البيان و التبيين - ج2

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
245 /
5

الجزء الثاني‏

[مقدمة]

الحمد للّه رب العالمين، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، و صلى اللّه على محمد خاصة و على أنبيائه عامة.

أردنا-أبقاك اللّه-أن نبتدئ صدر هذا الجزء الثاني من البيان و التبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب و ملوكهم، إذ وصلوا أيمانهم بالمخاصر و اعتمدوا على وجه الأرض بأطراف القسيّ و العصيّ، و أشاروا عند ذلك بالقضبان و القنيّ. و في كل ذلك قد روينا الشاهد الصادق، و المثل السائر. و لكنا أحببنا أن نصيّر صدر هذا الباب كلاما من كلام رسول رب العالمين، و السلف المتقدمين، و الجلة من التابعين، الذين كانوا مصابيح الظلام، و قادة هذا الأنام، و ملح الأرض، و حليّ الدنيا، و النجوم التي لا يضل معها الساري، و المنار الذي يرجع إليه الباغي، و الحزب الذي كثر اللّه به القليل، و أعز به الذليل، و زاد الكثير في عدده، و العزيز في ارتفاع قدره. و هم الذين جلوا بكلامهم الأبصار الكليلة، و شحذوا بمنطقهم الأذهان العليلة، فنبهوا

6

القلوب من رقدتها، و نقلوها عن سوء عادتها، و شفوها من داء القسوة، و غباوة الغفلة، و داووا من العيّ الفاضح، و نهجوا لنا الطريق الواضح. و لو لا الذي أملت في تقديم ذلك و تعجيله، من العمل بالصواب، و جزيل الثواب، لقد كنت بدأت بالرد عليهم، و بكشف قناع دعواهم. على أنّا سنقول في ذلك بعد الفراغ مما هو أولى بنا و أوجب علينا. و اللّه الموفق، و هو المستعان.

باب فى الخطب‏

[أنواع الخطب‏]

و على أن خطباء السلف الطيب، و أهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، و تستفتح بالتمجيد: «البتراء» .

و يسمون التي لم توشح بالقرآن، و تزين بالصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «الشوهاء» .

و قال عمران بن حطّان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصّر فيها عن غاية، و لم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شي‏ء من القرآن.

و خطب أعرابي فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، و الاستفتاح بالتمجيد، قال: «أما بعد، بغير ملالة لذكر اللّه و لا إيثار غيره عليه، فإنّا نقول كذا، و نسأل كذا» ، فرارا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء.

و قال شبيب بن شيبة: «الحمد للّه، صلّى اللّه على رسول اللّه. أما بعد، فإنّا نسأل كذا، و نبذل كذا» .

و بنا-حفظك اللّه-أعظم الحاجة إلى أن يسلّم كتابنا هذا من النّبز (1)

القبيح و الشّوه‏ (2) المشين، و اللقب السّمج المعيب، بل قد يجب أن نزيد في بهائه، و نستميل القلوب إلى اجتبائه، إذ كان الأمل فيه بعيدا، و كان معناه شريفا ثمينا.

ثم اعلم بعد ذلك أن جميع خطب العرب، من أهل المدر و الوبر،

____________

(1) النبز: اللقب‏

(2) الشوه: القبح‏

7

و البدو و الحضر، على ضربين: منها الطّوال، و منها القصار، و لكل ذلك مكان يليق به، و موضع يحسن فيه. و من الطوال ما يكون مستويا في الجودة، و متشاكلا في استواء الصنعة، و منها ذوات الفقر الحسان، و النّتف الجياد.

و ليس فيها بعد ذلك شي‏ء يستحق الحفظ، و إنما حظه التخليد في بطون الصحف. و وجدنا عدد القصار أكثر، و رواة العلم إلى حفظها أسرع. و قد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار، و وفيناه حظه من التمييز، و نرجو ألا نكون قصرنا في ذلك. و اللّه الموفق.

هذا سوى ما رسمنا في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء و جمل كلام الأعراب الخلص، و أهل اللسن من رجالات قريش و العرب، و أهل الخطابة من أهل الحجاز، و نتف من كلام النساك، و مواعظ من كلام الزهاد، مع قلة كلامهم، و شدة توقّيهم. و ربّ قليل يغني عن الكثير، كما أن ربّ كثير لا يتعلق به صاحب القليل. بل رب كلمة تغني عن خطبة، و تنوب عن رسالة.

بل رب كناية تربي على افصاح، و لحظ يدل على ضمير، و إن كان ذلك الضمير بعيد الغاية، قائما على النهاية. و متى شاكل أبقاك اللّه ذلك اللفظ معناه، و أعرب عن فحواه، و كان لتلك الحال وفقا، و لذلك القدر لفقا، و خرج من سماجة الاستكراه، و سلّم من فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع، و بانتفاع المستمع، و أجدر أن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، و يحمي عرضه من اعتراض العائبين، و ألا نزال القلوب به معمورة، و الصدور مأهولة. و متى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، و كان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبّب إلى النفوس، و اتصل بالأذهان، و التحم بالعقول.

و هشّت إليه الأسماع، و ارتاحت له القلوب، و خفّ على ألسن الرواة، و شاع في الآفاق ذكره، و عظم في الناس خطره، و صار ذلك مادة للعالم الرئيس، و رياضة للمتعلم الريّض. فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة، و مصلحة حال الخاصة، و كان ممن يعمّ و لا يخصّ، و ينصح و لا يغش، و كان مشغوفا بأهل الجماعة، شنفا (1) لأهل الاختلاف و الفرقة، جمعت له الحظوظ من

____________

(1) شنف: أبغض.

8

أقطارها، و سيقت إليه القلوب بأزمتها، و جمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته، و جبلت على تصويب إرادته. و من أعاره اللّه من معونته نصيبا، و أفرغ عليه من محبته ذنوبا، جلبت إليه المعاني، و سلس له النظام، و كان قد أعفى المستمع من كد التكلف، و أراح قارئ الكتاب من علاج التفهم. و لم أجد في خطب السلف الطيب و الأعراب الأقحاح، ألفاظا مسخوطة، و لا معاني مدخولة، و لا طبعا رديئا، و لا قولا مستكرها. و أكثر ما تجد ذلك في خطب المولدين، و في خطب البلديين المتكلفين، و من أهل الصنعة المتأدبين، و سواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال و الاقتضاب، أم كان من نتاج التحبير و التفكير.

[طبقات الشعراء]

و من شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا (1) ، و زمنا طويلا، يردد فيها نظره، و يجيل فيها عقله، و يقلب فيها رأيه، اتهاما لعقله، و تتبعا على نفسه، فيجعل عقله، زماما على رأيه، و رأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، و إحرازا لما خوله اللّه تعالى من نعمته. و كانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، و المقلّدات، و المنقّحات، و المحكّمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا، و شاعرا مفلقا.

و في بيوت الشعر الأمثال و الأوابد، و منها الشواهد، و منها الشوارد.

و الشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم: الفحل الخنذيذ. و الخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة: «الفحولة هم الرواة» . و دون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، و دون ذلك الشاعر فقط، و الرابع الشعرور. و لذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء:

يا رابع الشعراء كيف هجوتني # و زعمت أني مفحم لا أنطق‏

____________

(1) كريت: كامل.

9

فجعله سكيتا مخلفا و مسبوقا مؤخرا.

و سمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، و شويعر، و شعرور. قال: و الشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حجر.

و منهم من بني ضبة المفوّف، شاعر بني حميس، و هو الشويعر، و لذلك قال العبدي:

أ لا تنهي سراة بني حميس # شويعرها فويلية الأفاعي‏

قبيلة تردّد حيث شاءت # كزائدة النعامة في الكراع‏

فويلية الأفاعي: دويبة سوداء فوق الخنفساء.

و الشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل، من بني سعد بن ليث، و يقال إن اسمه ربيعة بن عثمان. و هو الذي يقول:

فسائل جعفرا و بني أبيها # بني البزري بطخفة و الملاح‏ (1)

و أفلتنا أبو ليلى طفيل # صحيح الجلد من أثر السلاح‏

و قد زعم ناس أن الخنذيذ من الخيل هو الخصي. و كيف يكون ذلك.

كذلك مع قول الشاعر:

يا ليتني بالخبث لم أر مثلها # أمرّ قرى منها و أكثر باكيا

و أكثر خنذيذا يجر عنانه # إلى الماء لم يترك له السيف ساقيا

و قال بشر بن أبي خازم:

و خنذيذ ترى الغرمول منه # كطي الزقّ علّقه التّجار

____________

(1) البزري: لقب بني بكر. طخفة و الملاح: موضعان.

10

و أبين من ذلك قال البرجمي:

و خناذيذ خصية و فحولا

و يدل على ما قلنا قول القيسي:

دعوت بني سعد إليّ فشمّرت # خناذيذ من سعد طوال السواعد

و كان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات.

و قد فسر سويد بن كراع العكليّ ما قلنا، في قوله:

أبيت بأبواب القوافي كأنما # أصادي بها سربا من الوحش نزّعا

أكالئها حتى أعرّس بعد ما # يكون سحيرا أو بعيدا فأهجعا (1)

عواصي إلا ما جعلت أمامها # عصا مربد تغشى نحورا و أذرعا (2)

أهبت بغرّ الآبدات فراجعت # طريقا أملته القصائد مهيعا (3)

بعيدة شأو، لا يكاد يردها # لها طالب حتى يكلّ و يظلعا

إذا خفت أن تروى عليّ رددتها # وراء التراقي خشية أن تطلعا

و جشمني خوف ابن عفان ردها # فثقفتها حولا حريدا و مربعا

و قد كان في نفسي عليها زيادة # فلم أر إلا أن أطيع و أسمعا

و لا حاجة بنا مع هذه الفقر إلى الزيادة في الدليل على ما قلنا، و لذلك قال الحطيئة: «خير الشعر الحولي المحكك» . و قال الأصمعي: «زهير بن أبي سلمى، و الحطيئة و أشباههما، عبيد الشعر» . و كذلك كل من جوّد في جميع شعره، و وقف عند كل بيت قاله، و أعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. و كان يقال: لو لا إن الشعر قد كان استعبدهم و استفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف و أصحاب الصنعة، و من يلتمس قهر الكلام، و اغتصاب الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين، الذين

____________

(1) أكالئها: أراقبها. أعرس: أنزل في السحر.

(2) المربد: محبس الابل.

(3) الآبد: المتوحش. أملت: سلكت. مهيع: واسع.

11

تأتيهم المعاني سهوا و رهوا (1) ، و تنثال عليهم الألفاظ انثيالا. و إنما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي و رؤبة. و لذلك قالوا في شعره: مطرف بآلاف و خمار بواف. و قد كان يخالف في ذلك جميع الرواة و الشعراء. و كان أبو عبيدة يقول و يحكي ذلك عن يونس.

و من تكسب بشعره و التمس به صلات الأشراف و القادة، و جوائز الملوك و السادة، في قصائد السماطين، و بالطوال التي تنشد يوم الحقل، لم يجد بدا من صنيع زهير و الحطيئة و أشباههما، فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام و تركوا المجهود، و لم نرهم من ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب، اقتدارا عليه، و ثقة بحسن عادة اللّه عندهم فيه. و كانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير و مهمات الأمور، ميّثوه‏ (2) في صدورهم، و قيدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثقاف و أدخل الكير، و قام على الخلاص، أبرزوه محكما منقحا، و مصفى من الأدناس مهذبا. قال الربيع بن أبي الحقيق لأبي ياسر النضيري:

فلا تكثر النجوى و أنت محارب # تؤامر فيها كل نكس مقصر

و قال عبد اللّه بن وهب الراسبي: «إياي و الرأي الفطير» .

و كان يستعيذ باللّه من الرأي الدّبري، الذي يكون من غير روية، و كذلك الجواب الدبري.

و قال سبحان وائل: «شر خليطيك السئوم المحزّم» لأن السئوم لا يصبر، و إنما التفاضل في الصبر. و المحزم صعب لا يعرف ما يراد منه، و ليس الحزم إلا بالتجارب، و بأن يكون عقل الغريزة سلما إلى عقل التجربة. و لذلك قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: «رأي الشيخ أحب إلينا من جلد الشاب» .

____________

(1) السهو و الرهو: السهل اللين.

(2) ميث: ذلل، يسر.

12

و لذلك كرهوا ركوب الصعب حتى يذل، المهر الأرن إلا بعد رياضة (1)

و لم يحولوا المعانيق هماليج إلا بعد طول التخليع‏ (2) ، و لم يحلبوا الزبون إلا بعد الإبساس‏ (3) .

[من أقوال رسول اللّه و أحاديثه و خطبه‏]

و سنذكر من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، مما لم يسبقه إليه عربي، و لا شاركه فيه أعجمي، و لم يدّع لأحد و لا ادّعاه أحد، مما صار مستعملا و مثلا سائرا.

فمن ذلك قوله: «يا خيل اللّه اركبي» ، و قوله: «مات حتف أنفه» ، و قوله: «لا تنتطح فيه عنزان» ، و قوله: «الآن حمي الوطيس» .

و لما قال عديّ بن حاتم‏ (4) في قتل عثمان رحمه اللّه: «لا تحبق فيه عناق» (5) قال له معاوية بن أبي سفيان بعد أن فقئت عينه و قتل ابنه: يا أبا طريف، هل حبقت في قتل عثمان عناق؟قال: أى و اللّه، و التيس الأكبر! فلم يصر كلامه مثلا، و صار كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مثلا.

و من ذلك قوله لأبي سفيان بن حرب: «كل الصيد في جوف الفرا» .

و من ذلك قوله: «هدنة على دخن، و جماعة على أقذاء» (6) ، و من ذلك قوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» .

____________

(1) الارن: النشيط.

(2) المعانيق: السريعة. هماليج: التي تسير متبخترة. تخليع: سير مفكك.

(3) الزبون: الناقة التي تضرب حالبها. الابساس: صوت الراعي و هو يسكن الناقة عند الحلب.

(4) عدي بن حاتم الطائي الذي ضرب به المثل في الجود كان نصرانيا فأسلّم و اشترك في فتوح العراق و سكن الكوفة و تشيع لعلي و شهد معه الجمل و صفين و عمر طويلا نحو 120 سنة.

(5) تحبق فيه عناق: تضرط عنز

(6) هدنة على دخن: على حقد، مثل يضرب لمن يضمر عداوة و يبدي ودا.

13

أ لا ترى أن الحارث بن حدّان، حين أمر بالكلام عند مقتل يزيد بن المهلب، قال: «أيها الناس، اتقوا الفتنة، فإنها تقبل بشبهة، و تدبر ببيان، و إن المؤمن لا يلسع من جحر تين» ، فضرب بكلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المثل، ثم قال: «اتقوا عصبا تأتيكم من الشام، كأنها دلاء قد انقطع و ذمها» .

و قال ابن الأشعث لأصحابه، و هو على المنبر: «قد علمنا إن كنا نعلم، و فهمنا إن كنا نفهم، أن المؤمن لا يلسع من جحر مرتين، و قد و اللّه لسعت بكم من جحر ثلاث مرات، و أنا أستغفر اللّه من كل ما خالف الإيمان، و اعتصم به من كل ما قارب الكفر» .

و أنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه و كثر عدد معانيه، و جلّ عن الصنعة، و نزّه عن التكلف، و كان كما قال اللّه تبارك و تعالى: قل يا محمد: وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ . فكيف و قد عاب التشديق، و جانب أصحاب التقعيب، و استعمل المبسوط في موضع البسط، و المقصور في موضع القصر، و هجر الغريب الوحشي، و رغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، و لم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، و شيد بالتأييد، و يسر بالتوفيق. و هو الكلام الذي ألقى اللّه عليه المحبة، و غشاه بالقبول و جمع له بين المهابة و الحلاوة، و بين حسن الأفهام، و قلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، و قلة حاجة السامع إلى معاودته.

لم تسقط له كلمة، و لا زلت به قدم، و لا بارت له حجة، و لم يقم له خصم، و لا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصار، و لا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، و لا يحتج إلا بالصدق، و لا يطلب الفلج‏ (1) إلا بالحق، و لا يستعين بالخلابة، و لا يستعمل المواربة، و لا يهمز و لا يلمز (2) ، و لا يبطئ و لا يعجل، و لا يسهب و لا يحصر. ثم لم يسمع الناس

____________

(1) الفلج: الفوز.

(2) الهمز: العيب في الغيبة. اللمز: العيب في الحضور.

14

بكلام قط أعم نفعا، و لا أقصد لفظا، و لا أعدل وزنا، و لا أجمل مذهبا، و لا أكرم مطلبا، و لا أحسن موقعا، و لا أسهل مخرجا، و لا أفصح معنى، و لا أبين في فحوى، من كلامه صلّى اللّه عليه و سلّم كثيرا.

قال: و لم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط، بل كذلك يرون المتظرف و المتكلف للغناء. و لا يكادون يضعون اسم المتكلف إلا في المواضع التي يذمونها.

قال قيس بن الخطيم:

فما المال و الأخلاق إلا معارة # فما اسطعت من معروفها فتزوّد

و إني لأغنى الناس عن متكلّف # يرى الناس ضلالا و ليس بمهتد

و قال ابن قميئة:

و حمال أثقال إذا هي أعرضت # عن الأصل لا يسطيعها المتكلّف‏

قال محمد بن سلاّم: قال يونس بن حبيب: «ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم» .

و قد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار. و لعل بعض من يتسع في العلم، و لم يعرف مقادير الكلم، يظن أنّا قد تكلفنا له من الامتداح و التشريف و من التزيين و التجويد ما ليس عنده، و لا يبلغه قدره. كلا و الذي حرم التزيد على العلماء، و قبح التكلف عند الحكماء، و بهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه! فمن كلامه صلّى اللّه عليه و سلّم حين ذكر الأنصار فقال: «أما و اللّه ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع، و تكثرون عند الفزع» . و قال: «الناس كلهم سواء كأسنان المشط» ، و «المرء كثير بأخيه» ، و «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» . و قال الشاعر:

15

سواء كأسنان الحمار فلا ترى # لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا

و قال آخر:

شبابهم و شيبهم سواء # فهم في اللوم أسنان الحمار

و إذا حصلت تشبيه الشاعر و حقيقته، و تشبيه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و حقيقته، عرفت فضل ما بين الكلامين.

و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، و يسعى بذمتهم أدناهم، و يرد عليهم أقصاهم، و هم يد على من سواهم» .

فتفهم رحمك اللّه، قلة حروفه، و كثرة معانيه.

و قال عليه السلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى، و ابدأ بمن تعول» .

و قال: «لا تجن يمينك على شمالك» . و ذكر الخيل فقال: «بطونها كنز، و ظهورها حرز» ، و قال: «خير المال سكة مأبورة، و فرس مأمورة» (1) .

و قال: «خير المال عين ساهرة، لعين نائمة» . و قال: «نعمت العمة لكم النخلة، تغرس في أرض خوارة (2) ، و تشرب من عين خرارة» . و قال:

«المطعمات في المحل، الراسخات في الوحل» . و قال: «الحمى في أصول النخل» . و ذكر الخيل فقال: «أعرافها دفاؤها، و أذنابها مدابها» ، و «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . و قال: «ليس منا من حلق أو صلق أو شق» (3) . و قال: «نهيتكم عن عقوق الأمهات، و وأد البنات، و منع و هات» . و قال: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة» . و قال: «ما أملق تاجر صدوق» . و جاء في الحديث: «ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى» .

و قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين» .

____________

(1) أبر: أصلح و القح. مأمورة: منتجة.

(2) خوارة: سهلة.

(3) أي حلق الشعر عند الرزيئة. الصلق: رفع الصوت. الشق: شق الثياب.

16

و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «الخير في السيف، و الخير مع السيف، و الخير بالسيف» . و قال: «لا يوردن مجرب على مصح» . و قال: «لا تزال أمتي صالحا أمرها ما لم تر الأمانة مغنما و الصدقة مغرما» . و قال: «رأس العقل بعد الإيمان باللّه مداراة الناس» ، و «لن يهلك امرؤ بعد مشورة» . و قال: «المستشار مؤتمن» . و قال: «المستشار بالخيار، إن شاء قال و إن شاء أمسك» ، و قال: «رحم اللّه عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» . و قال: «افصلوا بين حديثكم بالاستغفار» . و قال: «استعينوا على طول المشي بالسعي» .

و قال للخاتنة: «يا أم عطية، أشمّيه و لا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، و أحظى عند الزوج» ، و قال: «لا تجلسوا على ظهر الطريق، فإن أبيتم فغضوا الأبصار و ردوا السلام، و اهدوا الضال، و أعينوا الضعيف» . و قال: «إن اللّه يرضى لكم ثلاثا و يكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا، و أن تعتصموا بحبله جميعا و لا تفرّقوا، و أن تناصحوا من ولاه اللّه أمركم. و يكره لكم قيل و قال، و كثرة السؤال، و إضاعة المال» . و قال: «يقول ابن آدم:

مالي مالي. و إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو وهبت فأمضيت» . «لو أن لابن آدم واديين من ذهب لسأل إليهما ثالثا» . و «لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، و يتوب اللّه على من تاب» . و قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، و إن اللّه مستعملكم فيها، فناظر كيف تعملون» . و قال: «إن أحبكم إلي و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون و يؤلفون. و إن أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلسا يوم القيامة، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون» . و قال: «إياي و التشادق» ، و قال: «إياكم و الفرج في الصلاة» ، و قال: «إياكم و الفرج في الصلاة» ، و قال: «لا يؤمّن ذو سلطان في سلطانه و لا يجلس على فراش تكرمته إلا بإذنه» . و قال: «إياكم و المشارّة، فإنها تميت الغرّة، و تحيي العرّة» . و قال: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعّانا» . و كان يقول: «أعوذ باللّه من الأيهمين، و بوار الأيّم» (1) . و كان

____________

(1) الايهمان: الاعميان، اي المطر و الحريق. الايم: التي لا زوج لها.

17

يقول: «أعوذ باللّه من دعاء لا يسمع، و من قلب لا يخشع، و من علم لا ينفع» .

و قال له رجل: يا رسول اللّه، أوصني بشي‏ء ينفعني اللّه به. قال: «أكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا، و عليك بالشكر، فإنه يزيد في النعمة، و أكثر الدعاء، فإنك لا تدري متى يستجاب لك. و إياك و البغي، فإن اللّه قد قضى أنه من بغى عليه لينصرنّه اللّه، و قال: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم.

و إياك و المكر، فإن اللّه قد قضى ألا يحيق المكر السيئ إلا بأهله» .

و قيل يا رسول اللّه، أي الأعمال أفضل؟فقال: «اجتناب المحارم، و ألا يزال فوك رطبا من ذكر اللّه» .

و قيل له: أي الأصحاب أفضل؟قال: «الذي إذا ذكرت أعانك، و إذا نسيت ذكرك» .

و قيل: أي الناس شر؟قال: «العلماء إذا فسدوا» .

و قال «دب اليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد و البغضاء. و البغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا أقول حالقة الشعر. و الذي نفس محمد بيده لا تؤمنون حتى تحابوا. أ لا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم؟» فقالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: «أفشوا السلام، و صلوا الأرحام» .

و قال: «تهادوا تحابوا» .

و عن الحسن قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أوصاني ربي بتسع. أوصاني بالاخلاص في السر و العلانية، و بالعدل في الرضى و الغضب، و بالقصد في الغنى و الفقر، و أن أعفو عمن ظلمني، و أعطي من حرمني، و أصل من قطعني و أن يكون صمتي فكرا، و نطقي ذكرا، و نظري عبرا» .

و ثلاث كلمات رويت مرسلة، و قد رويت لأقوام شتى، و قد يجوز أن يكونوا حكوها و لم يسندوها. منها قوله: «لو تكاشفتم لما تدافنتم» .

18

و منها قوله: «الناس بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم» . و منها قوله: «ما هلك امرؤ عرف قدره» .

و قد ذكر اسماعيل بن عياش، عن عبد اللّه بن دينار قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن اللّه كره لكم العبث في الصلاة، و الرفث في الصيام، و الضحك عند المقابر» . و قال: «إذا أذنت فترسل، و إذا أقمت فاحذم» (1)

و حدثنا اسماعيل بن عياش الحمصي، عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر، عن رجل، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم» .

و من حديث أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «قيدوا العلم بالكتاب» . و قال: «يقول اللّه: لو لا رجال خشع، و صبيان رضع، و بهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صبا» .

و من حديث عبد اللّه بن المبارك يرفعه قال: «إذا ساد القبيل فاسقهم، و كان زعيم القوم أرذلهم، و أكرم الرجل اتقاء شره، فلينتظروا البلاء» .

و من أحاديث ابن ابي ذئب عن المقبري، عن ابي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «ستحرصون على الامارة، فنعمت المرضع، و بئست الفاطمة» .

و من حديث عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا يحكم الحاكم بين اثنين و هو غضبان» .

و من حديث عبد اللّه بن المبارك، قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:

يقول: «إن قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا، فصار لكل رجل موضع، فنقر رجل موضعه بفأس فقالوا: ما تصنع؟قال: هو فكاني أصنع به ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجا و نجوا، و إن تركوه هلك و هلكوا» .

و قال: «علق سوطك حيث يراه أهلك» .

____________

(1) حذم: أسرع.

19

و دخل السائب بن صيفي، على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: يا رسول اللّه، أ تعرفني؟فقال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني و لا يماريني» .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يؤتى بالوالي الذي يجلد فوق ما أمره اللّه تعالى فيقول له الرب تعالى: أي عبدي، لم جلدت فوق ما أمرتك به؟فيقول: رب غضبت لغضبك. فيقول: أ كان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي؟!ثم يؤتى بالمقصر فيقول: عبدي، لم قصرت عما أمرتك به؟فيقول: رب، رحمته. فيقول: أ كان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي؟!قال: فيأمر فيهما بشي‏ء قد ذكره لا أعرفه، إلا أنه قال: صيرهما إلى النار» .

وكيع قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر، عن قزعة قال: قال لي ابن عمر: أودعك كما ودعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أستودع اللّه دينك و أمانتك و خواتم عملك» .

و قال: «كل أرض بسمائها» .

و روى سعيد بن عفير عن ابن لهيعة، عن أشياخه، أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم كتب إلى وائل بن حجر الحضرمي و لقومه: «من محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على الأقيال العباهلة من أهل حضر موت، بإقام الصلاة و إيتاء الزكاة: على التيعة شاة، و التيمة لصاحبها (1) ، و في السيوب الخمس‏ (2) . لا خلاط، و لا وراط (3) ، و لا شناق‏ (4) ، و لا شغار. فمن أجبى‏ (5) فقد أربى. و كل مسكر حرام» .

و من حديث راشد بن سعيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «لا تغالوا بالنساء

____________

(1) التيعة: الاربعون من الابل. التيمة: الشاة الزائدة.

(2) السيوب: المال المتروك في الجاهلية.

(3) الوراط: الخديعة و الغش.

(4) الشناق: ما بين الفريضتين من الابل. الشغار: أن يزوج الواحد الآخر حريمته، على ان يبادله الآخر حريمته.

(5) أجبى: باع الزرع قبل ادراكه.

20

فإنما هن سقيا اللّه» . و قال: «خير نساء ركبن الابل صوالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره. و أرعاه على بعل في ذات يده» .

مجالد عن الشعبي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم «اللهم أذهب ملك غسان وضع مهور كندة» .

و الذي يدلك على أن اللّه عز و جل قد خصه بالايجاز و قلة عدد اللفظ، مع كثرة المعاني، قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «نصرت بالصبا و أعطيت جوامع الكلم» . و مما رووا عنه صلّى اللّه عليه و سلّم من استعماله الأخلاق الكريمة، و الافعال الشريفة و كثرة الأمر بها، و النهي عما خالف عنها، قوله: «من لم يقبل من متنصل عذرا، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد علي الحوض» . و قال في آخر وصيته: «اتقوا اللّه في الضعيفين» .

و كلمته جارية من السبي فقال لها: من أنت؟فقالت: أنا بنت الرجل الجواد حاتم. فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: «ارحموا عزيزا ذل، ارحموا عالما ضاع بين جهال» .

و قال: «سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن» .

و عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن الأحاديث ستكثر عني بعدي كما كثرت عن الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه، فهو عني، قلته أو لم أقله» .

و سئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقالت: «خلق القرآن» ، و تلت قول اللّه تبارك و تعالى: (و إنك لعلى خلق عظيم) .

و قال محمد بن علي: أدب اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بأحسن الآداب، فقال:

خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ فلما وعى قال: مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ .

حدثنا علي بن مجاهد، عن هشام بن عروة، قال: سمع عمر بن الخطاب رحمه اللّه رجلا ينشد:

21

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد

فقال عمر: ذاك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

و قد كان الناس يستحسنون قول الأعشى:

تشبّ لمقرورين يصطليانها # و بات على النار الندى و المحلق‏

فلما قال الحطيئة البيت الذي كتبناه قبل هذا سقط بيت الأعشى.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا يزال المسروق منه في تهمة من هو بري‏ء، حتى يكون أعظم جرما من السارق» .

و قال ابو الحسن: أجرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الخيل و سبق بينها، فجاء فرس له أدهم سابقا، فجثا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على ركبتيه و قال: «ما هو إلا بحر» .

فقال عمر بن الخطاب: كذب الحطيئة حيث يقول:

و إن جياد الخيل لا تستفزنا # و لا جاعلات العاج فوق المعاصم‏

و قد زعم ناس من العلماء أنه لم يستفزه سبق فرسه، و لكنه أراد إظهار حب الخيل و تعظيم شأنها.

و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يأكل على الأرض، و يجلس على الأرض و يلبس العباء، و يجالس المساكين، و يمشي في الأسواق، و يتوسد يده، و يقصّ من نفسه، و يلطع أصابعه، و لا يأكل متكئا، و لم يرقط ضاحكا مل‏ء فيه. و كان يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، و اشرب كما يشرب العبد، و لو دعيت إلى ذراع لأجبت، و لو أهدي إلي كراع لقبلت» . و لم يأكل قط وحده، و لا ضرب عبده، و لا ضرب أحدا بيده إلا في سبيل ربه. و لو لم يكن من كرم عفوه و ثخانة حلمه، إلا ما كان منه يوم فتح مكة، لقد كان ذلك من أكمل الكمال و أوضح البرهان. و ذلك أنه حين دخل مكة عنوة و قد قتلوا أعمامه و بني أعمامه، و أولياءه و أنصاره، بعد أن حصروه في الشعاب، و عذبوا أصحابه بأنواع العذاب، و جرحوه في بدنه، و آذوه في نفسه، و سفهوا عليه، و أجمعوا

22

على كيده. فلما دخلها بغير حمدهم، و ظهر عليها على صغر منهم، قام خطيبا فيهم، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم و هو أرحم الراحمين» .

و إنما نقول في كل باب بالجملة من ذلك المذهب، و إذا عرفتم أول كل باب كنتم خلقاء أن تعرفوا الأواخر بالأوائل، و المصادر بالموارد.

خطبة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في الوداع‏

قال صلّى اللّه عليه و سلّم: الحمد للّه، نحمده و نستعينه، و نستغفره و نتوب إليه، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا. من يهد اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له. و اشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله. أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، و أحثكم على طاعته، و أستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيها الناس أسمعوا مني أبيّن لكم، فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم و أموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.

ألا هل بلّغت؟اللهم أشهد!.

فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى الذي ائتمنه عليها. و إن ربا الجاهلية موضوع، و إن أول ربا أبدا به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. و إن دماء الجاهلية موضوعة، و إن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. و إن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة (1) و السقاية. و العمد قود (2) ، و شبه العمد ما قتل بالعصا و الحجر، و فيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

____________

(1) السدانة: خدمة الكعبة.

(2) العمد قود: قتل القاتل بالقتيل.

23

أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، و لكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.

أيها الناس: إن النسي‏ء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما و يحرّمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم اللّه فيحلوا ما حرم اللّه. إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض. و إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السموات و الأرض، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات و واحد فرد: ذو القعدة و ذو الحجة و المحرّم، و رجب الذي بين جمادي و شعبان.

ألا هل بلّغت؟اللهم أشهد!.

أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا، و لكم عليهن حق. لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، و لا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، و لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن اللّه قد أذن لكم أن تعضلوهن و تهجروهن في المضاجع، و تضربوهن ضربا غير مبرّح، فإن انتهين و أطعنكم فعليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف و إنما النساء عندكم عوان‏ (1) لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه. فاتقوا اللّه في النساء و استوصوا بهن خيرا.

ألا هل بلغت؟اللهم أشهد!.

أيها الناس، إنما المؤمنون أخوة، و لا يحل لامرئ مسلّم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه.

ألا هل بلغت؟اللهم أشهد!.

فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإن قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب اللّه.

____________

(1) عوان: من عانية، السيرة.

24

ألا هل بلغت؟اللهم اشهد.

أيها الناس، إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، كلكم لآدم و آدم من تراب. أكرمكم عند اللّه أتقاكم، إن اللّه عليم خبير. و ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.

ألا هل بلغت؟اللهم أشهد! قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب.

أيها الناس، إن اللّه قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية، و لا تجوز وصية في أكثر من الثلث. و الولد للفراش، و للعاهر الحجر. من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل منه صرف و لا عدل. و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

و عن الحسن قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فلما رآه قال: هذا سيد أهل الوبر. فقال: يا رسول اللّه، خبرني عن المال الذي لا تكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني، أو عيال كثروا علي. قال: «نعم المال الأربعون، و الأكثر الستون، و ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها و نجدتها، و أطرق فحلها (1) ، و أفقر ظهرها (2) ، و نحر سمينها، و أطعم القانع و المعتر (3) » . قال: يا رسول اللّه، ما أكرم هذه الأخلاق و أحسنها، و ما يحل بالوادي الذي أكون فيه أكثر من إبلي. قال: فكيف تصنع بالطروقة؟قال:

تغدو الابل و يغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعيد فذهب به. قال: فكيف تصنع في الافقار؟قال إني لأفقر البكر الضرع، و الناب المسنة. قال: فكيف تصنع بالمنيحة (4) ؟قال: إني لأمنح في كل سنة مائة. قال: فأي المال

____________

(1) أطرق فحلها: أعاره ليضرب في ابله.

(2) افقر ظهرها: اعاره للركوب.

(3) القانع و المعتر: السائل و الطالب.

(4) المنيحة: ان يطعم الرجل لبن شاته لآخر.

25

أحب إليك، أمالك أم مال مولاك؟قال: بل مالي. قال: «فمالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. و ما سوى ذلك للوارث» .

و ذكر أبو المقدام هشام بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال:

دخلت على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه، فجعلت أحد النظر إليه، فقال لي: يا ابن كعب، ما لك تحد النظر إلي؟قلت: لما نحل من جسمك، و تغير من لونك. قال: فكيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري، و قد سالت حدقتاي على وجنتي و ابتدر فمي و أنفي صديدا ودودا، كنت و اللّه أشدّ نكرة لي. أعد علي حديثا كنت حدثتنيه عن عبد اللّه بن عباس. قال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «إن لكل شي‏ء شرفا، و إن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة، و من أحب أن يكون أعز الناس فليتق اللّه. و من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه. و من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي اللّه أوثق منه بما في يديه» ، ثم قال: «أ لا أنبئنكم بشرار الناس؟» فقالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: «من نزل وحده، و منع رفده، و جلد عبده» . ثم قال: «أ لا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: «من لا يقيل عثرة، و لا يقبل معذرة، و لا يغفر ذنبا» .

ثم قال: «أ لا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: «من يبغض الناس و يبغضونه. إن عيسى بن مريم عليه السلام قام خطيبا في بني اسرائيل فقال: يا بني اسرائيل، لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم، و لا تظلموا و لا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم. يا بني اسرائيل، الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، و أمر تبين غيه فاجتنبوه، و أمر اختلف فيه فإلى اللّه فردوه» .

و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «كل قوم على زينة من أمرهم، و مفلحة في أنفسهم، يزرون على من سواهم. و يتبين الحق في ذلك بالمقايسة بالعدل عند أولى الألباب من الناس» .

26

و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: «من رضي رقيقه فليمسكه، و من لم يرض فليبعه، فلا تعذبوا خلق اللّه» .

و قال في آخر ما أوصى به: «اتقوا اللّه في الضعيفين» .

قال ابن ثوبان عن ابيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم «عمران بيت المقدس خراب يثرب، و خراب يثرب خروج الملحمة، و خروج الملحمة فتح القسطنطينية، و فتح القسطنطينية خروج الدجال» ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال: «إن هذا لحقّ كما إنك هاهنا» . أو «كما أنك قاعد» ، يعني معاذا.

صالح المري عن الحسن البصري، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: حصنوا أموالكم بالزكاة و داووا مرضاكم بالصدقة، و استقبلوا البلاء بالدعاء» .

كثير بن هشام، عن عيسى بن ابراهيم، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «الجمعة حجّ المساكين» .

قال عوف، عن الحسن، أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «اتقوا اللّه في النساء فإنهن عندكم عوان، و إنما أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه» .

الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن اللّه يحبّ الجواد من خلقه» .

أبو عبد الرحمن الأشجعي، عن يحيى بن عبيد اللّه، عن ابيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «ما خلا يهوديّ بمسلّم قط إلا همّ بقتلة» ، و يقال: «حدث نفسه بقتله» .

ابو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبيد اللّه بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقا على اللّه أن نحرّم لحمه على النار» .

27

اسماعيل بن عياش، عن الحسن بن دينار، عن الخصيب بن جحدر، عن رجل، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم» .

و عن عبد ربه بن أعين، عن عبد اللّه بن ثمامة بن أنس، عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «قيدوا العلم بالكتاب» و قال: «فضل جاهك تعود به على أخيك الذي لا جاه له صدقة منك عليه، و فضل لسانك تعبر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة منك عليه، و فضل علمك تعود به على أخيك الذي لا علم عنده صدقة منك عليه، و فضل قوتك ترده على أخيك الذي لا قوة له صدقة منك عليه، و اماطتك الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله» .

[كلمات بليغة]

و إنما مدار الأمور و الغاية التي يجري إليها، الفهم ثم الافهام، و الطلب ثم التثبت.

و قال عمرو بن العاص: «ثلاثة لا أملّهم: جليسي ما فهم عني، و ثوبي ما سترني، و دابتي ما حملت رجليّ» .

و ذكر الشعبي ناسا فقال: «ما رأيت مثلهم أشد تنابذا في مجلس و لا أحسن تفهّما عن محدّث» .

و وصف سهل بن هارون رجلا فقال: «لم أر أحسن منه فهما لجليل، و لا أحسن تفهما لدقيق» .

و قال سعيد بن سلّم لأمير المؤمنين المأمون: «لو لم أشكر اللّه إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين، من قصده إلي بحديثه، و إشارته إلي بطرفه، لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة، و توجيه الحرية» . فقال المأمون: «لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت، و حسن‏

28

التفهّم إذا حدّثت، ما لم يجد عند أحد فيمن مضى، و لا يظن أنه يجده فيمن بقي» .

و قال له مرة أخرى: «و اللّه إنك لتستقفي حديثي، و تقف عند مقاطع كلامي، و تخبر عنه بما كنت قد أغفلته» .

و قال أبو الحسن: قالت امرأة لزوجها: ما لك إذا خرجت إلى اصحابك تطلّقت و تحدثت، و إذا كنت عندي تعقدت و أطرقت؟قال: «لأنني أجل عن دقيقك، و تدقين عن جليلي» .

و قال أبو مسهر: «ما حدثت رجلا قط إلا أعجبني حسن إصغائه، حفظ عني أم ضيع» .

و قال أبو عقيل بن درست: «نشاط القائل على قدر فهم المستمع» .

و قال أبو عباد كاتب أحمد بن ابي خالد: «للقائل على السامع ثلاث:

جمع البال، و الكتمان، و بسط العذر» .

و قال أبو عباد: «إذا أنكر القائل عيني المستمع فليستفهمه عن منتهى حديثه، و عن السبب الذي أجرى ذلك القول له: فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، و إن كان لاهيا عنه حرمه حسن الحديث و نفع المؤانسة، و عرفه بفسولة (1) الاستماع، و التقصير في حق المحدث» .

و أبو عباد هذا هو الذي قال: «ما جلس بين يدي رجل قط إلا تمثل لي إني سأجلس بين يديه» .

و ذكر رجل من القرشيين عبد الملك بن مروان، و عبد الملك يومئذ غلام، فقال: «إنه لآخذ بأربع، و تارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حدث، و بأحسن الاستماع إذا حدّث، و بأيسر المئونة إذا خولف، و بأحسن البشر إذا لقي و تارك لمحادثة اللئيم، و منازعة اللجوج، و مماراة السفيه، و مصاحبة المأفون» .

____________

(1) الفسولة: الضعف، الحمق.

29

و ذم بعض الحكماء رجلا فقال: «يحزم قبل أن يعلم، و يغضب قبل أن يفهم» .

و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه في بعض رسائله إلى قضاته: «الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك» .

و لا يمكن تمام الفهم إلا مع تمام فراغ البال.

و قال مجنون بني عامر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبي فارغا فتمكنا

و كتب مالك بن أسماء بن خارجة إلى أخيه عيينة بن أسماء بن خارجة:

أعيين هلاّ إذ شغفت بها # كنت استعنت بفارغ العقل‏

أقبلت ترجو الغوث من قبلي # و المستغاث إليه في شغل‏

و قال صالح المري: «سوء الاستماع نفاق» . و قد لا يفهم المستمع إلا بالتفهم، و قد يتفهم أيضا من لا يفهم. و قال الحارث بن حلزة:

و حبست فيها الركب أحدس في # كل الأمور و كنت ذا حدس‏

و قال النابغة الجعدي:

أبى لي البلاء و أني امرؤ # إذا ما تبينت لم أرتب‏

و قال آخر:

تحلم عن الأدنين و استبق ودّهم # و لن تستطيع الحلم حتى تحلّما

و المثل السائر على وجه الدهر قولهم: «العلم بالتعلم» .

و إذا كانت البهيمة إذا أحست شيئا من أسباب القانص، أحدت نظرها، و استفرغت قواها في الاسترواح، و جمعت بالها للتسمع-كان الانسان العاقل أولى بالتثبّت، و أحق بالتعرف.

30

و لما اتهم قتيبة بن مسلّم، أبا مجلز لاحق بن حميد، ببعض الأمر، قال له أبو مجلز: «أيها الأمير تثبت، فإن التثبت نصف العفو» .

و قال الاحنف: «تعلمت الحلم من قيس بن عاصم» .

و قال فيروز حصين: «كنت أختلف إلى دار الاستخراج أتعلم الصبر» .

و قال سهل بن هارون: «بلاغة اللسان رفق، و العيّ خرق» . و كان كثيرا ما ينشد قول شتيم بن خويلد:

و لا يشعبون الصّدع بعد تفاقم # و في رفق أيديكم لذي الصدع شاعب‏

خطبة أبي بكر في الملوك‏

و قال ابراهيم الانصاري، و هو ابراهيم بن محمد المفلوج، من ولد أبي زيد القارئ: الخلفاء و الأئمة و أمراء المؤمنين ملوك، و ليس كل ملك يكون خليفة و إماما، و لذلك فصل بينهم أبو بكر رحمه اللّه في خطبته، فإنه لما فرغ من الحمد و الصلاة على النبي قال: «ألا أن أشقى الناس في الدنيا و الآخرة الملوك!» . فرفع الناس رءوسهم، فقال: «ما لكم أيها الناس، إنكم لطعانون عجلون. إن من الملوك من إذا ملك زهده اللّه فيما في يديه، و رغبه فيما في يدي غيره، و انتقصه شطر أجله، و أشرب قلبه الاشفاق، فهو يحسد على القليل، و يتسخط الكثير، و يسأم الرخاء، و تنقطع عنه لذة الباءة (1) ، و لا يستعمل العبرة، و لا يسكن إلى الثقة. فهو كالدرهم القسي، و السراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه، و نضب عمره، وضحا ظله‏ (2) ، حاسبه اللّه فأشد حسابه، و أقل عفوه، إلا من آمن باللّه، و حكم بكتابه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم. ألا إن الفقراء هم المرحومون ألا و إنكم اليوم على خلافة النبوة، و مفرق المحجة. و إنكم سترون بعدي ملكا عضوضا، و ملكا عنودا (3) ، و أمة شعاعا، و دما مباحا. فإن كانت للباطل نزوة، و لأهل الحق

____________

(1) الباءة: النكاح.

(2) ضحا ظله: تقلص، مات.

(3) عضوض: شديد، عنيف عنود: طاغ، عات.

31

جولة، يعفو لها الاثر، و يموت لها البشر، و تحيا بها الفتن، و تموت لها السنن، فالزموا المساجد، و استشيروا القرآن، و اعتصموا بالطاعة، و لا تفارقوا الجماعة. و ليكن الابرام بعد المشاورة، و الصفقة بعد طول التناظر. أيّ بلادكم خرشنة؟فإنكم سيفتح عليكم أقصاها كما فتح عليكم أدناها» .

كلام أبي بكر الصديق (ر) لعمر حين استخلفه عند موته.

إني مستخلفك من بعدي، و موصيك بتقوى اللّه. إنّ للّه عملا بالليل لا يقبله بالنهار، و عملا بالنهار لا يقبله بالليل، و إنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة. و إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، و ثقله عليهم، و حقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا.

و إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل و خفته عليهم في الدنيا و حقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. إن اللّه ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، و التجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت:

إني أخاف ألا أكون من هؤلاء. و ذكر أهل النار فذكرهم بأسوإ أعمالهم، و لم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء. و ذكر آية الرحمة مع آية العذاب، ليكون العبد راهبا، و لا يتمنى على اللّه إلا الحق، و لا يلقي بيده إلى التهلكة. فإذا حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحبّ إليك من الموت، و هو آتيك. و إن ضيعت وصيتي، فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، و لست بمعجز اللّه.

[وصية]عمر للخليفة من بعده.

أوصيك بتقوى اللّه لا شريك له، و أوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا: أن تعرف لهم سابقتهم. و أوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم، و تجاوز عن مسيئهم. و أوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء (1) العدو، و جباة الأموال

____________

(1) الردء: المعين.

32

و الفي‏ء (1) لا تحمل إلا عن فضل منهم. و أوصيك بأهل البادية خيرا، فإنهم أصل العرب، و مادة الاسلام: أن تأخذ من حواشي‏ (2) أموال أغنيائهم، فترد على فقرائهم. و أوصيك بأهل الذمة خيرا: أن تقاتل من ورائهم و لا تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد (3) و هم صاغرون.

و أوصيك بتقوى اللّه و شده الحذر منه، و مخافة مقته، أن يطلع منك على ريبة.

و أوصيك أن تخشى اللّه في الناس و لا تخشى الناس في اللّه. و أوصيك بالعدل في الرعية و التفرغ لحوائجهم و ثغورهم. و لا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك- بإذن اللّه-سلامة لقلبك، و حط لوزرك، و خير في عاقبة أمرك، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك، و يحول بينك و بين قلبك. و آمرك أن تشتد في أمر اللّه، و في حدوده و معاصيه، على قريب الناس و بعيدهم، ثم لا تأخذك في أحد الرأفة حتى تنتهك منه مثل ما انتهك من حرمه. و اجعل الناس سواء عندك، لا تبال على من وجب الحق، و لا تأخذك في اللّه لومة لائم. و إياك و الأثرة و المحاباة، فيما ولاك اللّه مما أفاء اللّه على المؤمنين، فتجور و تظلم، و تحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه اللّه عليك.

و قد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا و الآخرة، فإن اقترفت‏ (4) لدنياك عدلا و عفة مما بسط اللّه لك، اقترفت به إيمانا و رضوانا، و إن غلبك الهوى و مالت بك شهوة، اقترفت به سخط اللّه و معاصيه. و أوصيك أ لا ترخص لنفسك و لا لغيرك في ظلم أهل الذمة. و قد أوصيتك و حضضتك، و نصحت لك، أبتغي بذلك وجه اللّه و الدار الآخرة. و اخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي و ولدي، فإن عملت بالذي وعظتك، و انتهيت إلى الذي أمرتك، أخذت به نصيبا وافيا، و حظا وافرا. و إن لم تقبل ذلك و لا يهمك، تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى اللّه به عنك، يكن ذلك بك انتقاصا، و رأيك فيه مدخولا،

____________

(1) الفي‏ء: الغنيمة و الخراج.

(2) الحواشي: صغار الابل.

(3) عن يد: عن ذل.

(4) اقترفت: اكتسبت، اقتنيت.

33

لأن الأهواء مشتركة. و رأس كل خطيئة، و الداعي إلى كل هلكة إبليس و قد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار، و لبئس الثمن أن يكون حظ امرئ موالاة لعدو اللّه، و الداعي إلى معاصيه!ثم اركب الحق و خض إليه الغمرات، و كن واعظا لنفسك، و أنشدك اللّه لما ترحمت على جماعة المسلمين فأجللت كبيرهم، و رحمت صغيرهم، و وقرت عالمهم، و لا تضربهم فيذلوا، و لا تستأثر عليهم بالفي‏ء فتغضبهم، و لا تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم، و لا تجمّرهم‏ (1) في البعوث فتقطع نسلهم، و لا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم، و لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم.

هذه وصيتي إياك، و أشهد اللّه عليك، و أقرأ عليك السلام.

رسالة عمر (ر) إلى ابي موسى الأشعري.

رواها ابن عيينة، و أبو بكر الهذلي و مسلمة بن محارب، رووها عن قتادة.

و رواها أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم، عن عبيد اللّه بن ابي حميد الهذلي عن ابي المليح أسامة الهذلي. أن عمر بن الخطاب كتب إلى ابي موسى الأشعري:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، و سنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس‏ (2) بين الناس في مجلسك و وجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، و لا يخاف ضعيف من جورك. البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر، و الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما. و لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، و هديت فيه لرشدك، أن ترجع عنه إلى الحق فإن الحق قديم، و مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم عند ما يتلجلج في صدرك، مما لم يبلغك في كتاب اللّه و لا في سنة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم. أعرف الأمثال

____________

(1) لا تجمرهم: لا تحبسهم عند العدو.

(2) آس: سو أجعل كل واحد أسوة الآخر.

34

و الأشباه، و قس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أحبها إلى اللّه، و أشبهها بالحق فيما ترى. و اجعل للمدعي حقا غائبا أو بينة، أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، و إلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك انفى للشك، و أجلى للعمى، و ابلغ في العذر. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن اللّه قد تولى منكم السرائر و درأ عنكم الشبهات. ثم إياك و القلق و الضجر، و التأذي بالناس، و التنكر للخصوم في مواطن الحق، التي يوجب اللّه بها الأجر، و يحسن بها الذخر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه و بين اللّه تبارك و تعالى، و لو على نفسه، يكفه اللّه ما بينه و بين الناس، و من تزين للناس بما يعلم اللّه منه خلاف ذلك هتك اللّه ستره، و أبدى فعله. فما ظنك بثواب غير اللّه في عاجل رزقه، و خزائن رحمته. و السلام عليك.

[أول‏]

خطبة لعلي بن ابي طالب (ر)

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أول خطبة خطبها علي بن ابي طالب رحمه اللّه أنه قال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على نبيه:

أما بعد فلا يرعينّ مرع إلا على نفسه‏ (1) ، فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة و النار أمامه. ساع مجتهد ينجو، و طالب يرجو، و مقصر في النار. ثلاثة، و اثنان: ملك طار بجناحيه، و نبي أخذ اللّه بيديه، و لا سادس.

هلك من ادعى، وردي من اقتحم، فإن اليمين و الشمال مضلة، و الوسطى الجادة، منهج عليه باقي الكتاب و السنة، و آثار النبوة. إن اللّه داوى هذه الأمة بدواءين: السيف و السوط، فلا هوادة عند الإمام فيهما، استتروا ببيوتكم و أصلحوا فيما بينكم، و التوبة من ورائكم. من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت لكم أمور ملتم علي فيها ميلة لم تكونوا عندي فيها بمحمودين و لا مصيبين. أما إني لو أشاء لقلت عفا اللّه عما سلف. سبق الرجلان و قام الثالث، كالغراب همّته بطنه، يا ويحه، لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا

____________

(1) الارعاء: المراعاة.

35

له. انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، و إن عرفتم فآزروا. حق و باطل، و لكل أهل، و لئن أمر الباطل لقديما فعل، و لئن قلّ الحق لربما و لعل. ما أدبر شي‏ء فأقبل. و لئن رجعت عليكم أموركم أنكم لسعداء، و إني لأخشى أن تكونوا في فترة و ما علينا إلا الاجتهاد.

قال أبو عبيدة: و روى فيها جعفر بن محمد:

ألا أن أبرار عترتي، و أطائب أرومتي، أحلم الناس صغارا، و أعلم الناس كبارا. ألا و إنّا أهل بيت من علم اللّه علمنا، و بحكم اللّه حكمنا، و من قول صادق سمعنا. و أن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، و إن لم تفعلوا يهلككم اللّه بأيدينا. معنا راية الحق، من تبعها لحق، و من تأخر عنها غرق، ألا و إن بنا ترد دبرة (1) كل مؤمن، و بنا تخلع ربقة (2) الذل من أعناقكم، و بنا غنم، و بنا فتح اللّه لا بكم، و بنا يختم لا بكم.

خطبة لعلي بن ابي طالب أيضا (ر) [في الآخرة]

.

أما بعد فإنّ الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطّلاع. و إن المضمار اليوم و السباق غدا. ألا و أنتم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله، و لم يضرره أمله و من قصر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، و ضره أمله.

ألا فاعملوا اللّه في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة. ألا و إني لم أر كالجنة نام طالبها، و لا كالنار نام هاربها. ألا و إنه من لم ينفعه الحق يضره الباطل، و من لم يستقم به الهدي يجر به الضلال. ألا و إنكم قد أمرتم بالظعن، و دللتم على الزاد، و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل.

____________

(1) الدبرة: الهزيمة.

(2) الربقة: الحبل.

36

[خطبة علي في الجهاد]

قالوا: أغار سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي على الأنبار، زمان علي ابن ابي طالب رضي اللّه عنه، و عليها حسان-أو ابن حسان-البكري فقتله، و أزال تلك الخيل عن مسالحها، فخرج علي بن ابي طالب رضي اللّه عنه حتى جلس على باب السّدة، فحمد اللّه و اثنى عليه و صلّى على نبيه ثم قال:

أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل، و شمله البلاء، و لزمه الصّغار، و سيم الخسف، و منع النّصف. ألا و إني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا، و سرا و إعلانا، و قلت لكم: أغزوهم قبل أن يغزوكم، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا فتواكلتم و تخاذلتم، و ثقل عليكم قولي و اتخذتموه وراءكم ظهريّا، حتى شنّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، و قتل حسان-أو ابن حسان-البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها، و قتل منكم رجالا صالحين. و لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المسلمة و الأخرى المعاهدة، فينزع حجلها و قلبها و رعاثها (1) ثم انصرفوا وافرين، ما كلم رجل منهم كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان عندي به ملوما، بل كان به عندي جديرا. فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في باطلهم، و فشلكم عن حقكم. فقبحا لكم و ترحا، حين صرتم هدفا يرمى، و فيئا ينتهب، يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: حمّارة القيظ، أمهلنا ينسلخ عنا الحرّ و إذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا القرّ. كلّ ذا فرار من الحر و القر. فإذا كنتم من الحر و القر تفرون، فأنتم و اللّه من السيف أفر، يا أشباه الرجال و لا رجال، و يا أحلام الأطفال و عقول ربات الحجال وددت أن اللّه قد أخرجني من بين ظهرانيكم و قبضني إلى رحمته من بينكم. و اللّه لوددت أني لم أركم، و لم أعرفكم. معرفة و اللّه جرّت ندما. قد وريتم صدري غيظا، و جرّعتموني الموت

____________

(1) الحجل: الخلخال. القلب: السوار. الرعاث: القرط.

37

أنفاسا، و أفسدتم علي رأيي بالعصيان و الخذلان، حتى قالت قريش: ابن ابي طالب شجاع و لكن لا علم له بالحرب. للّه أبوهم، و هل منهم أحد أشدّ لها مراسا أو أطول لها تجربة مني؟لقد مارستها و ما بلغت العشرين، فها أنا ذا قد نيفت على الستين و لكن لا رأي لمن لا يطاع.

قال: فقام له رجل من الأزد يقال له فلان بن عفيف، ثم أخذ بيد ابن أخ له فقال: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين لا أملك إلا نفسي و ابن أخي فأمرنا بأمرك فو اللّه لنمضين له و لو حال دون أمرك شوك الهراس‏ (1) و جمر الغضى. فقال لهما علي: و أين تبلغان ما أريد، رحمكما اللّه.

[خطبة علي في الشكوى من أنصاره‏]

قام فيهم خطيبا فقال:

أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤكم. كلامكم يوهي الصمّ الصلاب، و فعلكم يطمع فيكم عدوكم. تقولون في المجالس كيت و كيت، فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد (2) . ما عزت دعوة من دعاكم، و لا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل. سألتموني التأخير دفاع ذي الدّين المطول.

هيهات لا يمنع الضيم الذليل، و لا يدرك الحقّ إلا بالجدّ. أيّ دار بعد داركم تمنعون؟أم أيّ أمام بعدي تقاتلون. المغرور و اللّه من غررتموه، و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. أصبحت و اللّه لا أصدّق قولكم، و لا أطمع في نصركم، فرّق اللّه بيني و بينكم، و أعقبني بكم من هو خير لي منكم، لوددت أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم.

خطبة عبد اللّه بن مسعود رحمه اللّه‏

أصدق الحديث كتاب اللّه، و أوثق العرى كلمة التقوى، و خير الملل ملة إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم، و أحسن السّنن سنة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و شر الأمور محدثاتها، و خير

____________

(1) الهراس: شجر كثير الشوك.

(2) حيدي حياد: عبارة يقولها الهارب الفار.

38

الأمور عزائمها، ما قل و كفى خير مما أكثر و ألهى. نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، خير الغنى غنى النفس. خير ما ألقى في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام. النساء حمالة الشيطان. الشباب شعبة من الجنون. حب الكفاية مفتاح المعجزة. من الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا (1) . و لا يذكر اللّه إلا نزرا. أعظم الخطايا اللسان الكذوب. سباب المؤمن فسق، و قتاله كفر. و أكل لحمه معصية. و من يتألّ على اللّه يكذبه و من يغفر يغفر له. مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفي عنه. الشقي من شقي في بطن أمه. السعيد من وعظ بغيره. الأمور بعواقبها. ملاك الأمر خواتمه. أحسن الهدي هدي الأنبياء.

أقبح الضلالة بعد الهدى. أشرف الموت الشهادة. من يعرف البلاء يصبر عليه. من لا يعرف البلاء ينكره.

خطبة عتبة بن غزوان السلمي بعد فتح الابلة

حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ثم قال:

أما بعد فإن الدنيا قد تولّت حدّاء (2) مدبرة، و قد آذنت أهلها بصرم، و إنما بقي منها صبابة كصبابة (3) الاناء يصطبّها صاحبها. ألا و إنكم منقولون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضركم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى في النار من شفيرها فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا.

و اللّه لتملأنّ. أ فعجبتم و لقد ذكر لنا أن بين مصراعين من الجنة مسيرة أربعين سنة، و ليأتينّ عليه وقت و هو كظيظ بالزحام. و لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني و بين سعد بن مالك فائتزرت بنصفها و ائتزر بنصفها، فما أصبح اليوم أحد منا حيا إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار. و إني أعوذ باللّه من أن أكون في نفسي عظيما، و عند اللّه صغيرا. و إنها لم تكن نبوة قطّ إلا تناسخت حتى يكون عاقبتها ملكا و ستخبرون الأمراء بعدي فتعرفون و تنكرون.

____________

(1) الدبر: آخر الوقت.

(2) حذاء: سريعة الادبار.

(3) صبابة: الماء و الشراب في الاناء.

39

خطبة من خطب معاوية (ر)

رواها شعيب بن صفوان، و زاد فيها البقطريّ و غيره، قالوا: لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك. فقال: ويحك، و لم؟قال: لا أدري، قال: فو اللّه ما لهم بعدي إلا الذي يسوؤهم. و أذن للناس فدخلوا، فحمد و أثنى عليه و أوجز ثم قال:

أيها الناس، أنا قد أصبحنا في دهر عنود (1) ، و زمن شديد، يعدّ فيه المحسن مسيئا، و يزداد فيه الظالم عتوا، و لا ننتفع بما علمناه، و لا نسأل عما جهلناه، و لا نتخوف قارعة حتى تحلّ بنا. فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، و كلال حدّه، و نضيض وفره‏ (2) . و منهم المصلت لسيفه، المجلب بخيله و رجله، المعلن بسره، قد أشرط لذلك نفسه، و أوبق دينه، لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه‏ (3) ، و لبئس المتجر أن تراها لنفسك ثمنا، و مما لك عند اللّه عوضا.

و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، و قارب من خطوه و شمّر من ثوبه، و زخرف نفسه للأمانة، و اتخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية. و منهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، و انقطاع من سببه، فقصرت به الحال عن أمله. فتحلى باسم القناعة، و تزين بلباس الزهادة و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى. و بقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، و أراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نادّ (4) ، و خائف منقمع، و ساكت مكعوم، وداع مخلص، و موجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، و شملتهم الذلة، فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامزة (5) ، و قلوبهم قرحة، و قد وعظوا حتى ملوا، و قهروا حتى ذلوا، و قتلوا حتى قلوا. فلتكن الدنيا في

____________

(1) عنود: جائر.

(2) نضيض وفره: قليل ماله. أشرط نفسه: أعدها.

(3) يفرع: يعلو.

(4) ناد: نافر.

(5) ضامزة: ساكنة.

40

عيونكم أصغر من حثالة القرظ، و قراضة الجلمين‏ (1) . و اتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من يأتي بعدكم. فارفضوها ذميمة، فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم.

و في هذه الخطبة أبقاك اللّه ضروب من العجب: منها أن الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية، و منها أن هذا المذهب تصنيف الناس، و في الأخبار عما هم عليه من القهر و الاذلال، و من التقية و الخوف أشبه بكلام علي رضي اللّه عنه و معانيه و حاله منه بحال معاوية. و منها أنّا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد، و لا يذهب مذاهب العباد.

و إنما نكتب لكم و نخبر بما سمعناه، و اللّه أعلم بأصحاب الأخبار، و بكثير منهم.

خطبة زياد بالبصرة.

و هي التي تدعى البتراء

قال أبو الحسن المدائني، و غيره، ذكر ذلك عن مسلمة بن محارب، و عن أبي بكر الهذلي قالا: قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان و ضم إليه خراسان و سجستان، و الفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر.

قالا: فخطب خطبة بتراء، لم يحمد اللّه فيها، و لم يصل على النبي.

و قال غيره: بل قال:

الحمد للّه على أفضاله و إحسانه، و نسأله المزيد من نعمه و إكرامه. اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا.

أما بعد فإن الجهالة الجهلاء، و الضلالة العمياء، و الغيّ الموفي بأهله

____________

(1) الجلمين: المقص الذي يجز به وبر الابل.

41

على النار، ما فيه سفهاؤكم و يشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام ينبت فيها الصغير، و لا ينحاش‏ (1) عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب اللّه، و لم تسمعوا ما أعدّ اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته، و العذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الذي لا يزول، أ تكونون كمن طرفت عينه الدنيا، و سدّت مسامعه الشهوات، و اختار الفانية على الباقية، و لا تذكرون أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر و يؤخذ ماله، و هذه المواخير المنصوبة و الضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، و العدد غير قليل. أ لم تكن منهم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل و غارة النهار؟!أقربتم القرابة، و باعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، و تغضون على المختلس.

أ ليس كل امرئ منكم يذب عن سفيهه، صنع من لا يخاف عاقبة و لا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء، و لقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام، ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرام عليّ الطعام و الشراب حتى أسوّيها بالأرض، هدما و احراقا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوّله: لين في غير ضعف، و شدة في غير عنف. و إني أقسم باللّه لآخذنّ الولي بالولي، و المقيم بالظاعن، و المقبل بالمدبر، و المطيع بالعاصي، و الصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، و إذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ‏ (2) و اعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه. فإياي و دلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه. و قد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة و يرجع اليكم. و إيّاي و دعوة الجاهلية، فإني لا آخذ داعيه بها إلا قطعت لسانه. و قد أحدثتم احداثا لم تكن، و قد أحدثنا لكل ذنب عقوبة: فمن غرّق قوما غرّقناه، و من أحرق قوما أحرقناه، و من نقب بيتا نقبنا عن قلبه، و من نبش

____________

(1) انحاش: نفر، ارتد.

(2) اغتمز: استضعف.

42

قبرا دفناه فيه حيا. فكفوا عني أيديكم و ألسنتكم، أكف عنكم يدي و لساني. و لا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه و قد كانت بيني و بين أقوام أحن فجعلت ذلك دبر أذني و تحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، و من كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني و اللّه لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا، و لم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، و أرعوا (1) على أنفسكم، فرب مسوء بقدومنا سنسرّه و مسرور بقدومنا سنسوؤه.

أيها الناس، أنّا أصبحنا لكم سادة، و عنكم ذادة، نسوسكم بسلطان اللّه الذي أعطانا، و نذود عنكم بفي‏ء اللّه الذي خولنا. فلنا عليكم السمع و الطاعة فيما أخببنا، و لكم علينا العدل و الانصاف فيما ولينا. فاستوجبوا عدلنا و فيئنا بمناصحتكم لنا، و اعلموا إني مهما قصّرت عنه فلن أقصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم و لو أتاني طارقا بليل، و لا حابسا عطاء و لا رزقا عن ابانه، و لا مجمرا لكم بعثا. فادعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون، و كهفكم الذي إليه تأوون، و متى يصلحوا تصلحوا. و لا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم، و يطول له حزنكم، و لا تدركوا به حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيه لكان شرا لكم. أسأل اللّه أن يعين كلا على كل. و إذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله و أيم اللّه أن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي.

قال: فقام إليه عبد اللّه بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة و فصل الخطاب. فقال له: كذبت، ذلك نبي اللّه داود صلّى اللّه عليه و سلّم.

فقام الأحنف بن قيس فقال: أيها الأمير، إنما المرء بجدّه، و الجواد بشدّه و قد بلغك جدك أيها الأمير ما ترى، و إنما الثناء بعد البلاء، و الحمد بعد العطاء، و أنا لن نثني حتى نبتلي. فقال زياد: صدقت.

____________

(1) الارعاء: الرفق، الايفاء.

43

فقام إليه أبو بلال مرداس بن أديّة (1) ، و هو يهمس و يقول: أنبأنا اللّه بغير ما قلت، فقال: (و إبراهيم الذي و فى. ألا تزر وازرة وزر أخرى. و أن ليس للانسان إلا ما سعى) . و أنت تزعم إنك تأخذ البري‏ء بالسقيم، و المطيع بالعاصي، و المقبل بالمدبر. فسمعه زياد فقال: أنا لا نبلغ ما نريد فيك و في أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.

و قال الشعبي: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسي‏ء، إلا زيادا، فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما.

أبو الحسن المدائني قال: قال الحسن: أوعد عمر فعوفي، و أوعد زياد فابتلي.

قال: و قال الحسن تشبه زياد بعمر فأفرط، و تشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس.

[مقطعات و خطب قصيرة]

قال أبو عثمان: قد ذكرنا من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و خطبه صدرا، و ذكرنا من خطب السلف رحمهم اللّه جملا، و سنذكر من مقطّعات الكلام، و تجاوب البلغاء، و مواعظ النساك، و نقصد من ذلك إلى القصار دون الطوال، ليكون ذلك أخفّ على القارئ، و أبعد من السآمة و الملل. ثم نعود بعد ذلك إلى الخطب المنسوبة إلى أهلها إن شاء اللّه. و لا قوة إلا باللّه.

قال ابو الحسن المدائني: قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي، على المهلّب بن ابي صفرة، في بعض أيامه مع الأزارقة، فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال: «شدّ اللّه الاسلام بتلاحقكم، فو اللّه لئن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم لأسباط ملحمة» .

____________

(1) مرداس بن أدية: أحد زعماء الخوارج، خرج زمن يزيد بن معاوية قرب البصرة على عبيد اللّه بن زياد فوجه اليه حملة و هزمه و قتل سنة 61 هـ.

44

و قال أبو الحسن: دخل الهذيل بن زفر الكلابي، على يزيد بن المهلب في حملات لزمته، و نوائب نابته، فقال له: «أصلحك اللّه، إنه قد عظم شأنك، و ارتفع قدرك أن يستعان بك، أو يستعان عليك. و لست تفعل شيئا من المعروف إلا و أنت أكبر منه. و ليس العجب من أن تفعل و لكن العجب من أن لا تفعل» . قال يزيد: حاجتك. فذكرها، فأمر له بها، و أمر له بمائة ألف، فقال: أما الحمالات فقد قبلتها، و أما المال فليس هذا موضعه.

عيسى بن يزيد بن دأب، عمّن حدثه عن رجل كان يجالس ابن عباس قال: قال عثمان بن أبي العاصي الثقفي لبنيه: «يا بني، إني قد أمجدتكم في أمهاتكم، و أحسنت في مهنة أموالكم، و إني ما جلست في ظل رجل من ثقيف أشتم عرضه. و الناكح مغترس، فلينظر امرؤ منكم حيث يضع غرسه. و العرق السوء قلما ينجب و لو بعد حين» . قال: فقال ابن عباس: «يا غلام، أكتب لنا هذا الحديث» .

قال: و لما همت ثقيف بالارتداد قال لهم عثمان: «معاشر ثقيف، لا تكونوا آخر العرب إسلاما، و أولهم ارتدادا» .

قال: و سمعت إعرابيا ذكر يوما قريشا، فقال: «كفى بقريش شرفا إنهم أقرب الناس نسبا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و أقربهم بيتا من بيت اللّه» .

الأصمعي قال: قيل لعقيل بن علّفة أ تهجو قومك؟قال: الغنم إذا لم يصفر بها لم تشرب.

قال: و قيل لعقيل: لم لا تطيل الهجاء؟قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .

قال: و سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عمرو بن معد يكرب، عن سعد قال: كيف أميركم؟قال: «خير أمير. نبطي في حبوته، عربي في نمرته، أسد في تامورته‏ (1) ، يعدل في القضية، و يقسم بالسوية، و ينفر في

____________

(1) التامورة: العرين.

45

السرية، و ينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة» . فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء.

قال: و لما تورّد الحارث بن قيس الجهضمي بعبيد اللّه بن زياد، منزل مسعود بن عمرو العتكي، عن غير إذن، فأراد مسعود إخراجه من منزله، قال عبيد اللّه: قد أجارتني ابنة عمك عليك، و عقدها العقد الذي يلزمك، و هذا ثوبها عليّ و طعامها في مذاخيري‏ (1) ، و قد التف علي منزلك. و شهد له الحارث بذلك.

قال: مرّ الشعبي بناس من الموالي يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.

قال: و تكلم عبد الملك بن عمير، و إعرابي حاضر، فقيل له: كيف ترى هذا الكلام؟فقال: لو كان الكلام يؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به.

و قال جرير: «العذرة طرف من البخل» .

و قال جرير: «الخرس خير من الخلابة» .

و قال ابو عمر الضرير: «البكم خير من البذاء» .

قال: و قدم الهيثم بن الأسود بن العريان على عبد الملك بن مروان فقال. كيف تجدك؟قال: أجدني قد أبيض مني ما كنت أحب أن يسود، و أسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، و اشتد مني ما كنت أحب أن يلين، و لان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد:

اسمع أنبئك بآيات الكبر # نوم العشاء و سعال بالسحر

و قلة النوم إذا الليل اعتكر # و قلة الطعم إذا الزاد حضر

____________

(1) المذاخير: المصارين.

46

و سرعة الطرف و تحميج النظر # و تركى الحسناء في قبل الطهر

و حذرا ازداده إلى حذر # و الناس يبلون كما يبلى الشجر

و قال أكثم بن صيفي: الكرم حسن الفطنة و حسن التغافل، و اللؤم سوء الفطنة و سوء التغافل.

و قال أكثم بن صيفي: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة.

و قال آخر لبنيه: تباذلوا تحابوا.

قال: و دخل عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه، على عروة بن الزبير و قد قطعت رجله، فقال له عيسى: و اللّه ما كنا نعدّك للصراع، و لقد أبقى اللّه لنا أكثرك: أبقى لنا سمعك و بصرك، و لسانك و عقلك، و يديك و إحدى رجليك.

فقال له عروة: و اللّه يا عيسى ما عزّاني أحد بمثل ما عزّيتني به.

و كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه: «أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، و بالآخرة لم تزل» .

قال: و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «اقرءوا القرآن تعرفوا به، و اعملوا به تكونوا من أهله، و لن يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية اللّه، و لن يقرّب من أجل، و لن يباعد من رزق، أن يقوم رجل بحق، أو يذكر بعظيم» .

و قال إعرابي لهشام بن عبد الملك: أتت علينا ثلاثة أعوام. فعام أكل الشحم، و عام أكل اللحم، و عام انتقى العظم‏ (1) . و عندكم أموال، فإن كانت للّه فادفعوها إلى عباد اللّه، و إن كانت لعباد اللّه فادفعوها إليهم، و إن كانت لكم فتصدقوا، فإن اللّه يجزي المتصدقين. قال: فهل من حاجة غير ذلك؟قال: ما ضربت إليك أكباد الابل أدّرع الهجير، و أخوض الدجى لخاص دون عام.

____________

(1) انتقى: استخرج.

47

قال شداد الحارثي، و يكنى أبا عبيد اللّه: قلت لأمة سوداء بالبادية: لمن أنت يا سوداء؟قالت: لسيد الحضر يا أصلع. قال: قلت لها: أ و لست بسوداء!قالت: أ و لست بأصلع؟قلت: ما أغضبك من الحق؟قالت: الحق أغضبك!لا تسبب حتى ترهب، و لأن تتركه أمثل.

و قال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرمة: قاتل اللّه امة آل فلان ما كان أفصحها!سألتها كيف المطر عندكم؟فقالت: غثنا ما شئنا.

و أنا رأيت عبدا أسود لبني أسيد، قدم عليهم من شقّ اليمامة، فبعثوه ناطورا، و كان وحشيا محرّما، لطول تعزّبه كان في الابل، و كان لا يلقى إلا الأكرة، فكان لا يفهم عنهم، و لا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن اليّ، و سمعته يقول: لعن اللّه بلادا ليس فيها عرب. قاتل الشاعر حيث يقول:

حرّ الثرى مستعرب التراب‏

أبا عثمان، إن هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جميع جلد الفرس، فلولا أن اللّه رق عليهم فجعلهم في حاشية لطمست هذه العجمان آثارهم، أ ترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا، و اللّه ما أمر اللّه نبيه بقتلهم إلا لضنه بهم، و لا ترك قبول الجزية منهم إلا تنزيها لهم.

و قال الأحنف بن قيس: أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار.

قال: و لما مات أسماء بن خارجة (1) ، فبلغ الحجاج موته، قال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء، ثم مات حين شاء.

و قال سلّم بن قتيبة: ربّ المعروف أشد من ابتدائه.

أبو هلال، عن قتادة قال: قال أبو الأسود: إذا أردت أن تكذب صاحبك فلقّنه.

____________

(1) اسماء بن خارجة بن حصن الفزاري من سادات قومه في الكوفة فارس اشترك في قتل الحسين بن علي، و طلبه المختار فهرب الى الشام فأطرق داره.

48

و قال أبو الأسود: إذا أردت أن تعظّم فمت، و إذا أردت أن تفحم عالما فاحضره جاهلا.

و قال: و قيل لأعرابي: ما يدعوك إلى نومة الضحى؟فقال: مبردة في الصيف، مسخنة في الشتاء.

و قال أعرابي: نومة الضحى مجعرة مجفرة (1) مبخرة.

و جاء في الحديث: «الولد مبخلة مجبنة» .

قال: و نظر أعرابي إلى قوم يلتمسون هلال رمضان، فقال أما و اللّه لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابى عيس أغبر.

و قال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المصيبة تركت التعزية.

و قال: إذا قدم الإخاء سمج الثناء.

و قال إسحاق بن حسان: لا تشمت الأمراء و لا الأصحاب القدماء.

و سئل أعرابي عن راع له فقال: هو السارح الآخر، و الرائح الباكر، و الحالب العاصر: و الحاذف‏ (2) الكاسر.

قال: و قال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدب ولده:

ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك بنيّ إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، و القبيح عندهم ما استقبحت، علمهم كتاب اللّه، و لا تكرههم عليه فيملوه، و لا تتركهم منه فيهجروه، ثم روّهم من الشعر أعفه، و من الحديث أشرفه، و لا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، و علمهم سير الحكماء و أخلاق الأدباء، و جنبهم محادثة النساء، و تهددهم بي و أدّبهم دوني،

____________

(1) مجعرة: يبس الطبيعة. مجفرة: مقطعة للنكاح، منقصة للماء.

(2) الحاذف: الذي يضرب بعصاه.

49

و كن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، و لا تتكل على عذري، فإني قد اتكلت على كفايتك، و زد في تأديبهم أزرك في بري إن شاء اللّه.

محمد بن حرب الهلالي قال: كتب إبراهيم بن أبي يحيى الاسلمي، إلى المهدي يعزيه على ابنته: أما بعد فإن أحق من عرف حق اللّه عليه فيما أخذ منه، من عظّم حقّ اللّه عليه فيما أبقي له. و اعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك، و إن الباقي بعدك هو المأجور فيك، و إن أجر الصابرين فيما يصابون به، أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه.

قال: و قال سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.

و قال صالح بن عبد القدوس:

إن يكن ما به أصبت جليلا # فذهاب العزاء فيه أجلّ‏

كل آت لا شك آت و ذو الجهـ # ل معنى و الهم و الحزن فضل‏

و قال لقمان لابنه؛ يا بني إياك و الكسل و الضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤدّ حقا، و إذا ضجرت لم تصبر على حق.

قال: و كان يقال: أربع لا ينبغي لأحد أن يأنف منهن و إن كان شريفا أو أميرا: قيامه عن محله لأبيه، و خدمته لضيفه، و قيامه على فرسه، و خدمته للعالم.

و قال بعض الحكماء: إذا رغبت في المكارم، فاجتنب المحارم.

و كان يقال: لا تغتر بمودة الأمير، إذا غشك الوزير.

50

و كتب بعضهم: أما بعد فقد كنت لنا كلك، فاجعل لنا بعضك، و لا ترض إلا بالكل منا لك.

و وصف بعض البلغاء اللسان فقال: اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، و ظاهر يخبر عن ضمير، و شاهد ينبئك عن غائب، و حاكم يفصل به الخطاب و ناطق يرد به الجواب، و شافع تدرك به الحاجة، و واصف تعرف به الحقائق، و معزّ ينفى به الحزن، و مؤنس تذهب به الوحشة، و واعظ ينهى عن القبيح، و مزين يدعو إلى الحسن، و زارع يحرث المودة، و حاصد يستأصل الضغينة، و مله يونق الأسماع.

و قال بعض الأوائل: إنما الناس أحاديث، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثا فافعل.

و لما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أستدل بالمعروف عليك، و أمتطي النهار إليك، فإذا ألوى بي الليل فقبض البصر و عفّي الأثر، أقام بدني و سافر أملي و النفس تلوّم، و الاجتهاد يعذر فإذ قد بلغتك فقطني.

قال: قال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، و لا الشجاع إلا في الحرب، و لا تعرف أخاك إلا عند الحاجة إليه.

و قال أبو العتاهية:

أنت ما استغنيت عن صا # حبك الدهر أخوه‏

فإذا احتجت إليه # ساعة مجّك فوه‏

و قال علي بن الحسين لابنه: يا بني، اصبر على النائبة، و لا تتعرض للحقوق، و لا تجب أخاك إلى شي‏ء مضرته عليك أعظم من منفعته له.

و قال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات.

51

و قال: رب غيظ تجرّعته مخافة ما هو أشد منه.

و قالوا: من كثر كلامه كثر سقطه، و من طال صمته كثرت سلامته.

قال: و قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.

محمد بن حرب الهلالي، عن أبي الوليد الليثي قال: خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظرب العدواني ابنته «عمرة» ، و هي أم عامر بن صعصعة فقال عامر بن الظّرب: يا صعصعة: إنك قد أتيتني تشتري مني كبدي، و أرحم ولدي عندي، غير أني، أطلبتك أو رددتك، فالحسيب كف‏ء الحسيب، و الزوج الصالح أب بعد أب، و قد انكحتك مخافة ألا أجد مثلك أفر من السر إلى العلانية. أنصح ابنا، و أدع ضعيفا قويا. يا معشر عدوان: خرجت من بين أظهركم كريمتكم من غير رغبة و لا رهبة. اقسم لو لا قسم الحظوظ على قدر المجدود، لما ترك الأول للآخر شيئا يعيش به.

و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: «أوصيكم بأربع لو ضربتم إليها آباط الابل لكنّ لها أهلا: لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه، و لا يخافنّ إلا ذنبه، و لا يستحي أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، و لا إذا لم يعلم الشي‏ء أن يتعلمه. و إن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد، و كذلك إذا ذهب الايمان.

قال: و مدح علي بن أبي طالب رجل فأفرط فقال علي-و كان يتهمه-:

«أنا دون ما تقول، و فوق ما في نفسك» .

و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن.

و قال له مالك الأشتر: كيف وجد أمير المؤمنين أهله؟فقال: كخير امرأة، قبّاء جباء!قال: و هل يريد الرجال من النساء غير ذلك يا أمير المؤمنين؟قال: لا، حتى تدفئ الضجيع، و تروي الرضيع.

52

قال: و وقف رجل على عامر الشعبي فلم يدع قبيحا إلا رماه به، فقال له عامر: إن كنت كاذبا فغفر اللّه لك، و إن كنت صادقا فغفر اللّه لي.

و قال إبراهيم النخعي لسليمان الأعمش-و أراد أن يماشيه-: إن الناس إذا رأونا معا قالوا: أعمش و أعور!قال: و ما عليك أن يأثموا و نؤجر؟قال: و ما علينا أن يسلموا و نسلّم! قال أبو الحسن: كان هشام بن حسان إذا ذكر يزيد بن المهلب، قال:

إن كانت السفن لتجري في جوده.

و قال: مكتوب في الحكمة: التوفيق خير قائد، و حسن الخلق خير قرين، و الوحدة خير من جليس السوء.

و قال: و كان مالك بن دينار يقول: ما أشد فطام الكبير. و كان ينشد قول الشاعر:

و تروض عرسك بعد ما هرمت # و من العناء رياضة الهرم‏

و قال صالح المري: كن إلى الاستماع أسرع منك إلى القول، و من خطاء الكلام أشدّ حذرا من خطاء السكوت.

و قال الحسن بن هانئ:

خلّ جنبيك لرام # و امض عنه بسلام‏

مت بداء الصمت خير # لك من داء الكلام‏

إنما السالم من ألجم # فاه بلجام‏

ربما استفتحت بالمز # ح مغاليق الحمام‏

أبو عبيدة و أبو الحسن: تكلم جماعة من الخطباء عند مسلمة بن عبد الملك، فأسهبوا في القول، ثم اقترح المنطق منهم رجل من أخريات الناس،

53

فجعل لا يخرج من حسن إلا إلى أحسن منه. فقال مسلمة: ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء إلا بسحابة لبّدت عجاجة (1) .

و قال أبو الحسن: علم أعرابي بنيه الخراءة فقال: ابتغوا الخلا، و ابعدوا عن الملا (2) ، و اعلوا الضّرا (3) ، و استقبلوا الريح، و أفجّوا إفجاج‏ (4)

النعامة، و امتسحوا بأشملكم.

و روي عن الحسن أنه قال: لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني احفظوا عني، فلا أحد أنصح لكم مني. إذا مت فسوّدوا كباركم، و لا تسوّدوا صغاركم فيسفّه الناس كباركم و تهونوا عليهم، و عليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، و يستغنى به عن اللئيم. و إياكم و مسألة الناس، فإنها شر كسب المرء.

سئل دغفل النسّابة عن بني عامر بن صعصعة، فقال: أعناق ظباء، و أعجاز نساء. قيل: فتميم؟قال: حجر أخشن، أن دنوت منه آذاك، و إن تركته خلاك. قيل: فاليمن؟قال: سيد و أنوك.

و كانوا يقولون: لا تستشيروا معلما، و لا راعي غنم، و لا كثير القعود مع النساء.

عقال بن شبة قال: كنت رديفا لأبي، فلقيه جرير على بغل، فحياه أبي و ألطفه، فقلت له: أبعد ما قال؟قال: يا بني أ فأوسّع جرحي؟ قال: و دعا جرير رجلا من شعراء بني كلاب إلى مهاجاته، فقال الكلابي أن نسائي بأمتهنّ، و لم تدع الشعراء في نسائك مترقعا (5) .

____________

(1) العجاجة: الغبار.

(2) الخلا: بيت الخلاء.

(3) الضراء: الارض الفضاء المستوية.

(4) افجاج: فتح الرجلين و تباعد ما بينهما.

(5) بامتهن: بحالتهن، بشأنهم. مترقع: موضع الشتم.

54

و قال جرير: أنا لا أبتدي و لكن أعتدي.

و كان الحسن في جنازة فيها نوائح و معه رجل، فهم الرجل بالرجوع فقال الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا، أسرع ذلك في دينك.

قال أبو عبيدة: لقي القريعيّ الزبرقان بن بدر فقال: كيف كنت بعدي أبا شذرة؟فقال: كما يسرك محيلا مجربا.

قال: و كان عبد الملك بن مروان يقول: جمع أبو زرعة-يعني روح بن زنباع-طاعة أهل الشام، و دهاء أهل العراق، و فقه أهل الحجاز.

و ذكر لعمر بن الخطاب إتلاف شباب من قريش أموالهم فقال: حرفة أحدهم أشد عليّ من عيلته.

و قال عمر بن الخطاب: حرفة يعاش بها، خير من مسألة الناس.

و قال زياد: لو أن لي ألف درهم و لي بعير أجرب لقمت عليه قيام من لا يملك غيره. و لو أن عندي عشرة دراهم لا أملك غيرها و لزمني حق لوضعتها فيه.

و قال عمرو بن العاص: البطنة تذهب الفطنة.

و قال معاوية: ما رأيت رجلا يستهتر بالباءة إلا تبينت ذلك في منته‏ (1) .

قال: الأصمعي: و قال أبو سليمان الفقعسي لأعرابي من طيئ:

أ بامرأتك حمل. قال: لا و ذو بيته في السماء، ما أدري، و اللّه ما لها ذئب تشتال به، و ما آتيها إلا و هي ضبعة (شديدة الشهوة) .

قال أبو الحسن المدائني: اتخذ يزيد بن المهلب بستانا في داره بخراسان، فلما ولي قتيبة بن مسلم خراسان جعل ذلك لإبله، فقال له مرزبان

____________

(1) منته: قوته، طاقته.