلهف على ما فات‏

قال اللّه تعالى: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ .

قيل: أكبر الأدواء للبدن التلهف على ما لا يدرك. إن ليتاوان لو إعناء.

إظهار النّدامة و التأسّف‏

قال الشاعر:

عضضت أناملي و قرعت سنّي‏ (1)

و قال الكسعي و خبره مشهور:

ندمت ندامة لو أنّ نفسي # تطاوعني إذا لقطعت خمسي

تبيّن لي سفاه الرأي منّي # لعمر أبيك حين كسرت قوسي‏

و هذا هو المضروب به المثل في الندامة و إياه عنى الفرزدق بقوله:

ندمت ندامة الكسعيّ لما # غدت منّي مطلّقة نوار

و قال صخر بن عمرو:

أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه # و قد حيل بين العير و النزوان‏ (2)

قال آخر:

و كنت كناشب في الوحل ينوي # نهوضا و هو يزداد ارتطاما (3)

مدح من لا يندم فيما يباشره‏

قال أبو الأصمع: لا ينهض العجز في أعقاب نهزته‏ (4) ، و لا يصاحب عزما حين يخترم‏ (5) المتنبي:

فما تكشّفك الأعداء عن ملل # من الحروب و لا الآراء عن زلل‏

و قال الموسوي في مدح بعضهم:

في قرعه سنّه لا يطمع النّدم‏

____________

(1) عضضت أناملي و قرعت سنّي: كناية عن الندم و الحسرة على ما فات و لا يمكن استدراكه.

(2) النزوان: الوثب.

(3) الناشب: العالق غير القادر على الخلاص أو الفكاك.

(4) النهزة: السانحة أو الفرصة الملائمة.

(5) اخترم يخترم (الأمر) : مضى و انقضى، و اخترم (فلان) : مات.

39

النّهي عن الاعتذار

و قيل في المثل: عش و لا تغتر.

و قيل: الفرار بقراب أكيس. و قيل: لا تكن كمن أراق الماء و اتبع السّراب.

الأمر بالإقدام بعد الاتضاح و المدح بذلك‏

قيل: روّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم. و قيل: أحزم النّاس من إذا وضح له الأمر صدع فيه. و قيل: أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، و التأنّي بعد الفرصة.

قال الشاعر:

و واقف عند الأمر ما لم يضح له # و أمضي إذا ما همّ من كان ماضيا

مدح التجارب‏

التجارب ليس لها نهاية و المرء منها أبدا في زيادة. و قيل: العقل كالسيف و التجربة أشطر. و قيل: التجارب مرائي الغيوب و نواظر العيوب.

مدح مجرّب‏

قيل: فلان حلب الدهر بأنقع و هو مؤدم مبشر (1) .

قال الشاعر:

حلبت الدهر من عسل و صاب # و ذرّيت الزّمان بكل ريح‏ (2)

و مدح أعرابي قوما فقال: أدّبتهم الحكمة و أحكمتهم التجارب و لم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة.

ذمّ غير مجرّب‏

قيل: فلان غفل لم تسمه‏ (3) التجارب، و لم تفترعه النوائب، و غفل لم تسمه النوب، و لم يعضّ غاربه القتب‏ (4) .

وصف إعرابي واليا مغتررا فقال: ما أطول سكر كأس شربها فلان، و لم يخف من عاقبتها الخمّار.

المصيب بظنّه‏

قيل: من لم ينتفع بظنّه، لم ينتفع بيقينه. و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إنّ للّه عبادا يعرفون النّاس

____________

(1) حلب الدهر: أي خبره حتى صار ذا تجربة و دراية بوقائعه و معطياته.

(2) الصاب: العلقم.

(3) لم تسمه: من الوسم و هو أن يجعل للشي‏ء علامة و الوسم ترك أثر أو سمة على الجلد بالكيّ.

(4) لم يعضّ غاربه القتب: الغارب: الحبل، و القتب: الرحل، و هذا القول من باب المثل و يضرب للذي لم يكتسب خبرة أو تجربة.

40

بالتوسّم. و قال عليه الصلاة و السلام: اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه.

و كان عمر (رضي اللّه) عنه يقال له المحدّث لصحة ظنّه.

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إن يكن في هذه الأمة محدّث فهو عمر. و يقال: فلان ألمعيّ، و قيل: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته.

قال الشاعر:

إذا ما ظنّ أعرض أو أصابا

و قال:

نجيح مليح أخو مارق # يكاد يخبر بالغائب‏

و قال البحتري:

و إذا صحّت الرويّة يوما # فسواء ظنّ امرئ و عيانه‏ (1)

و قال الموسوي:

و لا علم لي بالغيب إلا طليعة # من الحزم لا يخفى عليها المغيب‏

مدح الشكّ و سوء الظنّ‏

قيل: بوحشة الشكّ ينال أنس اليقين. و قيل: عليك بسوء الظنّ، فإن أصاب فالحزم، و إن أخطأ فالسلامة.

قال الشاعر:

و حسن الظنّ عجز في أمور # و سوء الظنّ يأخذ باليقين‏

و قيل:

من أطال الركون قلّ ركونه‏ (2)

و قول اللّه تعالى: إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ (3) دلالة على أن جلّه صواب. و قال عبد الملك: فرق ما بين عمر و عثمان إنّ عمر أساء ظنّه فاحكم أمره و عثمان أحسن ظنّه فأهمل أمره.

و قيل لبعضهم: أسأت الظنّ، فقال: أن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا، و قال أبو محمد الخازن:

و ما شكّي و إن أكثرت إلا # محاماة على الشي‏ء اليقين‏ (4)

____________

(1) الرويّة: طول التأمّل و التفكّر-العيان: المشاهدة.

(2) الركون: الاطمئنان إلى الواقع و عدم التحرّي عن الحقائق و الوقائع.

(3) القرآن الكريم: الحجرات/12.

(4) اعتبر الشاعر الشكّ واجبا لحماية اليقين و صون دواعي الإيمان و التثبّت.

41

ذمّهما

قال اللّه تعالى: اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ ، و قال شيخ لرجل: أظنّك كاذبا فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه، و قال:

و أضعف عصمة عصم الظّنون‏

و قال المتنبّي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # و صدّق ما يعتاده من توهّم‏ (1)

مدح التغافل‏

سئل حكيم: ما اللبيب؟فقال: الفطن المتغافل. و لما أمضى معاوية بيعة يزيد قال:

يزيد: يا أبت ما أدري أ نخدع النّاس أم يخدعوننا بما يأخذون منّا؟فقال: يا بنيّ من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. و قيل: إذا أردت لباس المحبّة فكن عالما كجاهل.

و قيل: من تغافل فعقلوه، و من تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة.

قال الشاعر:

ليس الغنيّ بسيّد في قومه # لكنّ سيّد قومه المتغابي‏ (2)

و لأبي فراس و قد أجاد:

تغابيت عن قومي فظنّوا غباوتي # بمفرق أغبانا حصى و تراب‏ (3)

من لا يخدع لعقله‏

قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر رضي اللّه عنه إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، و لا يخدعه أحد لفطنته. و قال أياس بن معاوية:

لست بخبّ و لا الخبّ يخدعني‏ (4)

و قيل لرجل: -فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني اللّه عاقلا.

مدح التثبّت‏

قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، و أخطأ مستعجل أو كاد. و قال عمرو بن العاص:

لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. و روى عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: ما دخل الرفق في شي‏ء إلا زانه‏ (5) و لا الخرف إلا شأنه‏ (6) .

____________

(1) يذهب المتنبي إلى أن سوء الظنّ نابع من سوء الفعال، فالخائن لا يمحض الناس ثقته و اللص يتهم سواه باللصوصيّة.

(2) المتغابي: الذي يتظاهر بالغباء من قبيل الحذر و الاحتراس.

(3) تغابيت: تظاهرت بالغباوة.

(4) الخبّ: الخدّاع.

(5) زانه: جمّله و زيّنه.

(6) شانه: عابه.

42

قال الشاعر:

لا تعجلنّ فربّما # عجل الفتى في ما يضرّه‏

و قال الموسوي:

و شوكة ضغن ما انتقشت شباتها # ذهابا بنفسي أن يقال عجول‏ (1)

مدح العجلة

لأبي العيناء و قد قيل له لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال نبيّ اللّه موسى عليه السلام و عجلت إليك ربّ لترضى.

و قيل: المتأنّي في علاج الداء بعد أن عرف الدواء كالمتأنّي في اطفاء النار و قد أخذت بحواشي ثيابه و سأل أبو عليّ البصير ابن منارة حاجة فقال: رح إلى وقت العصر فجاء عند الظهر فقال: أ لم أعدك وقت العصر؟فقال: نعم و لكن رأيت الإفراط في الاستظهار أحمد.

ما تحمد فيه العجلة

قال معاوية: ما من شي‏ء يعدل التثبت، فقال الأحنف: إلا أن تبادر بالعمل الصالح أجلك تعجل إخراج ميتك و تنكح الكف‏ء ابنتك.

مدح انتهاز الفرصة

قيل: الهيبة خيبة و الفرصة تمرّ مرّ السحاب. و قيل: انتهز الفرصة قبل أن تعود غصة الافتراض اقتناص‏ (2) . و قيل: الفرصة ما إذا أخطأك نفعه لم يصبك ضرّه.

التفكّر في العواقب‏

قيل: احمد تغنم، و لا تفكّر في العواقب فتهزم.

قال الشاعر:

إذا حدّثته النفس أمضى حديثها # و هان عليه ما يرى في العواقب‏

و قيل: من تفكّر في العواقب لم يشجع في النوائب.

طلب الأمر بالمداراة

قال الأحنف: عجبت لمن طلب أمرا بالمغالبة (3) ، و هو يقدر عليه بالملاينة (4) و لمن طلب أمرا بخرق‏ (5) ، و هو يقدر عليه برفق.

____________

(1) الضغن: الحقد و البغضاء-الشباة: العقرب ساعة تولد، و الشباة من السيف قدر ما يقطع به.

(2) الاقتناص: الاصطياد.

(3) المغالبة: المقارعة و المخاصمة.

(4) الملاينة: التساهل و التلطّف.

(5) الخرق (هنا) : الطعن.

43

و قيل لبعضهم: ما الدهاء؟فقال: قتل العدوّ في لطف.

مدافعة العدوّ بالمداراة

في كتاب كليلة: (1) لا تسلم من العدو القويّ بمثل التذلّل و الخضوع، كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بانثنائه معها، أينما مالت به الريح ساعدته.

أخذه ابن الرومي فقال:

كالريح و الزرع استكان لمرّها # و عتت فلم تقدر على تقصيفه‏ (2)

كم قد نجا منه الضعيف و ما نجا # منه العنيف بلفّه و لفيفه

و تهاتن الجذع الأبي مهزّه # فأتت عليه و لم ترع لخفيفه‏ (3)

و لهذا الباب نظائر في العداوات.

الجهل بمستقبل الزّمان‏

قال اللّه تعالى مخبرا عن النبي عليه السلام: و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، و ما مسّني السوء.

قال القطامي:

و ما يعلم الخير امرؤ قبل أن يرى # و لا الشرّ حتّى تستبين دوائره‏

و قال آخر:

تبين أعقاب الأمور إذا مضت # و تقبل أشباها عليك صدورها (4)

(3) و مما جاء في المشاورة و الاستبداد بالرأي‏

الحثّ على مراجعة الأودّاء (5) و مدح المشاورة

قال اللّه تعالى: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ (6) و قيل من شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة. و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: المشاورة حصن من النّدامة و أمن من الملامة.

____________

(1) كتاب كليلة: أي كتاب كليلة و دمنة المعروف لابن المقفع.

(2) استكان استكانة: خضع-عتت الريح: اشتدّت و عصفت.

(3) تهاتن... : تتابع-أتت عليه (هنا) : اجتثته، و اقتلعته.

(4) أعقاب الأمور: عواقبها.

(5) الأوداء: ذوو الودّ و النّصحاء.

(6) القرآن الكريم: آل عمران/159.

44

و قيل: ما هلك امرؤ عن مشورة. و قيل: الرأي الواحد كالسجيل و الرأيان كالحيطتين و الثلاثة أمداد لا ينقض.

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: نعم الموازرة (1) المشاورة و بئس الاستعداد الاستبداد. الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة و الاستبداد عن الاستخارة. من شاور الأودّاء أمن من الأعداء.

نصف رأيك مع أخيك فاستشره.

الحثّ على مشاورة الحازم اللبيب‏

قال الجاحظ: أحسن ما قيل في المشورة قول بشّار:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # بحزم نصيح أو نصيحة حازم‏ (2)

و لا تجعل الشّورى عليك غضاضة # فإنّ الخوافي قوّة للقوادم‏ (3)

و قوله:

و لا كلّ ذي رأي بمؤتيك نصحه # و لا كلّ مؤت نصحه بلبيب

و لكن إذا ما استجمعا عند واحد # فحقّ له من طاعة بنصيب‏ (4)

و قال عبد اللّه بن معاوية:

و إن باب أمر عليك التوى # فشاور نبيها و لا تعصه‏ (5)

و قال عمر رضي اللّه عنه: الرجال ثلاثة رجل ذو عقل و رأي فهو يعمل عليه، و رجل إذا أحزنه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، و رجل جائر بائر (6) لا يأتي رشدا و لا يطيع مرشدا.

الحثّ على استشارة الكبار

قال زياد لأبي الأسود (7) : لو لا أنّك كبرت لاستعملتك و استشرتك، فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس في، و إن كنت تريد الرأي فهو وافي. و قيل: زاحم بعود أو دع.

و قيل: عليك برأي الشيوخ، فقد مرّت على وجوههم عيون العبر و تصدّعت لاسماعهم آثار الغير.

____________

(1) الموازرة: مخفّف المؤازرة، أي التعاضد.

(2) النصيح: الناصح جمع نصحاء و النصوح بمعنى النصيح و الناصح و للمذكر و المؤنث على السواء.

(3) الغضاضة: الذلّة و المنقصة-الخوافي: الريش القصير الناعم في جناح الطائر و خلافها القوادم جمع قادمة و هي الريشة الطويلة.

(4) حقّ له: استحقّ.

(5) التوى الأمر: استعصى-النبيه (هنا) : العاقل الفطن.

(6) البائر: الذي لا يطيع مرشد و أصل البوار الكساد.

(7) أبو الأسود: هو أبو الأسود الدؤلي: من أوائل النّحاة و هو من بني ديل و كان شاعرا أيضا. مات بمرض الطاعون سنة 62 هـ (681 م) .

45

الحثّ على استشارة الصّغار

قال هرم: عليكم في المشاورة بالحديث السنّ الحديد الذهن. و قيل: رأي الشيخ كالزند قد انثلم‏ (1) ، و رأي الشاب كالزند الصحيح الذي يوري‏ (2) بأيسر اقتداح.

الحثّ على مشاورة العدوّ

في كتاب كليلة: لا ينبغي للعاقل أن يترك استشارة عدوّه ذي الرأي فيما يشركه ذلك العدو في نفعه و ضرّه. و قيل: استشر عدوّك تعرف مقدار عداوته.

من يجب أن تجتنب مشاورته‏

قال قيس لابنه: لا تشاورنّ مشغولا، و إن كان حازما، و لا جائعا، و إن كان فهيما، و لا مذعورا، و إن كان ناصحا، و لا مهموما و إن كان فطنا. فالهمّ يعقل العقل و لا يتولّد منه رأي و لا تصدق منه رويّة.

و قيل: لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصّر بفعلك، و لا جبانا فيخوفك، و لا حريصا فيعدك ما لا يرتجي، فالجبن و البخل و الحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن.

و قيل: لا تشاور من ليس في بيته دقيق. و كان كسرى إذا أراد أن يستشير إنسانا بعث إليه بنفقة سنة ثم يستشيره.

و قيل لا تشيرنّ على معجب و لا متلوّن‏ (3) ، و خف اللّه من موافقة هوى المستشير.

و قيل: إياك و مشاورة النساء فرأيهنّ إلى أفن‏ (4) و عزمهن إلى وهن.

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: شاوروهنّ و خالفوهنّ، و قال: لا تستضيئوا بنار المشرك أي لا تستشيروهم.

المستدعي المشورة

قال عمر رضي اللّه عنه: صاحب الحاجة أبله لا يرشد إلى الصواب فلقّنوا أخاكم و سدّدوا صاحبكم.

و قال إعرابي:

دلاّ على حيلة فيها لنا فرج # إذ الدليل على خير كمن فعلا

و قال آخر:

خليليّ ليس الرأي في صدر واحد # أشيرا عليّ اليوم ما تريان‏

____________

(1) انثلم (الإناء) : انكسر، و الحائط أصابه خلل.

(2) يوري: يخرج النّار.

(3) المتلوّن: الذي تختلف أخلاقه و المتلوّن المخادع الذي لا يثبت على رأي أو مبدأ.

(4) الأفن: الضعف، و ضعف الرأي بخاصّة.

46

الحثّ على نصيحة مستشيرك‏

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن الرجل لا يزال يزاد في صحة رأيه ما نصح مستشيره، فإذا غشّ مستشيره سلبه اللّه صحّة رأيه.

و لمّا أصاب زيادا الطاعون في يده أحضر له الأطباء فدعا شريحا فقال له: لا صبر لي على شدّته و قد رأيت أن أقطعها فقال شريح: أ تستشيرني في ذلك؟قال: نعم، فقال: لا تقطعها فالرزق مقسوم و الأجل معلوم و أنا أكره أن تقدم على ربّك مقطوع اليد، فإذا قال لك: لم قطعتها؟قلت: بغضا للقائك و فرارا من قضائك. فمات زياد من يومه. فقال:

الناس لشريح: لم نهيته عن قطعها؟فقال: استشارني و المستشار مؤتمن و لو لا الأمانة لوددت أن أقطع يده يوما و رجله يوما.

و قال يحيى: لا تشيرنّ على عدوّك و صديقك إلا بالنصيحة، فالصديق يقضي بذلك حقّه، و العدوّ يهابك إذا رأى صواب رأيك.

من يجب أن يشار عليه إذا استشار

قيل: لا تشر على مستبدّ و لا على وغد (1) ، و لا على لحوح‏ (2) ، و لا معجب، و لا على متلوّن، و خف اللّه في موافقة المستشير، فالتماس موافقته لؤم و سوء الاستماع منه خيانة.

و قيل: من طلب الرخص من الإخوان عند المشاورة، و من الأطباء عند المرض، و من الفقهاء عند الشبه، فقد خدع نفسه.

من ضرب لمستشيره مثلا صمم في مشورته‏

شاور المنصور سلم بن قتيبة في قتل أبي مسلم صاحب الدولة فقال: لو كان فيها آلهة إلا اللّه لفسدتا فقال عيشك، و استشار فيه آخر فقال: و لن يجمع السيفان ويحك في غمد.

و استشار معاوية الأحنف في بيعة يزيد فقال الأحنف: أنت أعلم بليله و نهاره و سرّه و إجهاره، فإن كنت تعلمه للّه رضا و للأمة صلاحا، فلا تشاور فيه أحدا. و إن كنت تعلم غير ذلك فلا تزوّده الدنيا و أنت صائر إلى الآخرة، و إنما علينا أن نقول سمعنا و أطعنا.

الممدوح بأنّه مستشار

و قالت امرأة من أياد:

المستشار لأمر القوم يجزئهم # إذ الهنات أهمّ القوم ما فيها

و قال أبو تمّام:

يطول استشارات التجارب رأيه # إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا

____________

(1) الوغد: الدني‏ء، الضعيف العقل.

(2) اللحوح: اللجوج، الذي يلح في السؤال و نحوه.

47

الرغبة في الاستبداد بالرأي‏

قال بعض الحكماء: ما استشرت أحدا قط إلا تكبّر عليّ و تصاغرت‏ (1) له و دخلته العزّة و أدركتني الذلّة. و إيّاك و المشورة و إن ضاقت بك المذاهب.

و كانت الفرس و الروم مختلفين في الاستشارة.

فقالت الروم: نحن لا نملك من يحتاج أن يستشير، و قالت الفرس نحن لا نملك من يستغني عن المشاورة و فضل الفرس لقوله تعالى: وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ (2) و ما زال المنصور يستشير أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله:

يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره # و لا ينتحي الأدنين فيما يحاول‏

فاستوى جالسا و قال: أصبت و اللّه. فما استشار بعد ذلك.

و قال بعض جلساء هارون‏ (3) : أنا قتلت جعفر بن يحيى، و ذلك أني رأيت الرشيد يوما و قد تنفس تنفسا، مفكرا فانشدت في أثره:

و استبدّت مرّة واحدة # إنما العاجز من لا يستبدّ (4)

فاصغى إليه و استعاده‏ (5) ، فقتل جعفرا بعد عن لبث.

و قال المهلّب: لو لم يكن في الاستبداد بالرأي إلا صون السر، و توفير العقل لوجب التمسك بفضله.

المتفادي من أن يستشار

استشار عبد اللّه بن عليّ عبد اللّه بن المقفّع، فيما كان بينه و بين المنصور، فقال:

لست أقود جيشا و لا أتقلّد حربا و لا أشير بسفك دم و عثرة الحرب لا تستقال، و غيري أولى بالمشورة في هذا المكان.

و استشار زياد رجلا فقال: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر و اختبار متظاهر و لا أراني هناك.

و اجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي‏ (6) يستشيرونه فيما دهمهم من يوم

____________

(1) تصاغرت له: تذلّلت له و عظمت أمره.

(2) القرآن الكريم: آل عمران/159.

(3) هارون: أي الخليفة العبّاسي هارون الرشيد.

(4) هذا البيت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة و مطلعها:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد # و شفت أنفسنا ممّا تجد

و استبدت مرّة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

و واضح أن هارون الرشيد تلمّس الحكمة في قول عمر و سارع إلى قتل جعفر.

(5) استعاده: عاود سماعه.

(6) أكثم بن صيفي: أحد حكماء العرب المشهورين و كان يكثر في كلامه من ضرب الأمثال. وصف بالدراية و سداد الرأي و نصاعة الحجّة.

48

الكلاب‏ (1) ، فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني و ليس معي من حدة الذهن ما ابتدئ به الرأي، و لكن اجتمعوا و قولوا فإني إذا مرّ بي الصواب عرفته.

(4) و ممّا جاء في وصف العلم و العلماء مدحا و ذما و وصف الحفظ و النسيان‏

عزّ العلم‏

قال اللّه تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ (2) ، و قال: شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ (3) و قال الإمام أبو حنيفة: إن لم يكن العلماء أولياء اللّه في الأرض فليس للّه فيها ولي.

قال الأحنف‏ (4) : كلّ عز لم يؤيد بعلم فإلى ذلّ يصير. و قيل: العلم يوطئ الفقراء بسط الملوك.

الأدب كالحسب‏

قيل: من نهض به أدبه، لم يقعد به حسبه‏ (5) ، و قيل: شرف الحسب يحتاج إلى شرف الأدب، و شرف الأدب مستغن عن شرف الحسب.

و قال الأحنف: من لم يكن له علم و لا أدب لم يكن له حسب و لا نسب.

و قال الشاعر:

كن ابن من شئت و اكتسب أدبا # يغنيك محموده عن النسب‏

و قال آخر:

ما ضرّ من حاز التأدّب و النّهى # أن لا يكون من آل عبد مناف‏ (6)

البالغ بعلمه مبلغ الملوك‏

قيل: لما وقعت الفتنة بالبصرة و رضوا بالحسن اجتمعوا عليه، و بعثوا إليه. فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلّب: كاد العلماء يكونون أربابا، أ ما ترون هذا المولى كيف قام له سادات العرب.

____________

(1) فيما دهمهم من يوم الكلاب: أي فيما أصابهم، و يوم الكلاب من أيام العرب.

(2) القرآن الكريم: فاطر/28.

(3) القرآن الكريم: آل عمران/18.

(4) أبو حنيفة: هو أبو حنيفة النعمان من أصحاب المذاهب الفقهية.

(5) حسبه: الحسب هو الموروث من مجد الآباء و عزّتهم.

(6) النّهى: العقل-عبد مناف: ابن قصي الذي كان يقوم بسدانة الكعبة، و خلفه ابنه هاشم و هو جدّ النبيّ.

49

و قيل: تعلموا العلم فإنه يوطئ المساكين بسط الملوك. و نظر عمر رضي اللّه عنه إلى رجل في هيئة نفيسة فقال: أ لست ابن قيس بالبصرة؟قال: نعم. و لكني كاتب فقال للّه درّ العلم ما زال يرفع أهله.

قال الشاعر:

العلم يرفع بالخسيس إلى العلا # و الجهل يقعد بالفتى المنسوب‏ (1)

قيمة المرء علمه‏

قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه: قيمة كلّ امرئ ما يحسنه. و أخذ ابن طباطبا (2) هذا المعنى فقال:

حسود مريض القلب يخفي أنينه # و يضحي كئيب البال عندي حزينه

يلوم على أن رحت في العلم دائبا # أجمع من عند الرواة فنونه

فيا عاذلي دعني أغالي بقيمتي # فقيمة كل النّاس ما يحسنونه‏ (3)

فضل العلم على المال‏

قال عبد الملك: اطلبوا معيشة لا يقدر سلطان جائر على غصبها، قيل ما هي؟قال:

الأدب و لصالح بن عبد القدوس:

قد يجمع المرء مالا ثم يسلبه # عمّا قليل فيلقى الذلّ و الحربا

و جامع العلم مغبوط به أبدا # فلا يحاذر منه الفوت و الطلبا (4)

و قيل: العلم ميراث غير مسلوب، و قريب غير مغلوب. و قيل: الفضيلة بكثرة الآداب، لا بفراهة (5) الدواب.

و قال الجنيد (6) : من فضيلة العلم على المال أن اللّه فهم سليمان مسئلة فمنّ عليه

____________

(1) الفتى المنسب: ذو النسب الرفيع-يقول إن العلم يرفع الوضيع بينما الجهل يضع من قدر ذي النسب و المجد، و هذا شبيه بقول الشاعر:

العلم يرفع بيوتا لا عماد لها # و الجهل يهدم بيت العزّ و الشرف‏

(2) ابن طباطبا: هو أبو القاسم أحمد بن محمد.. مات سنة 345 هـ (965 م) و كان من كبار الطالبيين و شاعرا مجيدا و لا سيّما في الغزل.

(3) غالى بقيمته: بالغ و زاد فيها.

(4) المغبوط بالشي‏ء: خلاف المحسود، من غبطه أي عظم في عينه و تمنّى لنفسه مثل حاله.

(5) الفراهة: النشاط و الخفّة و الحذاقة، يقال فره فرها و فره فراهة و فروهة و فروهيّة فهو فاره، و من معاني الفراهة أيضا الملاحة و الحسن.

(6) الجنيد: هو أبو القاسم الخزّاز و قيل الزّجاج أحد زهّاد بغداد. و هو معروف باسم طاوس العلماء و كان سيّد الطائفة الجنيدية و هو القائل: التصوف هو صفاء المعاملة مع اللّه. توفي الجنيد سنة 298 هـ (910 م) .

50

و قال ففهمناها سليمان. و أعطاه الملك و لم يمنّ عليه، بل قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب.

من ذمّه و فضل المال عليه‏

قال الشاعر:

ما المرء إلا بما يحوي من النّشب‏ (1)

و قال آخر:

لا تغبطن أديبا ما له نشب # لا خير في أدب إلا مع النّشب‏

و قال جحظة (2) :

إن الزّمان لمن تقدّم في النباهة منقلب‏

و قال البديهي:

أكثر المقتفين للعلم و الآ # داب في ذلّة و في أملاق‏ (3)

وصف العلم بأنه يورث الغنى‏

قيل: الأدب يجلب الجمال و يفيد المال. و قيل: من لم يفد بالأدب ما لا استفاد به جمالا. و في كتاب كليلة: العالم إذا افتقر فعلمه الذي معه يقوّيه كالأسد معه قوّته التي يعيش بها حيث توجه.

قال الأصمعي‏ (4) لرجل: أ لا أدلك على خليل إن صحبته زانك و إن احتجت إليه مانك، و إن استعنت به أعانك قال: نعم، فقال عليك بالأدب.

وصفه بأنه يورث الزهد

العلم يزهد في الدنيا الضارّة، و يرغّب في الآخرة السارّة. و قال عمر بن عبد العزيز (5)

رضي اللّه عنه: تعلّموا العلم فإنه عون للفقير أما أني لا أقول يطلب به الدنيا و لكن يدعوه إلى القنوع.

____________

(1) النشب: المال الأصيل من الناطق و الصامت.

(2) جحظة: هو أحمد بن جعفر من شعراء البرامكة و من نسلهم. أجاد الغناء على الطنبور و فنونا شتى.

لقّبه ابن المعتزّ بجحظة لنتوء عينيه (انظر تاريخ بغداد 4/65) .

(3) الإملاق: الفقر الشديد و العوز، يقال: أملق الدهر ماله أي أذهبه و أخرجه من يده و أملق الرجل أنفق ماله حتى افتقر.

(4) الأصمعيّ: هو عبد الملك الأصمعي من مشاهير اللغويين و علماء العربية. كانت ولادته في البصرة سنة 123 هـ (740 م) ، و فيها نشأ و تعلم على الخليل بن أحمد و عيسى بن عمر و سواهما. و من تلامذته الرياشي و أبو عبيدة و السكّري و السجستاني. كانت وفاته سنة 213 هـ (828 م) .

(5) عمر بن عبد العزيز: هو أحد الخلفاء الأمويين ولد سنة 63 هـ (682 م) ، و كان شديد الورع و التقوى كما كان كثير التسامح مات سنة 102 هـ (720 م) .

51

قلة الاعتداد بالخلوّ من العلم‏

كان الوليد يلاعب عبد اللّه بن معاوية بالشطرنج‏ (1) ، فاستأذن عليه ثقفي موصوف بالثروة فستر الشطرنج بمنديل. فلمّا دخل و جلس استنطقه فقال: أحفظت القرآن و شيئا من الفقه، قال: لا، قال: أ فرويت شيئا من الآثار و الأشعار و أيام العرب قال: لا. فكشف الشطرنج، و قال: شاهك فنحن في خلوة.

و دخل حكيم دار رجل خلو من العلم فرأى أثاثا و هيئة فاخرة، و أراد الرجل الداخل أن يبزق بزقة فبزق في وجه الرجل، فقيل له: ما تفعل؟قال: نظرت فلم أجد في هذه الدار أخسّ منه لخلوّه من المعاني الفاضلة و إنما يرمي بالبزاق إلى أخس المواضع، فلذلك رميت به في وجهه.

تلذّذ العلماء بعلمهم‏

كان أبو حنيفة رحمه اللّه إذا أخذته هزّة المسائل يقول: أين الملوك من لذة ما نحن فيه لو فطنوا لقاتلونا عليه. و قيل: من خلا بالعلم لم توحشه الخلوة، و من تسلّى بالكتب لم تفته السلوة.

و قيل لابن المبارك: من تجالس؟فقال أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم. إني أنظر في كتب آثارهم و أخبارهم.

التناسب في العلم‏

قيل لعالم: أي المناسبة أخلد؟، فقال: مناسبة العلم التي غذتها عواطف الشيم.

و قيل للنوفلي: ما بلغ من شهوتك للعلم؟، قال: إذا نشطت فلذّتي و إذا اغتممت فسلوتي. قال أبو تمّام:

و قرابة الآداب تقصر دونها # عند الأديب قرابة الأرحام‏ (2)

قال الصّولي:

إنّ الكتابة و الآداب قد جمعت # بيني و بينك يا زين الورى نسبا (3)

و قيل: لا ينبغي للأديب أن يخالط من لا أدب له، كما لا ينبغي للصّاحي أن يناظر السكران.

____________

(1) الشطرنج: لعبة مشهورة و هي معرّب شترنك بالفارسية و معناها ستة ألوان لأن عدد القطع التي يلعب بها ستة أنواع و هي الشاه و الفرزان، و الفيل و الفرس و الرخ و البيذق.

(2) تقصر دونها: لا تدانيها أو تعادلها-قرابة الأرحام: أي قرابة الدم و النسب.

(3) الورى: الخلق و النّاس.

52

مدح صيانة العلم‏

وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس‏ (1) رحمه اللّه ليأتيه فيحدثه، فقال مالك إنّ العلم يؤتى فصار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار، فقال: يا أمير المؤمنين من إجلال اللّه تعالى إجلال العلم. فقام و جلس بين يديه و بعث إلى سفيان بن عيينة فأتاه و قعد بين يديه و حدّثه. فقال الرشيد بعد ذلك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به و تواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به.

و في أمثال العرب أن الثعلب و الغراب تحاكما إلى الضب‏ (2) ، فقالا: أخرج و أحكم بيننا. فقال: في بيته يؤتى الحكم.

و قال لقمان لابنه: صن علمك فوق صيانة نفسك. و قيل: لم ير أفضل من الخليل‏ (3)

في التلطّف عن الكسب بالعلم. كان الناس يأكلون بعلمه و هو في خصّ له. و خرج إلى مكّة، و الناس يقولون في الحرمين: قال الخليل، و ذكر الخليل، و رجع إلى البصرة و لم يعلم بمكانه. قال الشيخ رحمه اللّه: و من ملك نفسه هكذا، فحقيق أن يقال رجل فضل و صدق. و للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني:

و لم أبتذل في خدمة العلم مهجتي # لأخدم من لاقيت لكن لأخدما

و لو أنّ أهل العلم صانوه صانهم # و لو عظّموه في النفوس لعظّما

و لكن أهانوه فهانوا و دنّسوا # محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما (4)

نهي العلماء عن التّهافت على باب السّلطان‏

قال بعض العلماء: شرار الأمراء أبعدهم عن العلماء، و شرار العلماء أقربهم إلى الأمراء. و دنا سقاء من فقيه على باب السلطان فسأله عن مسألة فقال: أ هذا موضع المسألة؟ فقال السقاء: أ و هذا موضع الفقيه؟ و كتب عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه إلى ابن علية حين ولي صدقات البصرة (5) :

يا جاعل العلم له بازيا # يصطاد أموال المساكين‏ (6)

____________

(1) مالك بن أنس: من كبار الفقهاء في الإسلام و أحد أصحاب المذاهب فيه و مذهبه معروف باسم المذهب المالكي. كانت ولادة مالك في المدينة سنة 97 هـ (715 م) و من أشهر مؤلفاته كتابه الموطّأ و فيه أصول مذهبه. مات سنة 179 هـ (795 م) .

(2) الضبّ: من الزواحف و هو شبيه بالحردون.

(3) الخيل (هنا) : أي الخليل بن أحمد مستنبط علم العروض.

(4) تجهّم: عبس و قطّب وجهه.

(5) البصرة: مرفأ في العراق على شطّ العرب. و كانت البصرة أكثر مدن العراق ازدهارا زمن الدولة العبّاسية. كما كانت مع الكوفة مركزا مرموقا من مراكز العلم و الثقافة العربيّة.

(6) البازي: طير من الجوارح يصاد به و هو أنواع شتّى و الجمع بزاة و أبواز و بيزان، و حامل الباز يقال له البازدار و اللفظة فارسية.

53

احتلت للدنيا و لذّاتها # بحيلة تذهب بالدّين

فأين ما كنت به واعظا # من ترك أبواب السّلاطين

إن قلت أكرهت فما هكذا # زلّ حمار العلم في الطين‏

من زان علمه بعمله‏

قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه: اعقلوا الخير إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فرواية العلم كثيرة و رعايته قليلة. كثرة العلم في غير طاعة اللّه مادة الذنوب. و قيل:

العلم يهتف‏ (1) بالعمل فإن أجابه و إلا ارتحل.

ذمّ من شان علمه بتقصير

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه، و قال عليه السلام:

أشدّ الناس ندامة عند الموت العلماء المفرطون‏ (2) .

و قال صلى اللّه عليه و سلم: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، و قلب لا يخشع، و عين لا تدمع، و نفس لا تشبع، و أعوذ بك من شرّ هؤلاء الأربع.

كتب الشافعي‏ (3) رضي اللّه عنه إلى عالم: قد أوتيت علما فلا تطفئ نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم.

تفضيل العلم على العمل‏

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد.

و قال صلى اللّه عليه و سلم: عمل قليل في علم خير من كثير منه في جهل.

و قال الحسن رضي اللّه عنه: أدركت قوما من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقولون: من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح.

ذمّ شره العالم و طلب الدنيا بالعلم‏

قال صلى اللّه عليه و سلم: من ازداد في العلم رشدا و لم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من اللّه إلا بعدا.

و روى في الخبر من آتاه اللّه علما فلم يتنزّه به عن الدنيا كتب بين عينيه الفقير إلى يوم القيامة.

قال مالك: قلت للحسن: ما عقوبة العالم؟قال: موت قلبه. قلت: و ما هو؟قال:

____________

(1) يهتف بالعمل: هتف في اللغة صات أو مدّ صوته، و هتف فلان بفلان صاح به، و هتف بالعمل دعا إليه.

(2) المفرطون: جمع مفرط و هو اسم فاعل من أفرط الأمر أي نسبه و تركه.

(3) الشافعي: هو محمد بن إدريس من أئمة الدين و صاحب المذهب المعروف باسمه. ولد الشافعي في مدينة غزّة سنة 151 (767 م) ، و مات في مصر سنة 205 هـ (820 م) لكنّ نشأته كانت في مكّة المكرمة. و منها قدم إلى بغداد و من أشهر آثاره «كتاب الأم» .

54

طلب الدنيا بعمل الآخرة. قال بعض الأدباء؟لأن تطلب الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن تطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة.

قلّة العلم و كثرة الجهل‏

قال الطائي‏ (1) :

أبا جعفر إنّ الجهالة أمّها # و لو دوام العلم جدّاء حائل‏

و قال علقمة (2) :

الجهل ذو عرض لا يستزاد له # و الحكم آونة في النّاس معدوم‏

مدح الحديث‏

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: من حفظ حديثا واحدا من أمر دينه أعطاه اللّه أجر سبعين صديقا.

و قال صلى اللّه عليه و سلم: من حفظ على أمتى أربعين حديثا، بعث يوم القيامة فقيها.

و قال ابن عبّاس: سمعت النبي صلى اللّه عليه و سلم يقول: اللهم ارحم خلفائي فقلت: و من خلفاؤك؟ قال: الذين يروون الأحاديث بعدي.

ذمّه و ذمّ أصحابه؟

قال شعبة: إن هذا الحديث يصدّكم عن ذكر اللّه، و عن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ و قال محمد بن مطيع: رأيت الحسن بن زياد أسوأ الناس صلاة فعاتبته، فقال: ما طلب الحديث أحد إلا ساءت صلاته.

و قال عمرو بن الحارث: ما رأيت علما أشرف و لا أوضع أهلا من الحديث و هم شرّ خلف من خير سلف.

مدح الإسناد

قيل: الإسناد قيد الحديث. و قيل: الحديث من غير إسناد كالجمل بلا زمام و خطام.

وصف إعرابي رجلا فقال: ما أحسن حديثه لو أنّ له سلاسل يقاد بها يعني الأسانيد، قال:

و نصّ الحديث إلى أهله # و إن الأمانة في نصّه‏

____________

(1) الطّائي (هنا) : هو أبو تمّام حبيب بن أوس الطّائي شاعر المعتصم باللّه العبّاسي و أحد كبار الشعراء في عصره، و يعتبره النقّاد اليوم من روّاد التجويد في الشعر القديم. ولد أبو تمّام في جاسم قرب دمشق سنة 172 هـ (788 م) . ألمّ بعلوم العرب و حفظ شعرهم كما درس فلسفة اليونان و عني بحكمتهم و تأثر بها في شعره. تميّز شعره بالمعاني الغامضة الغريبة. مات سنة 231 هـ (845 م) .

(2) علقمة: هو علقمة الفحل من شعراء المناذرة في الحيرة عاصر امرأ القيس، و كانت وفاته سنة (598 م) كما يقول بعض المؤرخين.