معالم المدرستين - ج2

- السيد مرتضى العسكري المزيد...
393 /
3

المجلد الثانى‏

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فَبَشِّرْ عِبََادِ `اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدََاهُمُ اَللََّهُ وَ أُولََئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ. الزمر 17-18

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مقدمة الطبعة الثالثة:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و السلام على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، و على أصحابه البررة الميامين، و بعد:

لما كان هذا الكتاب في بحوثه نسيج وحده، شأنه في ذلك شأن كتابي «عبد اللّه بن سبأ» و «خمسون و مائة صحابي مختلق» و لم تنسج على منوال سابق؛ كان لا بدّ لبحوث الكتب الثلاثة أن تتكامل تدريجيا.

لذا صدر الجزء الأول منه:

في طبعته الأولى، عام 1405 في 215 صفحة و في طبعته الثانية، عام 1406 في 371 صفحة و في طبعته الثالثة، عام 1409 في 519 صفحة و في طبعته الرابعة هذه، عام 1412 في 616 صفحة و صدر الجزء الثاني منه:

في طبعته الأولى، عام 1405 في 378 صفحة و في طبعته الثالثة، هذه عام 1412 في 405 صفحة

6

و لو فسح اللّه تعالى في الأجل، و شاء لي-عزّ اسمه-أن أستدرك على بعض بحوث هذا الكتاب بعد هذه الطبعة فسوف ألحق المستدرك في طبعاته القادمة بآخر الكتاب و لا أغير وضع البحوث عما هو عليه في هذه الطبعة إن شاء اللّه تعالى هذا و الكمال للّه وحده و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

مرتضى العسكري نجل السيد محمد الحسيني نجل السيد اسماعيل شيخ الإسلام‏

7

تتمة بحوث المدرستين حول مصادر الشريعة الاسلامية

البحث الثالث مصادر الشريعة الإسلامية لدى المدرستين‏

المدخل: خمسة مصطلحات اسلاميّة الفصل الأول: موقف المدرستين من القرآن الكريم الفصل الثاني: موقف المدرستين من سنّة الرسول (ص) الفصل الثالث: موقف المدرستين من الفقه و الاجتهاد الفصل الرابع: القرآن و السنّة هما مصدرا التشريع لدى مدرسة أهل البيت (ع) الفصل الخامس: خلاصة بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلاميّة الخاتمة: آراء القرّاء حول الكتاب.. و نداء و دعوة إلى اعلام الامّة الإسلامية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

في دراسة مصادر الشريعة الإسلاميّة لدى المدرستين، نبدأ بدراسة المصطلحات الخمسة الآتية: القرآن و السنّة و البدعة و الفقه و الاجتهاد.

ثمّ ندرس موقف المدرستين من كلّ منها. و ندرس خلال البحوث مصطلحات أخرى ممّا يدور بعض البحوث حولها، إن شاء اللّه تعالى.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المدخل خمسة مصطلحات إسلاميّة

1-القرآن 2 و 3-السنّة و البدعة 4-الفقه 5-الاجتهاد

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13
(1) القرآن‏

القرآن: هو كلام اللّه الّذي نزّله نجوما على خاتم أنبيائه محمد (ص) ، و يقابله الشعر و النثر في الكلام العربي. و عليه فإنّ الكلام العربي ينقسم إلى قرآن و نثر، (1) ، و كما أنّه يقال لديوان الشاعر «شعر» ، و للقصيدة في الديوان «شعر» ، و للبيت الواحد فيه «شعر» ، و للشطر الواحد أيضا «شعر» ، كذلك يقال لجميع القرآن «قرآن» ، و للسورة الواحدة «قرآن» ، و للآية الواحدة «قرآن» ، و أحيانا لبعض الآية «قرآن» (2) ، مثل «و مما رزقناهم» في الآية من سورة البقرة.

و القرآن بهذا المعنى، مصطلح إسلامي و حقيقة شرعيّة، لأنّ منشأ هذه الاستعمالات؛ و رودها في القرآن الكريم و الحديث النبويّ الشريف.

أسماء أخرى للقرآن‏

استخرج العلماء من القرآن أسماء أخرى للقرآن، و هي في حقيقتها، من باب ذكر الشي‏ء بصفاته. و من أشهرها «الكتاب» ، قال اللّه سبحانه:

ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ البقرة/2. فإنّ المقصود من الكتاب هنا، القرآن الّذي بأيدي المسلمين في مقابل كتاب التوراة لليهود، و الإنجيل للنصارى و إنّما شخّص المقصود من الكتاب هنا بالألف و اللام للعهد في أوّله.

و ورد لفظ «الكتاب» في القرآن و أريد به التوراة في قوله تعالى: وَ مِنْ قَبْلِهِ

____________

(1) و هذا أحد وجوه إعجاز القرآن الكريم و ذلك لأنّ كلام بني آدم جميعه في جميع اللغات، إمّا شعر أو نثر، و القرآن في كلام العرب ليس بشعر و لا نثر، بل هو قرآن عربي مبين، و هو كلام اللّه المجيد، و ليس من كلام الآدميين.

(2) الحمل و التبادر علامتان للحقيقة، كما قررها العلماء في محله من الكتب العلمية.

14

كِتََابُ مُوسى‏ََ . و هنا شخّص المقصود بالإضافة إلى صاحبه موسى.

و قد اشتهر لدى النحويين كتاب سيبويه في النحو ب «الكتاب» .

قال في باب الكتاب من كشف الظنون:

«كتاب سيبويه في النحو: كان كتاب سيبويه لشهرته و فضله علما عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: «قرأ فلان الكتاب» فيعلم أنّه كتاب سيبويه، و «قرأ نصف الكتاب» فلا يشك أنّه كتاب سيبويه... » و شرحه أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن خروف النحوي الأندلسي الإشبيلي (ت: 609 ه) و سمّاه: تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب.

و شرح ابو البقاء عبد اللّه بن الحسين العكبري البغدادي الحنبلي (ت: 616 ه) أبياته و له «لباب الكتاب» .

و لأبي بكر محمد بن حسن الزّبيدي الأندلسي الإشبيلي (ت: 380 ه) أبنية الكتاب‏ (1) .

إذا فليس «الكتاب» اسما خاصّا للقرآن، في القرآن الكريم و لا في عرف المسلمين.

و من تلكم الأسماء «النور» ، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً النساء/174. و منها: «الموعظة» ، قال تعالى: قَدْ جََاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يونس/59و كذلك «كريم» (2) لقوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ الزخرف/41 هذه الأسماء نما وردت في القرآن، ليست بأسماء للقرآن كما قاله العلماء، و إنما هي من باب التعبير و التعريف بصفات القرآن.

و من أسماء القرآن لدى مدرسة الخلفاء «المصحف» ، و هذه اللفظة لم ترد في القرآن الكريم و لا الحديث النبوي الشريف.

____________

(1) كشف الظنون لحاجي خليفة مصطفى بن عبد اللّه (ت: 1076 ه) تركيا، ج 2/1427 و 1428.

و سيبويه، أبو مبشر أو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر البصري مولى بني الحارث بن كعب. توفي سنة 180 هـ.

(2) البرهان في علوم القرآن للزركشي (ت: 794 ه) ، ط. القاهرة، (النوع الخامس عشر: معرفة أسمائه) ، ج 1/273 و 276.

15

روى الزركشي و غيره و قالوا:

«لما جمع أبو بكر القرآن قال: سمّوه، فقال بعضهم: سمّوه إنجيلا، فكرهوه و قال بعضهم سمّوه (السفر) فكرهوه من يهود، فقال ابن مسعود: رأيت للحبشة كتابا يدعونه (المصحف) فسمّوه به‏ (1) .

إذن فإنّ تسمية القرآن ب (المصحف) من نوع تسمية المسلمين و مصطلح المسلمين، و ليس اصطلاحا إسلاميّا، و حقيقة شرعيّة.

و شأن المصحف في هذه التسمية شأن (الشاري) عند الخوارج، فإنّه عندهم اسم لكلّ من هيّأ نفسه لقتال المسلمين. و يستعمل عند غير الخوارج و يراد به (المشتري) الّذي يقابل البائع في البيع و الشراء، فإذا وجدنا لفظ (الشاري) في كلام غير الخوارج نفهم أنّه أريد به (المشتري) ، و ليس المقصود به من هيّأ نفسه لقتال المسلمين، و على العكس عند الخوارج. و شأنه أيضا شأن (المبسوط) عند السوريين و العراقيين فهو في استعمال العراقيين بمعنى: المضروب، و عند السوريين بمعنى: المسرور. فإذا وردت في كلام السوريين عرفنا أنّه أريد بها: المسرور، و إذا وردت في كلام العراقيين عرفنا أنّه أريد بها: المضروب.

و بناء على ذلك فالمصحف في تسمية مدرسة الخلفاء بمعنى القرآن الكريم إذا ورد في كلامهم، و إذا ورد في كلام مدرسة أهل البيت و قالوا: مصحف فاطمة، كما قالوا الصحيفة السجاديّة لكتاب أدعية الإمام السجّاد المشهور و المطبوع، و في كلا المقامين أريد بهما: كتاب فاطمة و كتاب السجّاد.

____________

(1) ن. م، ج 1/282.

و الإتقان للسيوطي (ت: 911 ه) ، القاهرة 1368 ه، ص 63.

16
(2 و 3) السنّة و البدعة

السنّة و البدعة مصطلحان إسلاميان تتوقّف معرفة أحدهما على معرفة الآخر ثمّ المقارنة بينهما في كلّ مورد يراد تشخيص أمره، و شرح المصطلحان كالآتي:

أوّلا-السنّة:

السنّة في اللغة: الطريقة و السيرة، حميدة كانت أو ذميمة (1) . و في الشرع الإسلامي‏ يراد بها ما أمر به النبيّ (ص) و نهى عنه و ندب إليه، قولا و فعلا ممّا لم ينطق به الكتاب العزيز (2) . و يشمل تقرير الرسول (ص) و هو أن يرى الرسول (ص) عملا من مسلم و لا ينهاه عن ذلك، فإنّه حينئذ قد أقرّ بسكوته صحّة ذلك العمل‏ (3) . و من ثمّ يقال في أدلّة الشرع: الكتاب و السنّة، أي القرآن و الحديث‏ (4) .

ثانيا-البدعة

البدع في اللغة: الأمر الّذي يفصل أوّلا (5) . و البدعة في الدين: إيراد قول أو فعل لم يستنّ قائله و فاعله فيه بصاحب الشريعة (6) .

____________

(1) مادة (سنن) و (بدع) في المعجم الوسيط.

(5) مادة (سنن) و (بدع) في المعجم الوسيط.

(3) في سنن أبي داود 2/274-275 عن الصحابي الأنصاري سهل بن سعد «ما صنع عند النبيّ (ص) سنّة» .

(2) نهاية اللغة لابن الأثير مادّة (سنن) .

(4) نهاية اللغة لابن الأثير مادّة (سنن) .

(6) راجع مفردات راغب مادّة (بدع) .

17
السنّة من مصادر الشريعة الإسلاميّة

إنّما كانت سنّة رسول اللّه (ص) من مصادر الشريعة الإسلاميّة لقوله تعالى:

مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر/7.

و قوله تعالى: مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ، `إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ النّجم/3.

و قوله تعالى: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ ذَكَرَ اَللََّهَ كَثِيراً الأحزاب/21.

و قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ آل عمران/31.

و قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ كَلِمََاتِهِ وَ اِتَّبِعُوهُ الأعراف/158.

إلى آيات أخرى...

و ورد في أحاديث كثيرة عنه (ص) أنّه حثّ المسلمين على اتّباع سنته و نهاهم عن مخالفتها، مثل قوله (ص) :

«من رغب عن سنّتي فليس منّي» (1) .

و على هذا، فإنّ السنّة مصطلح إسلامي و حقيقة شرعيّة، و ينحصر طريق وصول سنّة الرسول (ص) ، أي: «سيرته و حديثه و تقريره» إلينا بالروايات المروية عنه (ص) ، و المدونة في عصرنا في كتب الحديث و السيرة و التفسير و غيرها من مصادر الدراسات الإسلاميّة، مثل الروايات الآتية:

في حديث عائشة عن رسول اللّه (ص) أنّه قال:

«النكاح سنّتي فمن لم يعمل بسنّتي فليس منّي‏ (2) .

و عن عمرو المزني أنّ رسول اللّه (ص) قال:

____________

(1) راجع مادة (السنة) من المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.

(2) سنن ابن ماجة ص 592 كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح، الحديث/1845

18

«من أحيا سنّة من سنّتي فعمل بها النّاس، كان له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص‏[اللّه‏]من أجورهم شيئا. و من ابتدع بدعة فعمل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص‏[اللّه‏]من أوزار من عمل بها شيئا» .

و في رواية أخرى:

«من أحيا سنّة من سنّتي أميتت بعدي... » الحديث‏ (1) .

و عن جابر، قال رسول اللّه (ص) :

«أمّا بعد، فإنّ خير الأمور كتاب اللّه و خير الهدي هدي محمّد و شرّ الأمور محدثاتها، و كلّ بدعة ضلالة» و في رواية أخرى:

«إنّ أفضل الهدي هدي محمّد (ص) ... » الحديث‏ (2) .

و عن ابن مسعود، أنّ النبيّ (ص) قال:

«سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنّة و يعملون بالبدعة، و يؤخرون الصلاة عن مواقيتها» فقلت: يا رسول اللّه إن أدركتهم كيف أفعل؟قال: «تسألني يا ابن أمّ عبد كيف تفعل!لا طاعة لمن عصى اللّه‏ (3) !!!» .

و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (ص) :

«أبى اللّه أن يقبل عمل صاحب بدعة حتّى يدع بدعته» (4) .

و عن حذيفة أنّ رسول اللّه (ص) قال:

____________

(1) سنن ابن ماجة ص 76، المقدمة، باب من أحيا سنّة، الحديث 209 و 210، و سنن الترمذي 1/147-148.

(2) سنن ابن ماجة ص 17 المقدمة، باب اجتناب البدع، الحديث 45، و الحديث الثاني في سنن الدارمي 1/69. المقدمة، باب اجتناب البدع، الحديث 45.

(3) سنن ابن ماجة، ص 956، كتاب الجهاد، باب لا طاعة في معصية اللّه، الحديث 2865، و مسند أحمد 1/400

(4) سنن ابن ماجة ص 19 المقدمة باب 17 الحديث 50 و 49 و الصرف بمعنى النافلة، و العدل: الفريضة.

راجع مادّة (العدل) في مفردات الراغب، و الصرف في نهاية اللغة لابن الأثير.

19

«لا يقبل اللّه لصاحب بدعة صوما و لا صلاة و لا صدقة و لا حجّا و لا عمرة و لا جهادا و لا صرفا و لا عدلا؛ يخرج عن الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين» و ذكر اللّه البدعة في قوله تعالى: وَ رَهْبََانِيَّةً اِبْتَدَعُوهََا مََا كَتَبْنََاهََا عَلَيْهِمْ الحديد/27.

الخلاصة:

الشرع الإسلامي: ما ورد في الكتاب و السنّة و ما استنبط منهما.

و البدعة: ما أدخل في الدين برأي إنسان ما و لم يرد في الكتاب و السنّة و لا استنبط منهما. و إن سميناه بالاجتهاد و المصالح المرسلة أو الإسلام المتطور حسب حاجة العصر باصطلاح أهل هذا العصر. و يصدق عليه كلّ ما ورد في أحاديث الرسول (ص) بشأن البدعة و المبدع.

20
(4) الفقه‏

أ-الفقه في اللغة ، كما ورد في المعاجم: الفهم.

ب-الفقه في الكتاب و السنّة ، كما يأتي بيانه:

قال اللّه سبحانه: فَلَوْ لاََ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذََا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة/122.

و قال رسول اللّه (ص) : «نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي هذه فبلغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (1) .

و روي انه قال: «فقيه اشدّ على الشيطان من الف عابد» (2) .

و «من فقه في دين اللّه و نفعه ما بعثني اللّه به، فعلم و علّم» (3) .

و «خياركم أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا» (4) .

و «خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (5) .

و «خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت و لا فقه في الدين» (6) .

____________

(1) ابن ماجة، المقدمة باب 18 «من بلغ علما» الحديث، 23 و 231 و 236 و كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر، و سنن ابي داود، كتاب العلم باب فضل نشر العلم، ح 3660، باب 10. و الترمذي، كتاب العلم باب 7 ما جاء في الحثّ على تبليغ السماع، 10/136 و راجع 124 منه. و الدارمي 1/74-76، المقدمة، باب 24. و مسند أحمد 3/225 و 4/80 و 82 و 5/173.

(2) سنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، 10/154.

(3) صحيح البخاري 1/18، و كتاب العلم، باب 20 و مسلم كتاب الفضائل ح 15، و مسند احمد 4/399.

(4) مسند احمد 2/467 و 469 و 481.

(5) صحيح البخاري 2/175، و صحيح مسلم كتاب الفضائل ح 199، باب خيار الناس، و سنن الدارمي، المقدمة ص 73 باب 24، و مسند احمد 2/257 و 260 و 391 و 431 و 485 و 498 و 525 و 539 و 3/367 و 383 و 4/101.

(6) سنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، 10/157

21

و «من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدين» (1) .

و «إنّ رجالا يأتونكم من أقطار الأرضين يتفقّهون في الدين. فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا» (2) .

و إنّه دعا لابن عباس و قال: «اللّهم فقّهه في الدين» (3) .

و ورد في محاورات أهل البيت و الصحابة بعد رسول اللّه:

أ- قول الإمام عليّ: «ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه؟قالوا بلى يا أمير المؤمنين، قال: من لم يقنط الناس من رحمة اللّه، و لم يؤمنهم من عذاب اللّه، و لم يرخّص لهم في معاصي اللّه» (4) .

و قال يحيى بن سعيد الأنصاري: ما أدركت فقهاء أرضنا إلاّ يسلّمون في كلّ اثنتين من النهار» (5) .

و قال عمر: «تفقّهوا قبل أن تسوّدوا» (6) .

فمن سوّده قومه على فقه كان حياة له و لهم، و من سوّده قومه على غير فقه كان هلاكا له و لهم‏ (7) .

و قال ابن عبد الرحمن في وصف ابن عبّاس: «إنّه قارئ لكتاب اللّه، فقيه في دين اللّه» (8) .

و في باب اختلاف الفقهاء من سنن الدارمي: «كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق ليقضي كلّ قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم» (9) .

و فيه أيضا: و إذا جلسوا العشاء-الآخرة-جلسوا في الفقه» (10) ،

____________

(1) صحيح البخاري 1/16، و 4/175، و سنن الدارمي 1/74، و مسند احمد 1/306 و 1/234 و 4/92 و 93 و 95-99 و 101.

(2) سنن الترمذي 10/119، و سنن ابن ماجة، المقدمة، الباب 22.

(3) صحيح البخاري 1/28، و مسند احمد 1/266 و 314 و 328 و 335.

(4) سنن الدارمي 1/89. و الكافي 1/36. و تحف العقول باب ما روى عن أمير المؤمنين، فصل و روى عنه في قصار هذه المعاني. و معاني الاخبار للصدوق باب معنى الفقيه حقا، ص 374. و كنز العمال كتاب العلم، باب الترغيب فيه، الحديث 278، 10/103. و حلية الأولياء 1/77. و البحار 17/407.

(5) صحيح البخاري، 1/141، كتاب التهجد باب 25.

(6) صحيح البخاري، كتاب العلم 1/16، و سنن الدارمي 1/79.

(7) سنن الدارمي 1/79.

(8) مسند احمد 1/349.

(9) سنن الدارمي 1/151.

(10) سنن الدارمي 1/149.

22

«و لا بأس بالسمر في الفقه» (1) ، «و كانوا يتجالسون بالليل و يذكرون الفقه» (2)

و في صحيح البخاري باب السمر في الفقه‏ (3) . و قال الشعبي: «لمّا قدم عديّ ابن حاتم الكوفة أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة» (4)

و عن عمران المنقريّ قال: قلت للحسن يوما في شي‏ء قاله: «يا أبا سعيد ليس هكذا يقول الفقهاء!فقال: ويحك و رأيت أنت فقيها قطّ، إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربّه» (5)

هذا بعض ما ورد في كتب حديث مدرسة الخلفاء، و ورد في كتب حديث مدرسة أهل البيت:

أ- عن رسول اللّه (ص) : «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا» (6) ، «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا من أمر دينها ينتفعون بها في أمر دينهم، بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما» (7) .

ب- في نهج البلاغة من كلام الإمام عليّ: «من اتّجر بغير فقه فقد ارتطم في الرّبا» (8) ، «و ربيعا لقلوب الفقهاء» (9) ، «و تفقّه في الدين» (10) .

ج- و عن الإمام الصادق: «ليت السياط على رءوس أصحابي حتّى يتفقّهوا في الحلال و الحرام» (11) ، «لا يكون الرجل منكم فقيها حتّى يعرف معاريض كلامها» (12) .

____________

(1) سنن الدارمي 1/150.

(2) سنن الدارمي 1/150.

(3) صحيح البخاري 1/79، كتاب المواقيت باب 40.

(4) سنن ابن ماجة ح 87.

(5) سنن الدارمي 1/89.

(6) البحار 2/110.

(7) البحار 2/156 الحديث 10، و نظيره الحديث 9.

(8) نهج البلاغة، باب الحكم، الرقم 447 ج 3/259.

(9) نهج البلاغة، في وصف القرآن، الخطبة 196 ج 2/252.

(10) نهج البلاغة، من وصية له للامام الحسن، رقم 31 ج 3/42.

(11) البرقي في المحاسن، الحديث 161 و البحار، ط. أمين الضرب 1/66.

(12) البحار، 2/184، ح 5.

23

و قوله: «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه. » (1)

كان هذا مدلول الفقه و الفقيه في الكتاب و السنّة. ثمّ اختص لدى علماء مدرسة أهل البيت بالعلم بالأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية.

قال جمال الدين الحسن بن زين الدين (ت: 1011 هـ) في كتابه، معالم الدين، المشهور ب (معالم الاصول) :

الفقه في اللغة: الفهم و في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية» (2) .

يقصد بالاصطلاح، اصطلاح علماء مدرسة أهل البيت.

____________

(1) سفينة البحار 2/381 بمادة فقه.

(2) معالم الدين، تصحيح عبد الحسين محمد علي البقال، ص 66

24
(5) الاجتهاد
أوّلا-الاجتهاد في اللغة

قال ابن الأثير: «الاجتهاد بذل الجهد في طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد الطاقة» (1) .

و في هذا المعنى، استعمل على عهد الرسول و أصحابه إلى آخر القرن الأوّل.

فقد ورد عن رسول اللّه:

أ- أمّا السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم‏ (2) .

ب- صلّوا عليّ و اجتهدوا في الدعاء (3) .

ج- فضل العالم على المجتهد مائة درجة (4) ، أي المجتهد في العبادة.

و عن محمّد القرظي: «كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم، عابد مجتهد» (5) .

و عن عائشة: «كان رسول اللّه يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره‏ (6) .

أي يجتهد في العبادة» .

و في حديث طلحة عن رجلين على عهد رسول اللّه: «كان أحدهما أشدّ اجتهادا

____________

(1) مادة جهد من نهاية اللغة لابن الاثير.

(2) صحيح مسلم كتاب الصلاة ح 207، و مسند احمد 1/219.

(3) سنن النسائي 1/190 باب الامر بالصلاة على النبي، و في مسند احمد 1/199 باختصار.

(4) مقدمة سنن الدارمي، 1/100.

(5) موطا مالك، كتاب الجنائز ح 43.

(6) صحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، ح 8، و سنن ابن ماجة، كتاب الصيام، ح 1767.

25

من الآخر فغزا المجتهد منهما فاستشهد» (1) .

و عن أبي سعيد: «كان رسول اللّه (ص) إذا حلف و اجتهد في اليمين، قال» (2) .

و في خبر عبد اللّه بن أبي في غزوة بني المصطلق: «فاجتهد بيمينه ما فعل» (3) .

و في سؤال الصحابية أمّ حارثة عن شأن ابنها حارثة من رسول اللّه (ص) : إن كان في الجنّة، صبرت و إن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء (4) .

نعرف من هذه الموارد و الكثرة الكاثرة من نظائرها، أنّه كان المتبادر من الاجتهاد في القرن الأوّل، هو بذل الجهد، ثمّ تطور مدلول الاجتهاد لدى المسلمين، و أصبح يدلّ في اصطلاحهم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

ثانيا-الاجتهاد في اصطلاح المسلمين‏

قال الغزالي في تعريف الاجتهاد: «هو عبارة عن بذل المجهود و استفراغ الوسع في فعل من الأفعال. و لا يستعمل إلاّ في ما فيه كلفة و جهد... لكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة... » (5) .

و قال الدهلوي: «حقيقة الاجتهاد استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام: الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس» (6) .

و كذلك عرّف محمّد أمين أدلّة الأحكام في كتاب تيسير التحرير (7) .

____________

(1) سنن ابن ماجة، كتاب الرؤيا، ح 3925، و مسند احمد، 1/163 و 2/323 و 363 و 6/82 و 123 و 256 و 5/40.

(2) مسند احمد، 3/33 و 148.

(3) صحيح البخاري، 3/136 كتاب التفسير، تفسير سورة (المنافقون) . و صحيح مسلم، كتاب المنافقين، ح 1. و مسند أحمد 4/373

(4) صحيح البخاري، 2/93 كتاب الجهاد، و مسند احمد 3/260 و 283.

(5) أبو حامد محمد الغزالي (ت: 505 ه) في كتاب المستصفى في أصول الفقه، ط مصطفى البابي بمصر سنة 1356 ه (ج 2/101) ، راجع ترجمته بكشف الظنون 2/1673، و راجع الأحكام للآمدي 4/141.

(6) نقل ذلك محمد فريد وجدي في مادة جهد من دائرة معارف القرن العشرين 3/236 عن رسالة الإنصاف في بيان سبب الاختلاف لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الفاروقي الحنفي المحدث الفقيه (ت 1176 أو 1179 ه) ترجمه الزركلي في الأعلام 1/144.

(7) أصل الكتاب اسمه التحرير في أصول الفقه للعلامة كمال الدين محمد بن عبد الواحد الشهير بابن همام الحنفي (ت: 861 ه) و شرحه تلميذه الفاضل محمد بن محمد بن أمير الحاج الحلبي الحنفي (ت: 879 ه)

26

كان هذا لدى أتباع مدرسة الخلفاء، و قد شاع هذا الاصطلاح لدى علماء مدرسة أهل البيت بعد القرن الخامس كما ورد في كتاب مبادي الوصول للعلامة الحلّي (ت: 726 ه) في الفصل الثاني عشر، البحث الاول في الاجتهاد ما ملخصه:

«الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنّية الشرعية، على وجه لا زيادة فيه.

و لا يصحّ في حقّ النبيّ (ص) لقوله تعالى‏ وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ النجم 53/4. و لأنّ الاجتهاد إنّما يفيد الظنّ، و هو (عليه السّلام) قادر على تلقيه من الوحي.

و لأنّه كان يتوقف في كثير من الأحكام حتّى يرد الوحي و لو ساغ له الاجتهاد لصار إليه.

و لأنّه لو جاز له، لجاز لجبرئيل عليه السّلام.

و ذلك يسدّ باب الجزم، بأنّ الشرع الّذي جاء به محمد (عليه السّلام) من اللّه تعالى.

و لأنّ الاجتهاد قد يخطئ و قد يصيب، فلا يجوز تعبده (عليه السّلام) به لأنّه يرفع الثقة بقوله.

و كذلك لا يجوز لأحد من الأئمة (عليهم السّلام) الاجتهاد عندنا، لأنّهم معصومون، و إنّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (عليه السّلام) و أما العلماء فيجوز لهم الاجتهاد، باستنباط الأحكام من العمومات، في القرآن و السنّة، و بترجيح الأدلة المتعارضة.

أمّا بأخذ الحكم من القياس و الاستحسان فلا» (1) .

و نرى أنّ علماء مدرسة أهل البيت حين استعملوا مصطلح الاجتهاد و المجتهد لم يتركوا اصطلاح الفقه و الفقيه بل جمعوا بين الاصطلاحين كما فعل ذلك جمال الدين صاحب المعالم فإنّه قال في أوّل كتابه كما مرّ علينا:

____________

قو شرح الشرح، المحقق محمد أمين، المعروف بأمير بادشاه البخاري، نزيل مكة و سماه تيسير التحرير. و رجعنا إليه ط.

مصطفى البابي بمصر، سنة 1351 ه (ج 1/171) راجع تراجمهم بكشف الظنون (1/358) .

(1) مبادئ الوصول إلى علم الأصول، ص: 240-241.

27

«الفقه في اللغة: الفهم.

و في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية» .

و عقد بعد ذلك فصلا لتعريف الاجتهاد و قال في فصل آخر:

«الاجتهاد في اللغة: تحمل الجهد... و أمّا في الاصطلاح: فهو استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بحكم شرعيّ... » (1) .

و بالإضافة إلى ما سبق تختلف المدرستان في بعض أدلّة الأحكام الشرعية كما سنبينه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

بعد دراستنا للمصطلحات الخمسة الماضية، ندرس في ما يأتي بحوله تعالى موقف المدرستين من كلّ منها.

____________

(1) معالم الدين، المطلب التاسع في الاجتهاد و التقليد، ص 381.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الأوّل موقف المدرستين من القرآن الكريم‏

اهتمام الرسول (ص) و الصحابة بجمع القرآن و تدوينه ضجّة مفتعلة حول مصحف فاطمة

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31
اهتمام الرسول (ص) و الصحابة بجمع القرآن و تدوينه‏

كان رسول اللّه (ص) يتلو على عامّة من حضره من المسلمين كلّما نزلت عليه آيات من القرآن الكريم، و يفسر لهم منها ما يحتاجون إلى تفسيرها، و يلقن ذلك خاصّة الإمام عليّا (ع) و يأمره بكتابتها كما يأتي بيانه في بحوث هذا الكتا ب- إن شاء اللّه تعالى-.

و لما هاجر إلى المدينة، حثّ المسلمين على تعلّم الكتابة، فتبادروا إليها، و حثّهم على كتابة القرآن و حفظه، فتسابقوا إليهما، و كانوا يكتبون ما يتلقونه من آيات القرآن على ما حضرهم من جلود و غيرها، و كان رسول اللّه (ص) يعلمهم أسماء السور و مكان الآيات في السور كما علّمه اللّه، و لمّا توفّاه اللّه كان في المدينة عشرات الصحابة ممن حفظ جميع القرآن، و كثير من الصحابة من كتب جميع القرآن، غير أنّ ما لديهم لم يكن كتابا مدونا كما هو عليه اليوم، و إنّما كان أوزاعا في قطع كتبوه عليها، و لمّا توفي الرسول (ص) بادر الإمام عليّ (ع) إلى تدوين القرآن في كتاب واحد، كما أنّ عددا من الصحابة-غير الإمام أيضا مثل ابن مسعود - كانت لديهم نسخة من القرآن مدونة، لكن الخليفة أبا بكر لم يقتن تلك النسخ، بل أمر جمعا من الصحابة بتدوين القرآن ككتاب، ثمّ أودعه عند أمّ المؤمنين حفصة حتّى إذا كان عصر الخليفة عثمان، و اتسعت الفتوح، و انتشر المسلمون، أمر الخليفة باستنساخ عدة نسخ على النسخة المحفوظة لدى حفصة، و وزّعها على بلاد المسلمين، و استنسخ المسلمون على تلك النسخ و تداولوها جيلا بعد جيل إلى يومنا الحاضر، و لم يكن لدى أحد من المسلمين في يوم ما نسخة غيرها، و لم يكن في يوم من الأيام لدى أحد من المسلمين نسخة فيها زيادة كلمة أو نقصان كلمة على هذا المتداول اليوم بين المسلمين سواء في ذلك جميع فرق المسلمين:

32

سنّيهم و شيعيّهم، أشعريّهم و معتزليّهم، حنفيّهم و شافعيّهم، حنبليّهم و مالكيّهم، زيديّهم و إماميّهم، و وهابيّهم إلى الخوارج. لم تكن لدى فرقة منها أو غيرها في يوم من الأيّام نسخة فيها زيادة كلمة أو نقصان كلمة، أو أنّ ترتيب السور و الآيات فيها مخالف لهذا المتداول بين المسلمين اليوم.

أما ما ورد في بعض كتب الحديث من نقص مزعوم في القرآن الكريم، فقد بقي في مكانه من كتب الحديث و لم ينتقل إلى نسخة واحدة من نسخ القرآن في يوم من الأيام، مثل ما ورد في الصحاح الستّة: البخاري و مسلم و أبي داود و الترمذي و ابن ماجة و الدارمي و غيرها:

عن الخليفة عمر (رض) أنّه قال و هو على المنبر: «إنّ اللّه بعث محمدا (ص) بالحقّ، و أنزل عليه الكتاب. فكان مما أنزل اللّه، «آية الرجم» فقرأناها و عقلناها و وعيناها رجم رسول اللّه (ص) و رجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل و اللّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللّه فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه و الرجم في كتاب اللّه حقّ على من زنى إذا أحصن» (1) .

و الآية المزعومة في رواية ابن ماجة عن عمر قال و قد قرأتها: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» . و في موطأ مالك: «الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة» فإنّا قد قرأناها.

و في الحديث نفسه في صحيح البخاري: ثم إنّا كنّا نقرأ من كتاب اللّه: «أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» .

و الحديث المروى عن أمّ المؤمنين عائشة (رض) أنّها قالت: كان فيما أنزل من

____________

(1) أ-البخاري ج 4/120 باب رجم الحبلى من الزنا من كتاب الحدود و اللفظ له.

ب-و مسلم ج 5/116.

ج-و سنن أبي داود ج 2/229 باب في الرجم من كتاب الحدود.

د-و الترمذي ج 6/204 باب ما جاء في تحقيق الرجم من كتاب الحدود.

ه-و ابن ماجة باب الرجم من كتاب الحدود الحديث المرقم 2553.

و-و الدارمي ج 2/179 باب في حد المحصنين بالزنا من كتاب الحدود.

ز-و الموطأ ج 3/42 كتاب الحدود.

33

القرآن «عشر رضعات معلومات» فتوفي رسول اللّه (ص) و هن فيما يقرأ من القرآن‏ (1) .

و في صحيح ابن ماجة: قالت نزلت آية الرجم و رضاعة الكبير عشرا. و لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول اللّه (ص) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها.

و في صحيح مسلم أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء أهل البصرة و كانوا ثلاثمائة رجل، فقال فيما قال لهم: «و إنّا كنا نقرأ سورة كنّا نشبهها في الطول و الشدّة ببراءة فأنسيتها غير أنّي قد حفظت منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب» .

و كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسبّحات فأنسيتها غير أنّي حفظت منها «يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة» (2) .

مع وجود هذه الأحاديث في صحاح مدرسة الخلفاء، لم يرم أحد من أتباع مدرسة أهل البيت أتباع مدرسة الخلفاء و يقول إنّ أتباع مدرسة الخلفاء يقولون بنقصان القرآن، أو إنّهم يضيفون إلى القرآن سورا و جملا من عند أنفسهم.

و على العكس من ذلك لما وردت نظير هذه الأقوال في بعض كتب حديث أتباع مدرسة أهل البيت، أثار بعض الكتّاب بمدرسة الخلفاء ضجّة كبرى على أتباع مدرسة أهل البيت و قالوا إنّهم يقولون بنقصان القرآن و يضيفون إلى القرآن من عند أنفسهم عبارات و جملات، و يستدلون على قولهم بما ورد في بعض كتب الحديث.

____________

(1) أ-صحيح مسلم ج 4/167 باب التحريم بخمس رضعات، من كتاب الرضاع.

ب-و أبو داود ج 1/279 باب هل يحرم ما دون خمس رضعات، من كتاب النكاح.

ج-و النسائي ج 2/82 باب القدر الّذي يحرم من الرضاعة، من كتاب النكاح.

د-و ابن ماجة ج 1/626 باب رضاع الكبير، من كتاب النكاح الحديث 1944.

هـ-و الدارمي ج 1/157 باب كم رضعة تحرم، من كتاب النكاح.

و-و موطأ مالك ج 2/118 باب جامع ما جاء في الرضاعة، من كتاب الرضاع.

(2) صحيح مسلم ج 3/100 باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى واديا ثالثا، من كتاب الزكاة.

34

على أن أتباع مدرسة أهل البيت لا يلتزمون صحّة كتاب ما عدا كتاب اللّه، و أتباع مدرسة الخلفاء يلتزمون صحّة جميع ما ورد في صحيح البخاري و مسلم، و يعالجون هذه الأحاديث بقولهم نسخت تلاوتها (1) .

ضجّة مفتعلة حول مصحف فاطمة

و أقام بعض الكتّاب أيضا ضجة مفتعلة اخرى على أصحاب مدرسة أهل البيت و قالوا بأن لهم قرآنا آخر اسمه «مصحف فاطمة (ع) » و ذلك لأنّ كتاب فاطمة سمي بالمصحف، و القرآن أيضا سمّي من قبل بعض المسلمين بالمصحف، مع أنّ الأحاديث تصرّح بأنّ مصحف فاطمة ليس فيه شي‏ء من القرآن، و إنّما فيه ما سمعته من أخبار من يحكم الأمّة الإسلاميّة، حتّى أنّ الإمام جعفرا الصادق (ع) لما ثار محمد و إبراهيم من أبناء الإمام الحسن (ع) على أبي جعفر المنصور قال: «ليس في كتاب أمّهم فاطمة اسم هؤلاء في من يملك هذه الأمّة» (2) .

و في مدرسة الخلفاء سمّوا كتاب سيبويه في النحو ب (الكتاب) أضف إلى ذلك أنّ لفظ «المصحف» لم يرد في القرآن و لا في الحديث النبويّ الشريف.

و وردت تسمية القرآن ب (الكتاب) في القرآن في قوله تعالى:

ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ البقرة/2.

أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتََابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ البقرة/85.

وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَهُمْ البقرة/89.

وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ البقرة/129.

وَ يُعَلِّمُكُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ مََا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ البقرة/151.

إلى عشرات آيات أخرى مع هذا لو قال أحد انّ كتاب سيبويه حجمه ضعف كتاب اللّه، لم يقصد أنّ كتاب سيبويه قرآن أكبر من كتاب اللّه، و لم يعترض على هذه

____________

(1) صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنى ح 1، و صحيح مسلم كتاب الحدود باب رجم الثيب في الزنى ح 15.

(2) راجع اخر الكتاب باب مصدر الشريعة الإسلامية لدى أهل البيت.

35

التسمية من أتباع مدرسة أهل البيت أحد.

و أخيرا، إن هذه الأقوال يستفيد منها خصوم الإسلام و يتّخذون منها وسيلة للطعن في القرآن، بصر اللّه بعض الكتّاب ليكف عن هذا الهذيان.

إنّ القرآن الّذي في أيدي المسلمين اليوم، هو الّذي أكمل اللّه إنزاله على خاتم أنبيائه في أخريات حياته، و جمعه-أيضا-الصحابة بعد وفاته و دونه و استنسخوه و وزّعوه على المسلمين. أوّله:

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ، `اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ ، و آخره: مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ . لم يكن في يوم من الأيّام منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا قرآن في يد مسلم، يزيد على هذا المتداول كلمة أو ينقص كلمة، لا خلاف في ذلك بينهم، و إنّما الخلاف في تفسير القرآن و تأويل متشابهه، و ذلك لأنّهما مأخوذان من الحديث.

و قد اختلف المسلمون في شأن حديث رسول اللّه (ص) كما سنذكره في باب موقف المدرستين من السنّة الآتي إن شاء اللّه تعالى.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الفصل الثاني موقف المدرستين من سنّة الرسول (ص)

1- موقف المدرستين ممن روى عن رسول اللّه 2- موقف المدرستين من نشر حديث الرسول (ص) في القرن الأوّل الهجري 3- منع كتابة سنة الرسول (ص) إلى آخر القرن الأوّل الهجري أ- على عهد الخليفتين أبي بكر و عمر ب- على عهد عثمان ج- على عهد معاوية د- فتح الروافد الإسرائيلية ه-على عهد عمر بن عبد العزيز و- كيف وجد الحديثان المتناقضان‏

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

تتّفق المدرستان: في الإيمان بوجوب العمل بسنّة الرسول (ص) من مصادر الشريعة الإسلاميّة.

و لما كانت سنة الرسول (ص) سيرة و حديثا و تقريرا، تصل إلينا بواسطة الرواية عن الرسول (ص) فإنّ المدرستين تختلفان في:

أ- بعض الوسائط لنقل الرواية عن الرسول (ص) .

ب- جواز كتابة حديث رسول اللّه (ص) في القرن الهجري الأوّل.

و سندرس كلاّ من الأمرين على حدّة في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

40
(1) موقف المدرستين ممّن روى عن رسول اللّه (ص)

لما سبق ذكره في باب الصحابة و الإمامة، يأخذ أتباع مدرسة أهل البيت بعد عصر الرسول (ص) معالم دينهم من أئمّة آل البيت الاثني عشر في مقابل أتباع مدرسة الخلفاء الّذين يأخذون معالم دينهم من أيّ فرد من أصحاب رسول اللّه (ص) دون ما تمييز بينهم، فإنّ جميعهم عدول عندهم، بينما لا يرجع أتباع مدرسة أهل البيت إلى صحابة نظراء طلحة (1) و عبد اللّه بن الزبير (2) اللّذين حاربا عليّا يوم الجمل، و لا معاوية (3) و عمرو

____________

(1) أبو محمد طلحة بن عبيد اللّه القرشي التيمي، و أمّه الصعبة أخت العلاء الحضرمي، آخى النبيّ بينه و بين الزبير، كان من أشدّ المؤلّبين على عثمان، فلما قتل عثمان سبق إلى بيعة علي بن أبي طالب ثمّ خرج إلى البصرة مطالبا بدم عثمان من علي بن أبى طالب و رآه مروان يوم الجمل فرماه بسهم قتل منه سنة 36 ه. روى عنه أصحاب الصحاح 38 حديثا. راجع: «أحاديث أم المؤمنين عائشة» 1/109-196. و جوامع السيرة ص 281.

(2) أبو خبيب عبد اللّه بن الزبير القرشي الاسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر. كانت أم المؤمنين تحبه و تكنى به، و كان يبغض آل البيت و كان الامام علي يقول: ما زال الزّبير منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبد اللّه.

و كان من المحرضين لها في حرب الجمل، و استقل بمكة بعد استشهاد الحسين، و قتله الحجاج سنة ثلاث و سبعين في مكة. روى عنه أصحاب الصحاح 33 حديثا. راجع ترجمته بأسد الغابة و واقعة الجمل في أحاديث عائشة و جوامع السيرة ص 281.

(3) أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي. أمّه هند بنت عتبة. أسلم بعد الفتح، و ولاّه أخوه لما طعن في عمواس سنة 18، فأقره عمرو بقي واليا على الشام حتى قتل عثمان، فتمرّد على الإمام و جهز جيشا لقتاله فتلاقيا بصفين سنة 36 ه، و لما لاح النصر لجيش الإمام خدعهم برفع المصاحف و دعوتهم إلى حكمه فقرروا التحكيم فغدر عمرو بن العاص بأبي موسى. و في سنة 41. صالحه الإمام الحسن فأصبح خليفة المسلمين و توفي سنة 60 ه، روى عنه أصحاب الصحاح 163 حديثا. راجع فصل: مع معاوية في «أحاديث أم المؤمنين عائشة» ، و جوامع السيرة ص/277.

41

ابن العاص‏ (1) اللّذين حارباه في وقعة صفين، و لا ذي الخويصرة (2) و عبد اللّه بن وهب‏ (3)

اللّذين حارباه يوم النهروان.

و كذلك لا يأخذون من نظرائهم من أعداء عليّ سواء كانوا معدودين من الصحابة أو التابعين أو اتباع التابعين أو من سائر طبقات الرواة (4) .

فبينا نجد مثلا أمام المحدّثين البخاري لا يخرج حديثا واحدا في صحيحه عن جعفر بن محمّد الصادق سادس أئمّة أهل البيت‏ (5) و الّذي يروي عنه آلاف المحدثين من أتباع مدرسة أهل البيت آلاف الأحاديث. يروي هو و أبو داود و النسائي في صحاحهم عن عمران بن حطّان‏ (6) الخارجي الّذي يقول في عبد الرحمن بن ملجم و قتله للإمام عليّ:

يا ضربة من تقيّ ما أراد بها # إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يوما و أحسبه # أو في البريّة عند اللّه ميزانا

و يروي النسائي مثلا في صحيحه عن عمر بن سعد (7) قاتل الحسين و يقول علماء

____________

(1) أبو عبد اللّه عمرو بن العاص القرشي السهمي. و أمّه النابغة كانت من شهيرات البغايا في الجاهلية، أسلم عام خيبر، و فتح مصر و وليها لعمر، و لما عزله عثمان أصبح من أشدّ المؤلبين عليه. و بعد قتله اشترط على معاوية أن يعطيه مصر على نصره إيّاه. فاشترك في صفين و أشار على معاوية برفع المصاحف، و غدر بأبي موسى في التحكيم، ثمّ ذهب إلى مصر و قتل محمد بن أبي بكر و وليها حتى توفي بها بعد سنة أربعين. و روى عنه أصحاب الصحاح 39 حديثا. راجع فصل مع معاوية بأحاديث عائشة، و جوامع السيرة ص 280.

(2) ذو الخويصرة التميمي. اسمه الحرقوص. كان رسول اللّه ذات يوم يقسم فقال: يا رسول اللّه اعدل فقال: ويلك و من يعدل إذا لم أعدل، و أخبر عن خروجه و قتله، فقتل بالنهروان مع الخوارج و طلبه علي فوجده كما أخبر عنه الرسول. ترجمته بأسد الغابة.

(3) عبد اللّه بن وهب الراسبي السبائي، بايعه الخوارج على أنه خليفتهم سنة 37 ه فقتل في النهروان راجع عبد اللّه بن سبأ 2/235-236.

(4) و قد يروون من هؤلاء ما كان في فضل على و ما شابهه، و ذلك لأنّ الفضل ما شهدت به الأعداء أو ما كان منهم اعترافا بحقّ.

(5) أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق، قال المفيد في الإرشاد ص: 254، «انّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات فكانوا أربعة آلاف رجل» توفي سنة 148 ه.

(6) عمران بن حطان البكري ثمّ الشيباني السدوسي، من شعراء الشراة. ترجمته في الأغاني ط ساسي ج 16/147-152.

(7) أبو حفص عمر بن سعد القرشي الزهري قتله المختار سنة 65 او 66 أو 67. ترجمته بتقريب التهذيب ج 7/451.

42

الرجال في ترجمته: «صدوق، لكن مقته الناس، لكونه أميرا على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي» . بينما يلعنها أتباع مدرسة أهل البيت.

و لهذا نشأ الخلاف الفكري بين المدرستين-كما رأينا إلى هنا-حول من يأخذون منه حديث الرسول (ص) .

43
(2) موقف المدرستين من نشر حديث الرسول (ص) في القرن الأوّل‏

بالإضافة إلى ما ذكرنا حدد معالم المدرستين و أطرّ كلاّ منهما باطارها الخاص بها نشاط رجال المدرستين في نشر الحديث، فبينا منع الخلفاء من كتابة حديث رسول اللّه (ص) و نشره؛ نشطت المدرسة الأخرى في سبيل نشره متحديّة جهود مدرسة الخلفاء في سبيل منعه، و قد بدأت المعركة سافرة صريحة منذ آخر ساعات حياة الرسول (ص) عند ما قال: «آتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فقالوا: يهجر رسول اللّه (ص) (1) .

و قد عيّن البخاري في حديث آخر يرويه عن ابن عباس قائل هذا القول، قال:

«لمّا حضر النبيّ (ص) و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلمّ أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ (ص) غلبه الوجع و عندكم كتاب اللّه، فحسبنا كتاب اللّه، و اختلف أهل البيت و اختصموا فمنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغط و الاختلاف، قال: قوموا عنّي و لا ينبغي عندي التنازع» (2)

____________

(1) البخاري في صحيحه، باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد، 2/120، و باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجزية 2/136، و مسلم في صحيحه 5/75 باب ترك الوصية. رواه مسلم بسبعة أسانيد.

و مسند أحمد 1/222، تحقيق محمد شاكر، الحديث 1935. و طبقات ابن سعد، ط بيروت 2/244، و تاريخ الطبري 3/193. و في لفظهم: ما شأنه؟هجر؟!قال الراوي يعني: هذى!استفهموه فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني... الحديث.

و في صحيح مسلم 5/76، و تاريخ الطبري 3/193، و طبقات ابن سعد 2/243 و لفظه: «إنما يهجر رسول اللّه) .

(2) البخاري، كتاب العلم، باب العلم 1/22.

44

و في رواية لعمر ذكر كيفية تنازعهم قال:

كنّا عند النبيّ و بيننا و بين النساء حجاب، فقال رسول اللّه (ص) : «اغسلوني بسبع قرب، و أتوني بصحيفة و دواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده فقالت النسوة (1) :

ائتوا رسول اللّه بحاجته فقال عمر فقلت: اسكتن فإنّكنّ صواحبه إذا مرض عصر تن أعينكن و إن صحّ أخذتنّ بعنقه، فقال رسول اللّه (ص) : هنّ خير منكم» (2) .

و في رواية أخرى انّ زينب زوج النبي (ص) قالت: ألا تسمعون النبيّ (ص) يعهد إليكم فلغطوا فقال: قوموا فلمّا قاموا قبض النبيّ مكانه‏ (3) .

و يظهر من بعض الأحاديث أنّهم نشطوا لمنع كتابة حديث الرسول (ص) قبل ذلك و في زمان صحّة الرسول (ص) ، قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: «كنت أكتب كلّ شي‏ء أسمعه من رسول اللّه (ص) فنهتني قريش و قالوا: تكتب كلّ شي‏ء سمعته من رسول اللّه (ص) و رسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب و الرضا؟فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول اللّه فأومأ بإصبعه إلى فيه و قال: «أكتب فو الّذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ» (4) .

قد كشفوا النقاب في حديثهم مع عبد اللّه عن سبب منعهم من كتابة حديث الرسول، و هو خشيتهم من أن يروى عنه حديث في حقّ أناس قاله فيهم حال رضاه عنهم، و في حق آخرين ما قاله في حال غضبه عليهم.

____________

(1) في امتاع الاسماع، ص 546 فقالت زينب بنت جحش و صواحبها.

(2) طبقات ابن سعد، ط بيروت 2/243-244 باب الكتاب الذي أراد أن يكتبه الرسول لأمّته، و نهاية الارب 18/357، و كنز العمال، الطبعة الأولى، 3/138 و 4/52.

(3) طبقات ابن سعد، 2/244.

(4) سنن الدارمي، 1/125، باب من رخص في الكتابة من المقدمة، و سنن أبي داود 2/126، باب كتابة العلم، و مسند أحمد 2/162، 192 و 207 و 215، و مستدرك الحاكم 1/105-106، و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر 1/85 ط. الثانية، ط العاصمة بالقاهرة سنة 1388.

و عبد اللّه بن عمرو بن العاص قرشي سهمي و أمه ريطة بنت منبه السهمي كان اصغر من أبيه بإحدى عشرة أو اثنتى عشرة سنة. اختلفوا في وفاته أ كان بمصر أو الطائف أو مكة و عام 63 أو 65. راجع ترجمته بأسد الغابة 3/23، و النبلاء 3/56، و تهذيب التهذيب 5/337.

45

و من هنا نعرف سبب منعهم كتابة وصيّة الرسول في آخر ساعات حياته، و لما ذا أحدثوا اللغط و الضوضاء حتّى توفي دون أن يكتب وصيته. و سبب منعهم من كتابة حديث الرسول عند ما ولوا الحكم و لم يبق مانع من ذلك.

46
(3) منع كتابة سنّة الرسول (ص) إلى آخر القرن الأوّل الهجري‏
على عهد الخليفتين أبي بكر و عمر

في طبقات ابن سعد: «انّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها» (1) .

منعت مدرسة الخلفاء من تدوين حديث الرسول إلى رأس المائة من هجرة الرسول الأكرم (ص) ، وليتهم اكتفوا بذلك بل منعوا من رواية حديثه كذلك.

روى الذهبي أنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال: «إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه (ص) أحاديث تختلفون فيها، و الناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا و بينكم كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله و حرّموا حرامه» (2) .

و روى عن قرظة بن كعب أنّه قال: «لمّا سيّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر إلى صرار، ثم قال: أ تدرون لم شيّعتكم؟قلنا: أردت أن تشيعنا و تكرمنا، قال: إنّ مع ذلك لحاجة، إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تصدّوهم بالأحاديث عن رسول اللّه و أنا شريككم، قال قرظة: فما حدّثت بعده حديثا عن رسول اللّه (ص) » .

و في رواية اخرى: فلمّا قدم قرظة بن كعب قالوا: حدّثنا، فقال: نهانا عمر (3) .

____________

(1) طبقات ابن سعد 5/140 بترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر.

(2) تذكرة الحفاظ للذهبي بترجمة أبي بكر 1/2-3.

(3) أخرجها ابن عبد البر بثلاثة أسانيد في جامع بيان العلم، باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له 2/147، و تذكرة الحفاظ للذهبي 1/4-5.

47

و كان في الصحابة مثل قرظة بن كعب ممن تابعوا سنّة الخلفاء و امتنعوا عن نشر سنّة الرسول (ص) نظير عبد اللّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص فقد روى الدارمي في باب من هاب الفتيا بكتاب العلم من سننه 1/84-85.

عن الشعبي: قال جالست ابن عمر سنّة فما سمعته يحدث عن رسول اللّه (ص) .

و في رواية أخرى عنه، قال قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنّة و نصف فما سمعته يحدث عن رسول اللّه (ص) شيئا إلاّ هذا الحديث.

و روى عن السائب بن يزيد، قال:

خرجت مع سعد-ابن أبي وقاص-إلى مكّة فما سمعته يحدّث حديثا عن رسول اللّه (ص) حتّى رجعنا إلى المدينة.

و كان في الصحابة من خالف سنّة الخلفاء و روى سنّة الرسول (ص) فلقي من الإرهاق ما نذكر أمثلة منه في ما يأتي:

في كنز العمال:

عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما مات عمر بن الخطاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه فجمعهم من الآفاق عبد اللّه بن حذيفة و أبا الدرداء و أبا ذرّ و عقبة ابن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث الّتي أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق؟ قالوا: تنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي، لا و اللّه لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم نأخذ منكم و نردّ عليكم، فما فارقوه حتّى مات‏ (1) .

و روى الذهبي أنّ عمر حبس ثلاثة ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود

____________

قو قرظة بن كعب أنصاري خزرجي، في أسد الغابة هو أحد العشرة الذين وجّههم عمر مع عمار بن ياسر إلى الكوفة. شهد أحدا و ما بعدها، و فتح الري سنة 23. ولاه عليّ على الكوفة لما سار إلى الجمل، و توفي بها في خلافته. أسد الغابة 4/203.

(1) الحديث رقم 4865 من الكنز. ط الأولى ج 5/239، و منتخبه ج 4/61. و عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، آخى الرسول بينه و بين عثمان من المهاجرين، و جعل عمر تعيين الخليفة بيده في الشورى‏

48

الأنصاري فقال: أكثرتم الحديث عن رسول اللّه‏ (1) .

و كان يقول للصحابة: أقلّوا الرواية عن رسول اللّه إلاّ في ما يعمل به‏ (2) .

هذه الرواية تتفق مع رواية عبد اللّه بن عمرو بن العاص في المغزى في أنّ قريشا نهته عن أن يكتب كلّ شي‏ء سمعه من رسول اللّه (ص) .

على عهد عثمان‏

كان ما ذكرناه على عهد الخليفتين أبي بكر و عمر أما عثمان فقد أقرّ ذلك حيث قال على المنبر: «لا يحلّ لأحد يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكر و لا على عهد عمر» (3) .

و يظهر أن ما رواه الدارمي و غيره من: «إن أبا ذر كان جالسا عند الجمرة الوسطى و قد اجتمع الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثمّ قال: أ لم تنه عن الفتيا؟فرفع رأسه إليه، فقال: أر قيب أنت عليّ؟!لو وضعتم الصمصامة على هذه -و أشار إلى قفاه-ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمة سمعت من رسول اللّه (ص) قبل أن تجيزوا

____________

قفصفق على يد عثمان، توفي بالمدينة عام 31 أو 32 ه. روى عنه أصحاب الصحاح 65 حديثا. راجع فصل الشورى من كتاب: (عبد اللّه بن سبأ) الجزء الأوّل. و جوامع السيرة ص 279.

و عبد اللّه بن حذيفة لم أجد ترجمته و لعله عبد اللّه بن حذافة القرشي، السهمي من قدماء المهاجرين، مات بمصر في خلافة عثمان: تقريب التهذيب 1/49.

و أبو الدرداء عويمر أو عامر بن مالك الأنصاري الخزرجي، و أمّه محبة بنت واقد ابن الاطنابة، تأخر إسلامه و شهد الخندق و ما بعدها، آخى النبيّ بينه و بين سلمان، ولي قضاء دمشق على عهد عثمان، و توفي بها عام 33 أو 32 ه. روى عنه أصحاب الصحاح 179 حديثا. أسد الغابة 5/159-160 و 187 و 188، و جوامع السيرة ص 277.

و عقبة بن عامر اثنان: جهني و روى عنه أصحاب الصحاح 55 حديثا، و أنصاري سلمي، أسد الغابة 4/417، و جوامع السيرة ص 179.

(1) تذكرة الحفاظ 1/7 بترجمة عمر.

و ابن مسعود، هو أبو عبد الرحمن، عبد اللّه بن مسعود الهذلي، و أمّه أم عبد بنت عبد ود الهذلي. كان أبوه حليف بني زهرة. أسلم عبد اللّه قديما و أجهر بالقرآن في مكّة فضربوه حتّى أدموه و هاجر إلى الحبشة و المدينة، و شهد بدرا و ما بعدها و قطع عثمان عطاءه سنتين لإنكاره على الوليد ما ارتكبه أزمان ولايته على الكوفة و مات سنة اثنتين و ثلاثين و أوصى أن لا يصلي عليه عثمان. أسد الغابة 3/256-260. و مستدرك الحاكم 3/315 و 320 و راجع أحاديث عائشة 62-65 و أبو مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو البدري، اختلف في وفاته. أسد الغابة 5/296.

(2) تاريخ ابن كثير 8/107.

(3) منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 4/64.

49

عليّ لأنفذتها» (1) .

و في هذا العصر-أيضا-كان ما رواه الأحنف بن قيس قال: أتيت الشام فجمّعت‏ (2) فاذا رجل لا ينتهي الى سارية إلاّ خرّ (3) أهلها، يصلي و يخفّ صلاته. قال:

فجلست إليه، فقلت له: يا عبد اللّه من أنت؟قال أنا أبو ذرّ، فقال لي: فأنت من أنت؟قال: قلت: الأحنف بن قيس. قال: قم عنّي لا أعديك بشّر، فقلت له: كيف تعديني بشّر، قال: إنّ هذا-يعني معاوية-نادى مناديه: «ألاّ يجالسني أحد» (4) .

و من أجل مخالفته لأوامر السلطة، نفي أبو ذر من بلد إلى بلد حتّى لقي حتفه طريدا فريدا بالربذة سنّة 31 ه.

كان هذا في النصف الأوّل من خلافة عثمان، و لما انتكث أمره في النصف الثاني من خلافته و قام في وجهه أمثال أمّ المؤمنين عائشة، و طلحة و الزبير، و عمرو بن العاص و غيرهم من الصحابة و التابعين، لم يبق محظور أمام من أراد رواية سنّة الرسول (ص) من الصحابة، فنشر في هذا العصر شي‏ء منها، غير أنّها لم تدوّن على عهد الإمام عليّ (ع) .

روى الصحابة على عهده الشي‏ء الكثير من سنّة الرّسول (ص) ممّا كان محظورا عليهم روايتها قبل عهده، و ظهر الاختلاف جليّا في ما رووا من سنّة الرسول (ص) مع اجتهادات الخلفاء الثلاثة ممّا ذكرناه في آخر الفصل الرابع من هذا الكتاب.

هذه أمثلة ممّا كان على عهد الخلفاء الثلاثة من الحظر على الصحابة في نشر أحاديث الرسول (ص) ، غير أنهم جمجموا في الكلام و لم يفصحوا عن السبب كما فعله معاوية على عهده.

على عهد معاوية

روى الطبري أنّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى

____________

(1) انما قلنا كان ذلك في عصر عثمان لان أحدا من الصحابة ما كان يجرأ على تحدّي أوامر السلطة على عهد الخليفة عمر، و الرواية في سنن الدارمي 1/132، و طبقات ابن سعد 2/354 بترجمة أبي ذر و اختزلها البخاري و أوردها في باب العلم قبل القول في صحيحه 1/161، و أجاز على الجريح: أجهز عليه.

(2) فجمّعت: أي حضرت الصلاة يوم الجمعة.

(3) لعل الصواب: فر أهلها.

(4) طبقات ابن سعد 4/168.

و أبو بحر الأحنف بن قيس التميمي السعدي لقب بالاحنف لحنف كان برجله. أدرك الرسول و لم يره.

اعتزل الحرب في الجمل و شهد صفين مع الإمام علي، و توفي بالكوفة سنة سبع و ستين. روى عنه جميع أصحاب الصحاح. ترجمته بأسد الغابة و تقريب التهذيب.

50

و أربعين و أمّره عليها دعاه و قال له: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، و لست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليّ و ذمّه، و الترحّم على عثمان و الاستغفار له، و العيب لأصحاب عليّ و الإقصاء لهم، و الإطراء لشيعة عثمان و الإدناء لهم، فقال له المغيرة: قد جرّبت و جرّبت، و عملت قبلك لغيرك، فلم يذممني و ستبلو فتحمد أو تذمّ، فقال: بل نحمد إن شاء اللّه‏ (1) .

و روى المدائني في كتاب الأحداث و قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته و كان أشدّ البلاء حينئذ أهل الكوفة (2) .

و في هذا السبيل قتل حجر بن عدي و أصحابه صبرا، و قتل و صلب رشيد الهجري و ميثم التمار (3) .

____________

(1) في ذكر حوادث سنة 51 ه من كل من الطبري 2/112-113 و 2/38، و ابن الاثير 3/102.

و المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أمّه أمامة بنت الأفقم، أسلم عام الخندق و كان سبب إسلامه ما ذكره الواقدي في مغازيه 2/595-598 قال كان قد خرج مع أربعة عشر الى المقوقس فآثرهم عليه.

فلما رجعوا و كانوا بين خيبر و المدينة، شربوا خمرا فكف المغيرة عن بعض الشراب فسكر ثلاثة عشر من حلفائه فوثب عليهم و قتلهم عن آخرهم و هرب الرابع عشر فأخذ أمتعتهم و أموالهم و لحق بالنّبيّ و أظهر الإسلام.

فقال النبيّ لا أخمسه هذا غدر، فدفع عمه عروة بن مسعود ثلاثة عشر دية عنه، و في زمن ولايته على البصرة شهدوا عليه بالزنى و أثر الخليفة عمر على أحدهم فحرف شهادته فدرأ عنه الحد، كما أوردناه في فصل زناء المغيرة من: «عبد اللّه بن سبأ ج 1» و مات في ولايته على الكوفة سنة 50 ه. روى عنه أصحاب الصحاح 136 حديثا.

ترجمته بأسد الغابة، و جوامع السيرة ص 278.

(2) برواية ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عنه 3/15-16، ط البابي الحلبي. و عام الجماعة يأتي تفسيره.

(3) حجر بن عدي بن معاوية الكندي المعروف بحجر الخير. وفد على النبيّ و شهد القادسية و شهد مع على الجمل و صفين، و كان على كندة و على الميسرة بنهروان. و لما أنكر على زياد بن أبيه لعن الامام علي و حصبه يوما لتأخيره الصلاة بعث به و بجماعته بأمر من معاوية إلى الشام فأمر معاوية بقتل من لم يتبرأ من الإمام و قتل على ذلك حجر «بمرج عذراء» سنة إحدى و خمسين. راجع تفصيل قصته في: عبد اللّه بن سبأ، ج 2، فصل: حقيقة ابن سبأ و السبائية.

و رشيد الهجري نسبة إلى مدينة هجر باليمن. قيل هو رشيد الفارسي مولى بني معاوية من الأنصار ترجمته في الاستيعاب و أسد الغابة و في لغة الهجري من اللباب: عداده في أهل الكوفة كان يؤمن بالرجعة و تكلم في ذلك بالكوفة، فقطع زياد لسانه و صلبه، ترجمته برجال الكشي ص 78.

و ميثم بن يحيى التمار، كان عبدا لا مرأة من بني أسد فاشتراه الإمام علي و أعتقه، و لما جلبه ابن زياد قال:

51

هكذا خنقت مدرسة الخلفاء أنفاس الصحابة و التابعين و قضت على من خالف سياستهم، و في مقابل ذلك فتحت الباب لآخرين أن يتحدثوا بين المسلمين كما يشاءون و كما نشير إليه في ما يأتي:

فتح الروافد الاسرائيلية

انّ مدرسة الخلفاء حين أغلقت على المسلمين باب التحديث عن رسول اللّه (ص) كما أشرنا إليه في ما مضى، فتحت لهم باب الأحاديث الاسرائيلية (1) على مصراعيه. و ذلك بالسماح لأمثال تميم الداري الراهب النصراني‏ (2) ، و كعب أحبار اليهود (3) و كانا قد أظهرا الإسلام بعد انتشاره، و تقرّبا إلى الخلفاء بعد الرسول (ص)

____________

قسلوني قبل أن أقتل، فلما سأله الناس و حدثهم أرسل ابن زياد من ألجمه بلجام، و هو أول من ألجم في الاسلام.

خبره في رجال الكشي ص 81-84.

(1) اي: أحاديث بني اسرائيل المأخوذة من التوراة.

(2) ابو رقية تميم بن أوس الداري، كان نصرانيا من علماء أهل الكتابين و راهب أهل عصره و عابد فلسطين. قدم المدينة بعد غزوة تبوك و أظهر الإسلام بعد سرقة ثبتت عليه ليدفع بإسلامه ما أدين به، و ذلك أنّه خرج مع رجل من بني سهم و عدي بن بداء في تجارة إلى الشام، فمات السهمي و أوصى أن يبلغا متاعه إلى أهله و كان قد دس فيه وصيته و أخذا من متاعه ما أعجبهما و كان في ما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا مموها بالذهب. فلما دفعا بقية المال إلى ورثته فقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تاما لم يبع منه و لم يهب، فرفعوا أمرهما إلى النبيّ فحلفهما النبيّ عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا فخلى سبيلهما. ثمّ وجدا الآنية عند تميم فرفعوهما إلى النبيّ ثانية فنزلت الآيات: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» فحلف السهميان أن الانية من متاع صاحبنا فأخذوها و بقية المتاع من تميم و صاحبه ثم اعترف تميم بالخيانة فقال له النبي: «ويحك يا تميم اسلم يتجاوز اللّه عنك» فأسلم.

عاش هذا في المدينة الى عصر عمر و على عهده كان يعظمه عمر و يقول فيه خير أهل المدينة و ألحقه بأهل بدر في العطاء، و لما سنّ قيام شهر رمضان في العام الرابع عشر أمره و أبيّا أن يصليا بالناس، و بعد قتل عثمان انتقل إلى الشام و عاش في كنف معاوية و توفي في سنة أربعين للهجرة قد أوردنا قصة تميم و ترجمته بإيجاز في كتاب (من تاريخ الحديث) و هناك تفصيل قضاياه و مصادره.

(3) أبو اسحاق كعب بن ماتع، كان من كبار علماء أهل الكتاب و من أحبار اليهود باليمن. قدم المدينة، و أظهر الإسلام على عهد عمر و بقي بها بطلب منه. و ارتحل منها إلى الشام عند ما ظهرت أمارات الثورة على عثمان. و عاش في كنف معاوية مرعيّ الجانب. و مات بحمص سنة 34 ه بعد أن بلغ أربعا و مائة سنة. راجع ترجمته بكتابنا من تاريخ الحديث.

و إن كعب أحبار اليهود هذا و المعلوم وجوده هو الذي أثر على الفكر الإسلامي في بعض جوانبه و ليس عبد اللّه بن سبأ المختلق هو الذي أثر على الصحابة و التابعين كما زعموا. راجع كتاب «عبد اللّه بن سبأ» للمؤلف.

52

ففسحت مدرسة الخلفاء لهما و لأمثالهما المجال أن يبثّوا الأحاديث الإسرائيلية بين المسلمين كما يشاءون، و قد خصّص الخليفة عمر للأوّل ساعة في كل أسبوع يتحدّث فيها قبل صلاة الجمعة بمسجد الرسول، و جعلها عثمان على عهده ساعتين في يومين.

أمّا كعب أحبار اليهود فكان الخلفاء عمر و عثمان‏ (1) و معاوية يسألونه عن مبدأ الخلق و قضايا المعاد، و تفسير القرآن، إلى غير ذلك.

و روى عنهما صحابة أمثال أنس بن مالك و أبي هريرة (2) و عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و عبد اللّه بن الزبير و معاوية و نظرائهم من الصحابة و التابعين.

و لم يقتصر نقل الإسرائيليات على هذين العالمين من علماء أهل الكتاب و تلاميذهما فحسب، بل قام به ثلة معهما، و من بعدهما كذلك، و امتدّ حتّى عهد الخلافة العباسية-ما عدا فترة حكم الإمام عليّ الّذي طردهم من مساجد المسلمين-و سمّي هؤلاء بالقصاصين. و أثّروا على الفكر الإسلامي بمدرسة الخلفاء أثرا عظيما، و من ثمّ دخلت الثقافة الإسرائيلية في الإسلام و صبغته في جانب منه بلونها، و من هنا. انتشر بمدرسة الخلفاء الاعتقاد بأنّ اللّه جسم، و أنّ الأنبياء تصدر منهم المعاصى، و النظرة إلى المبدأ و المعاد إلى غيرها من أفكار إسرائيلية، و عظم نفوذ هؤلاء على العهد الأموي و خاصّة في سلطان معاوية، حيث اتّخذ بطانة من النصارى أمثال كاتبه سرجون‏ (3) ، و طبيبه ابن

____________

(1) عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي، و أمّه أروى بنت كريز الأموي. و أمّ أروى البيضاء، بنت عبد المطلب عمّة النبي، و تزوج من رقية بنت رسول اللّه و هاجرا إلى الحبشة ثم المدينة. و بعد وفاتها، تزوج من أختها أمّ كلثوم التي توفيت على أثر التعذيب و لم يعقب منهما. و بايعه عبد الرحمن بن عوف لما أبى عليّ من شرط العمل بسيرة الشيخين غرّة محرم 24 ه، و في خلافته، أساء بنو أميّة-ولاته على الولايات-السلوك مع المسلمين فثاروا عليه بقيادة قريش في ذي الحجة سنة 36 ه و منعوا دفنه في البقيع فدفن في حش كوكب.

روى عنه أصحاب الصحاح 146 حديثا. جوامع السيرة ص 277. و «أحاديث أم المؤمنين عائشة» فصل (في عصر الصهرين) .

(2) أبو هريرة الدوسي اختلفوا في اسمه و نسبه رووا عنه 5374 حديثا، و توفي سنة 57 أو 58 راجع جوامع السيرة 276، و كتاب (شيخ المضيرة) لعالم مصر الراحل الشيخ محمود أبو رية.

(3) سرجون بن منصور الرومي، في ذكر اخبار معاوية من تاريخ الطبري ج 2/205، و ابن الأثير 4/7. و كان كاتبه و صاحب سره. و كتب بعده ليزيد، و في الاغاني 16/68 كان يزيد ينادم على شرب الخمر سرجون النصرانى مولاه و هو الذي أشار على يزيد أن يولي على الكوفة ابن زياد لما بلغه خبر مسلم بن عقيل بها. الطبري ج 2/228 و 239، و ابن الأثير ج 4/17، و كتب ابنه لعبد الملك. التنبيه و الأشراف للمسعودى ص 261، و راجع الخطط للمقريزي ج 1/159.