حياة الحيوان الكبري - ج2

- الدميري المزيد...
581 /
3

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

باب الزاي‏

الزاغ‏

: من أنواع الغربان، يقال له الزرعي و غراب الزرع، و هو غراب أسود صغير، و قد يكون محمر المنقار و الرجلين، و يقال له غراب الزيتون، لأنه يأكله. و هو لطيف الشكل حسن المنظر لكن وقع في عجائب المخلوقات، أنه الأسود الكبير و أنه يعيش أكثر من ألف سنة، و هو و هم، و الصواب الأول.

عجيبة

: رأيت في المنتقى، من انتخاب الحافظ السّلفي‏ (1) ، و في آخر ورقة من عجائب الخلوقات، عن محمد بن اسماعيل السعدي، أنه قال: وجه إلى يحيى‏ (2) بن أكثم، فتوجهت إليه، فلما دخلت عليه، إذا عن يمينه قمطر فأجلسني، و أمر أن يفتح، فإذا شي‏ء خرج منه رأسه كرأس إنسان، و من أسفله إلى سرّته على هيئة زاغ، و في صدره و ظهره سلعتان، قال: ففزعت منه و يحيى يضحك، فقلت له: ما هذا أصلحك اللّه؟فقال لي: سل عنه منه!فقلت له: ما أنت؟ فنهض و أنشد بلسان فصيح:

أنا الزاغ أبو عجوه # أنا ابن الليث و اللبوة (3)

أحبّ الراح و الريحان # و القهوة و النشوه‏ (4)

فلا عدوى يدي تخشى # و لا يحذر لي سطوه

و لي أشياء تستظرف # يوم العرس و الدعوه

فمنها سلعة في الظهـ # ر لا تسترها الفروه

و أما السّلعة الأخرى # فلو كان لها عروه

لما شك جميع الناس # فيها أنها ركوه‏

ثم صاح و مدّ صوته زاغ زاغ، و انطرح في القمطر. فقلت: أعز اللّه القاضي و عاشق أيضا!فقال:

____________

(1) السّلفي: أحمد بن محمد بن سلفة الأصفهاني، أبو طاهر، حافظ محدّث توفي في الاسكندرية سنة 546 هـ.

(2) ابن أكثم: يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي الأسيدي المروزي، أبو محمد، قاض، فقيه، له كتب قيمة. توفي بالربذة من قرى المدينة المنورة سنة 242 هـ.

(3) الليث: من اسماء الأسد، و اللبوة انثاه.

(4) الراح: الخمرة.

4

هو ما ترى لا علم لي بأمره، إلا أنه حمل إلى أمير المؤمنين، مع كتاب مختوم فيه ذكر حاله، لم أقف عليه، انتهى. و هذا الخبر قد رواه لحافظ أبو طاهر السلفي على غير هذه الطريقة، و هو ما أخبر به موسى الرضي قال: قال أبو الحسن علي بن محمد: دخلت على أحمد بن أبي داود، و عن يمينه قمطر فقال لي: اكشف و انظر العجب، فكشفت فخرج علي رجل طوله شبر من وسطه إلى أعلاه رجل، و من وسطه إلى أسفله صورة زاغ ذنبا و رجلا، فقال لي: من أنت؟فانتسبت له ثم سألته عن اسمه فقال:

أنا الزاغ أبو عجوه # حليف الخمر و القهوه

و لي أشياء لا تنكر # يوم القصف في الدعوه

فمنها سلعة في الظهر # لا تسترها الفروه

و منها سلعة في الصدر # لو كان لها عروه

لما شك جميع الناس # حقا أنها ركوه‏

ثم قال أنشدني شيئا في الغزل فأنشدته:

و ليل في جوانبه فضول # من الإظلام أطلس غيهبان‏ (1)

كأن نجومه دمع حبيس # ترقرق بين أجفان الغواني‏ (2)

فصاح وا أبي و أمي!و رجع إلى القمطر و ستر نفسه، فقال ابن أبي دؤاد: و عاشق أيضا! قال ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم: إنه لما ولي البصرة، كان سنه نحو عشرين سنة، فاستصغره أهل البصرة، و قالوا له: كم سن القاضي؟فعلم أنهم استصغروه، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي عليه الصلاة قاضيا على مكة يوم الفتح، و من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي صلى اللّه عليه و سلم قاضيا على اليمن، و من كعب بن سور الذي وجه به عمر رضي اللّه تعالى عنه قاضيا على البصرة، فجعل جوابه احتجاجا. قيل: لما أراد المأمون أن يولي رجلا القضاء، وصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فرآه دميم الخلق فاستحقره، فعلم يحيى ذلك فقال: يا أمير المؤمنين سلني إن كان القصد علمي لا خلقي. فسأله فأجابه، فقلده القضاء. قال: و لم يعلم أحد غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم و أحمد بن أبي دؤاد (3) المعتزلي و كان حنيفا، و لم يكن على الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى في محنته أشد منه. و سيأتي ذكر طرف من محنته في باب الكاف، في لفظ الكلب إن شاء اللّه تعالى. قال: و كانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها، و كان ليحيى يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، و هو أن المأمون كان في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة و لم يستطع أحد أن يحتج عليه في تحريمها غير يحيى، فقرر عنده تحريم المتعة، فقال المأمون: أستغفر اللّه تعالى، نادوا بتحريم نكاح المتعة.

____________

(1) الأطلس: الممحو، أو الوسخ. الغيهبان: البطن.

(2) الغواني: الحسناوات.

(3) ابن أبي دؤاد: أبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد فرج بن جرير بن مالك، القاضي المعتزلي، له أخبار مع المعتصم الخليفة العباسي، مات سنة 240 هـ.

5

و روي أن رجلا قال ليحيى: أيها القاضي كم آكل؟فقال: فوق الجوع، و دون الشبع.

قال: فكم أضحك؟قال: حتى يسفر وجهك، و لا يعلو صوتك. قال: فكم أبكي؟قال: لا تمل من البكاء من خشية اللّه. قال: فكم أخفي عملي؟قال: ما استطعت. قال: فكم أظهر منه؟ قال: ما يقتدى بك البر، و يؤمن عليك قول الناس. فقال الرجل: سبحان اللّه قول و عمل ظاعن. قال: و لم يكن في يحيى ما يعاب به سوى ما كان يتهم به مما هو شائع عنه من محبة الصبيان، و حب العلو. و كان إذا رأى فقيها سأله عن الحديث، أو محدثا سأله عن النحو، أو نحويا سأله عن الكلام ليخجله و يقطعه، فدخل عليه يوما رجل من أهل خراسان، فناظره فرآه متفننا حافظا، فقال له: نظرت في الحديث؟قال: نعم. قال: ما تحفظ من الأصول؟قال: أحفظ عن شريك عن أبي اسحاق عن الحارث، أن عليا رضي اللّه تعالى عنه رجم لوطيا فأمسك و لم يكلمه. و توفي بالربذة و دفن هناك سنة اثنتين أو ثلاث و أربعين و مائتين.

و نقل أنه رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل اللّه بك؟قال: غفر لي، إلا أنه وبّخني و قال لي: يا يحيى خلطت على نفسك في دار الدنيا. فقلت: يا رب اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنك قلت إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة مسلما بالنار» . فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، و صدق نبيي إلا أنك خلطت على نفسك في دار الدنيا.

الذّمامة بالذال المعجمة رداءة الخلق بضم اللام و بالدال المهملة رداءة الخلق بإسكان اللام، و أكثم بالثاء المثلثة، و الرّبذة بفتح الراء و الباء الموحدة و الذال المعجمة، قرية من قرى المدينة، على طريق الحاج، و هي التي نفى عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري رضي اللّه تعالى عنهما إليها، فأقام بها حتى مات، و قبره ظاهر هناك يزار كما تقدم.

الحكم‏

: يحل أكل الزاغ، و هو الأصح عند الرافعي، و به قال الحكم و حماد و محمد بن الحسن، و روى البيهقي في شعبه قال: سألت الحكم عن أكل الغربان قال: أما السود الكبار فأكره أكلها، و أما الصغار التي يقال لها الزاغ فلا بأس بها. و الأمثال تأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الغين المعجمة، في لفظ الغراب.

الخواص‏

: لسان الزاغ يخفف و يأكله العطشان يذهب عطشه، و لو في وسط تموز، و كذلك قلبه إذا جفف و سحق و شربه إنسان لا يعطش في سفره، فإن هذا الطائر لا يشرب ماء في تموز، و مرارته تخلط بمرارة الديك و يكتحل بها تذهب ظلمة العين و تسود الشعر إذا طلي بها سوادا عجيبا و حوصلته تمنع نزول الماء عند مباديه.

التعبير

: الزاغ الذي في منقاره حمرة تدل رؤيته على رجل ذي سطوة و لهو و طرب. و قال ارطامدورس: الزاغ في المنام يدل على ناس يحبون المشاركة، و ربما دل على أناس فقراء، و قيل: إنه يدل على الولد من الزنا و الرجل الممزوج بالخير و الشر و اللّه أعلم.

الزاقي‏

: الديك و الجمع الزواقي، يقال: زقا يزقو إذا صاح، و كل صائح زاق. و في حديث‏

6

هشام بن عروة أنت أثقل من الزواقي يريد أنها إذا زقت سحرا تفرق السمار و الأحباب. و الزقو و الزقي مصدر و قد زقا الصدى يزقو و يزقى زقا أي صاح و كل زاق صائح، قاله الجوهري و قد تقدم في البومة قول توبة بن الحمير (1) صاحب ليلى‏ (2) الأخيلية:

و لو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت # علي و دوني جندل و صفائح‏ (3)

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا # إليها صدى من جانب القبر صائح‏

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الصاد المهملة، في لفظ الصدى.

الزامور

: قال التوحيدي: إنه حوت صغير الجسم ألوف لأصوات الناس، يستأنس باستماعها، و لذلك يصحب السفن متلذذا بأصوات أهلها، و إذا رأى الحوت الأعظم، يريد الاحتكاك بها و كسرها، وثب الزامور و دخل أذنه، و لا يزال يزمر فيه حتى يفر الحوت إلى الساحل يطلب جرفا أو صخرة. فإذا أصاب ذلك فلا يزال يضرب به رأسه حتى يموت. و ركاب السفن يحبونه و يطعمونه و يتفقدونه ليدوم ألفه لهم و صحبته لسفنهم ليسلموا من ضرر السمك العادي و إذا ألقوا شباك الصيد، فوقع الزامور أطلقوه لكرامته.

الزبابة

: بفتح الزاي و الباءين الموحدتين، بينهما ألف: الفأرة البرية تسرق ما تحتاج إليه و ما تستغني عنه. و قيل: هي فأرة عمياء صماء، و جمعها زباب و يشبه بها الرجل الجاهل قال الحارث بن كلدة (4) :

و لقد رأيت معاشرا # جمعوا مالا و ولدا

و هم زباب حائر # لا تسمع الآذان رعدا

أي لا يسمعون شيئا يعني موتى. وصف الزباب بالتحير، و التحير إنما يحصل للأعمى و أراد بذلك أن الأرزاق لم تقسم على قدر العقول، و الولد بضم الواو و للواحد و الجمع و قوله لا تسمع الآذان رعدا أي لا تسمع آذانهم، فاكتفى بالألف و اللام عن الإضافة كقوله تعالى: فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ (5) و بين أن آذانهم لشدة صممهم لا يسمعون بها الرعد. قال الإمام الثعالبي، في فقه اللغة، يقال: في آذانه وقر، فإن زاد فهو صمم، فإن زاد فهو طرش، فإن زاد حتى لا يسمع الرعد، فهو صلخ بالصاد المهملة و الخاء المعجمة في آخره. انتهى. و اختصت هذه الفأرة بالصمم، كما اختص الخلد بالعمى و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر حكمها، في باب الفاء، في لفظ الفأر.

____________

(1) توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة العقيلي العامري، أبو حرب، من العشّاق المشهورين، أحب ليلى الأخيلية و شبب بها. قتل سنة 85 هـ. و البيتان في الحيوان للجاحظ: 2/299.

(2) هي ليلى بنت عبد اللّه بن الرحّال بن شداد بن كعب، الأخيلية العامرية، شاعرة فصيحة أحبها توبة الحميّر، ماتت بعد 85 هـ.

(3) الجندل: الصخر.

(4) الحارث بن كلدة الثقفي، طبيب من أهل الطائف. اختلف في إسلامه. مات سنة 50 هـ.

(5) سورة النازعات: آية 41.

7

الأمثال‏

: قالوا (1) : «أسرق من زبابة» لأنها تسرق ما تحتاج إليه و ما تستغني عنه.

الزبزب‏

: دابة كالسنور، قاله في العباب. و في كامل ابن الأثير، في حوادث سنة أربع و ثلاثمائة، قال: و فيها خافت العامة ببغداد من حيوان كانوا يسمونه الزبزب، و يقولون إنهم يرونه في الليل على أسطحتهم و أنه يأكل أطفالهم و ربما عض يد الرجل أو يد المرأة فيقطعها، و كان الناس يتحارسون منه و يتراعون و يضربون بالطسوت و الصواني و غيرها ليفزعوه، و ارتجت بغداد لذلك.

ثم إن أصحاب السلطان صادوا حيوانا في الليل أبلق بسواد، قصير اليدين و الرجلين، فقالوا:

هذا هو الزبزب، و صلبوه على الجسر فسكن الناس انتهى.

الزّخارف‏

: جمع زخرف و هو ذباب صغار ذات قوائم أربع يطير على الماء قال أوس بن حجر (2) :

تذكر عينا من عمان و ماؤها # له حدب تستنّ فيه الزخارف‏

الزرزور

: بضم الزاي طائر من نوع العصفور سمي بذلك لزرزرته أي تصويته قال‏ (3)

الجاحظ: كل طائر قصير الجناح كالزرازير و العصافير، إذا قطعت رجلاه لم يقدر على الطيران، كما إذا قطعت رجل الإنسان، فإنه لا يقدر على العدو. و سيأتي حكمه إن شاء اللّه تعالى، في باب العين المهملة، في العصفور.

فائدة

: روى الطبراني و ابن أبي شيبة، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال‏ (4) : «أرواح المؤمنين في أجواف طيور خضر، كالزرازير يتعارفون و يرزقون من ثمر الجنة» ، و ما أحسن قول شيخنا الشيخ برهان الدين القيراطي‏ (5) رحمة اللّه تعالى عليه:

قد قلت لما مربي معرضا # و كفه يحمل زرزورا

يا ذا الذي عذّبني مطله # إن لم يزر حقا فزرزورا

و في مناقب الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، لعبد المحسن بن عثمان بن غانم، قال الشافعي: من عجائب الدنيا، طلسم على صفة الزرزور من نحاس في رومية، يصفر في يوم واحد من السنة فلا يبقى طائر من جنسه إلا أتى رومية و في منقاره زيتونة، فإذا اجتمع ذلك عصر، و كان منه زيتهم في ذلك العام. و سيأتي ذلك إن شاء اللّه تعالى في السودانية، في باب السين المهملة.

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/436.

(2) أوس بن حجر بن عتّاب، شاعر جاهلي فحل و كان عاقلا حكيما في شعره. و البيت في ديوانه: 69.

(3) الحيوان للجاحظ: 5/221.

(4) رواه مسلم في الإمارة 121، و أبو داود جهاد 25، و غيرهما، بلفظ: «أرواحهم في جوف طير خضر» .

(5) القيراطي: إبراهيم بن عبد اللّه بن محمد بن عسكر الطائي، برهام الدين، شاعر، أديب فقيه، من أهل القاهرة، جاور في مكة و مات فيها سنة 781 هـ.

8

و حكمه‏

: الحل لأنه من أنواع العصافير.

و من خواصه‏

: أن لحمه يزيد في الباه، و دمه إذا وضع على الدماميل نفعها و إذا ذر رماد الزرزور على الجرح فإنه يختم بإذن اللّه تعالى.

التعبير

: الزرزور دال على التردد في الأسفار، في البر و البحر، و ربما دل على رجل مسافر يسافر كثيرا كالمكاري الذي لا يلبث في مكان، و نحوه و طعامه حلال لأنه حرم على نفسه الطعام و الشراب لما أهبط اللّه آدم عليه السلام من الجنة، فلم يتناول شيئا من ذلك حتى تاب اللّه تعالى عليه. و ربما دل على التخليط في الأعمال الصالحة أو السيئة، أو على رجل ليس بغني و لا فقير، و لا شريف و لا وضيع، و ربما دل على المهانة و القناعة، بأدنى العيش و اللعب و ربما كان كاتبا و اللّه أعلم.

الزّرّق‏

: طائر يصاد به، بين البازي و الباشق، قاله ابن سيده. و قال الفراء: هو البازي الأبيض. و الجمع الزراريق و هو صنف من البازي لطيف، إلا أنه أحر و أيبس مزاجا، و لذلك هو أشد جناحا و أسرع طيرانا و أقوى إقداما، و فيه ختل و خبث، و خير ألوانه الأسود الظهر، الأبيض الصدر، الأحمر العين، قال الحسن بن هانئ في طريدته يصفه:

قد اغتدي بسفرة معلّقه # فيها الذي يريده من مرفقه

مبكرا بزرق أو زرقه # وصفته بصفة مصدقه

كأنّ عينه لحسن الحدقه # نرجسة نابتة في ورقه

ذو منسر مختضب بعلقه # كم وزة صدنا به و لقلقه

سلاحه في لحمها مفرقه‏

الحكم‏

: تحريم الأكل كما تقدم في البازي.

الزرافة

: كنيتها، و هي بفتح الزاء المخففة و ضمها، و هي حسنة الخلق، طويلة اليدين، قصيرة الرجلين، مجموع يديها و رجليها نحو عشرة أذرع، و رأسها كرأس الإبل، و قرنها كقرن البقرة، و جلدها كجلد النمر، و قوائمها و أظلافها كالبقر، و ذنبها كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، و إنما ركبتاها في يديها، و هي إذا مشت، قدمت الرجل اليسرى و اليد اليمنى، بخلاف ذوات الأربع كلها فإنها تقدم اليد اليمنى و الرجل اليسرى، و من طبعها التودد و التأنس، و تجتر و تبعر و لما علم اللّه تعالى أن قوتها من الشجر، جعل يديها أطول من رجليها لتستعين بذلك على الرعي منها بسهولة. قاله القزويني في عجائب المخلوقات. و في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة محمد بن عبد اللّه العتبي‏ (1) البصري الأخباري الشاعر المشهور أنه كان بقول: الزرافة بفتح الزاي و ضمها الحيوان المعروف و هي متولدة بين ثلاث حيوانات، بين الناقة الوحشية و البقرة الوحشية و الضبعان و هو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فتأتي بولد بين الناقة

____________

(1) العتبي: أبو عبد الرحمن، محمد بن عبيد اللّه بن عمرو، الأموي، شاعر بصري و أخباري توفي سنة 228 هـ.

وفيات الأعيان: 4/398.

9

و الضبع، فإن كان الولد ذكرا، وقع على البقرة فتأتي بالزرافة، و ذلك في بلاد الحبشة، و لذلك قيل لها الزرافة، و هي في الأصل الجماعة، فلما تولدت من جماعة، قيل لها ذلك، و العجم تسميها «اشتركا» و «يلنك» لأن اشتر الجمل و كاو البقرة و يلنك الضبع.

و قال قوم: إنها متولدة من حيوانات مختلفة، و سبب ذلك اجتماع الدواب و الوحوش في القيظ، عند المياه، فتتسافد فيلقح منها ما يلقح، و يمتنع منها ما يمتنع، و ربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة، فتختلط مياهها فيأتي منها خلق مختلف الصور و الألوان و الأشكال. و الجاحظ لا يرضى هذا القول، و يقول: إنه جهل شديد، لا يصدر إلا ممن لا تحصيل لديه، لأن اللّه تعالى يخلق ما يشاء، و هو نوع من الحيوان قائم بنفسه، كقيام الخيل و الحمير، و مما يحقق ذلك أنه يلد مثله و قد شوهد ذلك و تحقق.

و في حكمها وجهان‏

: أحدهما التحريم، و به جزم صاحب التنبيه و في شرح المهذب للنووي أنها محرمة بلا خلاف، و أن بعضهم عدها من المتولد بين المأكول و غيره و قال بتحريمها القاضي أبو الخطاب من الحنابلة، و الثاني الحل، و به أفتى الشيخ تقي الدين بن أبي الدم‏ (1) الحموي، و نقله عن فتاوي القاضي حسين و ذكر أبو الخطاب ما يوافق الحل فإنه حكى في فروعه قولين في أن الكركي و البط و الزرافة، هل تفدى بشاة أو تفدى بالقيمة؟و الفداء لا يكون إلا للمأكول. قال ابن الرفعة: و هو المعتبر، كما أفتى به البغوي قال: و منهم من أول لفظها و قال: ليست الزرافة بالفاء بل بالقاف. قال الشيخ تقي الدين السبكي: هذا التعليل ليس بشي‏ء لأنه لا يعرف. و اختار في الحلبيات حلها كما أفتى به ابن أبي الدم، و نقله عن القاضي حسين و تتمة التتمة قال: و ما ادعاه النووي ممنوع و ما ادعاه أبو الخطاب الحنبلي يجوز حمله على جنس يتقوى بنابه، و أما هذا الذي شاهدناه فلا وجه للتحريم فيه. و ما برحت أسمع هذا بمصر و قال ابن أبي الدم، في شرح التنبيه:

و ما ذكره الشيخ في التنبيه غير مذكور في كتب المذهب.

و قد ذكر القاضي حسين أنها تحل ثم قال: قلت هذا مع أنها أقرب شبها بما يحل، و هو الإبل و البقر، و ذلك يدل على حلها و يمكن أن يقال: إنما ذكر الشيخ ذلك اعتمادا على ما ذكر أهل اللغة أنها من السباع، و تسميتهم لها بذلك تقتضي عدم الحل، و إذا كان كذلك فقد ذكر صاحب كتاب العين أن الزّرافة بفتح الزاي و ضمها من السباع و يقال لها بالفارسية «اشتركا» و «يلنك» . و قد ذكر في موضع آخر أن الزرافة متولدة بين الناقة الوحشية و الضبع، فيجي‏ء الولد في خلقة الناقة و الضبع، فإن كان الولد ذكرا عرض للأنثى من بقر الوحش فيلحقها، فتأتي بالزرافة. و سميت بذلك لأنها جمل و ناقة، و لما كان كذلك و سمع الشيخ أنها من السباع اعتقد أنها من السباع حقيقة و لم يكن رآها فاستدل بذلك على تحريم أكلها انتهى. و قد تقدم أن الجاحظ لم يرتض هذا القول، و قال‏ (2) إن هذا القول جهل بين، و إن الزرافة نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل و الحمير.

____________

(1) ابن أبي الدم: إبراهيم بن عبد اللّه بن عبد المنعم الهمداني الحموي، أبو إسحاق، من علماء الشافعية تفقه ببغداد، و سمع بالقاهرة، و كان مولده في حماة و فيها مات سنة 642 هـ.

(2) الحيوان للجاحظ: 7/241.

10

قلت: و هذا الذي قاله الجاحظ معارض لما نقله ابن أبي الدم عن صاحب كتاب العين، من كونها متولدة بين مأكولين، و ما تمسك به ابن أبي الدم من الشبه بالإبل و البقر شبه بعيد، لما يشاهد من طول يديها و قصر رجليها، و لو كان الشبه البعيد كافيا لحل أكل الصرّارة لشبهها بالجرادة و لجاز أكله، لأن خفه يشبه خف الجمل. و قد ذكر في شرح المهذب، أن بعضهم عد الزرافة من المتولد بين مأكول و غير مأكول، و استدل به على تحريمها و كلام الجاحظ ينفي هذا، و يقتضي الحل و هو المختار في الفتاوى الحلبيات كما سبق، و هو مذهب الإمام أحمد و مقتضى مذهب مالك، و قواعد الحنفية تقتضيه و إذا تعارضت الأقوال، و تساقط اعتبار مدلولها، رجعنا إلى الإباحة الأصلية، و التحقت هذه بما لا نص فيه بالتحريم و التحليل. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، ذكر ما لا نص فيه بالتحريم و التحليل في باب الواو في الورل.

و من خواصها

: أن لحمها غليظ سوداوي ردي‏ء الكيموس.

التعبير

: الزرافة في المنام تدل على الآفة في المال، و ربما دلت على المرأة الجليلة أو الجميلة أو الوقوف على الأخبار الغريبة من الجهة المقبلة منها، و لا خير فيها إن دخلت البلد من غير فائدة، فإنها تدل على الآفة في المال، و ما تأنس من ذلك كان صديقا أو زوجا أو ولدا لا تؤمن غائلته.

و ربما تعبر بالمرأة التي لا تثبت مع الزوج، لأنها خالفت المركوبات في ظهورها، و اللّه أعلم.

الزّرياب‏

: قال في كتاب منطق الطير: إنه أبو زريق. قال: و حكي أن رجلا خرج من بغداد، و معه أربعمائة درهم لا يملك غيرها، فوجد في طريقه أفراخ زرياب فاشتراها بالمبلغ الذي كان معه، ثم رجع إلى بغداد، فلما أصبح فتح دكانه و علق الأفراخ عليها، فهبت ريح باردة فماتت كلها إلا فرخا واحدا، و كان أضعفها و أصغرها، فأيقن الرجل بالفقر و لم يزل يبتهل إلى اللّه تعالى بالدعاء ليله كله و يقول: يا غياث المستغيثين أغثني!فلما أصبح زال البرد، و جعل ذلك الفرخ ينفش ريشه و يصيح بصوت فصيح، يا غياث المستغيثين أغثني فاجتمع الناس عليه يستمعون صوته فاجتازت به أمة لأمير المؤمنين فاشترته بألف درهم انتهى.

فانظر كيف فعل الصدق مع اللّه تعالى، و الإقبال بكنه الهمة في التضرع بين يديه و حضور القلب و عدم الالتفات إلى غيره من الغنى من الجهة الميؤوس منها!فما ظنك بمن ترك الأسباب و الوسائط، و أقبل على اللّه تعالى إقبالا لا يشغله عنه شاغل، و لا يحجبه حاجب، لأن حجابه نفسه و قد فني عنها فهناك لذ الخطاب و طاب الشراب، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، و هو العزيز الوهاب.

الزّغبة

: دويبة تشبه الفأرة، قاله ابن سيده قال: و قد سمت العرب زغبة، و أشار بذلك إلى عيسى بن حماد (1) البصري زغبة روى عن رشد بن سعد و عبد اللّه بن وهب و الليث بن سعد و روى عنه مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و مات سنة ثمان و أربعين و مائتين.

الزّغلول‏

: بضم الزاي فرخ الحمام ما دام يزق يقال: أزغل الطائر فرخه إذا زقه و الزغلول

____________

(1) زغبة: عيسى بن حمّاد بن مسلم بن عبد اللّه التجيبي بالولاء المصري، محدث ثقة، مات سنة 248 هـ.

11

أيضا اللاهج بالرضاع من الغنم و الإبل و الزغلول أيضا الخفيف من الرجال.

الزّغيم:

طائر و قيل بالراء غير المعجمة، قاله ابن سيده.

الزقة:

طائر من طير الماء يمكث حتى يكاد يقبض عليه ثم يغوص في الماء فيخرج بعيدا قاله ابن سيده.

الزّلال:

بضم الزاي دود يتربّى في الثلج، و هو منقط بصفرة يقرب من الأصبع، يأخذه الناس من أماكنه ليشربوا ما في جوفه لشدة برده، و لذلك يشبه الناس الماء البارد بالزلال، لكن في الصحاح ماء زلال أي عذب. و قال أبو الفرج العجلي، في شرح الوجيز: الماء الذي في دود الثلج طهور، و الذي قاله يوافق قول القاضي حسين فيما تقدم في الدود. و المشهور على الألسنة أن الزلال هو الماء البارد قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه و سلم «انه يبعث أمة وحده» :

و أسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا

و ما أحسن قول أبي فراس بن حمدان و اسمه الحارث‏ (1) :

قد كنت عدتي التي أسطو بها # و يدي إذا خان الزمان و ساعدي

فرميت منك بضد ما أمّلته # و المرء يشرق بالزلال البارد

و قال الآخر:

و من يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا (2)

و ما أحسن قول‏ (3) وجيه الدولة أبي المطاع بن حمدان و يلقب بذي القرنين و كان شاعرا مجيدا و وفاته في سنة ثمان و عشرين و أربعمائة:

قالت لطيف خيال زارني و مضى # باللّه صفه و لا تنقص و لا تزد (4)

فقال: أبصرته لو ما من ظمأ # و قلت: قف عن ورود الماء لم يرد

قالت: صدقت الوفا في الحب عادته # يا برد ذاك الذي قالت على كبدي‏

و من محاسن‏ (5) شعره:

ترى الثياب من الكتّان يلمحها # نور من البدر أحيانا فيبليها

فكيف تنكر أن تبلى معاصرها # و البدر في كلّ وقت طالع فيها (6)

____________

(1) ابن حمدان: أبو فراس، الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، ابن عم سيف الدولة أمير حلب كان قائدا شجاعا و شاعرا مجيدا، قتل سنة 357 هـ. و البيت مع ترجمته في وفيات الأعيان 2/59.

(2) البيت في ديوان المتنبي 3/228.

(3) الأبيات في وفيات الأعيان 2/279.

(4) الطّيف: الخيال.

(5) وفيات الأعيان: 2/280.

(6) في الوفيات: «تبلى معاجرها» .

12

و قال آخر:

لا تعجبوا من بلا غلائله # قد زر أزراره على القمر (1)

و هذا و ما قبله يستشهد بهما على أن نور القمر يبلى ثياب الكتان كما قاله حذاق الحكماء، لا سيما إذا طرحت الثياب في الماء عند اجتماع النيرين الشمس و القمر، فإنها تبلى سريعا في غير وقتها و اجتماعهما من الخامس و العشرين إلى الثلاثين. و من هنا يقال: ثوب حام إذا تفصد سريعا و سببه ما ذكرناه، و قد أشار إلى ذلك الرئيس ابن سينا (2) في أرجوزته بقوله:

لا تغسلن ثيابك الكتانا # و لا تصد فيها كذا الحيتانا

عند اجتماع النيرين تبلى # و ذا صحيح فاتخذه أصلا

فينبغي الاحتراس على ثياب الكتان من نور القمر و من غسلها عند اجتماع النيرين كما ذكرناه.

الحكم:

قال أبو الفرج العجلي، في شرح الوجيز: الماء الذي في دود الثلج طهور، و الذي قاله يوافق قول القاضي حسين فيما تقدم في الدود و المشهور على الألسنة أن الزلال الماء البارد كما تقدم عن الجوهري و غيره.

الزّماح:

كرمان طائر كان يقف بالمدينة في الجاهلية على أطم و يقول شيئا لا يفهم و قيل:

كان يسقط في مربد، لبعض أهل المدينة، فيأكل ثمره فيرمونه فيقتلونه، و لم يأكل أحد من لحمه إلا مات. قال الشاعر:

أعلى العهد أصبحت أم عمرو # ليت شعري أم غالها الزماح‏

قاله ابن سيده و غيره.

الزّمّج:

مثال الخرد طائر معروف يصيد به الملوك الطير و أهل البزدرة يعدونه من خفاف الجوارح، و ذلك معروف في عينه و حركته و شدة وثبه، و يصفونه بالغدر و قلة الوفاء و الألفة لكثافة طبعه، و هو يقبل التعليم لكن بعد بطء. و من عادته أنه يصيد على وجه الأرض، و المحمود من خلقه أن يكون لونه أحمر و هو أحد نوعي العقاب. و سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى. قال الجواليقي: الزمج جنس من الطير يصاد به و قال أبو حاتم: إنه ذكر العقاب و الجمع الزمامج.

و قال الليث: الزمج طائر دون العقاب حمرته غالبة تسميه العجم دو برادران و ترجمته أنه إذا عجز عن صيده أعانه أخوه على أخذه.

و حكمه‏

: تحريم الأكل كسائر الجوارح.

الخواص‏

: إدمان أكل لحم الزمج ينفع من خفقان القلب، و مرارته إذا جعلت في الأكحال

____________

(1) الغلائل: الدروع، أو هي ثياب رقيقة تلبس تحت الدروع.

(2) ابن سينا: الحسين بن عبد اللّه بن سينا، أبو علي، الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب، و المنطق و الطبيعيات و الإلهيات، تقلّد الوزارة في همذان و مات فيها سنة 428 هـ.

13

نفعت من الغشاوة، و ظلمة البصر نفعا بليغا، و زبله يزيل الكلف و النمش طلاء.

زمج الماء:

و هو الطائر الذي يسمى بمصر النّورس و هو أبيض في حد الحمام أو أكبر، يعلو في الجو ثم يزج نفسه في الماء و يختلس منه السمك و لا يقع على الجيف و لا يأكل غير السمك.

و حكمه‏

: حل الأكل، لكن حكى الروياني عن الصيمري أن طير الماء الأبيض حرام، لخبث لحمه. قال الرافعي: و الأصح أن جميع طير الماء حلال إلا اللقلق و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في باب اللام.

الزنبور:

الدبر و هي تؤنث و الزنابير لغة فيها و ربما سميت النحلة زنبورا، و الجمع الزنابير.

قال ابن خالويه، في كتاب ليس: ليس أحد سمعته يذكر كنية الزنبور إلا أبا عمر و الزاهد فإنه قال: كنيته أبو علي و هو صنفان جبلي و سهلي: فالجبلي يأوي الجبال و يعشش في الشجر و لونه إلى السواد و بدء خلقه دود، ثم يصير كذلك، و يتخذ بيوتا من تراب كبيوت النحل، و يجعل لبيته أربعة أبواب لمهاب الرياح الأربع، و له حمة يلسع بها، و غذاؤه من الثمار و الأزهار. و يتميز ذكورها من إناثها بكبر الجثة. و السهلي لونه أحمر و يتخذ عشه تحت الأرض، و يخرج منه التراب كما يفعل النمل و يختفي في الشتاء لأنه متى ظهر فيه هلك، فهو ينام من البرد طول الشتاء كالميتة و لا يدخر القوت للشتاء بخلاف النمل، فإذا جاء الربيع و قد صارت الزنابير من البرد و عدم القوت كالخشب اليابس، نفخ اللّه تعالى في تلك الجثث الحياة فتعيش مثل العام الأول، و ذلك دأبها.

و من هذا النوع صنف مختلف اللون مستطيل الجسد، في طبعه الحرص و الشره، يطلب المطابخ و يأكل ما فيها من اللحوم، و يطير منفردا و يسكن بطن الأرض و الجدران، و هذا الحيوان بأسره مقسوم من وسطه و لذلك لا يتنفس من جوفه البتة و متى غمس في الدهن سكنت حركته، و إنما ذلك لضيق منافذه، فإذا طرح في الخل عاش و طار. قال الزمخشري في تفسير سورة الأعراف: قد يجعل المتوقع الذي لا بد منه بمنزلة الواقع. و منه ما روي أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري دخل على أبيه و هو يبكي، و هو إذ ذاك طفل، فقال له: ما يبكيك؟فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة فقال حسان: يا بني قلت الشعر و رب الكعبة!أي ستقوله. فجعل المتوقع كالواقع. و ما أحسن قول الأول‏ (1) :

و للزنبور و البازي جميعا # لدى الطيران أجنحة و خفق

و لكن بين ما يصطاد باز # و ما يصطاده الزنبور فرق‏

و قد أجاد الشيخ زهير الدين بن عسكر (2) قاضي السلامية بقوله:

في زخرف القول تزيين لباطله # و الحقّ قد يعتريه سوء تغيير (3)

____________

(1) هو الحسين بن عبد اللّه بن رواحة، و البيتان في معجم الأدباء 3/151.

(2) ابن عسكر: أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر الملقب ظهير الدين قاضي السلامية فقيه شافعي موصلي فاضل مات سنة 610 هـ.

(3) الأبيات الثلاثة في وفيات الأعيان: 1/33 دون عزو. و في الأول: «سوء تعبير» .

14

تقول هذا مجاج النحل تمدحه # و إن ذممت فقل قي‏ء الزنابير

مدحا و ذما و ما غيرت من صفة # سحر البيان يرى الظلماء كالنور (1)

و قال شرف الدولة (2) بن منقذ ملغزا في الزنبور و النحل:

و مغردين ترنما في مجلس # فنفاهما لأذاهما الأقوام

هذا يجود بما يجود بعكسه # هذا فيحمد ذا و ذاك يلام‏

روى ابن أبي الدنيا، عن أبي المختار التيمي، قال: حدثني رجل قال: خرجنا في سفر و معنا رجل يشتم أبا بكر و عمر رضي اللّه عنهما فنهيناه فلم ينته، فخرج يوما لبعض حاجاته فاجتمع عليه الزنابير فاستغاث فأغثناه فحملت علينا فتركناه فما أقلعت عنه حتى قطعته قطعا. و كذلك رواه ابن سبع في شفاء الصدور، و زاد: فحفرنا له قبرا فتصلبت الأرض فلم نقدر على حفرها فألقيناه على وجه الأرض، و ألقينا عليه من ورق الشجرة و الحجارة، و جلس رجل من أصحابنا يبول فوقع على ذكره زنبور من تلك الزنابير فلم يضره. فعلمنا أن تلك الزنابير كانت مأمورة. قال يحيى بن معين: كان يعلى بن منصور الرازي من كبار علماء بغداد، روى عن مالك و الليث و غيرهما قال:

فبينما هو يصلي يوما إذ وقع عليه كور الزنابير، فما التفت و لا تحرك حتى أتم صلاته، فنظروا فإذا رأسه قد صارت هكذا من شدة الانتفاخ.

الحكم‏

: يحرم أكله لاستخباثه، و يستحب قتله لما روى ابن عدي في ترجمة مسلمة بن علي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (3) : «من قتل زنبورا اكتسب ثلاث حسنات» .

لكن يكره احراق بيوتها بالنار قاله الخطابي في معالم السنن. و سئل الامام أحمد عن تدخين بيوت الزنابير فقال: إذا خشي أذاها فلا بأس به و هو أحب إلي من تحريقها. و لا يصح بيعها لأنها من الحشرات.

الخواص‏

: إذا طرح الزنبور في الزيت مات، فإن طرح في الخل عاش كما تقدم. و فراخ الزنابير تؤخذ من أوكارها و تغلى في الزيت، و يطرح عليها سذاب و كراويا، و تؤكل تزيد في الباه و شهوة الجماع. و قال عبد الملك بن زهر: عصارة الملوخيا إذا طليت على لسعة الزنبور أبرأتها.

التعبير

: الزنبور في المنام عدو محارب، و ربما دل على البناء و النقاب و المهندس و على قاطع الطريق و ذي الكسب الحرام و على المطرب الخارج الضرب، و ربما دلت رؤيته على أكل السموم أو شربها. و قيل: تدل رؤيته على رجل مخاصم مهيب ثابت في القتال، سفيه خبيث المأكل. و الزنابير إذا دخلت مكانا فإنها جنود لهم هيبة و سرعة و شجاعة، يحاربون الناس جهارا. و قيل: الزنبور رجل مجادل بالباطل و هو من الممسوخ و قالت اليهود: الزنبور و الغراب يدل على المقامرين و سفاكي

____________

(1) في الوفيات: مدحا و ذما و ما جاوزت وصفهما حسن البيان يري الظلماء كالنور.

(2) شرف الدولة: مسلم بن قريش بن بدران العقيلي أبو المكارم، صاحب الموصل. توفي سنة 478 هـ.

و البيتان في فوات الوفيات: 2/178.

(3) الكامل لابن عدي: 6/2318.

15

الدماء، و قيل الزنابير في المنام قوم لا رحمة لهم و اللّه أعلم.

الزندبيل‏

: الفيل الكبير أنشد يحيى بن معين:

و جاءت قريش البطاح # إلينا هم الدول الجالية

يقودهم الفيل و الزندبيل # و ذو الضّرس و الشّفة العاليه‏

الزندبيل كبير الفيلة و قال يحيى: أراد بالفيل و الزندبيل عبد الملك و أبان ابني بشر بن مروان قتلا مع ابن هبيرة الأصغر و أراد بذي الضرس و الشفة العالية خالد بن مسلمة المخزومي المعروف بالفأفاء الكوفي، روى له مسلم و الأربعة و روى عن الشعبي و طبقته، و روى عنه شعبة بن الحجاج و السفيانان و كان مرجئا يبغض عليا رضي اللّه تعالى عنه، أخذ مع ابن هبيرة فقطع أبو جعفر المنصور لسانه ثم قتله.

الزّهدم:

زاي مفتوحة ثم هاء ساكنة ثم دال مهمة مفتوحة الصقر و يقال فرخ البازي و به سمي زهدم بن مضرب الجرمي، روى له البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي. و الزهدمان أخوان من بني عبس زهدم و كردم و فيهما يقول قيس بن زهير (1) :

جزاني الزهدمان جزاء سوء # و كنت المرء يجزى بالكرامة

أبو زريق:

القيق الآتي ذكره في باب القاف إن شاء اللّه تعالى. و الزرياب المتقدم قبل بورقة، و هو ألوف للناس يقبل التعليم سريع الإدراك لما يعلم، و ربما زاد على الببغاء و ذلك أنه أنجب و إذا تعلم جاء بالحروف مبينة حتى لا يشك سامعه أنه إنسان و قد تقدم ذكره في الزرياب.

و حكمه‏

: حل الأكل لعدم استخباثه لكن قيل إنه متولد من الشقراق و الغراب، فعلى هذا يتخرج فيه وجه بالتحريم و لم يذكروه.

أبو زيدان:

ضرب من الطير.

أبو زياد

: الحمار. قال الشاعر:

زياد لست أدري من أبوه # و لكن الحمار أبو زياد

و أبو زياد أيضا الذكر قال الشاعر:

تحاول أن تقيم أبا زياد # و دون قيامه شيب الغراب‏

و هو الزهد باج أيضا قاله في المرصع.

باب السين المهملة

سابوط:

دابة من دواب البحر قاله ابن سيده و غيره.

____________

(1) قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة، أمير عبس، من الدهاة العقلاء شاعر مجيد مات سنة 10 هـ.

16

ساق حر:

هو بالسين المهملة و بالقاف بينهما ألف و حر بالحاء و الراء المهملتين الورشان و هو ذكر القمارى لا يختلفون في ذلك قال الكميت‏ (1) :

تغريد ساق على ساق يجاوبها # من الهواتف ذات الطوق و العطل‏

عنى بالأول الورشان، و بالثاني ساق الشجرة و قال حميد بن ثور الهلالي‏ (2) :

و ما هاج هذا الشوق إلا حمامة # دعت ساق حر نزهة و ترنما (3)

مطوقة غراء تسجع كلما # دنا الصيف و انحال الربيع فأنجما

محلاة طوق لم تكن من تميمة # و لا ضرب صواغ بكفيه درهما

تغنت على غصن عشاء فلم تدع # لنائحة من نوحها متألما (4)

إذا حركته الريح أو مال ميلة # تغنت عليه مائلا و مقوما

عجبت لها أنى يكون غناؤها # فصيحا و لم تثغر بمنطقها فما (5)

فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها # و لا عربيا هاجه صوت أعجما

قال ابن سيده: إنما سمي ذكر القمارى ساق حر لحكاية صوته، فإنه يقول: ساق حر ساق حر، و لذلك لم يعرب و لو أعرب لصرف، فيقال ساق حران كان مضافا و ساق حران كان مركبا فتصرفه لأنه نكرة، فترك إعرابه دليل على أنه حكى الصوت بعينه و هو صياحه، و قد يضاف أوله إلى آخره، و ذلك كقولهم خاز باز لأنه في اللفظ أشبه بباب دار انتهى. و النزهة الشوق، و الترنم الغناء و هما مصدران واقعان موقع الحال من الضمير الفاعل في دعت ساق حر الواقع في موضع الصفة لحمامة و سيأتي في باب القاف إن شاء اللّه تعالى في القمري.

السالخ:

الأسود من الحيات و قد تقدم ذكره في الأفعى في باب الهمزة.

سامّ أبرص:

بتشديد الميم قال أهل اللغة: و هو من كبار الوزغ و هو معرفة إلا أنه تعريف جنس و هما اسمان جعلا واحدا، و يجوز فيه وجهان أحدهما أن تبنيهما على الفتح كخمسة عشر، و الثاني أن تعرب الأول و تضيفه إلى الثاني مفتوحا، لكونه لا ينصرف و لا ينثني و لا يجمع على هذا اللفظ، بل تقول في التثنية: هذان ساما أبرص و في الجمع هؤلاء سوام أبرص، و إن شئت قلت:

هؤلاء السوام و لا تذكر أبرص. و إن شئت قلت: هؤلاء البرصة و الأبارص، و لا تذكر سام قال الشاعر:

و اللّه لو كنت لهذا خالصا # ما كنت عبدا آكل الأبارصا (6)

____________

(1) الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي أبو المستهل شاهر الهاشميين في العصر الأموي. مات سنة 126 هـ.

(2) حميد بن ثور بن حزن الهلالي العامري أبو المثنى شاعر مخضرم. مات سنة 30 هـ.

(3) في معجم الأدباء: 3/266 و فيه: «ساق حر و مغرما مترنما» .

(4) في العقد الفريد: 5/415.

(5) في الحيوان للجاحظ: 3/197. لم تثغر: لم تتكلم.

(6) الحيوان للجاحظ (و عزاه لأبي زيد) : 4/300.

17

و لك على الثاني أن تقول: أبرصان و أبارص كما صنع الشاعر، فإنه جمع على الثاني و إنما سمي هذا النوع بسام أبرص لأنه سم أي جعل اللّه فيه السم، و جعله أبرص. و سيأتي في باب الواو إن شاء اللّه تعالى، في ذكر الوزغ. و من شأن هذا الحيوان، أنه إذا تمكن من الملح، تمرغ فيه فيصير مادة لتولد البرص.

و حكمه‏

: تحريم الأكل لاستقذاره و للأمر بقتله، و عدم جواز بيعه كسائر الحيوانات التي لا منفعة لها و اللّه أعلم.

الخواص‏

: دمه إذا طلي به داء الثعلب أنبت الشعر، و كبده يسكن وجع الضرس، و لحمه يوضع على لسعة العقرب ينفعها، و جلده يوضع موضع الفتق يذهبه، و هو لا يدخل بيتا فيه رائحة الزعفران.

التعبير

: سام أبرص و العظاية في التأويل: فاسقان يمشيان بالنميمة. و قال ارطاميدورس:

سام أبرص يدل على فقر و هم و اللّه أعلم.

السانح:

و ما والاك ميامنه من ظبي أو طائر أو غيرهما تقول سنح الظبي لي سنوحا إذا مر من مياسرك إلى ميامنك. و العرب تتيمن بالسانح و تتشاءم بالبارح. و في المثل: «من لي بالسانح بعد البارح» (1) قال أبو عبيدة: سأل يونس رؤية عن السانح و البارح، فقال: السانح ما والاك ميامنة، و البارح ما والاك مياسرة، و كان ذلك يصد الناس عن مقاصدهم فنفاه النبي صلى اللّه عليه و سلم بالنهي عن الطيرة و أخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع و لا دفع ضر قال لبيد (2) :

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصا # و لا زاجرات الطير ما اللّه صانع‏

و الطيرة سيأتي الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى، في الطير و اللقحة، في بابي الطاء المهملة و اللام.

السّبد:

بضم السين و فتح الباء طائر لين الريش، إذا قطرت عليه قطرة من ماء جرت عليه من لينه و جمعه سبدان قال الراجز:

أ كل يوم عرشها مقيلي # حتى ترى المئزر ذا الفضول

مثل جناح السبد الغسيل‏

و العرب تشبه الفرس به إذا عرق قال طفيل العامري‏ (3) :

كأنه سبد بالماء مغسول‏

و لم أر لأصحابنا في حكمه كلاما.

السّبع:

بضم الباء و إسكانها الحيوان المفترس و الجمع أسبع و سباع و أرض مسبعة أي كثيرة السباع قرأ الحسن و ابن حيوة و ما أكل السبع بإسكان الباء، و هي لغة لأهل نجد قال حسان بن

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/210.

(2) لبيد بن ربيعة العامري، أبو عقيل، شاعر مخضرم مات سنة 41 هـ. و البيت في ديوانه 90.

(3) طفيل العامري هو ابن عامر بن واثلة الكناني، من الشجعان، قتل في ثورة ابن الأشعث سنة 82 هـ.

18

ثابت رضي اللّه تعالى عنه في عتيبة بن أبي لهب:

من يرجع العام إلى أهله # فما أكيل السبع بالراجع‏

و قرأ ابن مسعود: و أكيلة السبع، و قرأ ابن عباس رضي تعالى عنهما: و أكيل السبع. قيل: سمي سبعا لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، و لا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد، و لا ينزو الذكر على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره. قال أبو عبد اللّه ياقوت الحموي، في كتاب المشترك، وضعا في باب الغين المعجمة و الباء الموحدة: الغابة موضع، بينه و بين المدينة أربعة أميال من ناحية الشام، له ذكر في غزوات النبي صلى اللّه عليه و سلم «وفدت إليه، فيه السباع تسأله أن يفرض لها ما تأكله» . و في طبقات ابن سعد عن عبد اللّه بن حنطب قال: بينما النبي صلى اللّه عليه و سلم جالس بالمدينة، إذ أقبل ذئب، فوقف بين يديه و عوى، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، و إن أحببتم تركتموه و تحرزتم منه، فما أخذ فهو رزقه» . فقالوا: يا رسول اللّه ما تطيب أنفسنا بشي‏ء، فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أي خالسهم فولى. و قد تقدم في باب الذال المعجمة في لفظ الذئب طرف من ذلك.

و وادي السباع بطريق الرقة مر به وائل بن قاسط على أسماء بنت رويم، فهم بها حين رآها منفردة في الخباء فقالت: و اللّه لئن هممت بي لأدعون أسبعي!فقال: ما أرى في الوادي سواك! فصاحت ببنيها يا كلب يا ذئب يا فهد يا دب يا سرحان يا أسد يا سبع يا ضبع يا نمر فجاءوا يتعادون بالسيوف، فقال: ما هذا إلا وادي السباع!و في الصحيحين‏ (1) «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن يفترش المصلي ذراعيه افتراش السبع» . و روى الترمذي و الحاكم، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «و الذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، و حتى يكلم الرجل عذبة سوطه و شراك نعله، يحدثه بما أحدث أهله من بعده» (2) . ثم قال:

حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفاضل، و هو ثقة عند أهل الحديث وثقه يحيى بن سعيد القطان و عبد الرحمن بن مهدي.

فائدة

: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أ نتوضأ بما أفضلت الحمر قال: «و بما أفضلت السباع» (3) خرجه الدارقطني قال السهيلي: يريد «نعم و بما أفضلت السباع» قال: و مثله قوله تعالى: «سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ» (4) قالوا: إنها واو الثمانية و ليس كذلك بل تدل على تصديق القائلين بأنهم سبعة لأنها عاطفة على كلام مضمر مصدق تقديره نعم. و ثامنهم كلبهم كما إذا قال قائل: زيد شاعر. فقلت له: و فقيه أيضا أي نعم و فقيه أيضا. و في التنزيل‏ «وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ» (5) الآية قال الزمخشري: هذه الواو آذنت بأن الذين قالوا «سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ» (6) قالوا ذلك عن ثبات علم و طمأنينة نفس، و لم يرجموا بالظن كغيرهم انتهى. و حكى القشيري، في أوائل الرسالة، عن بنان الجمال، و كان عظيم الشأن صاحب كرامات، أنه ألقي بين يدي سبع فجعل السبع يشمه و لا

____________

(1) رواه مسلم: صلاة 240 و ابن حنبل 6/31.

(2) رواه الترمذي: فتن 16 و ابن حنبل 3/84.

(3) رواه النسائي: طهارة 43. و الترمذي: طهارة 50.

(4) سورة الكهف: آية 22.

(5) سورة البقرة: آية 126.

(6) سورة الكهف: آية 22.

19

يضره، فلما خرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع؟قال: كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السبع.

قيل: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي اللّه تعالى عنهما فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟فقال: لا تخف، ثم أخذ شيبان أذنه فعركها فبصبص و حرك ذنبه، فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟فقال: لو لا مخافة الشهرة لوضعت زادي على ظهره، حتى آتي مكة. و ذكر الحافظ أبو نعيم في الحلية قال: كان شيبان الراعي إذا أجنب، و ليس عنده ماء دعا ربه فتجي‏ء سحابة فتظله، فيغتسل منها ثم تذهب، و كان إذا ذهب للجمعة، خط حول غنمه خطا فإذا جاء وجدها على حالها لم تتحرك، و ذكر أبو الفرج بن الجوزي و غيره أن الإمام أحمد و الشافعي مرا يوما بشيبان الراعي فقال الإمام أحمد: لأسألن هذا الراعي و أنظر جوابه، فقال له الشافعي:

لا تتعرض له، فقال: لا بد من ذلك، فقال له: يا شيبان ما تقول فيمن صلى أربع ركعات فسها في أربع سجدات ما ذا يلزمه؟قال له: على مذهبنا أم على مذهبكم؟قال: أ هما مذهبان؟قال:

نعم، أما عندكم فيلزمه أن يصلي ركعتين و يسجد للسهو، و أما عندنا فهذا رجل مقسم القلب يجب أن يعاقب قلبه حتى لا يعود. قال: فما تقول فيمن ملك أربعين شاة و حال عليها الحول ما ذا يلزمه؟قال: يلزمه عندكم شاة و أما عندنا فالعبد لا يملك شيئا مع سيده. فغشي على الإمام أحمد فلما أفاق انصرفا انتهى. قلت: و قد ذهب جماعة من علماء الآخرة إلى من سها فسدت صلاته، أخذا بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقله منها فعلا و لفظا» . قالوا: و لا تفسد الصلاة إلا بترك واجب، و إلا فأي معنى للركوع و السجود، و المقصود منهما التعظيم و الحضور لا الغفلة و الذهول؟!و هو حسن، و إنما أفتت العلماء رضي اللّه تعالى عنهم بصحة الصلاة بذلك لعجزهم عن الاطلاع على أسرار القلوب، و سلموها إلى أربابها ليستفتوا نفوسهم، ليدفع الفقهاء كيد الشيطان و شقشقته عمن يقول لا إله إلا اللّه، و ليقيموا الصلاة، و لم يفتوا بأن ذلك نافع لهم في الآخرة، ما لم يطابق عليه القلب اللسان مع الإخلاص للّه و الإخلاص للّه واجب في سائر الأعمال. و الاخلاص هو ما صفا عن الكدر، و خلص من الشوائب. قال تعالى: «مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خََالِصاً» (1) فكما أن خلوص اللبن من الفرث و الدم، فكذلك إخلاص الأعمال من الرياء و حظوظ النفس جميعا و قد تكلمت على ذلك كلاما طويلا في الجوهر الفريد فلينظر هناك و باللّه التوفيق. و رأيت في بعض المجاميع أن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه كان يجلس إلى شيبان الراعي و يسأله عن مسائل فقيل له: مثلك يسأل هذا البدوي فيقول لهم: هذا وفق لما علمناه.

و كان شيبان أميا و إذا كان محل الأمي منهم من العلم هكذا فما ظنك بأئمتهم و قد كان الأئمة المجتهدون كالشافعي و غيره رضي اللّه تعالى عنهم يعترفون بوفور فضل علماء الباطن و قد قال الإمامان الجليلان الشافعي و أبو حنيفة رضي اللّه عنهما: إذا لم يكن العلماء أولياء اللّه تعالى، فليس للّه ولي. و قد حكى غير واحد من الحفاظ أن أبا العباس بن شريح، كان إذا أعجب الحاضرين ما يبديه لهم من العلوم، يقول لهم: أ تدرون من أين لي هذا؟إنما حصل من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد رضي اللّه تعالى عنه. و كان من دعاء شيبان: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد،

____________

(1) سورة النحل: آية 66.

20

يا مبدئ يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، و بملكك الذي لا يزول، و بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، و بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، أن تكفيني شر الظالمين أجمعين. و قد ذكر بعضهم قصيدة ذكر فيها أسماء جماعة من الأولياء قدس اللّه أسرارهم فمنها:

شيبان قد كان راعي # و سر سره ما اختفى

فاجهد و خلّ الدعاوى # إن كان لك شي‏ء بان‏

و في الرسالة، في باب كرامات الأولياء، أن سهل بن عبد اللّه التستري‏ (1) ، كان في داره بيت تسميه الناس بيت السباع، كانت السباع تجي‏ء إليه فيدخلهم ذلك البيت، و يضيفهم و يطعمهم اللحم ثم يخلي سبيلهم.

و في كفاية المعتقد في ذكر ما زوي لهم من الأرض من غير حركة، و هو أفضل من الطيران في الهواء، و المشي على الماء، عن سهل بن عبد اللّه التستري، قال: توضأت يوم جمعة و مضيت إلى الجامع، و ذلك في أيام البداية، فوجدته قد امتلأ بالناس، و قد هم الخطيب أن يرقى المنبر، فأسأت الأدب و لم أزل أتخطى رقاب الناس حتى وصلت إلى الصف الأول فجلست، و إذا عن يميني شاب حسن المنظر طيب الرائحة عليه أطمار الصوف، فلما نظر إلي قال: كيف نجدك يا سهل قلت: بخير أصلحك اللّه و بقيت مفكرا في معرفته لي و أنا لم أعرفه، فبينما أنا كذلك إذ أخذني حرقان بول فأكربني، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس، و إن جلست لم يكن لي صلاة فالتفت إلي و قال: يا سهل أخذك حرقان بول؟فقلت: أجل فنزع حرامه عن منكبيه فغشاني به، ثم قال: اقض حاجتك و أسرع لتلحق الصلاة. قال: فأغمي علي فلما فتحت عيني، و إذا بباب مفتوح فسمعت قائلا يقول: لج الباب يرحمك اللّه، فولجت فإذا أنا بقصر مشيد عالي البنيان شامخ الأركان، و إذا بنخلة قائمة و إلى جانبها مطهرة مملوءة أحلى من الشهد و منزل لإراقة الماء، و منشفة معلقة و سواك، فحللت لباسي و أرقت الماء ثم اغتسلت و تنشفت بالمنشفة فسمعت مناديا: يا سهل إن كنت قضيت أربك فقل: نعم، فقلت: نعم. فنزع الحرام عني فإذا أنا جالس مكاني و لم يشعر بي أحد. فبقيت مفكرا في نفسي و أنا مكذب نفسي فيما جرى فقامت الصلاة فصليت و لم يكن لي شغل إلا الفتى لأعرفه، فلما فرغت تتبعت أثره، فإذا به قد دخل إلى درب، فالتفت إلي و قال: يا سهل كأنك ما أيقنت بما رأيت؟قلت: كلا، قال: فلج الباب يرحمك اللّه، فنظرت الباب بعينه فولجت القصر فنظرت المطهرة و النخلة و الحال بعينه، فمسحت عيني و فتحتهما، فلم أجد الفتى و لا القصر.

و إنما ذكرت هذه الحكاية لأنها من جملة العجائب عند غير هذه الطائفة، و لا يكاد يؤمن بها كثير من الناس و لها احتمالات منها: أنه يحتمل أنه نقل من مكانه لما أغمي عليه إلى حيث شاء اللّه من غير شعور منه، ثم أعيد إلى مكانه لطفا من اللّه تعالى و كرامة لأوليائه.

____________

(1) سهل بن عبد اللّه بن يونس التستري أبو محمد صوفي متكلم، له تفسير. مات سنة 283 هـ.

21

قال شيخنا اليافعي رحمه اللّه: و من المحكي عن سهل رضي اللّه تعالى عنه أيضا، أن أمير خراسان يعقوب بن الليث أصابته علة أعيت الأطباء، فقيل له: في ولايتك رجل صالح يقال له سهل بن عبد اللّه و لو استحضرته ليدعو لك رجونا لك العافية فأحضره و سأله الدعاء، فقال:

كيف يستجاب دعائي لك و أنت مقيم على الظلم؟فنوى يعقوب التوبة و الرجوع عن المظالم و حسن السيرة في الرعية و أطلق من في سجنه من المظلومين فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة و فرّج عنه، فنهض كأنما نشط من عقال و عوفي من ساعته، فعرض على سهل مالا جزيلا فأبى قبوله فلما رجع إلى تستر قيل له بأثناء الطريق: لو قبلت المال الذي عرض عليك، و فرقته على الفقراء؟فنظر إلى الحصباء فإذا هي جواهر، فقال: خذوا ما أردتم. ثم قال:

من أعطى مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ و نظير ذلك من قلب الأعيان ما روي عن الشيخ عيسى الهتار و هو بكسر الهاء و تخفيف التاء المثناة فوق، أنه مر على امرأة بغي فقال لها: بعد العشاء آتيك ففرحت بذلك و تزينت، فلما كان بعد العشاء دخل عليها البيت فصلى ركعتين ثم خرج. فقالت: أراك خرجت؟قال: حصل المقصود، فورد عليها و اراد أزعجها عما كانت عليه فخرجت بعد الشيخ، و تابت على يده فزوجها بعض الفقراء. و قال: اعملوا الوليمة عصيدة و لا تشتروا لها إداما ففعلوا ذلك و أحضروه، و حضر الفقراء و الشيخ كالمنتظر لشي‏ء يؤتى به فوصل الخبر إلى أمير كان رفيقا لتلك المرأة فأخرج قارورتين مملوتين خمرا و أرسل بهما إلى الشيخ و أراد بذلك الاستهزاء، و قال للرسول:

قل للشيخ: قد سرني ما سمعت، و بلغني أن ما عندكم إدام، فخذوا هذا فائتدموا به. فلما أقبل الرسول قال له الشيخ: أبطأت. ثم تناول إحداهما فخضها ثم صب منها عسلا مصفى، ثم فعل كذلك بالأخرى و صب منها سمنا عربيا، و قال للرسول: اجلس فكل فأكل فطعم سمنا و عسلا لم ير مثلهما طعما و لونا و ريحا. فرجع الرسول و أخبر الأمير بذلك فجاء الأمير فأكل و تحير مما رأى و تاب على يد الشيخ.

و يشبه هذا ما حكي عن بعضهم، أنه قال: بينما أنا أسير في فلاة من الأرض، إذا برجل يدور بشجرة شوك، و يأكل منها رطبا جنيا فسلمت عليه فرد علي السلام، و قال: تقدم فكل، قال: فتقدمت إلى الشجرة، فصرت كلما أخذت منها رطبا عاد شوكا، فتبسم الرجل و قال:

هيهات لو أطعته في الخلوات أطعمك الرطب في الفلوات. و حكاياتهم في مثل هذا كثيرة، و إنما نبهت على قطرة من بحار عميقة، و على الجملة فالدنيا تتصور لهم في صورة عجوز تخدمهم كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى قريبا في هذا الباب، و الرجوع في ذلك كله إلى أصل يجب الإيمان به، و هو أن اللّه على كل شي‏ء قدير، و ليس الخرق للعوائد بمستحيل في العقل و اللّه التوفيق.

و حكى‏

: عن الشيخ أبي الغيث اليمني رضي اللّه تعالى عنه، أنه خرج يوما يحتطب فبينما هو يجمع الحطب إذ جاء السبع و افترس حماره، فقال له: و عزة المعبود ما أحمل حطبي إلا على ظهرك، فخضع له السبع فحمل الحطب على ظهره، و ساقه إلى البلد، ثم حط عنه و خلاّه. و نقل أن شعوانة رزقت ولدا فربته أحسن تربية، فلما كبر و نشأ قال لها: يا أماه سألتك باللّه إلا ما وهبتني للّه فقالت له: يا بني أنه لا يصلح أن يهدى للملوك إلا أهل الأدب و التقى و أنت يا ولدي غمر لا

22

تعرف ما يراد بك و لم يأن لك ذلك فأمسك عنها فلما كان ذات يوم، خرج إلى الجبل ليحتطب، و معه دابة، فنزل عنها و ربطها، و ذهب فجمع الحطب و رجع، فوجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع، و قال له: يا كلب اللّه تأكل دابتي و حق سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل على ظهره الحطب و هو طائع لأمره حتى وصل به إلى دار أمه فقرع عليها الباب ففتحت له و قالت لما رأت ذلك: يا بني أما الآن فقد صلحت لخدمة الملك اذهب للّه عز و جل فودعها و ذهب.

روى صاحب مناقب الأبرار عن شاه الكرماني أنه خرج إلى الصيد و هو ملك كرمان، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا شاب راكب على سبع و حوله سباع كثير فلما رأته السباع، ابتدرت نحوه فنحاها الشاب عنه فبينما هو كذلك، إذ أقبلت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب و دفع باقيه إلى شاه فشرب و قال: ما شربت شيئا ألذ منه و لا أعذب، ثم غابت العجوز فقال الشاب: هذه الدنيا و كلها اللّه تعالى بخدمتي فما احتجت إلى شي‏ء إلا أحضرته إلى حين يخطر ببالي، فعجب شاه من ذلك، فقال له: أبلغك أن اللّه تعالى لما خلق الدنيا قال لها:

يا دنيا من خدمني فاخدميه، و من خدمك فاستخدميه. ثم وعظه وعظا حسنا، فكان ذلك سبب توبته.

و في الإحياء في عجائب القلب عن ابراهيم الرقي قال: قصدت أبا الخير الديلمي التيناتي مسلما عليه فصلى صلاة المغرب، و لم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي فلما أصبح الصباح خرجت إلى الطهارة فقصدني السبع فعدت إليه و قلت: إن السبع قد قصدني فخرج و صاح على الأسد و قال: أ لم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، و نحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد و قد أنشدنا شيخنا الامام العلامة جمال الدين بن عبد اللّه بن أسد اليافعي لنفسه:

هم الأسد ما الأسد الأسود تهابهم # و ما النمر ما أظفار فهد و نابه

و ما الرمي بالنشاب ما الطعن بالقنا # و ما الضرب بالماضي الكمي ما ذبابه

لهم همم للقاطعات قواطع # لهم قلب أعيان المراد انقلابه

لهم كلّ شي‏ء طائع و مسخّر # فلا قط يعصيهم بل الطوع دابه

من اللّه خافوا لا سواه فخافهم # سواه جمادات الورى و دوابه

لقد شمروا في نيل كلّ عزيزة # و مكرمة مما يطول حسابه

إلى أن جنوا ثمر الهوى بعد ما جنى # عليهم و صار الحب يطول عذبا عذابه‏

و في الخبر قيل: أوحى اللّه تبارك و تعالى إلى داود عليه السلام يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري، معناه خفني لا وصفا في المخوفة من العزة و العظمة و الكبرياء و الجبروت و القهر و شدة البطش، و نفوذ الأمر، كما تخاف السبع الضاري لشدة بدنه و عبوسة وجهه، و شبوك أنيابه، و قوة براثنه، و جراءة قلبه، و سرعة غضبه، و بغتات وثبه، و فظيع بطشه، و دواعي ضراوته، لا أجلب عليه شرا و لا عصيت له أمرا، فيا أخي خف اللّه حق خوفه، و اترك السوى فمن خاف اللّه حق‏

23

خوفه خافه كل شي‏ء، و من أطاع اللّه حق طاعته أطاعه كل شي‏ء.

و حكمه‏

: تقدم في باب الهمزة لكن يكره ركوب السباع لما روى ابن عدي في ترجمة اسماعيل بن عياش عن بقية عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب قال: «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن ركوب السباع» (1) . و لا يصح بيع السباع التي لا تنفع و قيل يجوز بيعها لأجل جلودها و أما التي تنفع كالفهد و الفيل و القرد فيجوز بيعه.

السبنتي و السبندي:

النمر الجري‏ء و الأنثى سبنداة قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ناحت الجن على عمر رضي اللّه تعالى عنه قبل أن يموت بثلاثة أيام فقالت‏ (2) :

أبعد قتيل بالمدينة أظلمت # له الأرض تهتز العضاه بأسوق

جزى اللّه خيرا من إمام و باركت # يد اللّه في ذاك الأديم الممزق

فمن يسع أو يركب جناحي نعامة # ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق

و ما كنت أخشى أن تكون وفاته # بكفي سبنتي أزرق العين مطرق‏

المطرق الحنق الذي أرخى عينيه إلى الأرض، و قد يمد السبنتي. و نسب الجوهري هذه الأبيات إلى الشماخ، و قال في الاستيعاب: لما مات عمر رضي اللّه تعالى عنه نحل الناس هذه الأبيات إلى الشماخ بن ضرار و لأخويه، و كانوا إخوة ثلاثة كلهم شعراء، و سيأتي ذكر النمر في باب النون إن شاء اللّه تعالى.

السبيطر:

بفتح السين و فتح الباء الموحدة و الطاء المهملة، بينهما ياء مثناة من تحت، و بالراء المهملة في آخره، مثل العميثل: طائر طويل العنق جدا يرى أبدا في الماء الضحضاح، و يكنى بأبي العيزار. كذا قاله الجوهري و ابن الأثير، و الظاهر أنهما أرادا به مالكا الحزين، و قال في المحكم:

الكركي يكنى أبا العيزار و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر العميثل في باب السين المهملة.

السحلة:

كالهمزة الأرنب الصغيرة التي قد ارتفعت عن الخرنق و فارقت أمها.

السحلية:

بضم السين العظاية. قال ابن الصلاح: هي دويبة أكبر من الوزغ و قد عد في الروضة العظاية من نوع الوزغ، و قال: إنها محرمة، و قال ابن قتيبة و صاحب الكفاية: و ذكر العظاية يسمى العضرفوط بفتح العين المهملة و تسكين الضاد المعجمة و بالفاء و الواو و الطاء في آخره. و ذكر الجاحظ أن العضرفوط بلغة قيس هي العظاية و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة قول الأزهري: هي دويبة ملساء تعدو و تتردد كثيرا تشبه سام أبرص إلا أنها لا تؤذي و هي أحسن منه.

السحا:

بفتح السين و الحاء المهملتين الخفاش الواحدة سحاة مفتوحتان مقصورتان قاله

____________

(1) الكامل لابن عدي 1/291.

(2) الأبيات في العقد الفريد: 3/284، و نسبتها إلى حسّان بن ثابت و هي ليست في ديوانه.

24

النضر بن شميل‏ (1) و قد تقدم لفظ الخفاش في باب الخاء المعجمة.

سحنون:

بفتح السين و ضمها طائر حديد الذهن يكون بالمغرب، يسمونه سحنونا لحدة ذهنه و ذكائه و به سمي سنون بن سعيد التنوخي القيرواني و هو لقب فرد و اسمه عبد السلام، و هو تلميذ ابن القاسم و هو مصنف المدونة و كان قبل ذلك كتبها أسد بن الفرات عن ابن القاسم غير مرتبة ثم بخل بها ابن الفرات على سحنون فدعا عليه ابن القاسم أن لا ينفع اللّه بها و لا به و كذلك كان، فهي متروكة و العمل على مدونة سحنون و وفاته في شهر رجب سنة أربعين و مائتين و ولد في شهر رمضان سنة ستين و مائة رحمة اللّه عليه.

السخلة:

ولد الشاة من الضأن أو المعز ذكرا كان أو أنثى و الجمع سخل و سخلة و سخال قال‏ (2) الشاعر:

فللموت تغدو الوالدات سخالها # كما لخراب الدور تبنى المساكن‏

و هذه لام العاقبة كقول الآخر:

أموالنا لذوي الميراث نجمعها # و دورنا لخراب الدهر نبنيها

و لم يبنوها للخراب و لكن إليها مآلها كقول الآخر:

فإن يكن الموت أفناهم # فللموت ما تلد الوالده‏

و قال تعالى‏ (3) : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً و قال‏ (4) تعالى: رَبَّنََا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوََالاً فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا الآية.

فائدة

: قال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة وضعها من الضأن و المعز جميعا ذكرا كانت أو أنثى سخلة، ثم هي بهمة بفتح الباء الموحدة للذكر و الأنثى جميعا و جمعها بهم، فإذا بلغت أربعة أشهر و فصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فهو جفار واحدها جفر، و الأنثى جفرة فإذا رعى و قوي فهو عريض و عتود و جمعهما عرضان و عتدان، و هو في ذلك كله جدي و الأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول و جمعها عنوق. الذكر تيس إذا أتى عليه الحول، و الأنثى عنز ثم تجزع في السنة الثانية، فالذكر جذع و الأنثى جذعة. روى مالك عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: «اعتد عليهم في الزكاة بالسخلة» . و به استدل الشافعي و غيره على أن ما نتج من النصاب يزكى بحول الأصل، لأن الحول إنما اعتبر للنماء و السخال في نفسها نماء، حتى لو نتجت قبل الحول بلحظة تزكى بحول النصاب، و إن ماتت الأمهات كلها قبل انقضاء حولها، على الأصح. و قيل: يشترط بقاء نصاب من الأمهات، و قيل: يشترط بقاء شي‏ء منها و لو واحدة. و روى الإمام أحمد و أبو يعلى الموصلي، من حديث أبي هريرة، رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر بسخلة جرباء قد أخرجها

____________

(1) النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن، محدث اخباري لغوي مات سنة 203 هـ.

(2) في العقد الفريد 2/69 و نسبته إلى سابق البربري، و فيه: ... لخراب الدار...

(3) سورة القصص: آية 8.

(4) سورة يونس: آية 88.

25

أهلها فقال: «و الذي نفسي بيده للدنيا أهون على اللّه تعالى من هذه على أهلها» (1) . و روى البزار في مسنده عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر بدمنة قوم، فيها سخلة ميتة، فقال‏ (2) صلى اللّه عليه و سلم: «أ ما لأهلها فيها حاجة» ؟فقالوا: يا نبي اللّه لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها! قال صلى اللّه عليه و سلم «فو اللّه للدنيا أهون على اللّه من هذه السخلة على أهلها فلا ألفينها أهلكت أحدكم» . و في سيرة ابن هشام أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، لما خرج هو و أصحابه إلى غزوة بدر، .. لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: أو فيكم رسول اللّه؟قالوا: نعم فسلم عليه. ثم قال: إن كنت رسول اللّه فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له سلمة بن سلامة بن وقش، و كان غلاما حدثا: لا تسأل رسول اللّه و أقبل علي فأنا أخبرك بذلك!ففي بطنها منك سخلة. فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «مه» .. فخشيت على الرجل ثم أعرض عن سلمة. و رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بزيادة و هو أنه قال لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم رجلا من أهل البادية و هو متوجه إلى بدر، لقيه بالروحاء فسأله القوم عن خبر الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقالوا له: سلم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: أو فيكم رسول اللّه؟قالوا: نعم فسلم عليه ثم قال: إن كنت رسول اللّه فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له سلمة بن سلامة بن وقش، و كان غلاما حدثا: لا تسأل رسول اللّه و أقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك!نزوت عليها ففي بطنها سخلة منك فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «مه» . فخشيت على الرجل ثم أعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلم يكلمه كلمة واحدة حتى قفلوا و استقبلهم المسلمون بالروحاء يهنونهم فقال سلمة: يا رسول اللّه ما الذي يهنئونك و اللّه إن رأينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعتقلة فنحرناها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن لكل قوم فراسة، و إنما يعرفها الأشراف» . ثم قال: هذا صحيح مرسل.

و يتصل بذكر الفراسة ما رواه الحاكم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه. و المرأة التي رأت موسى عليه السلام، فقالت لأبيها: يا أبت استأجره. و أبو بكر حين استخلف عمر رضي اللّه تعالى عنهما. قال الحاكم: فرضي اللّه تعالى عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم بهذا الإسناد الصحيح.

فرع‏

: السخلة المرباة بلبن كلبة، لها حكم الجلالة، يكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح في الشرح الكبير، و الروضة و المنهاج. و به جزم الروياني و العراقيون. و قال أبو اسحاق المروزي و القفال: كراهة تحريم، و رجحه الإمام و الغزالي و البغوي و الرافعي في المحرر. و الجلالة هي التي تأكل العذرة و النجاسات سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الدجاج أو الأرز أو السمك، أو غير ذلك من المأكول.

و قد تقدم في باب الدال المهملة، في الدجاج، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك» (3) . و روى الدارقطني و الحاكم و البيهقي، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن أكل الجلالة و شرب ألبانها حتى تحبس» (4) .

____________

(1) رواه مسلم: زهد، و ابن حنبل 1-329.

(2) رواه ابن ماجة: زهد 3 و الترمذي: زهد 13.

(3) رواه البخاري: ذبائح 26، و مسلم: إيمان 9.

(4) رواه أبو داود: أطعمة 24. و ابن ماجة: ذبائح 11.

26

قال الحاكم: صحيح الإسناد و قال البيهقي: ليس بالقوي. ثم إن لم يظهر بسبب ذلك تغير في لحمها، فلا تحريم و لا كراهة. و اختلفوا فيما يناط به الحرمة و الكراهة، فنقل الرافعي عن تتمة التتمة، أنه إن كان أكثر أكلها الطاهرات فليست بجلالة، و الأصح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة فإن كان يوجد في عرقها أو فيها أدنى ريح النجاسة و إن قل فالموضع موضع النهي، و إلا فلا. و عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن موضع النهي، ما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو كانت تقرب من الرائحة فأما إذا كانت الرائحة توجد يسيرة، فلا اعتبار بها. و الصحيح الأول إلحاقا لها بالتغير اليسير بالنجاسة في المياه فإن علفت الجلالة علفا طاهرا مدة حتى طاب لحمها، و زالت النجاسة زالت الكراهة. و لا تقدر مدة العلف عندنا بزمن بل المعتبر زوال الرائحة بأي وجه كان. قال الرافعي، رحمه اللّه: و عن بعض العلماء تقدير العلف في الإبل و البقر بأربعين يوما، و في الغنم بسبعة أيام و في الدجاج بثلاثة أيام. قال: و هو محمول عندنا على الغالب ا هـ. فإن لم تعلف لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح و لا بطبخه و شيه و تجفيفه في الهواء، و إن زالت الرائحة و كذا إن زالت الرائحة، بمرور الزمان عند صاحب التهذيب. و قيل: بخلافه و كما يمنع لحمها يمنع لبنها و بيضها و يكره الركوب عليها من غير حائل بين الراكب و بينها و يطهر جلدها بالدباغ و الأصح أنه كاللحم و لا يطهر بالذكاة عند القائل بالتنجيس.

و سئل: سحنون عن خروف أرضعته خنزيرة، فقال: لا بأس بأكله. قال الطبري: العلماء مجمعون على أن الجدي إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيرة، لا يكون حراما، و لا خلاف في أن ألبان الخنازير نجسة كالعذرة. و قال غيره: المعنى فيه أن لبن الخنزيرة لا يدرك في الخروف إذا ذبح بذوق و لا شم رائحة فقد نقله اللّه تعالى و أحاله كما يحيل الغذاء، و إنما حرّم اللّه تعالى أكل أعيان النجاسات المدركات بالحواس. كذا قاله أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي في شرح البخاري. و وفاته سنة تسع و أربعين و أربعمائة و هو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر رحمة اللّه تعالى عليه.

السّرحان:

بكسر السين الذئب. و الجمع سراح و سراحين، و الأنثى سرحانة بالهاء، و الجمع كالجمع و السرحان الأسد بلغة هذيل قال أبو المثلم يرثي ميتا:

هباط أودية حمال ألوية # شهاد أندية سرحان فتيان‏

و قال سيبويه: نون سرحان زائدة و هو فعلان و الجمع سراحين. قال الكسائي: و الأنثى سرحانة.

حكى القزويني، عن بعض الرعاة، أنه نزل واديا بغنمه فسلب سرحان شاة من غنمه فقام و رفع صوته و نادى: يا عامر الوادي، فسمع صوتا: يا سرحان رد عليه شاته، فجاء الذئب بالشاة و تركها و ذهب، و قد تقدم حكمه و خواصه و تعبيره.

الأمثال‏

: قالوا: «سقط العشاء به على سرحان» (1) . قال أبو عبيدة: أصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء، فسقط على ذئب فأكله الذئب. و قال الأصمعي: أصله أن دابة خرجت تطلب

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/420.

27

العشاء فلقيها ذئب فأكلها. و قال ابن الأعرابي: أصله أن رجلا يقال له سرحان، كان بطلا تتقيه الناس، فقال رجل يوما: و اللّه لأرعين إبلي في هذا الوادي و لا أخاف سرحان بن هزلة فأتى إليه فقتله و أخذ إبله و قال:

أبلغ نصيحة أن راعي إبلها # سقط العشاء به على سرحان

سقط العشاء به على متنمر # طلق اليدين معاود لطعان‏

يضرب في طلب الحاجة تؤدي صاحبها إلى التلف.

السرطان:

بفتح السين و الراء المهملتين و بالنون في آخره، حيوان معروف و يسمى عقرب الماء، و كنيته أبو بحر و هو من خلق الماء و عيش في البر أيضا و هو جيد المشي سريع العدو، ذو فكين و مخاليب و أظفار حداد، كثير الأسنان صلب الظهر من رآه رأى حيوانا بلا رأس و لا ذنب، عيناه في كتفيه و فمه في صدره و فكاه مشقوقان من الجانبين، و له ثماني أرجل، و هو يمشي على جانب واحد، و يستنشق الماء و الهواء معا، و يسلخ جلده في السنة ست مرات، و يتخذ لجحره بابين:

أحدهما شارع في الماء، و الآخر إلى اليبس، فإذا سلخ جلده سد عليه ما يلي الماء خوفا على نفسه من سباع السمك، و ترك ما يلي اليبس مفتوحا ليصل إليه الريح فتجف رطوبته و يشتد، فإذا اشتد فتح ما يلي الماء و طلب معاشه. و قال ارسطاطاليس في النعوت: و زعموا أنه إذا وجد سرطان ميت في حفرة مستلقيا على ظهره في قرية أو أرض تأمن تلك البقعة من الآفات السماوية، و إذا علق على الأشجار يكثر ثمرها و في وصفه قال الشاعر:

في سرطان البحر أعجوبة # ظاهرة للخلق لا تخفى

مستضعف المشية لكنه # أبطش من جاراته كفّا

يسفر للناظر عن جملة # متى مشى قدرها نصفا

و يقال: إن ببحر الصين سرطانات متى خرجت إلى البر استحجرت، و الأطباء يتخذون منها كحلا يجلو البياض، و السرطان لا يتخلق بتوالد و لا نتاج، إنما يتخلق في الصدف ثم يخرج منه و يتولد.

و في الحلية عن أبي الخير الديلمي أنه قال: كنت عند خير النساج فجاءته امرأة و طلبت أن ينسج لها منديلا، و قالت له: كم الأجرة؟فقال لها: درهمان فقالت: ما معي الساعة شي‏ء و غدا آتيك بهما إن شاء اللّه تعالى، فقال لها: إذا أتيتني و لم تريني فارمي بهما في الدجلة فإني إذا رجعت أخذتهما منها إن شاء اللّه تعالى، فقالت: حبا و كرامة. قال أبو الخير: فجاءت المرأة من الغد و خير غائب، فقعدت ساعة تنتظره ثم قامت و ألقت خرقة في الدجلة، فيهما الدرهمان، فإذا سرطان قد تعلق بالخرقة، و غاص في الماء. ثم جاء خير بعد ساعة، ففتح باب حانوته و جلس على الشط يتوضأ، و إذا بسرطان خرج من الماء يسعى نحوه و الخرقة على ظهره، فلما قرب من الشيخ أخذها و ذهب السرطان إلى حال سبيله. فقلت له: رأيت كذا و كذا، فقال: أحب أن لا تبوح بهذا في حياتي فأجبته إلى ذلك.

الحكم‏

: يحرم أكله لاستخباثه كالصدف قال الرافعي: و لما فيه من الضرر، و في قول انه‏

28

يحل أكله، و هو مذهب مالك رحمة اللّه تعالى عليه.

الخواص‏

: أكل السرطان ينفع وجع الظهر و يصلبه. قال في النعوت: من علق عليه رأس سرطان لم ينم إذا كان القمر محترقا، فإن كان غير محترق نام، و إن أحرق السرطان وحشي به البواسير كيف كانت أبرأها، و إن علقت رجله على شجرة مثمرة سقط ثمرها من غير علة و لحمه نافع للمسلولين جدا. و إذا وضع السرطان على الجراحات أخرج النصل و ينفع من لسع الحيات و العقارب.

التعبير

: السرطان في المنام تدل رؤيته على رجل كثير الكيد، لكثرة سلاحه، عظيم الهمة بعيد المأخذ عسر الصحبة، و من رأى أنه أكل لحم سرطان في منامه، فإنه يصيب خيرا من أرض بعيدة. و قال جاماسب: لحم السرطان في الرؤيا مال حرام و اللّه أعلم.

السرعوب:

بضم السين و سكون الراء و بالعين المهملة ابن عرس و يقال له: النمس قاله في كفاية المتحفظ.

السرفوت:

بفتح السين و الراء المهملتين و ضم الفاء دويبة تعشش في كور الزجاج في حال اضطرامه، و تبيض فيه و تفرخ، و لا تعمل بيتها إلا في موضع النار المستمرة الدائمة. كذا قاله‏ (1)

ابن خلكان، في ترجمة يعقوب بن صابر المنجنيقي. و هذه الدويبة تشارك السمندل في هذا الوصف كما سيأتي في موضعه.

السّرفة:

بضم السين و اسكان الراء المهملتين و بالفاء الأرضة قال ابن السكيت: إنها دويبة سوداء الرأس و سائرها أحمر، تتخذ لنفسها بيتا مربعا من دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض بلعابها على مثال الناموس، ثم تدخل فيه و تموت. و يقال سرفت السرفة، و تسرفها بالكسر سرفا إذا أكلت ورقها، فهي شجرة مسروفة انتهى.

و في الحديث أن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال لرجل: إذا أتيت إلى منى، و انتهيت إلى موضع كذا و كذا، فإن هناك شجرة لم تعبل و لم تجرد و لم تسرف و لم تسرح، قد نزل تحتها سبعون نبيا فأنزل تحتها. و معنى لم تعبل لم يسقط ورقها، و لم تجرد لم يصبها الجراد، و لم تسرف لم تصبها السرفة، و لم تسرح لم يصبها السرح أي الابل و الغنم السارحة.

الحكم‏

: يحرم أكلها لأنها من الحشرات.

الأمثال‏

: قالوا: «أصنع من سرفة» (2) و قد تقدم الكلام عليها في باب الهمزة.

السرمان:

دويبة كالحجر و السرمان أيضا ضرب من الزنابير أصفر و أسود و مجزع.

السروة:

الجرادة أول ما تكون و هي دودة و أصله الهمز و السروة لغة فيها.

____________

(1) وفيات الأعيان: 7/35. و المنجنيقي أبو يوسف، يعقوب شاعر مجيد مات سنة 675 هـ.

(2) جمهرة الأمثال: 1/478.

29

السرماح:

الجراد. قاله ابن سيده.

السعدانة:

الحمامة.

السعلاة:

أخبث الغيلان و كذلك السعلاء تمد و تقصر، و الجمع السعالي. و استسعلت المرأة، أي صارت سعلاة أي صارت صخابة و بذية، قال‏ (1) الشاعر:

لقد رأيت عجبا مذ أمسا # عجائزا مثل السعالي خمسا

يأكلن ما أصنع همسا همسا # لا ترك اللّه لهن ضرسا

و أنشد (2) أبو عمر:

يا قبّح اللّه بني السعلاة # عمرو بن يربوع شرار النات

ليسوا أعفاء و لا أكيات‏

قلب السين تاء و هي لغة بعض العرب.

قال الجاحظ: يقال إن عمرو بن يربوع كان متولدا من السعلاة، و الإنسان. قال: و ذكروا أن جرهما كان من نتاج الملائكة و بنات آدم عليه السلام. قال: و كان الملك من الملائكة إذا عصى ربه في السماء أهبط إلى الأرض في صورة رجل، كما صنع بهاروت و ماروت فوقع بعض الملائكة على بعض بنات آدم عليه السلام فولدت جرهما و لذلك قال شاعرهم‏ (3) :

لا هم أن جرهما عبادكا # الناس طرف و هم تلادكا

قال: و من هذا الضرب كانت بلقيس ملكة سبا. و كذلك كان ذو القرنين، كانت أمه آدمية و أبوه من الملائكة و لذلك لما سمع عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أ فرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟انتهى.

و الحق في ذلك أن الملائكة معصومون من الصغائر و الكبائر كالأنبياء عليهم الصلاة و السلام، كما قاله القاضي عياض و غيره. و أما ما ذكروه من أن جرهما كان من نتاج الملائكة و بنات آدم، و كذلك ذو القرنين و بلقيس فممنوع، و استدلالهم بقصة هاروت و ماروت ليس بشي‏ء، فإنها لم تثبت على الوجه الذي أوردوه، بل قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: هما رجلان ساحران كانا ببابل. و قال الحسن: كانا علجين يحكمان بين الناس و يعلمان الناس السحر و لم يكونا من الملائكة لأن الملائكة لا يعلمون السحر. و قرأ ابن عباس و الحسن البصري و ما أنزل على الملكين بكسر اللام. و سيأتي ذكرهما، إن شاء اللّه تعالى، في باب الكاف في الكلب.

و قد اختلف في ذي القرنين و نسبه و اسمه، فقال صاحب ابتلاء الأخيار: اسم ذي القرنين

____________

(1) وفيات الأعيان: 7/233، دون نسبة.

(2) في الحيوان للجاحظ: 1/187، و نسبه إلى علباء بن أرقم. و فيه: يا قاتل... عمرا و قابوسا.

(3) البيت في الحيوان للجاحظ: 1/187، و نسبته إلى عمرو بن مضاض الجرهمي.

30

الاسكندر، قال: و كان أبوه أعلم أهل الأرض بعلم النجوم، و لم يراقب أحد الفلك ما راقبه، و كان قد مد اللّه تعالى له في الأجل فقال ذات ليلة لزوجته: قد قتلني السهر، فدعيني أرقد ساعة و انظري إلى السماء، فإذا رأيت قد طلع في هذا المكان نجم و أشار بيده إلى موضع طلوعه فنبهيني حتى أطأك فتعلقي بولد يعيش إلى آخر الدهر، و كانت أختها تسمع كلامه ثم نام أبو الاسكندر فجعلت أخت زوجته تراقب النجم فلما طلع النجم أعلمت زوجها بالقصة فوطئها فعلقت منه بالخضر فكان الخضر بن خالد الإسكندر و وزيره فلما استيقظ أبو الاسكندر، رأى النجم قد نزل في غير البرج الذي كان يرقبه، فقال لزوجته: لم لم تنبهيني؟فقالت: استحييت و اللّه فقال لها: أ ما تعلمين أني أراقب هذا النجم منذ أربعين سنة و اللّه لقد ضيعت عمري في غير شي‏ء. و لكن الساعة يطلع في أثره نجم فأطؤك فتعلقين بولد يملك قرني الشمس فما لبث أن طلع، فواقعها فعلقت بالاسكندر، و ولد الاسكندر و ابن خالته الخضر في ليلة واحدة. ثم إن الاسكندر فتح اللّه عليه، بتمكينه في الأرض، و فتح البلاد و كان من أمره ما كان.

و روي عن وهب بن منبه أنه قال: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، و كان اسمه الاسكندر و كان عبدا صالحا، فلما بلغ أشده، قال اللّه تعالى: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض و هم أمم مختلفة و هم أصناف منهم أمتان بينهما طول الأرض و منهم أمتان بينهما عرض الأرض و أمم في وسط الأرض فقال ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم، لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي ندبتني إليها بأي قوة أكاثرهم؟و بأي صبر أقاسيهم؟و بأي لسان أناطقهم؟و كيف لي أن أفقه لغاتهم؟و بأي سمع أسمع قولهم؟و بأي بصر أنقدهم؟و بأي حجة أخاصمهم؟و بأي عقل أعقل عنهم؟و بأي قلب و حكمة أدبر أمرهم؟و بأي قسط أعدل بينهم؟و بأي معرفة أفصل بينهم؟و بأي يد أسطو عليهم؟ و بأي رجل أطؤهم؟و بأي طاقة أحصيهم؟و بأي جند أقاتلهم؟و بأي رفق أتألفهم؟و ليس عندي يا إلهي شي‏ء مما ذكرت يقوم لهم و يقوى عليهم و يطيقهم، و أنت الرءوف الرحيم الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها و لا يحملها إلا طاقتها. قال اللّه عز و جل: إني سأطوقك و أحملك و أشرح لك صدرك، فتسمع كل شي‏ء، و أقوي لك فهمك فتفقه كل شي‏ء، و أبسط لك لسانك فتنطق بكل شي‏ء، و أفتح لك سمعك فتعي كل شي‏ء، و أمد بصرك فتنقد كل شي‏ء، و أشد لك ركنك فلا يغلبك شي‏ء، و أقوي لك قلبك فلا يروعك شي‏ء، و احفظ لك عقلك فلا يعزب عنك شي‏ء، و أبسط لك ما بين يديك فتسطو فوق كل شي‏ء، و أشد لك وطأتك فتهد كل شي‏ء، و ألبسك الهيبة فلا يهولنك شي‏ء، و أسخر لك النور و الظلمة و أجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور من أمامك، و تحفظك الظلمة من ورائك، و ذلك قوله تعالى: وَ آتَيْنََاهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً (1) و قال ابن هشام: ذو القرنين هو الصعب بن ذي مرثد الحميري من ولد وائل بن حمير. و قال ابن إسحاق: اسمه مرزبان بن مردويه، كذا وقع في السيرة له، و ذكر انه الاسكندر.

و قيل: إنه رجل من ولد يونان بن يافث، و اسمه هرمس و يقال له هرديس، و الظاهر من

____________

(1) سورة الكهف: آية 84.

31

علم الأخبار و السير أنهما اثنان أحدهما كان على عهد ابراهيم و يقال إنه الذي قضى لإبراهيم حين خاصم إليه في بئر السبع بالشام، و الثاني كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام و قيل إنه افريدون الذي قتل الملك الطاغي الذي كان على عهد ابراهيم أو قبله بزمن.

و اختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين، فقال بعضهم: لأنه ملك فارس و الروم، و قيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، و قيل: لأنه رأى في المنام كأنه آخذ بقرني الشمس، و كان تأويل رؤياه أنه طاف المشرق و المغرب، و قيل: إنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن، ثم دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر، و قيل: إنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه و أمه، و قيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس و هو حي، و قيل: لأنه كان إذا حارب قاتل بيديه و ركابيه جميعا، و قيل: لأنه دخل النور و الظلمة، و قيل: لأنه كان له ذؤابتان حسنتان و الذؤابة تسمى قرنا. قال الراعي‏ (1) :

فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف لبرد ماء الحشرج‏ (2)

و قيل: لأنه أعطى علمي الظاهر و الباطن. و هو رجل من الاسكندرية يقال له اسكندر بن فيلبش الرومي و كان في الفترة بعد عيسى عليه الصلاة و السلام. قال مجاهد: ملك الأرض أربعة:

مؤمنان و كافران، فالمؤمنان: سليمان و ذو القرنين، و الكافران: نمرود و بختنصر، و سيملكها من هذه الأمة خامس و هو المهدي. و اختلف في نبوته فقال بعضهم: كان نبيا لقوله تعالى: قُلْنََا يََا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ (3) و قال آخرون: كان ملكا صالحا عادلا، و لعله الأصح. فالقائلون بنبوته قالوا: إن الملك الذي كان ينزل عليه، اسمه رقيائيل و هو ملك الأرض الذي يطوي الأرض يوم القيامة و ينقصها فتقع أقدام الخلائق كلهم بالساهرة. قاله ابن أبي خيثمة. قال السهيلي: و هذا يشاكل توكله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها و مغاربها، كما أن قصة خالد بن سنان العبسي و هو نبي بين عيسى و محمد عليهما السلام، في تسخير النار، مشاكلة لحال الملك الموكل به، و هو مالك خازن النار. و سيأتي ذكر خالد و نبوته في باب العين المهملة في العنقاء، إن شاء اللّه تعالى. قال‏ (4)

الجاحظ: و زعموا أن التناكح و التلاقح قد يقع بين الجن و الإنس لقوله تعالى: وَ شََارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ (5) و هذا ظاهر، و ذلك أن الجنيات إنما تتعرض لصرع رجال الإنس على جهة العشق في طلب السفاد، و كذلك رجال الجن لنساء الإنس، و لو لا ذلك لعرض الرجال للرجال و النساء للنساء، قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاََ جَانٌّ* (6) و لو كان الجان لا يفتض الآدميات، و لم يكن ذلك في تركيبه لما قال اللّه تعالى هذا القول.

و ذكروا أن الواق واق نتاج من بعض النباتات و بعض الحيوانات، و قال السهيلي: السعلاة

____________

(1) الراعي: عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، من شعراء العصر الأموي، شاعر مقدم مات سنة 90 هـ. و البيت ليس في ديوانه.

(2) الحشرج: حسي يكون فيه حصى، و الكوز الرقيق الحاريّ.

(3) سورة الكهف: آية 86.

(4) الحيوان: 1/156.

(5) سورة الإسراء: آية 64.

(6) سورة الرحمن: آية 74.

32

ما يتراءى للناس بالنهار، و الغول ما يتراءى للناس بالليل. و قال القزويني: السعلاة نوع من المتشيطنة مغايرة للغول. قال‏ (1) عبيد بن أيوب:

و ساحرة عيني لو أنّ عينها # رأت ما ألاقيه من الهول جنّت

أبيت و سعلاة و غول بقفرة # إذا الليل وارى، الجنّ فيه أرنّت‏

قال: و أكثر ما توجد السعلاة في الغياض و هي إذا ظفرت بإنسان ترقصه و تلعب به كما يلعب القط بالفأر. قال: و ربما اصطادها الذئب بالليل فأكلها، و إذا افترسها ترفع صوتها و تقول: أدركوني فإن الذئب قد أكلني، و ربما تقول: من يخلصني و معي ألف دينار يأخذها!و القوم يعرفون أنه كلام السعلاة فلا يخلصها أحد فيأكلها الذئب.

السّفنج:

بضم السين و اسكان الفاء و ضم النون و بالجيم في آخره، قال أبو عمر: و هو الظليم الخفيف و هو ملحق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه، كذا قاله الجوهري، و السفنج أيضا طائر كثير الاستنان قاله في العباب.

السقب:

ولد الناقة أو ساعة يولد و الجمع أسقب و سقوب و سقبان و الأنثى سقبة و أمها مسقب و مسقاب.

الأمثال‏

: قالوا: «أذل من السقبان بين الحلائب» (2) ، أرادوا بالحلائب جمع حلوبة و هي التي تحلب.

السقر:

قال القزويني: إنه من الجوارح في حجم الشاهين، إلا أن رجليه غليظتان جدا و لا يعيش إلا في البلاد الباردة، و يوجد في بلاد الترك كثيرا، و هو إذا أرسل على الطير أشرف عليها، و يطير حولها على شكل دائرة، فإذا رجع إلى المكان الذي ابتدأ منه تبقى الطيور كلها في وسط الدائرة، لا يخرج منها واحد و لو كانت ألفا و هو يقف عليها و ينزل يسيرا يسيرا و تنزل الطيور بنزوله حتى تلتصق بالتراب فيأخذها البزادرة فلا يفلت منها شي‏ء أصلا.

السقنقور:

نوعان: هندي و مصري، و منه ما يتولد في بحر القلزم، و هو البحر الذي غرق فيه فرعون و هو عند عقبة الحاج. و يتولد أيضا ببلاد الحبشة و هو يغتذي بالسمك في الماء و بالقطا في البر يسترطه كالحيات، أنثاه تبيض عشرين بيضة تدفنها في الرمل فيكون ذلك حضنا لها و للأنثى فرجان، و للذكر ذكران كالضب. قاله التميمي. و قال ارسطو: السقنقور حيوان بحري و ربما تولد في البحر في مواضع الصواعق. و من عجيب أمره أنه إذا عض إنسانا و سبقه الإنسان إلى الماء، و اغتسل منه مات السقنقور، و إن سبق السقنقور إلى الماء مات الإنسان. و بينه و بين الحية عداوة حتى إذا ظفر أحدهما بصاحبه قتله. و الفرق بينه و بين الورل من وجوه منها أن الورل برّي

____________

(1) الحيوان للجاحظ 6/160. و عبيد بن أيوب، من بني العنبر لقبه أبو المطراد من شعراء العصر الأموي و كان من اللصوص الهاربين. (الأعلام: 4/188) .

(2) المستقصى في الأمثال: 1/130.

33

لا يأوي إلا البراري، و السقنقور لا يأوي إلا بالقرب من الماء أو فيه، و منها أن جلد السقنقور ألين و أنعم من جلد الورل، و منها أن ظهر الورل أصفر و أغبر، و ظهر السقنقور مدبج بصفرة و سواد.

و المختار من هذا الحيوان الذكر فإنه أفضل و أبلغ في النفع المنسوب إليه من أمر الباه قياسا و تجربة، بل كاد أن يكون هو المخصوص بذلك و المختار من أعضائه ما يلي ذنبه من ظهره، فهو أبلغ نفعا و هذا الحيوان نحو ذراعين طولا و نصف ذراع عرضا قال في المفردات: لا يعرف اليوم في عصرنا السقنقور في الديار المصرية إلا ببلاد الفيوم، و منها يجلب إلى القاهرة لمن عني بطلبه، و إنما يصاد في أيام الشتاء لأنه إذا اشتد عليه البرد يخرج إلى البر فحينئذ يصاد.

الحكم‏

: يحل أكله لأنه سمك و يحتمل أن يأتي فيه وجه بالحرمة، لأن له شبهين في البر أحدهما حرام و هو الورل، و الآخر يؤكل و هو الضب تغليبا للتحريم. و أما الذي تقدم في باب الهمزة فهو حرام لأنه متولد من التمساح كما تقدم فهو حرام كأصله.

الخواص‏

: لحم السقنقور الهندي ما دام طريا فهو حار رطب في الدرجة الثانية، و أما مملوحه المجفف فإنه أشد حرارة و أقل رطوبة لا سيما إذا مضت عليه بعد تعليقه مدة طويلة و لذلك صار لا يوافق استعماله أصحاب الأمزجة الحارة اليابسة، بل أرباب الأمزجة الباردة الرطبة و لحمه إذا أكل منه اثنان بينهما عداوة، زالت و صارا متحابين. و خاصية لحمه و شحمه إنهاض شهوة الجماع و تقوية الانعاظ و النفع من الأمراض الباردة التي بالعصب و إذا استعمل بمفرده كان أقوى فعلا من أن يخلط بغيره من الأدوية، و الشربة منه من مثقال إلى ثلاثة مثاقيل بحسب مزاج المستعمل له و سنه و وقته و بلده. و قال ارسطو: لحم السقنقور الهندي، إذا طبخ باسفيذاج، نفخ اللحم و أسمن، و لحمه يذهب وجع الصلب و وجع الكليتين و يدر المني، و خرزته الوسطى إذا علقت على صلب انسان، هيجت الإحليل و زادت الجماع.

التعبير

: هو في الرؤيا يدل على الإمام العالم الذي يهتدى به في الظلمات فإن جلده يوقد و لحمه ينعش القوة و يثير حرارتها و اللّه أعلم.

السلحفاة البرية:

بفتح اللام، واحدة السلاحف. قاله أبو عبيدة و حكى الرواسي:

سلحفية مثل بلهنية، و هي بالهاء عند الكافة و عند ابن عبدوس: السلحفا، بغير هاء. و ذكرها يقال له غيلم، و هذا الحيوان يبيض في البر فما نزل منه في البحر كان لجأة، و ما استمر في البركان سلحفاة، و يعظم الصنفان جدا إلى أن يصير كل واحد منهما حمل جمل. و إذا أراد الذكر السفاد، و الأنثى لا تطيعه، يأتي الذكر بحشيشة في فيه، من خاصيتها أن صاحبها يكون مقبولا، فعند ذلك تطاوعه و هذه الحشيشة لا يعرفها إلا القليل من الناس. و هي إذا باضت صرفت همتها إلى بيضها بالنظر إليه و لا تزال كذلك حتى يخلق اللّه تعالى الولد منها، إذ ليس لها أن تحضنه حتى يكمل بحرارتها، لأن أسفلها صلب لا حرارة فيه و ربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية فتقطع رأسها و تمضغ من ذنبها و الحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة و على الأرض حتى تموت. و لها حيلة عجيبة في التوصل إلى صيدها، و ذلك أنها تصعد من الماء فتتمرغ في التراب، و تأتي موضعا قد سقط الطير عليه لشرب الماء فتختفي عليه لكدورة لونها، التي اكتسبتها من الماء و التراب، فتصيد منها ما يكون لها قوتا و تدخل به الماء ليموت فتأكله. و لذكرها ذكران و للأنثى فرجان، و الذكر يطيل‏

34

المكث في السفاد، و السلحفاة مولعة بأكل الحيات، فإذا أكلتها بعدها سعترا. و الترس الذي على ظهرها وقاية لها و قد أجاد الشاعر حيث قال في وصفها:

لحا اللّه ذات فم أخرس # تطيل من السعي وسواسها

تكبّ على ظهرها ترسها # و تظهر من جلدها رأسها

إذ الحذر أقلق احشاءها # و ضيّق بالخوف أنفاسها

تضمّ إلى نحرها كفّها # و تدخل في جلدها رأسها

الحكم‏

: حكى البغوي في حلها وجهين: و صحح الرافعي التحريم لاستخباثها، لأن غالب أكلها الحيات. و قال ابن حزم: البرية و البحرية حلال، و كذلك بيضها لقوله‏ (1) تعالى:

كُلُوا مِمََّا فِي اَلْأَرْضِ حَلاََلاً طَيِّباً مع قوله‏ (2) : وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مََا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ و لم يفصل لنا تحريم السلحفاة فهي حلال. قال: و كذلك يحل اليربوع و السرطان و الجراذين و أم حبين و الورل و الطير كله. قال: و قد روينا عن عطاء، أنه قال بإباحة أكل السلحفاة. و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه نهى المحرم عن قتل الرخمة و جعل فيها الجزاء و قد قال أبو زيد المروزي من أصحابنا، بعدم تحريم المخاط و البزاق و المني و نحوها و كأنه استغنى بنفرة الطباع عنها فلم يزجر عنها.

و في الأمثال‏

: قالوا (3) : «أبلد من سلحفاة» .

الخواص‏

: ذكر صاحب الفلاحة و القزويني أن البرد، إذا كثر وقوعه على الأرض، و أضر بذلك المكان، تؤخذ سلحفاة و تقلب فيه على ظهرها بحيث تبقى قوائمها شائلة نحو السماء، فإن البرد لا يضر ذلك المكان و إذا لطخت الأيدي و الأقدام بدمها، نفع من وجه المفاصل، و إذا أديم التمسح بدمها نفع من الكزاز و التشنج، و أكل لحمها يفعل ذلك. و إذا جفف دمها و سحق و طلي به على مسرجة فمن أسرجها ضرط و هو سر عجيب مجرب. و أي عضو من الإنسان حصل له وجع، يعلق عليه نظيره من أعضائها فإن الوجع يسكن بإذن اللّه تعالى. و طرف ذنب الذكر منها وقت هيجانه من علقه عليه هيج الباه، و إذا اتخذ من ظهرها مكبة و غطى بها رأس قدر، لم يغل ما دامت عليه.

التعبير

: السلحفاة في المنام امرأة تتزين و تتعطر و تعرض نفسها على الرجل. و قيل: إنها تعبر بقاضي القضاة، لأنها أعلم ما في البحر. و قيل: السلحفاة رجل عالم فمن رأى سلحفاة تكرم في مكان فإن العلماء يكرمون هناك. و من رأى أنه أكل لحم سلحفاة استفاد علما، و قالت النصارى:

إنه ينال مالا و علما و اللّه أعلم.

السلحفاة البحرية:

اللجأة و ستأتي في باب اللام إن شاء اللّه تعالى. قال الجوهري:

و زعموا أن ابنة جندي وضعت قلادتها على سلحفاة فانسابت في البحر، فقالت: يا قوم نزاف نزاف، لم يبق في البحر غير غراف!و هو جمع غرفة من الماء، و السلحفاة البحرية جلدها الذبل الذي يصنع منه الأمشاط و خاصية التسريح بمشط الذبل اذهاب الصيبان من الشعر. و إذا أحرق

____________

(1) سورة البقرة: آية 168.

(2) سورة الأنعام: آية 119.

(3) جمهرة الأمثال 1/203.

35

الذبل و عجن رماده ببياض البيض، و طلي به شقاق الكعبين و الأصابع نفعه. و قيل: الذبل جلد السلحفاة الهندية.

فائدة

: كان للنبي صلى اللّه عليه و سلم مشط من العاج و العاج الذبل، و هو شي‏ء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية يتخذ منه الأمشاط و الأساور. و في الحديث‏ (1) أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أمر ثوبان رضي اللّه تعالى عنه أن يشتري لفاطمة رضي اللّه تعالى عنها سوارين من عاج» أما العاج الذي هو عظم الفيل، فنجس عند الشافعي، و طاهر عند أبي حنيفة، و عند مالك يطهر بصقله فيجوز التسريح بمشط العاج، و هو الذبل و عليه يحمل ما وقع للنووي في شرح المهذب من جواز التسريح به. فمراده بالعاج الذبل لا العاج الذي هو ناب الفيل.

السّلفان:

بكسر السين أولاد الحجل الواحدة سلف مثل صرد و صردان قال أبو عمر: و لم يسمع سلفة للأنثى و لو قيل سلفة كما قيل سلكة لواحدة السلكان لكان جيدا.

السلق:

بالكسر الذئب و الأنثى سلقة و ربما قيل للمرأة السلطة سلقة و منه قوله‏ (2) تعالى:

فَإِذََا ذَهَبَ اَلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدََادٍ أي بسطوا ألسنتهم فيكم. و السالقة الرافعة صوتها عند المصيبة.

السلك:

فرخ القطا و قيل: فرخ الحجل، و الأنثى سلكة، و الجمع سلكان، مثل صرد و صردان. و قيل واحدته سلكانة. و قد ضربت العرب المثل بسليك بن سلكة في العدو و هو تميمي من بني سعد و سلكة أمه، و كانت سوداء و كان يقال له سليك المقانب قال الشاعر:

إلى الهول أمضى من سليك المقانب.

و هو أحد أغربة العرب الآتي ذكرهم إن شاء اللّه تعالى في باب الغين المعجمة.

السلكوت:

طائر قاله في المحكم في رباعي السين.

السلوى:

قال ابن سيده: إنه طائر أبيض مثل السماني واحدته سلوة و السلوى العسل قال خالد بن زهير الهذلي:

و قاسمها باللّه جهدا لأنتم # ألذّ من السلوى إذا ما نشورها (3)

قال الزجاج: أخطأ خالد، إنما السلوى طائر. و قيل: السلوى اللحم. قال الإمام حجة الاسلام الغزالي: و سمي سلوى لأنه يسلي الإنسان عن سائر الإدام، و الناس يسمونه قاطع الشهوات. و قال القزويني و ابن البيطار: إنه السّماني و قال غيرهما: إنه طائر قريب من السماني. و قال الأخفش: لم يسمع له بواحد و يشبه أن يكون واحده سلوى كدفلى للواحد و الجمع، و هو طائر يعيش دهره في قلب اللجة فإذا مرضت البزاة بوجع الكبد، طلبته و أخذته و أكلت كبده فتبرأ، و هو

____________

(1) رواه أبو داود ترجل 21، و ابن حنبل 5-275.

(2) سورة الأحزاب: آية 19.

(3) شار العسل: استخرجه.

36

الذي أنزله اللّه تعالى على بني اسرائيل على القول المشهور و غلط الهذلي فظنه العسل فقال:

ألذ من السلوى إذا ما نشورها

و في صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء و في مسلم في النكاح من حديث محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة رضي اللّه عنه و ذكر أحاديث، منها: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم، و لو لا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر أبدا» (1) . و معناه أنه لم يتغير اللحم أبدا و لم ينتن. قال العلماء: معناه أن بني إسرائيل لما أنزل اللّه عليهم المن و السلوى، نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد و أنتن و استمر من ذلك الوقت. و روى ابن ماجة عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «سيد طعام أهل الدنيا و أهل الجنة اللحم» (2) . و عنه رضي اللّه تعالى عنه: «ما أهدي للنبي صلى اللّه عليه و سلم لحم إلا قبله، و لا دعي إلى لحم إلا أجاب» (3) . و عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، أنه قال: «أطيب اللحم لحم الظهر» . و ما أحسن ما قال شيخنا برهان الدين القيراطي‏ (4) :

لما رأيت سلوى عز مطلبه # عنكم و عقد اصطبارى صار محلولا

دخلت بالرغم مني تحت طاعتكم # ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا

الحكم‏

: يحل أكله بالإجماع.

الخواص‏

: قال ابن زهر: إذا علقت عينه على الأرمد شفي، و إن اكتحل بها نفع من وجع الكبد. و مرارته تخلط بزعفران مداف، و يطلى به على البهق الأسود، يقطعه. و زبله يسحق و يذر على القروح المتأكلة ينفعها، و إذا دفن رأسه في برج حمام، زال عنه سائر الهوام و رأسه إذا بخر به مكان أزال الأرضة منه.

التعبير

: السلوى تدل رؤيته على رفع النكد و النجاة من العدو، و نجاز الوعد و الخير و الرزق الهني‏ء بلا تعب و لا عناء لمن رآه أو ملكه. و ربما دلّت رؤيته على سلوى عن عشيق لأجل اسمه و ربما دلت رؤيته على كفران النعم و زوال المنصب و ضنك العيش لقوله تعالى: أَ تَسْتَبْدِلُونَ اَلَّذِي هُوَ أَدْنى‏ََ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (5) و اللّه أعلم.

السماني:

قال الزبيدي: هو بضم السين و فتح النون على وزن الحبارى، اسم لطائر يلبد بالأرض و لا يكاد يطير إلا أن يطار و السماني طائر معروف. و لا تقل سماني بالتشديد، و الجمع سمانيات و يسمى قتيل الرعد من أجل أنه إذا سمع الرعد مات و يقال: إن فرخه عند ما يخرج من البيض يطير من ساعته. و من عجيب أمره أنه يسكت في الشتاء، فإذا أقبل الربيع يصيح و يغتذي

____________

(1) رواه البخاري: أنبياء 1-25، و ابن حنبل 2، 4، 3.

(2) رواه ابن ماجة: أطعمة 27.

(3) رواه ابن ماجة: أطعمة 27.

(4) القيراطي: إبراهيم بن عبد اللّه بن محمد بن عسكر الطائي شاعر، فقيه، أديب. مات في مكة سنة 781 هـ.

(5) سورة البقرة: آية 61.

37

بالبيش و البيشاء، و هما سم ناقع قاتل. و هو من الطيور القواطع لا يدري من أين يأتي حتى إن بعض الناس يقول: إنه يخرج من البحر المالح فإنه يرى طائرا عليه و أحد جناحيه منغمس فيه، و الآخر منشور كالقلع. و لأهل مصر به عناية و يتغالون في ثمنه.

الحكم‏

: يحل أكله بالإجماع.

الخواص‏

: لحمه حار يابس، و أجوده المخاليف الطرية، و أكله ينفع من وجع المفاصل من برد، لكنه يضر بالكبد الحار، و يدفع ضرره الكسبرة و الخل، و هو يولد دما حارا و هو موافق لذوي الأمزجة الباردة و المشايخ و يكره مشوي السماني ليبسه و تجفيفه. قال ابن عبدون و قال غيره: مزاج لحمه بين الدجاج و الحجل، و هو إلى مزاج الدجاج أميل. و هو جيد الكيموس، و أكله يفتت الحصا و يدر البول و إذا قطر دمه في الأذن سكن وجعها، و إذا أديم أكله ألان القلب القاسي و يقال: إن هذه الخاصية موجودة في قلبه فقط.

التعبير

: السماني تدل رؤيته على الفوائد و الأرزاق من جهة الزرع و الفلاحة. و هو لمن يقصد سماعه دليل على الأرزاق من الشبهات، و ربما دل على اللعب و اللهو و التبذير، و ربما دلت رؤيته على الجرم بما يوجب الحبس و الصلب و اللّه أعلم.

السمحج:

الأتان الطويلة الظهر، و الجمع سماحج. و كذلك الفرس، و لا يقال للذكر.

السّمع:

بكسر السين و إسكان الميم و بالعين المهملة في آخره، ولد الذئب من الضبع، و هو سبع مركب، فيه شدة الضبع و قوتها، و جراءة الذئب و خفته، و يزعمون أنه كالحية لا يعرف العلل و لا يموت حتف أنفه، و أنه أسرع عدوا من الريح. و قال الجوهري: السمع الأزل: الذئب الأرسح و هو القليل لحم الفخذين، و كل ذئب أرسح فإن هذه الصفة لازمة له كما يقال للضبع العرجاء انتهى.

و قد قال بعض الأعراب فيه:

تراه حديد الطّرف أبلج واضحا # أغرّ طويل الباع أسمع من سمع‏

و يقال: إن وثبته تزيد على عشرين أو ثلاثين ذراعا و في كتاب «خبر البشر بخير البشرى» خبر لابن ظفر عن ربيعة ابن أبي نزار، قال: أخبرني خالي قال: لما أظهر اللّه علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بحنين، أشعبنا في كل شعب لا يلوي حميم على حميم، فبينما أنا في بعض الشعاب، إذ رأيت ثعلبا قد تحوى عليه أرقم، و الثعلب يعدو عدوا شديدا، فانتحيت إليه بحجر فما أخطأه، فانتهيت إليه فإذا الثعلب قد سبقني بنفسه، و إذا الأرقم قد تقطع و هو يضطرب، فقمت أنظر إليه فهتف بي هاتف، ما سمعت أفظع من صوته، يقول: تعسا لك و بؤسا قد قتلت رئيسا و وترت بئيسا!ثم قال: يا داثر يا داثر، فأجابه مجيب من العدوة الأخرى: لبيك لبيك، فقال: بادر بادر إلى بني الغدافر، فأخبرهم بما صنع الكافر، فناديت أني لم أشعر و أنا عائد بك فأجرني. فقال: كلا و الحرم الأمين لا أجير من قاتل المسلمين، و عبد غير رب العالمين. قال: فناديت أني أسلم. فقال: إن أسلمت سقط عنك القصاص، و فزت بالخلاص، و الإفلات حين مناص. قال: فقلت: أشهد أن لا إله‏

38

إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه، فقال: نجوت و هديت، و لو لا ذلك لرديت، فارجع من حيث جيت. قال: فرجعت أقفو أدراجي فإذا هو يقول:

امتط السمع الأزل # يعل بك التل

فهناك أبو عامر # يتبع بك الفل‏

قال: فالتفت، فإذا سمع كالأسد النهد، فركبته فمر ينسل حتى انتهى إلى تل عظيم، فتوقل فيه إلى أن تسنمه فأشرفت منه على خيل المسلمين، فنزلت عنه و صوبت في الحدور نحوهم، فلما دنوت منهم خرج إلي فارس كالفالج الهائج، فقال: ألق سلاحك لا أم لك، فألقيت سلاحي فقال لي: من أنت؟قلت: مسلم. قال: فسلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، فقلت: و عليك السلام و الرحمة و البركة. من أبو عامر؟قال: أنا هو قلت: الحمد للّه. فقال: لا بأس عليك، هؤلاء إخوانك المسلمين. ثم قال: إني رأيتك بأعلى التل فارسا فأين فرسك؟قال:

فقصصت عليه القصة فأعجبه ما سمع مني، و سرت مع القوم أقفو بهم أثر هوازن، حتى بلغوا من اللّه ما أرادوه. قال محمد بن ظفر: قوله: تحوى عليه أرقم، أي استدار عليه، و الأرقم الحية التي فيها خطوط كالرقم. و تزعم الأعراب أن الثعالب مطايا الجن، و يكرهون اصطيادها، و يقولون:

إن من صاد ثعلبا أصيب ببعض ماله. و قوله: سبقني بنفسه أي هلك قبل أن أصل إليه. و قوله:

لو لا ذلك لرديت، أي هلكت. و الردى الهلاك. و قوله: أقفو أدراجي أي أتبع طرقي التي جئت فيها و الأدراج السبل و قوله: الفل هم المنهزمون، و قوله: النهد هو العظيم الخلق. و قوله: ينسل أي يعدو، و النسلان عدو الذئب و الكلب و كل ما أشبه ذلك في العدو فهو نسلان. و قوله:

كالفالج هو البعير العظيم ذو السنامين انتهى.

الحكم‏

: تحريم الأكل. و اختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم بقتله كالمتولد بين الحمار الوحشي و الأهلي فقال ابن القاص: لا جزاء في ذلك. و غلط فيه و المذهب أنه يحرم على المحرم التعرض له و يجب فيه الجزاء.

الأمثال‏

: قالوا: «أسمع من سمع و من سمع الأزل» (1) . لأن هذه الصفة لازمة له، كما يقال للضبع: العرجاء.

و هو في الرؤيا يدل على ذي الأصل الردي‏ء. و نقل ما سمعه من كلام جيد و ردي‏ء، و ذلك مأخوذ من اسمه و اللّه أعلم.

السمائم:

بالفتح جمع سمامة و هو ضرب من الطير، كالخطاف لا يقدر على بيضه. و قيل: هو السنونو الآتي قريبا إن شاء اللّه تعالى و هو الطير الأبابيل الذي أرسله اللّه تعالى على أصحاب الفيل.

الأمثال‏

: قالت العرب: «كلفتني بيض السمائم» (2) و يروى بيض السماسم و هو جمع

____________

(1) جمهرة الأمثال 1/433.

(2) المستقصى 2/223.

39

سمسمة و هي النملة و ستأتي إن شاء اللّه تعالى. يضرب للشي‏ء العزيز الوجود.

السمسم:

بالفتح الثعلب.

السمسمة:

بكسر السين، النملة الحمراء. و جمعها سماسم. و قال ابن فارس، في مجمله:

هو النمل الصغار. و بها فسر الحديث، الذي رواه مسلم، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم ذكر «الجهنميين و أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس» (1) . قال الامام النووي قوله: كأنهم عيدان السماسم هو بالسينين المهملتين الأولى مفتوحة، و الثانية مكسورة و هو جمع سمسم و هو السمسم المعروف الذي يستخرج منه الشيرج. و قال أبو السعادات بن الأثير:

السماسم جمع سمسم و عيدانه تراها إذا قلعت و تركت ليؤخذ حبها دقاقا سودا كأنها محترقة قال:

و طالما تطلبت هذه اللفظة و سألت عنها، فلم أجد فيها شيئا شافيا و ما أشبه أن تكون اللفظة محرفة و ربما كانت عيدان السماسم و هو خشب أسود كالآبنوس قال القاضي عياض: لا يعرف معنى السماسم و لعل صوابه السأسم و هو عود أسود. و قيل: هو الآبنوس. و قيل: هو نبت صغير ضعيف كالكسبرة و قال آخرون: لعله السأسم مهموزة و هو الآبنوس شبههم به لسواده.

السمك:

من خلق الماء، الواحدة سمكة، و جمعه أسماك و سموك، و هو أنواع كثيرة و لكل نوع اسم خاص و قد تقدم في آخر الجراد أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: (2) «إن اللّه عز و جل خلق ألف أمة منها ستمائة في البحر و أربعمائة في البر» .

و من أنواع السمك ما لا يدرك الطرف أولها و آخرها لكبرها و ما لا يدركها الطرف لصغرها، و كل يأوي الماء و يستنشقه كما يستنشق بنو آدم، و حيوان البر الهواء، إلا أن حيوان البر يستنشق الهواء بالأنوف و يصل بذلك إلى قصبة الرئة، و السمك يستنشق بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء. و إنما استغنى عن الهواء في إقامة الحياة و لم نستغن نحن و ما أشبهنا من الحيوان عنه، لأنه من عالم الماء و الأرض دون عالم الهواء، و نحن من عالم الأرض و الماء و الهواء. قال الجاحظ: السمك يسبّح اللّه في غمر الماء و لا يسبح في أعلاه. و نسيم البر الذي يعيش به الطير، لو دام على السمك ساعة قتله قال‏ (3) الشاعر:

تغمه النشوة و النسيم # و لا يزال مغرقا يعوم

في البحر و البحر له حميم # و أمه الوالدة الرءوم

تلهمه جهرا و ما يريم‏

و قوله: و أمه الوالدة فيه شاهد على أن الأم في غير الآدميين تسمى أيضا والدة. و قوله تلهمه أي تأكله لأن السمك يأكل بعضه بعضا، و ذلك قوته، و لذلك قال الغزالي: السمك أكثر خلق اللّه تعالى. و قوله: و ما يريم أي لا يبرح عن ذلك الموضع الذي يأكل فيه و ما ذكره الجاحظ من كون النسيم يضر بالسمك فليس على إطلاقه فإن الغزالي قد استثنى منه نوعا لا يضره النسيم، فقال:

____________

(1) رواه مسلم: إيمان 32.

(2) رواه ابن عدي في الكامل 6/2249.

(3) الحيوان للجاحظ 3/264، لأبي العنبر بن أبي نخيلة.

40

و من السمك نوع يطير على وجه البحر مسافة طويلة ثم ينزل انتهى.

قال ابن التلميذ (1) في تشبيه السمك:

لبسن الجواشن خوف الردى # عليهن من فوقهن الخوذ

فلما أتيح لها أهلكت # ببرد النسيم الذي يستلذ

و هو بجملته شره كثير الأكل لبرد مزاج معدته و قربها من فمه و إنه ليس له عنق و لا صوت و لا يدخل إلى جوفه هواء البتة، و لذلك يقول بعضهم: إن السمك لا رئة له، كما أن الفرس لا طحال له، و الجمل لا مرارة له، و النعامة لا مخ لها و صغار السمك تحترس من كباره، و لذلك تطلب ماء الشطوط و الماء القليل الذي لا يحمل الكبير، و هو شديد الحركة لأن قوته المحركة للإرادة، تجري في مسلك واحد لا ينقسم في عضو خاص، و هذا بعينه موجود في الحيات. و من السمك ما يتولد بسفاد، و منه ما يتولد بغيره إما من الطين أو من الرمل، و هو الغالب في أنواعه، و الغالب يتولد من العفونات. و بيض السمك ليس له بياض و لا صفرة، و إنما هو لون واحد قال الجاحظ: و من السمك القواطع و الأوابد كما في الطير، فرب سمكة تأتي في بعض فصول السنة و تنقطع في بعضها. و من جملة أنواعه السقنقور، و الدلفين، و الخرشفلا، و التمساح. و قد تقدم ذكرها في أبوابها و منها: القرش و العنبر، و سيأتيان في بابيهما، إن شاء اللّه تعالى و من أصنافه ما هو على شكل الحيات، و غير ذلك، و من أنواعه السمكة الرعادة هي صغيرة إذا وقعت في الشبكة و الصياد ممسك حبلها، ارتعدت يد الصياد و الصيادون يعرفون ذلك فإذا أحسوا بها شدوا حبل الشبكة في وتد أو شجرة حتى تموت السمكة، فإذا ماتت بطلت خاصيتها. و ما أحسن قول الشيخ شرف الدين محمد بن حماد بن عبد اللّه البوصيري‏ (2) صاحب البردة في الشيخ زين الدين محمد بن الرعاد:

لقد عاب شعري في البرية شاعر # و من عاب أشعاري فلا بد أن يهجى‏ (3)

فشعري بحر لا يرى فيه ضفدع # و لا يقطع الرعاد يوما له لجا

و أطباء الهند يستعملونها في الأمراض الشديدة الحر، و أما في غير بلاد الهند فلا يمكن استعمالها.

قال ابن سيده: الرعادة إذا قربت من رأس المصروع، و هي حية، نفعته. و إذا علقت المرأة شيئا منها عليها لم يقدر الرجل على فراقها. و في البحر من العجائب ما لا يستطاع حصره، و يكفي في ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «حدثوا عن البحر و لا حرج» أي حدثوا عنه حيث لا حرج عليكم في ذلك.

و من أنواعه: الشيخ اليهودي و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الشين المعجمة.

عجيبة:

حكى القزويني، في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون المغربي، قال:

____________

(1) ابن التلميذ: هبة اللّه بن صاعد. توفي سنة 560 هـ.

(2) البوصيري: محمد بن سعيد بن حمّاد أبو عبد اللّه، شاعر مليح المعاني. مات سنة 696 هـ.

(3) البيتان في فوات الوفيات 3/368.

41

ركبت بحر المغرب فوصلت إلى موضع يقال له البرطون، و كان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا اللّه و في قفاها محمد و خلف أذنها اليسرى رسول اللّه.

و في كتاب تحفة الألباب لأبي حامد الأندلسي الغرناطي، ان في بحر الروم سمكا صغيرا كالذراع يسمى التلب إذا أخذ و أمسك ما شاء اللّه لا يموت بل يتحرك و يضطرب، و إذا جعل منه قطعة على النار، وثب خارج النار و ربما أصاب وجوه الناس، و إن جعلت سمكة منه في قدر و غطي رأسها بصخرة أو حديدة لئلا تخرج منها فما لم تنضج لم تمت و لو قطعت ألف قطعة.

فوائد

: روى الإمام أحمد، في الزهد، عن نوف البكالي، قال: انطلق رجل مؤمن و رجل كافر يصيدان السمك، فجعل الكافر يلقي شبكته و يذكر آلهته فتمتلئ سمكا، و يلقي المؤمن شبكته و يذكر اسم اللّه تعالى فلا يصطاد شيئا. قال: ففعلا ذلك إلى مغيب الشمس، ثم إن المؤمن، اصطاد سمكة فأخذها بيده فاضطربت فوقعت في الماء، فرجع المؤمن و ليس معه شي‏ء و رجع الكافر و قد امتلأت سفينته، فأسف ملك المؤمن و قال: رب عبدك المؤمن الذي يدعوك رجع و ليس معه شي‏ء، و عبدك الكافر رجع و قد امتلأت سفينته. فقال اللّه عز و جل لملك المؤمن:

تعال، فأراه مسكن المؤمن في الجنة. فقال: ما يضر عبدي هذا المؤمن ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا. و أراه مسكن الكافر في النار، فقال: هل يغني عنه من شي‏ء أصابه في الدنيا؟قال: لا و اللّه يا رب.

و منها في آخر صفوة الصفوة عن أبي العباس بن المسروق، قال: كنت باليمن فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل و على جانبه ابنة له، كلما اصطاد سمكة تركها في دوخلة معه، فتردها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم ير شيئا فقال: يا بنية أي شي‏ء صنعت بالسمك؟ فقالت: يا أبت سمعتك تروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لا تقع سمكة في شبكة إلا غفلت عن ذكر اللّه» فلم أحب أن آكل شيئا غفل عن ذكر اللّه. فبكى الرجل و رمى بالصنارة. و منها، في كتاب الثواب، عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أنه كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة، فلم توجد حتى وجدت بعد كذا و كذا يوما فاشتريت بدرهم و نصف، و شويت و حملت له على رغيف، فقام سائل على الباب فقال للغلام: لفها برغيفها و ادفعها إليه.

فقال الغلام: أصلحك اللّه اشتهيتها منذ كذا و كذا يوما، فلم نجدها فلما وجدناها و اشتريناها بدرهم و نصف أمرت أن ندفعها له نحن نعطيه ثمنها، فقال: لفها و ادفعها إليه فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهما و تدع هذه السمكة؟فأخذ منه درهما وردها، فعاد الغلام و قال له: دفعت له درهما و أخذتها منه فقال له: لفها و ادفعها إليه، و لا تأخذ منه شيئا، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: (1) «أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته و آثر بها على نفسه غفر اللّه له» .

و منها ما روى الطبراني، بإسناد صحيح، عن نافع، أن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما اشتكى فاشتهى عنبا فاشترى له عنقود عنب بدرهم، فجاء مسكين فقال: اعطوه إياه فخالف

____________

(1) رواه ابن عدي في الكامل 5/1778.

42

إنسان، فاشتراه بدرهم ثم جاء به إليه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم في الرابعة أكله و لو علم ذلك ما ذاقه. و قال سريج بن يونس: خرجت يوما لصلاة الجمعة، فرأيت سمكتين مشويتين فاشتهيتهما بقلبي للصبيان، و لم أتكلم، فلما رجعت لم أستقر إلا قليلا، حتى دق الباب رجل و على رأسه طبق عليه السمكتان و نقل و خل و رطب كثير، فقال: يا أبا الحارث كل هذا مع الصبيان.

و قال عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل: سمعت سريج بن يونس يقول: رأيت رب العزة في المنام فقال لي: يا سريج سل حاجتك فقلت: يا رب سر بسر ا هـ و سر بسر لفظة أعجمية يعني رأسا برأس. و في تاريخ ابن خلكان أن سريجا هذا جد أبي العباس إمام الفقهاء الشافعية.

الحكم‏

: السمك بجميع أنواعه حلال بغير ذبح، سواء مات بسبب ظاهر، كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من صياد أو مات حتف أنفه لعموم ما تقدم من قوله صلى اللّه عليه و سلم:

«أحلت لنا ميتتان و دمان السمك و الجراد و الكبد و الطحال» (1) و أجمع المسلمون على طهارة ميتتهما، و سيأتي في باب العين إن شاء اللّه تعالى، حديث العنبر الذي وجده أبو عبيدة و أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم، و أكل منه النبي صلى اللّه عليه و سلم.

فرع‏
: لو اصطاد مجوسي سمكا فهو طاهر، لقول الحسن: رأيت سبعين صحابيا يأكلون صيد المجوسي من الحيتان، و لا يتلجلج في صدورهم من ذلك شي‏ء. و هذا في السمك مجمع عليه و خالف مالك في الجراد.

فرع‏
: لا يحل قطع السمكة الحية لما فيه من التعذيب، كما لو قلاها قبل الموت في الزيت المغلي كذا قاله أبو حامد. قال النووي: و هذا تفريع على اختياره تحريم ابتلاعها حية و ذلك مباح.

ا هـ قلت: و هذا مشكل فلا يلزم من جواز الابتلاع جواز القلي لما فيه من التعذيب بالنار.

فرع‏
: يكره ذبح السمك، إلا أن يكون كبيرا يطول بقاؤه، فيستحب ذبحه في الأصح إراحة له و قال الرافعي: أكل السمكة الصغيرة إذا شويت و لم يشق جوفها و لم يخرج ما فيه، فيه وجهان: و على المسامحة جرى الأولون، قال الروياني: و بهذا أفتى و رجيعها طاهر عندي و هو مختار القفال.

فرع‏
: اختلف العلماء في الحيوان الذي في البحر سوى الحوت، فقال بعضهم: يؤكل جميع ما في البحر سوى الضفدع، و لو كان على صورة إنسان و إلى هذا ذهب أبو علي الطيبي من قدماء أصحابنا، قال في شرح القنية: قيل له: أ رأيت لو كان على صورة بني آدم؟قال: و إن تكلم بالعربية و قال: أنا فلان بن فلان، فإنه لا يصدق انتهى. و هذا ضعيف شاذ و قال آخرون: يؤكل الجميع إلا ما كان على صورة الكلب و الخنزير و الضفدع.

و قيل: كل ما أكل في البر مذبوحا، يؤكل مثله في البحر مذبوحا، و غير مذبوح على الأصح. و قيل: لا بد من ذبحه و اختاره الصيدلاني، فعلى هذا لا يحل كلب الماء و لا خنزيره و لا

____________

(1) رواه ابن ماجة: أطعمة 31.

43

حمار البحر و إن كان له شبه في البر حلال، و هو الحمار الوحشي لأن له شبها في البر حرام و هو الحمار الأهلي تغليبا للتحريم، كذا قاله في الروضة و شرح المهذب. قلت: المهذب المفتى به حل الجميع إلا السرطان و الضفدع و التمساح سواء كانت على صورة كلب أو خنزير أو انسان أم لا.

فرع‏
: لو حلف إنسان لا يأكل لحما لم يحنث بأكل لحم السمك لأنه لا يفهم إطلاق اسم اللحم عليه عرفا، و إن سماه اللّه تعالى لحما طريا. كما لا يحنث بالجلوس في الشمس إذا حلف أنه لا يجلس في ضوء السراج و إن سماها اللّه تعالى سراجا، و كما لا يحنث بالجلوس على الأرض إذا حلف أنه لا يجلس على بساط و إن سماها اللّه تعالى بساطا.

فرع‏
: قد اختلف في إطلاق اسم السمك على ما سوى الحوت من هذه الحيوانات، و الذي نص عليه الشافعي في الأم و المختصر، أنه يطلق على الجميع و هو الصحيح في الروضة. و قال في اختلاف العراقيين في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَ طَعََامُهُ مَتََاعاً لَكُمْ (1) الآية قال أهل التفسير: طعامه كل ما فيه و هو يشبه ما قال و اللّه أعلم. هذه عبارته، و هي صريحة في حل الجميع و ذكر في المنهاج أن السمك لا يقع إلا على الحوت.

فرع‏
: يجوز السلم فيه و في الجراد حيا و ميتا عند عموم الوجود و يوصف كل جنس بما يليق به. و لا يجوز بيع السمك في الماء، لما روى الإمام أحمد عن محمد بن السماك عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر» (2) . قال البيهقي: هكذا روي موقوفا و فيه إرسال بين المسيب و ابن مسعود. و الصحيح ما رواه هشيم عن يزيد موقوفا، عن عبد اللّه أنه كره بيع السمك في الماء.

فرع‏
: ما يعيش في البر و البحر: الضفدع و التمساح و الحية و اللجأة و السرطان و السلحفاة و الحلزون و الدعاميص و الأصداف و النسناس. أما الستة الأولى فمحرمة. و أما الحلزون فتقدم حكمه في باب الحاء المهملة. و أما الدعاميص فعلى قول القاضي: أنها ماء منعقد، و لا يعيش إلا في الماء يحل أكلها، و على قول الجاحظ: يحرم لأن البعوض حرام. و قد تقدم بيان حكمها في باب الدال المهملة. و الصدف حرام كما تقدم في السرطان. و في النسناس خلاف يأتي إن شاء اللّه تعالى في باب النون.

الخواص‏

: لحمه بارد رطب أجوده البحري المرقش الظهر الصغير المفلس منفعته تخصيب الأبدان المعرقة، لكنه يعطش و يولد خلطا بلغميا يوافق أصحاب الأمزجة الحارة و الشباب و أجود ما أكل في الصيف و في البلاد الحارة. و أنواع السمك كثيرة، و يكره من جملتها الأسود و الأصفر و الآجامي و ما اغتذى بالحمأة. و يكره الابراميس و البوري لمضرتهما بالمعدة، و إطلاقهما البطن، و تحريكهما الأوجاع و الغضب بعد أكلهما يورث أمراضا رديئة، و سمك الأنهار كثير الشوك، رقيقه كثير الرطوبة و البحري بالضد. و السلور و هو الجري كثير الغذاء ملين للبطن و ينقي قصبة الرئة

____________

(1) سورة المائدة: آية 96.

(2) رواه ابن حنبل 1-388.

44

و يصفي الصوت. و المارماهيج يزيد في المني و شحم الكلى. و العظيم الجثة من السمك كثير الغذاء و الفضول. و قال ابن سينا: لحم السمك نافع لماء العين، و يحد البصر مع العسل. و قال غيره يزيد في الباه و قال القزويني: إن أكل الطري منه مع البصل الرطب يهيج الباه، و يزيد فيه إذا أكله حارا. و السمك إذا شمه السكران يرجع إليه عقله، و يزول عنه سكره. و مرارته و مرارة السلحفاة البحرية، إذا خلطتا و كتب بهما على كاغد بقلم حديد، فإن الكتابة ترى بالليل كأنها ذهب و مرارة السمك و الكركي و الحجل تمنع نزول الماء اكتحالا. و مرارة السمك إذا شربت نفعت من الخفقان، و كذلك إذا نفخت في الحلق مع شي‏ء من السكر.

التعبير

: السمك في الرؤيا إذا عرف عدده إلى أربع فهو نساء، و إن كان أكثر من أربع فهو مال و غنيمة لقوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا (1) و هو السمك.

و الحوت يعبر بوزير الملك، و السمك جنده فمن أخذ سمكا نال من جند الملك مالا، و من رأى كأنه يصطاد السمك في بئر فإنه لوطي، أو يبيع خادمه لإنسان. و قالت النصارى: صيد السمك في الماء الكدر لا خير فيه. و من رأى أنه يصيد السمك في الماء الصافي، فإنه يسمع كلاما يسر به، و السمك للمريض الملازم للفراش دليل ردي‏ء بسبب الرطوبات، و إذا رآه المسافر في فراشه دل على شدة، و ربما يخشى على صاحب الرؤيا من الغرق، لأنه قد ضاجعه. و من رأى كأنه يصيد السمك من الماء الصافي، فإنه يرزق ولدا سعيدا، و السمك المالح هم من قبل السلطان، و ذلك لكبس بعضه فوق بعض و قيل: السمك المالح يدل على خير و مال باق، لأن الملح يحفظ السمك من التلف و قيل: إنه هم من قبل المماليك، و السمك المشوي يدل على سفر في طلب علم. و من رأى سمكة خرجت من فرجه، و له امرأة حامل، بشر بجارية. و إن رأى سمكا كثيرا، و بينها سمكة عظيمة و يرى أكبر السمك قد صلبت، فإن الجائر و الباغي يهلك. و السمك المقلي يدل على إجابة دعوة من رآه لأن عيسى عليه الصلاة و السلام دعا اللّه فأجيب بالسمك المقلي في المائدة.

و رؤية الكبار من السمك غنائم و أموال، و الصغار هموم و أحزان، لأن شوك الصغار أكثر من لحمه و يشق على آكله.

فصل‏

: الحوت تدل رؤيته على اليمين لأن اللّه تعالى أقسم به، فقال‏ ن وَ اَلْقَلَمِ (2) و ربما دلت رؤيته على معبد الصالحين، و مسجد المتعبدين، لأن يونس عليه السلام كان يسبح اللّه تعالى في بطنه، و ربما دلت رؤيته على الغم و النكد، و زوال المنصب و حلول الغضب، لأن اللّه تعالى حرم على اليهود صيدهم يوم السبت، فخالفوا أمره فاستوجبوا بذلك اللعن. و رؤية حوت يونس عليه السلام أمن للخائف، و غنى للفقير، و فرج لمن هو في شدة. و كذلك رؤية سجن يوسف و الكهف و الرقيم و تنور نوح عليه السلام.

فصل‏

: و اعتبر من السمك الطري و الحلو و المالح، و ما له شوك و ما له سلاح، و ما يقدد منه و ما يأوي البحر العذب، و ما يأوي البحر الملح، و ما له صوت يسمع، و ما يطفو على وجه الماء، من صغاره و كباره و ما له شبه في البر، و ما يأنس منه في البيوت، و ما يمسك منه باليد من غير آلة.

____________

(1) سورة النحل: آية 14.

(2) سورة القلم: آية 1.

45

و أعطى الرائي حقه من ذلك، فمن رأى أنه اصطاد من البحر سمكا طريا حلوا بآلة، دل على الكسب الحلال، و السعي فيه و اقتناء الرزق الحلال، و الصيد للرجل دال على احتياله برأيه و جهده، فإن كان الرائي أعزب تزوج، و إن كان متزوجا رزق ولدا على قدر ما صاده في المنام.

و صيد المرأة يدل على مال تحرزه من زوجها أو أبيها. و صيد العبد دليل على ما يتناوله من مال سيده، و صيد الصغير دليل على ما يحفظه من علم أو صناعة أو مال يرثه من أبويه، فإن كانت آلة صيده شباكا أو خطاطيف أو ما يعمق في البحر، كان ذلك شدة ينالها الرائي و خطرا يرتكبه، فإن كانت آلة صيده خفيفة، و طلع فيها ما يطلع في غيرها من الآلات الثقال، دل على بسط الرزق و تسهيل الأمور، و إن طلع في الآلات الثقال ما يطلع في السهلة، دل على التعب و النصب و على اليسير من الرزق، فإن طلع له سمك كثير فإنه رزق مما دل عليه البحر. و سيأتي الكلام إن شاء اللّه تعالى فيما يدل عليه البحر، في باب الفاء في فرس البحر. فإن كان البحر مالحا نال فائدة أو علما من أعجمي أو مبتدع. فإن كان ما صاده له شوك و قشر كانت فضة محرزة أو ذهبا، فإن كان ليس له قشر دل على أعمال باطلة لا تتم و ذلك لسرعة انصرافه من الأيدي و ملوسته.

و إن كان للسمك سلاح كالشال و الشلبا، دل على انتصاره على أعدائه، و ربما صادق أهل الشرّ، فإن كان ممن يقدد فهي بضاعة لأرباب البضائع، و إن رأى سمك البحر الحلو ينتقل إلى البحر الملح، أو سمك الملح ينتقل إلى الحلو، دل على النفاق في الجيش و اختلاف العامة فيما جرت به العوائد، من حدوث مظلمة، أو ظهور بدعة.

فإن رأى السمك طافيا على وجه الماء، دل على تسهيل الأمور و قرب البعيد و إظهار الأسرار و إخراج المخبآت، أو مال أصله من ميراث. فإن رأى عنده سمكا صغارا و كبارا، دل على الاهتمام بالأفراح و الأحزان، أو ما يوجب الاجتماع بين الجيد و الردي‏ء.

فإن رأى عنده سمكا، مما يشبه خلق الآدمي أو الطير، دل على التعرف بالتجار المترددين في البر و البحر، أو التراجمة العارفين بالألسنة، أو المتخلقين بالأخلاق المرضية، و يعتبر ذلك بالشبه، فإن رأى عنده شيئا مما يأنس للإنسان أو يربى في البيوت كاللجأة و القرموط، و ما أشبههما كان دليلا على الإحسان للأيتام و الغرباء.

فإن رأى أنه أخذ السمك من قاع البحر، فإنه ربما طالت يده في صناعته و حصل له رزق طائل، أو تعرض لأموال السلاطين، أو صار لصا أو جاسوسا، فإن انكشف البحر و تناول سمكا أو جوهرا اطلع على علم من غيب اللّه تعالى، باطلاع اللّه تعالى له، و اتضح له الدين و اهتدى إلى السبيل، و كانت عاقبة أمره في ذلك عقبى حسنة. فإن عاد السمك منه إلى البحر صحب الأولياء و اطلع منهم على ما لم يطلع عليه أحد، و إن نوى سفرا وجد رفقة يوافقونه و يرتفق بهم و يرجع إلى مكانه سالما غانما و اللّه أعلم.

السمندل:

بفتح السين و الميم و بعد النون الساكنة دال مهملة و لا في آخره و سماه الجوهري السندل بغير ميم، و ابن خلكان السمند بغير لام. و هو طائر يأكل البيش، و هو نبت بأرض الصين يؤكل و هو أخضر بتلك البلاد، فإذا يبس كان قوتا لهم و لم يضرهم فإذا بعد عن الصين، و لو مائة

46

ذراع و أكله مات من ساعته. و من عجيب أمر السمندل استلذاذه بالنار و مكثه فيها. و إذا اتسخ جلده لا يغسل إلا بالنار و كثيرا ما يوجد بالهند، و هي دابة دون الثعلب خلنجية اللون حمراء العين ذات ذنب طويل، ينسج من وبرها مناديل، إذا اتسخت ألقيت في النار فتنصلح و لا تحترق. و زعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض و يفرخ في النار، و هو بالخاصية لا تؤثر فيه النار و يعمل من ريشه مناديل تحمل إلى بلاد الشام. فإذا اتسخ بعضها، طرح في النار فتأكل النار وسخه الذي عليه و لا يحترق المنديل. قال ابن خلكان: و لقد رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة، في طوله و عرضه فجعلوها في النار، فما عملت فيها شيئا فغمسوا أحد جوانبها في الزيت، ثم تركوه على فتيلة السراج فأشعل، و بقي زمانا طويلا مشتعلا، ثم أطفئوه، فإذا هو على حاله ما تغير منه شي‏ء. قال: و رأيت، بخط شيخنا العلامة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي‏ (1) ، أنه قال قدم للملك الظاهر ابن الملك الناصر صلاح الدين، صاحب حلب قطعة سمندل عرض ذراع في طول ذراعين فصاروا يغمسونها في الزيت، و يوقدونها حتى يفنى الزيت و ترجع بيضاء كما كانت، ذكره في ترجمة يعقوب بن جابر المنجنيقي‏ (2) ، مع زيادة أخرى و أبيات تأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت. و قال القزويني: السمندل نوع من الفأر يدخل النار و ذكر كما تقدم و المعروف أنه طائر كما حكاه البكري في كتاب المسالك و الممالك و غيره أيضا.

الخواص‏

: مرارته إذا سقى منها وزن دانق بماء الحمص المغلي المصفى، بلبن حليب مرارا كثيرة، من به السموم القاتلة، أبرأه منها. و دماغه، إذا اكتحل به، مع الإثمد، صاحب الماء النازل، أبرأه، و يحفظ الحدقة من سائر الداء. و دمه إذا طلي به على الوضح أي البرص غير لونه.

و من بلع شيئا من قلبه لا يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه. و مرارته تنبت الشعر و لو على الراحة.

السمّور:

و هو بفتح السين و بالميم المشددة المضمومة، على وزن السفود و الكلوب، حيوان بري يشبه السنور، و زعم بعض الناس أنه النمس، و إنما البقعة التي هو فيها هي التي أثرت في تغير لونه و قال عبد اللطيف البغدادي: إنه حيوان جري‏ء ليس في الحيوان أجرأ منه على الإنسان، لا يؤخذ إلا بالحيل، و ذلك بأن يدفن له جيفة فيغتال بها، و لحمه حار، و الترك يأكلونه، و جلده لا يدبغ كسائر الجلود انتهى.

و من غريب ما وقع للنووي، في تهذيب الأسماء و اللغات، أنه قال: السمور طائر، و لعله سبق قلم. و أعجب منه ما حكاه ابن هشام البستي، في شرح الفصيح، أنه ضرب من الجن، و خص هذا النوع، باتخاذ الفراء من جلوده، للينها و خفتها، و دفأتها و حسنها، و يلبسه الملوك و الأكابر. قال مجاهد: رأيت على الشعبي قباء سمور.

____________

(1) البغدادي: عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي عالم في الأدب و الطب و الفلسفة ولد في بغداد و مات فيها سنة 629 هـ.

(2) المنجنيقي: يعقوب بن صابر بن بركات أبو يوسف (كذا الاسم في الأعلام) ، شاعر متفوق مات سنة 626 هـ.

47

و حكمه‏

: حل الأكل إلحاقا له بالثعلب، و لأنه لا يأكل شيئا من الخبائث.

التعبير

: هو في الرؤيا، يدل على رجل ظالم لص، لا يخالط أحدا و اللّه أعلم.

السّميطر:

على مثال العميثل طائر طويل العنق جدا، يرى أبدا في الماء الضحضاح، يكنى بأبي العيزار، كذا قاله الجوهري. و يقال له الشبيطر، و الظاهر أنه مالك الحزين، و هو البلشون كما تقدم، و سيأتي في باب الميم، إن شاء اللّه تعالى.

السمندر و السميدر:

دابة معروفة عند أهل الهند و الصين قاله ابن سيده.

سناد:

قال القزويني: إنه حيوان على صفة الفيل، إلا أنه أصغر منه جثة و أعظم من الثور، و قيل: إن ولدها يخرج رأسه من فرج أمه و يرعى حتى يقوى، فإذا قوي خرج و هرب من الأم، مخافة أن تلحسه بلسانها، لأن لسانها مثل الشوك فإن وجدته لحسته حتى ينحاز لحمه عن عظمه و هو كثير ببلاد الهند.

الحكم‏

: يحرم أكله كالفيل.

السنجاب:

حيوان على حد اليربوع، أكبر من الفأر، و شعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء، يلبسه المتنعمون. و هو شديد الحيل، إذا أبصر الانسان صعد الشجرة العالية، و فيها يأوي و منها يأكل. و هو كثير ببلاد الصقالبة و الترك، و مزاجه حار رطب، لسرعة حركته عن حركة الإنسان. و أحسن جلوده الأزرق الأملس و قد أحسن القائل:

كلما ازرقّ لون جلدي من البر # د تخيلت أنه سنجاب‏

و حكمه‏

: حل الأكل لأنه من الطيبات. و قال بتحريم أكله، القاضي من الحنابلة، و علله بأنه ينهش الحيات، فأشبه الجرذ. و استدل الجمهور بأنه يشبه اليربوع، و متى تردد بين الإباحة و التحريم غلبت الإباحة، لأنها الأصل و إذا ذكي السنجاب ذكاة شرعية، جاز لبس فرائه، و إن خنق ثم دبغ جلده، لم يطهر شعره على الأصح كسائر جلود الميتة، لأن الشعر لا يتأثر بالدباغ، و قيل: يطهر الشعر تبعا للجلد، و هي رواية الربيع الجيزي عن الشافعي، و لم ينقل عنه في المهذب سوى هذه المسألة. و هذا الوجه صححه الأستاذ أبو اسحاق الأسفراييني، و الروياني، و ابن أبي عصرون، و اختاره السبكي و غيره، لأن الصحابة قسموا في زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه الفراء المغنومة من الفرس، و هي ذبائح مجوس.

و في صحيح مسلم من حديث أبي الخير مرثد بن عبد اللّه البرني، قال: رأيت على ابن وعلة السبائي فروا فمسسته، فقال: ما لك تمسه!قد سألت ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قلت له:

إنا نكون بالمغرب، و معنا البربر و المجوس، فيؤتى بالكبش، قد ذبحوه، و نحن لا نأكل ذبائحهم، و يأتون بالسقاء فيجعلون فيه الودك. فقال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: قد سألنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن ذلك فقال: «دباغه طهوره» (1) .

____________

(1) رواه مسلم: حيض 105، و ابن حنبل: 1-219 و النسائي: فرع 20.

48

الخواص‏

: لحمه يطعم للمجنون يزول جنونه، و يأكله صاحب الأمراض السوداوية ينفعه.

قال في المفردات: أسخان السنجاب قليل لأن الأغلب على مزاج حيوانه كثرة الرطوبة و قلة الحرارة، لاغتذائه بالفواكه، و لذلك يصلح لبسه للمحرورين و الشباب لأنه يسخن إسخانا معتدلا.

السنداوة:

الذئبة.

السنة:

الذئبة أيضا.

السندل:

هو السمندل المتقدم ذكره قريبا، و السندل لقب عمرو بن قيس المكي و هو متروك الحديث و له في سنن ابن ماجة حديثان ضعيفان.

السّنّور:

بكسر السين المهملة و فتح النون المشددة، واحد السنانير، حيوان متواضع ألوف خلقه اللّه تعالى لدفع الفأر، و كنيته أبو خداش و أبو غزوان و أبو الهيثم و أبو شماخ، و الأنثى أم شماخ. و له أسماء كثيرة.

قيل: إن أعرابيا صاد سنورا فلم يعرفه، فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور؟و لقي آخر فقال: ما هذا الهر؟ثم لقي آخر فقال: ما هذا القط؟ثم لقي آخر فقال: ما هذا الضيون؟ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيدع؟ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيطل؟ثم لقي آخر فقال: ما هذا الدم؟فقال الأعرابي: أحمله و أبيعه لعل اللّه تعالى يجعل لي فيه مالا كثيرا فلما أتى به إلى السوق، قيل له: بكم هذا؟فقال بمائة فقيل له: إنه يساوي نصف درهم، فرمى به و قال: لعنة اللّه، ما أكثر أسماءه و أقل ثمنه!و هذه الأسماء للذكر، قاله في الكفاية. و قال ابن قتيبة: يقال في الأنثى سنورة كما يقال في أنثى الضفادع ضفدعة انتهى.

قلت: و لا يمتنع القياس في خيطلة و ضيونة و قطة و خيدعة و هرة. روى الحاكم، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: كان النبي صلى اللّه عليه و سلم «يأتي دار قوم الأنصار، و دونهم دور لا يأتيها» .

فشق عليهم ذلك، فكلموه فقال: (1) «إن في داركم كلبا» . قالوا: فإن في دارهم سنورا، فقال:

السنور سبع. ثم قال: حديث صحيح.

و روى نعيم بن حماد، في كتاب الفتن، عن أبي شريحة الغفاري، صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: (2) «يحشر رجلان من مزينة، هما آخر الناس حشرا، يقبلان من جبل قد توارى، حتى يأتيا معالم الناس، فيجدا الأرض وحوشا حتى يأتيا المدينة، فإذا بلغا أدنى المدينة قالا: أين الناس فلا يريان أحدا، فيقول أحدهما لصاحبه: الناس في دورهم فيدخلان الدور فإذا ليس فيها أحد، و إذا على الفرش الثعالب و السنانير، فيقول أحدهما لصاحبه: أين الناس فيقول: أراهم في الأسواق قد شغلهم البيع، فيخرجان حتى يأتيا الأسواق فلا يجدا فيها أحدا، فينطلقا حتى يأتيا

____________

(1) رواه أبو داود: لباس 45، و الترمذي: ادب 44.

(2) رواه البخاري: مدينة 5. و ابن حنبل 2-234.

49

باب المدينة فإذا عليها ملكان فيأخذان بأرجلهما و يسحبانهما إلى أرض المحشر، فهما آخر الناس حشرا» .

غريبة

: قيل: كان لركن الدولة سنور يألف مجلسه، و كان بعض أصحابه، إذا أراد الاجتماع به فيعسر عليه ذلك، كتب حاجته في رقعة و علقها في عنق السنور، فيراها ركن الدولة فيأخذ الرقعة و يقرؤها، و يكتب جوابها، عليها ثم يشدها في عنق السنور، فيرجع بها إلى صاحبها. و قيل: إن أهل سفينة نوح عليه السلام تأذوا من الفأر فمسح نوح عليه السلام جبهة الأسد فعطس، فرمى بالسنور فلذلك هو أشبه شي‏ء بالأسد، بحيث لا يمكن أن يصور الهر إلا جاء أسدا، و هو ظريف لطيف يمسح بلعابه وجهه، و إذا تلطخ شي‏ء من بدنه نظفه، و هو في آخر الشتاء تهيج شهوته، فيتألم ألما شديدا من لذع مادة النطفة فلا يزال يصيح حتى يلقي تلك المادة.

و إذا جاعت الأنثى أكلت أولادها، و قيل: إنها تفعل ذلك لشدة محبتها لهم و أنشد (1) الجاحظ:

جاءت مع الاشفين في هودج # تزجى إلى النصرة أجنادها

كأنها في فعلها هرة # تريد أن تأكل أولادها

معنى تزجي تسوق قال اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً (2) أي يسوق سحابا.

و إذا بال السنور ستر بوله حتى لا يشم رائحته الفأر فيهرب، فيشمه أولا، فإذا وجد رائحته شديدة، غطاه بحيث يواري الرائحة و الجرم، و إلا اكتفى بأيسر التغطية. قالوا: و الفأرة تعرف رجيع السنور، و ذكر الزمخشري أن اللّه تعالى ألهم الهرة ذلك، ليتنبه بذلك قاضي الحاجة من الناس فيغطي ما يخرج منه. و إذا ألف السنور منزلا، منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك المنزل، و حاربه أشد محاربة و هو من جنسه، علما منه بأن أربابه ربما استحسنوه و قدموه عليه، أو شاركوا بينه و بينه في المطعم، و إن أخذ شيئا مما يخزنه أصحاب المنزل عنه هرب علما منه بما يناله منهم من الضرب. و إذا طردوه تملقهم و تمسح بهم، علما منه بأنه يخلصه التملق و يحصل له العفو و الإحسان. و قد جعل اللّه تعالى في قلب الفيل الفرق منه، فهو إذا رأى سنورا هرب. و حكي أن جماعة من أهل الهند هزموا بذلك.

و السنور ثلاثة أنواع: أهلي، و وحشي، و سنور الزباد. و كل من الأهلي و الوحشي له نفس غضوبة يفترس و يأكل اللحم الحي و يناسب الإنسان في أمور: منها أنه يعطس و يتثاءب و يتمطى و يتناول الشي‏ء بيده، و تحمل الأنثى في السنة مرتين، و مدة حملها خمسون يوما. و الوحشي حجمه أكبر من حجم الأهلي قال الجاحظ: قال العلماء: اتخاذ السنور و تربيته مستحبة. و ذكر القزويني في الاشكال، عن ابن الفقيه، أن لبعض السنابير أجنحة كأجنحة الخفافيش من أصل الأذن إلى الذنب، فإن صح ذلك فالظاهر أنه كالسنور البري، عملا بالمشاكلة. و قال مجاهد: جاء رجل إلى شريح القاضي، يخاصم آخر في سنور فقال: بينتك؟قال: ما أجد بينة في سنور ولدته أمه عندنا.

____________

(1) البيتان في الحيوان للجاحظ: 1/197 و نسبهما إلى السيد بن محمد الحميري.

(2) سورة النور: آية 43.

50

فقال شريح: اذهبا به إلى أمه فإن استقرت و استمرت و درت، فهو سنورك، و إن هي اقشعرت و ازبأرت و هربت فليست بسنورك.

الحكم‏

: الأصح تحريم أكل السنور الأهلي و الوحشي، لما روي في الحديث المتقدم، أنه سبع. و روى البيهقي و غيره، عن أبي الزبير، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه قال: (1) «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن أكل الهرة و أكل ثمنها» . و في صحيح مسلم و مسند الإمام أحمد و سنن أبي داود أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن بيع السنور» (2) . فقيل: محمول على الوحشي الذي لا نفع فيه. و قيل:

نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته و إعارته، كما هو الغالب فإن كان مما ينفع و باعه صح البيع، و كان ثمنه حلالا. هذا مذهبنا و مذهب العلماء كافة، إلا ما حكى ابن المنذر، عن أبي هريرة و طاوس و مجاهد و جابر بن زيد أنه لا يجوز بيعه محتجين بهذا الحديث. و أجاب الجمهور عن الحديث، بأنه محمول على ما ذكرناه، و هذا هو المعتمد. و أما ما ذكره الخطابي و أبو عمر بن عبد البر، أن الحديث ضعيف، فليس كما قالا، بل الحديث صحيح كما تقدم. و قول ابن عبد البر لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة، غلط أيضا، لأن مسلما رواه في صحيحه من رواية معقل عن عبيد اللّه عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير، و هو ثقة. و رواه ابن ماجة عن ابن لهيعة عن أبي الزبير و لا يضره ذلك. و سيأتي في باب الهاء، إن شاء اللّه تعالى الإشارة إلى هذا أيضا، في لفظ الهرة، و اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في سنور البر، و أكثر الروايات على تحريمه كالثعلب. و بحله قال الحضرمي من أصحابنا، و هو مذهب مالك و أما الأهلي فحرام عند أبي حنيفة، و مالك و أحمد و اختار البوشنجي من أصحابنا الحل و الأصح تحريمه كما تقدم.

الأمثال‏

: قالوا «أثقف من سنور» (3) . و الثقف الأخذ بسرعة. يقال: رجل ثقف لقف، أي سريع الاختطاف. و قالوا: «كأنه سنور عبد اللّه» يضرب لمن لا يزيد سنا، إلا زاد نقصانا و جهلا و فيه قال بشار بن برد الأعمى‏ (4) :

أبا مخلف ما زلت نباح غمرة # صغيرا فلما شبت خيمت بالشاطى‏ (5)

كسنور عبد اللّه بيع بدرهم # صغيرا فلما شبّ بيع بقيراط

لكنه مثل مولد ليس من كلام العرب. و قال ابن خلكان: و لقد كشفت عن سنور عبد اللّه المظان، و سألت عنه أهل المعرفة بهذا الشأن، فما عرفت له خبرا و لا عثرت له على أثر. ثم إني ظفرت بقول الفرزدق‏ (6) :

____________

(1) رواه الترمذي: بيوع 49، و ابن ماجة: صيد 20.

(2) رواه أبو داود: بيوع 62، و ابن حنبل 3-297.

(3) جمهرة الأمثال: 1/239.

(4) بشار بن برد العقيلي، أبو معاذ أشعر المولدين في العصر العباسي، مات تحت الضرب سنة 167 هـ.

(5) البيتان في ديوان بشار: 550.

(6) الفرزدق: همّام بن غالب بن صعصعة، من مشاهير شعراء العصر الأموي، له نقائض مع جرير الشاعر و الأخطل. مات سنة 110 هـ.

51

رأيت الناس يزدادون يوما # فيوما في الجميل و أنت تنقص‏ (1)

كمثل الهرّ في صغر يغالى # به حتى إذا ما شب يرخص‏

و من هاهنا أخذ بشار قوله، و ليس المراد منه هرا معينا، بل كل هر قيمته في صغره أكثر منها في كبره انتهى.

الخواص‏

: السنور الأهلي، من أكل لحم الأسود منه، لم يعمل فيه السحر. و طحاله، يشد على المستحاضة ينقطع حيضها. و عيناه، إذا جففتا و تبخر بهما إنسان لم يطلب حاجة إلا قضيت.

و من استصحب نابه لم يفزع بالليل، و قلبه، يشد في قطعة من جلده فمن استصحبه لم تظفر به الأعداء. و مرارته من اكتحل بها يرى في الليل، كما يرى في النهار، و تخلط بملح و كمون كرماني، و يطلى بها على الجروح و القروح الرديئة تبرأ. و دمه، إذا طلي به القضيب عند الجماع فإن المفعول به يحب الفاعل حبا شديدا. و إن سقي منه صاحب الجذام نفعه، و إن شرب منه انسان أحبته النساء. و زبله يسقط المشيمة بخوار. و قال القزويني: مرارة الأسود، و مرارة الدجاجة السوداء، إذا جففتا و سحقتا، و اكتحل بهما مع الكحل ظهر له الجن، و خدموه. قال: و هو مجرب. و مرارة الأسود، إذا أخذ منها وزن نصف درهم، و ديف بدهن زنبق، و سعط به صاحب اللقوة أبرأه ذلك. و أما البري، فمخه عجيب لوجع الكلى، و لعسر البول، إذا أذيب بماء الجرجير، و سخن بالنار و شرب على الريق في الحمام. و دماغه إذا دخن به أخرج المني من الرحم. قاله القزويني.

و يأتي تعبيره إن شاء اللّه تعالى، في باب القاف في لفظ القط.

و أما سنور الزباد

، فهو كالسنور الأهلي، لكنه أطول منه ذنبا، و أكبر جثة، و وبره إلى السواد أميل، و ربما كان أنمر، و يجلب من بلاد الهند و السند. و الزباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج، و هو زفر الرائحة يخالطه طيب كطيب المسك، يوجد في ابطيه، و في باطن أفخاذه، و باطن ذنبه، و حوالي دبره، فيؤخذ من هذه الأماكن بملعقة صغيرة أو بدرهم رقيق. و قد تقدم في باب الزاي الكلام على شي‏ء من هذا.

و حكمه‏

: تحريم الأكل على الصحيح، كالأهلي و الوحشي و أما الزباد فهو طاهر، لكن قال الماوردي و الروياني في آخر باب الغرر: ان الزباد لبن سنور في البحر يجلب كالمسك ريحا، و اللبن بياضا، يستعمله أهل البحر طيبا، و هذا يقتضي كونه حلالا، فإن قلنا بنجاسة لبن ما لا يؤكل لحمه، ففي هذا وجهان: قال النووي: الصواب طهارته و صحة بيعه، لأن الصحيح أن جميع حيوان البحر طاهر يحل لحمه و لبنه، هذا بعد تسليم أنه حيوان بحري. و الصواب أنه بري، فعلى هذا هو طاهر بلا خلاف، لكنهم قالوا: إنه يغلب فيه اختلاطه بما تساقط من شعره، فينبغي أن يحترز عما فيه شي‏ء من شعره لأن الأصح نجاسة شعر ما لا يؤكل لحمه، إذا انفصل في حال حياته غير الآدمي.

السنونو:

بضم السين و النونين. الواحدة سنونة، و هو نوع من الخطاطيف، و لذلك سمي

____________

(1) البيتان في العقد الفريد 1/282.

52

حجر اليرقان حجر السنونو، و لكن تصحف على صاحب عجائب المخلوقات، فقال: حجر الصنونو بالصاد، و الصواب أنه بالسين المهملة نسبة إلى هذا النوع من الخطاطيف، و قد أجاد جمال الدين بن رواحة في تشبيه السنونو بقوله:

و غريبة حنّت إلى وكر لها # فأتت إليه في الزمان المقبل

فرشت جناح الآبنوس و صفقت # بالعاج ثم تقهقهت بالصّندل‏ (1)

و حكمه‏

: تقدم في باب الخاء المعجمة في الخطاف.

و من خواصه‏

: أن من أخذ عيني السنونة، و شدهما في خرقة و علقهما على سرير، فمن صعد ذلك السرير لم ينم. و إذا بخر بعينها العصافير هربت، و إذا بخر بها صاحب الحمى برئ بإذن اللّه تعالى.

السودانية و السوادية:

طائر يأكل العنب. قاله ابن سيده.

عجيبة

: حكي أن بمدينة رومية، شجرة نحاس، عليها سودانية من نحاس، في منقارها زيتونة، فإذا كان وقت الزيتون، صفرت تلك السودانية فلا يبقى في تلك النواحي سودانية إلا جاءت، و معها ثلاث زيتونات: في منقارها واحدة، و في رجليها اثنتان، حتى تطرحهن على رأس السودانية التي من النحاس، فيعصر أهل رومية ما يحتاجون إليه من الزيت عامهم كله. قلت:

الظاهر أن السودانية هي الزرزور، و قد تقدمت هذه الحكاية عن الشافعي رضي اللّه عنه، و هو يأكل العنب كثيرا.

الخواص‏

: لحم السودانيات بارد، يابس، ردي‏ء، لا سيما الهزيل، و أجوده صيد الأشراك، و هو يزيد في الإنعاظ لكنه يضر بالدماغ، و تدفع مضرته بالأمراق الرطبة و هو يولد خلطا حريفا يوافق الأمزجة الباردة و المشايخ، و أصلح ما أكل في الربيع، و يكره أكل لحمها لما تأكله من الحشرات و الجراد، و لذلك صار في لحمها حدة و روائح كريهة، و هو أردأ من لحم القنابر. و روفس يرتب الطير ثلاث مراتب و يقول: أفضل الطير البري الرخ و الشحرور و السماني ثم الحجل و الدراج و الطيهوج و الشفنين و فرخ الحمام و الفاخت ثم السلوى و القنابر. على أن القنابر بالدواء أشبه منها بالغذاء و اللّه أعلم.

السوذنيق:

الصقر قاله في كفاية المتحفظ.

السوس:

دود يقع في الصوف و الطعام. قاله الجوهري و غيره يقال طعام مسوس و مدود بكسر الواو فيهما قال الراجز:

قد أطعمتني دقلا حوليا # مسوسا مدودا حجريا

و قال قتادة و مجاهد، في قوله تعالى: وَ يَخْلُقُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ (2) هو سوس الثياب، و دود الفاكهة.

____________

(1) الآبنوس و الصّندل: ضربان من الأشجار التي تتميز بجودة الخشب.

(2) سورة النحل: آية 8.