شرح ابن عقيل

- عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل المزيد...
686 /
3

مقدمة الطبعة الثانية:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه المنعوت بجميل الصفات، و صلّى اللّه على سيدنا محمد أشرف الكائنات، المبعوث بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كلّه، و على آله و صحبه الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن بيضة الدين حتى رفع اللّه بهم مناره، و أعلى كلمته، و جعله دينه المرضىّ، و طريقه المستقيم.

و بعد، فقد كان مما جرى به القضاء أنى كتبت منذ أربع سنين تعليقات على كتاب الخلاصة (الألفية) الذى صنّفه إمام النحاة، أبو عبد اللّه جمال الدين محمد ابن مالك المولود بجيان سنة ستمائة من الهجرة، و المتوفى فى دمشق سنة اثنتين و سبعين و ستمائة، و على شرحه الذى صنّفه قاضى القضاة بهاء الدين عبد اللّه بن عقيل، المصرى، الهاشمى، المولود فى سنة ثمان و تسعين و ستمائة، و المتوفى فى سنة تسع و ستين و سبعمائة من الهجرة، و لم يكن يدور بخلدى-علم اللّه-أن تعليقاتى هذه ستحوز قبول الناس و رضاهم، و أنها ستحلّ من أنفسهم المحلّ الذى حلّته، بل كنت أقول فى نفسى: «إنه أثر يذكرنى به الإخوان و الأبناء، و لعله يجلب لى دعوة رجل صالح فأكون بذلك من الفائزين» .

ثم جرت الأيام بغير ما كنت أرتقب؛ فإذا الكتاب يروق قرّاءه، و ينال منهم الإعجاب كلّ الإعجاب، و إذا هم يطلبون إلى فى إلحاح أن أعيد طبعه، و لم يكن قد مضى على ظهوره سنتان، و لم أشأ أن أجيب هذه الرغبة إلا بعد أن أعيد النظر فيه، فأصلح ما عسى أن يكون قد فرط منّى، أو أتمم بحثا، أو أبدل عبارة بعبارة أسهل منها و أدنى إلى القصد، أو أضبط مثالا أو كلمة غفلت عن‏

4

ضبطها، أو ما أشبه ذلك من وجوه التحسين التى أستطيع أن أكافى‏ء بها هؤلاء الذين رأوا فى عملى هذا ما يستحق التشجيع و التنويه به و الإشادة بذكره، و ما زالت العوائق تدفعنى عن القيام بهذه الأمنيّة الشريفة و تدودنى عن العمل لتحقيقها، حتى أذن اللّه تعالى، فسنحت لى الفرصة، فلم أتأخر عن اهتبالها، و عمدت إلى الكتاب، فأعملت فى تعليقاتى يد الإصلاح و الزيادة و التهذيب، كما أعملت فى أصله يد التصحيح و الضّبط و التحرير، و سيجد كل قارى‏ء أثر ذلك واضحا، إن شاء اللّه.

و اللّه-سبحانه و تعالى!-المسئول أن يوفقنى إلى مرضاته، و أن يجعل عملى خالصا لوجهه، و أن يكتبنى و يكتبه عنده من المقبولين، آمين.

كتبه المعتز باللّه تعالى محمّد محيى الدين عبد الحميد

5

مقدمة الطبعة الأولى‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد اللّه على نعمائه، و صلاته و سلامه على خاتم أنبيائه، و على آله و أصحابه و أوليائه‏

اللهم إنى أحمدك أرضى الحمد لك، و أحبّ الحمد إليك، و أفضل الحمد عندك، حمدا لا ينقطع عدده، و لا يفنى مدده.

و أسألك المزيد من صلواتك و سلامك على مصدر الفضائل، الذى ظلّ ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أضاء الطريق للخابط، و هدى اللّه به القلوب، و أقام به موضحات الأعلام: سيدنا محمد بن عبد اللّه أفضل خلق اللّه، و أكرمهم عليه، و أعلاهم منزلة عنده، صلّى اللّه عليه و على صحابته الأخيار، و آله الأبرار.

ثم أما بعد، فلعلك لا تجد مؤلّفا-ممن صنفوا فى قواعد العربية-قد نال من الحظوة عند الناس، و الإقبال على تصانيفه: قراءة، و إقراء، و شرحا، و تعليقا، مثل أبى عبد اللّه محمد جمال الدين بن عبد اللّه بن مالك، صاحب التآليف المفيدة، و التصنيفات الممتعة، و أفضل من كتب فى علوم العربية من أهل طبقته علما، و أوسعهم اطلاعا، و أقدرهم على الاستشهاد لما يرى من الآراء بكلام العرب، مع تصوّن، و عفة، و دين، و كمال خلق.

فلابن مالك مؤلفات فى العربية كثيرة متعددة المشارب، مختلفة المناحى، و قلّ أن تجد من بينها كتابا لم يتناوله العلماء منذ زمنه إلى اليوم: بالقراءة، و البحث، و بيان معانيه: بوضع الشروح الوافية و التعليقات عليه.

و من هذه المؤلفات كتابه «الخلاصة» الذى اشتهر بين الناس باسم «الألفية» (1)

____________

(1) تسمية «الألفية» مأخوذة من قوله فى أولها:

و أستعين اللّه فى ألفيه # مقاصد النحو بها محويه‏

و تسمية «الخلاصة» مأخوذة من قوله فى آخرها:

حوى من الكافية الخلاصه # كما اقتضى رضا بلا خصاصه‏

6

و الذى جمع فيه خلاصة علمى النحو و التصريف، فى أرجوزة ظريفة، مع الإشارة إلى مذاهب العلماء، و بيان ما يختاره من الآراء، أحيانا.

و قد كثر إقبال العلماء على هذا الكتاب من بين كتبه بنوع خاص، حتى طويت مصنّفات أئمة النحو من قبله، و لم ينتفع من جاء بعده بأن يحاكوه أو يدّعوا أنهم يزيدون عليه و ينتصفون منه، و لو لم يشر فى خطبته إلى ألفية الإمام العلامة يحيى زين الدين بن عبد النور الزّواوى الجزائرى، المتوفى بمصر فى يوم الاثنين آخر شهر ذى القعدة من سنة 627 هـ. و المعروف بابن معط-لما ذكره الناس، و لا عرفوه.

*** و شروح هذا الكتاب أكثر من أن تتّسع هذه الكلمة الموجزة لتعدادها، و بيان مزاياها، و ما انفرد به كل شرح، و أكثرها لأكابر العلماء و مبرّزيهم: كالإمام أبى محمد عبد اللّه جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد اللّه بن هشام الأنصارى الشافعى الحنبلى، المتوفى ليلة الجمعة، الخامس من شهر ذى القعدة من سنة 761 هـ، و الذى يقول عنه ابن خلدون: «مازلنا و نحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية-يقال له ابن هشام-أنحى من سيبويه» اهـ.

و قد شرح ابن هشام الخلاصة مرتين: إحداهما فى كتابه «أوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك‏ (1) » ، و الثانية فى كتاب سماه «دفع الخصاصة، عن قرّاء الخلاصة» و يقال: إنه أربع مجلدات، و يقول السيوطى بعد ذكر هذين الكتابين «و له عدة حواش على الألفية و التسهيل» اهـ.

و ممن شرح الخلاصة العلامة محمد بدر الدين بن محمد بن عبد اللّه بن مالك، المتوفى بدمشق فى يوم الأحد، الثامن من شهر المحرم، سنة 686 هـ، و هو ابن الناظم.

____________

(1) قد أخرجنا هذا الكتاب إخراجا جيدا، و شرحناه ثلاثة شروح أخرجنا منها الوجيز و الوسيط، و نسأل اللّه أن يوفق لإخراج البسيط؛ فقد أودعناه مالا يحتاج طالب علم العربية إلى ما وراءه.

7

و منهم العلامة الحسن بدر الدين بن قاسم بن عبد اللّه بن عمر، المرادى، المصرى المتوفى فى يوم عيد الفطر سنة 849 هـ.

و منهم الشيخ عبد الرحمن زين الدين أبو بكر المعروف بابن العينى الحنفى المتوفى سنة 849 ه

و منهم الشيخ عبد الرحمن بن على بن صالح المكودىّ، المتوفى بمدينة فاس سنة 801 ه

و منهم أبو عبد اللّه محمد شمس الدين بن أحمد بن على بن جابر، الهوّارى، الأندلسى، المرسينى، الضرير.

و منهم أبو الحسن على نور الدين بن محمد المصرى، الأشمونى، المتوفى فى حدود سنة 900 ه (1) .

و منهم الشيخ إبراهيم برهان الدين بن موسى بن أيوب، الأبناسىّ، الشافعى، المتوفى فى شهر المحرم من سنة 802 هـ.

و منهم الحافظ عبد الرحمن جلال الدين بن أبى بكر السّيوطى، المتوفى سنة 911 ه

و منهم الشيخ محمد بن قاسم الغزّىّ، أحد علماء القرن التاسع الهجرى.

و منهم أبو الخير محمد شمس الدين بن محمد، الخطيب، المعروف بابن الجزرى، المتوفى فى سنة 833 هـ.

و منهم قاضى القضاة عبد اللّه بهاء الدين بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عبد اللّه ابن عقيل، القرشى، الهاشمى، العقيلى-نسبة إلى عقيل بن أبى طالب-الهمدانى الأصل، ثم البالسى، المصرى، المولود فى يوم الجمعة، التاسع من شهر المحرم من سنة 698، و المتوفى بالقاهرة فى ليله الأربعاء الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول 769 هـ، و شرحه هو الذى نعانى إخراجه للناس اليوم.

____________

(1) قد أخرجنا هذا الكتاب إخراجا دقيقا، و شرحناه شرحا شاملا جامعا لأشتات الفن و أدلة مسائله، و ظهر منه-منذ عهد بعيد-أربع مجلدات ضخام، و اللّه المسئول أن يوفق لإكمال إظهاره بمنه و فضله.

8

و قد شرح الكتاب-غير هؤلاء-الكثير من العلماء، و لست تجد شرحا من هذه الشروح لم يتناوله العلماء: بالكتابة عليه، و بيان ما فيه من إشارات، و إكمال ما عسى أن يشتمل عليه من نقص، و كلّ ذلك ببركة صاحب الأصل المشروح، و بما ذاع له بين أساطين العلم من شهرة بالفقه فى العربية و سعة الباع.

*** و هذه الشروح مختلفة؛ ففيها المختصر، و فيها المطول، فيها المتعقب صاحبه للنّاظم يتحامل عليه، و يتلمس له المزالق، و فيها المتحيز له، و المصحح لكل ما يجى‏ء به، و فيها الذى اتخذ صاحبه طريقا وسطا بين الإيجاز و الإطناب، و التحامل و التحيز.

و من هؤلاء الذين سلكوا طريقا بين الطريقين بهاء الدين بن عقيل؛ فإنه لم يعمد إلى الإيجاز حتى يترك بعض القواعد الهامّة، و لم يقصد إلى الإطناب؛ فيجمع من هنا و من هنا، و يبين جميع مذاهب العلماء و وجوه استدلالهم، و لم يتعسف فى نقد الناظم:

بحق، و بغير حق، كما لم ينحز له بحيث يتقبل كل ما يجى‏ء به: وافق الصواب، أو لم يوافقه.

و لصاحب هذا الشرح-من الشهرة فى الفن و البراعة فيه، و من البركة و الإخلاص- ما دفع علماء العربية إلى قراءة كتابه و الاكتفاء به عن أكثر شروح الخلاصة.

*** و قد أردت أن أقوم لهذا الكتاب بعمل أتقرب به إلى اللّه تعالى، فرأيت-فى أول الأمر-أن أتمّم ما قصر فيه من البحث: فأبين اختلاف النحويين و استدلالاتهم ثم نظرت فإذا ذلك يخرج بالكتاب عن أصل الغرض منه، و قد يكون الإطناب باعثا على الازورار عنه، و نحن فى زمن أقلّ ما فيه من عاب أنك لا تجد راغبا فى علوم العرب إلا فى القليل النادر؛ لأنهم قوم ذهبت مدنيتهم، و دالت دولتهم، و أصبحت الغلبة لغيرهم.

فاكتفيت بما لا بد منه، من إعراب أبيات الألفية، و شرح الشواهد شرحا وسطا بين الاقتصار و الإسهاب، و بيان بعض المباحث التى أشار إليها الشارح أو أغفلها بتّة فى عبارة واضحة و فى إيجاز دقيق، و التذييل بخلاصة مختصرة فى تصريف الأفعال؛ فإن ابن‏

9

مالك قد أغفل ذلك فى «ألفيته» ، و وضع له لامية خاصة، سماها «لامية الأفعال» .

*** و أريد أن أنبهك إلى أننى وفّقت فى تصحيح هذه المطبوعة تصحيحا دقيقا؛ فإنّ نسخ الكتاب التى فى أيدى الناس-رغم كثرتها، و تعدد طبعها-ليس فيها نسخة بلغت من الإتقان حدا ينفى عنك الريب و التوقف؛ فإنك لتجد فى بعضها زيادة ليست فى بعضهما الآخر، و تجد بينها تفاوتا فى التعبير، و قد جمع اللّه تعالى لى بين اثنتى عشرة نسخة مختلفة، فى زمان الطبع، و مكانه، و يسّر لى-سبحانه!- معارضة بعضها ببعض، فاستخلصت لك من بينها أكملها بيانا، و أصحّها تعبيرا، و أدناها إلى ما أحبّ لك، فجاءت-فيما أعتقد-خير ما أخرج للناس من مطبوعات هذا الكتاب.

و قد وضعنا زيادات بعض النسخ بين علامتين هكذا[].

و اللّه-سبحانه!-المسئول أن ينفع بهذا العمل على قدر العناء فيه، و أن يجعله فى سبيل الإخلاص فيه لوجهه؛ إنه الرب المعين، و عليه التكلان؟

محمد محيى الدين عبد الحميد

10

بسم اللّه الرحمن الرحيم

خطبة الناظم، و إعرابها الكلام و ما يتألف منه‏

قال محمّد هو ابن مالك: # أحمد ربّى اللّه خير مالك‏ (1)

مصلّيا على النّبى المصطفى # و آله المستكملين الشّرفا (2)

____________

(1) بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه وحده، و صلاته و سلامه على من لا نبى بعده.

«قال» فعل ماض «محمد» فاعل «هو» مبتدأ «ابن» خبره «مالك» مضاف إليه، و كان حق «ابن» أن يكون نعتا لمحمد، و لكنه قطعه عنه، و جعله خبرا لضميره، و الأصل أن ذلك إنما يجوز إذا كان المنعوت معلوما بدون النعت حقيقة أو ادعاء، كما أن الأصل أنه إذا قطع النعت عن إتباعه لمنعوته فى إعرابه ينظر؛ فإن كان النعت لمدح أو ذم وجب حذف العامل، و إن كان لغير ذلك جاز حذف العامل و ذكره، و الجملة هنا-و هى قوله هو ابن مالك-ليست للمدح و لا للذم، بل هى للبيان؛ فيجوز ذكر العامل و هو المبتدأ، و إذا فلا غبار على عبارة الناظم حيث ذكر العامل و هو المبتدأ، و الجملة من المبتدأ و الخبر لا محل لها من الإعراب معترضة بين القول و مقوله «أحمد» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا «ربى» رب منصوب على التعظيم، و علامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال آخر الكلمة بحركة المناسبة، و رب مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر «اللّه» عطف بيان لرب، أو بدل منه، منصوب بالفتحة الظاهرة «خير» منصوب بعامل محذوف وجوبا تقديره أمدح، و قيل: حال لازمة، و خير مضاف و «مالك» مضاف إليه، و الجملة من أحمد و فاعله و ما تعلق به من المعمولات فى محل نصب مفعول به لقال و يقال لها: مقول القول.

(2) «مصليا» حال مقدرة، و معنى كونها مقدرة أنها تحدث فيما بعد، و ذلك لأنه لا يصلى على النبى صلوات اللّه عليه فى وقت حمده للّه، و إنما تقع منه الصلاة بعد الانتهاء من الحمد، و صاحبها الضمير المستتر وجوبا فى أحمد «على النبى» جار و مجرور متعلق بالحال «المصطفى» نعت للنبى، و هو مجرور بكسرة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر «و آله» الواو عاطفة، آل: معطوف على النبى، و آل مضاف. و الهاء مضاف-

11

و أستعين اللّه فى ألفيّه # مقاصد النّحو بها محويّه‏ (1)

نقرّب الأقصى بلفظ موجز # و تبسط البذل بوعد منجز (2)

و تقتضى رضا بغير سخط # فاثقة ألفيّة ابن معط (3)

____________

ق-إليه، مبنى على الكسر فى محل جر «المستكملين» نعت لآل، مجرور بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها؛ لأنه جمع مذكر سالم، و فيه ضمير مستتر هو فاعله «الشرفا» بفتح الشين: مفعول به للمستكملين، منصوب بالفتحة الظاهرة، و الألف للاطلاق، أو بضم الشين نعت ثان للآل، مجرور بكسرة مقدرة على الألف؛ إذ هو مقصور من الممدود-و أصله «الشرفاء» جمع شريف ككرماء و ظرفاء و علماء فى جمع كريم و ظريف و عليم-و على هذا الوجه يكون مفعول قوله المستكملين محذوفا، و كأنه قد قال: مصليا على الرسول المصطفى و على آله المستكملين أنواع الفضائل الشرفاء.

(1) «و أستعين» الواو حرف عطف، أستعين: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا «اللّه» منصوب على التعظيم، و الجملة من الفعل و فاعله و ما تعلق به من المعمولات فى محل نصب معطوفة على الجملة السابقة الواقعة مفعولا به لقال «فى ألفيه» جار و مجرور متعلق بأستعين «مقاصد» مبتدأ، و مقاصد مضاف و «النحو» مضاف إليه «بها» جار و مجرور متعلق بمحوية «محويه» خبر المبتدأ، و جملة المبتدأ و خبره فى محل جر نعت أول لألفية.

(2) «تقرب» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى ألفية «الأقصى» مفعول به لتقرب «بلفظ» جار و مجرور متعلق بتقرب «موجز» نعت للفظ «و تبسط» الواو حرف عطف، تبسط: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى ألفية أيضا «البذل» مفعول به لتبسط «بوعد» جار و مجرور متعلق بتبسط «منجز» نعت لوعد، و جملتا الفعلين المضارعين اللذين هما «تقرب» و «تبذل» مع فاعليهما الضميرين المستترين و ما يتعلق بكل منهما فى محل جر عطف على الجملة الواقعة نعتا لألفية، و الجملتان نعتان ثان و ثالث لألفية.

(3) «و تقتضى» الواو حرف عطف، تقتضى: فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى يعود إلى ألفية «رضا» مفعول به لتقتضى «بغير» جار و مجرور متعلق بمحذوف نعت لرضا، و غير مضاف و «سخط» مضاف إليه «فائقة» -

12

و هو بسبق حائز تفضيلا # مستوجب ثنائى الجميلا (1)

و اللّه يقضى بهبات وافره # لى و له فى درجات الآخره‏ (2)

____________

ق-حال من الضمير المستتر فى تقتضى، و فاعل فائقة ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هى «ألفية» مفعول به لاسم الفاعل، و ألفية مضاف و «ابن» مضاف إليه، و ابن مضاف و «معط» مضاف إليه، و جملة «تقتضى» مع فاعله و ما تعلق به من المعمولات فى محل جر عطف على الجملة الواقعة نعتا لألفية أيضا.

(1) «و هو» الواو للاستئناف، و هو: ضمير منفصل مبتدأ «بسبق» جار و مجرور متعلق بحائز الآتى بعد، و الباء للسببية «حائز» خبر المبتدأ «تفضيلا» مفعول به لحائز، و فاعله ضمير مستتر فيه «مستوجب» خبر ثان لهو، و فاعله ضمير مستتر فيه «ثنائى» ثناء: مفعول به لمستوجب، و ثناء مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه «الجميلا» نعت لثناء، و الألف للاطلاق.

(2) «و اللّه» الواو للاستئناف، و لفظ الجلالة مبتدأ «يقضى» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اللّه، و الجملة من الفعل الذى هو يقضى و الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ «بهبات» جار و مجرور متعلق بيقضى «وافره» نعت لهبات «لى، و له، فى درجات» كل واحد منهن جار و مجرور و كلهن متعلقات بيقضى، و درجات مضاف و «الاخره» مضاف إليه مجرور و علامة جره الكسرة الظاهرة، و سكنه لأجل الوقف، و كان من حق المسلمين عليه أن يعمهم بالدعاء؛ ليكون ذلك أقرب إلى الإجابة.

تنبيه: ابن معط هو الشيخ زين الدين، أبو الحسين، يحيى بن عبد المعطى بن عبد النور الزواوى-نسبة إلى زواوة، و هى قبيلة كبيرة كانت تسكن بظاهر بجاية من أعمال إفريقيا الشمالية-الفقيه الحنفى.

ولد فى سنة 564، و أقرأ العربية مدة بمصر و دمشق، و روى عن القاسم بن عساكر و غيره، و هو أجل تلامذة الجزولى، و كان من المتفردين بعلم العربية، و هو صاحب الألفية المشهورة و غيرها من الكتب الممتعة، و قد طبعت ألفيته فى أوربا، و للعلماء عليها عدة شروح.

و توفى فى شهر ذى القعدة من سنة 628 بمصر، و قبره قريب من تربة الإمام الشافعى رضى اللّه عنهم جميعا (انظر ترجمته فى شذرات الذهب لابن العماد 5/129، و فى بغية الوعاة للسيوطى ص 416، و انظر النجوم الزاهرة 6/278.

13

الكلام و ما يتألّف منه‏ (1) # كلامنا لفظ مفيد: كاستقم

و اسم، و فعل، ثمّ، حرف الكلم‏ (2) # واحده كلمة، و القول عمّ،

و كلمة بها كلام قد يؤم‏ (3)

____________

(1) «الكلام» خبر لمبتدأ محذوف على تقدير مضافين، و أصل نظم الكلام «هذا باب شرح الكلام و شرح ما يتألف الكلام منه» فحذف المبتدأ-و هو اسم الإشارة- ثم حذف الخبر-و هو الباب. فأفيم «شرح» مقامه، فارتفع ارتفاعه. ثم حذف «شرح» أيضا و أقيم «الكلام» مقامه. فارتفع كما كان الذى قبله «و ما» الواو عاطفة و «ما» اسم موصول معطوف على الكلام بتقدير مضاف: أى شرح ما يتألف.

و «يتألف» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الكلام، و «منه» جار و مجرور متعلق بيتألف، و الجملة من الفعل الذى هو يتألف و الفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.

(2) «كلامنا» كلام: مبتدأ. و هو مضاف و نا مضاف إليه، مبنى على السكون فى محل جر «لفظ» خبر المبتدأ «مفيد» نعت للفظ، و ليس خبرا ثانيا «كاستقم» إن كان مثالا فهو جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك كاستقم و إن كان من تمام تعريف الكلام فهو جار و مجرور أيضا متعلق بمحذوف نعت لمفيد «و اسم» خبر مقدم «و فعل، ثم حرف» معطوفان عليه الأول بالواو و الثانى بثم «الكلم» مبتدأ مؤخر، و كأنه قال: كلام النحاة هو اللفظ الموصوف بوصفين أحدهما الإفادة و الثانى التركيب المماثل لتركيب استقم، و الكلم ثلاثة أنواع أحدها الاسم و ثانيها الفعل و ثالثها الحرف. و إنما عطف الفعل على الاسم بالواو لقرب منزلته منه حيث يدل كل منهما على معنى فى نفسه، و عطف الحرف بثم لبعد رتبته.

(3) «واحده كلمة» مبتدأ و خبر، و الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب «و القول» مبتدأ «عم» يجوز أن يكون فعلا ماضيا، و على هذا يكون فاعله ضميرا مستترا فيه جوازا تقديره هو يعود إلى القول، و الجمله من الفعل و الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ، و يجوز أن يكون «عم» اسم تفضيل-و أصله أعم-حذفت همزته كما-

14

تعريف الكلام اصطلاحا

الكلام المصطلح عليه عند النحاه عبارة عن «اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها» فاللفظ: جنس يشمل الكلام، و الكلمة، و الكلم، و يشمل المهمل كـ «ديز» و المستعمل كـ «ـعمرو» ، و مفيد: أخرج المهمل، و «فائدة يحسن السكوت عليها» أخرج الكلمة، و بعض الكلم-و هو ما تركب من ثلاث كلمات فأكثرو لم يحسن السكوت عليه-نحو: إن قام زيد.

و لا يتركب الكلام إلا من اسمين، نحو «زيد قائم» ، أو من فعل و اسم كـ «قام زيد» و كقول المصنف «استقم» فإنه كلام مركب من فعل أمر و فاعل مستتر، و التقدير: استقم أنت؛ فاستغنى بالمثال عن أن يقول «فائدة يحسن السكوت عليها» فكأنه قال: «الكلام هو اللفظ المفيد فائدة كفائدة استقم» .

و إنما قال المصنف «كلامنا» ليعلم أن التعريف إنما هو للكلام فى اصطلاح النحويين؛ لا فى اصطلاح اللغويين، و هو فى اللغة: اسم لكل ما يتكلّم به، مفيدا كان أو غير مفيد.

____________

ق-حذفت من خير و شر لكثرة استعمالهما و أصلهما أخير و أشر؛ بدليل مجيئهما على الأصل أحيانا. كما فى قول الراجز.

*بلال خير النّاس و ابن الأخير*

و قد قرى‏ء (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) بفتح الشين و تشديد الراء، و على هذا يكون أصل «عم» أعم كما قلنا؛ و هو على هذا الوجه خبر للمبتدأ «و كلمة» مبتدأ أول «بها» جار و مجرور متعلق بيؤم الآتى «كلام» مبتدأ ثان «قد» حرف تقليل «يؤم» فعل مضارع مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على كلام، و الجملة من الفعل و نائب الفاعل فى محل رفع خبر المبتدأ الثانى، و جملة المبتدأ الثانى و خبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول، و معنى «يؤم» يقصد، و تقدير البيت: و لفظ كلمة معنى الكلام قد يقصد بها، يعنى أن لفظ الكلمه قد يطلق و يفصد بها المعنى الذى يدل عليه لفظ الكلام، و مثال ذلك ما ذكر الشارح من-

15

الكلم و أنواعه‏

و الكلم: اسم جنس‏ (1) واحده كلمة، و هى: إما اسم، و إما فعل، و إما حرف؛ لأنها إن دلّت على معنى فى نفسها غير مقترنة بزمان فهى الاسم، و إن اقترنت بزمان فهى الفعل، و إن لم تدل على معنى فى نفسها-بل فى غيرها-فهى الحرف.

و الكلم: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر، كقولك: إن قام زيد.

و الكلمة: هى اللفظ الموضوع لمعنى مفرد؛ فقولنا «الموضوع لمعنى» أخرج المهمل كديز، و قولنا «مفرد» أخرج الكلام؛ فإنه موضوع لمعنى غير مفرد.

____________

ق-أنهم قالوا «كلمة الإخلاص» و قالوا «كلمة التوحيد» و أرادوا بذينك قولنا: «لا إله إلا اللّه» و كذلك قال عليه الصلاة و السّلام: «أفضل كلمة قالها شاعر كلمة لبيد» و هو بريد قصيدة لبيد بن ربيعة العامرى التى أولها:

ألا كل شى‏ء ما خلا اللّه باطل # و كلّ نعيم لا محالة زائل‏

(1) اسم الجنس على نوعين: أحدهما يقال له اسم جنس جمعى، و الثانى يقال له اسم جنس إفرادى؛ فأما اسم الجنس الجمعى فهو «ما يدل على أكثر من اثنين، و يفرق بينه و بين واحده بالتاء» ، و التاء غالبا تكون فى للفرد كبقرة و بقر و شجرة و شجر، و منه كلم و كلمة، و ربما كانت زيادة التاء فى الدال على الجمع مثل كم‏ء للواحد و كمأة للكثير، و هو نادر. و قد يكون الفرق بين الواحد و الكثير بالياء. كزنج و زنجى، و روم و رومى، فأما اسم الجنس الإفرادى فهو «ما يصدق على الكثير و القليل و اللفظ واحد» كماء و ذهب و خل و زيت.

فإن قلت: فإنى أجد كثيرا من جموع التكسير يفرق بينها و بين مفردها بالتاء كما يفرق بين اسم الجنس الجمعى و واحده، نحو قرى و واحدة قرية، و مدى و واحدة مدية، فبما ذا أفرق بين اسم الجنس الجمعى و ما كان على هذا الوجه من الجموع؟.

فالجواب على ذلك أن تعلم أن بين النوعين اختلافا من وجهين؛ الوجه الأول: أن الجمع لا بد أن يكون على زنة معينة من زنات الجموع المحفوظة المعروفة، فأما اسم الجنس الجمعى فلا يلزم فيه ذلك، أ فلا ترى أن بقرا و شجرا و ثمرا لا يوافق زنة من زنات الجمع! و الوجه الثانى: أن الاستعمال العربى جرى على أن الضمير و ما أشبهه يرجع إلى اسم الجنس الجمعى مذكرا كقول اللّه تعالى: (إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا) و قوله جل شأنه: (إِلَيْهِ) -

16

ثم ذكر المصنف-رحمه اللّه تعالى!-أن القول يعمّ الجميع، و المراد أنه يقع على الكلام أنه قول، و يقع أيضا على الكلم و الكلمة أنه قول، و زعم بعضهم أن الأصل استعماله فى المفرد.

ثم ذكر المصنف أن الكلمة قد يقصد بها الكلام، كقولهم فى «لا إله إلاّ اللّه» : «كلمة الإخلاص» .

و قد يجتمع الكلام و الكلم فى الصّدق، و قد ينفرد أحدهما.

فمثال اجتماعهما «قد قام زيد» فإنه كلام؛ لإفادته معنى يحسن السكوت عليه، و كلم؛ لأنه مركب من ثلاث كلمات.

و مثال انفراد الكلم «إن قام زيد» (1) .

و مثال انفراد الكلام «زيد قائم» (2) .

***

القول، و النسبة بينه و بين غيره‏

بالجرّ و التّنوين و النّدا، و أل و مسند-للاسم تمييز حصل‏ (3)

ذكر المصنف-رحمه اللّه تعالى!-فى هذا البيت علامات الاسم.

____________

ق- (يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ) فأما الجمع فإن الاستعمال العربى جرى على أن يعود الضمير إليه مؤنثا، كما تجد فى قوله تعالى: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهََا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ) و قوله سبحانه:

(وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ) ، و كقول الشاعر:

فى غرف الجنّة العليا الّتى وجبت # لهم هناك بسعى كان مشكور

(1) لم يكن هذا المثال و نحوه كلاما لأنه لا يفيد معنى يحسن السكوت عليه.

(2) لم يكن هذا المثال و نحوه كلما لأنه ليس مؤلفا من ثلاث كلمات.

(3) «بالجر» جار و مجرور متعلق بقوله «حصل» الآتى آخر البيت، و يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف خبر مقدم مبتدؤه المؤخر هو قوله «تمييز» الآتى «و التنوين، و الندا، و أل، و مسند» كلهن معطوفات على قوله الجر «للاسم» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم إن جعلت قوله بالجر متعلقا بحصل، فإن جعلت بالجر خبرا مقدما-و هو الوجه الثانى-كان هذا متعلقا بحصل «تمييز» مبتدأ مؤخر، و قد عرفت أن خبره واحد-

17

فمنها الجر، و هو يشمل الجرّ بالحرف و الإضافة و التبعية، نحو «مروت بغلام زيد الفاضل» فالغلام: مجرور بالحرف، و زيد: مجرور بالإضافة، و الفاضل: مجرور بالتّبعية، و هو أشمل من قول غيره «بحرف الجر» ؛ لأن هذا لا يتناول الجرّ بالإضافة، و لا الجرّ بالتبعية.

و منها التنوين، و هو على أربعة أقسام‏ (1) : تنوين التمكين، و هو اللاحق للأسماء المعربة، كزيد، و رجل، إلا جمع المؤنث السالم، نحو «مسلمات» و إلا نحو «جوار، و غواش» و سيأتى حكمهما. و تنوين التنكير، و هو اللاحق للأسماء المبنية فرقا بين معرفتها و نكرتها، نحو «مررت بسيبويه و بسيبويه آخر» .

و تنوين المقابلة، و هو اللاحق لجمع المؤنث السالم، نحو «مسلمات» فإنه فى مقابلة النون فى جمع المذكر السالم كمسلمين. و تنوين العوض، و هو على ثلاثة أقسام:

عوض عن جملة، و هو الذى يلحق «إذ» عوضا عن جملة تكون بعدها، كقوله تعالى: (وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) أى: حين إذ بلغت الرّوح الحلقوم؛ فحذف «بلغت الروح الحلقوم» و أتى بالتنوين عوضا عنه؛ و قسم يكون عوضا عن اسم، و هو اللاحق لـ «كلّ» عوضا عما تضاف إليه، نحو «كلّ قائم» أى: «كلّ إنسان قائم» فحذف «إنسان» و أتى بالتنوين عوضا عنه‏ (2) ،

____________

ق-من اثنين «حصل» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تمييز، و الجملة فى محل رفع نعت لتمييز، و تقدير البيت: التمييز الحاصل بالجر و التنوين و الندا و أل و الإسناد كائن للاسم، أو التمييز الحاصل للاسم عن أخويه الفعل و الحرف كائن بالجر و التنوين و النداء و أل و الإسناد: أى كائن بكل واحد من هذه الخمسة.

(1) فى نسخة «و هو أقسام» بدون ذكر العدد، و المراد-على ذكر العدد-أن المختص بالاسم أربعة أقسام‏

(2) و منه قول اللّه تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ََ شََاكِلَتِهِ) و قوله جل شأنه: (كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ) * و قوله تباركت كلماته: (كُلاًّ نُمِدُّ هََؤُلاََءِ وَ هَؤُلاََءِ مِنْ عَطََاءِ رَبِّكَ) ، و مثل-

18

و قسم يكون عوضا عن حرف، و هو اللاحق لـ «جوار، و غواش» و نحوهما رفعا و جرّا، نحو «هؤلاء جوار، و مررت بجوار» فحذفت الياء و أتى بالتنوين عوضا عنها.

و تنوين الترنم‏ (1) ، و هو الذى يلحق القوافى المطلقة بحرف علّة، كقوله:

(2) -

أقلّى اللّوم-عاذل-و العتابن # و قولى-إن أصبت-: لقد أصابن‏

____________

ق-كل فى هذا الموضوع كلمة «بعض» و من شواهد حذف المفرد الذى من حق «بعض» أن يضاف إليه و الإتيان بالتنوين عوضا عنه قول رؤبة بن العجاج فى مطلع أرجوزة طويلة يمدح فيها تميما:

داينت أروى و الدّيون تقضى # فمطلت بعضا و أدّت بعضا

يريد فمطلت بعض الدين و أدت بعضه الآخر.

(1) هذا النوع خامس و قد ذكره و ما بعده استطرادا.

(2) -هذا بيت من الطويل، لجرير بن عطية بن الخطفى، أحد الشعراء المجيدين، و ثالث ثلاثة ألقيت إليهم مقادة الشعراء فى عصر بنى أمية، و أولهم الفرزدق، و ثانيهم الأخطل.

اللغة: «أقلى» أراد منه فى هذا البيت معنى اتركى، و العرب تستعمل القلة فى معنى النفى بتة، يقولون: قل أن يفعل فلان كذا، و هم يريدون أنه لا يفعله أصلا «اللوم» العذل و التعنيف «عاذل» اسم فاعل مؤنث بالتاء المحذوفة للترخيم، و أصله عاذلة، من العذل و هو اللوم فى تسخط، و «العتاب» التقريع على فعل شى‏ء أو تركه.

المعنى: اتركى أيتها العاذلة هذا اللوم و التعنيف؛ فإنى لن أستمع لما تطلبين: من الكف عما آتى من الأمور، و الفعل لما أذر منها، و خير لك أن تعترفى بصواب ما أفعل‏

الإعراب: «أقلى» فعل أمر-من الإقلال-مسند للياء التى لمخاطبة الواحدة مبنى على حذف النون، و ياء المؤنثة المخاطبة فاعل، مبنى على السكون فى محل رفع «اللوم» مفعول به لأقلى «عاذل» منادى مرخم حذفت منه ياء النداء، مبنى على ضم الحرف المحذوف فى محل نصب، و أصله يا عاذلة «و العتابا» الواو عاطفة، العتابا:

معطوف على اللوم «و قولى» فعل أمر، و الياء فاعله «إن» حرف شرط «أصبت»

19

فجى‏ء بالتنوين بدلا من الألف لأجل الترنم، و كقوله:

(2) -

أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا # لمّا تزل برحالنا و كأن قدن‏

____________

ق-فعل ماض فعل الشرط، و تاء المتكلم أو المخاطبة فاعله. و هذا اللفظ يروى بضم التاء على أنها للمتكلم، و بكسرها على أنها للمخاطبة «لقد أصابا» جملة فى محل نصب مقول القول، و جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قيله، و التقدير: إن أصبت فقولى لقد أصابا، و جملة الشرط و جوابه لا محل لها معترضة بين القول و مقوله.

الشاهد فيه: قوله: «و العتابن، و أصابن» حيث دخلهما، فى الإنشاد، تنوين الترنم، و آخرهما حرف العلة، و هو هنا ألف الإطلاق، و القافية التى آخرها حرف علة تسمى مطلقة.

(2) -هذا البيت للنابغة الذبيانى، أحد فحول شعراء الجاهلية، و ثالث شعراء الطبقة الأولى منهم، و الحكم فى سوق عكاظ، من قصيدة له يصف فيها المنجردة زوج النعمان ابن المنذر، و مطلعها:

من آل ميّة رائح أو مغتدى # عجلان ذا زاد و غير مزوّد؟

اللغة: «رائح» اسم فاعل من راح يروح رواحا، إذا سار فى وقت العشى «مغتدى» اسم فاعل من اغتدى الرجل يغتدى، إذا سار فى وقت الغداة، و هى من الصبح إلى طلوع الشمس، و أراد بالزاد فى قوله «عجلان ذا زاد» ما كان من تسليم مية عليه أوردها تحيته «أزف» دنا و قرب، و بابه طرب، و يروى «أفد» و هو بوزنه و معناه «الترحل» الارتحال «تزل» -مضموم الزاى-مضارع زال، و أصله تزول، فحذفت الواو-عند الجزم-للتخلص من التقاء الساكنين.

المعنى: يقول فى البيت الذى هو المطلع: أتمضى أيها العاشق مفارقا أحبابك اليوم مع العشى أو غدا مع الغداة؟و هل يكون ذلك منك و أنت عجلان، تزودت منهم أو لم تنزود، ثم يقول فى البيت الشاهد: لقد قرب موعد الرحيل، إلا أن الركاب لم تغادر مكان أحبابتا بما عليها من الرحال، و كأنها قد زالت لقرب موعد الفراق.

الإعراب: «أزف» فعل ماض «الترحل» فاعل «غير» نصب على الاستثناء «أن» حرف توكيد و نصب «ركابنا» ركاب: اسم أن، و الضمير المتصل مضاف إليه «لما» حرف نفى و جزم «تزل» فعل مضارع مجزوم بلما «برحالنا» برحال: جار-

20

و التنوين الغالى-و أثبته الأخفش-و هو الذى يلحق القوافى المقيّدة، كقوله:

(3) -

*و قاتم الأعماق خاوى المخترقن*

____________

ق-و مجرور متعلق بتزول، و رحال مضاف و «نا» مضاف إليه «كأن» حرف تشبيه و نصب، و اسمها ضمير الشأن، و خبرها جملة محذوفة تقديرها «و كأن قد زالت» فحذف الفعل و فاعله المستتر فيه، و أبقى الحرف الذى هو قد.

الشاهد فيه: فى هذا البيت شاهدان للنحاة؛ أولهما دخول التنوين الذى للترنم على الحرف، و هو قد؛ فذلك يدل على أن تنوين الترنم لا يختص بالاسم؛ لأن الشى‏ء إذا اختص بشى‏ء لم يجى‏ء مع غيره، و الثانى فى تخفيف «كأن» التى للتشبيه، و مجى‏ء اسمها ضمير الشأن، و الفصل بينها و بين خبرها بقد، لأن الكلام إثبات. و لو كان نفيا لكان الفصل بلم، كما فى قوله تعالى: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) * و مثل هذا البيت فى الاستشهاد على ذلك قول الشاعر:

لا يهولنّك اصطلاء لظى الحر # ب؛ فمحذورها كأن قد ألمّا

و سيأتى شرح ذلك فى باب إن و أخواتها.

(3) -هذا البيت لرؤبة بن العجاج، أحد الرجاز المشهورين، و أمضغهم للشيخ و القيصوم، و الذى أخذ عنه العلماء أكثر غريب اللغة، و كان فى عصر بنى أمية، و بعده:

*مشتبه الاعلام لمّاع الخفقن*

اللغة: «القاتم» كالأقتم: الذى تعلوه القتمة، و هى لون فيه غبرة و حمرة، و «أعماق» جمع عمق-بفتح العين، و تضم-و هو: ما بعد من أطراف الصحراء.

و «الخاوى» الخالى، و «المخترق» مهب الرياح، و هو اسم مكان من قولهم: خرق المفازة و اخترقها، إذا قطعها و مر فيها، و «الأعلام» علامات كانوا يضعونها فى الطريق للاهتداء بها، واحدها علم بفتح العين و اللام جميعا، و «الخفق» اضطراب السراب، و هو الذى تراه نصف النهار كأنه ماء، و أصله بسكون الفاء، فحركها بالفتح ضرورة.

المعنى: كثير من الأمكنة التى لا يهتدى أحد إلى السير فيها لشدة التباسها و خفائها قد أعملت فيها ناقتى و سرت فيها، يريد أنه شجاع شديد الاحتمال، أو أنه عظيم الخبرة بمسالك الصحراء. -

21

و ظاهر كلام المصنف أن التنوين كلّه من خواصّ الاسم، و ليس كذلك، بل الذى يختصّ به الاسم إنما هو تنوين التمكين، و التنكير، و المقابلة، و العوض، و أما تنوين الترنم و الغالى فيكونان فى الاسم و الفعل و الحرف‏ (1) .

و من خواص الاسم النداء، نحو «يا زيد» ، و الألف و اللام، نحو «الرّجل» و الإسناد إليه، نحو «زيد قائم» .

فمعنى البيت: حصل للاسم تمييز عن الفعل و الحرف: بالجر، و التنوين، و النداء، و الألف و اللام، و الإسناد إليه: أى الإخبار عنه.

و استعمل المصنف «أل» مكان الألف و اللام، و قد وقع ذلك فى عبارة بعض المتقدمين-و هو الخليل-و استعمل المصنف «مسند» مكان «الإسناد له» .

***

____________

ق-الإعراب: «و قاتم» الواو واو رب، قاتم: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و قاتم مضاف و «الأعماق» مضاف إليه «خاوى» صفة لقاتم، و خاوى مضاف و «المخترق» مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، و سكنه لأجل الوقف، و خبر المبتدأ جملة من فعل ماض و فاعل فى محل رفع، و ذلك فى قوله بعد أبيات:

*تنشّطته كلّ مغلاة الوهق*

الشاهد فيه: قوله «المخترقن» و «الخفقن» حيث أدخل عليهما التنوين مع اقتران كل واحد منهما بأل، و لو كان هذا التنوين مما يختص بالاسم لم يلحق الاسم المقترن بأل، و إذا كان آخر الكلمة التى فى آخر البيت حرفا صحيحا ساكنا كما هنا تسمى القافية حينئذ «قافية مقيدة» .

(1) هذا الاعتراض لا يرد على الناظم؛ لأن تسمية نون الترنم و النون التى تلحق القوافى المطلقة تنوينا إنما هى تسمية مجازية، و ليست من الحقيقة التى وضع لها لفظ التنوين؛ فأنت لو أطلقت لفظ التنوين على المعنى الحقيقى الذى وضع له لم يشملهما، و الأصل أن يحمل اللفظ على معناه الحقيقى، و لذلك نرى أنه لا غبار على كلام الناظم.

22

علامات الفعل‏

بتا فعلت و أتت، و يا افعلى، # و نون أقبلنّ-فعل ينجلى‏ (1)

ثم ذكر المصنف أن الفعل يمتاز عن الاسم و الحرف بتاء «فعلت» و المراد بها تاء الفاعل، و هى المضمومة للمتكلم، نحو «فعلت» و المفتوحة للمخاطب، نحو «تباركت» و المكسورة للمخاطبة، نحو «فعلت» .

و يمتاز أيضا بتاء «أتت» ، و المراد بها تاء التأنيث الساكنة، نحو «نعمت» و «بئست» فاحترزنا بالساكنة عن اللاحقة للأسماء؛ فإنها تكون متحركة بحركة الإعراب، نحو «هذه مسلمة، و رأيت مسلمة، و مررت بمسلمة» و من اللاحقة للحرف، نحو «لات، و ربّت، و ثمّت‏ (2) » و أما تسكينها مع ربّ و ثمّ فقليل، نحو «ربّت و ثمّت» .

____________

(1) «بتا» جار و مجرور متعلق بينجلى الواقع هو و فاعله الضمير المستتر فيه فى محل رفع خبرا عن المبتدأ، فإن قلت: يلزم تقديم معمول الخبر الفعلى على المبتدأ و هو لا يجوز، قلت: إن ضرورة الشعر هى التى ألجأته إلى ذلك، و إن المعمول لكونه جارا و مجرورا يحتمل فيه ذلك التقدم الذى لا يسوغ فى غيره، و تا مضاف و «فعلت» قصد لفظه: مضاف إليه «و أتت» الواو حرف عطف، أتت: قصد لفظه أيضا: معطوف على فعلت «و يا» معطوف على تاء، و يا مضاف و «افعلى» مضاف إليه، و هو مقصود لفظه أيضا «و نون» الواو حرف عطف، نون: معطوف على تاء، و هو مضاف و «أقبلن» قصد لفظه: مضاف إليه «فعل» مبتدأ «ينجلى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ.

(2) أما دخول التاء على «لا» فأشهر من أن يستدل عليه، بل قد استعملت «لات» حرف نفى بكثرة، و ورد استعماله فى فصيح الكلام، و من ذلك قوله تعالى:

(وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ) و أما دخولها على رب ففى نحو قول الشاعر:

و ربّت سائل عنّى حفىّ # أعارت عينه أم لم تعارا

و نحو قول الآخر:

ماوىّ يا ربّتما غارة # شعواء كالّلذعة بالميسم‏

-

23

و يمتاز أيضا بياء «افعلى» و المراد بها ياء الفاعلة، و تلحق فعل الأمر، نحو «اضربى» و الفعل المضارع، نحو «تضربين» و لا تلحق الماضى.

و إنما قال المصنف «يا افعلى» ، و لم يقل «ياء الضمير» لأن هذه تدخل فيها ياء المتكلم، و هى لا تختصّ بالفعل، بل تكون فيه نحو «أكرمنى» و فى الاسم نحو «غلامى» و فى الحرف نحو «إنّى» بخلاف ياء «افعلى» فإن المراد بها ياء الفاعلة على ما تقدّم، و هى لا تكون إلا فى الفعل.

و مما يميز الفعل نون «أقبلنّ» و المراد بها نون التوكيد: خفيفة كانت، أو ثقيلة؛ فالخفيفة نحو قوله تعالى: (لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ) و الثقيلة نحو قوله تعالى:

(لَنُخْرِجَنَّكَ يََا شُعَيْبُ) .

فمعنى البيت: ينجلى الفعل بتاء الفاعل، و تاء التأنيث الساكنة، و ياء الفاعلة، و نون التوكيد.

***

يمتاز الحرف بعدم قبوله علامات النوعين‏

سواهما الحرف كهل و فى و لم # فعل مضارع يلى لم كيشم‏ (1)

____________

ق-و أما دخولها على ثم ففى نحو قول الشاعر:

و لقد أمرّ على اللّئيم يسبّنى # فمصيت ثمّت قلت لا يعنينى‏

(1) «سواهما» سوى: خبر مقدم مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و سوى مضاف و الضمير مضاف إليه «الحرف» مبتدأ مؤخر، و يجوز العكس، لكن الأولى ما قدمناه «كهل» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير «و ذلك كهل» «و فى و لم» معطوفان على هل «فعل» مبتدأ «مضارع» نعت له «يلى» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فعل مضارع، و الجملة خبر المبتدأ «لم» مفعول به ليلى، و قد قصد لفظه «كيشم» جار و مجرور متعلق بمحذوف يقع خبرا لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك كيشم، و تقدير البيت كله:

الحرف سوى الاسم و الفعل، و ذلك كهل و فى و لم، و الفعل المضارع يلى لم، و ذلك كائن-

24

الفعل ثلاثة أنواع، و علامة كل نوع‏

و ماضى الأفعال بالتّا مز، و سم # بالنّون فعل الأمر، إن أمر فهم‏ (1)

يشير إلى أن الحرف يمتاز عن الاسم و الفعل بخلوّه عن علامات الأسماء، و علامات الأفعال، ثم مثّل بـ «هل و فى و لم» منبّها على أن الحرف ينقسم إلى قسمين: مختص، و غير مختص، فأشار بهل إلى غير المختص، و هو الذى يدخل على الأسماء و الأفعال، نحو «هل زيد قائم» و «هل قام زيد» ، و أشار بفى و لم إلى المختص، و هو قسمان: مختص بالأسماء كفى، نحو «زيد فى الدار» ، و مختص بالأفعال كلم، نحو «لم يقم زيد» .

ثم شرع فى تبيين أن الفعل ينقسم إلى ماض و مضارع و أمر؛ فجعل علامة

____________

ق-كيشم، و يشم فعل مضارع ماضيه قولك: شممت الطيب و نحوه-من باب فرح- إذا نشقته، و فيه لغة أخرى من باب نصر ينصر حكاها الفراء.

(1) «و ماضى» الواو للاستئناف، ماضى: مفعول به مقدم لقوله مز الآتى، و ماضى مضاف و «الأفعال» مضاف إليه «بالتا» جار و مجرور متعلق بمز «مز» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «و سم» الواو عاطفة أو للاستئناف سم: فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بالنون» جار و مجرور متعلق بسم «فعل» مفعول به لسم، و فعل مضاف و «الأمر» مضاف إليه «إن» حرف شرط «أمر» نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، و تقديره: إن فهم أمر «فهم» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على أمر، و الجملة من الفعل و نائب فاعله لا محل لها من الإعراب تفسيرية، و جواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور. و تقديره «إن فهم أمر فسم بالنون إلخ» . و تقدير البيت: ميز الماضى من الأفعال بقبول التاء التى ذكرنا أنها من علامات كون الكلمة فعلا، و علم فعل الأمر بقبول النون إن فهم منه الطلب.

و مز: أمر من ماز الشى‏ء يميزه ميزا-مثل باع يبيع بيعا-إذا ميزه، و سم: أمر من وسم الشى‏ء يسمه وسما-مثل وصفه يصفه وصفا-إذا جعل له علامة يعرفه بها، و الأمر قوله «إن أمر فهم» هو الأمر اللغوى، و معناه الطلب الجازم على وجه الاستعلاء.

غ

25

المضارع صحة دخول «لم» عليه، كقولك فى يشمّ: «لم يشم» و فى يضرب:

«لم يضرب» ، و إليه أشار بقوله: «فعل مضارع يلى لم كيشم» .

ثم أشار إلى ما يميز الفعل الماضى بقوله: «و ماضى الأفعال بالتّامز» أى: ميّز ماضى الأفعال بالتاء، و المراد بها تاء الفاعل، و تاء التأنيث الساكنة، و كل منهما لا يدخل إلا على ماضى اللفظ، نحو «تباركت يا ذا الجلال و الإكرام» و «نعمت المرأة هند» و «بئست المرأة دعد» .

ثم ذكر فى بقية البيت أن علامة فعل الأمر: قبول نون التوكيد، و الدلالة على الأمر بصيغته، نحو «اضربن، و اخرجنّ» .

فإن دلّت الكلمة على الأمر و لم تقبل نون التوكيد فهى اسم فعل‏ (1) ، و إلى ذلك أشار بقوله:

إن دلت كلمة على معنى الفعل و لم تقبل علامته فهى اسم فعل‏

و الأمر إن لم يك للنّون محل # فيه هو اسم نحو صه و حيّهل‏ (2)

____________

(1) و كذا إذا دلت الكلمة على معنى الفعل المضارع و لم تقبل علامته-و هى لم- فإنها تكون اسم فعل مضارع. نحو أوه و أف، بمعنى أنوجع و أتضجر، و إن دلت الكلمة على معنى الفعل الماضى و امتنع قبولها علامته امتناعا راجعا إلى ذات الكلمة فإنها تكون اسم فعل ماض، نحو هيهات و شتان، بمعنى بعد و افترق، فإن كان امتناع قبول الكلمة الدالة على الماضى لا يرجع إلى ذات الكلمة، كما فى فعل التعجب نحو:

«ما أحسن السماء» و كما فى «حبذا الاجتهاد» فإن ذلك لا يمنع من كون الكلمة فعلا.

(2) «و الأمر» الواو عاطفة أو للاستئناف، الأمر: مبتدأ «إن» حرف شرط «لم» حرف نفى و جزم «يك» فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، و علامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، و أصله يكن «للنون» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر يك مقدما «محل» اسمها مرفوع بالضمة الظاهرة، و سكن لأجل الوقف «فيه» جار و مجرور متعلق بمحذوف نعت لمحل «هو اسم» مبتدأ و خبر، و الجملة منهما فى محل جزم جواب الشرط، و إنما لم يجى‏ء بالفاء للضرورة. و الجملة من الشرط و جوابه فى محل رفع خبر المبتدأ، أو تجعل جملة «هو اسم» فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو قوله-

26

فصه و حيّهل: اسمان و إن دلاّ على الأمر؛ لعدم قبولهما نون التوكيد؛ فلا تقول: صهنّ و لا حيّهلنّ، و إن كانت صه بمعنى اسكت، و حيّهل بمعنى أقبل؛ فالفارق‏ (1) بينهما قبول نون التوكيد و عدمه، نحو «اسكتنّ، و أقبلنّ» ، و لا يجوز ذلك فى «صه، و حيهل» .

***

____________

ق-الأمر فى أول البيت، و تكون جملة جواب الشرط محذوفة دلت عليها جملة المبتدأ و خبره، و التقدير على هذا: و الدال على الأمر هو اسم إن لم يكن فيه محل للنون فهو اسم، و حذف جواب الشرط عند ما لا يكون فعل الشرط ماضيا ضرورة أيضا؛ فالبيت لا يخلو من الضرورة «نحو» خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك نحو، و نحو مضاف و «صه» مضاف إليه، و قد قصد لفظه «و حيهل» معطوف على صه.

(1) ثلاثة فوائد-الأولى: أسماء الأفعال على ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: ما هو واجب التنكير، و ذلك نحو ويها و واها، و النوع الثانى: ما هو واجب التعريف، و ذلك نحو نزال و تراك و بابهما، و الثالث: ما هو جائز التنكير و التعريف، و ذلك نحو صه و مه؛ فما نون وجوبا أو جوازا فهو نكرة، و ما لم ينون فهو معرفة.

و الفائدة الثانية: توافق أسماء الأفعال الأفعال فى ثلاثة أمور؛ أولها: الدلالة على المعنى، و ثانيها: أن كل واحد من أسماء الأفعال يوافق الفعل الذى يكون بمعناه فى التعدى و اللزوم غالبا، و ثالثها: أنه بوافق الفعل الذى بمعناه فى إظهار الفاعل و إضماره؛ و من غير الغالب فى التعدى نحو «آمين» فإنه لم يحفظ فى كلام العرب تعديه لمفعول، مع أنه بمعنى استجب و هو فعل متعد، و كذا «إيه» فإنه لازم مع أن الفعل الذى بمعناه-و هو زدنى-متعد، و تخالفها فى سبعة أمور؛ الأول: أنه لا يبرز معها ضمير، بل تقول «صه» بلفظ واحد للمفرد و المثنى و الجمع المذكر و المؤنث، بخلاف «اسكت» فإنك تقول:

اسكتى، و اسكتا، و اسكتوا، و اسكتن، و الثانى أنها لا يتقدم معمولها عليها؛ فلا تقول:

«زيدا عليك» كما تقول: «محمدا الزم» و الثالث أنه يجوز توكيد الفعل توكيدا لفظيا باسم الفعل؛ تقول: انزل نزال، و تقول: اسكت صه، كما تقول: انزل انزل، و اسكت اسكت، و لا يجوز توكيد اسم الفعل بالفعل، و الرابع: أن الفعل إذا دل على الطلب جاز نصب-

27

...

____________

ق-المضارع فى جوابه، فتقول: انزل فأحدثك، و لا يجوز نصب المضارع فى جواب اسم الفعل و لو كان دالا على الطلب كصه و نزال، و الخامس: أن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة، بحيث تحذف و يبقى معمولها، و لا متأخرة عن معمولها؛ بل متى وجدت معمولا تقدم على اسم فعل تعين عليك تقدير فعل عامل فيه؛ فنحو قول الشاعر:

يأيّها المائح دلوى دونكا # إنّى رأيت النّاس يحمدونكا

يقدر: حذ دلوى، و لا يجعل قوله: «دلوى» معمولا لدونكا الموجود، و لا لآخر مثله مقدر، على الأصح. و السادس: أن أسماء الأفعال غير متصرفة؛ فلا تختلف أبنيتها لاختلاف الزمان، بخلاف الأفعال. و السابع: أنها لا تقبل علامات الأفعال كالنواصب و الجوازم و نون التوكيد و ياء المخاطبة و تاء الفاعل، و هو ما ذكره الشارح فى هذا الموضع؛ فاحفظ هذا كله، و كن منه على ثبت، و اللّه يتولاك.

الفائدة الثالثة، اختلف النحاة فى أسماء الأفعال؛ فقال جمهور البصريين: هى أسماء قامت مقام الأفعال فى العمل، و لا تتصرف تصرف الأفعال بحيث تختلف أبنيتها لاختلاف الزمان، و لا تصرف الأسماء بحيث يسند إليها إسنادا معنويا فتقع مبتدأ و فاعلا؛ و بهذا فارقت الصفات كأسماء الفاعلين و المفعولين، و قال جمهور الكوفيين: إنها أفعال؛ لأنها تدل على الحدث و الزمان، كل ما فى الباب أنها جامدة لا تتصرف؛ فهى كليس و عسى و نحوهما، و قال أبو جعفر بن صابر: هى نوع خاص من أنواع الكلمة؛ فليست أفعالا و ليست أسماء؛ لأنها لا تتصرف تصرف الأفعال و لا تصرف الأسماء، و لأنها لا تقبل علامة الأسماء و لا علامة الأفعال، و أعطاها أبو جعفر اسما خاصا بها حيث سماها «خالفة» .

28

المعرب و المبنى‏ (1)

الاسم ضربان: معرب، و مبنى، و بيان كل منهما

و الاسم منه معرب و مبنى # لشبه من الحروف مدنى‏ (2)

يشير إلى أن الاسم ينقسم إلى قسمين: حدهما المعرب، و هو: ما سلم من شبه الحروف، و الثانى المبنى، و هو: ما أشبه الحروف، و هو المعنىّ بقوله:

«لشبه من الحروف مدنى» أى: لشبه مقرّب من الحروف؛ فعلّة البناء منحصرة عند المصنف-رحمه اللّه تعالى!-فى شبه الحرف، ثم نوّع المصنّف وجوه الشبه فى البيتين اللذين بعد هذا البيت، و هذا قريب من مذهب أبى على الفارسى حيث جعل البناء منحصرا فى شبه الحرف أو ما تضمن معناه، و قد نص سيبويه-رحمه اللّه!-. على أن علة البناء كلها ترجع إلى شبه الحرف،

____________

(1) أى: هذا باب المعرب و المبنى، و إعرابه ظاهر.

(2) «و الاسم» الواو للاستئناف، الاسم: مبتدأ أول «منه» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «معرب» مبتدأ مؤخر، و الجملة منه و من خبره خبر المبتدأ الأول، «و مبنى» مبتدأ، و خبره محذوف، و التقدير «و منه مبنى» و لا يجوز أن تعطف قوله مبنى على معرب؛ لأنه يستلزم أن يكون المعنى أن بعض الاسم معرب و مبنى فى آن واحد، أو يستلزم أن بعض الاسم معرب و مبنى و بعضه الآخر ليس بمعرب و لا مبنى، و هو قول ضعيف أباه جمهور المحققين من النحاة «لشبه» جار و مجرور متعلق بمبنى، أو متعلق بخبر محذوف مع مبتدئه و التقدير: «و بناؤه ثابت لشبه» «من الحروف» جار و مجرور متعلق بشبه أو بمدنى «مدنى» نعت لشبه، و تقدير البيت:

و الاسم بعضه معرب و بعضه الآخر مبنى؛ و بناء ذلك المبنى ثابت لشبه مدن له من الحرف و مدنى: اسم فاعل فعله أدنى؛ تقول: أدنيت الشى‏ء من الشى‏ء، إذا قربته منه، و الياء فيه هنا ياء زائدة للاشباع، و ليست لام الكلمة؛ لأن ياء المنقوص المنكر غير المنصوب تحذف وجوبا.

29

و ممن ذكره ابن أبى الرّبيع‏ (1) .

***

____________

(1) اعلم أنهم اختلفوا فى سبب بناء بعض الأسماء: أهو شى‏ء واحد يوجد فى كل مبنى منها أو أشياء متعددة يوجد واحد منها فى بعض أنواع المبنيات و بعض آخر فى نوع آخر، و هكذا؟

فذهب جماعة إلى أن السبب متعدد، و أن من الأسباب مشابهة الاسم فى المعنى للفعل المبنى، و مثاله-عند هؤلاء-من الاسم «نزال و هيهات» فإنهما لما أشبها «انزل و بعد» فى المعنى بنيا، و هذا السبب غير صحيح، لأنه لو صح للزم بناء نحو سقيا لك و «ضربا زيدا» فإنهما بمعنى فعل الأمر و هو مبنى. و أيضا يلزمه إعراب نحو «أف» و «أوه» و نحوهما من الأسماء التى تدل على معنى الفعل المضارع المعرب، و لم يقل بذلك أحد، و إنما العلة التى من أجلها بنى «نزال» و «شتان» و «أوه» و غيرها من أسماء الأفعال هى مشابهتها الحرف فى كونها عاملة فى غيرها غير معمولة لشى‏ء، ألا ترى أنك إذا قلت نزال كان اسم فعل مبنيا على الكسر لا محل له من الإعراب، و كان له فاعل هو ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و هذا الفاعل هو المعمول لاسم الفعل، و لا يكون اسم الفعل أبدا متأثرا بعامل يعمل فيه، لا فى لفظه و لا فى محله.

و قال قوم منهم ابن الحاجب: إن من أسباب البناء عدم التركيب، و عليه تكون الأسماء قبل تركيبها فى الجمل مبنية، و هو ظاهر الفساد، و الصواب أن الأسماء قبل تركيبها في الجمل ليست معربة و لا مبنية، لأن الإعراب و البناء حكمان من أحكام التراكيب، الا ترى أنهم يعرفون الإعراب بأنه: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، أو يعرفونه بأنه: تغير أواخر الكلمات لاختلاف العوامل الداخلة عليها، و البناء ضده، فما لم يكن تركيب لا يجوز الحكم بإعراب الكلمة و لا ببنائها.

و قال آخرون: إن من أسباب البناء أن يجتمع فى الاسم ثلاثة أسباب من موانع الصرف، و عللوه بأن السببين يمنعان من صرف الاسم، و ليس بعد منع الصرف إلا ترك الإعراب بالمرة، و مثلوا لذلك بـ «حذام، و قطام» و نحوهما، و ادعوا أن سبب بناء هذا الباب اجتماع العلمية، و التأنيث، و العدل عن حاذمة و قاطمة، و هو فاسد، فإنا وجدنا من الأسماء ما اجتمع فيه خمسة أسباب من موانع الصرف، و هو مع ذلك معرب، و مثاله «آذربيجان» فإن فيه العلمية و التأنيث و العجمة و التركيب و زيادة الألف و النون، -

30

أنواع شبه الحرف أربعة

كالشّبه الوضعىّ فى اسمى جئتنا # و المعنوىّ فى متى و فى هنا (1)

و كنيابة عن الفعل بلا # تأثّر، و كافتقار أصّلا (2)

ذكر فى هذين البيتين وجوه شبه الاسم بالحرف فى أربعة مواضع:

(فالأول) شبهه له فى الوضع، كأن يكون الاسم موضوعا على حرف

____________

ق-و ليس بناء حذام و نحوه لما ذكروه، بل لمضارعته فى الهيئة نزال و نحوه مما بنى لشبهه بالحرف فى نيابته عن الفعل و عدم تأثره بالعامل.

و قال قوم منهم الذين ذكرهم الشارح: إنه لا علة للبناء إلا مشابهة الحرف، و هو رأى الحذاق من النحويين، كل ما فى الأمر أن شبه الحرف على أنواع.

(1) «كالشبه» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك كائن كالشبه «الوضعى» نعت للشبه «فى اسمى» جار و مجرور متعلق بمحذوف صفة للوضعى، و اسمى مضاف و «جئتنا» قصد لفظه: مضاف إليه «و المعنوى» معطوف على الوضعى «فى متى، و فى هنا» جاران و مجروران متعلقان بمحذوف نعت للمعنوى، و تقدير البيت:

و الشبه المدنى من الحروف مثل الشبه الوضعى الكائن فى الاسمين الموجودين فى قولك «جئتنا» و هما تاء المخاطب و «نا» و مثل الشبه المعنوى الكائن فى «متى» الاستفهامية و الشرطية و فى «هنا» الإشارية.

(2) «و كنيابة» الواو عاطفة، و الجار و المجرور معطوف على كالشبه «عن الفعل» جار و مجرور متعلق بنيابة «بلا تأثر» الباء حرف جر، و لا: اسم بمعنى غير مجرور بالباء، و ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف نعت لنيابة، و لا مضاف، و تأثر: مضاف إليه، مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية التى يقتضيها ما قبله «و كافتقار» الواو حرف عطف و الجار و المجرور معطوف على كنيابة «أصلا» فعل ماض مبنى للمجهول، و الألف للاطلاق، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على افتقار، و الجملة من الفعل و نائب الفاعل فى محل جر نعت لافتقار، و تقدير البيت: و مثل النيابة عن الفعل فى العمل مع أنه لا يتأثر بالعامل، و مثل الافتقار المتأصل، و الافتقار المتأصل: هو الافتقار اللازم له الذى لا يفارقه فى حالة من حالاته.

31

[واحد]، كالتاء فى ضربت، أو على حرفين كـ «نا» فى «أكرمنا» ، و إلى ذلك أشار بقوله: «فى اسمى جئتنا» فالتاء فى جئتنا اسم؛ لأنه فاعل، و هو مبنى؛ لأنه أشبه الحرف فى الوضع فى كونه على حرف واحد، و كذلك «نا» اسم؛ لأنها مفعول، و هو مبنى؛ لشبهه بالحرف فى الوضع فى كونه على حرفين‏ (1) .

(و الثانى) شبه الاسم له فى المعنى، و هو قسمان: أحدهما ما أشبه حرفا موجودا، و الثانى ما أشبه حرفا غير موجود؛ فمثال الأول «متى» فإنها مبنية لشبهها

____________

(1) الأصل فى وضع الحرف أن يكون على حرف هجاء واحد كباء الجر و لامه و كافه وفاء العطف و واوه و ألف الاستفهام و ما شاكل ذلك، أو على حرفى هجاء ثانيهما لين كلا و ما النافيتين، و الأصل فى وضع الاسم أن يكون على ثلاثة أحرف فصاعدا كما لا يحصى من الأسماء، فما زاد من حروف المعانى على حرفين من حروف الهجاء مثل إن و ليت و إلا و ثم و لعل و لكن فهو خارج عن الأصل فى نوعه، و ما نقص من الأسماء عن ثلاثة الأحرف كتاء الفاعل و نا و أكثر الضمائر فهو خارج عن الأصل فى نوعه، و ما خرج من الحروف عن الأصل فى نوعه قد أشبه الأسماء، و ما خرج من الأسماء عن الأصل فى نوعه أشبه الحروف، و كلا الشبهين راجع إلى الوضع، و كان ذلك يقتضى أن يأخذ المشبه حكم المشبه به فى الموضعين، إلا أنهم أعطوا الاسم الذى يشبه الحرف حكم الحرف و هو البناء، و لم يعطوا الحرف الذى أشبه الاسم حكم الاسم و هو الإعراب لسببين، أولهما أن الحرف حين أشبه الاسم قد أشبهه فى شى‏ء لا يخصه وحده، فإن الأصل فى وضع الفعل أيضا أن يكون على ثلاثة أحرف، بخلاف الاسم الذى قد أشبه الحرف؛ فإنه قد أشبهه فى شى‏ء يخصه و لا يتجاوزه إلى نوع آخر من أنواع الكلمة، و السبب الثانى:

أن الحرف لا يحتاج فى حالة ما إلى الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يحتاج إليه من أنواع الكلمة ما يقع فى مواقع متعددة من التراكيب بحيث لا يتميز بعضها عن بعض بغير الإعراب، و الحرف لا يقع فى هذه المواقع المتعددة، فلم يكن ثمة ما يدعو إلى أن يأخذ حكم الاسم حين يشبهه، و معنى هذا الكلام أن فى مشابهة الحرف للاسم قد وجد المقتضى و لكن لم ينتف المانع؛ فالمقتضى هو شبه الاسم، و المانع هو عدم توارد المعانى المختلفة عليه، و شرط تأثير المقتضى أن ينتفى المانع.

غ

32

الحرف، فى المعنى؛ فإنها تستعمل للاستفهام، نحو «متى تقوم؟» و للشرط، نحو «متى تقم أقم» و فى الحالتين هى مشبهة لحرف موجود؛ لأنها فى الاستفهام كالهمزة، و فى الشرط كإن، و مثال الثانى «هنا» فإنها مبنية لشبهها حرفا كان ينبغى أن يوضع فلم يوضع، و ذلك لأن الإشارة معنى من المعانى؛ فحقها أن يوضع لها حرف يدلّ عليها، كما وضعوا للنفى «ما» و للنهى «لا» و للتمنّى «ليت» و للترجّى «لعلّ» و نحو ذلك؛ فبنيت أسماء الإشارة لشبهها فى المعنى حرفا مقدّرا (1) .

(و الثالث) شبهه له فى النّيابة عن الفعل و عدم التأثر بالعامل، و ذلك كأسماء الأفعال، نحو «دراك زيدا» فدراك: مبنىّ؛ لشبهه بالحرف فى كونه يعمل و لا يعمل فيه غيره‏ (2) كما أن الحرف كذلك.

____________

(1) نقل ابن فلاح عن أبى على الفارسى أن أسماء الإشارة مبنية لأنها من حيث المعنى أشبهت حرفا موجودا، و هو أل العهدية؛ فإنها تشير إلى معهود بين المتكلم و المخاطب، و لما كانت الإشارة فى هنا و نحوها حسية و فى أل العهدية ذهنية لم يرتض المحققون ذلك، و ذهبوا إلى ما ذكره الشارح من أن أسماء الإشارة بنيت لشبهها فى المعنى حرفا مقدرا.

و نظير «هنا» فبما ذكرناه «لدى» فإنها دالة على الملاصقة و القرب زيادة على الظرفية، و الملاصقة و القرب من المعانى التى لم تضع العرب لها حرفا، و أيضا «ما» التعجبية، فإنها دالة على التعجب، و لم تضع العرب للتعجب حرفا، فيكون بناء كل واحد من هذين الاسمين لشبهه فى المعنى حرفا مقدرا، فافهم ذلك.

(2) اسم الفعل مادام مقصودا معناه لا يدخل عليه عامل أصلا، فضلا عن أن يعمل فيه، و عبارة الشارح كغيره توهم أن العوامل قد تدخل عليه و لكنها لا تؤثر فيه، فكان الأولى به أن يقول «و لا يدخل عليه عامل أصلا» بدلا من قوله «و لا يعمل فيه غيره» و قولنا «مادام مقصودا منه معناه» يريد به الإشارة إلى أن اسم الفعل إذا لم يقصد به معناه-بأن يقصد لفظه مثلا-فإن العامل قد يدخل عليه، و ذلك كما فى قول زهير ابن أبى سلمى المزنى: -

33

و احترز بقوله: «بلا تأثر» عما ناب عن الفعل و هو متأثر بالعامل، نحو «ضربا زيدا» فإنه نائب مناب «اضرب» و ليس بمبنى؛ لتأثّره بالعامل، فإنه منصوب بالفعل المحذوف، بخلاف «دراك» فإنه و إن كان نائبا عن «أدرك» فليس متأثرا بالعامل.

و حاصل ما ذكره المصنف أن المصدر الموضوع موضع الفعل و أسماء الأفعال اشتركا فى النيابة مناب الفعل، لكن المصدر متأثر بالعامل؛ فأعرب لعدم مشابهته الحرف، و أسماء الأفعال غير متأثرة بالعامل؛ فبنيت لمشابهتها الحرف فى أنها نائبة عن الفعل و غير متأثرة به.

و هذا الذى ذكره المصنف مبنى على أن أسماء الأفعال لا محل لها من الإعراب و المسألة خلافية (1) ، و سنذكر ذلك فى باب أسماء الأفعال.

____________

ق-

و لنعم حشو الدّرع أنت إذا # دعيت نزال و لجّ فى الذّعر

فنزال فى هذا البيت مقصود بها اللفظ، و لذلك وقعت نائب فاعل؛ فهى مرفوعة بضمة مقدرة على آخرها منع من ظهوها اشتغال المحل بحركة البناء الأصلى، و مثله قول زيد الخيل:

و قد علمت سلامة أنّ سيفى # كريه كلّما دعيت نزال‏

و نظيرهما قول جريبة الفقعسى:

عرضنا نزال فلم ينزلوا # و كانت نزال عليهم أطمّ‏

(1) إذا قلت «هيهات زيد» مثلا-فللعلماء فى إعرابه ثلاثة آراء: الأول-و هو مذهب الأخفش، و هو الصحيح الذى رجحه جمهور علماء النحو-أن هيهات اسم فعل ماض مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب، و زيد: فاعل مرفوع بالضمة، و هذا الرأى هو الذى يجرى عليه قول الناظم إن سبب البناء فى أسماء الأفعال كونها نائبة عن الفعل غير متأثرة بعامل لا ملفوظ به و لا مقدر، و الثانى-و هو رأى سيبويه -أن هيهات مبتدأ مبنى على الفتح فى محل رفع؛ فهو متأثر بعامل معنوى و هو الابتداء، و زيد: فاعل سد مسد الخبر، و الثالث-و هو رأى المازنى-أن هيهات مفعول مطلق-

34

(و الرابع) شبه الحرف فى الافتقار اللازم، و إليه أشار بقوله: «و كافتقار أصّلا» و ذلك كالأسماء الموصولة، نحو «الذى» فإنها مفتقرة فى سائر أحوالها إلى الصّلة؛ فأشبهت الحرف فى ملازمة الافتقار، فبنيت‏ (1) .

و حاصل البيتين أن البناء يكون فى ستة أبواب: المضمرات، و أسماء الشرط، و أسماء الاستفهام، و أسماء الإشارة، و أسماء الأفعال، و الأسماء الموصولة.

***

____________

ق-لفعل محذوف من معناه، و زيد: فاعل به، و كأنك قلت: بعد بعدا زيد، فهو متأثر بعامل لفظى محذوف من الكلام، و لا يجرى كلام الناظم على واحد من هذين القولين، الثانى و الثالث، و علة بناء اسم الفعل على هذين القولين تضمن أغلب ألفاظه-و هى الألفاظ الدالة على الأمر منه-معنى لام الأمر، و سائره محمول عليه، يعنى أن اسم الفعل أشبه الحرف شبها معنويا، لا نيابيا.

(1) زاد ابن مالك فى شرح الكافية الكبرى نوعا خامسا سماه الشبه الإهمالى، و فسره بأن يشبه الاسم الحرف فى كونه لا عاملا و لا معمولا. و مثل له بأوائل السور نحو «ألم، ق، ص» و هذا جار على القول بأن فواتح السور لا محل لها من الإعراب؛ لأنها من المتشابه الذى لا يدرك معناه، و قيل: إنها فى محل رفع على أنها مبتدأ خبره محذوف، أو خبر مبتدؤه محذوف، أو فى محل نصب بفعل مقدر كاقرأ و نحوه، أو فى محل جر بواو القسم المحذوفة، و جعل بعضهم من هذا النوع الأسماء قبل التركيب، و أسماء الهجاء المسرودة، و أسماء العدد المسرودة، و زاد ابن مالك أيضا نوعا سادسا سماه الشبه اللفظى، و هو: أن يكون لفظ الاسم كلفظ حرف من حروف المعانى، و ذلك مثل «حاشا» الاسمية؛ فإنها أشبهت «حاشا» الحرفية فى اللفظ.

و اعلم أنه قد يجتمع فى اسم واحد مبنى شبهان فأكثر، و من ذلك المضمرات؛ فإن فيها الشبه المعنوى، إذ التكلم و الخطاب و الغيبة من المعانى التى تتأدى بالحروف، و فيها الشبه الافتقارى؛ لأن كل ضمير يفتقر افتقارا متأصلا إلى ما يفسره، و فيها الشبه الوضعى، فإن أغلب الضمائر وضع على حرف أو حرفين، و ما زاد فى وضعه على ذلك فمحمول عليه، طردا للباب على وتيرة واحدة.

35

المعرب، و انقسامه إلى صحيح و معتل‏

و معرب الأسماء ما قد سلما # من شبه الحرف كأرض وسما (1)

يريد أن المعرب خلاف المبنىّ، و قد تقدم أن المبنى ما أشبه الحرف؛ فالمعرب ما لم يشبه الحرف، و ينقسم إلى صحيح-و هو: ما ليس آخره حرف علّة كأرض، و إلى معتل-و هو: ما آخره حرف علة كسما-و سما: لغة فى الاسم، و فيه ست لغات: اسم-بضم الهمزة و كسرها، و سم-بضم السين و كسرها، و سما- بضم السين و كسرها أيضا.

و ينقسم المعرب أيضا إلى متمكن أمكن-و هو المنصرف-كزيد و عمرو، و إلى متمكن غير أمكن-و هو غير المنصرف-نحو: أحمد و مساجد و مصابيح؛

____________

(1) «و معرب» مبتدأ، و معرب مضاف و «الأسماء» مضاف إليه «ما» اسم موصول فى محل رفع خبر المبتدأ «قد سلما» قد: حرف تحقيق، و سلم: فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، و الجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، و الألف فى «سلما» للاطلاق «من شبه» جار و مجرور متعلق بقوله سلم، و شبه مضاف و «الحرف» مضاف إليه «كأرض» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك كائن كأرض «و سما» الواو حرف عطف، سما: معطوف على أرض، مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، و هو-بضم السين مقصورا-إحدى اللغات فى اسم كما سيذكره الشارح، و نظيره فى الوزن هدى و علا و تقى و ضحا.

و ههنا سؤال، و هو أن الناظم فى ترجمة هذا الباب بدأ بالمعرب و ثنى بالمبنى فقال «المعرب و المبنى» و حين أراد التقسيم بدأ بالمعرب أيضا فقال «و الاسم منه معرب و مبنى» و لكنه حين بدأ فى التفصيل و تعريف كل واحد منهما بدأ بالمبنى و أخر المعرب، فما وجهه؟

و الجواب عن ذلك أنه بدأ فى الترجمة و التقسيم بالمعرب لكونه أشرف من المبنى بسبب كونه هو الأصل فى الأسماء. و بدأ فى التعريف بالمبنى لكونه منحصرا، و المعرب غير منحصر، ألا ترى أن خلاصة الكلام فى أسباب البناء قد أنتجت أن المبنى من الأسماء ستة أبواب ليس غير؟!.

36

فغير المتمكن هو المبنى، و المتمكن: هو المعرب، و هو قسمان: متمكن امكن، و متمكن غير أمكن‏ (1) .

***

المعرب و المبنى من الأفعال‏

و فعل أمر و مضىّ بنيا # و أعربوا مضارعا: إن عريا (2)

من نون توكيد مباشر، و من # نون إناث: كير عن من فتن‏ (3)

____________

(1) و المتمكن الأمكن هو الذى يدخله التنوين، إذا خلا من أل و من الإضافة، و يجر بالكسرة، و يسمى المنصرف، و المتمكن غير الأمكن هو الذى لا ينون، و لا يجر بالكسرة إلا إذا اقترن بأل أو أضيف، و يسمى الاسم الذى لا ينصرف.

(2) «و فعل» مبتدأ، و فعل مضاف و «أمر» مضاف إليه «و مضى» يقرأ بالجر على أنه معطوف على أمر، و يقرأ بالرفع على أنه معطوف على فعل «بنيا» فعل ماض مبنى للمجهول، و الألف التى فيه للتثنية، و هى نائب فاعل، و ذلك إذا عطفت «مضى» على «فعل» فإن عطفته على «أمر» فالألف للاطلاق، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فعل «أعربوا» فعل و فاعل «مضارعا» مفعول به «إن» حرف شرط «عريا» فعل ماض مبنى على الفتح فى محل جزم فعل الشرط، و ألفه للاطلاق، و فاعله ضمير مستتر فيه، و جواب الشرط محذوف يدل عليه السابق. من الكلام، أى: إن عرى الفعل المضارع من النون أعرب، و عرى من باب رضى بمعنى خلا، و يأتى من باب قعد بمعنى آخر، تقول: عراه يعروه عروا-مثل سما يسمو سموا -إذا نزل به، و منه قول أبى صخر الهذلى:

و إنّى لتعرونى لذكراك هزّة # كما انتفض العصفور بلّله القطر

(3) «من نون» جار و مجرور متعلق بعرى، و نون مضاف و «توكيد» مضاف إليه، «مباشر» صفة لنون «و من نون» جار و مجرور معطوف بالواو على الجار و المجرور السابق، و نون مضاف و «إناث» مضاف إليه «كيرعن» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، و تقديره: و ذلك كائن كيرعن «من» اسم موصول مفعول به ليرعن، باعتباره فعلا قبل أن يقصد لفظه مع سائر التركيب، مبنى على السكون فى محل نصب، فأما بعد أن قصد لفظ الجملة فكل كلمة منها كحرف من-

37

لما فرغ من بيان المعرب و المبنى من الأسماء شرع فى بيان المعرب و المبنى من الأفعال، و مذهب البصريين أن الإعراب أصل فى الأسماء، فرع فى الأفعال‏ (1) ؛ فالأصل فى الفعل البناء عندهم، و ذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصل فى الأسماء و فى الأفعال، و الأول هو الصحيح، و نقل ضياء الدين بن العلج فى البسيط أن بعض النحويين ذهب إلى أن الإعراب أصل فى الأفعال، فرع فى الأسماء.

و المبنى من الأفعال ضربان:

____________

ق-حروف زبد مثلا «فتن» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، و الجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.

(1) لما كان الأصل عند البصريين فى الأسماء الإعراب فإن ما كان منها معربا لا يسأل عن علة إعرابه؛ لأن ما جاء على أصله لا يسأل عن علته، و ما جاء منها مبنيا يسأل عن علة بنائه، و قد تقدم للناظم و الشارح بيان علة بناء الاسم، و أنها مشابهته للحرف؛ و لما كان الأصل فى الأفعال عندهم أيضا البناء فإن ما جاء منها مبنيا لا يسأل عن علة بنائه، و إنما يسأل عن علة إعراب ما أعرب منه و هو المضارع، و علة إعراب الفعل المضارع عند البصريين أنه أشبه الاسم فى أن كل واحد منهما يتوارد عليه معان تركيبية لا يتضح التمييز بينها إلا بالإعراب، فأما المعانى التى تنوارد على الاسم فمثل الفاعلية و المفعولية و الإضافة فى نحو قولك: ما أحسن زيد؛ فإنك لو رفعت زبدا لكان فاعلا و صار المراد نفى إحسانه، و لو نصبته لكان مفعولا به و صار المراد التعجب من حسنه، و لو جررته لكان مضافا إليه، و صار المراد الاستفهام عن أحسن أجزائه، و أما المعانى التى تتوارد على الفعل فمثل النهى عن الفعلين جميعا أو عن الأول منهما وحده أو عن فعلهما متصاحبين فى نحو قولك: لا تعن بالجفاء و تمدح عمرا، فإنك لو جزمت «تمدح» لكنت منهيا عنه استقلالا، و صار المراد أنه لا يجوز لك أن تعن بالجفاء و لا أن تمدح عمرا، و لو رفعت «تمدح» لكان مستأنفا غير داخل فى حكم النهى، و صار المراد أنك منهى عن الجفاء مأذون لك فى مدح عمرو، و لو نصبته لكان معمولا لأن المصدرية و صار المراد أنك منهى عن الجمع بين الجفاء و مدح عمرو، و أنك لو فعلت أيهما منفردا جاز.

38

(أحدهما) ما اتّفق على بنائه، و هو الماضى، و هو مبنى على الفتح‏ (1) نحو «ضرب و انطلق» ما لم يتصل به واو جمع فيضم، أو ضمير رفع متحرك فيسكن.

(و الثانى) ما اختلف فى بنائه و الراجح أنه مبنى، و هو فعل الأمر نحو «اضرب» و هو مبنى عند البصريين، و معرب عند الكوفيين‏ (2) .

و المعرب من الأفعال هو المضارع، و لا يعرب إلا إذا لم تتصل به نون التوكيد أو نون الإناث؛ فمثال نون التوكيد المباشرة «هل تضربنّ» و الفعل معها مبنى على الفتح، و لا فرق فى ذلك بين الخفيفة و الثقيلة (3) فإن لم تتصل به لم يبن، و ذلك كما إذا

____________

(1) بنى الفعل الماضى لأن البناء هو الأصل، و إنما كان بناؤه على حركة-مع أن الأصل فى البناء السكون-لأنه أشبه الفعل المضارع المعرب فى وقوعه خبرا و صفة وصلة و حالا، و الأصل فى الإعراب أن يكون بالحركات، و إنما كانت الحركة فى الفعل الماضى خصوص الفتحة لأنها أخف الحركات، فقصدوا أن تتعادل خفتها مع ثقل الفعل بسبب كون معناه مركبا، لئلا يجتمع ثقيلان فى شى‏ء واحد، و تركيب معناه هو دلالته على الحدث و الزمان.

(2) عندهم أن نحو «اضرب» مجزوم بلام الأمر مقدرة، و أصله لتضرب، فحذفت اللام تخفيفا، فصار «تضرب» ثم حذف حرف المضارعة قصدا للفرق بين هذا و بين المضارع غير المجزوم عند الوقف عليه، فاحتيج بعد حذف حرف المضارعة إلى همزة الوصل توصلا للنطق بالساكن-و هو الضاد-فصار «اضرب» و فى هذا من التكلف ما ليس تخفى.

(3) لا فرق فى اتصال نون التوكيد بالفعل المضارع و مباشرتها له بين أن تكون ملفوظا بها كما مثل الشارح، و أن تكون مقدرة كما فى قول الشاعر، و هو الأضبط بن قريع‏

لا تهين الفقير علّك أن # تركع يوما و الدّهر قد رفعه‏

فإن أصل قوله لا تهين لا تهينن بنونين أولاهما لام الكلمة و الثانية نون التوكيد الخفيفة، فحذفت نون التوكيد الخفيفة، و بقى الفعل بعد حذفها مبنيا على الفتح فى محل جزم بلام النهى، و لو لم تكن نون التوكيد مقدرة فى هذا الفعل لوجب عليه أن يقول لا تهن.

غ

39

فصل بينه و بينها ألف اثنين نحو «هل تضربانّ» ، و أصله: هل تضرباننّ، فاجتمعت ثلاث نونات؛ فحذفت الأولى-و هى نون الرفع-كراهة توالى الأمثال؛ فصار «هل تضربانّ‏ (1) » .

و كذلك يعرب الفعل المضارع إذا فصل بينه و بين نون التوكيد واو جمع أو ياء مخاطبة، نحو «هل تضربنّ يا زيدون» و «هل تضربنّ يا هند» و أصل «تضربنّ» تضربوننّ، فحذفت النون الأولى لتوالى الأمثال، كما سبق، فصار تضربونّ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصار تضربنّ، و كذلك «تضربنّ» أصله تضربيننّ؛ ففعل به ما فعل بتضربوننّ.

و هذا هو المراد بقوله: «و أعربوا مضارعا إن عريا من نون توكيد مباشر» فشرط فى إعرابه أن يعرى من ذلك، و مفهومه أنه إذا لم يعر منه يكون مبنيا.

فعلم أن مذهبه أن الفعل المضارع لا يبنى إلا إذا باشرته نون التوكيد، نحو «هل تضربنّ يا زيد» فإن لم تباشره أعرب، و هذا هو مذهب الجمهور.

و ذهب الأخفش إلى أنه مبنىّ مع نون التوكيد، سواء اتصلت به نون التوكيد أو لم تتصل، و نقل عن بعضهم أنه معرب و إن اتصلت به نون التوكيد.

و مثال ما اتصلت به نون الإناث «الهندات يضربن» و الفعل معها مبنىّ على السكون، و نقل المصنف-رحمه اللّه تعالى!-فى بعض كتبه أنه لا خلاف فى

____________

ق-بحذف الياء التى هى عين الفعل تخلصا من التقاء الساكنين-و هما الياء و آخر الفعل- ثم يكسر آخر الفعل تخلصا من التقاء ساكنين آخرين هما آخر الفعل و لام التعريف التى فى أول «الفقير» لأن ألف الوصل لا يعتد بها، اذ هى غير منطوق بها، فلما وجدناه لم يحذف الياء علمنا أنه قد حذف نون التوكيد و هو ينوبها.

(1) أى: بعد أن حرك نون التوكيد بالكسر بعد أن كانت مفتوحة، فرقا بينها و بين نون التوكيد التى تتصل بالفعل المسند لواحد، فى اللفظ، فإن ألف الاثنين تظهر فى النطق كحركة مشبعة، فلو لم تكسر النون فى المثنى التبس المسند للاثنين فى اللفظ بالمسند إلى المفرد.

40

بناء الفعل المضارع مع نون الإناث، و ليس كذلك، بل الخلاف موجود، و ممن نقله الأستاذ أبو الحسن بن عصفور فى شرح الإيضاح‏ (1) .

***

الحروف كلها مبنية

و كلّ حرف مستحقّ للبنا # و الأصل فى المبنىّ أن يسكّنا (2)

و منه ذو فتح، و ذو كسر، و ضم # كأين أمس حيث، و الساكن كم‏ (3)

الحروف كلها مبنية؛ إذ لا يعتورها ما تفتقر فى دلالتها عليه إلى إعراب، نحو «أخذت من الدّراهم» فالتيعيض مستفاد من لفظ «من» بدون الإعراب.

و الأصل فى البناء أن يكون على السكون؛ لأنه أخف من الحركة، و لا يحرّك المبنىّ إلا لسبب كالتخلّص من التقاء الساكنين، و قد تكون الحركة فتحة، كأين و قام و إنّ، و قد تكون كسرة، كأمس و جير، و قد تكون ضمة، كحيث، و هو اسم، و «منذ» و هو حرف‏[إذا جررت به‏]، و أما السكون فنحو «كم، و اضرب، و أجل» .

____________

(1) ممن قال بإعرابه السهيلى و ابن درستويه و ابن طلحة، و رأيهم أنه معرب بإعراب مقدر منع من ظهوره شبهه بالماضى فى صيرورة النون جزءا منه؛ فتقول فى نحو (و الوالدات يرضعن) : يرضعن فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع ظهورها شبه يرضعن بأرضعن فى أن النون قد صارت فيه جزءا منه.

(2) «كل» مبتدأ، و كل مضاف و «حرف» مضاف إليه «مستحق» خبر المبتدأ «للبنا» جار و مجرور متعلق بمستحق «و الأصل» مبتدأ «فى المبنى» جار و مجرور متعلق بالأصل «أن» مصدرية «يسكنا» فعل مضارع مبنى للمجهول منصوب بأن، و الالف للاطلاق، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المبنى، و أن و ما دخلت عليه فى تأويل مصدر خبر المبتدأ، و التقدير: و الأصل فى المبنى تسكينه، و المراد كونه ساكنا.

(3) «و منه» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم «ذو» مبتدأ مؤخر، مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، و ذو مضاف و «فتح» مضاف إليه «و ذو» معطوف على ذو السابق «كسر» مضاف إليه «و ضم» معطوف على كسر بتقدير مضاف: أى و ذو ضم «كأين» متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف «أمس، حيث» معطوفان على أين بحرف عطف محذوف «و الساكن الواو عاطفة أو للاستئناف، الساكن: مبتدأ «كم» خبره، و يجوز العكس.

41

و علم مما مثلنا به أن البناء على الكسر و الضم لا يكون فى الفعل، بل فى الاسم و الحرف، و أن البناء على الفتح أو السكون: يكون فى الاسم، و الفعل، و الحرف‏ (1) .

***

أنواع الإعراب، و ما يختص بنوع منها، و ما يشترك فيه النوعان‏

و الرّفع و النّصب اجعلن إعرابا # لاسم و فعل، نحو: لن أهابا (2)

و الاسم قد خصّص بالجرّ، كما # قد خصّص الفعل بأن ينجزما (3)

____________

(1) ذكر الناظم و الشارح أن من المبنيات ما يكون بناؤه على السكون، و منه ما يكون بناؤه على حركة من الحركات الثلاث. و اعلم أنه ينوب عن السكون فى البناء الحذف، و الحذف يقع فى موضعين: الأول الأمر المعتل الآخر، نحو: اغز و ارم و اسع، و الثانى: الأمر المسند إلى ألف اثنين أو واو جماعة أو ياء مخاطبة، نحو اكتبا و اكتبوا و اكتبى، و أنه ينوب عن الفتح فى البناء شيآن: أولهما الكسر، و ذلك فى جمع المؤنث السالم إذا وقع اسما للا النافية للجنس، نحو لا مسلمات، و ثانيهما الياء و ذلك فى جمع المذكر السالم و المثنى إذا وقع أحدهما اسما للا النافية للجنس أيضا، نحو: لا مسلمين، و أنه ينوب عن الضم فى البناء شيآن: أحدهما الألف و ذلك فى المثنى إذا وقع منادى نحو: يا زيدان، و ثانيهما الواو، و ذلك فى جمع المذكر السالم إذا وقع منادى أيضا، نحو: يا زيدون.

(2) «و الرفع» مفعول به أول لاجعلن مقدم عليه «و النصب» معطوف عليه «اجعلن» فعل أمر مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «إعرابا» مفعول ثان لاجعلن «لاسم» جار و مجرور متعلق بإعرابا «و فعل» معطوف على اسم «نحو» خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: و ذلك نحو «لن» حرف نفى و نصب و استقبال «أهابا» فعل مضارع منصوب بلن، و الألف للاطلاق، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و نحو مضاف و جملة الفعل و الفاعل فى قوة مفرد مضاف إليه.

(3) «و الاسم» مبتدأ «قد» حرف تحقيق «خصص» فعل ماض، مبنى للمجهول و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوزا تقديره هو يعود إلى الاسم، و الجملة فى محل رفع-

42

فارفع بضمّ، و انصبن فتحا، و جر # كسرا: كذكر اللّه عبده يسر (1)

و اجزم بتسكين، و غير ما ذكر # ينوب، نحو: جا أخوبنى نمر (2)

____________

ق-خبر المبتدأ «بالجر» جار و مجرور متعلق بخصص «كما» الكاف حرف جر، و ما:

مصدرية «قد» حرف تحقيق «خصص» فعل ماض مبنى للمجهول «الفعل» نائب فاعله، و ما مع مدخولها فى تأويل مصدر مجرور بالكاف: أى ككون الفعل مخصصا «بأن» الباء حرف جر، و أن حرف مصدري و نصب «ينجزما» فعل مضارع منصوب بأن، و الألف للاطلاق، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، و أن و مدخولها فى تأويل مصدر مجرور بالباء: أى بالانجزام، و الجار و المجرور متعلق بخصص.

(1) «فارفع» فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بضم» جار و مجرور متعلق بارفع «و انصبن» الواو عاطفة، انصب: فعل أمر مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و هو معطوف على ارفع «فتحا» منصوب على نزع الخافض أى بفتح «و جر» الواو عاطفة، جر: فعل أمر معطوف على ارفع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «كسرا» مثل قوله فتحا منصوب على نزع الخافض «كذكر اللّه عبده يسر» الكاف حرف جر و مجروره محذوف، و الجار و المجرور خبر لمبتدأ محذوف و التقدير: و ذلك كائن كقولك، و ذكر: مبتدأ، و ذكر مضاف و لفظ الجلالة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، و عبد: مفعول به لذكر منصوب بالفتحة الظاهرة، و عبد مضاف و الضمير مضاف إليه، و يسر: فعل مضارع، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذكر، و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ.

(2) «و اجزم» الواو عاطفة، اجزم: فعل أمر معطوف على ارفع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بتسكين» جار و مجرور متعلق باجزم «و غير» الواو للاستئناف، غير: مبتدأ، و غير مضاف و «ما» اسم موصول مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جر «ذكر» فعل ماض مبنى للمجهول، و نائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، و الجملة لا محل لها من الإعراب صلة «ينوب» فعل مضارع، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى غير. و الجملة فى محل رفع خبر المبتدأ «نحو» خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك نحو «جا» فعل ماض قصر للضرورة «أحو» فاعل مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، و أخو مضاف و «بنى» مضاف إليه-

43

أنواع الإعراب أربعة: الرفع، و النصب، و الجر، و الجزم؛ فأما الرفع و النصب فيشترك فيهما الأسماء و الأفعال نحو «زيد يقوم، و إنّ زيدا لن يقوم» و أما الجر فيختص بالأسماء، نحو «بزيد» و أما الجزم فيختص بالأفعال، نحو «لم يضرب» .

و الرفع يكون بالضمة، و النصب يكون بالفتحة، و الجر يكون بالكسرة، و الجزم يكون بالسكون، و ما عدا ذلك يكون نائبا عنه، كما نابت الواو عن الضمة فى «أخو» و الياء عن الكسرة فى «بنى» من قوله: «جا أخو بنى نمر» و سيذكر بعد هذا مواضع النيابة.

***

إعراب الأسماء الستة، و ما فيها من اللغات‏

و ارفع بواو، و انصبنّ بالألف، # و اجرر بياء-ما من الأسما أصف‏ (1)

شرع فى بيان ما يعرب بالنيابة عمّا سبق ذكره، و المراد بالأسماء التى سيصفها

____________

ق-مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، و بنى مضاف و «نمر» مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، و سكن لأجل الوقف، و الجملة من الفعل و فاعله فى قوة مفرد مجرور بإضافة نحو إليه.

(1) «و ارفع» الواو للاستئناف، ارفع فعل أمر، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت «بواو» متعلق بارفع «و انصبن» الواو عاطفة، انصب: فعل أمر مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و هو معطوف على ارفع «بالألف» جار و مجرور متعلق بانصب «و اجرر» الواو عاطفة، اجرر: فعل أمر مبنى على السكون، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و هو معطوف على ارفع «بياء» جار و مجرور متعلق باجرر «ما» اسم موصول تنازعه الأفعال الثلاثة «من الأسما» جار و مجرور متعلق بأصف الآتى، أو بمحذوف حال من ما الموصولة «أصف» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و العائد ضمير محذوف منصوب المحل بأصف، أى:

الذى أصفه.

44

الأسماء الستة، و هى أب، و أخ، و حم، و هن، و فوه، و ذو مال؛ فهذه ترفع بالواو نحو «جاء أبو زيد» و تنصب بالألف نحو «رأيت أباه» و تجر بالياء نحو «مررت بأبيه» و المشهور أنها معربة بالحروف؛ فالواو نائبة عن الضمة، و الألف نائبة عن الفتحة، و الياء نائبة عن الكسرة، و هذا هو الذى أشار إليه المصنف بقوله: «و ارفع بواو-إلى آخر البيت» ، و الصحيح أنها معربة بحركات مقدّرة على الواو و الألف و الياء؛ فالرفع بضمة مقدرة على الواو، و النصب بفتحة مقدرة على الألف، و الجر بكسرة مقدرة على الياء؛ فعلى هذا المذهب الصحيح لم ينب شى‏ء عن شى‏ء مما سبق ذكره‏ (1) .

____________

(1) فى هذه المسألة أفوال كثيرة، و أشهر هذه الأقوال ثلاثة، الأول: أنها معربة من مكان واحد، و الواو و الألف و الياء هى حروف الإعراب، و هذا رأى جمهور البصريين و إليه ذهب أبو الحسن الأخفش فى أحد قوليه، و هو الذى ذكره الناظم هنا و مال إليه.

و الثانى: أنها معربة من مكان واحد أيضا، و إعرابها بحركات مقدرة على الواو و الألف و الياء، فإذا قلت «جاء أبوك» فأبوك: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، و هذا مذهب سيبويه، و هو الذى ذكره الشارح و زعم أنه الصحيح، و رجحه الناظم فى كتابه التسهيل، و نسبه جماعة من المتأخرين إلى جمهور البصريين، و الصحيح أن مذهب هؤلاء هو الذى قدمنا ذكره، قال أتباع سيبويه: إن الأصل فى الإعراب أن يكون بحركات ظاهرة أو مقدرة فمتى أمكن هذا الأصل لم يجز العدول عنه إلى الفروع، و قد أمكن أن نجعل الإعراب بحركات مقدرة، فيجب المصير إليه، و القول الثالث: قول جمهور الكوفيين، و حاصله أنها معربة من مكانين، . قالوا: إن الحركات تكون إعرابا لهذه الأسماء فى حال إفرادها: أى قطعها عن الإضافة، فتقول: هذا أب لك و قد رأيت أخا لك، و مررت بحم، فإذا قلت فى حال الإضافة، «هذا أبوك» فالضمة باقية على ما كانت عليه فى حال الإفراد، فوجب أن تكون علامة إعراب، لأن الحركة التى تكون علامة إعراب للمفرد فى حالة إفراده هى بعينها التى تكون علامة لإعرابه فى حال إضافته، ألا ترى أنك تقول «هذا غلام» فإذا قلت «هذا غلامك» لم يتغير الحال؟فكذا هنا. و كذا الواو و الألف و الياء بعد هذه الحركات فى حال إضافة الأسماء الستة تجرى مجرى الحركات فى كونها إعرايا، بدليل أنها تتغير فى حال الرفع-

45

من ذاك «ذو» : إن صحبة أبانا # و الفم، حيث الميم منه بانا (1)

أى: من الأسماء التى ترفع بالواو، و تنصب بالألف، و تجرّ بالياء-ذو، و فم، و لكن يشترط فى «ذو» أن تكون بمعنى صاحب، نحو «جاءنى ذو مال» أى: صاحب مال، و هو المراد بقوله: «إن صحبة أبانا» أى: إن أفهم صحبة، و احترز بذلك عن «ذو» الطائية؛ فإنها لا تفهم صحبة، بل هى بمعنى الذى؛ فلا تكون مثل «ذى» بمعنى صاحب، بل تكون مبنيّة، و آخرها الواو رفعا، و نصبا، و جرا، و نحو «جاءنى ذو قام، و رأيت ذو قام، و مررت بذو قام» ؛ و منه قوله:

(4) -

فإمّا كرام موسرون لقيتهم # فحسبى من ذو عندهم ما كفانيا

____________

ق-و النصب و الجر، فدل ذلك على أن الضمة و الواو جميعا علامة للرفع، و الفتحة و الألف جميعا علامة للنصب، و الكسرة و الياء جميعا علامه للجر، و إنما ألجأ العرب إلى ذلك قلة حروف هذه الأسماء، فرفدوها-فى حال الإضافة التى هى من خصائص الاسم- بحروف زائدة، تكثيرا لحروفها.

(1) «من ذاك» من ذا: جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و الكاف حرف خطاب «ذو» مبتدأ مؤخر «إن» حرف شرط «صحبة» مفعول به مقدم لأبان «أبانا» أبان: فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذو، و ألفه للاطلاق و هو فعل شرط مبنى على الفتح فى محل جزم، و الجواب محذوف، و التقدير: إن أبان ذو صحبة فارفعه بالواو «و الفم» معطوف على ذو «حيث» ظرف مكان «الميم» مبتدأ «منه» جار و مجرور متعلق ببان «بانا» فعل ماض بمعنى انفصل، مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الميم، و ألفه للاطلاق و جملته فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو قوله الميم، و جملة المبتدأ و خبره فى محل جر بإضافة «حيث» إليها.

(4) -هذا بيت من الطويل، و هو من كلام منظور بن سحيم الفقعسى، و قد-

غ

46

...

____________

قاستشهد به ابن هشام فى أوضح المسالك (ش 7) فى مبحث الأسماء الخمسة، و فى باب الموصول، كما فعل الشارح هنا، و استشهد به الأشمونى (ش 155) مرتين أيضا.

و قبل البيت المستشهد به قوله:

و لست بهاج فى القرى أهل منزل # على زادهم أبكى و أبكى البواكيا

فإمّا كرام موسرون لقيتهم # فحسبى من ذو عندهم... البيت

و إما كرام معسرون عذرتهم # و إما لئام فادّخرت حيائيا

و عرضى أبقى ما ادّخرت ذخيرة # و بطنى أطويه كطىّ ردائيا

اللغة: «هاج» اسم فاعل من الهجاء، و هو الذم و القدح، تقول: هجاه يهجوه هجوا و هجاء «القرى» -بكسر القاف مقصورا-إكرام الضيف، و «فى» هنا دالة على السببية و التعليل، مثلها فى قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «دخلت امرأة النار فى هرة» أى بسبب هرة و من أجل ما صنعته معها، يريد أنه لن يهجو أحدا و لن يذمه و يقدح فيه بسبب القرى على أية حال، و ذلك لأن الناس على ثلاثة أنواع: النوع الأول كرام موسرون، و النوع الثانى كرام معسرون غير واجدين ما يقدمونه لضيفانهم، و النوع الثالث لئام بهم شح و بخل و ضنانة، و قد ذكر هؤلاء الأنواع الثلاثة، و ذكر مع كل واحد حاله بالنسبة له «كرام» جمع كريم، و أراد الطيب العنصر الشريف الآباء، و قابلهم باللئام «موسرون» ذوو ميسرة و غنى، و عندهم ما يقدمونه للضيفان «معسرون» ذوو عسرة و ضيق لا يجدون ما يقدمونه مع كرم نفوسهم و طيب عنصرهم.

الإعراب: «إما» حرف شرط و تفصيل، مبنى على السكون لا محل له من الإعراب «كرام» فاعل بفعل محذوف يفسره السياق، و تقدير الكلام:

إما لقينى كرام، و نحو ذلك، مرفوع بذلك الفعل المحذوف، و علامة رفعه الضمة الظاهرة «موسرون» نعت لكرام، و نعت المرفوع مرفوع، و علامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، و النون عوض عن التنوين فى الاسم المفرد «لقيتهم» لقى: فعل ماض مبنى على فتح مقدر لا محل له من الإعراب، و التاء ضمير المتكلم فاعل لقى، مبنى على الضم فى محل رفع، و ضمير الغائبين العائد إلى كرام مفعول به مبنى على السكون فى محل نصب. و جملة الفعل الماضى و فاعله-

47

...

____________

قو مفعوله لا محل لها من الإعراب تفسيرية «فحسبى» الفاء واقعة فى جواب الشرط، حرف مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب، حسب: اسم بمعنى كاف خبر مقدم، و هو مضاف و ياء المتكلم مضاف إليه، مبنى على الفتح فى محل جر «من» حرف جر مبنى على السكون لا محل له «ذو» اسم موصول بمعنى الذى مبنى على السكون فى محل جر بمن، و إن رويت «ذى» فهو مجرور بمن، و علامة جره الياء نيابة عن الكسرة، و الجار و المجرور متعلق بحسب «عندهم» عند: ظرف متعلق بمحذوف يقع صلة للموصول الذى هو ذو بمعنى الذى، و عند مضاف و ضمير الغائبين مضاف إليه، مبنى على السكون فى محل جر «ما» اسم موصول بمعنى الذى مبتدأ مؤخر مبنى على السكون فى محل رفع «كفانيا» كفى: فعل ماض مبنى على فتح مقدر على الألف منع من ظهوره التعذر، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الاسم الموصول الذى هو ما، و النون للوقاية، و ياء المتكلم مفعول به مبنى على الفتح فى محل نصب، و الألف للاطلاق، و جملة كفى و فاعله و مفعوله لا محل صلة ما.

الشاهد فيه: قوله «فحسبى من ذو عندهم» فإن «ذو» فى هذه العبارة اسم موصول بمعنى الذى، و قد رويت هذه الكلمة بروايتين؛ فمن العلماء من روى «فحسبى من ذى عندهم» بالياء، و استدل بهذه الرواية على أن «ذا» الموصولة تعامل معامل «ذى» التى بمعنى صاحب و التى هى من الأسماء الخمسة، فترفع بالواو، و تنصب بالألف، و تجر بالياء كما فى هذه العبارة على هذه الرواية، و معنى ذلك أنها معربة و يتغير آخرها بتغير التراكيب.

و من العلماء من روى «فحسبى من ذو عندهم» بالواو، و استدل بها على أن «ذو» التى هى اسم موصول مبنية، و أنها تجى‏ء بالواو فى حالة الرفع و فى حالة النصب و فى حالة الجر جميعا و هذا الوجه هو الراجح عند النحاة؛ و سيذكر الشارح هذا البيت مرة أخرى فى باب الموصول، و ينبه على الروايتين جميعا، و على أن رواية الواو تدل على البناء و رواية الياء تدل على الإعراب، لكن على رواية الياء يكون الإعراب فيها بالحروف نيابة عن الحركات على الراجح، و على رواية الواو تكون الكلمة فيها مبنية على السكون، فاعرف ذلك و لا تنسه.

قال ابن منظور فى لسان العرب: «و أما قول الشاعر:

*فإنّ بيت تميم ذو سمعت به*

-

48

و كذلك يشترط فى إعراب الفم بهذه الأحرف زوال الميم منه، نحو «هذا فوه، و رأيت فاه، و نظرت إلى فيه» ؛ و إليه أشار بقوله: «و الفم حيث الميم منه بانا» أى: انفصلت منه الميم، أى زالت منه؛ فإن لم تزل منه أعرب بالحركات، نحو «هذا فم، و رأيت فما، و نظرت إلى فم» .

***

أب، أخ، حم-كذاك، و هن # و النّقص فى هذا الأخير أحسن‏ (1)

و فى أب و تالييه يندر # و قصرها من نقصهنّ أشهر (2)

يعنى أن «أبا، و أخا، و حما» تجرى مجرى «ذو، و فم» اللّذين سبق ذكرهما؛

____________

ق-فإن «ذو» هنا بمعنى الذى، و لا يكون فى الرفع و النصب و الجر إلا على لفظ واحد، و ليست بالصفة التى تعرب نحو قولك: مررت برجل ذى مال، و هو ذو مال، و رأيت رجلا ذا مال، و تقول: رأيت ذو جاءك، و ذو جاءاك، و ذو جاءوك، و ذو جاءتك، و ذو جئنك، بلفظ واحد للمذكر و المؤنث، و من أمثال العرب: أتى عليه ذو أتى على الناس، أى الذى أتى عليهم، قال أبو منصور: و هى لغة طيى‏ء، و ذو بمعنى الذى» اهـ.

و فى البيت الذى أنشده فى صدر كلامه شاهد كالذى معنا على أن «ذو التى بمعنى الذى تكون بالواو و لو كان موضعها جرا أو نصبا؛ فإن قول الشاعر «ذو سمعت به» نعت لبيت تميم المنصوب على أنه اسم إن، و لو كانت «ذو» معربة لقال: فإن بيت تميم ذا سمعت به، فلما جاء بها بالواو فى حال النصب علمنا أنه يراها مبنية، و بناؤها كما علمت على السكون‏

(1) «أب» مبتدأ «أخ حم» معطوفان على أب مع حذف حرف العطف «كذاك» جار و مجرور متعلق بمحذوف خبر تنازعه كل من أب و ما عطف عليه «و هن» الواو عاطفة، هن: مبتدأ، و خبره محذوف، أى: و هن كذاك «و النقص» مبتدأ «فى هذا» جار و مجرور متعلق بالنقص، أو بأحسن «الأخير» بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة أو هو نعت له «أحسن» خبر المبتدأ.

(2) «و فى أب» جار و مجرور متعلق بيندر الآتى «و تالييه» معطوف على أب «يندر» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النقص «و قصرها» الواو عاطفة، قصر: مبتدأ، و قصر مضاف و الضمير مضاف إليه «من نقصهن» من نقص: جار و مجرور متعلق بأشهر. و نقص مضاف و الضمير مضاف إليه «أشهر» خبر المبتدأ.

49

فترفع بالواو، و تنصب بالألف، و تجرّ بالياء، نحو «هذا أبوه و أخوه و حموها، و رأيت أباه و أخاه و حماها، و مررت بأبيه و أخيه و حميها» و هذه هى اللغة المشهورة فى هذه الثلاثة، و سيذكر المصنف فى هذه الثلاثة لغتين أخريين.

و أما «هن» فالفصيح فيه أن يعرب بالحركات الظاهرة على النون، و لا يكون فى آخره حرف علة، نحو «هذا هن زيد، و رأيت هن زيد، و مررت بهن زيد (1) » و إليه أشار بقوله: «و النقص فى هذا الأخير أحسن» أى: النقص فى «هن» أحسن من الإتمام، و الإتمام جائز لكنه قليل جدا، نحو «هذا هنوه، و رأيت هناه، و نظرت إلى هنيه» و أنكر الفرّاء جواز إتمامه، و هو مححوج بحكاية سيبويه الإتمام عن العرب، و من حفظ حجّة على من لم يحفظ.

و أشار المصنف بقوله: «و فى أب و نالييه يندر-إلى آخر البيت» إلى اللغتين الباقيتين فى «أب» و تالييه-و هما «أخ، و حم» -فإحدى اللغتين النّقص، و هو حذف الواو و الألف و الياء، و الإعراب بالحركات الظاهرة على الباء و الخاء و الميم، نحو «هذا أبه و أخه و حمها، و رأيت أبه و أخه و حمها، و مررت بأبه و أخه و حمها» و عليه قوله:

____________

(1) و من ذلك قوله عليه الصلاة و السّلام: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، و لا تكنوا» و تعزى بعزاء الجاهلية معناه دعا بدعائها فقال: يا لفلان، و يا لفلان، و الغرض أنه يدعو إلى العصبية القبلية التى جهد النبى صلّى اللّه عليه و سلّم جهده فى محوها. و معنى «أعضوه بهن أبيه» قولوا له: عض أير أبيك، و معنى «و لا تكنوا» قولوا له ذلك بلفظ صريح، مبالغة فى التشنيع عليه، و محل الاستشهاد قوله صلوات اللّه عليه: «بهن أبيه» حيث جر لفظ الهن بالكسرة الظاهرة، و من ذلك قولهم فى المثل: «من يطل هن أبيه ينتطق به» يريدون من كثر إخوته اشتدبهم ظهره و قوى بهم عزه (و انظره فى مجمع الأمثال رقم 4015 فى 2/300 بتحقيقنا)

50

(5) -

بأبه اقتدى عدىّ فى الكرم # و من يشابه أبه فما ظلم‏

و هذه اللغة نادرة فى «أب» و تالييه، و لهذا قال: «و فى أب و تالييه يندر» أى: يندر النقص، و اللغة الأخرى فى «أب» و تاليه أن يكون بالألف: رفعا، و نصبا، و جرا، و نحو «هذا أباه و أخاه و حماها، و رأيت أباه و أخاه و حماها، و مررت بأباه و أخاه و حماها، و عليه قول الشاعر:

____________

(5) -ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج، من كلمة يزعمون أنه مدح فيها عدى بن حاتم الطائى، و قبله قوله:

أنت الحليم و الأمير المنتقم # تصدع بالحقّ و تنفى من ظلم‏

اللغة: «عدى» أراد به عدى بن حاتم الطائى الجواد المشهور «اقتدى» يريد أنه جعله لنفسه قدوة فسار على نهج سيرته «فما ظلم» يريد أنه لم يظلم أمه؛ لأنه جاء على مثال أبيه الذى ينسب إليه، و ذلك لأنه لو جاء مخالفا لما عليه أبوه من السمت أو الشبه أو من الخلق و الصفات لنسبه الناس إلى غيره، فكان فى ذلك ظلم لأمه و اتهام لها (انظر مجمع الأمثال رقم 4020 فى 2/300 بتحقيقنا) .

الإعراب: «بأبه» الجار و المجرور متعلق باقتدى، و أب مضاف و الضمير مضاف إليه «اقتدى عدى» فعل ماض و فاعله «فى الكرم» جار و مجرور بالكسرة الظاهرة متعلق بافتدى أيضا، و سكن المجرور للوقف «و من» اسم شرط مبتدأ «يشابه» فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من «أبه» مفعول به ليشابه، و مضاف إليه «فما» الفاء واقعة فى جواب الشرط، و ما: نافية «ظلم» فعل ماض، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، و الجملة فى محل جزم جواب الشرط، و جملة الشرط و جوابه فى محل رفع خبر المبتدأ الذى هو اسم الشرط، و هذا أحد ثلاثة أقوال، و هو الذى نرجحه من بينها، و إن رجح كثير من النحاة غيره.

الشاهد فيه: قوله «بأبه-يشابه أبه» حيث جر الأول بالكسرة الظاهرة، و نصب الثانى بالفتحة الظاهرة. و هذا يدل على أن قوما من العرب يعربون هذا الاسم بالحركات الظاهرة على أواخره، و لا يجتلبون لها حروف العلة لتكون علامة إعراب.

51

(6) -

إنّ أباها و أبا أباها # قد بلغا فى المجد غايتاها

____________

(6) -نسب العينى و السيد المرتضى فى شرح القاموس هذا البيت لأبى النجم العجلى، و نسبه الجوهرى لرؤبة بن العجاج، و ذكر العينى أن أبا زيد نسبه فى نوادره لبعض أهل اليمن. و قد بحثت النوادر فلم أحد فيها هذا البيت، و لكنى وجدت أبا زيد أنشد فيها عن أبى الغول لبعض أهل اليمن:

أىّ قلوص راكب تراها # طاروا عليهنّ فشل علاها

و اشدد بمثنى حقب حقواها # ناجية و ناجيا أباها

و فى هذه الأبيات شاهد للمسألة التى معنا، و قافيتها هى قافية بيت الشاهد، و من هنا وقع السهو للعينى، فأما الشاهد فى هذه الأبيات ففى قوله: «و ناجيا أباها» فإن «أباها» فاعل بقوله: «ناجيا» و هذا الفاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و هذه لغة القصر، و لو جاء به على لغة التمام لقال: «و ناجيا أبوها» .

الإعراب: «إن» حرف توكيد و نصب «أباها» أبا: اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على الألف، و يحتمل أن يكون منصوبا بالألف نيابة عن الفتحة كما هو المشهور، و أبا مضاف و الضمير مضاف إليه «و أبا» معطوف على اسم إن، و أبا مضاف و أبا من «أباها» مضاف إليه، و هو مضاف و الضمير مضاف إليه «قد» حرف تحقيق «بلغا» فعل ماض، و ألف الاثنين فاعله، و الجملة فى محل رفع خبر إن «فى المجد» جار و مجرور متعلق بالفعل قبله و هو بلغ «غايتاها» مفعول به لبلغ على لغة من يلزم المثنى الألف، أى منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و غايتا مضاف و ضمير الغائبة مضاف إليه، و هذا الضمير عائد على المجد، و إنما جاء به مؤنثا و من حقه التذكير لأنه اعتبر المحد صفة أو رتبة، و المراد بالغايتين المبدأ و النهاية، أو نهاية مجد النسب و نهاية مجد الحسب، و هذا الأخير أحسن.

الشاهد فيه: الذى يتعين الاستشهاد به فى هذا البيت لما ذكر الشارح هو قوله:

«أباها» الثالثة لأن الأولى و الثانية يحتملان الإجراء على اللغة المشهورة الصحيحة كما رأيت فى الإعراب؛ فيكون نصبهما بالألف، أما الثالثة فهى فى موضع الجر بإضافة-

52

فعلامة الرفع و النصب و الجرّ حركة مقدّرة على الألف كما تقدّر فى المقصور، و هذه اللغة أشهر من النقص.

و حاصل ما ذكره أنّ فى «أب، و أخ، و حم» ثلاث لغات: أشهرها أن تكون بالواو و الألف و الياء، و الثانية أن تكون بالألف مطلقا (1) ، و الثالثة أن يحذف منها الأحرف الثلاثة، و هذا نادر، و أن فى «هن» لغتين: إحداهما النقص، و هو الأشهر، و الثانية الإتمام، و هو قليل.

***

شروط إعراب الأسماء الستة بالحروف‏

و شرط ذا الإعراب: أن يضفن لا # لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا (2)

____________

ق-ما قبلها إليها، و مع ذلك جاء بها بالألف، و الأرجح إجراء الأوليين كالثالثة؛ لأنه يبعد جدا أن يجى‏ء الشاعر بكلمة واحدة فى بيت واحد على لغتين مختلفتين.

(1) هذه لغة قوم بأعيانهم من العرب، و اشتهرت نسبتها إلى بنى الحارث و خثعم و زبيد، و كلهم ممن يلزمون المثنى الألف فى أحواله كلها، و قد تكلم بها فى الموضعين النبى صلى اللّه عليه و سلم، و ذلك فى قوله: «ما صنع أبا جهل؟» ، و قوله: «لا وتران فى ليلة» و على هذه اللغة قال الإمام أبو حنيفة رضى اللّه عنه: «لا قود فى مثقل و لو ضربه بأبا قبيس» و أبو قبيس: جبل معروف.

(2) «و شرط» الواو للاستئناف، شرط: مبتدأ، و شرط مضاف و «ذا» مضاف إليه «الإعراب» بدل أو عطف بيان أو نعت لذا «أن» حرف مصدرى و نصب «يضفن» فعل مضارع مبنى للمجهول و هو مبنى على السكون لاتصاله بنون النسوة فى محل نصب بأن، و أن مدخولها فى تأويل مصدر خبر المبتدأ، أى: شرط إعرابهن بالحروف كونهن مضافات، و «لا» حرف عطف «لليا» معطوف على محذوف، و التقدير: لكل اسم لا للياء «كجا» الكاف حرف جر، و مجروره محذوف و الجار و المجرور متعلق بمحذوف، خبر لمبتدأ محذوف، أى: و ذلك كائن كقولك، و جا: أصله جاء: فعل ماض «أخو» فاعل جاء، و أخو مضاف و أبى من «أبيك» مضاف إليه مجرور بالياء، و أبى مضاف و ضمير المخاطب مضاف إليه «ذا» حال منصوب-