الإمامة و السياسة - ج1

- ابن قتيبة المزيد...
243 /
7

المجلد الأول‏

مقدمة التحقيق‏

كلمة عن الكتاب:

كتاب الإمامة و السياسة، أو ما يسمى بكتاب «تاريخ الخلفاء» كتاب مشهور يبحث في تاريخ الخلافة و شروطها بالنظر إلى طلابها من وفاة النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم إلى عهد الأمين و المأمون.

و تظهر أهمية و قيمة هذا الكتاب «الإمامة و السياسة» كما يقول د. بيضون في مقدمة كتابه الحجاز و الدولة الإسلامية: «في الإشارات ذات المحتوى الخاص، الّذي ينفرد به عن الآخرين-تتجاوز أهميته من الناحية المنهجية، و ذلك لخلوه من الإسناد، حيث تتردد عبارة «و ذكروا» في مطلع رواياته، دون تحديد مصدرها الأساسي.

و تبرز أيضا أهميته في إبرازه ثورة المدينة و معركة الحرة، من دون تطرف في موقفه من الأمويين و من غير تحمس لخصومهم الشيعة. و أهم من ذلك فإن رواياته الحجازية-على ما يقرره د. بيضون-على جانب من الأهمية خاصة في عرضه للدوافع التي كانت وراء تعاظم النقمة على البيت الأموي، في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي يبدو أنها استفحلت حينذاك في الحجاز و المدينة بشكل خاص» .

و قد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في كل من مصر و بيروت، و منه نسخ‏

8

خطية في مكاتب لندن و باريس، و بدار الكتب المصرية منه نسخة مخطوطة كتبت سنة 1297 ه.

و قد ظهر مؤخرا عدم اتفاق على اسم مؤلف هذا الكتاب، بعد أن شكك كثير من العلماء في نسبته إلى ابن قتيبة، و حيث أن بعضهم استبعد انتسابه إليه.

و كان أول من تزعم التشكيك بنسبته إلى ابن قتيبة المستشرق غانيغوس المجريطي ثم تبعه الدكتور دوزي في صدر كابه تاريخ الأندلس و آدابه. و يشير د. بيضون في صدر كتابه المتقدم أيضا إلى استبعاد انتسابه إلى ابن قتيبة، و أيضا السيد أحمد صقر في مقدمته لكتاب تأويل مشكل القرآن المطبوع بالقاهرة سنة 1973 حيث يقول: و قد نسب إلى ابن قتيبة كتاب مشهور شهرة بطلان نسبته إليه، و هو كتاب الإمامة و السياسة.

و قد استند د. دوزي في تشكيكه في نسبة كتاب الإمامة و السياسة إلى ابن قتيبة إلى أسباب عديدة أهمها:

-أن كثيرين ممن ترجموا لابن قتيبة لم ينسب إليه واحد منهم كتابا أو مؤلفا له بهذا العنوان. إلا القاضي أبو عبد اللََّه التوزي المعروف بابن الشباط في كتابه «صلة السمط» .

-أن مؤلف الكتاب الإمامة و السياسة يذكر أنه استمد معارفه من أناس حضروا فتح الأندلس في سنة 92 ه، و أن موسى بن نصير غزا مدينة مراكش في زمن الرشيد، مع أن ابن قتيبة، ولد في سنة 213 و مات في سنة 276. و لم تبن مدينة مراكش إلا في سنة 454 في عهد سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين.

-أسلوب الكتاب يختلف كثيرا عن أسلوب ابن قتيبة المعروف في كتبه.

-لم يرد ذكر في الكتاب لأي من شيوخ ابن قتيبة.

و مهما يكن من أمر فقد بقي كتاب الإمامة و السياسة محافظا على قيمته كأحد أبرز المصادر بما تضمن من نصوص يكاد يتفرد بها عن غيره من المصادر، مع الإشارة إلى أن هذا التشكيك الّذي أصاب نسبته إلى ابن قتيبة قد أبعده عن لائحة المصادر الرصينة.

9

و ليس لنا إلا أن نسجل بتقدير آراء هؤلاء العلماء دون الجزم بصحة ما ذهبوا إليه و نبقي مترددين باتخاذ موقف حاسم من هذه القضية المطروحة-و التي لم أقف فيما لدي من مصادر و مراجع على رأي قاطع بشأنها، و يبقى كتاب الإمامة و السياسة منسوبا لابن قتيبة إلى أن يثبت بشكل حاسم العكس.

فكتاب الإمامة و السياسة لابن قتيبة-رغم الشك بهذه النسبة-يبقى إذن مشهورا بتسجيله لحقبة تاريخية هامة بدأت مع وفاة النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم مع التركيز على العهد الأموي-دون التحامل عليهم-إلى قيام الدولة العباسية حتى الأمين و المأمون.

عصر ابن قتيبة:

1-الحالة السياسية:

عاش أبو محمد عبد اللََّه بن مسلم بن قتيبة في عصر بني العباس، في النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ، ولد في عهد المأمون، أيام كانت الدولة العباسية و هي في أوج مجدها و ازدهارها، قد امتدت سيطرتها شرقا و غربا.

و قد واجهت سلطة المأمون سلسلة من الفتن و الاضطرابات و الحروب الأهلية، و قد تعرضت دولة المأمون لضربات محكمة من قبل الطالبيين. و قد عالجها المأمون-جميعا-بالقوة حينا و بالحكمة و السياسة حينا آخر. حتى استتب له الأمر. فاتجه إلى التنظيم الداخلي و البناء و أصبحت بغداد في عصره موئل العلماء و الأدباء و مجلى مظاهر الحضارة الزاهرة.

و بعده جاء المعتصم، كان رجل حرب و لم يكن له دهاء المأمون و لا حكمته، و أدت سياسته إلى غلبة الأتراك على الجيش ثم على مراتب الدولة.

فاضطربت الأمور و اختلت، و مهد ذلك للانحلال و الضعف. و ضعف مركز الخلافة و قلت هيبتها و تقلص نفوذها... و لم يستطع خلفاء المعتصم، رغم ما بذله المعتمد-حيث استعادت الخلافة في عهده بعض ما لها من نفوذ و سلطة-.

و لكن الأمور لم تستقر للدولة، بل أخذت الأطماع تتهددها من الداخل‏

10

و الخارج، فكلّ ينتهز فرصته للنيل من الدولة، حيث أصبح الانحلال السياسي و الاجتماعي العنوان البارز في مركز الدولة و الأطراف.

2-الحياة الاجتماعية:

كان المجتمع البغدادي في عصر بني العباس يجمع خليطا من العناصر المختلفة و الأجناس المتباينة و لم يكن العنصر العربيّ سائدا، مع احتفاظه لنفسه بمراكز القيادة و التوجيه بل كان يشاركه العنصر الفارسيّ ثم كانت المنافسة بين العنصرين و التي تحولت إلى صراع دموي كانت حصيلته انتصارا للعرب. و قد اتجه نشاط الأتراك إلى الجيش.

إلى جانب هؤلاء كانت جماعات الرقيق و الموالي. و كانت كل جماعة من الأجناس المختلفة تمتهن مهنة برعت فيها. و قد تزاوجت هذه الخبرات-خبرات هذه الأجناس-و التقت و امتزجت عادات و تقاليد هذه الأجناس و كونت نسيجا مميزا تلونت عناصره و اتحدت في اتساق و نظام واحد جمع بينها الذوق الإسلامي. و اشتهرت بغداد بالترف الزائد و الغنى و زخرف الحضارة، و تغلغل هذا في حياة الناس.

و عمرت بغداد بقصورها، و مجالس شرابها و حاناتها، و انتشر اللهو في الأعياد و المناسبات، و شرب الناس الخمر و أسرفوا فيها.

3-الحياة الفكرة و الأدبية:

أ-طلب العلم و حرية الرأي.

بدأ عصر ابن قتيبة بالمأمون، و كان محبا للعلم و الأدباء، و أطلق حرية القول، فقويت في هذا العصر حركة الشعوبية، و قد أدت هذه الحركة إلى نشاط فكري تجلى بمجموعة كبيرة من الكتب.

ب-المعتزلة و أهل السنة اهتم المأمون كثيرا بالمناظرة بين العلماء في مسائل الدين و الفلسفة و كان يجمعهم إليه. و المسألة الهامة التي شغلته و شغلتهم هي مسألة «خلق القرآن» و قد تركز حولها الخلاف بين المعتزلة و أهل السنة. و قد اعتنق المأمون آراء المعتزلة و انتصر لهم و تتبع أعداءهم و ضيق عليهم و لجأ إلى أذيتهم.

11

و بعد المأمون استمر الخلاف، و ظهر بصور أجلى إلى عهد المتوكل الّذي أبطل قول المعتزلة و نصر أهل السنة و أمر الناس باتباعها و ترك ما دونها.

جـ-العلوم الدينية نشطت في هذا العصر الدراسات الدينية المختلفة، و خاصة ما يتصل منها بأصول الدين و العقيدة، و قد أثرت حركة الترجمة-التي ازدهرت-و ساعدت في ازدهار البحوث الدينية.

و نشطت إلى جانب ذلك-الحركة اللغوية و البيانية التي تصدت لدراسة القرآن أسلوبا و ألفاظا و معان و تراكيب.

و قد حظي الحديث و دراسة القرآن بالعناية، و ازدهرت الدراسة الفقهية و برز العديد من الفقهاء الأئمة الكبار الذين تشددوا بوجه التيارات الغريبة و الدخيلة.

د-العلوم العقلية بلغت حركة النقل و الترجمة أوجها، و قد انكب العرب على دراسة و تمحيص ما نقلوه و ترجموه فما أفاد كثيرا في الاطلاع على ما لدى الشعوب الأخرى كاليونان و غيرهم من تراث.

هـ-العلوم اللغوية و الأدبية كان عصر ابن قتيبة تتويجا لحركة لغوية قد سبقته قادها سيبويه و الكسائي و غيرهما، و نشأت مدارس نبغ فيها علماء و نوابغ كان لكل منهم أسلوبه و اتجاهه و قوله و تفسيره و مذهبه. فكان هذا التنوع بداية نهضة واسعة شملت جميع جوانب الأدب، فظهرت مجموعة كبيرة من الكتب التي تعرض لجوانب هذه المذاهب و الاتجاهات و الأساليب الأدبية و اللغوية و النحوية.

و ظهر جماعة من الشعراء الفحول، حيث كان أيضا لكل شاعر من هؤلاء لونه و اتجاهه الموضوعي و الفني في المعاني و الأساليب و الألفاظ و التشبيهات.

ابن قتيبة:

مولده و نشأته:

هو أبو محمد عبد اللََّه بن مسلم بن قتيبة الدينَوَريّ أحد العلماء الأدباء،

12

و الحفاظ الأذكياء، كان إماما في اللغة و الأدب و الأخبار و أيام الناس. و قد أخلص نفسه و فكره و عقله لدينه و لغته، و قضى حياته مجاهدا في سبيل إعزازهما و التمكين لهما.

و ابن قتيبة من أسرة فارسية كانت تقطن مدينة مرو، و قد ولد سنة 213 في أواخر خلافة المأمون و قد اختلفوا في مكان ولادته فقيل: ولد ببغداد، و قيل: ولد بالكوفة و قد نشأ ببغداد و تثقف على أهلها و أخذ العلم عن رجالها، و قد كانت بغداد تموج حينئذ بأعلام العلماء في كل فن و تهوى إليها أفئدة المثقفين و المتعلمين من أنحاء الدولة الإسلامية.

و قد أثرت بغداد في نشأته الفكرية. و تأثر في شبابه بما كان يدور في أوساط العلماء من جدل و تناظر بين أهل السنة و المعتزلة. فأعجب بآراء المعتزلة-في مطلع شبابه-و كانت آراء المعتزلة و أفكارهم قد غلبت على الحياة الفكرية ببغداد.

ثم اختير لقضاء الدينور، فأقام بها و نسب إليها و هناك اتصل بعلمائها و فقهائها و محدثيها. ثم عاد إلى بغداد فاتصل برجال الدولة كعادة غيره من العلماء و الأدباء.

و في بغداد انكب ابن قتيبة على الدرس و التحصيل على علماء الحديث و أئمة اللغة و الرواية و شيوخ الأدب، و تتلمذ لطائفة من أعلام عصره و روى عن جمع من مشاهير دهره، و أخذ عن كثير من أعيانه و أماثله.

أهم شيوخه:

نذكر منهم: والده مسلم بن قتيبة، و أحمد بن سعيد اللحياني صاحب أبي عبيد، و محمد بن سلام الجمحيّ، و إسحاق بن راهويه، و حرملة بن يحيى التجيبي، و يحيى بن أكثم القاضي، و أبو حاتم السجستاني، و عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، و دعبل بن علي الخزاعي، و إبراهيم بن سفيان الزيادي، و إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف، و محمد بن يحيى بن أبي حزم القطيعي البصري، و أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، و شبابة بن سوار، و العباس بن الفرح الرياشي، و أبو سهل الصفار، و أبو بكر محمد بن خالد بن خداش، و أبو

13

سعيد أحمد بن خالد الضرير، و أبو عثمان الجاحظ، و أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد البصري.

تلاميذه:

ابنه القاضي أحمد، و ابن درستويه الفسوي، و أبو سعيد الهيثم الشاشي، و قاسم بن أصبغ بن يوسف بن ناصح البياني، و أبو بكر المالكي، و إبراهيم بن محمد بن أيوب الصائغ، و أحمد بن حسين بن إبراهيم الدينَوَريّ.

مصنفاته:

صنف ابن قتيبة مجموعة كبيرة من التصانيف أجمعوا على أنها عظيمة القدر، جليلة النفع. قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات «لابن قتيبة مصنفات كثيرة جدا رأيت فهرسها و نسيت عددها، أظنها تزيد على ستين من أنواع العلوم» و قال أبو العلاء المعري: خمسة و ستين مصنفا.

أهمها: 1-كتاب الوزراء (ذكره في لسان العرب) . 2-كتاب آلة الكتاب (صاحب الاقتضاب) . 3-كتاب صناعة الكتابة. 4-كتاب الوحش. 5-كتاب الصيام. 6-كتاب غريب الحديث. 7-مشكل القرآن. 8-كتاب معاني القرآن. 9-كتاب القراءات. 10-كتاب إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد. 11-تفسير غريب القرآن. 12-كتاب الأنواء. 13-كتاب فضل العرب.

14-كتاب الميسر و القداح. 15-كتاب المعارف. 16-كتاب إعراب القراءات. 17-كتاب الرد على القائل بخلق القرآن. 18-كتاب القراءة.

19-كتاب غريب القرآن. 20-كتاب تأويل مختلف الحديث. 21-كتاب عيون الأخبار. 22-كتاب أدب الكاتب. 23-كتاب الشعر و الشعراء.

24-كتاب المسائل و الأجوبة. 25-كتاب دلائل النبوة. 26-كتاب جامع الفقه. 27-كتاب الفقيه. 28-كتاب الأشربة. 29-الرد على المشبهة.

30-أدب الكاتب. 31-كتاب المعاني الكبير. 32-كتاب عيون الشعر.

33-كتاب التقفية. 35-كتاب جامع النحو الكبير. 36-كتاب جامع النحو الصغير. 37-كتاب الحكاية و المحكي. 38-كتاب الخيل. 39-كتاب العلم. 40-كتاب ديوان الكتاب. 41-كتاب فرائد الدر. 42-كتاب خلق‏

14

الإنسان. 43-كتاب حكم الأمثال. 44-كتاب آداب العشرة. 45-كتاب التفسير. 46-كتاب معجزات النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم (ذكره أبو الطيب الحلبي في مراتب النحويين) . 47-كتاب تأويل الرؤيا. 48-كتاب استماع الغناء بالألحان. 49-كتاب الجوابات الحاضرة. 50-كتاب الجراثيم.

51-كتاب تقويم اللسان. 52-كتاب التسوية بين العرب و العجم. 53-كتاب القلم. 54-تاريخ ابن قتيبة. 55-كتاب معاني القرآن. و الإمامة و السياسة (رغم الشكوك في انتسابه إليه) .

عملنا في كتاب الإمامة و السياسة:

-استعرضنا نسخ الكتاب المطبوعة. و اعتمدنا الأكثر ملاءمة للأصل و الأقرب إلى الصحة.

-دققنا-ما استطعنا بما توفر لدينا من مصادر-الروايات و النصوص و قارناها بغيرها فأضفنا ما سها عن المؤلف لسبب أو لآخر، كلمة أو جملة أو أكثر.

و ثبتنا ما أضفناه في المتن بين معكوفتين‏[]مع الإشارة أحيانا إلى أن الزيادة كانت في الأصول و أحيانا إن تعذر علينا ذلك لفقدان أصل ما أو مصدر ما أو شككنا في صحة نص ما كنا نعود إلى أصول أخرى أثبتت الرواية، و قد يكون الراويّ نفسه.

-قارنا الروايات المختلفة و أعدنا القارئ إلى مصادرها الأساسية و علّقنا عليها و شرحنا ما التبس منها و ما رأيناه ضروريا و ذلك كله في الهامش.

-قمنا بتخريج الآيات القرآنية الكريمة و عزوناها إلى سورها و أرقامها و انتهينا إلى تخريج الأحاديث النبويّة الشريفة-ما استطعنا إلى ذلك-و ضبطنا نصوصها و مصادرها.

-ضبطنا كثيرا من أسماء الأعلام، و ترجمنا لكثير منهم.

-ضبطنا و عرّفنا بأسماء الأماكن و القبائل و غيرها من معاجم البلدان: ياقوت- البكري-أبي الفداء-اليعقوبي-ابن الفقيه.

-قمنا بوضع شروحات و تعليقات مسهبة على النصوص.

و بعد قمنا بتنظيم فهارس شاملة وافية شملت:

15

-فهارس الأحاديث النبويّة الشريفة.

-فهارس الأعلام الواردة في الكتاب و أبجدتها.

-فهارس القبائل و الأمم و البطون و العشائر.

-فهارس الأماكن و أسماء البلاد و الجبال و الأودية.

-فهارس أيام العرب و وقائعهم.

-فهارس للشعر، نظمت حسب القافية.

-فهارس الأمثال، الواردة في الكتاب.

و بعد نرجو أن نكون بعملنا هذا قد وضعنا كتاب الإمامة و السياسة في مكانته التي يجب أن يحتلها، و قد أهمل طويلا.

و نرجو أن نكون-بجهدنا المتواضع-قد قدمنا للقارئ الكريم و للباحث الجليل خدمة بحيث أصبح كتاب الإمامة و السياسة أكثر فائدة من خلال الشروحات التي حاولنا من تثبيتها أن تكون مادته في متناول الجميع قريبة من الدقة.

و نرجو أن نكون قد وفقنا في خدمة تراثنا من خلال هذا العمل. حيث أبادر إلى التأكيد أنني ألتزم متابعة بذل الجهد و العطاء، لتكون المساهمة أكثر فاعلية في تحقيق ما يصبو إليه القارئ من الوقوف على الكلمة الحقة و النشرة الصواب البعيدة عن الغموض و التزوير و الخطأ و التصحيف، و ذلك بما يغني ثقافته و طموحاته الفكرية و العلمية. و مع ذلك لا ندّعي لأنفسنا أننا وصلنا، و لكننا ندعي أننا بذلنا و قدّمنا ما استطعنا.

و آخر دعونا أن الحمد للََّه رب العالمين.

بيروت 15/1/1990 علي شيري‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

مقدمة المؤلف‏

قال أبو محمد عبد اللََّه بن مسلم بن قتيبة رحمه اللََّه تعالى:

نفتتح كلامنا بحمد اللََّه تعالى، و نقدس ربنا بذكره و الثناء عليه، لا إله إلا هو لا شريك له، الّذي اتخذ الحمد لنفسه ذكرا، و رضي به من عباده شكرا و صلّى اللََّه على سيدنا محمد الّذي أرسله بالهدى، و ختم به رسل اللََّه السعدا، صلاة زاكية، و سلّم تسليما كثيرا أبدا.

فضل أبي بكر و عمر رضي اللََّه تعالى عنهما

حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن علي بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه، قال : كنت جالسا عند رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فأقبل أبو بكر و عمر رضي اللََّه عنهما، فقال عليه الصلاة و السلام: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين و الآخرين إلا النبيين و المرسلين عليهم السلام و لا تخبرهما يا علي»

[ (1) ].

حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمامي رضي اللََّه عنه، حدثنا أحمد بن حواش الحنفي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن عمر بن سعيد، عن أبي مليكة[ (2) ]، [ (1) ]الحديث أخرجه الترمذي في المناقب (16) و ابن ماجة في المقدمة (11) و أحمد في مسندة 1/80.

[ (2) ]هو زهير بن عبد اللََّه بن جدعان، أبو مليكة التيمي، روى عنه أبو داود، و عبد اللََّه بن أبي مليكة حفيده (التقريب-الكاشف) .

18

قال : سمعت ابن عباس رضي اللََّه عنه يقول: وضع عمر رضي اللََّه عنه على سريره فتكنفه‏[ (1) ]الناس يدعون و يصلون قبل أن يرفع، فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفتّ فإذا علي بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه يترحم على عمر رضي اللََّه عنه، و قال: و اللََّه ما خلفت أحدا أحب إليّ أن ألقى اللََّه تعالى بمثل عمله منك يا عمر، و أيم اللََّه إن كنت لأرجو أن يجعلك اللََّه مع صاحبك، و ذاك أني كنت سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول:

«ذهبت أنا و أبو بكر و عمر، و كنت أنا و أبو بكر و عمر، و إن كنت لأظن أن يجعلك اللََّه تعالى معهما»

. و أخبرنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن الحباب، عن موسى بن عبيد، قال: أخبرني أبو معاذ و أبو الخطاب، عن علي رضي اللََّه عنه، قال : بينما أنا جالس مع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم إذ أقبل أبو بكر و عمر رضي اللََّه عنهما، فقال: «يا علي: هذان سيدا كهول‏[ (2) ]أهل الجنة، إلا ما كان من الأنبياء عليهم السلام، و لا تخبرهما»

[ (3) ].

حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد اللََّه بن عبد العلي عن القاسم بن أبي عبد الرحمن رضي اللََّه عنهما: أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قال : «لقد هممت أن أبعث إلى الأمم رجالا يدعونهم إلى الإسلام و يرغبونهم في الدين، فأبعث أبيّ بن كعب، و سالما مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل، كما فعل عيسى بن مريم عليهما السلام» ، فقالوا: يا رسول اللََّه أ فلا تبعث أبا بكر و عمر رضي اللََّه عنهما؟فقال صلّى اللََّه عليه و سلّم: «هما لا بدّ لي منهما، هما مني بمنزلة السمع و البصر

[ (4) ].

سؤال عمر بن عبد العزيز عن استخلاف الرسول لأبي بكر

و حدثنا[ (5) ]، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن الزبير، قال :

أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري، رحمهما اللََّه تعالى، أسأله إن [ (1) ]تكنفه الناس: أي أحاطوا به.

[ (2) ]سيد الكهول: الكهل من خالطه الشيب، و المعنى هما سيدا من مات كهلا، و إلا فليس في الجنة كهل.

[ (3) ]الحديث قد جاء بوجوه متعددة عن علي و غيره، ذكره الترمذي و قد حسنه من بعض الوجوه (زيادات ابن ماجة) .

[ (4) ]القسم الأخير من الحديث أخرجه الترمذي في المناقب (باب: 16) .

[ (5) ]يعني الوليد بن مسلم.

19

كان رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم استخلف أبا بكر رضي اللََّه عنه، فأتيته فاستوى جالسا، و قال: إي و الّذي لا إله إلا هو، استخلفه، و هو كان أعلم باللََّه تعالى، و أتقى للََّه تعالى، من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره.

استخلاف رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أبا بكر رضي اللََّه عنه‏

عن ابن أبي مريم، قال: حدثنا العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن تيم الأنصاري رضي اللََّه عنه، و حدثنا سعيد بن كثير، عن عفير بن عبد الرحمن قال: حدثنا بقصة استخلاف رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لأبي بكر، و شأن السقيفة، و ما جرى فيها من القول، و التنازع بين المهاجرين و الأنصار و بعضهم يزيد على بعض في الكلام، فجمعت ذلك و ألفته على معنى حديثهم، و مجاز لغتهم أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم خرج في مرضه الّذي قبض فيه، متوكئا على الفضل بن العباس رضي اللََّه عنهما، و غلام يقال له ثوبان‏[ (1) ]رضي اللََّه عنه، ثم رجع صلّى اللََّه عليه و سلّم فدخل منزله، و قال لغلامه: اجلس على الباب و لا تحجب أحدا من الأنصار رضي اللََّه عنهم، فأحدقوا بالباب، و قالوا للغلام: ائذن لنا على رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال: عنده نساؤه رضي اللََّه تعالى عنهن، فسمع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم بكاءهم، فقال: من هؤلاء؟فقيل له الأنصار رضي اللََّه عنهم يبكون، فخرج صلّى اللََّه عليه و سلّم متوكئا على عليّ و العباس رضي اللََّه عنهما فدخل المسجد و اجتمع الناس إليه، فقال صلّى اللََّه عليه و سلّم: «إنه لم يمت نبي قط إلا خلف وراءه تركة و إن تركتي فيكم الأنصار رضي اللََّه عنهم، و هم كرشي‏[ (2) ]التي آوي إليها، أوصيكم بتقوى اللََّه تعالى، و الإحسان إليهم، فقد علمتم أنهم شاطروكم‏[ (3) ]و واسوكم في العسر و اليسر نصروكم في النشط و الكسل، فاعرفوا [ (1) ]ثوبان: مولى رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، بن بجدد أبو عبد اللََّه أصله من أهل السراة (بين مكة و اليمن) اشتراه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم ثم أعتقه. خدم النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم حتى وفاته، توفي في حمص سنة 54.

[ (2) ]قال أبو عبيد في غريب الحديث عن أبي زيد الأنصاري: يقال عليه كرش من الناس يعني جماعة. و قال غيره: فكأنه أراد جماعتي و صحابتي الذين أثق بهم و أعتمد عليهم. و قال الأحمر:

يقال: هم كرش منثورة (يعني صبيان صغار) .

[ (3) ]شاطروكم: من الشطر. قال المبرد في الكامل: و أصل هذا من التنصيف. و للشطر وجهان في

20

لهم حقهم، و أقبلوا من محسنهم، و تجاوزوا عن مسيئهم» .

ثم انصرف رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم إلى منزله و هو معصوب الرأس شديد الوجع، فلما كانت الصلاة أتى بلال المؤذن رضي اللََّه عنه يدعو إلى الصلاة، ففتح صلّى اللََّه عليه و سلّم عينيه، و قال للنساء: ادعون لي حبيبي، فعرفت عائشة رضي اللََّه عنها أنه يريد أبا بكر، فقالت: أرسل إلى عمر، فإن أبا بكر رجل رقيق، و إن قام مقام رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم افتضح من البكاء، و عمر أقوى منه، فأرسلت إلى عمر رضي اللََّه عنه، فأتى فسلم، ففتح رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم عينيه، فرد السلام، ثم أطرق عنه، فعرف عمر أنه لم يرده، فلما خرج أقبل صلّى اللََّه عليه و سلّم عليهنّ و قال: «ادعون لي حبيبي فقالت عائشة رضي اللََّه عنها: يا رسول اللََّه، إن أبا بكر رجل رقيق، أمرت عمر يصلي بالناس، فقال صلّى اللََّه عليه و سلّم: إنكن صواحبات يوسف‏[ (1) ]عليه السّلام، ادعون لي حبيبي إنما أفعل ما أومر» فدعي أبو بكر رضي اللََّه تعالى عنه‏[ (2) ]

.

استخلاف أبي بكر رضي اللََّه عنه في الصلاة بالناس‏

فلما جاء قال له: اذهب مع المؤذن، فصلّ بالناس، فلم يزل أبو بكر رضي اللََّه عنه يصلي بالناس حتى كان اليوم الّذي مات فيه رسول اللََّه‏[ (3) ]و توفي رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يوم الاثنين.

[ () ]كلام العرب فأحدهما النصف.. من ذلك قولهم: شاطرتك مالي، و الوجه الآخر: القصد، يقال: خذ شطر زيد، أي قصده، قال اللََّه تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ أي قصده.

[ (1) ]يريد كثرة التظاهر على ما يرون، و كثرة إلحاحهن في طلب ما يردنه و يملن إليه.

[ (2) ]راجع ما ذكره البيهقي في دلائل النبوة-باب ما جاء في أمره، حين اشتد به المرض-أبا بكر الصديق رضي اللََّه عنه أن يصلي بالناس ج 7/186 و ما بعدها.

[ (3) ]هذا يحتمل أن أبا بكر رضي اللََّه عنه صلّى بالناس طيلة فترة مرض رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم إلى اليوم الّذي توفي فيه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم حيث قام بالصلاة بالناس، و انتهى ما أمره به النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم. في ذلك وردت عدة أحاديث ذكرها البيهقي في دلائل النبوة، باب ما جاء في آخر صلاة صلاها رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم بالناس ج 7/189.

21

اختلاف الصحابة على موضع دفنه صلّى اللََّه عليه و سلّم‏

فأتمروا فقال قائل: يدفن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم حيث كان يصلي في مقامه، فقال أبو بكر رضي اللََّه عنه: معاذ اللََّه أن نجعله وثنا نعبده! و قال قائل: ندفنه صلّى اللََّه عليه و سلّم في البقيع‏[ (1) ]، حيث دفن إخوانه من المهاجرين و الأنصار. فقال أبو بكر: إنا نكره أن نخرج قبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم من بين أظهرنا إلى البقيع، قالوا: فما ترى يا أبا بكر؟

قال:

سمعته صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: «ما قبض نبي قط إلا دفن جسده حيث قبض روحه»

[ (2) ]. قالوا: فأنت و اللََّه رضا و مقنع.

و كان العباس بن عبد المطلب رضي اللََّه تعالى عنه قد لقي عليا كرم اللََّه وجهه، فقال: إن النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم يقبض، فاسأله إن كان الأمر لنا بينه و إن كان لغيرنا أوصى بنا خيرا.

محاولة العباس مبايعة الإمام علي‏

فلما قبض رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قال العباس لعلي بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه: أبسط يدك أبايعك، فيقال: عم رسول اللََّه بايع ابن عم رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و يبايعك أهل بيتك، فإن هذا الأمر إذا كان لم يقل،

فقال له علي كرم اللََّه وجهه: و من يطلب هذا الأمر غيرنا؟

و قد كان العباس رضي اللََّه عنه لقي أبا بكر فقال: هل أوصاك رسول اللََّه بشي‏ء؟قال:

لا. و لقي العباس أيضا عمر، فقال له مثل ذلك. فقال عمر: لا. فقال العباس لعلي رضي اللََّه عنه: ابسط يدك أبايعك و يبايعك أهل بيتك.

ذكر السقيفة و ما جرى فيها من القول‏

و حدثنا، قال: حدثنا ابن عفير عن أبي عون، عن عبد اللََّه بن عبد الرحمن الأنصاري رضي اللََّه عنه: أن النبي عليه الصلاة و السلام لما قبض، اجتمعت [ (1) ]البقيع: مقبرة أهل المدينة، و هي داخل المدينة (معجم البلدان) .

[ (2) ]نقله السيوطي في الخصائص الكبرى 2/278 عن ابن سعد و البيهقي و قال: له عدة طرق موصولة و مرسلة. و انظر طبقات ابن سعد 2/275.

22

الأنصاري رضي اللََّه عنهم إلى سعد بن عبادة، فقالوا له: إن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم قد قبض. فقال سعد لابنه قيس‏[ (1) ]رضي اللََّه عنهما: إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي، و لكن تلق مني قولي فأسمعهم، فكان سعد يتكلم، و يحفظ ابنه رضي اللََّه عنهما قوله، فيرفع صوته، لكي يسمع قومه، فكان مما قال رضي اللََّه عنه، بعد أن حمد اللََّه تعالى و أثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة[ (2) ]من العرب، إن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، و خلع الأوثان‏[ (3) ]، فما آمن به من قومه إلا قليل‏[ (4) ]، و اللََّه ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و لا يعرفوا دينه، و لا يدفعوا عن أنفسهم‏[ (5) ]، حتى أراد اللََّه تعالى لكم الفضيلة، و ساق إليكم الكرامة، و خصكم بالنعمة، و رزقكم الإيمان به و برسوله صلّى اللََّه عليه و سلّم، و المنع له و لأصحابه و الإعزاز[له و]لدينه، و الجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، و أثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر اللََّه تعالى طوعا و كرها، و أعطى البعيد المقادة صاغرا داحرا حتى أثخن اللََّه تعالى لنبيه بكم الأرض، و دانت بأسيافكم له العرب، و توفاه اللََّه تعالى و هو راض عنكم‏[و بكم‏]قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس و أولاهم به.

فأجابوه جميعا: أن قد وفقت في الرأي، و أصبت في القول، و لن نعدو ما رأيت توليتك هذا الأمر، فأنت مقنع و لصالح المؤمنين رضا[ (6) ]. قال فأتى الخبر إلى أبي بكر رضي اللََّه عنه، ففزع أشد الفزع، و قام معه عمر رضي اللََّه عنهما، [ (1) ]زيد في الطبري: «أو بعض بني عمه» .

[ (2) ]كذا بالأصل و الطبري، و في الكامل لابن الأثير: لأحد من العرب.

[ (3) ]في الطبري: و خلع الأنداد و الأوثان.

[ (4) ]في الطبري: إلا رجال قليل.

[ (5) ]العبارة في الطبري: و لا يعزوا دينه، و لا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به.

[ (6) ]و زيد في الطبري و ابن الأثير: (النص من الطبري) : ثم انهم ترادوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش، فقالوا: نحن المهاجرون و صحابة رسول اللََّه الأولون، و نحن عشيرته و أولياؤه، فعلام تنازعونا هذا الأمر بعده، فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير و منكم أمير، و لن نرضى بدون هذا الأمر أبدا، فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن.

23

فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي اللََّه عنه فانطلقوا رضي اللََّه عنهم جميعا، حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة، و فيها رجال من الأشراف، معهم سعد بن عبادة رضي اللََّه عنه، فأراد عمر رضي اللََّه عنه أن يبدأ بالكلام، و قال: خشيت أن يقصر أبو بكر رضي اللََّه عنه عن بعض الكلام. فلما تيسر عمر للكلام، تجهز أبو بكر رضي اللََّه عنه و قال له: على رسلك، فستكفى الكلام، فتشهد أبو بكر رضي اللََّه عنه، و انتصب له الناس، فقال‏[ (1) ]: إن اللََّه جل ثناؤه بعث محمدا صلّى اللََّه عليه و سلّم بالهدى و دين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ اللََّه تعالى بنواصينا و قلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، و الناس لنا فيه تبع، و نحن عشرة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و نحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا و لقريش فيها ولادة. و أنتم أيضا و اللََّه الذين آووا و نصروا، و أنتم وزراؤنا في الدين، و وزراء رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أنتم إخواننا في كتاب اللََّه تعالى و شركاؤنا في دين اللََّه عز و جل و فيما كنا فيه من سراء و ضراء، و اللََّه ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا، و أكرمهم علينا، و أحق الناس بالرضا بقضاء اللََّه تعالى، و التسليم لأمر اللََّه عز و جل و لما ساق لكم و لإخوانكم المهاجرين رضي اللََّه عنهم، و هم أحق الناس فلا تحسدوهم، و أنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، و اللََّه ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين، و أنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر و اختلافه على أيديكم، و أبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه اللََّه تعالى إليهم، و إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، و كلاهما قد رضيت لكم و لهذا الأمر، و كلاهما له أهل. فقال عمر و أبو عبيدة رضي اللََّه عنهما: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين، و أمرك رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر. فقال الأنصار: و اللََّه ما نحسدكم على خير ساقه اللََّه إليكم، و إنا لكما وصفت يا أبا بكر و الحمد للََّه، و لا أحد من خلق اللََّه تعالى أحب إلينا منكم، و لا أرضى عندنا و لا أيمن و لكنا نشفق مما بعد اليوم، و نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا و رجلا منكم بايعنا و رضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا [ (1) ]قارن مع الطبري-ابن الأثير-ابن كثير، باختلاف في الألفاظ و التعابير.

24

هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلّى اللََّه عليه و سلّم و أن يكون بعضنا يتبع بعضا، فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري، و يشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. فقام أبو بكر، فحمد اللََّه تعالى و أثنى عليه و قال: إن اللََّه تعالى بعث محمدا صلّى اللََّه عليه و سلّم رسولا إلى خلقه، و شهيدا على أمته ليعبدوا اللََّه و يوحدوه و هم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى، يزعمون أنها لهم شافعة، و عليهم بالغة نافعة، و إنما كانت حجارة منحوتة، و خشبا منجورة، فاقرءوا إن شئتم‏ إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [أنبياء: 67]، وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ ، و قالوا:

مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ [الزمر: 3]فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص اللََّه تعالى المهاجرين الأولين رضي اللََّه عنهم بتصديقه، و الإيمان به، و المواساة له و الصبر معه على الشدة من قومهم، و إذلالهم و تكذيبهم إياهم و كل الناس مخالف عليهم‏[ (1) ]، زار لهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم و إزراء[ (2) ]الناس بهم و اجتماع قومهم عليهم، فهم أول من عبد اللََّه في الأرض، و أول من آمن باللََّه تعالى و رسوله صلّى اللََّه عليه و سلّم، و هم أولياؤه و عشيرته، و أحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم، و أنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم و لا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم اللََّه تعالى أنصارا لدينه و لرسوله، و جعل إليكم مهاجرته فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، و أنتم الوزراء، لا نفتات دونكم بمشورة، و لا تنقضي‏[ (3) ]دونكم الأمور.

فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي اللََّه عنه، فقال: يا معشر الأنصار: املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم و ظلالكم، و لن يجير مجير[ (4) ]على خلافكم، و لن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز و الثروة و أولو العدد و النجدة[ (5) ]، و إنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا، فيفسد [ (1) ]في الطبري: لهم مخالف.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: و شنف الناس لهم. و كلاهما بمعنى: البغض و التنكر و الاحتقار.

[ (3) ]في الطبري: و لا نقضي. و عند ابن الأثير: و لا تقضى.

[ (4) ]في الطبري: و لن يجترئ مجترئ.

[ (5) ]في الطبري: و أولو العدد و المنعة و التجربة، ذوو البأس و النجدة. ـ

25

عليكم رأيكم، و تقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء و النصرة، و إليكم كانت الهجرة، و لكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، و أنتم أصحاب الدار و الإيمان من قبلهم، و اللََّه ما عبدوا اللََّه علانية إلا في بلادكم، و لا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، و لا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر، و إن أبى القوم، فمنا أمير و منهم أمير.

فقام عمر رضي اللََّه عنه، فقال: هيهات لا يجتمع‏[ (1) ]سيفان في غمد واحد، إنه و اللََّه لا يرضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم، و لكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم، و أولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، و السلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد و ميراثه، و نحن أولياؤه و عشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة.

فقام الحباب بن المنذر رضي اللََّه عنه، فقال: يا معشر الأنصار: املكوا على أيديكم، و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم، و تولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم و اللََّه أولى بهذا الأمر منهم، فإنه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا، أما و اللََّه إن شئتم لنعيدنها جذعة[ (2) ]، و اللََّه لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الّذي يجيبني، لم يكن لي معه كلام، لأنه كان بيني و بينه منازعة في حياة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا[ (3) ]. ثم قام أبو عبيدة، فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر و آوى، فلا تكونوا أول من يبدل و يغير.

مخالفة بشير بن سعد، و نقضه لعهدهم‏

قال: و إن بشيرا لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة، قام حسدا لسعد، و كان بشير من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الأنصار، أما و اللََّه [ (1) ]في الطبري: لا يجتمع اثنان في قرن.

[ (2) ]الجذعة: الفتية. و الجذع من الإبل ما استكمل الأربع و دخل في السنة الخامسة من العمر.

و الأنثى جذعة. (عن غريب الهروي) .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: فقال عمر: إذا ليقتلك اللََّه!فقال: بل إياك يقتل.

26

لئن كنا أولى الفضيلة في جهاد المشركين، و السابقة في الدين، ما أردنا إن شاء اللََّه غير رضا ربنا، و طاعة نبينا، و الكرم لأنفسنا[ (1) ]، و ما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، و لا نبتغي به عوضا[ (2) ]من الدنيا فإن اللََّه تعالى ولي النعمة و المنة علينا بذلك. ثم إن محمدا رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم رجل من قريش، و قومه أحق بميراثه، و تولي سلطانه، و أيم اللََّه لا يراني اللََّه أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا اللََّه و لا تنازعوهم و لا تخالفوهم.

بيعة أبي بكر الصديق رضي اللََّه عنه‏

قال: ثم إن أبا بكر قام على الأنصار، فحمد اللََّه تعالى، و أثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة، و نهاهم عن الفرقة، و قال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن الجراح، أو عمر فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر:

معاذ اللََّه أن يكون ذلك و أنت بين أظهرنا، أنت أحقنا بهذا الأمر، و أقدمنا صحبة لرسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أفضل منا في المال، و أنت أفضل المهاجرين و ثاني اثنين، و خليفته على الصلاة، و الصلاة أفضل أركان دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك، و يتولى هذا الأمر عليك؟أبسط يدك أبايعك. فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد، عقّك عقاق ما اضطرك إلى ما صنعت؟حسدت ابن عمك على الإمارة؟قال: لا و اللََّه، و لكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم.

فلما رأت الأوس ما صنع قيس‏[ (3) ]بن سعد و هو من سادات الخزرج، و ما دعوا إليه المهاجرين من قريش، و ما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض و فيهم أسيد بن حضير[ (4) ]رضي اللََّه عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، و لا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي اللََّه عنه، فقاموا إليه فبايعوه؟فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل [ (1) ]في الطبري: و الكدح لأنفسنا.

[ (2) ]في الطبري: عرضا.

[ (3) ]كذا بالأصل، تحريف. و الصواب «بشير» كما في الطبري و ابن الأثير، و هذا ما يقتضيه السياق.

[ (4) ]و هو أحد النقباء الاثني العشر. و هو من سادات الأوس و رؤسائهم.

27

يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار، أما و اللََّه لكأنّي بأبنائكم على أبواب أبنائهم، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم و لا يسقون الماء. قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب؟قال: ليس منك أخاف، و لكن ممن يجي‏ء بعدك‏[ (1) ]. قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك، فالأمر إليك و إلى أصحابك، ليس لنا عليك طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر، إذا ذهبت أنا و أنت، جاءنا بعدك من يسومنا الضيم.

تخلف سعد بن عبادة رضي اللََّه عنه عن البيعة

فقال سعد بن عبادة: أما و اللََّه لو أن لي ما أقدر به على النهوض، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك‏[ (2) ]أنت و أصحابك، و لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطئون سعدا. فقال سعد: قتلتموني. فقيل‏[ (3) ]: اقتلوه قتله اللََّه، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره و ترك أياما، ثم بعث إليه أبو بكر رضي اللََّه عنه: أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس، و بايع قومك، فقال: أما و اللََّه حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، و أخضب منكم سناني و رمحي‏[ (4) ]، و أضربكم بسيفي ما ملكته يدي، و أقاتلكم بمن معي من أهلي و عشيرتي، و لا و اللََّه لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي، و أعلم حسابي. فلما أتي بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولج، و ليس يبايعك حتى يقتل، و ليس بمقتول حتى يقتل ولده معه، و أهل بيته و عشيرته، و لن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج، و لن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم، و إنما هو رجل واحد، فتركوه و قبلوا مشورة بشير بن سعد، و استنصحوه لما بدا لهم منه. فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، و لا يجمع‏[ (5) ] [ (1) ]قال الجوهري في كتاب السقيفة: لقد صدقت فراسة الحباب، فإن الّذي خافه وقع يوم الحرة (سنة 63) و أخذ من الأنصار ثأر المشركين يوم بدر (شرح النهج 1/313) .

[ (2) ]في الطبري: «يجحرك و أصحابك» يعني يدخلكم المضايق.

[ (3) ]القائل هو عمر بن الخطاب. قاله في الطبري.

[ (4) ]في الطبري: سنان رمحي.

[ (5) ]أي لا يصلي الجمعة معهم.

28

بجمعتهم، و لا يفيض بإفاضتهم، و لو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، و لو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر رحمه اللََّه، و ولي عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام، فمات بها، و لم يبايع لأحد، رحمه اللََّه‏[ (1) ].

و إن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب، و معهم الزبير بن العوام رضي اللََّه عنه، و كانت أمه صفية بنت عبد المطلب، و إنما كان يعد نفسه من بني هاشم،

و كان علي كرم اللََّه وجهه يقول : ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنا،

و اجتمعت بنو أمية على عثمان، و اجتمعت بنو زهرة إلى سعد و عبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر و أبو عبيدة و قد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى‏[ (2) ]، قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته و بايعه الأنصار، فقام عثمان بن عفان و من معه من بني أمية فبايعوه، و قام سعد و عبد الرحمن بن عوف و من معهما من بني زهرة فبايعوا. و أما علي و العباس بن عبد المطلب و من معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم و معهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة[ (3) ]فيهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلّم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام رضي اللََّه عنه بالسيف، فقال عمر رضي اللََّه عنه: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلّم‏[ (4) ]، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، و انطلقوا به فبايع و ذهب بنو هاشم أيضا فبايعوا[ (5) ].

إباية علي كرم اللََّه وجهه بيعة أبي بكر رضي اللََّه عنهما

ثم إن عليا كرّم اللََّه وجهه أتي به إلى أبي بكر و هو يقول : أنا عبد اللََّه و أخو رسوله،

فقيل له بايع أبا بكر،

فقال: أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم و أنتم [ (1) ]أقام بحوران و مات سنة 15 و قيل سنة 14 و قيل سنة 11 و لم يختلفوا أنه وجد ميتا على مغتسله و قد اخضرّ جسده. و قيل إن قبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق و هو مشهور.

[ (2) ]في شرح النهج 2/266: ما لي أراكم ملتاثين؟

[ (3) ]زيد في شرح النهج: إلى بيت فاطمة.

[ (4) ]في رواية عمر بن شبة: اعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري و رجل آخر، فندر السيف من يده (أي سقط) ، فضرب به عمر الحجر فكسره (الطبري 2/202) .

[ (5) ]و في مروج الذهب 2/329 «لم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة رضي اللََّه عنها» و هو ما رواه ابن الأثير في الكامل نقلا عن الزهري. و الطبري في رواية 3/208.

29

أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، و احتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ صلّى اللََّه عليه و سلّم، و تأخذونه منا أهل البيت غصبا؟أ لستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، و سلموا إليكم الإمارة، و أنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار نحن أولى برسول اللََّه حيا و ميتا فأنصفونا[ (1) ]إن كنتم تؤمنون و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له عليّ: احلب حلبا لك شطره، و اشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. ثم قال: و اللََّه يا عمر لا أقبل قولك و لا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعليّ كرّم اللََّه وجهه: يا بن عمّ إنك حديث السنّ و هؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم، و معرفتهم بالأمور، و لا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، و أشد احتمالا و اضطلاعا به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنك إن تعش و يطل‏[ (2) ]بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق و به حقيق، في فضلك‏[ (3) ] و دينك، و علمك و فهمك، و سابقتك و نسبك و صهرك. فقال عليّ كرّم اللََّه وجهه:

اللََّه اللََّه يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره و قعر بيته، إلى دوركم و قعور بيوتكم، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه، فو اللََّه يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به. لأنا أهل البيت، و نحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللََّه، الفقيه في دين اللََّه، العالم بسنن رسول اللََّه، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، و اللََّه إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللََّه، فتزدادوا من الحق بعدا.

فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان. قال: و خرج عليّ كرّم اللََّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول اللََّه، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، و لو أن زوجك و ابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما [ (1) ]العبارة في شرح النهج:

فأنصفونا إن كنتم تخافون اللََّه من أنفسكم، و اعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون.

[ (2) ]في شرح النهج: و يطل عمرك.

[ (3) ]العبارة في شرح النهج: في فضلك و قرابتك و سابقتك و جهادك.

30

عدلنا به،

فيقول عليّ كرّم اللََّه وجهه : أ فكنت أدع رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم في بيته لم أدفنه، و أخرج أنازع الناس سلطانه؟

فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، و لقد صنعوا ما اللََّه حسيبهم و طالبهم.

كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم اللََّه وجهه‏

قال: و إن أبا بكر رضي اللََّه عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم اللََّه وجهه، فبعث إليهم عمر[ (1) ]، فجاء فناداهم و هم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب و قال: و الّذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة؟فقال: و إن، فخرجوا فبايعوا إلا عليا فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج و لا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضي اللََّه عنها على بابها،

فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم جنازة بين أيدينا، و قطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، و لم تردوا لنا حقا.

فأتى عمر أبا بكر، فقال له: أ لا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟فقال أبو بكر لقنفذ و هو مولى له: اذهب فادع لي عليا، قال: فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول اللََّه،

فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول اللََّه.

فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلا. فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي اللََّه عنه لقنفذ: عد إليه، فقال له:

خليفة رسول اللََّه‏[ (2) ]يدعوك لتبايع، فجاءه قنفد، فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته

فقال: سبحان اللََّه؟لقد ادعى ما لبس له،

فرجع قنفد، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلا، ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم‏

نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول اللََّه، ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة،

فلما سمع القوم صوتها و بكاءها، انصرفوا باكين، و كادت قلوبهم تنصدع، و أكبادهم تنفطر، و بقي عمر و معه قوم، فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع،

فقال : إن أنا لم أفعل فمه؟

قالوا: إذا و اللََّه الّذي لا إله إلا هو نضرب عنقك،

فقال : إذا تقتلون عبد [ (1) ]في رواية أن عمر جاء إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار و نفر قليل من المهاجرين.

[ (2) ]في نسخة: أمير المؤمنين.

31

اللََّه و أخا رسوله،

قال عمر: أما عبد اللََّه فنعم، و أما أخو رسوله فلا، و أبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟فقال: لا أكرهه على شي‏ء ما كانت فاطمة إلى جنبه،

فلحق علي بقبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يصيح و يبكي، و ينادي: يا بن أم إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني.

فقال عمر لأبي بكر، رضي اللََّه عنهما: انطلق بنا إلى فاطمة، فإنا قد أغضبناها، فانطلقا جميعا، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليا فكلماه، فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول اللََّه!و اللََّه إن قرابة رسول اللََّه أحب إلي من قرابتي، و إنك لأحب إلي من عائشة ابنتي، و لوددت يوم مات أبوك أني مت، و لا أبقى بعده، أ فتراني أعرفك و أعرف فضلك و شرفك و أمنعك حقك و ميراثك من رسول اللََّه، إلا أني‏

سمعت أباك رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» ،

فقالت : أ رأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم تعرفانه و تفعلان به؟

قالا: نعم.

فقالت : نشدتكما اللََّه أ لم تسمعا رسول اللََّه يقول: رضا فاطمة من رضاي، و سخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني؟»

قالا: نعم سمعناه من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم،

قالت : فإنّي أشهد اللََّه و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني، و لئن لقيت النبي لأشكونكما إليه،

فقال أبو بكر: أنا عائذ باللََّه تعالى من سخطه و سخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، و هي تقول: و اللََّه لأدعون اللََّه عليك في كل صلاة أصليها، ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته، مسرورا بأهله، و تركتموني و ما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي. قالوا: يا خليفة رسول اللََّه، إن هذا الأمر لا يستقيم، و أنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لم يقم للََّه دين، فقال: و اللََّه لو لا ذلك و ما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة و لي في عنق مسلّم بيعة، بعد ما سمعت و رأيت من فاطمة. قال: فلم يبايع علي كرم اللََّه وجهه حتى ماتت فاطمة رضي اللََّه عنهما، و لم تمكث بعد أبيها إلا خمسا و سبعين ليلة[ (1) ]. قال: فلما توفيت أرسل [ (1) ]اختلفوا في وفاتها عليها السّلام و كم عاشت بعد النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم، قال الواقدي:

32

علي إلى أبي بكر: أن أقبل إلينا[ (1) ]، فأقبل أبو بكر حتى دخل على عليّ و عنده بنو هاشم‏

فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أبا بكر: فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك، و لا نفاسة عليك‏[ (2) ]، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددت علينا،

ثم ذكر علي قرابته من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر. فقال أبو بكر رضي اللََّه عنه:

لقرابة رسول اللََّه أحب إليّ‏[ (3) ]من قرابتي، و إني و اللََّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللََّه يصنعه إلا صنعته إن شاء اللََّه تعالى.

فقال علي : موعدك غدا[ (4) ]في المسجد الجامع للبيعة إن شاء اللََّه.

ثم خرج فأتى المغيرة بن شعبة، فقال: الرأي يا أبا بكر أن تلقوا العباس، فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا، يكون له و لعقبه، و تكون لكما الحجة على عليّ و بني هاشم، إذا كان العباس معكم.

قال: فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة و المغيرة حتى دخلوا على العباس رضي اللََّه عنه. فحمد اللََّه أبو بكر، و أثنى عليه، ثم قال: إن اللََّه بعث محمدا صلّى اللََّه عليه و سلّم نبيا و للمؤمنين وليا، فمنّ اللََّه تعالى بمقامه بين أظهرنا، حتى اختار له اللََّه ما عنده، فخلى على الناس أمرهم، ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم، متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا، و لأمورهم راعيا، و ما أخاف بعون اللََّه وهنا و لا حيرة و لا جبنا، و ما توفيقي إلا باللََّه العلي العظيم، عليه توكلت و إليه أنيب. و ما أزال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين، و يتخذكم لجأ، فتكونون حصنه المنيع، فإما دخلتم فيما دخل فيه العامة، أو دفعتموهم عما مالوا إليه، و قد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، يكون لك و لعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول اللََّه، و إن كان [ () ]و هو الثبت عندنا: «توفيت بعد النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم بستة أشهر، و توفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة و هي ابنة تسع و عشرين سنة أو نحوها» و قيل توفيت بعده بثلاثة أشهر و قيل ثمانية أشهر و قيل سبعين يوما (انظر ابن سعد 8/30 و طبقات خليفة ص 96 و مروج الذهب 2/321 و الطبري) .

[ (1) ]زيد في الطبري-و هو

يروي عن الزهري : ائتنا و لا يأتنا معك أحد، و كره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر،

فقال عمر: لا تأتهم وحدك قال أبو بكر: و اللََّه لآتينهم وحدي، و ما عسى أن يصنعوا بي!

[ (2) ]زيد في رواية الطبري: بخير ساقه اللََّه إليك.

[ (3) ]في نسخة: أحب إلي أن أصل من قرابتي.

[ (4) ]في الطبري: موعدك العشية للبيعة.

33

الناس قد رأوا مكانك و مكان أصحابك، فعدلوا الأمر عنكم و على رسلكم بني عبد المطلب، فإن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم منا و منكم، ثم قال عمر: إي و اللََّه، و أخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، و لكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة، فيتفاقم الخطب بكم و بهم، فانظروا لأنفسكم و لعامتكم.

فتكلم العباس، فحمد اللََّه، و أثنى عليه، ثم قال: إن اللََّه بعث محمدا كما زعمت نبيا، و للمؤمنين وليا، فمنّ اللََّه بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم، مصيبين للحق، لا مائلين عنه بزيغ الهوى، فإن كنت برسول اللََّه طلبت فحقنا أخذت، و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون فيهم، و إن كان هذا الأمر إثما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه و إن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم، و إن كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض. و أما قولك إن رسول اللََّه منا و منكم، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها، و أنتم جيرانها.

قال: ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف، فأقبل على الناس، فعذر عليا بمثل ما اعتذر عنه، ثم قال علي فعظّم حق أبي بكر، و ذكر فضيلته و سابقته، ثم مضى فبايعه، فأقبل الناس على عليّ، فقالوا: أصبت يا أبا الحسن و أحسنت. قال: فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس و يستقيلهم، يقول قد أقلتكم في بيعتي، هل من كاره؟هل من مبغض؟فيقوم علي في أول الناس‏

فيقول: و اللََّه لا نقيلك و لا نستقيلك أبدا، قد قدّمك رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم لتوحيد ديننا، من ذا الّذي يؤخرك لتوجيه دنيانا؟.

خطبة أبي بكر الصديق رضي اللََّه عنه‏

قال: ثم إن أبا بكر قام خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن اللََّه الجليل الكريم العليم الحكيم الرحيم الحليم، بعث محمدا بالحق، و أنتم معشر العرب كما قد علمتم، من الضلالة و الفرقة، ألف بين قلوبكم و نصركم به و أيدكم، و مكن لكم دينكم، و أورثكم سيرته‏الراشدة

34

المهدية، فعليكم بحسن الهدى و لزوم الطاعة، و قد استخلف اللََّه عليكم خليفة ليجمع به ألفتكم، و يقيم به كلمتكم، فأعينوني على ذلك بخير، و لم أكن لأبسط يدا و لا لسانا على من لم يستحل ذلك إن شاء اللََّه، و أيم اللََّه ما حرصت عليها ليلا و لا نهارا، و لا سألتها اللََّه قط في سر و لا علانية، و لقد قلدت أمرا عظيما، ما لي به طاقة و لا يد، و لوددت أني وجدت أقوى الناس عليه مكاني، فأطيعوني ما أطعت اللََّه، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم، ثم بكى و قال: اعلموا أيها الناس أني لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم، و لوددت أن بعضكم كفانيه، و لئن أخذتموني بما كان اللََّه يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي، و ما أنا إلا كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني، و إن زغت‏[ (1) ]فقوموني، و اعلموا أن لي شيطانا يعتريني أحيانا، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم، ثم نزل. ثم دعا عمر و الأوجاه‏[ (2) ]من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقال: ما ترون لي من هذا المال؟[ (3) ]فقال عمر:

أنا و اللََّه أخبرك مالك منه. أما ما كان لك من ولد قد بان عنك و ملك أمره، فسهمه كرجل من المسلمين، و أما ما كان من عيالك و ضعفة أهلك، فتقوت منه بالمعروف و قوت أهلك. فقال: يا عمر إني لأخشى ألا يحل لي أن أطعم عيالي من في‏ء المسلمين. فقال عمر: يا خليفة رسول اللََّه، إنك قد شغلت بهذا الأمر عن أن تكسب لعيالك.

قال: و لما تمت البيعة لأبي بكر، و استقام له الأمر، اشرأب النفاق بالمدينة، و ارتدت العرب، فنصب لهم أبو بكر الحرب، و أراد قتالهم، فقالوا:

نصلي و لا نؤدي الزكاة. فقال الناس: اقبل منهم يا خليفة رسول اللََّه، فإن العهد حديث، و العرب كثير، و نحن شرذمة قليلون، لا طاقة لنا بالعرب، مع أنا قد

سمعنا رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول : «أمرت أن أقاتل الناس حتى [ (1) ]زغت من زاغ أي عدل عن الحق و مال عنه.

و قوموني أي سددوني يعني أرجعوني إلى الصواب و قول الحق.

[ (2) ]في نسخة «الاوجاه» تحريف.

[ (3) ]و كان أبو بكر رضي اللََّه عنه قد أصبح-بعد ما استخلف-غاديا إلى السوق و قد كان يشتغل بالتجارة و قد لقيه عمر و أبو عبيدة و آخرون فسألوه أين يريد؟فقال: السوق، فقيل له: ما ذا و قد و ليت أمر المسلمين، فأجاب: فمن أين أطعم عيالي. حينئذ عملوا على أن يفرض له ما يغنيه عن عمله في التجارة، و قد جعلوا له ألفين و قيل ألفين و خمسمائة.

35

يقولوا لا إله إلا اللََّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللََّه»

[ (1) ]فقال أبو بكر: هذا من حقها، لا بد من القتال. فقال الناس لعمر: اخل به فكلمه لعله يرجع عن رأيه هذا، فيقبل منهم الصلاة، و يعفيهم من الزكاة، فخلا به عمر نهاره أجمع، فقال: و اللََّه لو منعوني عقالا[ (2) ] كانوا يؤدونه إلى رسول اللََّه لقاتلتهم عليه، و لو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي، حتى يحكم اللََّه بيني و بينهم، وَ هُوَ خَيْرُ اَلْحََاكِمِينَ ، و قد

سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول : «أمرت أن أقاتل الناس على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا اللََّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة»

[ (3) ]فو اللََّه الّذي لا إله إلا هو لا أقصر دونهن، فضرب منهم من أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الإسلام طوعا و كرها. و حمدوا رأيه، و عرفوا فضله.

قال أبو رجاء العطاردي: رأيت الناس مجتمعين و عمر يقبل رأس أبي بكر و يقول: أنا فداؤك، لو لا أنت لهلكنا. فخمد له رأيه في قتال أهل الردة.

مرض أبي بكر و استخلافه عمر رضي اللََّه عنهما

قال: ثم إن أبا بكر عمل سنتين و شهورا[ (4) ]، ثم مرض مرضه الّذي مات فيه، فدخل عليه أناس من أصحاب النبي عليه الصلاة و السلام، فيهم عبد الرحمن بن عوف، فقال له: كيف أصبحت يا خليفة رسول اللََّه، فإنّي أرجو أن تكون بارئا؟قال: أ ترى ذلك؟قال: نعم، قال أبو بكر: و اللََّه إني لشديد الوجع، و لما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي، إني وليت [ (1) ]الحديث أخرجه البخاري في الإيمان (17) و مسلم في الإيمان (34 و 36) و الترمذي في الإيمان (1) و تفسير سورة (88) و النسائي في الجهاد (1) و ابن ماجة في الفتن (1) و أحمد في مسندة من عدة طرق في ج 1 و 2 و 3.

[ (2) ]قال أبو عبيد في غريبه: «و يروى عناقا» و في الفائق للزمخشري: و فيه: و روي: «لو منعوني جديا أذوط» .

قال الكسائي: العقال صدقة عام. يقال: قد أخذ منهم عقال هذا العام إذا أخذت منهم صدقته.

و قال الأصمعي: يقال: بعث فلان على عقال بني فلان: إذا بعث على صدقاتهم. (و انظر النهاية لابن الأثير 3/118. و غريب الهروي 2/3-4) .

[ (3) ]متفق عليه أخرجه البخاري و ابن ماجة و أحمد في مسندة.

[ (4) ]كانت خلافته سنتين و أربعة أشهر إلا أربع ليال قاله في الطبري.

36

أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له. و ذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت‏[ (1) ]. أما و اللََّه لتتخذن نضائد[ (2) ]الديباج، و ستور الحرير، و لتألمن النوم‏[ (3) ]على الصفوف الأذربي‏[ (4) ]، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان‏[ (5) ]، و اللََّه لأن يقدم أحدكم فضرب عنقه في غير حدث خير له من أن يخوض غمرات الدنيا[ (6) ]. فقال له عبد الرحمن بن عوف: خفض عليك من هذا يرحمك اللََّه، فإن هذا يهيضك‏[ (7) ]على ما بك، و إنما الناس رجلان: رجل رضي ما صنعت، فرأيه كرأيك، و رجل كره ما صنعت، فأشار عليك برأيه، ما رأينا من صاحبك الّذي وليت إلا خيرا، و ما زلت صالحا مصلحا، و لا أراك تأسى على شي‏ء من الدنيا فاتك‏[ (8) ]. قال: أجل، و اللََّه ما آسى إلا على ثلاث فعلتهنّ، ليتني كنت تركتهن، و ثلاث تركتهن ليتني فعلتهن، و ثلاث ليتني سألت رسول اللََّه عنهن، فأما اللاتي فعلتهن و ليتني لم أفعلهن، فليتني تركت بيت علي و إن كان أعلن علي الحرب، و ليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير و كنت أنا الوزير، و ليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمي‏[ (9) ]أسيرا أني قتلته ذبيحا أو أطلقته نجيحا، و لم أكن أحرقته بالنار. و أما اللاتي تركتهن و ليتني كنت فعلتهن، ليتني حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا أني قتلته و لم أستحيه، فإنّي سمعت منه، و أراه لا يرى غيا و لا شرا إلا أعان عليه، و ليتني حين بعثت خالد بن الوليد إلى الشام، أني كنت بعثت [ (1) ]العبارة في الطبري: و رأيتم الدنيا قد أقبلت و لما تقبل، و هي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير..

3/429.

[ (2) ]قال المبرد في الكامل: نضائد الديباج، واحدتها نضيدة، و هي الوسادة و ما ينضد من المتاع.

[ (3) ]في الطبري: و تألموا الاضطجاع.

[ (4) ]كذا بالأصل و الكامل للمبرد، و في الطبري: الأذري نسبة إلى أذربيجان من بلاد العجم.

[ (5) ]السعدان: نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه.

[ (6) ]زيد عند المبرد و الطبري: يا هادي الطريق جرت، إنما هو و اللََّه الفجر أو البجر.

[ (7) ]قال المبرد: قوله يهيضك مأخوذ من قولهم: هيض العظم إذا جبر ثم أصابه شي‏ء يعنته فأذاه، كسره ثانية أو لم يكسره، و أكثر ما يستعمل في كسره ثانية.

[ (8) ]الخبر إلى هنا في الكامل للمبرد 1/11. و انظر العقد الفريد 4/268 و إعجاز القرآن (ص 116) .

[ (9) ]و كان الفجاءة قد أتى أبا بكر و ادعى أمامه الإسلام و طلب إليه جهاد المرتدين، فحمله و أعطاه سلاحا فأخذ يشن غاراته على المسلمين أينما توجه. و لما أمكنت أبا بكر الفرصة منه و أمسك به أحرقه بالنار مقموطا.

37

عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يدي جميعا في سبيل اللََّه‏[ (1) ].

و أما اللاتي كنت أود أني سألت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم عنهن، فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده؟فلا ينازعه فيه أحد، و ليتني كنت سألته:

هل للأنصار فيها من حق؟[ (2) ]و ليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ و العمة، فإن في نفسي من ذلك شيئا.

ثم دخل عليه أناس من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم فقالوا: يا خليفة رسول اللََّه، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟فقال: قد نظر إليّ.

قالوا: فما ذا قال؟قال: إني فعال لما أريد، ثم قال لهم: انظروا ما ذا أنفقت من بيت المال، فنظروا فإذا هو ثمانية[ (3) ]آلاف درهم، فأوصى أهله أن يؤدوها إلى الخليفة بعده. ثم دعا عثمان بن عفان فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان و أملى عليه‏[ (4) ]:

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحا عنها، و أول عهده بالآخرة داخلا فيها: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به و رجائي فيه، و إن بدّل و غيّر فالخير أردت، و لا أعلم الغيب، وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .

ثم ختم الكتاب و دفعه، فدخل عليه المهاجرون و الأنصار حين بلغهم أنه استخلف عمر، فقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، و قد عرفته، و علمت بوائقه فينا و أنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا و أنت لاق اللََّه عز و جل فسائلك، فما أنت قائل؟فقال أبو بكر: لئن سألني اللََّه لأقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي. قال: ثم أمر أن تجتمع له الناس، فاجتمعوا، فقال: أيها الناس قد حضرني من قضاء اللََّه ما ترون، و إنه لا بد لكم من رجل يلي أمركم، و يصلي [ (1) ]كذا بالأصل، و لم يذكر الثالثة، و هي في الطبري: وددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة، كنت أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، و إن هزموا كنت بصدد لقاء أو مددا. (و انظر العقد الفريد) .

[ (2) ]في الطبري و العقد: نصيب.

[ (3) ]في طبقات ابن سعد 3/193: ستة آلاف.

[ (4) ]نص العهد في الطبري 3/429 و الكامل لابن الأثير 2/425 و طبقات ابن سعد 3/200 باختلاف في بعض الألفاظ، قارنها مع الأصل.

38

بكم، و يقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتهدت لكم رأيي، و و اللََّه الّذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرا، قال: فبكى و بكى الناس، و قالوا: يا خليفة رسول اللََّه، أنت خيرنا و أعلمنا، فاختر لنا، قال: سأجتهد لكم رأيي، و أختار لكم خيركم إن شاء اللََّه. قال: فخرجوا من عنده، ثم أرسل إلى عمر فقال: يا عمر، أحبك محب، و أبغضك مبغض، و قديما يحب الشر، و يبغض الخير.

فقال عمر: لا حاجة لي بها، فقال أبو بكر: لكن بها إليك حاجة، و اللََّه ما حبوتك بها، و لكن حبوتها بك. ثم قال: خذ هذا الكتاب و اخرج به إلى الناس، و أخبرهم أنه عهدي، و سلهم عن سمعهم و طاعتهم. فخرج عمر بالكتاب و أعلمهم، فقالوا: سمعا و طاعة، فقال له رجل: ما في الكتاب يا أبا حفص؟ قال: لا أدري، و لكني أول من سمع و أطاع. قال: لكني و اللََّه أدري ما فيه:

أمّرته عام أول، و أمّرك العام.

ولاية عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه‏

قال: و لما توفي أبو بكر[ (1) ]و ولي عمر و قعد في المسجد مقعد الخلافة، أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أدنو منك فإن لي حاجة؟قال عمر: لا. قال الرجل: إذا أذهب فيغنيني اللََّه عنك، فولى ذاهبا، فاتبعه عمر ببصره، ثم قام فأخذه بثوبه، فقال له: ما حاجتك؟فقال الرجل: بغضك الناس، و كرهك الناس، قال عمر: و لم ويحك؟قال الرجل: للسانك و عصاك، قال: فرفع عمر يديه، فقال: اللََّهمّ حببهم إلي و حببني إليهم. قال الرجل: فما وضع يديه حتى ما على الأرض أحب إليّ منه.

و كان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر، و استبطئوا الخبر، فقالوا: إنا لنخاف أن يكون خليفة اللََّه قد مات و ولي بعده عمر، فإن كان عمر هو الوالي فليس لنا بصاحب، و إنا نرى خلعه. قال بعضهم: فابعثوا رجلا ترضون عقله، قال: فانتخبوا لذلك رجلا، فقدم على عمر، و قد كان عمر استبطأ خبر أهل الشام، فلما أتاه قال له: كيف الناس؟قال: سالمون صالحون، و هم كارهون [ (1) ]كانت وفاة أبي بكر مساء ليلة الثلاثاء لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة و هو ابن ثلاث و ستين سنة على ما ذكروه. (ابن سعد 3/202) .

39

لولايتك، و من شرك مشفقون‏[ (1) ]، فأرسلوني انظر: أ حلو أنت أم مر؟قال: فرفع عمر يديه إلى السماء و قال: اللََّهمّ حببني إلى الناس، و حببهم إليّ.

قال: فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر، فو اللََّه ما فارق الدنيا حتى أحب ولايته من كرهها. لقد كانت إمارته فتحا، و إسلامه عزا و نصرا، اتبع في عمله سنة صاحبيه و آثارهما، كما يتبع الفصيل أثر أمه، ثم اختار اللََّه له ما عنده.

قتل عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه‏

قال عمرو بن ميمون: شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن، فما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته، فكنت في الصف الّذي يليه، و كان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة، فذلك الّذي منعني من التقدم. قال: فأقبل لصلاة الصبح، و كان يغلس بها[ (2) ]، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فطعنه ثلاث طعنات‏[ (3) ]، فسمعت عمر و هو يقول: دونكم الكلب، فإنه قد قتلني، و ماج الناس، فجرح ثلاثة عشر رجلا[ (4) ]، و صاح بعضهم ببعض: دونكم الكلب، فشد عليه رجل من خلفه، فاحتضنه، و ماج الناس، فقال قائل: الصلاة عباد اللََّه، طلعت الشمس. فدفعت عبد الرحمن بن عوف، فصلّى بأقصر سورتين في القرآن، و احتمل عمر، و مات من الذين جرحوا ستة أو سبعة[ (5) ]، و جرى الناس إلى عمر، فقال: يا بن عباس، اخرج فناد في الناس أ عن ملأ و رضى منهم كان هذا؟ فخرج فنادى، فقالوا: معاذ اللََّه، ما علمنا و لا أطلعنا، قال: فأتاه الطبيب فقال:

أي الشراب أحب إليك؟قال: النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من بعض طعناته.

فقال الناس‏[ (6) ]: صديد، اسقوه لبنا، فخرج اللبن، فقال الطبيب: لا أرى أن [ (1) ]أي خائفون و مترقبون.

[ (2) ]الغلس هو آخر ظلمة الليل. كان عمر يصلي صلاة الصبح مبكرا.

[ (3) ]ابن سعد 3/345 و في ابن الأثير 3/50 ست طعنات. و كانت إحدى الطعنات تحت السرة و هي التي قتلته.

[ (4) ]في ابن سعد: طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم انتحر بخنجره، فمات منهم ستة و أفرق ستة، و في رواية له كالأصل. فأفلت أربعة و مات تسعة أو أفلت تسعة و مات أربعة، و لما أدرك أنه مأخوذ-بعد أن ألقى عليه اليربوعي-نحر نفسه بخنجره (فتح الباري 7/51) .

[ (5) ]انظر الحاشية السابقة.

[ (6) ]في ابن سعد: الّذي أشار بسقيه اللبن طبيب من الأنصار من بني معاوية و المراد بالنبيذ المذكور:

40

تمسي، فما كنت فاعلا فافعل، فقال لابنه عبد اللََّه: ناولني الكتف، فلو أراد اللََّه أن يمضي ما فيه أمضاه، فمحاها بيده، و كان فيها فريضة الجد. ثم دخل عليه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قد كنت أنبأتك أنك شهيد[ (1) ]، قال: و من أين لي بالشهادة و أنا بجزيرة العرب؟ثم جعل الناس يثنون عليه، و يذكرون فضله. فقال: إن من غررتموه لمغرور، إني و اللََّه وددت أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها[ (2) ]، و اللََّه لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك، فقال: إن يكن القتل بأسا، فقد قتلني أبو لؤلؤة، قالوا: فإن يكن ذلك فجزاك اللََّه عنا خيرا. فقال: لا أراكم تغبطونني بها، فو الّذي نفس عمر بيده ما أدري علام أهجم، و لوددت أني نجوت منها كفافا لا لي و لا علي، فيكون خيرها بشرها، و يسلم لي ما كان قبلها من الخير. و دخل علي بن أبي طالب‏[ (3) ] فقال: يا علي، أ عن ملأ منكم و رضى كان هذا؟

فقال علي : ما كان عن ملأ منا و لا رضى، و لوددنا أن اللََّه زاد من أعمارنا في عمرك.

قال: و كان رأسه في حجر ابنه عبد اللََّه، فقال له: ضع خدي بالأرض، فلم يفعل، فلحظه و قال: ضع خدي بالأرض لا أم لك، فوضع خده بالأرض، فقال: الويل لعمر و لأم عمر إن لم يغفر اللََّه لعمر[ (4) ]، ثم دعا عبد اللََّه بن عباس و كان يحبه و يدنيه و يسمع منه، فقال له: يا بن عباس، إني لأظن أن لي ذنبا، و لكن أحب أن تعلم لي أ عن ملأ منهم و رضى كان هذا؟فخرج ابن عباس، فجعل لا يرى ملأ من الناس إلا و هم يبكون، كأنما فقدوا اليوم أنصارهم، فرجع إليه فأخبره بما رأى. قال: فمن قتلني؟قال: أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة. قال عبد اللََّه: فرأيت البشر في وجهه، فقال: الحمد للََّه الّذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا اللََّه يوم القيامة. ثم قال: يا عبد اللََّه، ألا لو أن لي ما طلعت عليه الشمس و ما غربت لافتديت به من هول المطلع، و ما ذاك و الحمد للََّه أن أكون رأيت إلا خيرا، فقال [ () ]تمرات نبذت في ماء أي نفقت فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء.

[ (1) ]و كان كعب الأحبار قد أخبره أنه ميت في ثلاث ليال و أنه يجد ذلك في التوراة (ابن الأثير 3/50) .

[ (2) ]زيد عند ابن سعد: لا أجر و لا وزر.

[ (3) ]في ابن سعد: ابن عباس.

[ (4) ]قالها ثلاثا (عن ابن سعد) و عنه أنها آخر كلام عمر بن الخطاب و بقي يقولها حتى فاضت نفسه.

41

له ابن عباس: فإن يك ذاك يا أمير المؤمنين، فجزاك اللََّه عنا خيرا، أ ليس قد دعا رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أن يعز اللََّه بك الدين و المسلمون محبسون بمكة؟[ (1) ]فلما أسلمت كان إسلامك عزا أعز اللََّه به الإسلام، و ظهر النبي و أصحابه، ثم هاجرت إلى المدينة، فكانت هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول اللََّه من قتال المشركين، و قال فيك رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم يوم كذا و كذا، ثم قبض رسول اللََّه و هو عنك راض، ثم ارتد الناس بعد رسول اللََّه عن الإسلام، فوازرت الخليفة على منهاج رسول اللََّه، و ضربتم من أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الإسلام طوعا و كرها، ثم قبض الخليفة و هو عنك راض، ثم وليت بخير على ما يلي أحد من الناس. مصّر اللََّه بك الأمصار، و جبى بك الأموال، و نفى بك العدو، و أدخل اللََّه على أهل كل بيت من المسلمين توسعة في دينهم، و توسعة في أرزاقهم، ثم ختم اللََّه لك بالشهادة، فهنيئا لك، فصب اللََّه الثناء عليك صبا، فقال: أ تشهد لي بهذا يا عبد اللََّه عند اللََّه يوم القيامة؟قال: نعم، فقال عمر: اللََّهمّ لك الحمد.

تولية عمر بن الخطاب الستة الشورى و عهده إليهم‏

قال‏[ (2) ]: ثم إن المهاجرين دخلوا على عمر رضي اللََّه عنه و هو في البيت من جراحة تلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين، استخلف علينا، قال: و اللََّه لا أحملكم حيا و ميتا، ثم قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، و إن أدع فقد ودع من هو خير مني يعني النبي عليه الصلاة و السلام، فقالوا:

جزاك اللََّه خيرا يا أمير المؤمنين، فقال: ما شاء اللََّه راغبا، وددت أن أنجو منها لا لي و لا عليّ.

فلما أحس بالموت قال لابنه: اذهب إلى عائشة، و أقرئها مني السلام، و استأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول اللََّه و مع أبي بكر، فأتاها عبد اللََّه بن عمر، [ (1) ]إشارة إلى‏

حديث رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم: اللََّهمّ أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام.

[ (2) ]القائل هو عمرو بن ميمون الأودي، و هو من بني الأزد يكنى أبا يحيى أو أبا عبد اللََّه أدرك الجاهلية و أسلم في حياة النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم. قال أبو نعيم مات سنة 54 و قيل سنة 75 (الإصابة 3/118) . ـ

42

فأعلمها، فقالت: نعم و كرامة ثم قالت: يا بني أبلغ عمر سلامي، و قل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، و لا تدعهم بعدك هملا، فإنّي أخشى عليهم الفتنة، فأتى عبد اللََّه فأعلمه، فقال: و من تأمرني أن أستخلف؟لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته و وليته، فإذا قدمت على ربي فسألني و قال لي: من وليت على أمة محمد؟قلت: إي ربي،

سمعت عبدك و نبيك يقول: لكل أمة أمين و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح،

و لو أدركت معاذ بن جبل استخلفته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد؟قلت: إي ربي،

سمعت عبدك و نبيك يقول: إن معاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة.

و لو أدركت خالد بن الوليد لوليته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد؟قلت: إي ربي،

سمعت عبدك و نبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف اللََّه سله على المشركين‏

[ (1) ]، و لكني سأستخلف النفر الذين توفي رسول اللََّه و هو عنهم راض، فأرسل إليهم فجمعهم، و هم علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفان، و طلحة بن عبيد اللََّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف رضوان اللََّه عليهم و كان طلحة غائبا، فقال: يا معشر المهاجرين الأولين، إني نظرت في أمر الناس، فلم أجد فيهم شقاقا و لا نفاقا، فإن يكون بعدي شقاق و نفاق فهو فيكم، تشاوروا ثلاثة أيام. فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، و إلا فأعزم عليكم باللََّه أن لا تتفرقوا من اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم، فإن أشرتم بها إلى طلحة، فهو لها أهل، و ليصلّ بكم صهيب‏[ (2) ]هذه الثلاثة أيام التي تشاورون فيها، فإنه رجل من الموالي لا ينازعكم أمركم، و أحضروا معكم من شيوخ الأنصار، و ليس لهم من أمركم شي‏ء، و أحضروا معكم الحسن بن علي و عبد اللََّه بن عباس، فإن لهما قرابة، و أرجو لكم البركة في حضورهما، و ليس لهما من أمركم شي‏ء، و يحضر ابني عبد اللََّه مستشارا، و ليس له من الأمر شي‏ء، قالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة موضعا فاستخلفه، فإنا راضون به فقال: حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الأمر شي‏ء. ثم قال: يا عبد اللََّه إياك ثم إياك لا تتلبس بها، [ (1) ]قارن مع رواية الطبري و ابن الأثير و العقد الفريد.

[ (2) ]هو صهيب بن سنان (نسبه في أسد الغابة) أسرته الروم و هو صغير فنشأ فيهم ثم اشتراه عبد اللََّه بن جدعان و أعتقه و كان من السابقين إلى الإسلام. توفي بالمدينة سنة 38 و قيل سنة 39.

43

ثم قال: إن استقام أمر خمسة منكم و خالف واحد فاضربوا عنقه، و إن استقام أربعة و اختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، و إن استقر ثلاثة و اختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد اللََّه، فلأي الثلاثة قضى فالخليفة منهم و فيهم‏[ (1) ]، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم، فقالوا: قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك و نقتدي به. فقال: و اللََّه ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك و غلظتك، مع أنك رجل حرب. و ما يمنعني منك يا عبد الرحمن‏إلا أنك فرعون هذه الأمة. و ما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا، كافر الغضب. و ما يمنعني من طلحة إلا نخوته و كبره، و لو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته. و ما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك و حبك قومك و أهلك، و ما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، و إنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين.

و الصراط المستقيم. أوصي الخليفة منكم بتقوى اللََّه العظيم، و أحذره مثل مضجعي هذا، و أخوفه يوما تبيض فيه وجوه و تسود وجوه، يوم تعرضون على اللََّه لا تخفى منكم خافية، ثم غشي عليه حتى ظنوا أنه قد قضى فجعلوا ينادونه و لا يفيق من إغمائه، فقال قائل: إن كان شي‏ء ينبه فالصلاة، فقالوا: يا أمير المؤمنين الصلاة، ففتح عينيه فقال: الصلاة ها أنا ذا، و لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلّى و جرحه يثعب دما[ (2) ]، ثم التفت إليهم و قال: قد قومت لكم الطريق فلا تعوجوه، ثم التفت إلى علي بن أبي طالب، فقال: لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك و شرفك و قرابتك من رسول اللََّه، و ما آتاك اللََّه من العلم و الفقه و الدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فاتق اللََّه يا علي فيه، و لا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس، ثم التفت إلى عثمان فقال: يا عثمان، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول اللََّه و سنك و شرفك و سابقتك فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس. ثم دعا صهيبا فقال: يا صهيب، صلّ بالناس ثلاثة أيام، و يجتمع هؤلاء النفر و يتشاورون بينهم‏[ (3) ]: اخرجوا عني، اللََّهمّ ألفهم و اجمعهم على الحق، و لا تردهم على [ (1) ]زيد في رواية عند الطبري و ابن الأثير: فإن لم يرغبوا بحكم عبد اللََّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. (و انظر ابن سعد 3/61) .

[ (2) ]يثعب دما: يتفجر دما.

[ (3) ]زيد عند الطبري، و ابن الأثير و ابن سعد: أنه قال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة إن اللََّه طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم.

44

أعقابهم، و ول أمر أمة محمد خيرهم. فخرجوا من عنده، و توفي رحمه اللََّه تعالى من يومه ذلك، و دفن و صلّى عليه صهيب.

ذكر الشورى و بيعة عثمان بن عفان رضي اللََّه عنه‏

ثم إنه بعد موت عمر اجتمع القوم فحلوا في بيت أحدهم‏[ (1) ]، و أحضروا عبد اللََّه بن عباس، و الحسن بن علي، و عبد اللََّه بن عمر، فتشاوروا ثلاثة أيام، فلم يبرموا فتيلا، فلما كان في اليوم الثالث قال لهم عبد الرحمن بن عوف.

أ تدرون أي يوم هذا؟هذا يوم عزم عليكم صاحبكم أن لا تتفرقوا فيه حتى تستخلفوا أحدكم، قالوا: أجل. قال: فإنّي عارض عليكم أمرا، قالوا: و ما تعرض؟قال: أن تولوني أمركم، و أهب لكم نصيبي فيها، و أختار لكم من أنفسكم، قالوا: قد أعطيناك الّذي سألت، فلما سلم القوم قال لهم عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فجعل الزبير أمره إلى عليّ، و جعل طلحة أمره إلى عثمان، و جعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف.

قال المسور بن مخرمة: فقال لهم عبد الرحمن: كونوا مكانكم حتى آتيكم. و خرج يتلقى الناس في أنقاب المدينة متلثما لا يعرفه أحد، فما ترك أحدا من المهاجرين و الأنصار و غيرهم من ضعفاء الناس و رعاعهم إلا سألهم و استشارهم. أما أهل الرأي فأتاهم مستشيرا، و تلقى غيرهم سائلا، يقول: من ترى الخليفة بعد عمر؟فلم يلق أحدا يستشيره و لا يسأله إلا و يقول عثمان، فلما رأى اتفاق الناس و اجتماعهم على عثمان. قال المسور: جاءني رضي اللََّه عنه عشاء، فوجدني نائما فخرجت إليه فقال: ألا أراك نائما، فو اللََّه ما اكتحلت عيني بنوم منذ هذه الثلاثة، ادع لي فلانا و فلانا[ (2) ] (نفرا من المهاجرين) فدعوتهم له، فناجاهم في المسجد طويلا، ثم قاموا من عنده، فخرجوا. ثم دعا عليا فناجاه طويلا ثم قام من عنده على طمع‏[ (3) ]، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه طويلا حتى فرق بينهما أن آنت صلاة الصبح، فلما صلوا جمعهم، فأخذ على [ (1) ]قيل إنهم اجتمعوا في بيت المسور بن مخرمة، و قيل: في بيت المال، و قيل: في حجرة عائشة بإذنها.

[ (2) ]في الطبري: الزبير و سعد.

[ (3) ]في الطبري: و هو لا يشك أنه صاحب الأمر.

45

كل واحد منهم العهد و الميثاق: لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب اللََّه و سنة رسوله، و سنة صاحبيك من قبلك، فأعطاه كل واحد منهم العهد و الميثاق على ذلك، و أيضا لئن بايعت غيرك لترضين و لتسلمن، و ليكونن سيفك معي على من أبى فأعطوه ذلك من عهودهم و مواثيقهم، فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان، فقال له:

عليك عهد اللََّه و ميثاقه لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب اللََّه و سنة رسوله و سنة صاحبيك، و شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس، فقال عثمان: نعم. ثم أخذ بيد علي، فقال له: أبايعك على شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس،

فقال علي عند ذلك: ما لك و لهذا إذا قطعتها في عنقي؟فإن علي الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة و الأمانة استعنت بها، كان في بني هاشم أو غيرهم،

قال عبد الرحمن: لا و اللََّه حتى تعطيني هذا الشرط،

قال علي : و اللََّه لا أعطيكه أبدا،

فتركه، فقاموا من عنده، فخرج عبد الرحمن إلى المسجد، فجمع الناس، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: إني نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك، فإنه السيف لا غير. ثم أخذ بيد عثمان فبايعه و بايع الناس جميعا، قال: فكان عثمان رضي اللََّه عنه ست سنين في ولايته، و هو أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب رضي اللََّه عنه. و كان عمر رجلا شديدا قد ضيق على قريش أنفاسها، لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا إعظاما له و إجلالا، و تأسيا به و اقتداء، فلما وليهم عثمان ولى رجل لين.

قال الحسن البصري: شهدت عثمان و هو يخطب و أنا يومئذ قد راهقت الحلم، فما رأيت قط ذكرا و لا أنثى أصبح وجها و لا أحسن نضرة منه. فسمعته يقول: أيها الناس، اغدوا على أعطياتكم فيأخذونها وافية، أيها الناس اغدوا على كسوتكم، فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم بينهم، حتى و اللََّه سمعت أذناي: يا معشر المسلمين اغدوا على السمن و العسل فيغدون فيقسم بينهم السمن و العسل، ثم يقول: يا معشر المسلمين اغدوا على الطيب، فيغدون فيقسم بينهم الطيب من المسك و العنبر و غيره، و العدوان و اللََّه منفي، و الأعطيات دارّة و الخير كثير، و ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا، من لقي في أي البلدان فهو أخوه و أليفه، و ناصره و مؤدبه فلم يزل المال متوفرا، حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا، و بيع الفرس بعشرة آلاف دينار و بيع البعير بألف، و النخلة الواحدة بألف.

46

ثم أنكر الناس على عثمان أشياء أشرا و بطرا. قال ابن عمر: لقد عيبت عليه أشياء لو فعلها عمر ما عيبت عليه.

ذكر الإنكار على عثمان رضي اللََّه عنه‏

قال عبد اللََّه بن مسلم: حدثنا ابن أبي مريم و ابن عفير قالا: حدثنا ابن عون، قال: أخبرنا المخول بن إبراهيم و أبو حمزة الثمالي و بعضهم يزيد على بعض و المعنى واحد، فجمعته و ألفته على قولهم، و معنى ما أرادوا عن علي بن الحسين، قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان صعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن لكل شي‏ء آفة، و لكل نعمة عاهة، و إن آفة[ (1) ] هذا الدين و عاهة هذه الملة، قوم عيابون طعانون، يرونكم ما تحبون، و يسرون ما تكرهون. أما و اللََّه يا معشر المهاجرين و الأنصار، لقد عبتم عليّ أشياء و نقمتم أمورا قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، و لكنه‏[ (2) ] وقمكم‏[ (3) ]و قمعكم، و لم يجترئ أحد يملأ بصره منه و لا يشير بطرفه إليه، أما و اللََّه لأنا أكثر من ابن الخطاب عددا، و أقرب ناصرا و أجدر. إلى أن قال لهم: أ تفقدون من حقوقكم شيئا؟فما لي لا أفعل في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما إذا؟أما و اللََّه ما عاب عليّ من عاب منكم أمرا أجهله، و لا أتيت الّذي أتيت إلا و أنا أعرفه.

قال: و قدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك من الشام، فأتى مجلسا فيه علي بن أبي طالب، و طلحة بن عبيد اللََّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و عمار بن ياسر، فقال لهم: يا معشر الصحابة، أوصيكم بشيخي هذا خيرا، فو اللََّه لئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلا و رجالا، ثم أقبل على عمار بن ياسر فقال: يا عمار، إن بالشام مائة ألف فارس، كلّ يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم و عبدانهم، لا يعرفون عليا و لا قرابته، و لا عمارا و لا سابقته، و لا الزبير و لا صحابته، و لا طلحة و لا هجرته، و لا يهابون ابن عوف و لا ماله، و لا يتقون سعدا و لا دعوته، فإياك يا عمار أن تقعد غدا في فتنة تنجلي، فيقال: هذا قاتل عثمان، و هذا قاتل علي. ثم أقبل على ابن عباس [ (1) ]العبارة في الطبري 5/97: و إن آفة هذه الأمة و عاهة هذه النعمة.

[ (2) ]في الطبري: و لكنه وطئكم برجله و ضربكم بيده و قمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم.

[ (3) ]وقمكم أي قهركم. و قمعكم أي أوقفكم عند حدودكم.

47

فقال: يا بن عباس، إنا كنا و إياكم في زمان لا نرجو فيه ثوابا، و لا نخاف عقابا، و كنا أكثر منكم، فو اللََّه ما ظلمناكم و لا قهرناكم و لا أخرناكم عن مقام تقدمناه، حتى بعث اللََّه رسوله منكم، فسبق إليه صاحبكم، فو اللََّه ما زال يكره شركنا، و يتغافل به عنا حتى ولي الأمر علينا و عليكم، ثم صار الأمر إلينا و إليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنه، ثم غير فنطق و نطق على لسانه، فقد أوقدتم نارا لا تطفأ بالماء، فقال ابن عباس. كنا كما ذكرت حتى بعث اللََّه رسوله منا و منكم، ثم ولي الأمر علينا و عليكم، ثم صار الأمر إلينا و إليكم، فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنه، و لما هو أفضل من سنه، فو اللََّه ما قلنا إلا ما قال غيرنا، و لا نطقنا إلا بما نطق به سوانا، فتركتم الناس جانبا، و صيرتمونا بين أن أقمنا متهمين أو نزعنا معتبين‏[ (1) ]و صاحبنا من قد علمتم، و اللََّه لا يهجهج مهجهج إلا ركبه‏[ (2) ]، و لا يرد حوضا إلا أفرطه و قد أصبحت أحب منك ما أحببت، و أكره ما كرهت، و لعلي لا ألقاك إلا في خير.

ذكر القول و المجادلة لعثمان و معاوية رضي اللََّه عنهما

قال: و ذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإنّي لجالس فيه مع علي حين صليت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا،

فقال علي : نعم،

فلما أن ولى الرسول أقبل‏

علي فقال : لم تراه دعاني؟

قلت له: دعاك ليكلمك،

فقال: انطلق معي،

فأقبلت فإذا طلحة و الزبير و سعد و أناس من المهاجرين، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان، فسكت القوم، و نظر بعضهم إلى بعض، فحمد اللََّه عثمان، ثم قال: أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائبا عنكم و عما نلتم مني، و ما عاتبتكم عليه و عاتبتموني، و قد سألني أن يكلمكم و أن يكلمه من أراد، فقال سعد بن أبي وقاص: و ما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك؟

فقال علي : ذلكم تكلم يا معاوية،

فحمد اللََّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين و بقية الشورى فإياكم أعني و إياكم أريد، فمن أجابني بشي‏ء فمنكم واحد، فإنّي لم أرد غيركم، توفي رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم‏فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم، فأصبحوا [ (1) ]معتبين أي ملومين.

[ (2) ]أي لا يصيح صائح مستنكرا إلا أخذ على يده.

48

سالما أمرهم، كأن نبيهم بين أظهرهم، فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من بعده أحد المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر بقية المهاجرين، فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه، فبايعوه و هم ينظرون إلى الّذي هو كائن من بعده، لا يشكون و لا يمترون، مهلا مهلا معشر المهاجرين، فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، و من إن فعلتم الّذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم و أعد من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، و رأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي، فسددوا و ارفقوا، لا يغلبكم على أمركم من حذرتكم،

فقال علي بن أبي طالب : كأنك تريد نفسك يا بن اللخناء لست هنالك،

فقال معاوية: مهلا عن شتم بنت عمك، فإنّها ليست بشر نسائك. يا معشر المهاجرين، و ولاة هذا الأمر، ولاكم اللََّه إياه فأنتم أهله، و هذان البلدان مكة و المدينة مأوى الحق و منتهاه، إنما ينظر التابعون إلى السابقين، و البلدان إلى البلدين فإن استقاموا استقاموا، و أيم اللََّه الّذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين، و لا البلدان للبلدين، و ليسلبن أمركم و لينقلن الملك من بين أظهركم، و ما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض فإنّي رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم، و بطرتم معيشتكم و سفهتم أحلامكم، و ما كل نصيحة مقبولة، و الصبر على بعض المكروه خير من تحمله كله.

قال: ثم خرج القوم و أمسك عثمان ابن عباس، فقال له عثمان: يا بن عمي و يا بن خالتي، فإنه لم يبلغني عنك في أمري شي‏ء أحبه و لا أكرهه عليّ و لا لي، و قد علمت أنك رأيت بعض ما رأى الناس، فمنعك عقلك و حلمك من أن تظهر ما أظهروا، و قد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني و بينك فأعتذر، قال ابن عباس: فقلت يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، و أدخلتني في الضيق بعد السعة، و و اللََّه إن رأيي لك أن يجلّ سنك، و يعرف قدرك، و سابقتك، و اللََّه لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنه ليس لهما علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما، و إن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الّذي نيل منك تركته لما تركاه له، و لم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك، قال: فما منعك أن تشير على بهذا قبل أن أفعل ما فعلت؟قال: و ما علمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل؟

49

قال: فهب لي صمتا حتى ترى رأيي. قال: فخرج ابن عباس، فقال عثمان لمعاوية: ما ترى، فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر، و لا بد لهم مما في أنفسهم، فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم. قال:

من؟قال: علي و طلحة و الزبير، قال عثمان: سبحان اللََّه!أقتل أصحاب رسول اللََّه بلا حدث أحدثوه، و لا ذنب ركبوه؟قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنّهم سيقتلونك. قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول اللََّه في أمته بإهراق الدماء. قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال؟قال عثمان: و ما هي؟قال معاوية: أرتب لك ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام، يكونون لك ردءا و بين يديك يدا، قال عثمان: أرزقهم من أين؟قال: من بيت المال، قال عثمان: ارزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي؟لا فعلت هذا[ (1) ]. قال: فثانية، قال: و ما هي؟قال: فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، و اضرب عليهم البعوث و الندب، حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته، قال عثمان: سبحان اللََّه؟شيوخ المهاجرين و كبار أصحاب رسول اللََّه، و بقية الشورى أخرجهم من ديارهم و أفرق بينهم و بين أهلهم و أبنائهم؟لا أفعل هذا. قال معاوية فثالثة، قال: و ما هي؟قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت، قال عثمان. نعم هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي.

قال: ثم خرج عثمان فصعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، إن نصيحتي كذبتني، و نفسي منتني‏[ (2) ]، و قد

سمعت رسول اللََّه يقول : لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من اللََّه بعدا،

من أساء فليتب، و من أخطأ فليتب، و أنا أول من اتعظ، و اللََّه لئن ردني الحق عبدا لأنتسبن نسب العبيد، و لأكونن كالمرقوق الّذي إن ملك صبر، و إن أعتق شكر، ثم نزل‏[ (3) ]، فدخل على زوجته نائلة بنت الفرافصة، و دخل معه مروان بن الحكم، فقال: يا [ (1) ]العبارة في الطبري 5/101 قال: فأبعث إليك جندا منهم (من أهل الشام) يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك. قال: أنا أقتر على جيران رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم الأرزاق بجند مساكنهم و أضيق على أهل دار الهجرة و النصرة.

و ذكر فيه خصلة ثانية و هي أن ينطلق عثمان معه إلى الشام فرفض عثمان أن يترك جوار رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم.

[ (2) ]في الطبري 5/111: مننتني نفسي و كذبتني و ضل عني رشدي.

[ (3) ]قارن مع الطبري 5/111 و ابن الأثير 3/164. ـ

50

أمير المؤمنين، أتكلم أو أسكت؟فقالت له نائلة: بل اسكت فو اللََّه لئن تكلمت لتغرنه و لتوبقنه. فالتفت إليها عثمان مغضبا، فقال: اسكتي، تكلم يا مروان، فقال مروان: يا أمير المؤمنين و اللََّه لو قلت الّذي قلت و أنت في عز و منعة لتابعتك، و لكنك قلت الّذي قلت و قد بلغ السيل الزبى‏[ (1) ]، و جاوز الحزام الطبيين، فانقض التوبة و لا تقر بالخطيئة.

ما أنكر الناس على عثمان رحمه اللََّه‏

قال: و ذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة و السلام، فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول اللََّه و سنة صاحبيه، و ما كان من هبته خمس إفريقية لمروان و فيه حق اللََّه و رسوله، و منهم ذوو القربى و اليتامى و المساكين، و ما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة: دارا لنائلة، و دارا لعائشة و غيرهما من أهله و بناته، و بنيان مروان القصور بذي خشب‏[ (2) ]، و عمارة الأموال بها من الخمس الواجب للََّه و لرسوله، و ما كان من إفشائه العمل و الولايات في أهله و بني عمه من بني أمية أحداث و غلمة لا صحبة لهم من الرسول و لا تجربة لهم بالأمور، و ما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح و هو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم: إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم، و تعطيله إقامة الحد عليه، و تأخيره ذلك عنه، و تركه المهاجرين و الأنصار لا يستعملهم على شي‏ء و لا يستشيرهم، و استغنى برأيه عن رأيهم، و ما كان من الحمى الّذي حمى حول المدينة، و ما كان من إدراره القطائع و الأرزاق و الأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة و السلام، ثم لا يغزون و لا يذبون، و ما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، و أنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس، و إنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة و الخيزران‏[ (3) ].

[ (1) ]الزبى: الزبية مصيدة الأسد، و لا تتخذ إلا قلة أو رابية. و الطبيين واحدها طبي كما يقال في الظلف و الخف خلف. فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد انتهى في المكروه. المثل في أمثال أبي عبيد 343 فصل المقال ص 472 جمهرة الأمثال 1/220 مجمع الأمثال 1/91.

[ (2) ]ذو خشب: موضع بالمدينة.

[ (3) ]قارن مع ما ذكره الطبري 5/93 و ابن سعد 3/64 و العقد الفريد 4/283 و مروج الذهب 2/373-374. و البداية و النهاية 7/192.

51

ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، و كان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر و المقداد بن الأسود، و كانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان و الكتاب في يد عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه و عنده مروان بن الحكم و أهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه، فقال له:

أنت كتبت هذا الكتاب؟قال: نعم، قال: و من كان معك؟قال: كان معي نفر تفرقوا فرقا[ (1) ]منك، قال: من هم؟قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت عليّ من بينهم؟فقال مروان: يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود (يعني عمارا) قد جرأ عليك الناس، و إنك إن قتلته نكلت به من وراءه، قال عثمان: أضربوه، فضربوه و ضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة و السلام، فأدخل منزلها، و غضب فيه بنو المغيرة و كان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما و اللََّه لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية، فقال عثمان: لست هناك‏[ (2) ].

قال: ثم خرج عثمان إلى المسجد، فإذا هو بعلي و هو شاك معصوب الرأس، فقال له عثمان: و اللََّه يا أبا الحسن ما أدري: أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟فو اللََّه لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك، لأني لا أجد منك خلفا، و لئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما و عضدا، و يعدك كهفا و ملجأ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك، و مكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه: إن مات فجعه، و إن عاش عقه. فإما سلم فنسالم، و إما حرب فنحارب، فلا تجعلني بين السماء و الأرض، فإنك و اللََّه إن قتلتني لا تجد مني خلفا، و لئن قتلتك لا أجد منك خلفا، و لن يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة.

فقال علي: إن فيما تكلمت به لجوابا، و لكني عن جوابك مشغول بوجعي. فأنا أقول كما قال العبد الصالح:

فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَ اَللََّهُ اَلْمُسْتَعََانُ عَلى‏ََ مََا تَصِفُونَ

[يوسف: 18]، قال مروان: إنا و اللََّه إذا لنكسرن رماحنا، و لنقطعن سيوفنا، و لا يكون في هذا الأمر خير لمن [ (1) ]فرقا بفتح أوله و ثانية: خوفا.

[ (2) ]فيما ذكره المسعودي و ابن كثير من أسباب النقمة على عثمان هو ما ناله عمار من الفتن و الضرب.

52

بعدنا. فقال له عثمان: اسكت، ما أنت و هذا؟فقال إليه رجل من المهاجرين، فقال له: يا عثمان، أ رأيت ما حميت من الحمى‏ آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللََّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: 59]فقال عثمان: إنه قد حمى الحمى قبلي عمر لإبل الصدقة، و إنما زادت فزدت، فقام عمرو بن العاص فقال: يا عثمان، إنك ركبت بالناس نهابير[ (1) ]من الأمر، فتب إلى اللََّه يتوبوا، فرفع عثمان يديه و قال: توبوا إلى اللََّه من كل ذنب، اللََّهمّ إني أول تائب إليك. ثم قام رجل من الأنصار فقال:

يا عثمان: ما بال هؤلاء النفر من أهل المدينة يأخذون العطايا و لا يغزون في سبيل اللََّه. و إنما هذا المال لمن غزا فيه و قاتل عليه، إلا من كان من هذه الشيوخ من أصحاب محمد عليه الصلاة و السلام، فقال عثمان: فاستغفر اللََّه و أتوب إليه. ثم قال: يا أهل المدينة، من كان له منكم ضرع فليلحق بضرعه و من كان له زرع فليلحق بزرعه فإنا و اللََّه لا نعطي مال اللََّه إلا لمن غزا في سبيله، إلا من كان من هذه الشيوخ من الصحابة. قال: فما بال هذا القاعد الشارب لا تقيم عليه الحد؟ (يعني الوليد بن عقبة) [ (2) ]، فقال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد.

فقال علي للحسن: قم فاجلده. فقال الحسن ما أنت و ذاك؟هذا لغيرك، قال علي: لا، و لكنك عجزت و فشلت، يا عبد اللََّه بن جعفر، قم فاجلده.

فقام فضربه و علي يعد، فلما بلغ أربعين أمسك و

قال: جلد رسول اللََّه أربعين، و أبو بكر أربعين. و كملها عمر ثمانين. و كلّ سنة.

حصار عثمان رضي اللََّه عنه‏

قال: و ذكروا أنه لما اشتد الطعن على عثمان، استأذنه علي في بعض بواديه‏[ (3) ]ينتحي إليها!فأذن له. و اشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي. و رجا الزبير و طلحة أن يميلا إليهما قلوب الناس، و يغلبا عليهم، و اغتنما غيبة علي، [ (1) ]النهابير: المهالك.

[ (2) ]كان الوليد بن عقبة بن أبي معيط قد صلّى بالناس و هو سكران و صلّى صلاة الصبح أربع و قال:

أ تريدون أن أزيدكم، و ظهر في الكوفة فسقه و مداومته شرب الخمر، فأتوا عثمان و شهدوا عليه فعزله و ولى مكانه سعيد بن العاص. لكنه دفع شهادة الشهود و زجرهم (عن مروج الذهب 2/370) .

[ (3) ]خرج إلى ينبع، ضيعة له (فتوح ابن الأعثم 2/227) .

53

فكتب عثمان إلى علي إذ اشتد الطعن عليه‏[ (1) ]. أما بعد فقد بلغ السيل الزبى! و جاوز الحزام الطبيين. و ارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره!و زعموا أنهم لا يرضون دون دمي. و طمع في من لا يدفع عن نفسه.

و إنك لم يفخر عليك كفاخر # ضعيف و لم يغلبك مثل مغلب‏

[ (2) ] و قد كان يقال: أكل السبع خير من افتراس الثعلب فأقبل عليّ أولى.

فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # و إلا فأدركني و لما أمزّق‏

[ (3) ] قال حويطب بن عبد العزى: أرسل إليّ عثمان حين اشتد حصاره، فقال:

قد بدا لي أن اتهم نفسي لهؤلاء، فأت عليا و طلحة و الزبير، فقل لهم: هذا أمركم تولوه، و اصنعوا فيه ما شئتم فخرجت حتى جئت عليا، فوجدت على بابه مثل الجبال من الناس، و الباب مغلق، لا يدخل عليه أحد، ثم انصرفت، فأتيت الزبير، فوجدته في منزله ليس ببابه أحد، فأخبرته بما أرسلني به عثمان، فقال:

قد و اللََّه قضى ما عليه أمير المؤمنين، هل جئت عليا؟قلت: نعم، فلم أخلص إليه، فقمنا جميعا، فآتينا طلحة بن عبيد اللََّه فوجدناه في داره و عنده ابنه محمد، فقصصنا عليه ما قال عثمان، فقال: قد و اللََّه قضى ما عليه أمير المؤمنين، هل جئتم عليا؟قلنا: نعم، فلم نخلص إليه. فأرسل طلحة إلى الأشتر، فأتاه فقال لي: أخبره، فأخبرته بما قال عثمان، فقال طلحة و قد دمعت عيناه: قد و اللََّه قضى ما عليه أمير المؤمنين، فقام الأشتر فقال: تبعثون إلينا و جاءنا رسولكم بكتابكم، و ها هو ذا، فأخرج كتابا فيه‏[ (4) ]: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، من المهاجرين الأولين و بقية الشورى، إلى من بمصر من الصحابة و التابعين، أما بعد، أن تعالوا إلينا و تداركوا خلافة رسول اللََّه قبل أن يسلبها أهلها، فإن كتاب [ (1) ]قارن مع الكامل للمبرد 1/26. و قد مر شرح المثل قريبا.

[ (2) ]البيت لامرئ القيس من قصيدة مطلعها:

خليلي مرا بي على أم جندب # لتقضى حاجات الفؤاد المغلب‏

(العقد الثمين ص 116-117) .

[ (3) ]البيت للممزق العبديّ: الأصمعيات ص 166 و الكامل للمبرد 1/26.

[ (4) ]هذه رواية الواقدي نقلها الطبري و ابن الأثير أن الصحابة بعثوا الكتاب. قال ابن كثير في البداية 7/173: تكاتب أهل مصر و أهل الكوفة و أهل البصرة، و تراسلوا، و زورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة و على لسان طلحة (بعد ما بلغهم خبر مروان و غضب علي على عثمان بسببه) و طلحة و الزبير يدعون الناس إلى قتال عثمان و نصر الدين و أنه أكبر الجهاد اليوم.

54

اللََّه قد بدل، و سنة رسوله قد غيرت، و أحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد اللََّه من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول اللََّه و التابعين بإحسان، إلا أقبل إلينا، و أخذ الحق لنا، و أعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون باللََّه و اليوم الآخر، و أقيموا الحق على المنهاج الواضح الّذي فارقتم عليه نبيكم، و فارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا و استولى على فيئنا، و حيل بيننا و بين أمرنا، و كانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة و رحمة، و هي اليوم ملك عضوض‏[ (1) ]. من غلب على شي‏ء أكله.

أ ليس هذا كتابكم إلينا؟فبكى طلحة، فقال الأشتر: لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم، و اللََّه لا نفارقه حتى نقتله، و انصرف. قال: ثم كتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة و من حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة، و ابن عباس يخطب، و هو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم، فقام نافع ففتح الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللََّه عثمان أمير المؤمنين، إلى من حضر الحج من المسلمين، أما بعد: فإنّي كتبت إليكم كتابي هذا و أنا محصور، أشرب من بئر القصر، و لا آكل من الطعام ما يكفيني، خيفة أن تنفد ذخيرتي. فأموت جوعا أنا و من معي، لا أدعى إلى توبة أقبلها، و لا تسمع مني حجة أقولها، فأنشد اللََّه رجلا من المسلمين بلغه كتاب إلا قدم عليّ، فأخذ الحق فيّ، و منعني من الظلم و الباطل. قال: ثم قام ابن عباس، فأتم خطبته، و لم يعرض لشي‏ء من شأنه.

و كتب إلى أهل الشام عامة، و إلى معاوية و أهل دمشق خاصة[ (2) ]: أما بعد فإنّي في قوم طال فيهم مقامي، و استعجلوا القدر في، و قد خيروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل إلى دخل‏[ (3) ]. و بين أن أنزع لهم رداء اللََّه الّذي كساني. و بين أن أقيدهم‏[ (4) ]ممن قتلت. و من كان على سلطان يخطئ و يصيب، [ (1) ]ملك عضوض أي يصيب الرعية فيه عسف و ظلم كأنهم يعضون فيه عضا. و العضوض من أبنية المبالغة.

و في رواية: ملوك عضوض جمع عض بالكسر، و هو الخبيث الشرس (النهاية في غريب الحديث 3/253) .

[ (2) ]قال ابن الأعثم في فتوحه 2/217 أنه كتب إلى معاوية و عامر بن كريز أمير البصرة كتابا واحدا.

نسخته فيه باختلاف عما هنا.

[ (3) ]دخل: جزيرة بين اليمن و بلاد بجة.

[ (4) ]أي يسلمهم نفسه ليأخذوا القود منه قصاصا بمن قتل من المسلمين.

55

فيا غوثاه يا غوثاه، و لا أمير عليكم دوني، فالعجل العجل يا معاوية، و أدرك ثم أدرك، و ما أراك تدرك‏[ (1) ].

تولية محمد بن أبي بكر على مصر

قال: و ذكروا أن أهل مصر جاءوا يشكون ابن أبي سرح عاملهم، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، و ضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل فنزلوا المسجد و شكوا إلى أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم في مواقيت الصلاة ما صنع بهم ابن أبي سرح، فقام طلحة فتكلم بكلام شديد و أرسلت عائشة إلى عثمان فقالت له: قد تقدم إليك أصحاب رسول اللََّه و سألوك عزل هذا الرجل، فأبيت إلا واحدة، فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك. و دخل عليه علي و كان متكلم القوم،

فقال له: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، و قد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم و اقض بينهم فإن وجب لهم عليه حق، فانصفهم منه،

فقال: اختاروا رجلا أوليه عليهم.

فقالوا: استعمل محمد بن أبي بكر، فكتب عهده و ولاه‏[ (2) ]، و خرج معه عدد من المهاجرين و الأنصار، ينظرون فيما بين ابن أبي سرح و أهل مصر، فخرج محمد و من معه حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير، كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك و ما شأنك!كأنك طالب أو هارب؟فقال: أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر معنا، قال: ليس هذا أريد، فأخبر محمد بأمره فبعث في طلبه رجلا، فجاء به إليه، فقال له، غلام من أنت؟فأقبل مرة يقول أنا غلام مروان و مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين، حتى عرّفه رجل به لعثمان‏[ (3) ]. فقال له محمد: إلى من أرسلك؟قال: إلى عامل [ (1) ]زاد ابن الأعثم: و أما معاوية فإنه أتاه بالكتاب المسور بن مخرمة فقرأه لما أتاه. ثم قال: يا معاوية!إن عثمان مقتول فانظر فيما كتبت به إليه. فقال معاوية: يا مسور إني مصرح أن عثمان بدأ فعمل بما يحب اللََّه و يرضاه ثم غير فغير اللََّه عليه، أ فيتهيأ لي أن أرد ما غيّر اللََّه عز و جل.

[ (2) ]انظر الكتاب في فتوح ابن الأعثم 2/209.

[ (3) ]هو أبو الأعور بن سفيان السلمي. (الطبري 5/115 و البداية و النهاية 7/196) .

56

مصر، قال: بما ذا؟قال: برسالة. قال: أما معك كتاب؟قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا، قال و كانت معه إداوة[ (1) ]قد يبست، فيها شي‏ء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا إداوته‏[ (2) ]فإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد اللََّه بن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين و الأنصار، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فقرأه، فإذا فيه‏[ (3) ]: إذا أتاك محمد بن أبي بكر و فلان و فلان فاقتلهم، و أبطل كتابهم، و قر على عملك حتى يأتيك رأيي. فلما رأوا الكتاب فزعوا منه، و رجعوا إلى المدينة.

رجوع محمد بن أبي بكر إلى المدينة

و ختم محمد الكتاب بخواتم النفر الذين كانوا معه، و دفعه إلى رجل منهم، ثم قدموا المدينة، فجمعوا طلحة و الزبير و عليا و سعدا، و من كان من أصحاب رسول اللََّه، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم، و أخبرهم بقصة الغلام:

و أقرأهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان. و قام أصحاب النبي فلحقوا بمنازلهم، و حضر الناس عثمان، و أحاطوا به، و منعوه الماء و الخروج، و من كان معه، و أجلب عليه محمد بن أبي بكر.

حصار أهل مصر و الكوفة عثمان رحمه اللََّه‏

قال: و ذكروا أن أهل مصر أقبلوا إلى علي، فقالوا: أ لم تر عدوا اللََّه ما ذا كتب فينا؟قم معنا إليه، فقد أحل اللََّه دمه،

فقال علي : لا و اللََّه، لا أقوم معكم‏[ (4) ]. قالوا: فلم كتبت إلينا؟قال علي: لا و اللََّه ما كتبت إليكم كتابا قط.

فنظر بعضهم إلى بعض‏[ (5) ]. ثم أقبل الأشتر النخعي من الكوفة في ألف رجل، [ (1) ]الإداوة سقاء من جلد يوضع فيه الماء و يسمى المطهرة.

[ (2) ]زيد في فتوح ابن الأعثم 2/211: فإذا فيها قارورة مختومة بشمع و في جوف القارورة كتاب.

[ (3) ]نص الكتاب في فتوح ابن الأعثم 2/211 و الطبري 5/115.

[ (4) ]قيل إن علي دخل على عثمان و ناقشه في الكتاب و ما تضمن فنفى عثمان أن يكون قد كتب كتابا و إنما زور عليه و عرف الناس الخط أنه خط مروان بن الحكم و أنه كتبه عن غير علم عثمان، و مروان كان كاتب عثمان و خاتم عثمان في إصبع مروان. (انظر فتوح ابن الأعثم 2/212-213 و الطبري 5/117 و البداية و النهاية 7/196، و مروج الذهب 2/380) .

[ (5) ]إشارة إلى ما ذكر-تزويرا-عن كتاب أرسله الصحابة إلى الأمصار يدعون فيه إلى الجهاد ضد عثمان. و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك.