البديع في علم العربية - ج1_2

- ابن الأثير الجزري المزيد...
717 /
307

-

308

المجلد الثانى‏

الباب الثالث عشر فى التّوابع‏

و هي خمسة:

وصف، و تأكيد، و بدل، و عطف بيان، و عطف بحرف.

و يشتمل الباب على مقدّمة، و خمسة أنواع.

المقدّمة:

اعلم أنّ/التابع إمّا أن يكون مكمّلا للأوّل، أو غير مكمّل له، فغير المكمّل:

هو المعطوف بالحرف، و المكمّل لا يخلو: أن يكون فى تقدير جملتين-و هو البدل-أو في تقدير جملة واحدة، فلا يخلو؛ أن يفيد فائدة المشتقّ، فيتضمّن الضمير-و هو الوصف-أو لا يفيد فائدة المشتقّ، و لا يخلو: أن يكون محصور الألفاظ-و هو التّأكيد-أو غير محصور-و هو عطف البيان، فهذه اقسام التّوابع، و سبب انقسمها، و سنذكر حكم كلّ واحد منها مفردا.

و هذه الخمسة تتبع ما تسند إليه فى إعرابه، و أحكامه، لفظا، أو موضعا، و هي-في عواملها-على ضربين:

ضرب عامله‏[عامل‏] (1) متبوعة، عند سيبويه، و هو (2) الوصف‏ (3)

____________

(1) تتمّة يلتئيم بمثلها الكلام.

(2) في الأصل: و هي، و المناسب ما أثبتّه؛ بدليل نظيره الآتي في قوله: و هو البدلى... الخ.

(3) الكتاب 1/422، 2/58-59.

309

و التأكيد (1) ، و عطف البيان‏ (2) و ضرب عامله غير عامل متبوعه، و هو: البدل و العطف بالحرف.

و لا يجوز تقديم واحد منها علي متبوعه؛ للتّبعيّة، و التكميل، و الإيضاح.

النوع الأوّل: الوصف، و فيه ثلاثة فروع.

الفرع الأوّل:

في تعريفه، و هو: ما دلّ علي أحوال الذّات، أو بعضها، إيضاحا للمعارف، و تخصيصا للنكرات، و يرد فى الكلام على أربعة أضرب.

الأوّل: للتّخصيص مما يحتمله أمثاله، نحو: مررت بزيد الظريف، و برجل كاتب.

الثّاني: لمجرّد المدح و الثّناء، كالأوصاف الجارية علي اللّه سبحانه، (نحو) (3)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ *

الثّالث: لمجرّد الذم و التحقير، كقوله تعالي: فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ . (4)

و هذان الضربان لا يوجد فيهما اشتراك و إبهام يحتاج إلي إيضاح و تخصيص، و إنما هما علي سبيل المدح و الذّم.

الرّابع: لمجرّد التأكيد/كقوله تعالي: فَإِذََا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ نَفْخَةٌ وََاحِدَةٌ (5)

____________

(1) الكتاب 2/184.

(2) الكتاب 2/192-193.

(3) تتمّة يقتضيها الكلام.

(4) 98/النحل.

(5) 13/الحاقّة.

310

و قوله تعالي: وَ قََالَ اَللََّهُ لاََ تَتَّخِذُوا إِلََهَيْنِ اِثْنَيْنِ (1) فقوله: «نفخة» و «إلهين» يدلاّن على الوحدة؟و الاثنينيّة، و إنّما ذكرهما تأكيد (2) .

الفرع الثّانى:

فى تقسيمه، و هو على ضربين: أحدهما: أن يكون وصفا محضا خالصا فى الوصفيّة.

و الثّانى: أن يكون وصفا غير محض، و لا خالصا في الوصفيّة.

أمّا الضّرب الأول: فلا يخلو الوصف فيه: أن يكون بذكر معني فى الموصوف، أو فى شى‏ء من سببه غالبا؛ احترازا من «أفعل» (3) . و «مائة» و نحوها.

فالأوّل: يكون بالخلق، نحو: طويل، و قصير، و بالخلق، نحو: كريم، و بخيل، و بالعمل، نحو؛ ضارب، و راكب، و بالمصدر، نحو: عدل، و ضيف، و بالنّسب، نحو؛ مكّيّ، و مدنيّ، و بالجوهر، نحو: مررت برجل ذى مال.

و الثاني: يكون بما يتعلّق بالموصوف، من نسيب‏ (4) ، أو صديق، أو جار، أو ملك، و نحو ذلك، تقول: مررت برجل كريم أبوه، و عاقل صديقه، و صالح جاره، و حسنة داره، فكلّ صفة رفعت ضمير الموصوف، رفعت الذى

____________

(1) 51/النحل.

(2) فى إعراب القرآن لأبى جعفر النحاس 2/212: «قال أبو إسحاق فذكر اثنين توكيدا لإلهين، كما ذكر «واحدا» توكيدا فى قوله: «إنّما هو إله واحد» ، و قال غيره: التقدير: «لا تتّخذوا اثنين إلهين» و انظر مشكل إعراب القرآن 2/16.

(3) يعني إذا وقعا وصفين فى نحو: مررت برجل أفضل منه أبوه، و: أخذت منك إبلا مائة.

(4) النّسيب: المناسب، و الجمع نسباء، و أنسباء، أنظر: تاج العروس (نسب) .

311

هو من سببه، إلا «أفعل» ، فإن قلت: مررت برجل أفضل‏ (1) منه أبوه، رفعت «أفضل» بخبر المبتدأ الذي هو «أبوه» و منهم من أجاز: مررت برجل أفضل منه أبوه، فإذا قلت: مررت برجل عاقل أبوه، جاز أن ترفع «أبوه» بـ «عاقل» ، و «عاقل» صفة لرجل، و جاز أن ترفع «عاقلا» ، و تجعله خبر المبتدأ، الذي هو «أبوه» و الجملة صفة لـ «رجل» و الأوّل أولي، و أمّا: مررت بزيد الكريم أبوه، فيجوز أن ترفع «الأب» بـ «لكريم» ، و الهاء تعود إلى الألف و اللام، أو إلى مدلولهما، و يجوز أن ترفع «أبوه» بالابتداء، و «الكريم» خبره، و الجملة في موضع الحال من «زيد» و العائد إلى الألف و اللاّم مستكن.

و تقول: مررت برجل مخالط بدنه داء/و لك حذف التّنوين و الجرّ، و حكى سيبويه عن بعض النحويّين أنّه كان لا يجيز في «مخالط» إلا (2) النّصب، و ردّ هذا القول‏ (3) عليه.

الضّرب الثّانى: الوصف غير الخالص، هو ثلاثة أقسام: مفرد، و مضاف، و موصول.

أمّا المفرد: فكقولك: مررت بثوب سبع، و جبّة ذراع، و أخذت منك إبلا مائة، فإن قلت: مررت بثوب سبع طوله، و جبّة ذراع طولها، رفعت، على الابتداء

____________

(1) قال سيبويه في الكتاب 2/26-27: «... و ذلك قولك: مررت برجل خير منه أبوه... و زعم يونس أن ناسا من العرب يجرون كما يجرون: مررت برجل خز صفته. و مما يقويك في رفع هذا أنّك لا تقول:

مررت بخير منه أبوه... » ،

(2) فى الأصل: إلى.

(3) انظر: الكتاب 2/21.

312

و الخبر، قال سيبويه: و بعض العرب يجرّه، و هم‏ (1) قليل، تقول: مررت برجل أسد أبوه، إذا أردت أن تجعله شديدا، فإن قلت: مررت بدابّة أسد أبوها، رفعت؛ لأنّك إنّما تخبر أنّ أباها هذا السّبع، و إن أردت هذا المعنى فى الأناسيّ، رفعت، إلاّ أنّك لا تجعل خلقة أبيه كخلقة الأسد؛ لأنّ هذا لا يكون، و لكنّه يجي‏ء كالمثل.

و أمّا المضاف: فكقولك: مررت برجل أيّ رجل، و أيّما رجل، و كلّ رجل، و رجل رجل صدق، و برجل رجل سوء، و برجل مثلك، و غيرك.

فإن جعلت شيئا من هذه الصفات لشي‏ء من سبه، لم تصف به الأوّل، و رفعته، فتقول: مررت برجل مثلك أخوه، و رجل من سبه، لم تصف به الأوّل، و رفعته، فتقول: مررت برجل مثلك أخوه، و رجل أبو عشرة أبوه، و قد أجاز بعضهم‏ (2) وصف الأوّل به، و هو قليل.

و أمّا الموصول: فهو مشبّه‏ (3) بالمضاف، نحو قولك: مررت برجل أب لك، و صاحب لك، و أفضل منك. فإن علّقتها بشى‏ء من سببه، رفعت، فقلت:

مررت برجل أب لك‏ (4) أبوه، و صاحب لك أخوه، و أفضل منك ابنه، و الجرّ لغة، و ليست بالجيّدة (4) ، قال سيبويه: قول النحويّين: مررت برجل أسد شدّة و جرأة، إنّما يريدون: مثل الأسد، و هذا ضعيف قبيح؛ لأنّه لم يجعل صفة (5) ؛ و إنّما

____________

(1) انظر: الكتاب 2/28.

(2) انظر: الكتاب 2/24-30.

(3) قال ابن السّراج في الأصول 2/29: «و إنما أشبه المضاف؛ لأنّه لم يستعمل إلا مع صلته»

(4) الكتاب 2/26، 28، 29.

(5) الكتاب 1/434.

313

قالوه تشبيها بقولك: مررت بزيد أسدا/و قد يكون خبرا ما لا يكون صفة الفرع الثّالث: فى أحكامه:

الحكم الأوّل: لا يكون الوصف إلاّ من فعل، أو راجع إلى معنى الفعل؛ لافتقاره إلى تحمّل ضمير الموصوف.

فالأوّل: كاسم الفاعل، نحو: قائم و قاعد، و اسم المفعول، نحو:

مضروب، و مقتول، و الصّفة المشبّهة باسم الفاعل، نحو: حسن و قبيح، و الثّاني: كالنّسب، و الجمل، و «ذي» و «أيّ» لأنّها كلّها يقدّر لها تقدير يرجع إلى معني الفعل.

الحكم الثّاني: الوصف يتبع الموصوف في الإعراب، و الإفراد و التّثنية و الجمع، و التّعريف و التنكير، و التّأنيث و التّذكير، و له بهذا الاعتبار حالات:

الأولى: أن. يتبعه في هذه الأوصاف جميعها، نحو: رجل كريم، و رجلين كريمين، و رجال كرام، و زيد الكريم، و هند الكريمة.

فإن وصفت المميّز جاز لك الإفراد و الجمع، تقول: عندي عشرون رجلا صالحا، و صالحون، و صلحاء، و لا يجوز: صالحين علي أن تجعله صفة (1) «رجل» إلاّ فى قول، و إذا وصفته بجمع التكسير جاز فيه النّصب و الرّفع‏ (1) ، تقول: عشرون درهما جيادا (1) ، و جياد، و ينشد بيت عنترة (2) بهما:

فيها اثنتان و أربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الاسحم‏

____________

(1) انظر: الأصول 1/325.

(2) ديوانه 193 (المعلّقة) و قد كتبت كلمه «معا» فوق كلمة «سوادا» فى الأصل؛ إشارة إلى الرفع و النصب فى الوصف و أنّ البيت روي بهما.

و انظر: شرح المعلقات العشر للتبريزي 272 و الأصول 1/325 و المخصّص 7/36 و ابن يعيش 3/55 و 6/24 و الخزانة 7/390.

الحلوبة: المحلوبة، يستعمل فى الواحد و الجمع الخافية: اخر ريش الجناح مما يلي الظّهر، و الجمع: خواف. الأسحم: الأسود.

314

الثانية: أن يتبعه في الإعراب، و التعريف و التنكير، لا غير، و هو إذا كان الوصف بشى‏ء من سبب الموصوف، نحو: مررت بزيد الظريف أبوه، و برجل ظريف أخوه.

الثالثة: أن يوافقه في الجميع، ما عدا التأنيث و التذكير، و هو علي ثلاثة أضرب:

الأول: أن يكون مختصّا بالمذكّر نحو: رجل يفعة (1) ، و ربعة (2) .

الثاني: أن يكون مختصّا بالمؤنث، نحو: امرأة حائض، و طالق.

الثالث: أن يكون مشتركا بينهما، و هو نوعان: مقيس، و غير مقيس:

فالمقيس: ما كان علي «فعول» [بمعني فاعل‏] (3) نحو: رجل صبور، و امرأة شكور، أو فعيل بمعني «مفعول» /نحو: كفّ خضيب، و لحية دهين، أو ما دخلته التاء للمبالغة، نحو: راوية (4) ، و علاّمة.

و غير المقيس، نحو: أيّم، و ضامر و بادن‏ (5) .

الرابعة: أن يخالفه في الصّيغة، و هو نوعان:

أحدهما: أن يكون المذكّر علي «أفعل» ، و المؤنّث علي «فعلاء» فيختلفان في الإفراد و التثنه، و يتّفقان في الجمع، نحو: رجل أسود، و امرأة سوداء، و رجلين أسودين، و امرأتين سوداوين، و في الجمع لهما: سود و سودان و أساود.

____________

(1) يقال: غلام يفعة، بالتحريك، و هو المرتفع الذي أشرف على البلوغ.

(2) يقال: رجل ربعة، بالباء الساكنه، أي: مربوع الخلق، لا طويل قصير.

(3) سقط من الأصل.

(4) في الأصل: رواية.

(5) يقال: رجل بادن، أي: ضخم ذو بدانة، و يقال أيضا: امرأة بادن.

315

و الثّاني: أن يكون المذكّر على «فعلان» ، و المؤنّث علي «فعلى» نحو:

غضبان، و غضبي، و حكمه حكم الأوّل.

الخامسة: أن يخالفه في التنكير، فيكون الموصوف نكرة، و الوصف معرفة.

نحو: مررت برجل مثلك، و شبهك، و غيرك، و سواك، و برجل واحد أمّه، و عبد بطنه.

و إنما جاز وصف النكرة بهذه الألفاظ-و إن كنّ مضافات إلي المعارف- لتقديرك فيهنّ الانفصال، و أنهنّ لا يخصصن شيئا بعينه، و أجاز الأخفش‏ (1) أن قوله تعالى: فَآخَرََانِ يَقُومََانِ مَقََامَهُمََا مِنَ اَلَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْأَوْلَيََانِ (2) أن يكون «الأوليان» صفة «آخرين» ؛ لأنّه لمّا وصفه اختصّ.

و قد أجاز بعض الكوفّيين‏ (3) وصف النكرة بالمعرفة، فيما فيه معني مدح أو ذمّ، و تأوّل عليه قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . `اَلَّذِي جَمَعَ مََالاً وَ عَدَّدَهُ (4) ، و هذا، و أمثاله-عند البصريّين-على البدل‏ (5) ، و إضمار (6) فعل أو اسم‏ (7) .

____________

(1) انظر: معانى القرآن 1/266.

(2) 107/المائدة.

(3) انظر: المساعد علي تسهيل الفوائد 2/402.

(4) 1، 2 الهمزة.

(5) أي من «كل» فهو فى موضع جر.

(6) أي فهو فى موضع نصب و التقدير: أعني الذي.

(7) أي: هو الذي، فيكون موضعه الرفع. و انظر: إعراب القرآن لأبى جعفر النحاس 3/766 و البحر المحيط 8/510.

316

الحكم الثالث: الوصف لا يكون أخصّ من الموصوف، و قد يكون مثله؛ فيترتّب على ذلك أن لا يوصف مضمر، و لا يوصف بمضمر؛ لأنّ المضمر أعرف المعارف عند سيبويه‏ (1) فلم يعرض له اشتراك يحتاج أن يزال بالوصف؛ و لأنّ المضمر غير مشتّق، و لا يقارب المشتقّ. و قد أجاز بعضهم‏ (2) وصف المضمر الغائب، نحو: رأيته الظريف. و جوّز سيبويه:

قمت أنت‏ (3) /فجعل «أنت» وصفا للتاء (4) ، و هذا ليس على حد الصّفة بالمشتقّ، و إنّما هو علي حدّ التوكيد (5) و أمّا باقى المعارف فإنّها توصف.

أمّا الأعلام فلا يوصف بها، لأنّها غير مشتقّة، و لا مقاربة له، و ما جاء منها فإنّه يكون عطف بيان، و توصف بثلاث معارف؛ للاشتراك الحادث فيها:

أحدهما: المعرّف باللاّم، نحو: مررت بزيد الكريم.

الثّاني: المضاف إلي معرفة، نحو: مررت بزيد صاحبك، و صاحب عمرو. و صاحب الأمير.

____________

(1) لم أقف علي نصّ في الكتاب يحدّد مذهب سيبويه في ذلك، و قد نسب النحاة إلي سيبويه هذا الرأي، كما نسبوا إليه رأيا آخر في المسألة؛ إذ قال غير واحد: إنّ القوّل بأنّ العلم أعرف المعارف منسوب إلى سيبويه أيضا. و انظر فى المسألة حاشية المقتضب 4/281 و التبصرة للصيمريّ 32 ففي الموضعين فضل بيان لمن أراد.

(2) هو الكسائيّ كما فى الهمع 5/176.

(3) الكتاب 2/378، 379، 381، 382.

(4) في الأصل: للتاء و الكاف، هذا و لم يسبق له التمثيل إلا بقوله: قمت أنت، و قد ورد في سيبويه: مررت بك أنت....

(5) قال سيبويه في الكتاب 2/385: «... و ليس وصفا بمنزلة الطويل، إذا قلت: مررت بزيد الطويل، و لكنّه بمنزلة نفسه، إذا قلت: مررت بزيد نفسه... و لست تريد أن تحلّيه بصفة... » .

317

و الثالث: بأسماء الإشارة، عند سيبويه‏ (1) ؛ لأنّ العلم عنده، أعرف من الإشارة، نحو: مررت بزيد هذا.

و أمّا المعرّف باللاّم: فإنّه يوصف بمثله في التعريف‏ (2) ، و بالمضاف إلي مثله‏ (2) ، نحو: مررت بالرّجل الكريم، و بالرّجل صاحب الفرس، و منهم من يجيزه‏ (3) في المضاف إلى ما لا فيه الألف و اللاّم.

و أمّا المبهم: فيوصف بالمعرّف باللاّم، اسما، و صفة، نحو: مررت بهذا الرّجل-و هو الأكثر الأحسن-و بهذا الظريف، و هو الأقلّ الأقبح، و كأنه من إقامة الصفة مقام الموصوف، تقديره: بهذا الرجل الظّريف.

فإن قلت: مررت بهذا العاقل، أو الكاتب، كان بينهما في الحسن؛ لأنّ من حقّ المبهم أن يبيّن بأسماء الأجناس، كالرجل، و الغلام، و إنّما يبيّن بالصّفات عند اللّبس؛ لأنّ المبهم إشارة إلى حاضر معروف؛ فاستغني عن التّبيين، فإذا جئت بالوصف الخاص، حسن تبيينه به، بخلاف الوصف المشترك، كالطّويل.

و أما المضاف إلى المعارف: فيوصف بما أضيف كإضافته، و بالمعرّف باللاّم، و بالمبهم، نحو: مررت بصاحبك غلام عمرو، و: بصاحبك الطويل، و بصاحبك هذا، و بصاحب زيد غلام عمرو.

الحكم الرّابع: إعراب الصّفات علي ثلاثة أقسام:

____________

(1) الكتاب 2/6.

(2) الكتاب 2/7.

(3) في الهمع 5/172: «و قال الفرّاء: يوصف الأعمّ بالأخص، نحو: مررت بالرجل أخيك» هذا و قد منع سيبويه ذلك. انظر الكتاب 2/7-8.

غ

318

الأول: /يتبع لفظ موصوفه رفعا، و نصبا، و جرّا، نحو؛ قام زيد الظريف، و رأيت زيدا الظريف، و مررت بزيد الظريف.

الثاني: يتبع موضعه، كالمبنيّات، إذا كان ممّا يوصف؛ احترازا (1) من المضمرات، و من «اللّهمّ» ، عند سيبويه‏ (2) ، و «كيف» ، و «كم» و نحو ذلك ممّا أوغل في شبه الحروف، تقول: قام هؤلاء العلماء، و رأيت هؤلاء العلماء،

و مررت بهؤلاء العلماء.

الثالث: يتبع لفظه تارة، و موضعه أخرى و بعضه أقوى من بعض.

الأوّل: العامل مع معموله المبني، نحو: لا رجل ظريف، و ظريف.

الثّاني: المضاف و المضاف إليه، فإن كان معربا و صفته على اللفظ إجماعا، نحو: أعجبنى غلام زيد الظريف، و على الموضع المعنويّ، إن كان فى الأوّل معنى الفعل، عند قوم، تقول أعحبنى ضارب زيد الظريف، و الظريف، بالجرّ و النّصب، و منع منه قوم.

الثّالث: «من» إذا كانت زائدة في النفي، و الاستفهام، كقوله تعالي:

مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ * (3) و كقولك: هل من رجل في الدّار غير زيد، يجوز في «غير» الرفع‏ (4) ، علي الموضع، و الجرّ (5) على اللفظ.

____________

(1) في الأصل: احتراز.

(2) لا يجيز سيبويه وصف «اللهمّ» انظر: الكتاب 2/196.

(3) 59، 65، 73، 85/الأعراف و 50، 61، 84/هود و 23، 32/المؤمنون.

(4) و به قرأ نافع و أبو عمر و عاصم و شيبة و حمزة.

(5) و به قرأ الكسائىّ و وافقه: أبو جعفر و الأعمش. انظر في تخريج القراءتين: الكشف عن وجوه القراءات السّبع 1/467، و انظر أيضا: إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 1/620-621 مشكل إعراب القرآن 1/322-323.

319

الرّابع: «إنّ» و اسمها، و قد أجاز بعضهم وصفه، على الموضع‏ (1) ، و حمل عليه قوله تعالي: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاََّمُ اَلْغُيُوبِ (2) فيمن رفع‏ (3) «علاّم» في أحد الأقوال.

الحكم الخامس: الوصف يكون مفردا، و جملة:

فالمفرد: يوصف به المعرفة، و النكرة، نحو؛ مررت بزيد الكريم، و برجل كريم‏

و الجملة، إنّما يوصف بها النكرات؛ لأنّها نكرة، نحو: مررت برجل قام أبوه، و برجل أبوه منطلق، و برجل إن تقم أقم معه، و برجل خلفك، و برجل‏ (4) من الكرام، و لا بدّ في الثّلاث الأول من عائد إلي الموصوف، و قد جاء في الشّعر بغير عائد، قال طرفة (5) :

و تبسم عن ألمى كأنّ منوّرا # تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندى‏

التقدير فيه: كأنّ منوّرا بوجوده تخلّل.

____________

(1) و هو مذهب غير سيبويه و نسب، إلى الفرّاء. انظر: إعراب القرآن لأبي جعفر النحّاس 2/680.

(2) 48/سبأ.

(3) و هم جمهور القرّاء. انظر: البحر المحيط 7/292 قال أبو حيان: «أما الحمل على محل «إنّ» و اسمها فهو مذهب غير سيبويه، و ليس بصحيح عند أصحابنا... » .

(4) في الأصل: و رجل.

(5) انظر: ديوانه (المعلّقة 9) .

و انظر: المحتسب 2/182 و اللسان (لما)

المى وصف للثغر، و الثغر الألمى: هو الذي يضرب لون شفنيه إلى السّواد. كأن منوّرا، يريد: كأن أقحوانا منّورا، أي: أخرج نوره: الحرّ: الخالص من كل شى‏ء. الدّعص: الكثيب من الرّمل.

320

فإن اجتمع مفرد و جملة، فالأولي تقديم المفرد علي الجملة؛ لأنّه الأصل، نحو: مررت برجل قائم أبوه منطلق، و قد جاء الأمران في/التّنزيل، قال اللّه تعالي: وَ هََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (1) و قال: وَ هََذََا كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ مُبََارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ (2) و علي الثّاني قول النابغة (3) :

و ليل أقاسيه بطى‏ء الكواكب‏

و الوصف بالجملة الفعليّة، أقوي منه بالجملة (4) الأسمّية و أكثر، و أكثر ما وصف من الأفعال، بالماضي‏ (5) ؛ لأنّه محقّق، و أمّا المستقبل؛ ففيه خلاف نحو: مررت برجل يصيد (6) غدا، التّقدير فيه: يقدّر الصيد غدا، و قوم

____________

(1) 50/الأنبياء.

(2) 155/الأنعام.

(3) انظر: ديوانه 40. هذا عجز البيت، و صدره:

كليني لهمّ يا أميمة ناصب‏

و هو من شواهد سيبويه 2/207، 277 3/382.

و انظر أيضا: ابن يعيش 2/12، 107 و الخزانة 2/321، 366، 380 و 5/74، 75.

بطئ الكواكب: طويل، يخيلّ للناظر إلي كواكبه أنّها بطيئة في سيرها.

(4) نقل ذلك عن ابن الأثير غير واحد من النحاة، ففي المساعد على تسهيل الفوائد 25/405: «و في البديع: الوصف بالفعليّة أقوي من الأسمية» و قال السيوطي فى الهمع 5/185: «و قدّم بعضهم، و هو صاحب «البديع» الجملة الفعليّة على الاسميّة، قال: لأن الوصف بتلك أقوي منه بهذه... » و قال الأشموني في شرحه علي الألفية 3/64: «... ذكر في البديع أن الوصف بالجملة الفعليّة أقوي منه بالجملة الاسميّة» .

(5) و نقل هذا أيضا عن ابن الأثير كلّ من ابن عقيل و السيوطي في الموضعين السّابقين.

(6) كذا في الأصل، و المشهور المتداول في كتب النحاة: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا. انظر:

الأصول 2/38، 268.

321

يجعلون الوصف بالفعل حالا، و هو عندهم‏ (1) أولي، فأما قول الشاعر (2) :

حتى إذا جنّ الظّلام و اختلط # جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

و قول أبي الدّرداء-رحمه اللّه-وجدت الناس اخبر تقله‏ (3) ، فإنّما ذلك بمعني: مقول عنده هذا القول، كأنّه قال: جاءوا بمذق يتلوّن هذا اللّون، يعني به غبرة الذئب، و كأنّه قال: وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.

____________

(1) قال ابن السراج في الأصول 2/268: «و اعلم أنّ الصلة و الصفة حقّهما أن تكونا موجودتين في حال الفعل الذي تتذكّره؛ لأن الشى‏ء إنما يوصف بما فيه، فإذا وصفته بفعل أو وصلته فالأولي به أن يكون حاضرا كالاسم، ألا تري أنّك إذا قلت: مررت برجل قائم فهو في وقت مرورك في حال قيام، و إذا قلت: هذا رجل قام أمس، فكأنك قلت: هذا رجل معلوم، أي: أعلمه الساعة أنه قام أمس؛ و لأنك محقّق و مخبر عمّا تعلمّه في وقت حدثيك، و كذلك إذا قلت: هذا رجل يقوم غدا، فإنما المعني:

رجل معلوم الساعة أنّه يقوم غدا، و علي هذا أجازوا: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا... » .

(2) قيل: هو العجاج، و لم أعثر عليه في ديوانه المطبوع.

و انظر: الإنصاف 115 و ابن يعيش 3/53 و المغني 246 و شرح أبياته 5/5 و الخزانه 2/109. قال البغداديّ في الخزانة: «و هذا الرجز لم ينسبه أحد من الرواة إلي قائله، و قيل: قائله العجّاج، و اللّه أعلم... » .

المذق: اللبن المخلوط بالماء و هو يشبه لون الذئب؛ لأنه فيه غبرة.

(3) هذا القول عن أبي الدرداء الأنصارىّ، و كل طرقه ضعيفة كما ذكر الشوكاني في كتابه «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» نقلا عن صاحب «المقاصد الحسنه في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة علي الألسنة للسخاويّ. و هو في أمثال أبي عبيد 276. و انظر: المقاصد الحسنه 25، و الفوائد المجموعة 259.

تقله: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر، و معناه: تبغض من قولهم: قلاه يقلاه، أي: أبغضه، و الهاء في: تقله، هاء السّكت. و المعني: أنّ من جرّب الناس و خبرهم أبغض أكثرهم و تركهم.

322

فإن أردت أن تصف المعارف بالجمل جئت بـ «الّذى» ، و جعلت الجملة صلتها، و وصفت بـ «الذى» و ثنّيته، و جمعته، و أنّثته، على حسب الموصوف.

فقلت: رأيت زيدا الذي قام أبوه، و مررت بالزيدين اللّذين قام أبوهما، و بالزّيدين الذين أبوهم منطلق.

الحكم السّادس: لك في كلّ موصوف أن تجمعه و تفرّق صفاته علي عدّته و أن تقرّق الموصوف و تجمع صفاته، إذا لم يكن في الحالين مبهما؛ تقول في الأوّل: مررت بالزيدين القائم و القاعد و النائم، و مررت برجال كاتب و شاعر و حاسب، و يجوز الرّفع، علي التبعيض؛ تقول: مررت برجال كاتب و شاعر و حاسب، فإن لم تستوف العدّة فالرّفع لا غير؛ تقول: برجال كاتب و شاعر، و تقول: مررت بثلاثة رجال كاتبين و شاعر، و تقول فى الثانى: مررت بزيد و عمرو و بكر الظّرفاء/و قد جاء فى الشّعر وصف بعضهم.

فإن كان الموصوف مبهما لم يجز فيه هذا، لا تقول: مررت بهذين الراكع و السّاجد، علي الوصف؛ لأنّ المبهم و صفته بمنزلة اسم واحد، و كذلك إن كانت الصّفة مبهمة، لا تقول: مررت بالزّيدين هذا و هذا، فإن أردت البدل جاز فيهما.

و إذا فرّقت الوصف علي الموصوفين فالأحسن أن تجعل أوّل الوصف لآخر الموصوفين، و آخره لأوّلهم؛ كيلا تكثر الفواصل، تقول: ضرب زيد عمرا الظّريف الظّريف، و زيد ضربت غلام أخيه العاقل العاقل العاقل.

الحكم السّابع: إذا اجتمعت صفتان، فالثانية لمجموع معني الموصوف: و الصّفة عند قوم، و للصّفة عند قوم، نحو: مررت بزيد الظريف العاقل، فـ "العاقل"صفة «زيد» و «الظّريف» معا، و قال قوم: هو صفة للأوّل،

323

قال سيبويه: و النّصب فيه جائز ضعيف، تقول: هذا رجل عاقل لبيبا، قال: و إنّما ضعف؛ لانّه لم يرد أنّ الأوّل وقع و هو في هذه الحال، و لكنّه أراد: أنّهما فيه ثابتان، لم يكن (واحد) (1) منهما قبل صاحبه‏ (2) .

و كلّ صفة تشتمل علي مدح أو ذمّ، فإذا تعدّدت جاز لك فيها قطعهما عن الأوّل، و النّصب، علي المدح و الذّمّ، تقول جاءني زيد الظّريف العاقل اللبيب، و: مررت بزيد الخبّ اللّئيم الخبيث، و عليه تأوّل بعضهم‏ (3) قوله تعالى:

وَ اَلْمُقِيمِينَ اَلصَّلاََةَ وَ اَلْمُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ (4) ، و منه قول الخرنق‏ (5) :

لا يبعدن قومي الذين هم # سمّ العداة وافة الجزر النازليين بكلّ معترك

و الطّيّبون معاقد الأزر

و الرفع في المدح و الذّمّ يستويان، و قد تقدّم ذكرهما في باب المفعول به مستقصى‏ (6) .

الحكم الثامن: إذا اختلف الاسمان في الإعراب لفظا، و معني/و كان عاملهما واحدا، نحو: ضرب زيد عمرا، فلا تجوز تثنية الصّفة البتّة، لا

____________

(1) سقط في الأصل، و لا يستقيم الكلام بدون التتمّة، و هي في نصّ سيبويه.

(2) انظر: الكتاب 2/51.

(3) هو سيبويه و انظر: الكتاب 1/248-249. هذا و في نصب «المقيمين تأويلات أخري، و انظر- إن شئت-إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 1/470 و التبصرة للصيمرى 182 و مشكل إعراب القرآن لمكى 1/212.

(4) 162/النساء.

(5) سبق الاستشهاد بهما فى ص 144.

(6) انظر: ص 143-144.

324

تقول: ضرب زيد عمرا (1) الكريمان، و لا الكريمين. فإن اتّفقا في المعنى، و اختلفا فى الإعراب-و العامل واحد-نحو: ضارب زيد عمرا؛ لم يجز وضعهما بصيغة واحدة، عند البصريين‏ (2) ، و أجازه بعض الكوفيّين؛ نظرا إلى المعنى، فمنهم من‏ (3) يقول: العاقلان، لا غير، و منهم‏ (4) من يقول: العاقلان، و العاقلين، أيّهما شاء. فإن اتّفق الاسمان في الإعراب، و اختلف العاملان، فلا يخلو: أن يكونا مختلفين في اللّفظ، و المعنى، أو في اللّفظ دون المعنى، أو في المعنى دون اللّفظ، نحو: أقبل زيد و أدبر عمرو، و قعد زيد و جلس عمرو، و وجد زيد، من الغني، و وجد عمرو، من الغضب، فإنّ سيبويه يجيز-فى ذلك كلّه-العاقلان‏ (5) ، و غيره‏ (6) يأباه، مع اتّفاقهم على جواز: اختلف زيد و عمرو العاقلان.

فإن اتّفق الاسمان في الإعراب، و العامل، لفظا و معنى-نحو: قام زيد و قام عمرو[العاقلان‏] (7) -فالنّحويّون كلهم يجيزونها، إلاّ ابن السّراج، فإنه أبي ذلك، إلا أن يعتقد في العامل الثانى التكرير (8) .

____________

(1) انظر: الهمع 5/181.

(2) انظر: الهمع في الموضع السابق.

(3) و هو الفرّاء. انظر: الهمع 5/182.

(4) و هو ابن سعدان. انظر: الهمع، في الموضع السابق.

(5) انظر. الكتاب 2/59-60.

(6) و هو المبرد. انظر: المقتضب 4/315.

(7) تتمّة يلتئم بمثلها الكلام.

(8) انظر: الأصول 2/42، 65.

325

فإن كان إعراب الاسمين متفقا، إلاّ أنّهما اختلفا فى التّقدير، أجازه بعضهم‏ (1) ، نحو: زيد منطلق و جاء عمرو العاقلان، و ضربت زيدا و إنّ عمرا منطلق العاقلين. و أمّا: هذا رجل و ذاك آخر قائما، فسيبويه‏ (2) يجيزه، و المبرد (3) يأباه.

الحكم التّاسع: إذا كان الموصوف كنيتة، لم يتببع الوصف إلاّ الأول، كما لا تتبع التثنية و الجمع إلاّ الأوّل، تقول: جاءنى أبو بكر الكاتب، و رأيت أبوي بكر الكاتبين، و مررت بأباء بكر الكاتبين.

فإن وصفت بـ «ابن» ، واقعا بين علمين، حذفت تنوين الأول لفظا، فقلت: هذا زيد بن عمرو، فإن كان خبرا أو بدلا أبقيت/التنوين و قد قرئ بالاثنين قوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ . (4) من جعله وصفا حذف التّنوين، و كان الخبر محذوفا، و من جعله خبرا و حذف التنوين؛ فلأنّ «عزير» غير منصرف، أو تحفيفا (5) .

____________

(1) و منهم الأخفش. انظر: المساعد على تسهيل الفوائد 2/15، 217، و الهمع 5/180.

(2) الكتاب 2/57-59.

(3) المقتضب 4/314-316.

(4) 30/التوبة. و قد قرأ بالتنوين عاصم و الكسائى و يعقوب و وافقهم الحسن و اليزيدى.

و قرأ بدون تنوين الجمهور. انظر: السبعة 313 و التّيسير 118 و إبراز المعاني 338-338 و البحر المحيط 5/31 و النّشر 2/279 و إتحاف فضلاء البشر 286.

(5) قال الصيمرى في التبصرة 728-729: «من أسقط التنوين ففيه و جهان: أحدهما: أن يكون «عزيز» رفعا بالابتداء، و «ابن اللّه» خبره، و إنّما حذف التنوين لالتقاء السّاكنين لا غير، هكذا روي عن أبى عمرو بن العلاء، في تفسير هذه القراءة... » .

و انظر أيضا ص 730 من التبصرة.

326

و إن لقّبت مفردا بمفرد، أضفته إليه، فقلت: هذا قيس قفّة يافتي، و إن لقّبته بمضاف، جرى على الاسم نعتا، تقول: هذا زيد وزن سبعة. فإن لقّبت مضافا بمفرد أو مضاف، جرى عليه نعتا، تقول: هذا عبد اللّه كرز، و عبد اللّه وزن سبعة.

الحكم العاشر: لا يجوز الفصل بين الصّفة و الموصوف بأجنبيّ من عامل الموصوف، فأمّا قول الشّاعر (1) :

قلت لقوم فى الكنيف تروّحوا # عشيّة بتنا عنّدما و ان رزّح‏

ففصل بمعمول قلت بين الصّفة و الموصوف، فشاذّ.

الحكم الحادي عشر: لك أن تحذف الموصوف، و تقيم الصّفة مقامه، إذا ظهر أمره ظهورا يستغني عن ذكره، كقوله تعالي: وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً (2) و كقول الشّاعر (3) :

____________

(1) هو عروة بن الورد. انظر: ديوانه 23.

و انظر: أمالى القالى 2/234 و شرح الحماسة للمرزوقي. 464 و الهمع 5/169.

الكنيف: حظيرة من شجر تجعل للإبل. تروّحوا سيرا في الرّواح. ما و ان: ماء لبني فزارة. رزّح:

جمع رازح، و هو من الإبل: الشديد الإعياء، و يقال قوم رزّح، أى: مهازيل ساقطون.

(2) 112/النساء. الشاهد في الآية: حذف الموصوف و إقامة الصفة مقامه، و التقدير-و اللّه أعلم-: ثم يرم به إنّسانا بريئا.

(3) هو أبو ذؤيب الهزلىّ. انظر: ديوان الهزليين 1/39.

و انظر أيضا: معاني القرآن و إعرابه للزجاج 2/256 و ابن يعيش 3/58، 59 و اللسان و تاج العروس (صنع)

مسرودتان: تثنية مسرودة، و هي: الدرع المثقوبة، و السّرد: الخرز في الأديم و في الدروع. قضاهما:

فرغ من عملهما. و الصّنع: الحاذق بالعمل. السّوابغ: جمع سابغة، و هى الدروع الواسعة الوافية.

تبّع: لقب ملوك اليمن، و قد سمع أنّ تبّعا كان يأمر بعمل الدّروع السّوابغ.

327

و عليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السّوابغ تبّع‏

و قد يبلغ به الظّهور بحيث يطرحونه رأسا، كقولهم: الفارس‏ (1) و الصاحب، و الأورق‏ (2) ، و الأطلس‏ (3) ، و نحو ذلك كثير في كلامهم.

و في القياس على حذف الموصوف خلاف بين سيبويه‏ (4) و الأخفش‏ (5) .

و كذلك لك أن تحذف الصّفة، و تقيم الموصوف مقامها، كقوله صلّى اللّه عليه و سلّم‏ (6) «لا صلاة لجار المسجد إلاّ فى المسجد» (7) فى أحد القولين؛ لأنّه لم يرد به المنع من صحّة الصّلاة، إنما أراد نفى الكمال، كأنّه قال: لا صلاة كاملة، أو لا كمال صلاة.

____________

(1) و هو راكب الفرس خاصّة.

(2) و هو المغبّر اللّون، كلون الرّماد، يقال: جمل أورق، و يقال: ورقاء للحمامة، للّونها، و يقال للرّماد: أورق، للونه.

(3) و هو الذي في لونه غبرة إلي السّواد، و الذئب أطلس؛ للوّنه.

(4) أجاز سيبويه حذف الموصوف و قاس عليه، قال في الكتاب/345: «و سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهم مات حتي رأيته في حال كذا و كذا و إنما يريد: ما منهم واحد مات، و مثل ذلك قوله تعالى جدّه: «وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قل موته » ثم أورد بعض الشواهد علي حذف الموصوف، و قاس ذلك علي حذف المستثنى تحفيفا في مثلك ليس غير، و ليس إلا، و قاسه أيضا على ما يحذف تخفيفا و استغناء بعلم المخاطب، ثم قال في 2/346: «فليس حذّف المضاف إليه في كلامهم بأشدّ من حذف تمام الاسم» .

(5) جوّز الأخفش حذف الموصوف، و لكنّه لم يجعله قياسا. انظر الكامل 1382.

(6) تتمّة تليق بمقامه عليه الصلاة و السّلام، و لعلّها سقطت من الناسخ.

(7) أخرجه الدارقطنى في سننه عن جابر بن عبد اللّه و أبى هريرة رضي اللّه عنهما. انظر: سنن الدارقطني 1/420، و انظر أيضا: الجامع الصغير 2/203 و فيض القدير 6/431.

غ

328

الحكم الثانى عشر: يجوز تقديم الصّفة علي الموصوف إذا كانت لاثنين، أو جماعة، و قد تقدّم أحد/الموصوفين، تقول: قام زيد العاقلان و عمرو، و منه قول الشاعر (1) :

و لست مقرّا للرّجال ظلامة # أبى ذاك عمي الأكرمان و خاليا

كأنّه نظر إلى أنّ العطف كالتثنية.

و إذا ذكرت الموصوف جاز أن يتقدّم معمول الصّفة عليها، لا على موصوفها، كقولك: نعم رجلا طعامك آكلا زيد، و مثله قوله تعالى: ذََلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنََا يَسِيرٌ (2) ، فإن لم تذكر الموصوف لم يتقدّم معمول الصّفة عليها، لا تقول: نعم طعامك آكلا زيد.

الحكم الثّالث عشر: إذا تقدّمت الصّفة علي الموصوف، فلا يخلو: أن يكون الموصوف معرفة أو نكرة.

فإن كان معرفة أعربتها بإعراب الموصوف، و جعلته بدلا منها، كقولك:

هذا الظريف زيد، و عليه قوله‏ (3) :

من الصّهب السّبال و كلّ وفد

____________

(1) لم أقف علي اسمه. قال البغدادىّ فى شرح أبيات المغي: «لم أقف علي تتّمة هذا البيت و لا على قائله و اللّه أعلم» .

و انظر الضرائر 212 و المغنى 616 و شرح أبياته 7/289 و الهمع 5/185 و الأشمونى 3/58.

الظّلامه-بالضمّ-ما يطلب عند الظالم، و المعنى: أنّه لا يقد علي أن يظلمه أحد.

(2) 44/ق.

(3) هو الرّاعى النّميرىّ، و البيت بتمامه في شعره ص 71 هكذا.

من الصّهّب السّخال بكلّ # وهد حوارا و هي لازمة حوارا.

و انظره في كتاب الشّعر، لأبي عليّ الفارسىّ 223. ، و انظر أيضا تعليق المحقّق على الشاهد في موضعه.

الصّهب من الإبل: ما يخالط بياضه حمرة. السّبال: جمع سبلة-بالتحريك-و هي: ما على الشّفة العليا من الشّعر.

329

يريد: من السّبال الصّهب.

و إن كان‏ (1) نكرة، انتصبت على الحال، كقولك: هذا قائما رجل، و عليه قوله‏ (2) :

و تحت العوالى و القنا مستظلّة # ظباء أعارتها العيون الجاذر

و قد[جاء] (3) فى النكرة مثل‏ (4) المعرفة، قال‏ (5) :

ألفيتنى أعظما فى قرقرقاع‏

الحكم الرّابع عشر: قد وصفوا المضاف إليه، و هم يريدون المضاف، قال‏ (6) :

علىّ يوم تملك الأمورا # صوم شهور وجبت نذورا

و نحو منه قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ (7) في الخبر (8) .

____________

(1) في الأصل: كانت.

(2) هو ذو الرّمّة. انظر: ديوانه 1024.

و البيت من شواهد سيبويه 2/123. ، و انظر أيضا: ابن يعيش 2/64.

العوالي: صدور القنا، و القّنا: الرّماح. الجاذر: جمع جؤذر، و هو: ولد البقرة الوحشييّة. مستظلّة:

يعني: الظباء في كنسها.

(3) تتمّة يلتئم بمثلها الكلام.

(4) يعنى: قد جاء تقدّم الصّفة علي الموصوف النكرة و أعربت بإعراب الموصوف؛ و صار الموصوف بدلا منها، كما لو كان الموصوف معرفة، كما مرّ في: هذا الظريف زيد.

(5) ذكر الفارسىّ في كتاب الشعر 347، 396 أنّ القائل هو عمران، و لعلّه يقصد عمران بن حطّان الخارجيّ، و في شعر الخوارج قصيدة علي هذا الوزن و الروىّ، و ليس البيت منها. و ورد البيت غير منسوب في المخصّص 10/30، و صدر البيت:

إن أنت لم تبق لى لحما و لا لبنا.

و انظر حاشية المحقّق ص 347.

(6) انظر: تفسير الطبريّ 7/120 و 17/162، حيث ذكر البيتين في الموضعين بدون عزو. و لم أهتد إلى القائل.

(7) 4/الشعراء.

(8) انظر: معانى القرآن للأخفش 424.

330

الحكم الخامس عشر: يجوز أن تعطف بعض الصّفات على بعض، بالواو، إذا لم يكن فيها ترتيب، تقول: قام زيد الظريف و الشّريف و الكاتب، فإن كان فيها معني الترتيب/فبالفاء، تقول: جاء زيد الرّاكب فالسّالب فالآيب.

النّوع الثّانى:

في التأكيد، و فيه ثلاثة فروع:

الفرع الأوّل: فى تعريفه، و هو: لفظ يتبع الاسم المؤكّد؛ تثبيتا، و تقريرا، و رفعا للّبس، و إزالة للاتّساع‏

أما التّثبيت، و التقرير: فلا خفاء أنّ تكرار اللّفظ يثبّت المعنى في النّفس، و يقرّره، و أمّا رفع اللّبس، فإنّك تقول: جاء القوم، و قد يجوز أن يكون قد تخلّف بعضهم؛ تغليبا للأكثر، فإذا قلت: «كلّهم» ارتفع اللبس، و تحقّق أنّه لم يتخلّف منهم أحد.

و أما إزالة الاتّساع: فإنّ الفعل قد يسند إلى غير فاعله الحقيقيّ، فيقال:

كتب الأمير، و إنما كتب كاتبه، فإذا قلت: كتب الأمير نفسه، زال الاتّساع.

و هو أشدّ ملابسة بالمؤكّد من الصّفة بالموصوف؛ لأنّ الصّفة تقام مقام الموصوف، كما سبق‏ (1) ، على قبحه عند سيبويه، و لا يقوم التوكيد مقام المؤكّد فلا تقول: رأيت أجمعين، تريد: الرّجال أجمعين، كما تقول: رأيت الظّرفاء، و أنت تريد: الرّجال الظرفاء.

الفرع الثّانى: فى أقسامه، و ينقسم قسمين: لفظيّ، و معنوىّ.

____________

(1) انظر: ص 326-327.

331

أمّا اللّفظىّ: فيكون بتكرار اللّفظ، اسما و فعلا و حرفا؛ واحدا و مثنى و مجموعا، معرفة و نكرة، و مظهرا و مضمرا، و مفردا و جملة.

تقول فى المظهر: قام زيد قام قام زيد، و رأيت زيدا رأيت زيدا، و رأيت زيدا زيدا، و رأيت زيدا رأيت، و زيد فى الدّار في الدّار. و تكرار اللّفظ في القرآن كثير، كقوله تعالي: قَوََارِيرَا. `قَوََارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ (1) ، و كقوله: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا (2) ، و منه قول المؤذّن: اللّه أكبر، اللّه أكبر، و: قد قامت الصّلاة، قد قامت الصّلاة/و قول جرير (3) :

هلاّ سألت جموع كنـ # دة أين ولوّا أين أينا

و قول الآخر (4) :

كم نعمة أسديتها كم كم و كم‏

و تقول فى المضمر: ما ضربني إلاّ أنت أنت، و انطلقت أنت، و مررت بك

____________

(1) 15، 16/الإنسان.

(2) 108/هود.

(3) كذا بالأصل، و ليس البيت لجرير، بل هو لعبيد بن الأبرص من قصيدة له يخاطب بها امرأ القيس حينما توعّد بنى أسد قوم عبيد بقتل أشياخهم ثأرا لأبيه، و كان بنو أسد قد قتلوا حجرا الكندىّ أبا امرئ القيس. انظر: ديوان عبيد 142.

و انظر أيضا: معاني القرآن للفرّاء 1/177 و تأويل مشكل القرآن 186، 236، و ورد البيت عرضا فى الخزانة 2/214 و شرح أبيات المغنى 2/196.

(4) لم أهتد إلى اسمه.

و انظره فى معانى القرآن للفرّاء 1/177، و روايته:

كم نعمة كانت لها....

و انظر أيضا: تأويل مشكل القرآن و روايته:

كم نعمة كانت لكم......

و فى هامش المحقق مزيد من التخريج؛ فانظره هناك إن شئت.

332

أنت، و به هو، و بنا نحن، و رأيتنى أنا، و زيد قام هو، و هذا (باب) (1) واسع في العربيّة.

و أمّا المعنويّ: فهو بألفاظ و صيغ‏ (2) مخصوصة محصورة، معارف لا يزاد فيها، و لا يقاس عليها، و هي: «نفسه» و «عينه» و «كلّه» «و أجمع» و «أجمعون» و «جمعاء» و «جمع» و «كلا» و «كلتا» و «أتبعوا» «أجمع» أكتع» ، و «أجمعون» «أكتعون» و «جمعاء» «كتعاء» ، و «جمع» «كتع» ، ثمّ أتبعوا «أكتع» «أبتع» ، و «أكتعون» «أبصعون» ، و «كتعاء» «بصعاء» ، و «كتع» "بصع"؛ تقول: قام زيد نفسه، و رأيت زيدا عينه، و قام القوم كلّهم و مررت بالجيش أجمع، و رأيت القوم أجمعين، و مررت بالقبيلة جمعاء، و رأيت النّساء جمع، و قام الرّجلان كلاهما، و رأت المرأتين كلتيهما، و قام القوم كلهم أجمعون، و أنفقت الدّرهم أجمع أكتع أبصع.

و معانى هذه الألفاظ مختلفة:

فأمّا؛ «نفسه» و «عينه» فهما عبارة عن الجملة، و إن كانا-في أصل الوضع-لشيئين مخصوصين منها، و يؤكّد بهما حقيقة الشّئ، ممّا يتجزّأ و ما لا يتجزّأ، نحو: أنفقت الدّرهم نفسه، و عينه، و جاء زيد نفسه، و عينه.

و أمّا «كلّ» : فمعناه: الإحاطة، و العموم، و لا يؤكّد بها إلاّ ما يتبعض، نحو: جاء القوم كلّهم، و أكلت الرّغيف كلّه، و لا تقول: قام زيد كلّه، فأمّا قولهم:

مررت بالرّجل كلّ الرّجل، فمعناه: مررت بالرجل الذى يستحقّ لأن يكون

____________

(1) تتمّة يلتئم بمثلها الكلام.

(2) فى الأصل: و صبغة.

333

رجلا كاملا فى حزمه. و جلده و شجاعته، و نحو ذلك.

و أما، «أجمع» ، و أخواتها: فمعناهنّ معنى «كلّ» ، و إن كان فيهنّ إشارة إلي الاجتماع، و إن لم يكن شرطا.

و ليست «أجمع» و «جمعاء» علي حدّ «أحمر» و «حمراء» ، و إنّما هما اسمان مرتجلان، وقعا اتّفاقا كذلك، وقع «سلمان» و «سلمى» على حدّ «غضبان» و «غضبى» ، و ليسا مثلهما.

أمّا «أجمع» و «جمعاء» فإنما يؤكد بهما الواحد المتجزّئ، نحو: الدّرهم و الدّار، و لا يقال للرّجل أجمع، و لا للمرأة: جمعاء.

و أمّا «أجمعون» : فإنّما يوكدّ بها المذكّرون العالمون، و ليست جمع‏ (1) «أجمع» كـ «زيدون» من «زيد» و إنّما هو اسم معرفة مرتجل للجمع.

و أمّا «جمع» ، فيوكّد بها من يعقل، و ما لا يعقل، من المؤنّث المجموع، و ليست جمعا لـ «جمعاء» ، و قد ذهب قوم إلى الجمعية في «أجمعون» و «جمع» ، و ليس بالقويّ‏ (1) .

و «أجمع» لا ينصرف، لوزن الفعل و التّعريف، و «جمعاء» لا ينصرف؛ لأجل ألف التّأنيث التي انقلبت الهمزة عنه، و هي علّة تقوم مقام علّتين، و «جمع» لا ينصرف؛ للعدل و التّعريف: فالعدل، عن «جمع» مثل «حمراء»

____________

(1) في اللسان (جمع) : «و أجمعون: جمع أجمع، و أجمع، : واحد في معنى جمع، و ليس له مفرد من لفظه، و المؤنّث: جمعاء، و كان ينبغى أن يجمعوا جمعاء بالواو و النون، و لكنهم قالوا في جمعها:

جمع... » .

334

و «حمر» ، و التعريف؛ لانّها وضعت معرفة.

و أمّا «كلا» و «كلتا» فهما اسمان مفردان، يفيدان معني التّثنية، كما أنّ «كلاّ» اسم مفرد يفيد معني الجمع و لكنّهما (1) يكونان مع المظهر بالألف على كلّ حال، و إنّما قلبت الألف مع المضمر ياء؛ تشبيها لهما بـ «على» و «لدى» ، كما يكونان مع المظهر، مثلهما بالألف، و قال الكوفيون‏ (2) : هما اسمان مثّنّيان.

و «كلتا» عند سيبويه: فعلى‏ (3) ، التاء مبدلة من واو، هي ألف «كلا» ، و الألف التي فيها للتأنيث، و قد حذفت ألفها في الشّعر، شاذا.

و أمّا «أكتع» و «أبصع» : فمعناهما، زيادة التأكيد، مثل قولهم:

عطشان نطشان، (4) و: حسن بسن.

و يرجع معنى «أكتع» -بالتأويل-إلى معنى «أجمع» ؛ لأنّه من: تكتّعت الجلدة، إذا اجتمعت و تقّبضت.

و «أبصع» مشتق من البصيع، و هو العرق السّائل، و لا يسيل حتّى يجتمع. و كلّ ما قلناه في أبنية «أجمع» و أخواته فهو مقول فى أبنية «أكتع» و «أبصع» ، و أخواتهما.

____________

(1) فى الأصل: و لأنّهما.

(2) انظر: الهمع 1/137.

(3) انظر: الكتاب 3/364.

(4) انظر: الأصول 2/23.

335

الفرع الثّالث: فى أحكامه.

الحكم الأوّل: التأكيد اللفظىّ لا يخصّ شيئا بعينه، من اسم أو فعل و حرف كما سبق تمثيله.

و أمّا المعنوىّ، فإنّه يختصّ بالمعارف-دون النكرات-ظاهرها و مضمرها، و ذلك أنّ الأسّماء تنقسم إلي ثلاثة أقسام: قسم؛ لا خلاف في تأكيده، و هو: المعارف جميعها.

و قسم لا خلاف فى المنع من تأكيده، و هو: النكرات الشائعة، غير المؤقّتة، نحو: رجال و دراهم، و قسم فيه خلاف بين البصرىّ و الكوفىّ، و هو:

النكرة المؤقّتة، نحو؛ رجل و دراهم، و يوم، و ليلة؛ فلا يوكّده البصريّ‏ (1) ، و يلحقه بالنكرة الشّائعة، و يؤكّده الكوفيّ‏ (1) ؛ لأنّه عنده معلوم القدر؛ فشابه المعرفة، و أنشد (2) :

يا ليتنى كنّت صبييّا مرضعا # تحملني الذّلفاء حولا أكتعا

و البصرىّ‏ (3) يؤوّل ما جاء من هذا النوع.

و إنّما لم تؤكّد النكرات: لأنّها مجهولة العين، و ما جهل عينه كيف يؤكّد؟!

____________

(1) انظر: الإنصاف 451.

(2) لم اقف علي قائل هذا الرجز: و الذي فى الأصل: حولا أجمعا، و في كل المصاد أكتعا.

انظر: العقد الفريد 3/460 و الخزانة 5/168 و المغني 614 و شرح أبياته 7/285 و الهمع 5/201، 205.

الذّلفاء: مونث أذلف، و هو وصف من الذّلف، و هو صغر الأنف مع استواء الأرنبة، و يجوز أن يكون اسم امرأة، منقولا من هذا الوصف.

(3) انظر: الإنصاف 455-456.

336

و لأنّ ألفاظ التّأكيد معارف؛ فلا يؤكّد بها النكرات، قياسا علي الصّفات.

الحكم الثّاني: ألفاظ التأكيد تنقسم ثلاثة أقسام.

الأوّل: يصّح أن يلي العامل؛ فيكون غير تأكيد، و هو: «نفسه» و «عينه» و «كلا» و «كلتا» ، تقول: خرجت نفس زيد، و عمرو ضربت عينه، و قام كلا أخويك، و كلتا أختيك.

و كذلك لم يؤكّد بـ «نفسه» و «عينه» الضّمير المرفوع المتّصل إلاّ بعد إبراز الضّمير؛ لأنّهما يصلحان أن يكونا معمولين؛ فيلتبس الأمر، فإذا برز الضمير، ارتفع اللبس، ألا ترى أنّك إذا قلت: هند خرجت نفسها، لم يدر:

أفاعلة هى نفسها؟أم تأكيد للضّير المستكنّ في «خرجت» الّذى هو الفاعل؟ فإذا أبرزت الضّمير فقلت: هند خرجت هى نفسها/زال اللّبس.

فأمّا المنصوب، و المجرور: فلا يحتاج معه إلى إبراز الضّمير؛ لأنّ مضمرهما لا بدّ من ظهوره في اللفظ، فتقول: ضربتك نفسك، إلاّ أن يكون محذوفا في الصلة، و الصّفة، و حينئذ لا يؤكّده المحقّقون‏ (1) إذا حذف، نحو مررت بالذي ضربت نفسه، و مررت برجل ضربت نفسه.

و لمّا كان الغالب على باب المرفوع الالتباس-مع الإضمار-و أمن اللبس- فى بعض الصّور، نحو: ضربت نفسك-أجري الباب علي و تيرة واحدة، و لم يستثن منها؛ فيقولون: ضربت أنت نفسك، و إن كان اللّبس مأمونا.

____________

(1) منع الأخفش و الفارسيّ و ابن جنّى و ثعلب توكيد المحذوف، و تابعهم ابن مالك و أبو حيّان. و أجازه الخليل و سيبويه و ابن طاهر.

انظر: الهمع 5/204.

337

القسم الثانى: لا يصحّ أن يلي العامل، و هو: أجمع» ، و أخواته؛ فلا تقول: قام أجمعون، حتّى تقول: قام القوم أجمعون؛ و لذلك صحّ أن يؤكّد به المظهر و المضمر، رفعا و نصبا و جرّا؛ حيث أمنوا الّلبس؛ لكونه لا يقع معمولا بنفسه، من غير متبوع، قال الشاعر (1) :

ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه # و سائره باد إلى الشمس أجمع‏

فـ «أجمع» تأكيد المضمر فى «باد» .

القسم الثّالث: متوسّط، و هو «كلّ» فليس فى حكم الأوّل حسنا، إذا ولى العامل، و لا في حكم الثاني قبحا، إذا وليه؛ فله حال متوسّطة؛ فيؤكّد به المظهر و المضمر، تقول: جاءني القوم كلّهم، و: رأيتهم كلهم، و إن كانت قد تلى العامل في قولك: جاءنى كلّهم؛ إلاّ أنّها لمّا كان أصل وضعهما للتأكيد، و تضمّنت معنى «أجمعون» -في الإحاطة و العموم-و هو لا يلي العامل بوجه، جاز أن يؤكّد بها المضمر؛ حملا علي «أجمعون» .

و تقول: إنّ القوم جاءوني كلّهم، و: كلّهم؛ فالرّفع تأكيد المضمرين في «جاءوني» ، و النّصب تأكيد القوم. فأمّا قوله تعالي: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ (2)

____________

(1) لم أقف علي اسمه.

و البيت من شواهد سيبويه 1/181. و انظر أيضا: تأويل مشكل القرآن 194 و الأصول 3/464 و الهمع 5/201، و روايته: إلي الشمس أكتع.

و الضمير فى قوله: فيها يعود إلي الهاجرة التي ألجأت الثيران إلي كنسها؛ فهى تدخل رءوسها فى الظلّ؛ لما تجد من شدّة القيظ..

(2) 154/آل عمران.

غ

338

فالنّصب‏ (1) على تأكيد الأمر، و الرّفع‏ (2) على الاستئناف.

و قد اختلفو في إدخال الألف و اللاّم/أعلى «كلّ» و «بعض» ؛ فمنع منه‏ (3) قوم؛ لتقدير الإضافة، و أجازه آخرون‏ (4) ؛ اعتبارا بنصبه على الحال في قولهم: مررت بهم كلاّ.

الحكم الثّالث: ألفاظ التوكيد تنقسم ثلاثة أقسام.

قسم لا يستعمل إلا مضافا، و هو: «نفسه» و «عينه» و «كلا» و «كلتا» ؛ فيضاف إلى مظهر، و إلى مضمر.

و قسم لا يجوز أن يضاف، لا إلى مظهر، و لا إلى مضمر، و هو:

«أجمع» ، و أخواته. فأمّا قولهم: ذهب المال أجمعه، فليس من هذا، و إنّما أوقعوه موقع «جميعه» ؛ و لأنّ تلك معرفة؛ لتأكيدها المعارف، و هذه نكرة؛ بدليل إضافتها.

و قسم يجوز أن يضاف إلي المظهر، و المضمر، و يجوز أن لا يضاف، و هو «كلّ» فيقطع عن الإضافة، كقوله تعالي: وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ (5) .

____________

(1) و به قرأ الجمهور.

(2) و به قرأ أبو عمرو، و وافقه يعقوب. انظر: معاني القرآن للفرّاء 1/243 و معاني القرآن للأخفش 1/218-219 و الأصول 2/23 و الكشف عن وجوه القراءات السبع 1/361 و مشكل إعراب القرآن 1/164 و النشر 2/234 و الإتحاف 180.

(3) و هم الجمهور.

(4) و هم الأخفش و الفارسىّ و ابن درستويه و الزجاجىّ. انظر: الصحاح و تاج العروس (بعض) و (كل) و الهمع 4/286.

(5) 87/النمل.

339

الحكم الرّابع: لا يجوز تقديم بعض هذه الألفاظ علي بعض؛ لأن بعضها أقوى من بعض؛ فلزمت الترتيب، و «النفس» أقوى من «العين» في أصل الوضع، و إن كانت العين قد جعلت-في التأكيد-عبارة عن الجملة، و لكن نظروا إلى الأصل، و إذا اجتمعتا قدّمت «النّفس» على «العين» ، و إذا اجتمع معهما «كلّ» أخّر عنهما؛ لأنّ «النفس» و «العين» يكونان لما يتبعّض، و لما لا يتبعّض، و «كلاّ» لا يكون إلاّ لما يتبعّض، و إذا جاء معهنّ «أجمع» و أخواته كنّ بعد «كلّ» ؛ لأنّ"كلاّ يصلح أن يلي العامل، بخلاف «أجمع» ، فإذا تقدّم عليه قرب من مرتبته.

و «أكتع» تابع لـ «أجمع» و «أبصع» تابع لـ «أكتع» .

و كلّ هذه الألفاظ يصلح أن يؤكّد بها منفردة، و لا يصحّ ذلك في «أكتع» إلاّ بعد «أجمع» و لا بـ «أبصع» إلاّ بعد «أكتع» ، و قد جاء في الشّعر «أكتع» (1) مفردا عن «أجمع» ، فإن أجتمع تأكيد و صفة قدّمت الصّفة؛ لأنّ التأكيد تكرار، و لا تكرار إلا بعد التّمام، تقول: قام زيد الكاتب نفسه، و لا يجوز بالعكس، إلاّ عند بعضهم‏ (2) .

و لا يجوز عطف بعض هذه الألفاظ علي بعض، كما جاز ذلك في الصّفة، و لا يجوز أن تنّصب شيئا منها على الحال؛ لأنهنّ معارف.

____________

(1) انظر قول الراجز:

تحملنى الذّلفاء حولا أكتعا

صـ 325 فيما تقدّم.

(2) هو ابن كسان. انظر: الرّضيّ علي الكافية 1/342.

340

الحكم الخامس: «كلا» و «كلتا» لا يخلو: أن يضافا إلي مظهر، أو مضمر.

فإن أضيفا إلى المظهر، كانا بالألف على كلّ حال، تقول: قام كلا الرّجلين و كلتا المرأتين، و رأيت كلا الرّجلين، و كلتا المرأتين، و مررت بكلا الرّجلين، و كلتا المرأتين؛ لأنّهما اسمان مفردان بمنزلة «عصا» ، و إن أفادا معنى التثنية.

و إن أضيفا إلى المضمر كانا فيه مع المرفوع بالألف، و مع المنصوب و المجرور بالياء؛ لأنّ المضمرات تردّ الأشياء إلي أصولها؛ تقول: قام الرجلان كلاهما، و المرأتان كلتاهما، و رأيتهما كليهما، و كلتيهما، و مررت بهما كليهما و كلتيهما.

و من العرب‏ (1) من يقرّ الألف علي حالها مع المضمر، كالمظهر-و قد سبق‏ (2) -لأنّ كلا مشبّهة بـ «على» و «لدى» و هذا الحكم يجري فيهما؛ مع المظهر و المضمر.

الحكم السّادس: من حقّ كلا» و «كلتا» أن لا تضافا إلاّ إلى مثنّى، أو مضمر- كما سبق-و قد أضيفا إلي مفرد في معنى المثنّى، كقوله‏ (3) :

إنّ للخير و للشّرّ مدى # و كلا ذلك وجه و قبل‏

____________

(1) انظر: الهمع 1/136 و قيل: هي لغة بين الحارث بن كعب و قبائل أخر. انظر: المساعد على تسهيل الفوائد 1/41-42، و شرح الأشمونى 1/59.

(2) انظر ص 334.

(3) هو عبد اللّه بن الزّبعرى.

انظر: ابن يعيش 3/2 و المغنى 203 و شرح أببياته 4/251، 254 و الهمع 4/283.

المدى: الغاية. الوجه: ما يتوجّه إليه الإنسان من عمل و غيره. القبل-بفتحتين-ما يقبل عليه، و القبل أيضا: الإقبال على الشي‏ء من غير تهيّؤ، و قيل: القبل: المحجّة الواضحة.

341

فأوقع «ذلك» علي التّثنية، وقوعها في قوله تعالى: عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ (1) يعنى: الفروضة (2) ، و البكارة، و لو قلت في الشّعر: جاءنى كلا زيد و عمرو جاز؛ لأنّ العطف نظير التثنية، و أنشد الفارسىّ‏ (3) :

كلا السّيف و السّاق الّذى ضربت به # على دهش ألقاه باثنين صاحبه‏

الحكم السابع: إذا أخبرت عن «كلا» و «كلتا» فلك فيه الإفراد و التثنية؛ حملا على اللّفظ و المعنى، و الإفراد أكثر، سواء (4) كانا مضافين إلى مظهر أو مضمر؛ تقول: كلا الرجلين قام، و قاما، و كلاهما قام، و قاما، و كلتا (5) المرأتين قامت، و قامتا، و منه قوله تعالي: كِلْتَا اَلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهََا (6) .

____________

(1) 68/البقرة.

(2) و هما مصدران للوصفين المذكورين في قوله تعالي في صدر الآتية: (قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض و لا بكر.. ) و البقرة الفارض: المسنّة، يقال: فرضت البقرة فهي فارض، إذا أسنّت. و البكر:

الشابّة. انظر: تفسير غريب القرآن لابن فتيبة 52 و تاج العروس (فرض) .

(3) لم أعثر علي هذا البيت فيما تيسّر لى من كتب الفارسىّ المطبوعة. و هو للفرزدق: انظر: ديوانه 1/71. و رواية الديوان هكذا:

كلا السّيف و العظم الذى ضربابه # إذا التقيا فى السّاق أوهاه صاحبه‏

انظر: ابن يعيش 3/3 و المقرّب 1/211.

الدّهش-بزنة الفرح-: التّحيّر، و قيل: هو أيضا: ذهاب العقل من الفزع و نحوه.

(4) فى الأصل: و سواء.

(5) في الأصل: و كلا.

(6) 33/الكهف.

342

و قد جاء الخبر محمولا/على اللّفظ و المعنى معا، قال‏ (1) :

إنّ المنيّة و الحتوف كلاهما # يرقى المخارم يرقبان سوادى‏

و هذا الحكم جار في الإخبار عن «كلّ» ، كقوله تعالي: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فَرْداً (2) و قوله: وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ (3) ، إلاّ أنّ الجمع فيها أكثر من الإفراد.

النوع الثالث:

في البدل، و فيه ثلاثة فروع‏

الفرع الأوّل: فى تعريفه، البدل جار مجرى التوكيد، و الوصف، فى الإفادة؛ تبيينا و تحقيقا، و إيضاحا و تخصيصا، و هو في الحقيقة: إعلام السّامع بمجموع اسمي المسمّى، علي جهة البيان، و إنّما يذكر الأوّل لنوع من التوطئة؛ و ليفاد بمجموعهما ما لا يحصل بأحدهما، تقول: ضربت زيدا أخاك، فالأخ ثبّت في النّفس أنّ المضروب زيد، الذي هو الأخ، و أوضحه، و خصّصه عن غيره من الزّيدين.

الفرع الثّاني: في أقسامه: لا يخلو البدل: أن يكون بينه و بين المبدل منه علاقة، أو لا علاقة بينهما.

____________

(1) هو الأسود بن يعفر النهشلىّ. انظر: المفضّليات 216.

و انظر: المغني 204 و شرح أبياته 4/262 و سمط اللآلى 174-368.

يرقى: يعلو، تقول: رقيت الجبل، أى: علوته، و فى رواية: يوفى، و هما بمعني. المخارم:

جمعمخرم بزنه مجلس، و هو منقطع أنف الجبل و الغلظ، يريد: أنّ المنية و الحتوف ترقبه و تستشرفه.

سواده: شخصه.

(2) 95/مريم.

(3) 87/النمل، و قد مرتّ قريبا، و الاستشهاد بها هنا علي أنه قد جاء الإخبار عن «كلّ» بلفظ الجمع في قوله تعالى: «أَتَوْهُ » .

343

فالّذى بينهما علاقة، لا يخلو أن يكون هو هو، أو هو بعضه، و البعض لا يخلو. أن يكون جزءا منه، أو وصفا فيه، ذاتيا، أو رسميّا، أو ملابسا؛ فاقتضت له هذه القسمة أربعة:

فالّذى هو هو: يسمّى بدل الكلّ من الكلّ، نحو: قام زيد أخوك.

و الّذى هو جزء منه: يسمّى بدل البعض، نحو: ضربت زيدا رأسه.

و الّذى هو وصف له: يسمّى بدل اشتمال، نحو: أعجبني زيد علمه.

و الّذى لا تعلّق له بالأوّل يسمّى بدل الغلط، نحو: عجبت من زيد عمرو، أردت أن تقول: عجبت من عمرو، فسبق النّطق، بـ «زيد» فاستدركته فقلت:

بـ «عمرو» و هذا داخل فى بدل الكلّ من الكلّ، لكنّه خصّ باسم الغلط، و لا يقع فى الشعر (1) ، و انّما يقع فى أوّل الكلام و بديهته.

و الفرق بين/البعضىّ و الاشتمالىّ: أنّ الاشتمالىّ هو الذى يكون المعنى المذكور مشتملا عليه و على الأوّل، و يكون العامل فيه مقتضيا للثّانى، كما يكون مقتضيا للأوّل، و النفس إذا ذكر الأوّل طالبت بالمعنى الذي يستفاد من الثّانى؛ لأنّك إذا قلت في «أعجبنى زيد علمه» : أعجبنى زيد، ذهبت النفس تطلب المعنى المعجب منه، و هو علمه، أو عقله، أو غير ذلك، بخلاف بدل البعض؛ فإنّ النّفس تسكن إلى الأوّل سكونا تامّا، و لا تطالب بالثّانى لو لم يذكر.

و لا يخلو البدل الكلّىّ أن يكون التابع و المتبوع فيه معرفتين، أو نكرتين

____________

(1) و لا فى القرآن الكريم. انظر: الأصول 2/48. و قال الصيمريّ فى التبصرة 159: «و إنّما لم يقع في القرآن؛ لأنه معلوم أنّ المتكلمّ به-عزّ و جلّ-لا يجوز عليه الغلط، و لا يقع فى شعر؛ لأنّ الشاعر بفتش شعره؛ فمتي تنبّه علي الغلط أزاله؛ لما عليه من السّبّة به... »

344

أو أحدهما معرفة، و الآخر نكرة، و المعرفة لا يخلو: أن يكون مظهرا، أو مضمرا، أو أحدهما مظهر، و الآخر مضمر؛ فاقتضت القسمة ثمانية أضرب.

معرفة من معرفة، و معرفة من نكرة، و نكرة من معرفة، و نكرة من نكرة، و مظهر من مظهر، و مظهر من مضمر، و مضمر من مظهر، و مضمر من مضمر؛ نحو: قام زيد أخوك، و قام رجل أخوك، و قام زيد رجل صالح، و مررت برجل غلام، و قام زيد ابنك، و ضربته زيدا، و ضربت زيدا إيّاه، و ضربته إيّاه، و فى جواز الإبدال من هذه الأقسام خلاف، سنذكره‏ (1) فى الفرع الثّالث.

الفرع الثالث: فى أحكامه.

الحكم الأوّل: البدل و المبدل منه فى تقدير جملتين: أولاهما معتبرة الوجود، و منهم من جعلها فى نيّة الطّرح، إذا لم يكن في الكلام عائد، بخلاف الصّفة و التأكيد، و عطف البيان، و متبوعاتها، بدليل ظهور عامل الثاني في قوله تعالى: قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (2) ، و فى قوله: وَ مِنَ اَلنَّخْلِ مِنْ طَلْعِهََا قِنْوََانٌ دََانِيَةٌ (3) ، و قول الشاعر (4) :

____________

(1) انظر: ص 347.

(2) 75/الأعراف.

(3) 99/الأنعام.

(4) هو طرفة بن العبد. انظر: ديوانه 110، و رواية الديوان:

... لكفي‏ء، و لجار و ابن عم‏

و الكفى‏ء: هو المكافئ فى النسب، و هو أن يكون شريفا مثلك.

و المعنى: لا يحسدون هذا الشريف، و يفضلون على الجار و ابن العم.

345

خير حىّ لمعدّ خلقوا # لفقير و لجار و ابن عم‏ (1)

و إنمّا يحسن ظهوره و يكثر، إذا كان حرفا، و يقلّ إذا كان فعلا، فإذا قلت: ضربت زيدا رأسه، فالعامل فى «زيد» : «ضربت» بطريق الأصالة، و فى «رأسه» بالنّيابة عن مضمر مثله، تقديره: ضربت زيدا ضربت رأسه؛ و إنّما حذف عامل الثّانى لتكون حاجته إلى الجملة الأولى داعية؛ و إنّما أظهر حيث أظهر تنبيها عليه، و إعرابه جار علي إعراب المبدل منه؛ رفعا و نصبا و جرّا؛ إيذانا بأنّ محله محل الأوّل.

الحكم الثّانى: إبدال المعرفة من المعرفة إذا كانا مظهرين، كقوله تعالي:

اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ `صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (2) ، و إذا كانا مضمرين، كقولك: ضربته إيّاه، و لم يجئ فى القرآن.

و أمّا النكرة من النكرة: فلا يخلو: أن تكون محضة، أو موصوفة.

فالمحضة من المحضة: كقوله تعالي: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفََازاً. `حَدََائِقَ وَ أَعْنََاباً (3) و الموصوفة: لا يخلو الوصف: [أن يكون‏] (4) في البدل و المبدل منه، كقوله تعالى: قَدْ كََانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتََا فِئَةٌ تُقََاتِلُ فِي

____________

(1) انظر: ديوان المعاني الكبير 556 و كتاب الشعر لأبى علىّ الفاسىّ 220؛ ففيه شرح يطول لهذا البيت.

(2) 6، 7/فاتحة الكتاب.

(3) 31، 32/النبأ.

(4) تتمّة يلتئم بمثلها لكلام.

346

سَبِيلِ اَللََّهِ وَ أُخْرى‏ََ كََافِرَةٌ (1) ، فيمن قرأ بالجّ‏ (2) ، أو يكون المبدل موصوفا، كقوله تعالي: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعََاساً يَغْشى‏ََ طََائِفَةً مِنْكُمْ (3) . ، أو يكون المبدل منه موصوفا، كقولك: جاءنى رجل صالح عبد.

و أمّا المعرفة من النكرة: فكقوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ `صِرََاطِ اَللََّهِ (4) .

و أمّا النّكرة من المعرفة: فكقوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ . `نََاصِيَةٍ كََاذِبَةٍ خََاطِئَةٍ (5) .

و أمّا المظهر من المضمر: فكقوله تعالى: إِمََّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمََا أَوْ كِلاََهُمََا (6) .

فـ «أحدهما» و «كلاهما» بدل من الألف في «يبلغان» عند من‏ (7) قرأ بها، و منه قول الشّاعر (8) :

____________

(1) 13/آل عمران.

(2) و هما: الحسن و مجاهد، انظر: إعراب القرآن لأبي جعفر النحاسى 1/314-. و تفسير القرطبي 4/25، و البحر المحيط 2/393.

(3) 154/آل عمران.

(4) 52، 53/الشورى.

(5) 15/16/العلق.

(6) 23/الإسراء.

(7) و هما: حمزة و الكسائى. انظر: التيسير 139 و الكشف عن وجوه القراءات السبع 2/43-44 و الإقناع لابن الباذش 685.

(8) هو الفرزدق. انظر: ديوانه 2/297.

و انظر: اللمع لابن جنّى 170 و ابن يعيش 3/69 و المساعد 2/433.

347

على حالة لو أنّ فى القوم حاتما # على جوده لضنّ بالماء حاتم‏

و أما المضمر من المظهر؛ فكقولك: رأيت زيدا إيّاه، و لم يرد في القرآن.

و هذه الأقسام كلّها، يجيزها البصريّ، إلاّ المظهر من المضمر، إذا كان المضمر: متكلّما أو مخاطبا نحو قولك، بى المسكين وقع الأمر، و عليك الكريم المعوّل، و الأخفش يجيزه، و يحمل عليه قوله تعالى‏ (1) : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ لاََ رَيْبَ فِيهِ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ (2) ، و هو-عند غيره- (3) مؤوّل‏ (4) . و قد منع الكوفىّ‏ (5) من بعض هذه الأقسام.

الحكم الثّالث: بدل البعض و الاشتمال يفتقر الثّاني منهما إلى ضمير يرجع إلى الأوّل؛ إذ ليس هو هو؛ فتنّزل منزلة خبر المبتدأ إذا كان جملة؛ فاحتاج إلى رابط.

و هذه الأقسام الثمانية التي تقدّم ذكرها، يصحّ أن تقع في بدل البعض، إلاّ بدل المضمر من المضمر، و المضمر من المظهر؛ لأنّ المضمر ليس له صيغة، و لا يفتقر إلي تبعيض، و قد أجاز بعضهم: رأيتهما إيّاه منهما، كما تقول: رأيت الرجلين زيدا منهما.

____________

(1) انظر: معاني القرآن 2/269.

(2) 12/الأنعام.

(3) هو الزجاج كما في البحر المحيط 4/83.

(4) علي أنّ «الذين» في موضع رفع بالابتداء، و قوله: «فهم لا يؤمنون» مبتدأ و خبر، و الجملة فى موضع رفع خبر «الذين» و انظر: إعراب مشكل القرآن 1/258 و الرضىّ علي الكافية 1/342.

(5) منع الكوفيون بدل النكرة من المعرفة ما لم توصف؛ لأنها إذا لم توصف لم تفد. انظر: الهمع 5/218.

غ

348

و بدل البعض: هو البدل الحقيقيّ، دون الكلّيّ؛ لأنّ البعضىّ يخالف المبدل منه لفظا و معنى، و الكلّىّ يخالفه لفظا لا معني، و أنت إنّما تترك الشّى‏ء إلى ما يكون مخالفا له؛ لتحصل الفائدة التى ما كانت تحصل من المتروك، فإذا تركته إلى ما هو مثله لم تكن الفائدة كثيرة، و إنّما يكون فيه ضرب من البيان، تقول: ضربت زيدا يده، فهذا بدل بعض، فإذا قلت: ضربت زيدا اليد و الرّجل جاز أن يكون بدل كل؛ لأنّ «اليد» و «الرّجل» محيطان بالجملة؛ فاستغنى بذكرهما عن ذكرها، و إذا جعلته بدل بعض كان فيه حذف العائد، و صار من باب قولهم: «السّمن منوان بدرهم» ، و سوّغ ذلك هاهنا: نيابة الألف و اللاّم مناب الضّمير، و لو قلت: ضربت زيدا اليد، لم يكن إلاّ بدل بعض/مع حذف العائد. و مثل الأوّل، قوله تعالى: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ (1) ، فاجتماع الجنسين اللّذين لا تخلو منهما الفواحش، سوّغ أن يجعل بدل كلّ.

فإن جزّأت البدل البعضيّ احتجت أن تذكر ما يوافق العدد من الأجزاء، تقول: رأيت الجمال ثلثها، إذا كانت ممّاله ثلث، و لا يجوز أن يكون عددا لا ثلث له، مثل أربعة، و هكذا باقي الأجزاء، و نحو من ذلك، أنّ الثاني إذا استغرق العدّة جاز أن يكون بدلا، و أن يقطع عن الأوّل، تقول: رأيت القوم زيدا و عمرا و خالدا، و زيد و عمرو و خالد، هذا إذا كان عدد القوم ثلاثة، فإن نقصت عن عدد القوم فالقطع، تقول: رأيت القوم زيد و عمرو، كأنّك قلت: منهم زيد و عمرو، و قريب منه ما قاله الأخفش: أن ينظر إلى الأوّل، إن جاز السكوت

____________

(1) 151/الأنعام.

349

عليه، جاز أن يبدل الثانى منه‏ (1) ، تقول: قطع القوم، فإن أردت «الأيدى» ؛ جاز و إن أردت «الأنوف» لم يجز؛ لأنّك لا تقول: قطع القوم، و أنت تريد «الأنوف» ، و إنّما تقول: جدع، فتقول: قطع القوم الأيدى منهم، و جدع القوم الأنوف منهم.

و من هذا النوع، قولك: بعت متاعك أسفله مثل أعلاه، و اشتريت متاعك بعضه أعجل من بعض، و بعت متاعك بعضه مكيلا و بعضه موزونا، إذا أردت أنّ الكيل و الوزن وقعا في حال البيع، فإن رفعت كان الكيل و الوزن قد لحقا قبل البيع، و ليسا بصفة للبيع.

و تقول: «ضرب زيد ظهره و بطنه» ، و «الظّهر و البطن» ، و «مطرنا سهلنا و جبلنا، بالرّفع، على البدل؛ لأنّ الظّهر و البطن مجموع زيد، و السّهل و الجبل مجموع البلاد، قال سيبويه: و إن شئت نصبت، على معنى «في» كما قالوا: دخلت البيت‏ (2) ، و ليس انتصابه هاهنا انتصاب الظّروف، قال: و لم يجيز و احذف حرف الجرّ في غير السّهل و الجبل، و الظّهر و البطن، و زعم الخليل أنهم يقولون: «مطرنا الزرع‏ (3) و الضّرع» .

الحكم الرّابع/: قد تقدّم فى الفرع الثانى تحقيق بدل الاشتمال، و الفرق بينه و بين البعضىّ، فمن بدل الاشتمال قوله تعالي: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ (4) ، لمّا كانت الأحكام التي تتعلّق بالشّهر الحرام كثيرة، و من

____________

(1) لم أقف علي قول الأخفش في المسألة فيما تيسّر لي من مصادر.

(2) انظر: الكتاب 1/158-159.

(3) المصدر السابق 1/159.

(4) 217/البقرة.

350

جملتها القتال فيه، كان مشتملا عليه؛ لأنّه لم يرد السّؤال عن الشّهر الحرام و إنما المراد (السّؤال) (2) عن حكم القتال‏ (3) فيه، و مثله قول الشّاعر (4) :

لقد كان في حول ثواء ثويته # ... تقضّى لبانات و يسأم سائم‏

التقدير: لقد كان في ثواء حول ثويت.

و أكثر ما يكون هذا البدل بالمصادر، فأمّا قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ. `اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ (5) ، فأبدل «النّار» من «الأخدودّ» -و ليست مصدرا-فقليل المجي‏ء، و مع هذا فإنّه حذف العائد؛ لمسدّ الألف و اللاّم مسدّه، و قيل: إنّ قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهََا قُعُودٌ (6) أغنى عن العائد (7) ، و ذهب قوم إلى أنّ «النّار» بدل الشى‏ء من مكانه‏ (1) ، و القتال» بدل الشّى‏ء (2) من

____________

(1) 217/البقرة.

(2) تتمة يلتئم بمثلها الكلام.

(3) انظر: التبصرة 158-159.

(4) هو الأعشى. انظر: ديوانه 77.

و البيت من شواهد سيبويه 3/38. و انظر أيضا. المقتضب 1/27 و 2/26 و 4/297 و الأصول 2/48 و التبصرة 159، و ابن يعيش 3/65 و المغنى 506 و شرح أبياته 7/91.

لبانات: حاجات.

(5) 4، 5/البروج.

(6) 6/البروج.

(7) فى مشكل إعراب القرآن لمكى بن أبى طالب: «و قال بعض الكوفيّين: هو بدل، و لكنّ تقديره: قتل أصحاب الأخدود نارها، ثم صارت الألف و اللام بدلا من الضمير» .

351

زمانه؛ (1) لاشتمال المكان و الزّمان عليهما

و يجوز فى هذا البدل، أن تبدل من ضمير المتكلّم، و المخاطب، بخلاف بدل الكلّ، قال الشّاعر (2) :

ذرينى إنّ أمرك لن يطاعا # و ما ألفيتني حلمى مضاعا

فأبدل «الحلم» من الياء، و إذا جاز ذلك في المتكلّم، فهو في المخاطب أجوز.

الحكم الخامس: يجوز أن يبدل الفعل من الفعل، إذّا اتّفقا فى الزّمن و المعنى، نحو: إن تقم تنهض أنهض معك، و مثله قوله تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ يَلْقَ أَثََاماً `يُضََاعَفْ لَهُ اَلْعَذََابُ (3) و قول الشّاعر (4) :

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا و نارا تأجّجا

____________

(1) قال المبرّد في الكامل 906: «لأنّ المسألة إنما كانت عن القتال أهو يكون فى الشهر الحرام؟» و انظر معانى القرآن و إعرابه للزجّاج 1/289 حيث وافق الزجاج أستاذه المبرّد.

(2) هو عدىّ بن زيد العباديّ. انظر: ديوانه 35.

و البيت من شواهد سيبويه 1/156. و انظر أيضا: الأصول 2/51 و ابن يعيش 3/65 و الهمع 5/217 و الخزانة 5/191.

(3) 68، 69/الفرقان.

(4) هو عبيد اللّه بن الحر، و نسب إلي الحطيئة، و ليس في ديوانه المطبوع.

و البيت من شواهد سيبويه 3/86. و انظر أيضا: المقتضب 2/63 و التبصرة 162 و الإنصاف 583 و ابن يعيش 7/53 و 10/20 و الخزانة 9/90، 96.

الجزل: الغليظ.

352

و لا يصحّ أن تقول: إن تأتني تأكل آكل معك؛ لأنّ الأكل ليس من جنس الإتيان.

و قد تبدل الجملة من الجملة، إذا اتّفقا في المعنى، كقول الشاعر (1) :

ذكرتك و الخطّيّ يخطر بيننا # و قد نهلت منا المثقّفة السّمر

فأبدل «و قد نهلت منّا» من قوله: «و الخطّىّ يخطر بيننا» ، و هو في موضع الحال، فالفعل و الفاعل بدل من المبتدأ و الخبر.

و يجوز أن تبدل الحرف و ما يتعلّق به، من الحرف و ما يتعلّق به، تقول:

سألت عن النّاس عن كسبهم، و قد تقدّم ذكر ذلك.

و لا تبدل من الموصول حتّى تتمّ صلته، و لا تقدّم البدل فيه علي المبدل منه فلا تقول: ضربت زيدا الّذي في الدّار، و لا ضربت الّذى زيدا في الدّار، و «زيد» بدل من «الّذى» .

النّوع الرّابع:

فى عطف البيان:

قد تقدّم أنّ عطف البيان أحد الأقسام الخمسة التّوابع، و أنّه مكمّل

____________

(1) هو أبو أبو عطاء السّنديّ. انظر: شرح حماسة أبى تمّام للمرزوقى 56.

انظر: ابن يعيش 72 و المغنى 426 و شرح أبياته 6/301.

الخطّىّ: الرمح المنسوب إلى الخطّ، و هو موضع بساحل بحر عمان، و قال البغداديّ في شرح أبيات المغني: هو موضع باليمامة. يخطر-بكسر الطاء-مضارع: خطر، بالفتح، و المعنى: يهتزّ، يقال:

رمح خطّار، أي: ذو اهتزاز.

نهلت-من باب: فرح-أي: رويت. المثقّفة: المعدّلة، و تثقيف الرماح: تقويم المعوّج منها. السّمر:

جمع أسمر، من صفة الرمح.

353

للأوّل، و أنّه في تقدير جملة واحدة، و أنّه لا يفيد فائدة المشتقّ، فهو عديل التأكيد في صفته، إلا أنّه يفارقه: بأنّ التأكيد محصور الألفاظ، و هذا لا حصر له.

و يفارق الوصف في الاشتقاق و الجمود، و تحمّل الضّمير.

و يفارق البدل في تقدير الجملة و الجملتين، و عطف البيان يكون الأول فيه ما يعتمده الحديث، و يرد الثاني، لإيضاح أمره، و البدل: الثاني فيه، معتمد الحديث، و الأوّل كالتّوطئه له.

و القول الجامع في عطف البيان، أنّه: اسم يتبع الاسم الذي قبله، على جهة البيان له. و يكون بالألفاظ الجامدة، و يتنزّل من الكلمة المتبوعة منزلة الكلمة المترجمة عمّا قبلها؛ فيكون الثاني معرّفا للأوّل؛ لأنّه أشهر أسماء/المذكور أو كناه؛ تقول: مررت بزيد أبي محمّد، ففي الكنية بيان اختصاص «زيد» بالذكر، ألا ترى أنّ المخاطب يعلم أنّ الذى يعنيه من المسّمين‏[بزيد] (1) هو الّذى يكنى بـ «أبي محمّد» و كذلك إذا قلت: مررت بأبى محمّد زيد، علم أنّك تريد من جملة المكنّين بـ «أبى محمّد» الرّجل الذى اسمه «زيد» و يكون ذلك فيما يزيد فيه أحد (2) الاسمين علي الآخر شهرة و معرفة.

و أوضح ما يتبيّن فى النّداء، تقول: يا أيّها الرّجل غلام زيد؛ فـ «غلام زيد» لا يكون بدلا من «الرّجل» ؛ لأنّه ليس فى تقدير جملتين، و لا وصفا؛ لأنّ ما فيه الألف و اللام لا يوصف بالمضاف إلى العلم، و كذلك: يا أخانا زيدا؛ فـ «زيد»

____________

(1) تتمّة يلتئم بمثلها الكلام.

(2) في الأصل: أحدهما.

354

ليس وصفا؛ لأنّه غير مشتقّ، و لا بدلا؛ لأنّه ليس بمبنىّ، و لو كان بدلا لقلت:

يا أخانا زيد.

و كل أسماء الإشارة عطف بيان في الحقيقة؛ لأنّها لا اشتقاق فيها و قوم يجعلونها صفة (1) .

و ممّا يفرّق به بين البدل، و عطف البيان: أنّك إذا قلت للرّجل له أخ واحد:

مررت بأخيك زيد، كان بدلا، و لم يكن عطف بيان، و لو كان له إخوة، فقلت:

مررت بأخيك زيد، كان «زيد» عطف بيان؛ و حيث كان عطف البيان كالوصف كان لإزالة اللّبس، و لا لبس فى المسألة الأولى.

و سيبويه لم يفرد لعطف البيان بابا، و إنّما ذكره في ضمن الأبواب‏ (2) .

النّوع الخامس:

في العطف بالحرف، و يسمّى النّسق، و فيه ثلاثة فروع:

الفرع الأوّل: في تعريفه،

و هو: أن تجمع بين التّابع و المتبوع في الإعراب لفظا و موضعا بحرف خارج منهما، مع اجتماعهما فى الحكم و اختلافهما.

____________

(1) فى ابن يعيش 3/57: «و أمّا أسماء الإشارة فتوصف، و يوصف بها؛ فتوصف لما فيها من الإبهام... و يوصف بها؛ لأنها في مذهب ما يوصف به من المشتقّات، نحو: الحاضر و الشاهد و القريب و البعيد، فإذا قلت: ذاك، فتقديره: البعيد أو المتنحيّ، و نحو ذلك... » .

و في المساعد علي تسهيل الفوائد 2/419: «من الأسماء ما ينعت به، و ينعت، كاسم الإشارة، نحو:

«كبيرهم هذا» «ابنتيّ هاتين» «أهذا الّذي بعث اللّه رسولا» «و أهذا الذي يذكر» ، و هذا مذهب البصرّيين.

و قال الكوفيّون: لا ينعت به و لا ينعت، و تابعهم و السّهيلىّ، و نقل عن الزّجاج، و يخرّج ما ظاهره ذلك على البدل أو عطف البيان»

(2) تكلّم عليه في باب النداء 2/185-186.

355

و حروفه تسعة: «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» و «لا» و «بل» و «لكن» و «أم» و «حتّى» و زاد قوم: إمّا (1) . و زاد آخرون: «ليس» (2) و «كيف» (3) و قال آخرون: هي ثمانية، و أسقطوا «حتّى‏ (4) و قال قوم: هي ثلاثة (5) : «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» و كلّ هذه أقوال، و الأكثر، على أنّها تسعة (6) ، أو عشرة، بزيادة «إمّا» .

الفرع الثّاني: في معاني هذه الحروف، و أوضاعها.

أمّا «الواو» : فلها في العربيّة مواضع، هذا أحدها، و هي العاطفة الجامعة، و النّحاة مجموعون‏ (7) على أنّها تفيد الجمع بين الشّيئين، أو

____________

(1) يفهم من قول ابن الاثير: و زاد قوم «إمّا» : أنه متابع لأبى على الفارسىّ الذى يرى أن «إمّا» ليست من حروف العطف، و قد صرّح الفارسىّ بهذا فى الإيضاح العضدى 1/289. و يبدو أن الفارسىّ متابع لغيره فى هذا الرأي، فقد نسب إلى يونس أيضا أنه أنكر أن «إما» من حروف العطف، و نقل ذلك عن ابن كيسان. انظر: الجنى الدانى 487 و ابن يعيش 8/89.

هذا و جمهور النحويين على أنّ «إمّا» من حروف العطف، و انظر الأصول 2/56 و التبصرة 138-139.

(2) و هذا رأي الكوفيين. انظر: الأزهية 25.

و الهمع 5/263 و شرح أبيات المغنى 5/211.

(3) فى الهمع 5/265-266: «و نسب ابن عصفور العطف بـ «كيف» للكوفيّين. قال ابن بابشاذ: و لم يقل به منهم إلا هشام وحده» . و انظر أيضا: شرح أبيات المغنى 4/273.

(4) نسب ذلك أيضا إلى الكوفيين. انظر: ابن يعيش 8/89 و الهمع 5/260.

(5) فى ابن يعيش 8/89: 8 «و ذهب ابن درستويه إلى أن حروف العطف ثلاثة لا غير: «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» ، قال: لأنها تشّرك بين ما بعدها و ما قبلها فى معنى الحديث و الإعراب، و ليس كذلك البواقى لأنهنّ يخرجن ما بعدهنّ من قصّة ما قبلهنّ. » .

(6) انظر: ابن يعيش فى الموضع السابق.

(7) أىّ: فى مجموعهم؛ لأنّ منهم من يذهب أنّها تفيد الترتيب أيضا. انظر تفصيل مذاهب النحاة فى هذه المسألة فى الجنى الدانى 188-190.

356

الأشياء، من غير ترتيب، و هو مذهب أبي حنيفة (1) ، رضي اللّه عنه.

و ذهب قوم-منهم ثعلب‏ (2) -إلى أنّها تفيد الترتيب مع الجمع، و إليه ذهب الشافعيّ‏ (3) رضي اللّه عنه، و لكلّ حجّة على ما ذهب إليه لم نطل بذكرها.

و الظاهر في العربيّة: أنّها للجمع خاصّة؛ و لهذا اختصّت بما يقتضى اثنين فصاعدا، نحو: اختصم زيد و عمرو، و المال بين بكر و خالد، و سيّان قيامك و قعودك، و سواء خروجك و دخولك، و لا يستعملون مع هذا النّوع «الفاء» ؛ حيث هي للتّرتيب.

و قد حذفوا الواو في العطف، و هي مرادة، قال: (4)

فأصبحن ينثرن آذانهنّ # فى الطّرح طرفا شمالا يمينا

____________

(1) انظر: المغنى فى أصول الفقه، للإمام جلال الدين بن عمر الخبّازى، ص 407 و البرهان فى أصول الفقه، لإمام الحرمين 1/181.

(2) مجالس ثعلب 454.

(3) هذا هو المشهور عن الشافعىّ كما فى الموضع السابق من «البرهان» (هامش 1) . و انظر أيضا:

الجنى الدانى 189.

و قد ردّ الرّازيّ ذلك المشهور عن الشافعي. انظر: «المحصول» في علم أصول الفقه للإمام الرازيّ 1/507-512، و قال محقّق «المحصول» في هامش 1/507: «أمّا ما يتعلّق بالنقل عن الإمام الشافعيّ-رضي اللّه عنه-فإن كان مستنده قوله باشتراط الترتيب فى أعضاء الوضوء، فإنّه- رضي اللّه عنه-احتجّ لذلك بوجوه عديدة، ليس منها. أنّ الواو للترتيب؛ فراجع «الأمّ» 1/30 ط الفنّيّة... » .

(4) لم أهتد إلى هذا القائل. و البيت فى ضرائر الشعر لابن عصفور 161 بدون نسبة.