البيان و التبيين - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
312 /
5

الجزء الثالث‏

كتاب العصا

[مقدمة]

هذا أبقاك اللّه الجزء الثالث، من القول في البيان و التبيين، و ما شابه ذلك من غرر الأحاديث، و شاكله من عيون الخطب، و من الفقر المستحسنة، و النتف المستخرجة، و المقطّعات المتخيّرة، و بعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة، و الجوابات المنتخبة.

[سنن الخطابة العربية]

و نبدأ على اسم اللّه بذكر مذهب الشعوبية و من يتحلى باسم التسوية و بمطاعنهم على خطباء العرب بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام‏ (1) . و مساجلة الخصوم بالموزون و المقفى، و المنثور الذي لم يقف، و بالإرجاز عند المتح‏ (2) ، و عند مجاثاة الخصم، و ساعة المشاولة (3) ، و في نفس المجادلة و المحاورة.

و كذلك الأسجاع عند المنافرة و المفاخرة، و استعمال المنثور في خطب الحمالة، و في

____________

(1) المخصرة ما أمسك الانسان بيده من عصا أو قضيب. المناقلة مراجعة الكلام.

(2) المتح: الاستقاء من البئر.

(3) المشاولة: أن يتناول بعضهم بعضا بالرماح. المجاثاة الجلوس على الركبتين.

6

مقامات الصّلح وسل السخيمة (1) ، و القول عند المعاقدة و المعاهدة، و ترك اللفظ يجري على سجيته و على سلامته، حتى يخرج على غير صنعة و لا اجتلاب تأليف، و لا التماس قافية، و لا تكلف لوزن. مع الذي عابوا من الاشارة بالعصي، و الاتكاء على أطراف القسيّ، و خدّ وجه الأرض بها، و اعتمادها عليها إذا اسحنفرت‏ (2) في كلامها، و افتنّت يوم الحفل في مذاهبها، و لزومهم العمائم في أيام الجموع، و أخذ المخاصر في كل حال، و جلوسها في خطب النّكاح، و قيامها في خطب الصلح و كل ما دخل في باب الحمالة، و أكدّ شأن المحالفة، و حقق حرمة المجاورة، و خطبهم على رواحلهم في المواسم العظام، و المجامع الكبار. و التماسح بالأكفّ، و التحالف على النار، و التعاقد على الملح، و أخذ العهد المؤكد و اليمين الغموس مثل قولهم: ما سرى نجم و هبّت ريح، و بلّ بحر صوفة (3) ، و خالفت جرّة درة (4) . و لذلك قال الحارث ابن حلزة اليشكري:

و اذكروا حلف ذي المجاز و ما قـ # دّم فيه: العهود و الكفلاء

حذر الخون و التعدي و هل # تنقض ما في المهارق الأهواء

الخون: الخيانة. و يروى: «الجور» .

و قال أوس بن حجر:

إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه # كما صدّ عن نار المهول حالف‏

و قال الكميت:

كهولة ما أوقد المحلفون # لدى الحالفين و ما هوّلوا

____________

(1) السخيمة: الحقد و الكراهية.

(2) اسحنفرت: مضت دون تمهل.

(3) صوف البحر شي‏ء على شكل الصوف الحيواني.

(4) الجرة ما يجتره الحيوان من جوفه. و الدرة: كثرة اللبن و سيلانه. و اختلافها أن الدرة تسفل و الجرة تعلو.

7

و قال الأول:

حلفت بالملح و الرماد و بالنـ # نار و باللّه نسلم الحلقه

حتى يظلّ الجواد منعفرا # و يخضب النبل غرة الدرقه‏

و قال الأول:

حلفت لهم بالملح و الجمع شهد # و بالنار و اللات التي أعظم‏

و قال الحطيئة في أضجاع القسيّ:

أم من لخصم مضجعين قسيّهم # صعر خدودهم عظام المفخر

و قال لبيد في خدّ وجه الأرض بالعصي و القسي:

نشين صحاح البيد كلّ عشية # بعوج السراء عند باب محجب‏

و مثله:

إذا اقتسم الناس فضل الفخار # أطلنا على الأرض ميل العصا

و مثله:

حكمت لنا في الأرض يوم محرق # أيامنا في الناس حكما فيصلا

و قال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي:

ما إن أهاب إذا السرادق غمه # قرع القسي و أرعش الرّعديد

و قال كثير في الإسلام:

إذا قرعوا المنابر ثم خطّوا # بأطراف المخاصر كالغضاب‏

و قال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخا من بقايا العرب: أيّ العرب رأيته أضخم شأنا؟قال: حصن بن حذيفة، رأيته متوكئا على قوسه يقسم في الحليفين أسد و غطفان.

8

و قال لبيد بن ربيعة في الإشارة:

غلب تشذّر بالدخول كأنها # جنّ البدي رواسيا أقدامها (1)

و قال معن بن أوس المزني:

ألا من مبلغ عني رسولا # عبيد اللّه إذ عجل الرسالا

تعاقل دوننا أبناء ثور # و نحن الأكثرون حصى و مالا

إذا اجتمع القبائل جئت ردفا # وراء الماسحين لك السبالا

فلا تعطى عصا الخطباء يوما # و قد تكفى المقادة و المقالا

فذكر عصا الخطباء كما ترى. و قال آخر في حمل القناة:

إلى امرئ لا تخطاه الرفاق، و لا # جدب الخوان إذا ما استنشئ المرق

صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا # هزّ القناة و لا مستعجل زعق‏

و قال جرير بن الخطفي في حمل القناة:

من للقناة إذا ما عيّ قائلها # أو للأعنة يا عمرو بن عمّار

قالوا: و هذا مثل قول أبي المجيب الربعي، حيث يقول: «لا تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يمدحك» . يقول: إذا قام يخطب فقد قام المقام الذي لا بدّ من أن يخرج منه مذموما أو محمودا.

و قال عبد اللّه بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال:

خداش بن لبيد بن بيبة بن خالد، يعني البعيث الشاعر. و إنما قيل له البعيث لقوله:

تبعّث مني ما تبعث بعد ما # أمرت حبالي كل مرتها شزرا

____________

(1) الغلب: غلاظ الاعناق. التشذر: رفع اليد و وضعها. الدخول: الحقد و الثأر. البدي:

البادية.

9

قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البعيث إذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الارض، ثم رفعها.

و قال يونس: لعمري لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. و إذا قالوا غلب فهو الغالب. و إذا قالوا مغلّب فهو المغلوب.

و في حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه جاء إلى البقيع، و معه مخصرة، فجلس و نكت بها الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما من نفس منفوسة إلا و قد كتب مكانها من الجنة أو النار» . و هو من حديث أبي عبد الرحمن السّلمي.

و مما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد اللّه بن أنيس ذي المخصرة، و هو صاحب ليلة الجهنيّ، و كان النبي عليه السلام أعطاه مخصرة و قال: «تلقاني بها في الجنة» . و هو مهاجريّ عقبيّ أنصاري، و هو ذو المخصرة في الجنة.

[مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة و العلوم و الحرب‏]

قالت الشعوبية و من يتعصب للعجمية: القضيب للإيقاع، و القناة للبقّار، و العصا للقتال، و القوس للرمي. و ليس بين الكلام و بين العصا سبب، و لا بينه و بين القوس نسب، و هما إلى أن يشغلا العقل و يصرفا الخواطر، و يعترضا على الذهن أشبه، و ليس في حملهما ما يشحذ الذهن، و لا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ. و قد زعم أصحاب الغناء أن المغني إذا ضرب على غنائه، قصّر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه. و حمل العصا بأخلاق الفدادين‏ (1)

أشبه، و هو بجفاء العرب و عنجهية أهل البدو، و مزاولة إقامة الإبل على الطرق‏ (2) أشكل، و به أشبه.

____________

(1) الفداد: الجافي الكلام و الموت.

(2) اقامة الابل على الطرق: توجيهها الجهة المستقيمة.

10

قالوا: و الخطابة شي‏ء في جميع الأمم، و بكلّ الأجيال‏ (1) إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزّنج مع الغثارة (2) ، و مع فرط الغباوة، و مع كلال الحد و غلظ الحس و فساد المزاج، لتطيل الخطب، و تفوق في ذلك جميع العجم، و إن كانت معانيها أجفى و أغلظ، و ألفاظها أخطل و أجهل‏ (3) . و قد علمنا أن أخطب الناس الفرس و أخطب الفرس أهل فارس، و أعذبهم كلاما و أسهلهم مخرجا و أحسنهم دلاّ (4) و أشدهم فيه تحكما، أهل مرو، و أفصحهم بالفارسية الدريّة، و باللغة الفهلوية، أهل قصبة الأهواز، فأما نغمة الهرابذة (5) ، و لغة الموابذة (6) ، فلصاحب تفسير الزمزمة (7) .

قالوا: و من أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة، و يعرف الغريب، و يتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. و من احتاج إلى العقل و الأدب، و العلم بالمراتب و العبر و المثلات‏ (8) ، و الألفاظ الكريمة، و المعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس و رسائلها و خطبها و الفاظها، و معانيها. و هذه يونان و رسائلها و خطبها، و عللها و حكمها، و هذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة، و الخطأ من الصواب، و هذه كتب الهند في حكمها و أسرارها، و سيرها و عللها، فمن قرأ هذه الكتب، و عرف نور تلك العقول، و غرائب تلك الحكم، عرف أين البيان و البلاغة، و أين تكاملت تلك الصناعة. فكيف سقط على جميع الأمم من المعروفين بتدقيق المعاني، و تخيّر الألفاظ، و تمييز الأمور، أن يشيروا بالقنا و العصي، و القضبان و القسي.

____________

(1) الأجيال: مفردها: جيل: صنف من الناس.

(2) الغثارة: الحمق و الجهل.

(3) الخطل: الخطأ.

(4) دلا: هديا.

(5) هرابذة: بيوت النار التي للهند.

(6) موابذة: مفردها موبذ: قاضي المجوس.

(7) الزمزمة: صوت لا يستعمل فيه اللسان أو الشفة. يستعملها المجوس عند الطعام.

(8) المثلات: مفردها المثلة، العقوبة و التنكيل.

11

كلا، و لكنكم كنتم رعاة بين الإبل و الغنم، فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر، و حملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر، و حملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب. و لطول اعتيادكم لمخاطبة الإبل، جفا كلامكم، و غلظت مخارج أصواتكم، حتى كأنكم إذا كلمتم الجلساء إنما تخاطبون الصمّان. و إنما كان جل قتالكم بالعصي. و لذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال:

و لسنا نقاتل بالعصي و لا نرامي بالحجارة

إلا علالة أو بدا # هة قارح نهد الجزاره‏ (1)

و قال آخر:

فإن تمنعوا منا السلاح فعند ما # سلاح لنا لا يشترى بالدراهم

جنادل أملاء الأكفّ كأنها # رءوس رجال حلّقت بالمواسم‏ (2)

و قال جندل الطهوي:

حتى إذا دارت رحى لا تجري # صاحت عصي من قنا و سدر

و قال آخر:

دعا ابن مطيع للبياع فجئته # إلى بيعة قلبي لها غير آلف

فناولني خشناء لما لمستها # بكفي ليست من أكفّ الخلائف

من الششنات الكزم‏ (3) أنكرت مسها # و ليست من البيض الرفاق اللطائف

معاودة حمل الهراوي لقومها # فرورا إذا ما كان يوم التسايف‏ (4)

____________

(1) البداهة: أول مشي الفرس. القارح: الفرس في الخامسة. النهد: المرتفع. الجزارة:

اليدان و الرجلان و العنق.

(2) جنادل: مفردها جندل: صخرة.

(3) الكزم: القصيرة الاصابع.

(4) الهراوي: مفردها هراوة: العصا الضخمة. التسايف: التضارب بالسيوف.

12

و قال آخر:

ما للفرزدق من عز يلوذ به # إلا بني العمّ في أيديهم الخشب‏

قالوا: و إنما كانت رماحكم من مرّان، و أسنتكم من قرون البقر، و كنتم تركبون الخيل في الحرب اعراء. فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم، و لم يكن ذا ركاب، و الرّكاب من أجود آلات الطاعن برمحه، و الضارب بسيفه. و ربما قام فيهما أو اعتمد عليهما. و كان فارسهم يطعن بالقناة الصماء، و قد علمنا أن الجوفاء أخف محملا، و أشد طعنة. و يفخرون بطول القناة و لا يعرفون الطعن بالمطاردة (1) ، و إنما القنا الطوال للرّجالة، و القصار للفرسان، و المطارد لصيد الوحش. و يفخرون بطول الرمح و قصر السيف، فلو كان المفتخر بقصر السيف الراجل دون الفارس، لكان الفارس يفخر بطول السيف، و إن كان الطول في الرمح إنما صار صوابا لأنه ينال به البعيد، و لا يفوته العدو، و لأن ذلك يدل على شدة أسر الفارس و قوة أيده. فكذلك السيف الطويل العريض.

و كنتم تتخذون للقناة زجّا و سنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته، و يعتمد عند طعنته بفخذه، و يستعن بحمية فرسه.

و كان أحدكم يقبض على وسط القناة و يخلف منها مثل ما قدم، فإنما طعنكم الرزة (2) و النهزة (3) ، و الخلس و الزج‏ (4) .

و كنتم تتساندون في الحرب، و قد أجمعوا على أن الشركة ردية في ثلاثة أشياء: في الملك، و الحرب، و الزوجة.

و كنتم لا تقاتلون بالليل، و لا تعرفون البيات‏ (5) و لا الكمين، و لا الميمنة و لا

____________

(1) المطاردة: التضارب بالمطارد و هي الرماح القصيرة تطرد بها الوحوش.

(2) الرزة: الطعنة.

(3) النهزة: الطعن في دفع مرة تلو اخرى.

(4) الخلس: الطعن بسرعة كأنما يختلسها الطاعن. الزج: طعنة عاجلة.

(5) البيات: الايقاع بالعدو.

13

الميسرة، و لا القلب و لا الجناح، و لا الساقة و لا الطليعة (1) و لا النّفاضة و لا الدّراجة (2) ، و لا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة و لا العرادة (3) ، و لا المجانيق، و لا الدّبابات‏ (4) و لا الخنادق، و لا الحسك، و لا تعرفون الأقبية و لا السراويلات، و لا تعليق السيوف، و لا الطبول و لا البنود و لا التجافيف‏ (5) ، و لا الجواشن‏ (6) و لا الخوذ، و لا السواعد و لا الأجرس، و لا الوهق‏ (7) و لا الرمي بالبنجكان، و الزرق بالنفط و النيران.

و ليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع إليه المنحاز، و يتذكره المنهزم. و قتالكم إما سلّة و إما مزاحفة. و المزاحفة على مواعد متقدمة، و السّلة مسارقة و في طريق الاستلاب و الخلسة.

قالوا: و الدليل على أنكم لم تكونوا تقاتلون قول العامري:

يا شدّة ما شددنا غير كاذبة # على سخينة لو لا الليل و الحرم‏

و يدلك على ذلك ايضا قول عبد الحارث بن ضرار:

و عمرو إذ أتانا مستميتا # كسونا رأسه عضبا صقيلا (8)

فلو لا الليل ما آبوا بشخص # يخبّر أهلهم عنهم قليلا

____________

(1) ساقة الجيش: مؤخرته.

(2) النفاضة: المتقدمون أمام الملك ينفضون له الطريق. الدراجة: الناس يدرجون أمام الملك.

(3) الرتيلة: أن يقام الصف خلف صف آخر. العرادة: المنجنيق الصغير.

(4) الدبابة: آلة من جلد أو خشب تملأ بالرجال و يتقدمون بها إلى الحصن المحاصر و هي تقيهم من سهام العدو.

(5) التجافيف: ما يجلل به الفرس من السلاح.

(6) الجواشن: مفردها جوشن: زرد يوضع على الصدر.

(7) الوهق: حبل شديد الفتل يرمى بالشوطة فتؤخذ فيه الدابة أو الانسان.

(8) العضب: السيف القاطع. كساه سيفا: جلله به.

14

و قال أمية بن الأسكر:

أ لم تر أن ثعلبة بن سعد # غضاب، حبذا غضب الموالي

تركت مصرفا لما التقينا # صريعا تحت أطراف العوالي

و لو لا الليل لم يفلت ضرار # و لا رأس الحمار أبو جفال‏

الرد على الشعوبية

قلنا: ليس فيما ذكرتم من هذه الأشعار دليل على أن العرب لا تقاتل بالليل. و قد يقاتل بالليل و النهار من تحول دون ماله المدن و هول الليل. و ربما تحاجز الفريقان و إن كل واحد منهم يرى البيات‏ (1) ، و يرى أن يقاتل إذا بيتوه.

و هذا كثير. و الدليل على أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقيا الملك الغساني:

و ليلة تبّع و خميس كعب # أتونا، بعد ما نمنا، دبيبا

فلم نهدد لبأسهم و لكن # ركبنا حدّ كوكبهم ركوبا (2)

بضرب يفلق الهامات منه # و طعن يفصل الحلق الصليبا

و قال بشر بن أبي خازم:

فأما تميم تميم بن مر # فألفاهم القوم روبى نياما

يقول: شربوا الرائب من اللبن فسكروا منه، و هو اللبن الذي قد أدرك ليمخض. يقال منه راب يروب روبا و رءوبا. و رؤبة اللبن: خميرة تلقى فيه من الحامض. و رؤبة الليل: ساعة منه. يقال أهرق عنا من رؤبة الليل. و قال بعضهم: منه قول الشاعر:

فألفاهم القوم روبى نياما

____________

(1) البيات: الايقاع بالعدو.

(2) لم نهدد: لم نكسر. كوكبهم: معظمهم.

15

و يقال: روبى: خثراء الأنفس مختلطون. و يقال شربوا من الرائب فسكروا.

و قال عياض السيديّ:

و نحن نجلنا لابن ميلاء نحره # بنجلاء من بين الجوانح تشهق‏ (1)

و يوم بني الديان نال أخاهم # بأرماحنا بالسيّ موت محدّق‏ (2)

و منا حماة الجيش ليلة أقبلت # أياد يزجّيها الهمام محرّق‏ (3)

و قال آخر:

و على شتير راح منا رائح # بأبي قبيصة كالفنيق المقرّم‏ (4)

يردي بشرحاف المغاور بعد ما # نشر النهار سواد ليل مظلم‏ (5)

و قال عياض السيدي:

لحمام بسطام بن قيس بعد ما # جنح الظلام بمثل لون العظلم‏

و قال أوس بن حجر:

باتوا يصيب القوم ضيفا لهم # حتى إذا ما ليلهم أظلما

قروهم شهباء ملمومة # مثل حريق النار أو أضرما

و اللّه لو لا قرزل ما نجا # و كان مثوى خدك الأخرما

نجاك جياش هزيم كما # أحميت وسط الوبر الميسما (6)

____________

(1) نجله: طعنه بشدة. تشهق: تصوت من قوة اندفاع الدم.

(2) السي: موضع.

(3) محرق: لقب عمرو بن هند، سمي بذلك لحرقه بني تميم.

(4) شتير: موضع.

(5) شرحاف: سريع.

(6) جياش: سريع في الجري. هزيم: شديد الصوت. المسم: ما يوسم به البعير.

16

و بعد فهل قتل ذؤاب الأسدي عتيبة بن الحارث بن شهاب إلا في وسط الليل الأعظم، حين تبعوهم فلحقوهم.

و كانوا إذا أجمعوا للحرب دخّنوا بالنهار، و أوقدوا بالليل. قال عمرو بن كلثوم و ذكر وقعة لهم:

و نحن غداة أوقد في خزاز # رفدنا فوق رفد الرافدينا

و قال خمخام السدوسي:

و أنا بالصّليب ببطن فج # جميعا واضعين به لظانا

ندّخن بالنهار ليبصرونا # و لا نخفي على أحد أتانا

و أما قولهم: «و لا يعرفون الكمين» فقد قال أبو قيس بن الأسلت:

و أحرزنا المغانم و استبحنا # حمى الأعداء و اللّه المعين

بغير خلابة مكر # مجاهرة و لم يخبأ كمين‏

و أما ذكرهم للركب‏ (1) ، فقد أجمعوا على أن الرّكب كانت قديمة، إلا أن ركب الحديد لم تكن في العرب إلا في أيام الأزارقة. و كانت العرب لا تعود نفسها إذا أرادت الركوب أن تضع أرجلها في الركب. و إنما كانت تنزو نزوا.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: «لا تخور قوة ما كان صاحبها ينزو و ينزع» ، يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع في القوس، و ينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب.

قال عمر: «الراحة عقلة، و إياكم و السمنة فإنها عقلة (2) » .

____________

(1) الركب: مفردها ركاب، و هي ما يضع الفارس فيها رجله.

(2) عقلة: يعني أنها تعقل صاحبها و تحبسه.

17

و لهذه العلة قتل خالد بن سعيد بن العاصي، حين غشيه العدو و أراد الركوب و لم يجد من يحمله. و لذلك قال عمر حين رأى المهاجرين و الأنصار قد أخصبوا، و همّ كثير منهم بمقاربة عيش العجم: «تمعددوا و اخشوشنوا (1) ، و اقطعوا الركب، و انزوا على الخيل نزوا» . و قال: «احفوا و انتعلوا، إنكم لا تدرون متى تكون الجفلة (2) » .

و كانت العرب لا تدع اتخاذ الركاب للرحل فكيف تدع الركاب للسرج؟! و لكنهم كانوا و إن اتخذوا الركب فإنهم كانوا لا يستعملونها إلا عند ما لا بد منه، كراهة أن يتّكلوا على بعض ما يورثهم الاسترخاء و التفنخ‏ (3) و يضاهوا أصحاب الترفة و النعمة (4) . قال الأصمعي: قال العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى. ثم يجمع جراميزه و يثب، فكأنما خلق على ظهر فرسه. و فعل مثل ذلك الوليد بن يزيد بن عبد الملك و هو يومئذ وليّ عهد هشام، ثم أقبل على مسلمة بن هشام فقال له: أبوك يحسن مثل هذا؟فقال مسلمة: لأبي مائة عبد يحسنون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.

و زعم رجال من مشيختنا أنه لم يقم أحد من ولد العباس بالملك إلا و هو جامع لأسباب الفروسية.

و أما ما ذكروا من شأن رماح العرب فليس الأمر في ذلك على ما يتوهمون.

للرماح طبقات: فمنها النيزك‏ (5) ، و منها المربوع، و منها المخموس‏ (6) ، و منها التام، و منها الخطل و هو الذي يضطرب في يد صاحبه لأفراط طوله. فإذا أراد الرجل أن يخبر عن شدة أمر صاحبه ذكره، كما ذكر متمّم بن نويرة أخاه

____________

(1) تمعدوا: كانوا أهل قشف و شظف.

(2) الجفلة: الانزعاج، الشدود.

(3) التفنخ: القهر و الاذلال.

(4) الترفة: الترف، النعمة.

(5) النيزك: الرمح القصير.

(6) المربوع: طوله أربع أذرع. المخموس: طوله خمس أذرع.

18

مالكا، فقال: «كان يخرج في الليلة الصنبر عليه الشملة الفلوت‏ (1) ، بين المزادتين النضوحين، على الجمل الثفال، معتقل الرمح الخطل» . قالوا له:

و ابيك إن هذا لهو الجلد. و لا يحمل الرمح الخطل منهم إلا الشديد الأيّد (2) ، و المدلّ بفضل قوته عليه، الذي إذا رآه الفارس في تلك الهيئة هابه و حاد عنه، فإن شد عليه كان أشدّ لاستخذائه له‏ (3) .

و الحال الأخرى أن يخرجوا في الطلب بعقب الغارة، فربما شدّ على الفارس المولّي فيفوته بأن يكون رمحه مربوعا أو مخموسا، و عند ذلك يستعملون النيازك. ، و النيزك أقصر الرماح. و إذا كان الفارس الهارب يفوت الفارس الطالب زجه بالنيزك، و ربما هاب مخالطته فيستعمل الزج دون الطعن، صنيع ذؤاب الأسدي بعتيبة بن الحارث بن شهاب.

و قال الشاعر:

و اسمر خطّيا كأنّ كعوبه # نوى القصب قد أربى ذراعا على العشر

و قال آخر:

هاتيك تحملني و أبيض صارما # و محرّبا في مارن مخموس‏ (4)

و قال آخر:

فولوا و أطراف الرماح عليهم # قوادر، مربوعاتها و طوالها

و هم قوم الغارات فيهم كثيرة، و بقدر كثرة الغارات كثر فيهم الطلب، و الفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته، و يخبر عن قصر سيفه ليخبر عن فضل نجدته. قال كعب بن مالك:

نصل السيوف إذا قصرن بخطونا # قدما و نلحقها إذا لم تلحق‏

____________

(1) ليلة صنبر: شديدة البرد. الشملة الفلوت: التي لا ينضم طرفاها.

(2) الايد: القوي.

(3) الاستخذاء: الخضوع.

(4) المارن: الصلب اللين. المخموس: الرمح الذي طوله خمس أذرع.

19

و قال آخر:

إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم # حدّ الظبات وصلناها بأيدينا

و قال رجل من بني نمير:

وصلنا الرفاق المرهفات بخطونا # على الهول حتى أمكنتنا المضارب‏

و قال حميد بن ثور الهلالي:

و وصل الخطا بالسيف و السيف بالخطا # إذا ظن أن السيف ذو السيف قاصر

و قال آخر:

الطاعنون في النحور و الكلى # شزرا و وصالو السيوف بالخطى‏ (1)

و أما ما ذكروا «من اتخاذ الزّج لسافلة الرمح، و السنان لعاليته» فقد ذكروا أن رجلا قتل أخوين في نقاب‏ (2) ، أحدهما بعالية الرمح، و الآخر بسافلته.

و قدم في ذلك راكب من قبل بني مروان على قتادة يستثبت الخبر من قبله، فأثبته له.

و قال الآخر:

إن لقيس عادة تعتادها # سلّ السيوف و خطى تزدادها

و قد وصفوا أيضا السيوف بالطول. و قال عمارة بن عقيل:

بكل طويل السيف ذي خيزرانة # جري‏ء على الأعداء معتمد الشطب‏ (3)

____________

(1) الطعن الشزر: ما كان عن يمين و يسار.

(2) يعني فجأة مع غير قصد أو تربص.

(3) خيزرانة: رماح. الشطب من الخيل: الكبير الحسن الطلعة.

20

و جملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب و الفرس. فأما الهند فإنما لهم معان مدونة، و كتب مخلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، و لا إلى عالم موصوف، و إنما هي كتب متوارثة، و آداب على وجه الدهر سائرة مذكورة.

و لليونانيين فلسفة و صناعة منطق، و كان صاحب المنطق نفسه بكيّ اللسان، غير موصوف بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام و تفصيله و معانيه، و بخصائصه. و هم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس، و لم يذكروه بالخطابة، و لا بهذا الجنس من البلاغة، و في الفرس خطباء، إلا أن كل كلام للفرس، و كل معنى للعجم، فإنما هو عن طول فكرة و عن اجتهاد رأي، و طول خلوة، و عن مشاورة و معاونة، و عن طول التفكر و دراسة الكتب، و حكاية الثاني علم الأول، و زيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم. و كلّ شي‏ء للعرب فإنما هو بديهة و ارتجال، و كأنه إلهام، و ليست هناك معاناة و لا مكابدة، و لا إجالة فكر و لا استعانة، و إنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، و إلى رجز بوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، و إلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني إرسالا (1) ، و تنثال الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيّده على نفسه، و لا يدرسه أحدا من ولده. و كانوا أميين لا يكتبون، و مطبوعين لا يتكلفون، و كان الكلام الجيد عندهم أظهر و أكثر، و هم عليه أقدر، و له أقهر، و كل واحد في نفسه أنطق، و مكانه من البيان أرفع، و خطباؤهم للكلام أوجد، و الكلام عليهم أسهل، و هو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، و يحتاجوا إلى تدارس، و ليس هم كمن حفظ علم غيره، و احتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، و التحم بصدورهم، و اتصل بعقولهم، من غير تكلّف و لا قصد، و لا تحفظ و لا طلب. و إن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب و عدد التراب، و هو اللّه الذي يحيط بما كان، و العالم بما سيكون.

____________

(1) ارسالا: أفواجا.

21

و نحن-أبقاك اللّه-إذا دعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد و الإرجاز، و من المنثور و الإسجاع، و من المزدوج و ما لا يزدوج، فمعنا العلم أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، و الرونق العجيب، و السبك و النحت، الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم، و لا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير، و النبذ القليل.

و نحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي بأيدي الناس للفرس، أنها صحيحة غير مصنوعة، و قديمة غير مولّدة، إذ كان مثل ابن المقفع و سهل بن هارون، و ابي عبيد اللّه، و عبد الحميد و غيلان، يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، و يصنعوا مثل تلك السير.

و أخرى: أنك متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته بلاد الأعراب الخلّص، و معدن الفصاحة التامة، و وقفته على شعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق، و أبصر الشاهد عيانا. فهذا فرق ما بيننا و بينهم.

فتفهّم عني، فهمك اللّه، ما أنا قائل في هذا، ثم اعلم أنك لم تر قوما قط أشقى من هؤلاء الشعوبية و لا أعدى على دينه، و لا أشد استهلاكا لعرضه، و لا أطول نصبا، و لا أقل غنما من أهل هذه النحلة. و قد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم، و توقد نار الشنآن في قلوبهم، و غليان تلك المراجل الفائرة، و تسعّر تلك النيران المضطرمة. و لو عرفوا أخلاق أهل كل ملة، و زيّ اهل كل لغة و عللهم، على اختلاف شاراتهم‏ (1) و آلاتهم، و شمائلهم و هيئاتهم، و ما علة كل شي‏ء من ذلك، و لم اجتلبوه و لم تكلفوه، لأراحوا أنفسهم، و لخفت مئونتهم على من خالطهم.

[عصا سليمان و عصا موسى‏]

و الدليل على أن أخذ العصا مأخوذ من أصل كريم، و معدن شريف، و من المواضع التي لا يعيبها إلا جاهل، و لا يعترض عليها إلا معاند، اتخاذ

____________

(1) شاراتهم: هيئاتهم.

22

سليمان بن داود صلّى اللّه عليه و سلّم العصا لخطبته و موعظته، و لمقاماته، و طول صلاته، و لطول التلاوة و الانتصاب، فجعلها لتلك الخصال جامعة. قال اللّه عز و جل و قوله الحق: فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلى‏ََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ . و المنسأة هي العصا.

قال أبو طالب حين قام يذم الرجل الذي ضرب زميله بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل و تجاذبا:

أ من أجل حبل لا أباك علوته # بمنسأة قد جاء حبل و احبل‏

و قال آخر

إذا دببت على المنسأة من كبر # فقد تباعد عنك اللهو و الغزل‏

قال أبو عثمان: و إنما بدأنا بذكر سليمان صلّى اللّه عليه و سلّم لأنه من أبناء العجم، و الشعوبية إليهم أميل، و على فضائلهم أحرص، و لما أعطاهم اللّه أكثر و صفا و ذكرا.

و قد جمع اللّه لموسى بن عمران عليه السلام في عصاه من البرهانات العظام، و العلامات الجسام، ما عسى أن يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين و جماعة من النبيين. قال اللّه تبارك و تعالى فيما يذكر من عصاه: إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ يُرِيدََانِ أَنْ يُخْرِجََاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمََا ، إلى قوله تعالى:

وَ لاََ يُفْلِحُ اَلسََّاحِرُ حَيْثُ أَتى‏ََ .

فلذلك قال الحسن بن هاني في شأن خصيب و أهل مصر حين اضطربوا عليه:

فإن تك من فرعون فيكم بقية # فإن عصا موسى بكف خصيب‏

أ لم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس و التمويه عليهم إلا بالعصي، و لا عارضهم موسى إلا بعصاه.

23

و قال اللّه عز و جل: وَ قََالَ مُوسى‏ََ يََا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ. `حَقِيقٌ عَلى‏ََ أَنْ لاََ أَقُولَ عَلَى اَللََّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرََائِيلَ. `قََالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ. `فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ .

و قال اللّه عز و جل: قََالُوا يََا مُوسى‏ََ إِمََّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمََّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ اَلْمُلْقِينَ. `قََالَ أَلْقُوا فَلَمََّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ اَلنََّاسِ وَ اِسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جََاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. `وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ مُوسى‏ََ أَنْ أَلْقِ عَصََاكَ فَإِذََا هِيَ تَلْقَفُ مََا يَأْفِكُونَ. `فَوَقَعَ اَلْحَقُّ وَ بَطَلَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ . أ لا ترى أنهم لما سحروا أعين الناس و استرهبوهم بالعصي و الحبال، لم يجعل اللّه للحبال من الفضيلة في اعطاء البرهان ما جعل للعصا، و قدرة اللّه على تصريف الحبال في الوجوه، كقدرته على تصريف العصا.

و قال اللّه تبارك و تعالى: فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ أَنْ يََا مُوسى‏ََ إِنِّي أَنَا اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ. `وَ أَنْ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسى‏ََ أَقْبِلْ وَ لاََ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ اَلْآمِنِينَ . فبارك كما ترى على تلك الشجرة، و بارك في تلك العصا، و إنما العصا جزء من الشجر.

و قال عز و جل: وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا. `أَخْرَجَ مِنْهََا مََاءَهََا وَ مَرْعََاهََا .

[أصل العصا الشجرة المباركة]

و قالت الحكماء: إنما تبنى المدائن على الماء و الكلأ و المحتطب. فجمع بقوله: أَخْرَجَ مِنْهََا مََاءَهََا وَ مَرْعََاهََا النجم و الشجر، و الملح و اليقطين، و البقل و العشب. فذكر ما يقوم على ساق و ما يتفنن و ما يتسطح، و كل ذلك مرعي، ثم قال على النسق: مَتََاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعََامِكُمْ ، فجمع بين الشجر و الماء و الكلأ و الماعون كله، لأن الملح لا يكون إلا بالماء، و لا تكون النار إلا من الشجر.

24

و قال اللّه تبارك و تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . و قال: أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنََّارَ اَلَّتِي تُورُونَ. `أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهََا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ. `نَحْنُ جَعَلْنََاهََا تَذْكِرَةً وَ مَتََاعاً لِلْمُقْوِينَ . و المرخ‏ (1)

و العفار (2) ، و السواس‏ (3) و العراجين، و جميع عيدان النار، و كل عود يقدح على طول الاحتكاك فهو غني بنفسه، بالغ للمقوي و غير المقوي‏ (4) و حجر المرو يحتاج إلى قراعة الحديد، و هما يحتاجان إلى العطبة (5) ، ثم إلى الحطب. و العيدان هي القادحة، و هي المورية، و هي الحطب.

قال اللّه عز و جل: اَلَّذِينَ هُمْ يُرََاؤُنَ `وَ يَمْنَعُونَ اَلْمََاعُونَ .

و الماعون الماء و النار و الملح و الكلأ. و قال الأسدي:

و كأن أرحلنا بجو محصّب # بلوى عنيزة من مقيل الترمس

في حيث خالطت الخزامى عرفجا # يأتيك قابس اهلها لم يقبس‏

و إنما وصف خصب الوادي و لدونة عيدانه، و رطوبة الورق. و هذا خلاف قول عمرو بن عبد هند:

فإن السنان يركب المرء حدّه # من العر أو يعدو على الأسد الورد

و أن الذي ينهاكم عن طلابها # يناغي نساء الحي في طرّة البرد

يعلّل و الأيام تنقص عمره # كما تنقص النيران من طرف الزند

و ذكر اللّه عز و جل النخلة فجعلها شجرة، فقال: أَصْلُهََا ثََابِتٌ وَ فَرْعُهََا فِي اَلسَّمََاءِ .

و ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حرمة الحرم فقال: «لا يختلى خلاها، و لا يعضد شجرها» .

____________

(1) المرخ: شجر ليس له ورق و لا شوك.

(2) العفار: شجر يشبه المرخ.

(3) السواس: شجر من العضاة يقتدح به.

(4) المقوي: المسافر ينزل في الارض القفر.

(5) العطبة: القطعة من القطن.

25

و قال اللّه عز و جل: وَ أَنْبَتْنََا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ .

و تقول العرب ليس شي‏ء أدفأ من شجر، و لا أظل من شجر.

و لم يكلّم اللّه موسى إلا من شجرة، و جعل أكبر آياته في عصاه، و هي من الشجر. و لم يمتحن اللّه جل و عز صبر آدم و حواء، و هما أصل هذا الخلق و أوله، إلا بشجرة. و لذلك قال: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ . و جعل بيعة الرضوان تحت شجرة. و قال: وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنََاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ .

و سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى شجرة.

و شجرة سرّ تحتها سبعون نبيا لا تعبل و لا تسرف‏ (1) .

و حين اجتهد ابليس في الاحتيال لآدم و حواء صلى اللّه عليهما، لم يصرف الحيلة إلا إلى الشجرة، و قال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ََ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ .

و فيما يضرب بالأمثال من العصي قالوا: قال جميل بن بصبهري حين شكا إليه الدهاقين‏ (2) شر الحجاج. قال أخبروني أين مولده؟قالوا الحجاز. قال ضعيف معجب. قال فمنشؤه؟قالوا الشام. قال ذلك شر. ثم قال ما أحسن حالكم إن لم تبتلوا معه بكاتب منكم، يعني من أهل بابل. فابتلوا بزاذان فروخ الأعور. ثم ضرب لهم مثلا فقال: إن فأسا ليس فيها عود ألقيت بين الشجر، فقال بعض الشجر لبعض: ما ألقيت هذه هاهنا لخير. قال: فقالت شجرة عادية إن لم يدخل في است هذه عود منكن فلا تخفنها.

و قال يزيد بن مفرّغ:

العبد يقرع بالعصا # و الحرّ تكفيه الملامة

____________

(1) سر: قطع سراره. لا تعبل: لا يسقط ورقها. سرقت: أصابها الدود.

(2) الدهاقين: مفردها دهقان، و هو زعيم فلاحي العجم.

26

و قال: أخذه من الفلتان الفهمي، حيث قال:

العبد يقرع بالعصا # و الحر تكفيه الاشارة

و قال مالك بن الرّيب:

العبد يقرع بالعصا # و الحر يكفيه الوعيد

و قال بشار بن برد:

الحر يلحى و العصا للعبد # و ليس للملحف مثل الردّ

و قال آخر

فاحتلت حين صرمتني # و المرء يعجز لا المحالة

و الدهر يلعب بالفتى # و الدهر أروغ من ثعاله‏ (1)

و المرء يكسب ماله # بالشّحّ يورثه الكلالة (2)

و العبد يقرع بالعصا # و الحر تكفيه المقالة

[منافع العصا و مرافقها]

و مما يدخل في باب الانتفاع بالعصا أن عامرا بن الظرب العدواني، حكم العرب في الجاهلية، لما أسنّ و اعتراه النسيان، أمر ابنته أن تقرع بالعصا إذا هو فهّ‏ (3) عن الحكم، و جار عن القصد، و كانت من حكيمات بنات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان، و هند بنت الخس، و جمعة بنت حابس ابن مليل الاياديين.

و كان يقال لعامر: ذو الحلم، و لذلك قال الحارث بن وعلة:

و زعمتم أن لا حلوم لنا # إن العصا قرعت لذى الحلم‏

____________

(1) ثعالة: علم جنس للثعلب، يعني بالمراوغة.

(2) الكلالة: الاقارب ما عدا الوالد و الولد.

(3) فه: نسي.

27

و قال المتلمس في ذلك:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # و ما علّم الإنسان إلا ليعلما

و قال الفرزدق بن غالب:

فإن كنت أستأني حلوم مجاشع # فإن العصا كانت لذي الحلم تقرع‏

و من ذلك حديث سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، و اعتزام لملك على قتل أخيه إن هو لم يصب ضميره، فقال له سعد: أبيت اللعن تدعني حتى أقرع بهذه العصا أختها؟فقال له الملك: و ما علمه بما تقول العصا؟فقرع بها مرة و أشار بها مرة، ثم رفعها ثم وضعها، ففهم المعنى فأخبره و نجا من القتل.

و ذكر العصا يجري عندهم في معان كثيرة. تقول العرب: «العصا من العصية، و الأفعى بنت حية» ، تريد أن الأمر الكبير يحدث عن الأمر الصغير.

و يقال: «طارت عصا فلان شققا» . و قال الأسدي:

عصيّ الشمل من أسد أراها # قد انصدعت كما انصدع الزجاج‏

و يقال: «فلان شق عصا المسلمين» ، و لا يقال شق ثوبا و لا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق. و قال العتّابي في مديح بعض الخلفاء:

إمام له كف يضمّ بنانها # عصا الدين ممنوعا من البري عودها

و عين محيط بالبرية طرفها # سواء عليه قربها و بعيدها

و قال مضرّس الأسدي:

فألقت عصا التسيار عنها و خيمت # بأرجاء عذب الماء بيض محافره‏

و قال أيضا:

فألقت عصاها و استقرت بها النوى # كما قرّ عينا بالأياب المسافر

28

و يقال لبني أسد: «عبيد العصا» يعني أنهم كانوا ينقادون لكل من حالفوا من الرؤساء. و قال بشر بن أبي خازم:

عبيد العصا لم يتقوك بذمة # سوى سيب سعدى إن سيبك واسع‏

و تسمي العرب كل صغير الرأس: «رأس العصا» .

و كان عمر بن هبيرة صغير الرأس، فقال سويد بن الحارث:

من مبلغ رأس العصا إن بيننا # ضغائن لا تنسى و إن قدم الدهر

و قال آخر:

فمن مبلغ رأس العصا أن بيننا # ضغائن لا تنسى و إن قيل سلّت

رضيت لقيس بالقليل و لم تكن # أخا راضيا لو أن نعلك زلّت‏

و كان والبة صغير الرأس، فقال ابو العتاهية في رأس والبة و رءوس قومه:

رءوس عصيّ كن من عود أثلة # لها قادح يبرى و آخر مخرب‏

و الدليل على أنهم كانوا يتّخذون المخاصر في مجالسهم كما يتخذون القنا و القسي في المحافل، قول الشاعر في بعض الخلفاء:

في كفه خيزران ريحه عبق # من كفّ أروع في عرنينه شمم

يغضى حياء و يغضى من جلالته # فما يكلم إلا حين يبتسم‏

و قال الآخر:

مجالسهم خفض الحديث و قولهم # إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر

و قال الآخر:

يصيبون فصل القول في كلّ خطبة # إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر

29

و حدثني بعض أصحابنا قال: كنا منقطعين إلى رجل من كبار أهل العسكر، و كان لبثنا يطول عنده، فقال له بعضنا: إن رأيت أن تجعل لنا إمارة إذا ظهرت لنا خففنا عنك و لم نتبعك بالقعود، فقد قال أصحاب معاوية لمعاوية مثل الذي قلنا لك فقال: أمارة ذلك أن أقول إذا شئتم. و قيل ليزيد مثل ذلك فقال: إذا قلت على بركة اللّه. و قيل لعبد الملك مثل ذلك فقال: إذا ألقيت الخيزرانة من يدي. فأيّ شي‏ء تجعل لنا أصلحك اللّه؟قال: إذا قلت يا غلام الغداء.

و في الحديث أن رجلا ألحّ على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في طلب بعض المغنم و في يده مخصرة، فدفعه بها، فقال يا رسول اللّه أقصني. فلما كشف النبي له عن بطنه احتضنه فقبل بطنه.

و في تثبيت شأن العصا و تعظيم أمرها، و الطعن على من ذم عاملها، قالوا: كانت لعبد اللّه بن مسعود عشر خصال: أولها السواد، و هو سرار النبي صلّى اللّه عليه و سلّم. فقال له النبي: «إذنك علي أن يرفع الحجاب، و تسمع سوادي» . و كان معه مسواك النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و كانت معه عصاه.

قال و دخل عمير بن سعد على عمر بن الخطاب، حين رجع إليه من عمل حمص، و ليس معه إلا جراب و إداوة و قصعة و عصا، فقال له عمر: ما الذي أرى بك، من سوء الحال أو تصنع؟قال: و ما الذي ترى بي، أ لست صحيح البدن، معي الدنيا بحذافيرها؟قال: و ما معك من الدنيا؟قال: معي جرابي أحمل فيه زادي، و معي قصعتي أغسل فيها ثوبي، و معي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي، و معي عصاي إن لقيت عدوا قاتلته، و إن لقيت حية قتلتها، و ما بقي من الدنيا فهو تبع لما معي.

و قال الهيثم بن عدي، عن شرقي بن القطامي و سأله سائل عن قول الشاعر:

لا تعدلنّ أتاويين تضربهم # نكباء صر بأصحاب المحلات‏ (1)

____________

(1) الأتاوي: الغريب في غير وطنه. النكباء: أي ريح من الرياح الأربع.

30

قال: و المحلات: الدلو، و المقدحة، و القربة، و الفأس. قال: فأين أنت عن العصا؟و الصفن خير من الدلو و أجمع.

و قال النمر بن تولب:

أفرغت في حوضها صفني لتشربه # في دائر خلق الأعضاد أهدام‏

و أما العصا فلو شئت أن أشغل مجلسي كله بخصالها لفعلت.

و تقول العرب في مديح الرجل الجلد، الذي لا يفتات عليه بالرأي: «لا ذلك الفحل لا يقرع أنفه» . و هذا كلام يقال للخاطب إذا كان على هذه الصفة، و لأن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب ضربوا أنفه بالعصا.

و قد قال أبو سفيان بن حرب بن أمية، عند ما بلغه من تزوج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بأم حبيبة، و قيل له: مثلك تنكح نساؤه بغير إذنه؟!فقال: «ذلك الفحل لا يقرع انفه» .

و الحمار الفاره يفسده السوط و تصلحه المقرعة. و أنشد لسلامة بن جندل:

أنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب‏ (1)

و قال الحجاج: «و اللّه لأعصبنكم عصب السلمة، و لأضربنكم ضرب غرائب الإبل» . و ذلك أن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصي لسقوط الورق و هشيم العيدان:

و دخل أبو مجلّز على قتيبة بخراسان، و هو يضرب رجالا بالعصي، فقال:

أيها الأمير، إن اللّه قد جعل لكل شي‏ء قدرا، و وقّت فيه وقتا، فالعصا للأنعام و البهائم العظام، و السوط للحدود و التعزير، و الدرة للأدب، و السيف لقتال العدو و القود.

____________

(1) الظنبوب: حرف عظم الساق، يقال: قرع ظنبوبه إذا عزم عليه.

31

ثم قال الشرقيّ: و لكن دعنا من هذا، خرجت من الموصل و أنا أريد الرقة مستخفيا، و أنا شاب خفيف الحاذ، فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيت بعده مثله، فذكر أنه تغلبي، من ولد عمرو بن كلثوم، و معه مزود و ركوة و عصا، فرأيته لا يفارقها، و طالت ملازمته لها، فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية، فكنا نمشي فإذا أصبنا دواب ركبناها، و إن لم نصب الدواب مشينا، فقلت له في شأن عصاه، فقال لي: إن موسى بن عمران صلّى اللّه عليه و سلّم حين آنس من جانب الطور نارا، و أراد الاقتباس لأهله منها، لم يأت النار في مقدار تلك المسافة القليلة إلا و معه عصاه، فلما صار بالوادي المقدس من البقعة المباركة قيل له: الق عصاك، و اخلع نعليك. فرمى بنعليه راغبا عنهما، حين نزّه اللّه ذلك الموضع عن الجلد غير الذكي، و جعل اللّه جماع امره من أعاجيبه و برهاناته في عصاه، ثم كلمه من جوف شجرة و لم يكلمه من جوف إنسان و لا جان.

قال الشرقي إنه ليكثر من ذلك و إني لأضحك متهاونا بما يقول، فلما برزنا على حمارينا تخلّف المكاري فكان حماره يمشي، فإذا تلكأ أكرهه بالعصا، و كان حماري لا ينساق، و علم أنه ليس في يدي شي‏ء يكرهه، فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح و اراح، و لم أقدر على البراح، حتى وافاني المكاري، فقلت: هذه واحدة.

فلما أردنا الخروج من الغد لم نقدر على شي‏ء نركبه، فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا. و ربما أحضر و وضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها و مرّ كأنه سهم زالج، حتى انتهينا إلى المنزل و قد تفسخت من الكلال، و إذا فيه فضل كثير، فقلت هذه ثانية.

فلما كان في اليوم الثالث، و نحن نمشي في أرض ذات أخاقيق‏ (1)

و صدوع، إذ هجمنا على حية منكرة فساورتنا، فلم تكن عندي حيلة إلا خذلانه

____________

(1) الأخاقيق: الشقوق.

32

و اسلامه إليها، و الهرب منها، فضربها بالعصا فثقلت، فلما بهشت له‏ (1)

و رفعت صدرها ضربها حتى وقذها (2) ، ثم ضربها حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثة، و هي أعظمهن.

فلما خرجنا في اليوم الرابع، و قد و اللّه قرمت إلى اللحم‏ (3) و أنا هارب معدم، إذا أرنب قد اعترضت، فخذفها بالعصا، فما شعرت إلا و هي معلقة و أدركنا ذكاتها (4) ، فقلت: هذه رابعة.

و اقبلت عليه فقلت لو أن عندنا نارا لما أخرت أكلها إلى المنزل. قال فإن عندك نارا!فأخرج عويدا من مزوده، ثم حكه بالعصا فأورت إيراء المرخ و العفار عنده لا شي‏ء، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء و الحشيش فأوقد ناره و ألقى الأرنب في جوفها، فأخرجناها و قد لزق بها من الرماد و التراب ما بغّضها إلي، فعلقها بيده اليسرى ثم ضرب بالعصا على جنوبها و اعراضها ضربا رقيقا، حتى انتثر كل شي‏ء عليها، فأكلناها و سكن القرم، و طابت النفس، فقلت: هذه خامسة.

ثم أنا نزلنا بعض الخانات، و إذ البيوت ملاء روثا و ترابا، و نزلنا بعقب جند و خراب متقدم، فلم نجد موضعا نظل فيه، فنظر إلى حديدة مسحاة (5)

مطروحة في الدار، فأخذها فجعل العصا نصابا لها، ثم قام فجرف جميع ذلك التراب و الروث، و جرّد الأرض بها جردا، حتى ظهر بياضها، و طابت ريحها فقلت: هذه سادسة.

و على أي حال لم تطب نفسي أن أضع طعامي و ثيابي على الأرض، فنزع و اللّه العصا من حديدة المسحاة فوتدها في الحائط، و علق ثيابي عليها، فقلت: هذه سابعة.

____________

(1) بهشت له: أقبلت إليه.

(2) وقذها: ضربها بشدة.

(3) قرمت: اشتدت شهوتي.

(4) ذكاة: ذبح.

(5) مسحاة: مجرفة من حديد.

33

فلما صرت إلى مفرق الطرق، و أردت مفارقته، قال لي: لو عدلت فبتّ عندي كنت قد قضيت حقّ الصحبة، و المنزل قريب. فعدلت معه فأدخلني في منزل يتصل ببيعة. قال: فما زال يحدثني و يطرفني و يلطفني الليل كله، فلما كان السحر أخذ خشيبة ثم أخرج تلك العصا بعينها فقرعها بها، فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله، و إذا هو أحذق الناس بضربه، فقلت له: ويلك، أما أنت مسلم و أنت رجل من العرب من ولد عمرو بن كلثوم؟قال: بلى. قلت فلم تضرب بالناقوس؟قال: جعلت فداك!إن أبي نصراني، و هو صاحب البيعة، و هو شيخ ضعيف، فإذا شهدته بررته بالكفاية.

فإذا هو شيطان مارد، و إذا أظرف الناس كلهم و أكثرهم أدبا و طلبا، فخبرته بالذي أحصيت من خصال العصا، بعد أن كنت هممت أن أرمي بها، فقال: و اللّه لو حدثتك عن مناقب نفع العصا إلى الصبح لما استنفدتها.

تفسير شعر غنيه الأعرابية، في شأن ابنها.

و ذلك إنه كان لها ابن شديد العرامة (1) ، كثير التفلت إلى الناس، مع ضعف أسر و دقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب فقطع الفتى أنفه، فأخذت غنية دية أنفه فحسنت حالها بعد فقر مدقع. ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت الدية فزادت دية أذنه في المال و حسن الحال. ثم واثب بعد ذلك آخر فقطع شفته فأخذت دية شفته. فلما رأت ما قد صار عندها من الإبل و الغنم و المتاع و الكسب بجوارح ابنها حسن رأيها فيه، فذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:

أحلف بالمروة يوما و الصّفا # إنك خير من تفاريق العصا

فقيل لابن الأعرابي: ما تفاريق العصا؟قال: العصا تقطع ساجورا (2)

و تقطّع عصا الساجور فتصير أوتادا، و يفرّق الوتد فيصير كل قطعة شظاظا (3) .

فإذا كان رأس الشظاظ كالفلكة صار للبختيّ مهارا، و هو العود الذي يدخل في

____________

(1) العرامة: الشراسة و الشدة.

(2) الساجور: الخشبة التي توضع في عنق الكلب.

(3) الشظاظ: العود الذي يدخل في الجوالق.

34

أنف البختي، و إذا فرّق المهار جاءت منه تواد (1) . و السواجير تكون للكلاب و الأسرى من الناس. و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «يؤتى بناس من هاهنا يقادون إلى حظوظهم بالسواجير» . و إذا كانت قناة فكل شقّة منها قوس بندق، فإن فرقت الشقة صارت سهاما، فإن فرقت السهام صارت حظاء، و هي سهام صغار. قال الطرماح:

أكلب كحظاء الغلام.

و الواحدة حظوة و سروة، فإن فرقت الحظاء صارت مغازل، فإن فرّق المغزل شعب به الشعّاب أقداحه المصدوعة، و قصاعه المشقوقة. على أنه لا يجد لها أصلح منها. و قال الشاعر:

نوافذ أطراف القنا قد شككنه # كشكّك بالشّعب الإناء المثلّما

فإذا كانت العصا صحيحة ففيها من المنافع الكبار و المرافق الأوساط و الصغار ما لا يحصيه أحد، و إن فرّقت ففيها مثل الذي ذكرنا و أكثر. فأيّ شي‏ء يبلغ في المرفق و الرد مبلغ العصا.

و في قول موسى: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ دليل على كثرة المرافق فيها، لأنه لم يقل: و لي فيها مأربة أخرى، و المآرب كثيرة. فالذي ذكرنا قبل هذا داخل في تلك المآرب.

و لا نعرف شعرا يشبه معنى شعر غنية بعينه لا يغادر منه شيئا. و لكن زعم بعض أصحابنا أن أعرابيين ظريفين من شياطين الأعراب حطمتهما السنة، فانحدرا إلى العراق، و اسم أحدهما حيدان، فبيناهما يتماشيان في السوق إذا فارس قد أوطأ دابته رجل حيدان فقطع أصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا منه أرش الأصبع‏ (2) ، و كانا جائعين مقرورين، فحين صار المال في أيديهما قصدا لبعض الكرابج‏ (3) فابتاعا من الطعام ما اشتهيا، فلما أكل صاحب حيدان و شبع أنشأ يقول:

____________

(1) التوادي: خشبات تصر بها أخلاف الناقة.

(2) الارش: دية الجراح.

(3) الكرابج: بمعنى الحانوت. فارسية.

35

فلا غرث ما كان في الناس كربج # و ما بقيت في رجل حيدان أصبع‏

و هذا الشعر و شعر غنية من الظرف الناصع الذي سمعت به، و ظرف الأعراب لا يقوم له شي‏ء.

و ناس كثير لا يستعملون في قتالهم إلا العصيّ، منهم الزنج: قنبلة و لنجويه و النمل و الكلاب، و تكفو و تنبو. على ذلك يعتمدون في حروبهم.

و منهم النبط، و لهم بها ثقافة و شدة و غلبة، و اثقف ما تكون الأكراد إذا قاتلت بالعصي. و قتال المخارجات‏ (1) كلها بالعصي، و لهم هناك ثقافه و منظر حسن، و لقتالهم منزلة بين السلامة و العطب.

و الناس يضربون المثل بقتال البقّار بقناته. و يقال في المثل: «ما هو إلا ابنة عصا، و عقدة رشا (2) » .

و يقال للراعي: «إنه لضعيف العصا» إذا كان قليل الضرب بها للإبل، شديد الإشفاق عليها. و قال الراعي

ضعيف العصا بادي العروق ترى له # عليها إذا ما أجدب الناس أصبعا

فإذا كان الراعي جلدا قويا عليها قالوا: صلب العصا. و لذلك قال الراجز:

صلب العصا باق على أذاتها

و قال الآخر في معنى الراعي:

لا تضرباها و أشهرا العصيا

و يقولون: قد أقبل فلان و لانت عصاه، إذا أصابه السّواف‏ (3) فرجع و ليس معه إلا عصاه لأنه لا يفارقها كانت له ابل أم لم تكن.

____________

(1) المخارجات: مفردها مخارجة: مناهضه‏

(2) أبنة: عقدة. الرشاء: الحبل.

(3) السواف: الموت في المال و الناس.

36

و يقولون: كلما قرعت عصا بعصا، و عصا على عصا، و عصا عصا قالوا خذوا فلانا بذلك. و قال حميد بن ثور:

اليوم تنزع العصا من ربها # و يلوك ثني لسانه المنطيق‏

و يكتب مع قوله:

تغشى العصا و الزجر إن قيل حل # يرسلها التغميض إن لم ترسل‏

و قال آخر:

هذا ورود بزّل و سدس‏ (1) # يغلي بها كلّ مسيم مرغس

ردّت من الغور و أكناف الرسي # من عشب أحوى و حمض مورس

و ذائد جلد العصا دلهمس‏ (2) # إن قيل قم قام و إن قيل أجلس

داست سماطي عفر مدعّس‏ (3)

و يدل على شدة قتالهم بالعصا قول بشامة بن حزن النهشلي:

فدى لرعاء بالنّحيرة ذبّبوا # بأعصيهم و الماء برد المشارب‏ (4)

تألى نعيم لا تجوز بحوضه # فقلت تحلّل يا نعيم بن قارب‏ (5)

فإن زيادا لم يكن ليردّها # و سبرة عن ماء النضيح المقارب

اغرّك أن جاءت ظماء و باشرت # بأعناقها برد النصاب الصّباصب‏ (6)

تناولن ما في الحوض ثم امترينه # بجرع و أعناق طوال الذوائب‏ (7)

____________

(1) البازل: من بزل نابه. السديس: الذي أتت عليه السادسة.

(2) دلهمس: جري‏ء.

(3) السماطان: الجانبان. مدعس: طريق مرت عليها الابل بقوائمها.

(4) النحيرة: واد. التذبيب: الطرد.

(5) تألى: أقسم.

(6) الصباصب: الغليظ و الشديد.

(7) الامتراء: الاستخراج و الاستدرار.

37

و يقول فلان ضعيف العصا، إذا كان لا يستعمل عصاه. و لذلك قال البعيث:

و أنت بذات السّدر من أم سالم # ضعيف العصا مستضعف متهضّم‏

و قال آخر:

و ما صاديات حمن يوما و ليلة # على الماء يغشين العصيّ حوان

لوائب لا يصدرن عنه لوجهة # و لا هن من برد الحياض دوان

يرين حباب الماء و الموت دونه # فهن لأصوات السقاة روان

بأوجع مني جهد شوق و غلّة # إليك و لكنّ العدوّ عداني‏

و قال آخر:

فما وجد ملواح من الهيم حلّئت # عن الماء حتى جوفها يتصلصل‏ (1)

تحوم و تغشاها العصي و حولها # أقاطيع أنعام تعلّ و تنهل

بأعظم مني غلّة و تعطّفا # إلى الورد إلا أنني أتجمل‏

و يقال: «ضرب فلان ضرب غرائب الإبل» و هي تضرب عند الهرب و عند الخلاط، و عند الحوض، أشد الضرب. و قال الحارث بن صخر:

بضرب يزيل الهام عن سكناته # كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب‏

و قال آخر:

للهام ضرابون بالمناصل‏ (2) ضرب المذيد غرب النواهل و في جواهر العصا تفاوت. و يقولون: ما هي إلا غصن بان.

____________

(1) الملواح من الدواب: السريع العطب. الهيم: العطاش. حلّئت: منعت.

(2) المناصل: السيوف.

38

و قال ابن أحمر:

رود الشباب كأنها غصن # بحرام مكّة ناعم نضر (1)

و قال آخر:

أ ما تريني قائما في جلّ‏ (2) # جمّ الفتوق خلق‏ (3) هملّ‏ (4)

محاذرا أبغض عن تحتلي # عند اعتلال دهرك المعتلّ

فقد أرى في اليلمق الرّفلّ‏ (5) # أصون للإنس جميل الدلّ

لدنا كخوط البانة المبتلّ‏ (6)

و تكون العصا محراثا، و تكون مخصرة، و تكون المخصرة قضيب حنيرة (7) و عود ساجور، ثم تكون تودية.

و يقال للرجل إذا كان فيه أبنة: «فلان يخبأ العصا» . و قال الشاعر:

زوجك زوج صالح # لكنه يخبأ العصا

و في الأمثال: «فحذفه بالقول كما تحذف الأرنب بالعصا» .

و قال أياس بن قتادة العبسمي:

سأنحر أولاها و أحذف بالعصا # على أثرها إني إذا قلت عازم‏

و قال ابن كناسة في شرط الراعي على صاحب الإبل: «ليس لك أن تذكر

____________

(1) الرود من النساء: الشابة الحسنة.

(2) الجل: الكساء.

(3) خلق: بالي.

(4) همل: بالي أيضا.

(5) اليلمق: القباء المحشو.

(6) الخوط: الغصن الناعم.

(7) الحنيرة: القوس.

39

أمي بخير و لا شر، و لك حذفة بالعصا عند غضبك أصبت أم أخطأت، و لي مقعدي من النار، و موضع يدي من الحار و القار» .

و كان العتبي يحدث في هذين بحديثين: أحدهما قوله عن الأعرابي: «و كان إذا خرست الألسن عن الرأي حذف بالصواب كما تحذف الأرنب بالعصا» .

و أما الحديث الآخر فذكر أن قوما أضلوا الطريق، فاستأجروا أعرابيا يدلهم على الطريق، فقال: إني و اللّه لا أخرج معكم حتى أشرط لكم و اشترط عليكم. قالوا فهات مالك. قال «يدي مع أيديكم في الحار و القار، و لي موضعي من النار موسع علي فيها، و ذكر والدي عليكم محرم» . قالوا: فهذا لك فما لنا عليك إن أذنبت؟قال: «أ عراضة لا تؤدي إلى عتب، و هجرة لا تمنع من مجامعة السفرة» . قالوا: فإن لم تعتب؟قال: «فحذفة بالعصا أخطأت أم أصابت» .

و هذان الحديثان لم أسمعهما من عالم، و إنما قرأتهما في بعض الكتب من كتب المسجديين.

و لأهل المدينة عصيّ في رءوسها عجر لا تكاد أكفهم تفارقها إذا خرجوا إلى ضياعهم و متنزهاتهم، و لهم فيها أحاديث حسنة، و أخبار طيبة.

و كان الأفشين يقول: «إذا ظفرت بالعرب شدخت رءوس عظمائهم بالدبوس» و الدبوس شبيه بهذه العصا التي في رأسها عجرة و قال جحشويه:

يا رجلا هام بلباد # معتدل كالغصن مياد

هام به غسان لما رأى # أيرا له مثل عصا الحادي

و لم يزل يهوى ابو مالك # كل فتى كالغصن منآد

يعجبه كل متين القوى # للطعن في الأدبار معتاد

و قالوا في تغميض الناقة عينها، كي تركب العصا إلى الحوض، و هو في معنى قول ابي النجم:

40

تغشى العصا و الزجر أن قيل حل # يرسلها التغميض إن لم ترسل‏

و هذا مثل قول الهذلي:

و لأنت أشجع من أسامة (1) إذ # شدّوا المناطق تحتها الحلق

حدّ السيوف على عواتقهم # و على الأكف و دونها الدّرق‏ (2)

كغماغم الثيران بينهم # ضرب تغمض دونه الحدق‏

و قال حميد بن ثور الهلالي:

اليوم تنتزع العصا من ربها # و يلوك ثني لسانه المنطيق‏

و يقال: رجل كالقناة، و فرس كالقناة. و قال الشاعر:

متى ما يجي‏ء يوما إلى المال وارثي # يجد جمع كف غير ملأى و لا صفر

يجد فرسا مثل القناة و صارما # حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر

و جاء في الحديث: أجدبت الأرض على عهد عمر رحمه اللّه حتى ألقت الرعاء العصيّ، و عطّلت النعم، و كسر العظم. فقال كعب‏ (3) : يا أمير المؤمنين، إن بني اسرائيل كانوا إذا أصابتهم السنة استسقوا بعصبة الأنبياء.

فكان ذلك سبب استسقائه بالعباس بن عبد المطلب.

و ساورت حية أعرابيا فضربها بعصاه و سلم منها، فقال:

لو لا الهراوة و الكفان أنهلني # حوض المنية قتّال لمن علقا (4)

أصمّ منهرت الشدقين ملتبد # لم يغذ إلا المنايا مذ لدن خلقا (5)

كأن عينيه مسماران من ذهب # جلاهما مدوس الألان فائتلقا (6)

____________

(1) أسامة: علم جنس للأسد.

(2) الدرق: التروس تتخذ من جلود.

(3) هو كعب بن مانع الحميري المعروف بكعب الأخبار، كان قصاصا يهوديا و أسلم في خلافة عمر، مات بحمص سنة 32 هـ.

(4) كفان: آلة من آلات الصيد.

(5) منهرت الشدقين: واسعهما.

(6) المدوس: خشبة المسن.

41

و قال الحجاج بن يوسف لأنس بن مالك: «و اللّه لأقلعنك قلع الصّمغة، و لأعصبنك عصب السّلمة، و لأضربنك ضرب غرائب الإبل و لأجردنك تجريد الضب» .

و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه لأبي مريم الحنفي: «و اللّه لا أحبك حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . لأن الأرض لا تقبل الدم، فإذا جف الدم تقلّع جلبا (1) .

و لقد أسرف المتلمّس حيث يقول:

أ حارث أنا لو تساط (2) دماؤنا # تزايلن حتى لا يمس دم دما

و أشد سرفا منه قول أبي بكر الشيباني، قال: كنت أسيرا مع بني عم لي من بني شيبان، و فينا من موالينا جماعة في أيدي التغالبة، فضربوا أعناق بني عمي و أعناق الموالي على وهدة من الأرض، فكنت و الذي لا إله إلا هو، أرى دم العربي ينماز من دم المولى، حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا (3) قام فوقه، و لم يعتزل عنه.

و أنشد الأصمعي:

يذدن و قد ألقيت في قعر حفرة # كما ذيد عن حوض العراك غرائبه‏ (4)

و قال العباس بن مرداس:

نقاتل عن أحسابنا برماحنا # فنضربهم ضرب المذيد الخوامسا

و قال الفرزدق بن غالب:

ذكرت و قد كادت عصا البين تنشطي # حبالك من سلمي و ذو اللّب ذاكر

____________

(1) جلب: قشوة تعلو الجرح عند البرء.

(2) تساط: تخلط و تمزج.

(3) الهجين: ولد العربي من غير العربية.

(4) العراك: ازدحام الابل على الماء.

42

و قال الأسدي:

إذا المرء أولاك الهوان فأوله # هوانا و إن كانت قريبا أواصره

و لا تظلم المولى و لا تضع العصا # على الجهل إن طارت إليك بوادره‏

و قال جرير بن عطية:

ألا رب مصلوب حملت على العصا # و باب استه عن منبر الملك زائل‏

و قالوا في مديح العصا نفسها مع الأغصان و كريم جوهر العصي و القسي:

إذا قامت لسبحتها تثنّت # كأن عظامها من خيزران‏

و قال المؤمل بن أميل:

القوم كالعيدان يفضل بعضهم # بعضا كذاك يفوق عود عودا

لو تستطيع عن القضاء حيادة # و عن المنية أن تصيب محيدا

كانت تقيّد حين تنزل منزلا # فاليوم صار لها الكلال قيودا

و قال آخر:

و اسلمها الباكون إلا حمامة # مطوقة بانت و بان قرينها

تجاوبها أخرى على خيزرانة # يكاد يدنّيها من الأرض لينها

و قال آخر:

ألا أيها الركب المخبون هل لكم # بأخت بني هند عتيبة من عهد

أ ألقت عصاها و استقر بها النوى # بأرض بني قابوس أم ظعنت بعدي‏

و قال آخر:

ألا هتفت ورقاء في رونق الضحى # على غصن غضّ النبات من الرند (1)

____________

(1) الرند: الاس.

43

و قال آخر في امرأة رآها في شارة (1) و بزة، فظن بها جمالا، فلما سفرت إذا هي غول:

فأظهرها ربي بمن و قدرة # عليّ و لو لا ذاك متّ من الكرب

فلما بدت سبّحت من قبح وجهها # و قلت لها الساجور خير من الكلب‏ (2)

و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «يؤتى بقوم من هاهنا يقادون إلى حظوظهم في السواجير» . و الساجور يسمى الزمّارة. قالوا: و في الحديث: «فأتى الحجاج بسعيد بن جبير (3) ، و في عنقه زمّارة» .

و قال بعض المسجّنين:

و لي مسمعان و زمارة # و ظلّ مديد و حصن أمق‏ (4)

و كم عائد لي و كنم زائر # لو أبصرني زائرا قد شهق‏

المسمعان: قيدان. و سمى الغلّ الذي في عنقه زمّارة.

و أما قول الوليد:

اسقني يا زبير بالقرقاره # قد ظمئنا و حنّت الزّمّارة (5)

اسقني اسقني فإن ذنوبي # قد أحاطت فما لها كفّاره‏

فإن الزمارة هاهنا: المزمار.

و قال أيضا صاحب الزمارة في صفة السجن:

____________

(1) الشارة: الحسن و الهيئة و اللباس.

(2) الساجور: خشبة توضع في عنق الكلب.

(3) هو سعيد بن جبير بن هشام الكوفي، مولى بني أسد فقيه عابد ورع، خرج مع ابن الأشعث، فقتله الحجاج سنة 95 هـ.

(4) أمق: واسع.

(5) القرقارة: أناء. حنت الزمارة: صوتت.

44

فبتّ بأحصنها منزلا # ثقيلا على عنق السالك

و لست بضيف و لا في كراء # و لا مستعير و لا مالك

و ليس بغصب و لا كالرهون # و لا يشبه الوقف عن هالك

و لي مسمعان فأدناهما # يغني و يمسك في الحالك

و أقصاهما ناظر في السما # ء عمدا و أوسخ من عارك‏ (1)

المسمعان هاهنا أحدهما قيده، و الآخر صاحب الجرس.

قال: و أخبرني الكلابي قال: قاتلت بنو عم لي بعضهم بعضا، فجعل بعضهم ينضم إلى بعض لواذا مني، و ليس لي في ذلك هجيرى إلا قولي:

قد جعلت تأوى إلى خمّانها (2) # و كرسها العاديّ من أعطانها (3)

فلما طلبوا القصاص، قلت: دونكم يا بني عمي حقكم، فأنا اللحم و أنتم الشفرة، إن وهبتم شكرت، و إن اعتقلتم عقلت، و إن اقتصصتم صبرت.

قال: و سألت يونس عن قوله: (نسيا منسيا) ، قال: تقول العرب إذا ارتحلوا عن المنزل ينزلونه: انظروا أنساءكم. و هي العصا، و القدح، و الشظاظ، و الحبل. قال فقلت: إني ظننت هذه الأشياء لا ينساها أربابها إلا لأنها أهون المتاع عليهم. قال ليس ذلك كذلك، المتاع الجافي يذكر بنفسه، و صغار المتاع تذهب عنها العيون. و إنما تذهب نفوس العامة إلى حفظ كل ثمين و إن صغر جسمه، و لا يقفون على أقدار فوت الماعون عند الحاجة و فقد المحلات في الأسفار.

و قال يونس: المنسي ما تقادم العهد به و نسي حينا لهوانه. و لم تكن مريم لتضرب المثل في هذا الموضع بالأشياء النفيسة التي الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الشي‏ء الثمين في الأسواق.

____________

(1) العارك: الحائط.

(2) الخمان: ردي‏ء الشجر.

(3) الكرس: أبوال الابل و الغنم و ابعارها. الأعطان: مبرك الابل.

45

و قال الأشهب بن رميلة (1) :

قال الأقارب لا تغررك كثرتنا # و أغن نفسك عنا أيها الرجل

علّ بنيّ يشدّ اللّه أعظمهم # و النبع ينبت قضبانا فيكتهل‏

و كان فرس الأخنس بن شهاب تسمى «العصا» ، و الأخنس فارس العصا.

و كان لجذيمة الأبرش فرس يقال لها «العصا» .

و لبني جعفر بن كلاب «شحمة» و «الغدير» و «العصا» . فشحمة فرس جزء بن خالد. و العصا فرس عوف بن الأحوص. و الغدير فرس شريج بن الأحوص.

و العصا أيضا فرس شبيب بن كعب الطائي.

و قال بعضهم أو بعض خطبائهم:

و ليس عصاه من عراجين نخلة # و لا ذات سير من عصي المسافر

و لكنها إما سألت فنبعة # و ميراث شيخ من جياد المخاصر

و الرجل يتمنى إذا لم تكن له قوة و هو يجد العجز، فيقول: «لو كان في العصا سير» . و لذلك قال حبيب بن أوس:

ما لك من همة و عزم # لو أنه في عصاك سير

ربّ قليل جنى كثيرا # كم مطر بدؤه مطير

صبرا على النائبات صبرا # ما صنع اللّه فهو خير

و إذا لم يجعل المسافر في عصاه سيرا سقطت إذا نعس من يده.

____________

(1) الأشهب بن رميلة شاعر جاهلي أدرك الاسلام و أسلم و رميلة أمه، أما ابوه فثور بن ابي حارثة التميمي. له هجاء مع الفرزدق.

46

و سئل عن قوله: (و لي فيها مآرب أخرى) ، قال: لست أحيط بجميع مآرب موسى صلّى اللّه عليه و سلّم، و لكني سأنبئكم جملا تدخل في باب الحاجة إلى العصا. من ذلك أنها تحمل للحية، و العقرب، و للذئب، و للفحل الهائج، و لعير العانة في زمن هيج الفحول، و كذا فحول الحجور (1) في المروج. و يتوكأ عليها الكبير الدالف، و السقيم المدنف، و الأقطع الرجل، و الأعرج، فإنها تقوم مقام رجل أخرى.

و قال أعرابي مقطوع الرجل:

اللّه يعلم أني من رجالهم # و إن تخدّد عن متنيّ أطماري‏ (2)

و إن رزيت يدا كانت تجمّلني # و إن مشيت على زج و مسمار

و العصي تنوب للأعمى عن قائده، و هي للقصّار و الفاشكار و الدبّاغ.

و منها المفأد للملّة (3) و المحراك للتنّور. قال الشاعر:

إذا كان ضرب الخبز مسحا بخرقة # و أحمد دون الطارق التنّور

كأنه كره أن ينفض عنها الرماد بعصا فيستدل على أنه قد أنضج خبزته.

يصفه بالبخل.

و هي لدق الجص و الجبسين و السمسم.

و قال الشمّاخ بن ضرار:

و أشعث قد قد السّفار قميصه # يجر شواء بالعصا غير منضج‏

و لخبط الشجر، و للفيج‏ (4) و للمكاري، فإنهما يتخذان المخاصر، فإذا طال الشوط و بعدت الغاية استعانا في حضرهما و هرولتهما في اضعاف ذلك بالاعتماد على وجه الأرض.

____________

(1) الحجور: الافراس.

(2) تخدد: تشنج.

(3) المفأد: الخشبة التي يحرك بها التنور. الملة: الرماد الحار و الجمر.

(4) الفيج: الذي يسعى على رجليه يحمل الاخبار من بلد إلى بلد.

47

و هي تعدّل من ميل المفلوج، و تقيم من ارتعاش المبرسم و يتخذها الراعي لغنمه، و كل راكب لمركبه، و يدخل عصاه في عروة المزود، و يمسك بيده الطرف الآخر، و ربما كان أحد طرفيها بيد رجل و الطرف الآخر بيد صاحبه و عليها حمل ثقيل.

و تكون إن شئت وتدا في حائط، و إن شئت ركزتها في الفضاء و جعلتها قبلة، و إن شئت جعلتها مظلة، و إن جعلت فيها زجا كانت عنزة (1) ، و إن زدت فيها شيئا كانت عكازا، و إن زدت فيها شيئا كانت مطردا (2) ، و إن زدت فيها شيئا كانت رمحا.

و العصا تكون سوطا و سلاحا. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يخطب بالقضيب، و كفى دليلا على عظم غنائها، و شرف حالها. و على ذلك الخلفاء و كبراء العرب من الخطباء.

و قد كان مروان بن محمد حين أحيط به دفع البرد و القضيب إلى خادم له، و أمره أن يدفنهما في بعض تلك الرمال، و دفع إليه بنتا له، و أمره أن يضرب عنقها. فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فأمنوه على أن يسلم ذلك لهم و قال الشاعر في صفة قناة:

و أسمر عاتر فيه سنان # شراعيّ كساطعة الشعاع‏ (3)

و قال آخر:

هونة في العنان تهتزّ فيه # كاهتزاز القناة تحت العقاب‏

____________

(1) عنزة: عصا يتوكأ عليها الشيخ الكبير.

(2) المطرد: رمح قصير يطرد به الوحش.

(3) الرمح العاتر: المضطرب من لينه.

48

و مما يجوز في العصا قول الشاعر:

للهام ضرابون بالمناصل # ضرب المذيد غرّب النّواهل‏

و قال عباس بن مرداس:

نطاعن عن أحسابنا برماحنا # و نضربهم ضرب المذيد الخوامسا

و قال الآخر:

دافع عني جلبي و حشّي # فهي كعود النبعة الأجشّ‏

و قال نصيب الأسود:

و من يبق مالا عدّة و صيانة # فلا الدهر مبقيه و لا الشح وافره

و من يك ذا عود صليب يعده # ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره‏

و قال آخر:

تخيرت من نعمان عود أراكة # لهند فمن هذا يبلّغه هندا

خليلي عوجا بارك اللّه فيكما # و إن لم تكن هند لأرضكما قصدا

و قولا لها ليس الضلال أجارنا # و لكنما جرنا لنلقاكم عمدا

و قال آخر:

فتلك ثيابي لم تدنّس بغدرة # و وري زنادي في ذرى المجد ثاقب

و لو صادفت عودا سوى عود نبعة # و هيهات أفنته الخطوب النوائب‏

و قال آخر:

عصا شريانة دهنت بزبد # تدقّ عظامه عظما فعظما

و ليس هذا مثل قول لقيط بن زرارة:

إذا دهنوا رماحهم بزبد # فإن رماح تيم لا تضير

49

و قال صالح بن عبد القدوس:

لا تدخلن بنميمة # بين العصا و لحائها

و قال شبل بن معبد البجلي:

برتني صروف الدهر من كلّ جانب # كما يبترى دون اللحاء عسيب‏

و قال أوس بن حجر:

لحونهم لحو العصا فطردنهم # إلى سنة جرذانها لم تحلّم‏

و قال الرّقاشي في صفة القناة التي تبرى منها القسي:

من شقق خضر بروصيات‏ (1) # صفر اللحاء و خلوقيات‏ (2)

جدلن حتى إضن كالحيات # رشائقا غير مؤبنات‏ (3)

أنّفهنّ متمطّرات‏ (4) # عمرو بن عصفور على استثبات‏

و قال محمد بن يسير:

و مشمّرين عن السّواعد حسّر # عنها بكل رشيقة التوتير (5)

ليس الذي تشوي يداه رمية # فيهم بمعتذر و لا معذور (6)

عطف السّيات موانع في عطفها # تعزى إذا نسبت إلى عصفور (7)

ذهب إلى قوله:

في كفه معطية منوع

____________

(1) بروصيات: لعله أراد نعتها بلون البرص.

(2) خلوقيات: بلون الخلوق أي الزعفران.

(3) رشائق: حسنة القد. مؤبنات: معيبات.

(4) المتمطرات: المسرعات. أنف: حدد.

(5) المشمرين: الصيادين بالسهام. التوتير: شد وتر القوس.

(6) تشوي رمية: لم تصب الصيد الذي ترميه.

(7) عطف: المنحنية. سيمة القوس: ما عطف من طرفها.

50

و هذا مثل قوله:

خرقاء إلا أنها صناع و هذا مثل قوله:

غادر داء و نجا صحيحا و مثل قوله:

حتى نجا من جوفه و ما نجا فإذا طال قيام الخطيب صار فيه انحناء و جنأ (1) و قال الأسدي:

أنا ابن الخالدين إذا تلاقى # من الأيام يوم ذو ضجاج

كأن اللغب و الخطباء فيه # قسيّ مثقّف ذات اعوجاج‏

و على هذا المعنى قال الشماخ بن ضرار:

فأضحت تفالى بالستار كأنها # رماح نحاها وجهة الريح راكز (2)

و قال العماني:

عات يرى ضرب الرجال مغنما # إذا رأى مصدّقا تجهّما

و هزّ في الكفّ، و أبدى المعصما # هراوة نبعية أو سلما

تترك ما رام رفاتا رمما

و قال أمية بن الأسكر (3) :

هلا سألت بنا إن كنت جاهلة # ففي السؤال من الأنباء شافيها

تخبرك عنا معد إن هم صدقوا # و من قبائل نجران يمانيها

____________

(1) جنأ: حدب.

(2) الستار: موضع. الراكز: الذي يغرز الرمح في الأرض.

(3) امية بن الأسكر شاعر جاهلي أدرك الإسلام و أسلم و خرج ابنه كلاب من المدينة إلى العراق في بعث أثناء خلافة عمر فبكاه خوفا عليه، فرده عليه الخليفة.

51

و بالجياد تجرّ الجيل عابسة # كأن مذرور ملح في هواديها (1)

قوم إذا قذع الأقوال طاف بهم # ألقى العصي عصي الجهل باريها

قال و الرجل إذا لم يكن معه عصا فهو باهل. و ناقة باهل و باهلة، إذا كانت بغير صرار (2) . و قال الراجز:

أبهلها ذائدها و سبحا (3) # و دقت المركوّ حتى ابلندحا (4)

احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصي، عند ذكرنا العصا و تصرفها في المنافع. و الذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان. فإذا أردتموه فهو هناك موجود إن شاء اللّه.

قالوا: و لما شاع هجاء الحكم بن عبدل الأسدي لمحمد بن حسان بن سعد و غيره من الولاة و الوجوه، هابه أهل الكوفة، و اتقى لسانه الكبير و الصغير، و كان الحكم اعرج لا تفارقه عصاه، فترك الوقوف بأبوابهم و صار يكتب على عصاه حاجته و يبعث بها مع رسوله فلا يحبس له رسول، و لا يؤخر عنه لقراءة الكتاب، ثم تأتيه الحاجة على أكثر مما قدّر، و أوفر مما أمّل، فقال يحيي بن نوفل:

عصا حكم في الدار أول داخل # و نحن عن الأبواب نقصى و نحجب‏

و أما قول بشر بن أبي خازم:

للّه درّ بني الحدّاء من نفر # و كلّ جار على جيرانه كلب

إذا غدوا و عصيّ الطّلح أرجلهم # كما تنصّب وسط البيعة الصّلب‏

____________

(1) الهوادي: الاعناق.

(2) الصرار: خيط يشد فوق خلفها لئلا يرضعها ولدها.

(3) السبح: الفراغ الطويل.

(4) المركو: الحوض الكبير. ابلندح: اتسع و عرض.

52

إنما يعني أنهم كانوا عرجانا، فأرجلهم كعصي الطلح، و عصي الطلح معوجة. و كذلك قال معدان الأعمى، في قصيدته الطويلة التي صنف فيها الغالية و الرافضة، و التميمية، و الزيدية (1) :

و الذي طفّف الجدار من الذعر # و قد بات قاسم الأنفال‏ (2)

فغدا خامعا بوجه هشيم # و يساق كعود طلح بال‏

و قال بعض العرجان ممن جعل العصا رجلا:

ما للكواعب يا دهماء قد جعلت # تزورّ عني و تطوي دوني الحجر

لا أسمع الصوت حتى أستدير له # ليلا طويلا يناغيني له القمر

و كنت أمشى على رجلين معتدلا # فصرت أمشي على رجل من الشجر

و قال رجل من بني عجل:

وشى بي واش عند ليلى سفاهة # فقالت له ليلى مقالة ذي عقل

و خبرها أني عرجت فلم تكن # كورهاء تجترّ الملامة للبعل

و ما بي من عيب الفتى غير أنني # جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي‏

و قال أبو ضبة في رجله:

و قد جعلت إذا ما نمت أوجعني # ظهري و قمت قيام الشارف الظهر (3)

و كنت أمشي على رجلين معتدلا # فصرت أمشي على رجل من الشجر

____________

(1) الغالية: فرق الشيعة التي غالت في عقائدها و قالت ان الأئمة آلهة أو أنبياء أو ملائكة مثل الكيسانية و العباسية و الحارثية و الخرقدينية.

الرافضة: هم الشيعة الامامية، لقبوا بذلك إما لرفضهم إمامة ابي بكر و عمر و عثمان، و اما لرفضهم إمامة زيد بن علي أو إمامة محمد بن عبد اللّه بن الحسن.

الزيدية: فرقة من الشيعة قالت بإمامة زيد بن علي بن الحسين بعد ابيه علي بن الحسين.

(2) طفف الجدار: علاه و رفعه. الانفال: الغنام.

(3) الشارف الظهر: المسن الذي يشتكي ظهره.

53

و قال أعرابي من بني تميم:

و ما بي من عيب الفتى غير أنني # ألفت قناتي حين أوجعني ظهري‏

قال: و دخل الحكم بن عبدل الأسدي و هو أعرج، على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، و هو أمير الكوفة و كان أعرج، و كان صاحب شرطه اعرج، فقال ابن عبدل:

ألق العصا ودع التخامع و التمس # عملا فهذي دولة العرجان‏ (1)

لأميرنا و أمير شرطتنا معا # لكليهما يا قومنا رجلان

فإذا يكون أميرنا و وزيرنا # و أنا فإن الرابع الشيطان‏

و مما يدل على أن للعصا موقعا منهم، و أنها تدور مع أكثر أمورهم قول مزرد بن ضرار:

فجاء على بكر ثفال يكدّه # عصاه استه، وج‏ء العجاية بالفهر (2)

و يقولون اعتصى بالسيف، إذا جعل السيف عصاه، و إنما اشتقوا للسيف اسما من العصا، لأن عامة المواضع التي تصلح فيها السيوف تصلح فيها العصي، و ليس كل موضع تصلح فيه العصا يصلح فيه السيف.

و قال الآخر:

و نحن صدعنا هامة ابن محرّق # كذلك نعصى بالسيوف الصوارم‏

و قال عمرو بن الأطنابة (3) :

و فتى يضرب الكتيبة بالسيـ # يف إذا كانت السيوف عصيا

____________

(1) التخامع: التعارج.

(2) بكر ثفال: ابل بطيئة. وج‏ء العجاية: ضرب العصا. الظهر: العصا.

(3) هو عمرو بن عامر الخزرجي، و الاطنابة امه. و هو شاعر جاهلي فارس.

54

و قال عمرو بن محرز:

نزلوا إليهم و السيوف عصيهم # و تذكروا دمنا لهم و ذحولا (1)

و قال الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة:

إن ابن يوسف محمود خلائقه # سيّان معروفه في الناس و المطر

هو الشهاب الذي يرمي العدو به # و المشرفيّ الذي تعصى به مضر

يقال عصى بالسيف و اعتصى به.

و قال العريان بن الأسود، في ابن له مات:

و لقد تحمل المشاة كريما # ليّن العود ماجد الأعراق

ذاك قولي و لا كقول نساء # معولات يبكين بالأوراق‏

و كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «إن البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير، دود على عود» .

و قال واثلة السدوسي:

رأيتك لما شبت أدركك الذي # يصيب سراة الأزد حين تشيب

سفاهة أحلام و بخل بنائل # و فيك لمن عاب المزون عيوب

لقد صبرت للذل أعواد منبر # تقوم عليها، في يديك قضيب

و قد أوحشت منكم رزاديق فارس # و بالمصر دور جمّة و دروب‏

و أنشد الأصمعي:

أعددت للضيفان كلبا ضاريا # و هراوة مجلوزة من أرزن‏ (2)

و معاذرا كذبا و وجها باسرا # و تشكيا عض الزمان الألزن‏ (3)

____________

(1) الدمن جمع دمنة: الحقد القديم، الذحول جمع ذحل: الثأر.

(2) مجلوزة: مشدودة إلى البعير. الارزن: شجر صلب تتخذ منه العصي.

(3) الباسر: العابس. الالزن: الضيق.