الفوائد الرجالية - ج1

- السيد بحر العلوم المزيد...
556 /
3

المجلد الأول‏

1

4

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على نبينا حمد و آله الطاهرين‏

5

و انطلقت أشواط مكتبتنا العامة «مكتبة العلمين في النجف الاشرف» المؤسسة منذ سنتين-تقريبا-تواصل السير-قدما-في سبيل تحقيق ما تصبو اليه: من أهداف دينية، و نشاط فكري بناء، و توعية للدعوة الاسلامية الشاملة، و تجسيد للحقائق المهضومة، و ابرازها على صعيد مخصب بالحياة و في أفق مشرق باليقظة و الوعي.

و كان من اهدافها-كما نشرنا ذلك مرارا-أنها تعنى بتأليف و نشر و تحقيق الكتب الاسلامية، و احياء التراث العلمي الاسلامي-على اختلاف نوعيته-.

و من أهدافها أيضا: اهداء و توزيع منشوراتها-و غيرها ان أمكن- الى المؤسسات الفكرية العامة في مختلف أنحاء العالم المتحضر، معتمدة في مواصلة نشاطها على اللّه تعالى-اولا-و على اريحيات رجال الخير و الهداية -ثانيا-كما نشير-احيانا-الى شكرهم و تقديرهم في بعض منشورات المكتبة.

و لم يمر على تأسيس «مكتبتنا» أكثر من سنتين و أشهر حتى نهضت بأعباء رسالتها الاسلامية بأسرع مما يقتضيه الزمن القصير، و الظروف الحاسمة فحشدت قواها المستمدة من اللّه تعالى الى المؤسسات الفكرية-خارج العراق-حتى بلغ تسلسل إهدائها-حسبما يشير سجلها اليوم «2285 كتابا اسلاميا» -على اختلاف بحوثها-و لا نزال نواصل السير، و نرجو من اللّه التوفيق، و من اخواننا المؤمنين جزيل الدعاء.

و لقد أتحفنا-بالأمس-المكتبة الاسلامية و قراءنا المسلمين-في عامة الاصقاع-بأول نتاج مكتبتنا و باكورة نشاطها الفكري، و هو كتاب «تلخيص الشافي لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسى قدس سره» و هو من أروع الكتب العلمية المذهبية في طليعة القرن الخامس الهجري، من حيث البساطة في العرض، و الاصالة في البحث، و الدقة في النقاش الحاسم لخص فيه مؤلفه «شيخ الطائفة» كتاب أستاذه الأعظم علم الهدى الشريف‏

6

المرتضى-اعلى اللّه مقامهما- «الشافي في الامامة» ذلك الكتاب الذي رد فيه المرتضى على كتاب معاصره الحافظ الكبير عبد الجبار المعتزلي «المغنى» -الجزء الخاص بالامامة-.

يعالج كتاب «تلخيص الشافي» مشكلة الامامة من الوجهتين: العامة و الخاصة، فيستعرض النصوص و الادلة العقلية المثبتة لامامة أمير المؤمنين و ابنائه الأحد عشر عليهم السلام بالتدعيم، و يناقش الاجماع المزعوم و النصوص المخالفة، و يذوب شخصية الخلافة المرتجلة على صعيد الكتاب و السنة، و الكفاءة الذاتية، الي غير ذلك من مسائل الامامة و تركيزها العلمي، و ما مرت بها من مفارقات.

و لقد تم طبعه بجمال من الاخراج، و اتقان من التحقيق، و إبداع من الروعة، في أربعة أجزاء. و قدم له، و حققه، و علق عليه سماحة العلامة الجليل-مؤسس مكتبتنا، و باعث النشاط في جهادها المتواصل- السيد حسين نجل آية اللّه المعظم مثال الورع و التقوى السيد محمد تقي بحر العلوم نفع اللّه المسلمين بطول بقائه.

و لمسنا اهمية الكتاب أكثر، و أدركنا مدى تأثيره على الأفق الاسلامي أعمق، حينما تلقينا-و لا تزال-كتب التشجيع لجهودنا المتواضعة التى بذلناها في سبيل اخراج هذا السفر القيم الى افق النور، و رسائل التقريظ للكتاب و مؤلفه، و محققه، و اخراجه الرائع-من قبل كثير من العلماء المحققين و الاساتذة المفكرين، و روّاد الفضيلة و الأدب من عامة القراء.

و ازددنا حيوية للعمل اكثر حينما رأينا انثيال القراء-في أنحاء العالم الاسلامي-على اقتناء الكتاب، و مطالعته، و التنويه عنه، كما كتبت عنه عامة الصحف و المجلات-في داخل العراق و خارجه-

هذا و شبهه من التشجيع و التأييد و اعطاء الواقع حقه أدى الى نفاد

7

نسخ الكتاب من الأسواق، بالرغم من ضخامة العدد المطبوع منه، و لعلنا نعيد طبعه من جديد ان شاء اللّه...

و نحن-اذ نتقدم بالشكر الجزيل لقرائنا الكرام و لعامة المؤيدين لحركة مكتبتنا الفكرية الاسلامية-على اختلاف طبقاتهم-:

نقدم لهم-اليوم-نتاجها الثاني من حقولها الفكرية الخصبة، ذلك هو كتاب «رجال السيد بحر العلوم» المعروف بـ «الفوائد الرجالية» لسيد الطائفة، و صاحب الكرامات الباهرة، سيدنا «محمد المهدي بحر العلوم» قدس سره.

و نقف-الآن-وقفتين-بعرض بسيط-بين يدي الكتاب، و بين يدي مؤلفه الجليل:

8

بين يدى الكتاب‏

و منذ أن فرغ مؤلفه الجليل من تسويده-حتى اليوم-لم يزل موردا و مصدرا لرجال العلم و رواد الحديث-في عامة الاقطار الاسلامية-رغم ندرة وجوده فنسخه-و ان اشتهرت-فهي لا تزال قيد الخط.

يقطع الكتاب ثلاث مراحل، و ملحقا لها:

يبحث-أولا- عن أهم البيوت الرجالية المكتظة بثقات الرواة و رجال الحديث، و يستعرضها بالتوثيق أو النقد و التمحيص الدقيق:

و هم: آل أبي رافع، آل أبي شعبة، آل أعين، آل أبي صفية آل أبي أراكة، آل أبي الجعد، آل أبي الجهم، آل أبي سارة، آل نعيم، آل حيان، بنو الحر، بنو الياس، بنو خالد، بنو عبد ربه بنو يسار، بنو ميمون، بنو ابي سبرة، بنو سابور، بنو سوقة، بنو نعيم بنو رباط، بنو فرقد، بنو الهيثم، بنو دراج، بنو عمار، بنو حكيم بنو موسى...

و يبحث-ثانيا- عن اسماء الصحابة و رجال الحديث و الرواة عن النبي و الأئمة المعصومين عليهم السلام، و يتسلسل في العرض على الحروف الهجائية من الالف حتى الياء. يستعرض الشخص على ضوء ما كتب عنه الرجاليون من قبل، ثمّ يعقب ذلك بابداء رأيه الحاسم فيوافق أو يفند اقوال السابقين على صعيد علمي دقيق، و استدلالي صارم، فلا يخرج من الاسم حتى يعطيه ما يرتئيه من التوثيق او الجرح و الترجمة التى لها دخل في شخصيته الروائية من حيث الأفق العلمي، و تضلعه في علم الفقه و الدراية و الحديث.

و يبحث-ثالثا- عن فوائد رجالية مهمة لا يستغنى عن دراستها أي‏

9

فقيه أو محدث أو متضلع في علوم الحديث و الرواية و التاريخ-و لذلك سمي و اشتهر بـ «الفوائد الرجالية» .

و اليك عرض الفوائد التى يستعرضها الكتاب-على الاجمال: رجال الارشاد، تلامذة الشيخ، العدالة في الراوي، سلوك المشايخ الثلاثة اصحاب الكتب الاربعة في كتبهم، رواية الشيخ في «فهرسته» عن جماعة، إجازة العلامة الكبيرة لبني زهرة، تحقيق قول الشيخ في «الفهرست» : أخبرنا عدة أو جماعة من أصحابنا، تحقيق أن أبا عبد اللّه الذي يروى عنه الشيخ في «الفهرست» مشترك بين جماعة، إثبات أن صاحب كتاب نسب آل أبي طالب الذي ذكره الشيخ في «الفهرست» هو ليس من أصحابنا، اثبات ان جميع من ذكره الشيخ في «الفهرست» من الامامية إلا من نص على خلافه، فيما ذكره الشيخ من أصحاب الكتب و الأصول و ما يتعلق بذلك، تحقيق ان اشتمال سند الرواية على جماعة من الفطحية لا يوجب الطعن بها، استعراض الوكلاء الاربعة و ترجمتهم، تحقيق رجال سند رواية ذكرها الكافي، تحقيق سند حديث رواه الشيخ في التهذيب، تحقيق حال محمد بن الفضيل الراوي، توثيق الفضيل بن يسار، و القاسم، و العلاء، و محمد بن القاسم، تحقيق ما ذكره المير مصطفى في ترجمة أبي الصباح الكناني، تحقيق ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى العطار عن العمركي، اثبات أن محمد بن قيس مشترك بين الثقة و غيره، تحقيق ما حكاه الكشي من أن محمد بن خالد لم يلق أبا بصير تحقيق اشكال مشهور على الشيخ في «كتاب الرجال» ، تحقيق حال احمد ابن يحيي بن عمران الاشعري، تحقيق حال الحسن بن راشد الطفاوى، تحقيق حال الحسين بن محمد الذي يروي الكليني عنه، تحقيق حال محمد بن احمد ابن الجنيد، فيما يشير الي عدم تواتر الكتب و تحرز مشايخنا عن الرواية عن غير الموثوق بهم، تحقيق ان في رجال «كتاب النجوم» جماعة من بني‏

10

نوبخت، في أصحاب الجرح و التعديل، تحقيق نسب العقيقي-صاحب الرجال- الى الإمام عليه السلام، فيما يدل على أن ابن الغضائرى هو أحمد بن الحسين دون أبيه، تحقيق المراد من البرقي المتكرر في رجاله النقل عن سعد و المراد من سعد، عرض جماعة من العلماء الفطحية.

و يلحق بالكتاب درج الاجازات التي اخذها سيدنا المؤلف قدس سره من مشايخه و اساتذته العظام، و الاجازات التي اعطاها لتلاميذه الفطاحل، مع ترجمة بسيطة لكل من هؤلاء الاعلام، من قبل ذوي التحقيق.

و لقد عهدنا بتحقيق و تعليق هذا السفر الجليل الى سماحة الحجة المحقق الثبت السيد محمد صادق بحر العلوم، و ابن اخيه فضيلة العلامة الجليل السيد حسين بحر العلوم، علما بأنهما أولى الناس بكتاب جدهما الأعلى «سيد الطائفة بحر العلوم» «و صاحب الدار أدرى بالذي فيها» -كما يقول المثل المشهور-

و سيتم الكتاب مع ملحقه في ثلاثة أجزاء متلاحقة الصدور ان شاء اللّه.

11

بين يدى المؤلف‏

لقد صح في الحديث النبوي: «إن العلماء هم ورثة الأنبياء» .

و ذلك بحكم شمول الرسالة و شرف غايتها و صعوبة أدائها، و شدة الحيطة في عامة اطرافها، من حيث أنها رسالة السماء الى أبناء الارض على اختلاف نفسياتهم و استعدادهم في التقبل و عدمه.

و نحن الآن-بدورنا-نقف وقفة الهيبة و التقدير أمام أبرز و اصدق مثال للحديث الشريف، وارث علوم جده سيد المرسلين بجدارة و استحقاق و سيد الطائفة المحقة، و زعيمها على رأس القرن الثالث عشر الهجري.

تلك الشخصية الاسلامية العملاقة: هي اكبر و اوسع أفقا من أن يحيط بها كاتب مهما أوتي من سعة الاطلاع و سلاسة اليراع، فان القلم يأخذ أطراف الموضوع، و لا يستطيع أن يسبر الغور و الكنه، فشخصية (سيدنا المؤلف) أوضح مصداق لقول الشاعر:

أنت في منتهى الظهور خفي # و لدى منتهى الخفا في ظهور

و لقد كتب عن سيدنا-قدس سره-جميع من كتب في الرجال و التراجم: من معاصريه، و ممن جاء بعده. فاينما تصوب نظرك تجد-منذ ذلك العهد حتى اليوم، و ستجد بعد اليوم ايضا-هذه الشخصية الاسلامية الكبرى تحتل المكانة السامية من كتب الفقه و الأصول و الحديث و التاريخ و التفسير و الأدب، و عامة الفنون الاسلامية، فلقد كان سيدنا-قدس سره- من أولئك العلماء الذين لم يفتهم الاطلاع على كثير من العلوم التي لها صلة بأداء رسالتهم الاسلامية-مهما كان نوعها-

و عليه، فنحن الآن-نحظى بشرف التحدث عن يسير من كثير مما نعرفه عن شخصية سيدنا المترجم له، و نترك التفصيل و الاحاطة لمن‏

12

يكتب عنه كتابا مستقلا، شأن غيره من عظماء التأريخ، و قادة الأمة و موجهي الشرع المقدس. و سنعلن المسابقة لذلك، كما أعلنا المسابقة لمن يكتب في «الشيخ الطوسي قدس سره» في أوائل هذا العام.

و لنستعرض العناوين البارزة من شخصية سيدنا قدس سره واحدة تلو الأخرى:

نسب مشرق:

هو: السيد محمد المهدي ابن السيد مرتضى‏ (1) ابن السيد محمد (2)

____________

(1) يلتقى نسب السادة البروجرديين-في ايران في السيد مرتضى حيث ان جد السادة البروجرديين الأعلى هو السيد جواد، و هو اخو السيد بحر العلوم قدس سرهما.

(2) ولد السيد محمد في «اصفهان» و نشأ في «بروجرد» ايام شبابه ثمّ هاجر الى النجف الاشرف فتخرج على علمائها الأعلام برهة من الزمن فكان من العلماء البارزين في عامة العلوم الدينية-يومئذ-و تلمذ عليه ممن تلمذ-الوحيد البهبهاني قدس سره-الذي هو صهره على ابنته-شقيقة السيد المرتضى-و ام السيد محمد بن العلامة الكبير المولى محمد صالح المازندراني شارح «الكافي للكليني» و المتوفى سنة 1081 هـ و اخت العلامة المولى آغا هادي المازندراني المتوفى سنة 1135 هـ و امها العالمة الفاضلة التقية كريمة المولى المجلسي الاول محمد تقى و اخت المولى محمد باقر المجلسي الثاني صاحب البحار. و لذا كان سيدنا بحر العلوم يعبر عن المجلسي الأول بالجد و عن الثاني بالخال في مصنفاته.

و صنف كثيرا و من مصنفاته: شرح المفاتيح جزءان، رسالة في الايمان المعروفة بـ «تحفة الغري» رسالة في تاريخ المعصومين الاربعة عشر عليهم السلام الاعلام اللامعة في شرح الجامعة، رسالة في حكم صوم عاشوراء و غير ذلك‏

13

ابن السيد عبد الكريم‏ (1) ابن السيد مراد (2) ابن السيد شاه أسد اللّه

____________

قمن الرسائل الصغار المخطوطة. توجد لدى مكتبة المغفور له آية اللّه البروجردي في «قم» .

و بعد ان بلغ مرتبة الاجتهاد في النجف الاشرف. دعي من قبل اهالى «كرمانشاه» و «بروجرد» للوقوف امام التيار الصوفي هناك: حيث تغلغل هذا الانحراف العقائدي باغراء بعض الزعماء المتمركزين يومئذ، فسار متوجها الى «بروجرد» و ما ان وصل الى «كرمانشاه» حتى انثال عليه اهلها-بجميع طبقاتهم-يستنجدون به و يرجون منه البقاء عندهم لعلاج الأمراض النفسية السائدة عندهم فبقى هناك يواصل حركة الوعظ و الارشاد و يصد الفتن و الاهواء مدة-غير قليلة-من الزمن.

و بعد ذلك انتقل الى بروجرد بالحاح من اهاليها. فبقى فيها مدة قليلة يواصل جهاده الاسلامي حتى توفاه اللّه فيها سنة 1201 هـ و قيل: توفي في كرمانشاه و نقل جثمانه الشريف الى بروجرد. و على كل فقيره الآن في «بروجرد» مزار مشهور يتبرك به الزائرون و تشد اليه الرحال من اطراف البلاد لقضاء الحوائج. و لقد جدد قبره-اخيرا-من قبل حفيده العظيم آية اللّه العظمى سيدنا الحسين البروجردى الطباطبائي قدس سره.

(1) عبد الكريم هذا: هو اخو الامير ابي المعالى الكبير الطباطبائي جد صاحب الرياض. و عليه فيجتمع نسب السادة الطباطبائيين في كربلا و نسب السادة آل بحر العلوم في النجف الاشرف في السيد مراد والد كل من السيد عبد الكريم و السيد ابي المعالى.

(2) في السيد مراد-هذا-يجتمع نسب السادة آل الحكيم في النجف الاشرف و نسب السادة آل بحر العلوم في النجف الاشرف و كربلا و من ابرز السادة «آل الحكيم» اليوم سيدنا الاكبر و المرجع الدينى الأعلى الفقيه الورع‏

14

ابن السيد جلال الدين الأمير ابن السيد الحسن ابن السيد مجد الدين‏ (1) ابن السيد قوام الدين‏ (2) ابن السيد اسماعيل ابن السيد عباد ابن السيد أبي المكارم ابن السيد عباد ابن السيد أبي المجد (3) ابن السيد عباد ابن السيد علي ابن السيد حمزة ابن السيد طاهر ابن السيد علي‏ (4) ابن السيد محمد (5)

____________

قالحجة السيد محسن الحكيم الطباطبائى-ادام اللّه ظله-فانه ابن العلامة التقي السيد مهدى ابن السيد صالح ابن السيد احمد ابن السيد محمود ابن السيد إبراهيم -الطبيب-ابن الأمير السيد علي الحكيم ابن الامير السيد مراد «الى آخر- نسبهم المنتهى الى السيد إبراهيم طباطبا» .

(1) و اسم مجد الدين-هذا-علي.

(2) و اسم قوام الدين-هذا-محمد.

(3) و اسم ابي المجد-هذا-احمد.

(4) و هو المكنى بأبى الحسين، و الملقب بشهاب الشاعر الاصفهاني ذكره ابن عنبة النسابة في «عمدة الطالب: ص 162» طبع النجف الأشرف سنة 1358 هـ و قال: «له ذيل طويل منهم السيد العالم النسابة ابو اسماعيل إبراهيم- ابن ناصر بن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن علي الشاعر المذكور-صاحب كتاب المنتقلة في علم النسب» .

(5) و هو المكنى بأبي الحسن. الشاعر. صاحب المؤلفات القيمة ترجم له الحموى في «معجم الأدباء: 6284» فقال: «شاعر مفلق، و عالم محقق شائع الشعر، نبيه الذكر مولده باصبهان و بها مات في سنة 322، و له عقب كثير في أصفهان فيهم علماء و ادباء و نقباء و مشاهير، و كان مذكورا بالذكاء و الفطنة و صفاء القريحة و صحة الذهن و جودة المقاصد معروف بذلك مشهور به، و هو مصنف كتاب عيار الشعر كتاب تهذيب الطبع. كتاب العروض-لم يسبق الى مثله-كتاب في المدخل في معرفة المعمى من الشعر. كتاب في تقريظ الدفاتر»

15

ابن السيد احمد (1)

____________

قثمّ ذكر الحموى كثيرا من اخباره و شعره الى ص 293 فراجعه.

و ترجم له أيضا ابن النديم في «الفهرست: ص 196» بعنوان «ابن طباطبا العلوي» و قال: «و له في الشعر و الشعراء و له من الكتب كتاب سنام المعالى كتاب عيار الشعر. كتاب الشعر و الشعراء-اختياره-كتاب ديوان شعره» .

و عده ابن شهرآشوب السروي في «معالم العلماء: ص 152» من شعراء الشيعة المتقين بعنوان «الشريف ابن طباطبا النسابة الاصفهاني» .

و ذكره أيضا ابن خلكان في (وفيات الاعيان: 140) و ذكر بعض شعره-من غير معرفة بشخصه-في ذيل ترجمة ابي القاسم احمد بن محمد بن اسماعيل بن إبراهيم طباطبا الحسني الرسي المصري المتوفى بها سنة 345 هـ و قال (وجدته في ديوان ابي الحسن بن طباطبا و لا ادري من هذا-ابو الحسن-و لا وجه النسبة بينه و بين ابي القاسم المذكور. )

و ترجم له أيضا صاحب (تاريخ قم ص 208) بعنوان: ابى الحسن محمد بن احمد بن طباطبا الشاعر.

و ذكره صاحب نسمة السحر و اورد من شعره قوله:

يا من حكى الماء فرط رقته # و قلبه في قساوة الحجر

يا ليت حظى كحظ ثوبك من # جسمك يا واحد البشر

لا تعجبوا من بلى غلالته # قد زر ازراره على القمر

و لابن طباطبا-هذا ذكر في معاهد التنصيص و معجم الشعراء للمرزبانى و الذريعة لشيخنا الحجة الطهرانى و عمدة الطالب و غيرها من المعاجم.

(1) هو الامير الملقب بـ «فتوح الدين» المكنى بأبي عبد اللّه. و كان شاعرا، توفي في قرية «غازيان» من توابع «جويبارة» من مضافات «أصفهان» ذكره صاحب عمدة الطالب: ص 162.

غ

16

ابن السيد محمد (1) ابن السيد أحمد (2) ابن السيد إبراهيم الملقب بـ «طباطبا» (3)

____________

(1) -يكنى السيد محمد-هذا-بأبى جعفر الأصغر و يعرف بابن الخزاعية و كان شاعرا و له عقب بمصر و دفن عند جده-إبراهيم طباطبا- بجميلان أصفهان ذكره صاحب عمدة الطالب (ص 162) و غيره من النسابين‏

(2) -يلقب السيد احمد-هذا-بالرئيس و يكنى بأبى عبد اللّه و كان نزيل أصفهان ذكره صاحب (عمدة الطالب: ص 162)

(3) -الى السيد إبراهيم طباطبا-هذا-ينتهي نسب جميع السادة الطباطبائيين المنتشرين في العراق و غيره من البلدان الاسلامية و هم كثيرون.

و فيهم العلماء و الأمراء و النقباء و الشعراء و غيرهم. ذكره صاحب (عمدة الطالب النسابة ص 161) فقال: «... إبراهيم طباطبا بن اسماعيل الديباج، و لقب (طباطبا) لأن اباه اراد ان يقطع له ثوبا-و هو طفل-فخيره بين قميص و قبا فقال (طباطبا) يعني: قباقبا. و قيل: بل السواد لقبوه بذلك و «طباطبا» بلسان النبطية سيد السادات «نقل ذلك» ابو نصر البخاري عن الناصر للحق و كان إبراهيم «طباطبا» ذا خطر و تقدم و امه ام ولد «فاعقب» من ثلاثة رجال: القاسم الرسي و احمد. و الحسن و القاسم الرسي-هذا-يكنى: ابا محمد. و كان ينزل جبل الرس، و كان عفيفا زاهدا له تصانيف و دعا الى الرضا من آل محمد، و له عدة اولاد متقدمون و اعقب من سبعة رجال ذكر حميد الدين اليمانى في كتابه (الحدائق الوردية في احوال الأئمة الزيدية) : ان القاسم -هذا-بايعه اصحابه سنة 220 الى أن توفي مختفيا في جبل الرس سنة 246 هـ عن سبع و سبعين سنة.

قال صاحب العمدة: «و كان لإبراهيم (طباطبا) عبد اللّه بن إبراهيم أيضا كان له ذيل لم يطل «و من ولده» احمد بن عبد اللّه خرج بصعيد مصر سنة 270 هـ فقتله احمد بن طولون. و انقرض عقبه و عقب ابيه عبد اللّه بن إبراهيم ايضا» .

17

ابن السيد اسماعيل الديباج‏ (1)

____________

ق-و من ولد إبراهيم طباطبا أيضا محمد بن إبراهيم، و يكنى: ابا عبد اللّه، احد أئمة الزيدية، خرج بالكوفة داعيا الى الرضا من آل محمد، و خرج معه ابو السرايا السري بن منصور الشيباني في ايام المأمون، فغلب على الكوفة و دعى بالآفاق، و لقب بأمير المؤمنين، و عظم امره ثمّ مات فجأة سنة 199 هـ قيل: سقاه ابو السرايا سما فمات منه. و انقرض عقبه «و كان» من ولده محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد-هذا-خرج الى الحبشة فما يعرف له خبر «و منهم» محمد بن جعفر بن محمد المذكور، قتلته الشراة بـ «كرمان» و صلب، فأخذتهم الزلزلة اربعين يوما حتى انزل عن الخشبة، فسكنت الزلزلة و عقب إبراهيم طباطبا من القاسم و احمد و الحسن... » .

و إبراهيم «طباطبا» ذكره الشيخ الطوسي-رحمه اللّه- (في رجاله ص 144) من اصحاب الصادق عليه السلام. و ذكره أيضا المولى الاردبيلي في «جامع الرواة 119» و قال: «روى عنه علي بن حسان في «الكافي» في باب ان الجن يأتيهم عليهم السلام فيسألونهم. و ذكره أيضا ابن حجر العسقلانى في «لسان الميزان: 135» و قال: «ذكره ابو جعفر الطوسي في رجال جعفر بن محمد الصادق من الشيعة. و قال: كان فاضلا في نفسه سريا في قومه» و ذكره ايضا ابو نصر البخاري في «سر السلسلة العلوية ص 16» طبع النجف الاشرف سنة 1382 هـ و له ذكر في اكثر كتب النسب و في المعاجم الرجالية.

(1) -اسماعيل الديباج-هذا-ذكره صاحب «عمدة الطالب: ص 150» و قال: «و العقب من إبراهيم الغمر في اسماعيل الديباج-وحده-و يكنى:

ابا إبراهيم، و يقال له: الشريف الخلاص، و العقب منه في رجلين الحسن التج و إبراهيم طباطبا... » و كان لإبراهيم الغمر اولاد غير اسماعيل الديباج إلا انهم لا بقية لهم «انظر: هامش عمدة الطالب: ص 150» . -

18

____________

ق-و كان اسماعيل الديباج مع بني الحسن الذين حبسهم المنصور بالهاشمية، ثمّ هدم السجن عليهم فقتلهم، قال ابو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين (ص 199 -طبع القاهرة سنة 1368 هـ» : «اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن ابى طالب عليه السلام، و هو الذي يقال له «طباطبا» ، و قيل: إن ابنه إبراهيم طباطبا، و أمه «ربيحة» بنت محمد بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن ابي امية الذي يقال له: زاد الركب، ابو ام سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم حدثني احمد بن سعيد، قال: حدثني يحيي بن الحسن، قال: حدثنا اسماعيل بن يعقوب، قال: حدثنا عبد اللّه بن موسى، قال: سألت عبد الرحمن بن ابى الموالى-و كان مع بني الحسن بن الحسن في المطبق-كيف كان صبرهم على ما هم فيه؟قال: كانوا صبراء، و كان فيهم رجل مثل سبيكة الذهب، كلما او قد عليها النار ازدادت خلاصا، و هو اسماعيل بن إبراهيم، كان كلما اشتد عليه البلاء ازداد صبرا» .

و قال ابو نصر البخارى في «سر السلسلة العلوية: ص 16» : «ولد اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن «إبراهيم» بن اسماعيل بن إبراهيم لام ولد -و إبراهيم هو المعروف بطباطبا- «و الحسن بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام هو الملقب بـ «التج» - «بالتاء المثناة الفوقانية و الجيم المشددة-و يعرف الحسن التج-هذا-بابن الهلالية، و يقال لولده: بنو التج» خرج مع الحسين بن علي بفخ فحبسه الرشيد، و بقي في الحبس نيفا و عشرين سنة حتى خلاه المأمون و هلك-و هو-ابن ثلاث و ستين سنة. و يكنى: ابا علي. له الحسن بن الحسن بن اسماعيل بن إبراهيم لا عقب له إلا منه، و ولد للحسن بن الحسن بن اسماعيل-هذا-محمد، و إبراهيم، و علي و اسماعيل بنو الحسن بن الحسن بن اسماعيل بن إبراهيم، من امهات اولاد اعقبوا جميعا» . -

19

ابن السيد إبراهيم الغمر (1)

____________

ق-ثمّ قال ابو نصر البخاري: «ولد إبراهيم طباطبا (محمد) بن إبراهيم الذي خرج مع ابى السرايا بالكوفة «و إسماعيل بن إبراهيم» امهما ام الزبير بنت عبد اللّه المخزومية، فاما محمد بن إبراهيم مات-رضى اللّه عنه-في اول ليلة من رجب سنة 199 هـ، و هو ابن ثلاث و خمسين سنة، و دفن بالكوفة، «و عبد اللّه و احمد» ابني إبراهيم طباطبا، امهما جميلة بنت موسى بن عيسى بن عبد الرحيم ابن العلاء «و القاسم و الحسن» ابنى إبراهيم، امهما هند بنت عبد الملك بن سهل ابن مسلم» .

و انظر: ص 17 من (سر السلسلة) الإمام القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا، و اولاده، و احفاده، و من اعقبوا.

(1) ذكر إبراهيم الغمر-هذا-صاحب (عمدة الطالب: ص 149) فقال: (و لقب بـ-الغمر-لجوده، و يكنى: ابا إسماعيل، و كان سيدا شريفا روى الحديث، و هو صاحب الصندوق بالكوفة، يزار قبره، و قبض عليه ابو جعفر المنصور مع اخيه، و توفى في حبسه سنة 145 هـ و له تسع و ستون سنة (و قال ابن خداع) مات قبل الكوفة بمرحلة و سنه سبع و ستون سنة، و كان السفاح يكرمه (فيروى) ان السفاح كان كثيرا ما يسأل عبد اللّه المحض عن ابنيه محمد، و إبراهيم، فشكا عبد اللّه ذلك الى اخيه إبراهيم الغمر، فقال له إبراهيم:

إذا سألك عنهما فقل: عمهما إبراهيم اعلم بهما، فقال له عبد اللّه: و ترضى بذلك قال: نعم، فسأله السفاح عن ابنيه-ذات يوم-فقال: لا علم لي بهما، و علمهما عند عمهما إبراهيم، فسكت عنه، ثمّ خلا بابراهيم فسأله عن ابني اخيه، فقال له يا امير المؤمنين اكلمك كما يكلم الرجل سلطانه او كما يكلم ابن عمه؟فقال: بل كما يكلم ابن عمه، فقال: يا امير المؤمنين أ رأيت إن كان اللّه قد قدر ان يكون لمحمد و إبراهيم من هذا الأمر شي‏ء أ تقدر-انت و جميع اهل الارض-على دفع ذلك؟-

20

____________

ق-قال لا و اللّه، قال: و رايت ان لم يقدر لهما من ذلك شي‏ء أ يقدران-و لو ان اهل الارض معهما-على شي‏ء منه؟قال: لا، قال: فما لك تنغص على هذا الشيخ النعمة التى تنعمها عليه؟فقال السفاح: و اللّه لا ذكرتهما بعد هذا، فلم يذكر شيئا من امرهما حتى مضى لسبيله) .

و ذكره أيضا ابو نصر البخارى في (سر السلسلة العلوية: ص 15) فقال:

«و ابو اسحاق إبراهيم الغمر بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام، امه فاطمة بنت الحسين عليه السلام، كان اشبه الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، توفى في سنة 145 هـ، في حبس المنصور، و هو ابن سبع و ستين سنة، و هو اول من مات من اولاد الحسن في حبس المنصور.

ولد إبراهيم بن الحسن: (اسحاق، و اسماعيل و يعقوب) امهم (ربيحة) بنت عبد اللّه بن امية المخزومي-لا عقب لإسحاق و يعقوب- (و محمد) بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط عليه السلام من ام ولد تدعى (عالية) كان يقال له: الديباج الأصغر، لحسنه، نظر اليه المنصور قال: انت الديباج الأصغر؟فقال: نعم، قال: اما و اللّه لأقتلنك قتلة ما قتلها احد من اهلك. ثمّ امر باسطوانة، فافرج عنها، و بنيت عليه-لا عقب له- (و علي) بن إبراهيم ابن الحسن بن الحسن من ام ولد تدعى (مذهبة) قال ابو اليقظان: درج و قال: العمري النسابة: لا عقب له» .

و ذكره أيضا ابو الفرج الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين: ص 187) فقال «إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام، و يكنى: ابا الحسن و امه فاطمة بنت الحسين عليه السلام، كان إبراهيم اشبه الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم-ثمّ روى بسنده عن عيسى بن عبد اللّه-قال: (مر الحسن ابن الحسن على إبراهيم بن الحسن و هو يعلف إبلا له، فقال: أ تعلف إبلك-

21

ابن الحسن المثنى‏ (1) ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام.

____________

ق-و عبد اللّه بن الحسن محبوس-؟اطلق عقلها يا غلام، فأطلقها، ثمّ صاح في ادبارها، فذهبت، فلم يوجد منها واحدة، و توفي إبراهيم بن الحسن بن الحسن في الحبس بالهاشمية في شهر ربيع الاول سنة 145 هـ و هو اول من توفي منهم في الحبس، و هو ابن سبع و ستين سنة (قال) : هؤلاء الثلاثة من ولد الحسن ابن الحسن لصلبه قتلوا و ماتوا في الحبس» يعني: عبد اللّه بن الحسن بن الحسن و اخويه حسنا، و إبراهيم، و ذلك: لما قبض المنصور على عبد اللّه بن الحسن و اولاده و اخوته بسبب اختفاء ولديه: محمد و إبراهيم، و كان المنصور بايع لمحمد في دولة بنى امية، ثمّ قتل المنصور محمدا و إبراهيم بعد ما حبس اباهما و من معه ثمّ قتلهم. (و الهاشمية) مدينة كان بناها المنصور بقرب الكوفة قبل بناء بغداد.

و قبر إبراهيم الغمر بين الكوفة و النجف الاشرف-و الى الكوفة اقرب -و عليه قبة و هو مزار معروف حتى اليوم، و كان آية اللّه الفقيه المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي يتعاهده بالزيارة بين آونة و أخرى، و يعلن للزائرين معه انه قبر جده السيد إبراهيم الغمر، و لعل بعض الغيارى من الاثرياء المؤمنين يقوم بتجديده اسوة بغيره من اولياء اللّه و ابطال العلم و العقيدة، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) .

(1) -الحسن المثنى-هذا-ذكره الشيخ المفيد رحمه اللّه في (الارشاد) فقال (و اما الحسن بن الحسن بن علي عليه السلام، فكان جليلا، رئيسا، فاضلا ورعا، و كان يلي صدقات امير المؤمنين عليه السلام في وقته، و له مع الحجاج -لعنه اللّه-خبر ذكره الزبير بن بكار، و كان حضر مع عمه الحسين عليه السلام الطف فلما قتل الحسين عليه السلام، و اسر الباقون من اهله، جاءه اسماء بن خارجة فانتزعه من بين الاسراء-

22

____________

ق-و ذكره أيضا صاحب (عمدة الطالب: ص 84) و قال: «يكنى ابا محمد و امه خولة بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمي ابن مازن بن فزارة بن ذبيان، و كانت تحت محمد بن طلحة بن عبيد اللّه، فقتل عنها يوم الجمل، و لها منه اولاد، فتزوجها الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام و كان (الحسن بن الحسن) قد خطب الى عمه الحسين عليه السلام احدى بناته فأبرز له فاطمة، و سكينة، و قال: يا ابن اخي، اختر ايهما شئت؟فاستحى الحسن، و سكت، فقال الحسين عليه السلام: قد زوجتك فاطمة، فانها اشبه الناس بامي فاطمة بنت رسول اللّه (ص) .

... و كان الحسن بن الحسن يتولى صدقات امير المؤمنين عليه السلام و نازعه فيها زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، ثمّ سلمها له... و كان الحسن ابن الحسن شهد الطف مع عمه الحسين عليه السلام و اثخن بالجراح، فلما ارادوا أخذ الرءوس وجدوا به رمقا، فقال اسماء بن خارجة بن عيينة بن خضر بن حذيفة بن بدر الفزاري: دعوه لي، فان وهبه الأمير عبيد اللّه بن زياد لي، و إلا رأى رايه فيه، فتركوه له، فحمله الى الكوفة، و حكوا ذلك لعبيد اللّه بن زياد، فقال: دعوا لابي حسان ابن اخته، و عالجه اسماء حتى برئ ، ثمّ لحق بالمدينة، و كان عبد الرحمن بن الاشعث قد دعا اليه و بايعه، فلما قتل عبد الرحمن توارى الحسن، حتى دس اليه الوليد بن عبد الملك من سقاه سما، فمات-و عمره إذ ذاك خمس و ثلاثون سنة و كان يشبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و اعقب الحسن بن الحسن من خمسة رجال: عبد اللّه المحض، و إبراهيم الغمر، و الحسن المثلث، و امهم فاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام، و من داود، و جعفر، و امهما ام ولد رومية تدعى (حبيبة) فعقبه خمسة اسباط»

ان ما ذكره صاحب (العمدة) : من ان الذي دس الى الحسن المثنى السم-

23

____________

ق-الوليد بن عبد الملك-لا يصح، و الصحيح ان الذي سمه هو سليمان بن عبد الملك، ذلك لان الحسن-هذا-قد دس اليه السم سنة (97) و الوليد مات سنة (96) و بويع بعده اخوه سليمان، فدس اليه السم.

و ما ذكره من انه كان عمر الحسن المثنى عنه موته خمسا و ثلاثين سنة لا يصح ايضا، لانه مات بعد والده الحسن المجتبى عليه السلام بثمان و اربعين سنة، فكيف يكون عند موته ابن خمس و ثلاثين سنة، فالذي يغلب على الظن ان في العبارة تحريفا -من الناسخ-و ان الصحيح ان عمره كان عند موته ثلاثا و خمسين سنة لا خمسا و ثلاثين، فلاحظ.

و حبيبة ام داود بن الحسن المثنى-المذكورة في عبارة صاحب (العمدة) -هي التي علمها الإمام الصادق عليه السلام الدعاء المعروف بدعاء «ام داود» و كان به خلاص ابنها داود من الحبس.

و كان للحسن المثنى ابن آخر اسمه محمد، و بنتان هما رقية، و فاطمة، امهم رملة بنت سعيد بن زيد بن نفيل العدوي، و لا بقية لمحمد بن الحسن المثنى، ذكر ذلك النسابة السيد جعفر ابن السيد محمد ابن السيد جعفر ابن السيد راضي الحسيني الأعرجي الكاظمي، المتوفى سنة 1332 هـ، في كتابه (مناهل الضرب) المخطوط. و توجد نسخته عند شيخنا المحقق الحجة الشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب كتاب (الذريعة) ادام اللّه وجوده.

و انظر أيضا ترجمة ضافية للحسن المثنى في (سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري: ص 4 الخ) و أكثر بني الحسن السبط عليه السلام من صلب الحسن المثنى هذا. و له ذكر في أكثر كتب النسب و المعاجم الرجالية.

غ

24

هذه السلسلة الذهبية من النسب العلوي المشرق وجدت بخط سيدنا «بحر العلوم» قدس سره في بعض آثاره المخطوطة لدى أسرته الكرام و لقد ذكر هذا النسب كل من ترجم للسيد، أو لأحد أفراد أسرته-قدس اللّه أسرارهم. -

نسب كأن عليه من شمس الضحى # ألقى، و من فجر الصباح عمودا

و لقد نظم هذا النسب الشريف-رجزا-أحد مفاخر هذه الاسرة الكريمة سماحة الحجة المحقق السيد محمد صادق بحر العلوم-دام تأييده- و الأرجوزة كبيرة، نقتضب منها ما يلي:

و بعد جاء في الصحيح المسند # عن النبي المصطفى محمد

بان كل سبب و نسب # ينبتّ الا سببي و نسبي‏

فاستمعن يا أيها الخل الوفي # نظم الفقير الفاطمي الأشرف‏

أرجوزة سمت على الجوزاء # إذ قد حوت لنسب الآباء

انهيت فيها لعلي نسبي # اربعة بعد ثلاثين أبي‏

مبتدئا بوالدي المهذب # وفقه اللّه لنيل الارب‏

و هو سمي المجتبى الزاكي (الحسن) # ذا شبل «إبراهيم» صاحب المنن‏

نسل «الحسين» بن «الرضا» بن «المهدي» # حليف سؤدد، ربيب المجد

(بحر العلوم) صاحب المناقب # سيد أهل الفضل، ذى التجارب‏

محقق المعقول و المنقول # مدقق الفروع و الأصول‏

فكم كرامات له مشتهرة # و قد غدت في عصره مزدهرة

كآية الحجاز و الغمامة # فانها لفضله علامة

و آية السهلة، و الاعرابي # و آية التشييع، و السرداب‏

و آية الرؤية للإمام # في حالة النهوض للقيام‏

و آية الضم دليل مرتضى # لشبل حجة الانام «المرتضى»

25

نسل «محمد» سمي المصطفى # و هو التقي المتعالى شرفا

نسل الفتى «عبد الكريم» الفاضل # نسل «مراد» نسل «شاه» الكامل‏

ذا «أسد اللّه» حليف السؤدد # نسل «جلال الدين» نسل الأوحدي‏

و هو ربيب المكرمات «الحسن» # قامت فروضها به، و السنن‏

نسل حليف المجد «مجد الدين» # نسل فتى العليا «قوام الدين»

سليل «اسماعيل» نسل الأنجب # «عباد» نسل الفذ عالي الرتب‏

و هو المكنى بـ «أبي المكارم» # سليل «عباد» ابن خير عالم‏

و هو «ابو المجد» بن «عباد» السنن # نسل «علي» القدر صاحب المنن‏

نسل الزكي «حمزة» بن (طاهر) # نسل (علي) و هو ذو المفاخر

نسل (محمد) سليل (احمد) # نسل (محمد) الهمام الأمجد

نسل الرئيس (احمد) النبيل # فخر الورى ذى الشرف الأصيل‏

سليل (إبراهيم) أزكى النجبا # و هو الذي لقبه (طباطبا)

سليل (اسماعيل الديباج) # من فضله كالكوكب الوهاج‏

سليل (إبراهيم) نسل (الحسن) # و هو المثنى ابن (الإمام الحسن)

نسل الإمام صاحب الفضل الجلي # أمير اهل الحق مولانا (علي)

والده المرتضى:

و لقد أعقب السيد محمد-جد سيدنا المترجم له-أربعة من الأولاد:

السيد مرتضى، و السيد علي، و السيد رضي، و السيد رضا، و بنتا واحدة.

توفى السيد علي في ايران سنة 1201 ثمّ توفي السيد رضي ثمّ السيد رضا، و كان شابا فاضلا، و دفنا في قبر أبيهما في بروجرد عند رجليه.

و تزوج البنت الاستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني قدس سره.

و أما السيد مرتضى-و هو اكبر اولاده-فقد ولد في النجف الأشرف‏

26

-على الأصح-و أمه بنت المقدس العلاّمة الأمير أبي طالب ابن العلامة الأمير أبي المعالي الكبير، و ام الامير أبي طالب بنت المولى محمد صالح المازندراني شارح الكافي للكليني-التي أمها الفاضلة العالمة (آمنة بيكم) بنت العلامة المجلسي الأول المولى محمد تقي و اخت العلامة المحدث المولى محمد باقر المجلسي الثاني صاحب البحار، و لذا يعبر السيد بحر العلوم في مصنفاته عن المجلسي الاول بـ (الجد) و عن المجلسي الثاني بـ (الخال) .

و نشأ السيد مرتضى-في كربلا نشأة علمية على أيدي علمائها العظام و اخذ يتردد على النجف ايضا، و يمتار من علومها الفياضة، حتى اصبح من العلماء الذين يشار اليهم بالبنان، و في مرتبة سامية من الورع و التقوى و ما إن انقضت أيام شبابه في العراق حتى غادرها الى بلاد أبيه (بروجرد) في ايران، فبقى هناك مرجعا دينيا كبيرا، و رئيسا اجتماعيا -غير منازع-مدة من الزمن.

و رجع إلى النجف الاشرف-مسقط رأسه-سنة 1199، فاحتفى به أهل النجف بعامة طبقاتها، و عقدوا له المهرجانات و النوادي الترحيبية و انثال عليه شعراء عصره يزفون البشرى بقدومه المبارك الى نجله سيدنا المهدي قدس سره.

فمن ذلك قصيدة للسيد أحمد العطار البغدادي المتوفى سنة 1215 هـ و مطلعها

بشرى فبدر سماء المجد قد طلعا # و نور شمس نهار السعد قد سطعا

إلى قوله:

ليهن سيدنا المهدى طلعته # التي بضوء سناها الكون قد سطعا

و ليبتهج، و له البشرى برجعته # التي بها غائب الأفراح قد رجعا

قرت عيون البرايا حين أقبل بل # قرت عيون العلى و المكرمات معا

إذ قر عينا به مهدي آل رسول # اللّه أصدع من بالحق قد صدعا

27

عماد سمك العلى من قام كاهله # بحمل أعباء دين المصطفى يفعا

يا من يحاول تاريخ اجتماعهما # بعد افتراق به خرق العلى اتسعا

أيا تجد فاتل تاريخي عليه و قل # لجمع شملك شمل المجد قد جمعا

او قل اذا شئت تاريخ: اجتماعهما # لجمع شملكما شمل العلى جمعا

او شئت آخر فاسمع ما نظمت و ما # أرخت بدران في برج العلا اجتمعا

تخرج عليه-في فترة بقائه في النجف الاشرف بعد عودته من ايران-كثير من علماء عصره من مفاخرهم ولده الأعظم سيدنا المهدي قدس سره.

و لم نعرف له من المؤلفات سوى «شرح كفاية السبزواري» جزءين كبيرين، لا يزال مخطوطا.

توفي في كربلاء سنة 1204 هـ و كان ليوم وفاته حدث عظيم و فاجعة كبرى على العلم و العلماء. فصلى عليه ولده «المهدي» و دفنه في جوار جده الحسين عليه السلام في الرواق المطهر مما يلي قبور الشهداء رضوان اللّه عليهم. و وضع على قبره صندوقا خشبيا خاصا به. و بعد ذلك بسنة توفي استاذ السيد بحر العلوم الوحيد البهبهاني غفره اللّه برحمته، فدفنه السيد الى جنب ابيه «المرتضى» في نفس القبر. و ظل هذا الصندوق يعرف بالسيدين العظيمين: المرتضى و الوحيد مدة من الزمن و في سنة 1231 هـ توفي «صاحب الرياض» -رحمه اللّه-فاستجاز آل الطباطبائي في كربلاء من آل بحر العلوم في النجف الأشرف أن يدفن صاحب الرياض مع السيدين في نفس القبر فكان ذلك باتفاق من الأسرتين.

إذن فالصندوق الموجود-حاليا-عن يمين الداخل الى الحرم من باب الشهداء يضم ثلاثة من الأعاظم: المرتضى، و الوحيد، و صاحب الرياض-قدس اللّه أسرارهم-و كان منقوشا على الصندوق السابق اسماء هؤلاء الأعلام الثلاثة

28

و لكن-من المؤسف جدا أخيرا-ان تلعب يد الأغراض الملتوية، فتجدد الصندوق-الحالى-و تهمل اسم صاحب المرقد القديم سيدنا المرتضى-قدس سره-و تنوه باسم الوحيد، و صاحب الرياض فقط.

و لقد أثار هذا الموضوع حفيظة سيدنا المغفور له آية اللّه العظمى السيد آغا حسين البروجردي-يومئذ-فكتب بهذا الشأن كتابا الى ابن عمه سماحة آية اللّه الورع السيد محمد تقي آل بحر العلوم الطباطبائي-دام ظله-يستنكر هذا الفعل، و يستعينه على اصلاح الموضوع فاهتم سيدنا «التقي» بالأمر، و وعده القوم بالاصلاح، و اعتذر بعض أحفاد آل السيد صاحب الرياض اليه بأن ذلك من فعل شذاذ العشيرة و أطفالهم. و ظل الموضوع قيد المداولة و الاعتذار-حتى اليوم-و لا بد للتاريخ من عودة الى رشد، و التجاء الى الواقع...

و لقد عقدت على روح سيدنا المرتضى مجالس الفاتحة في كربلا و النجف الأشرف، و انطلقت شعراء عصره-من مختلف الأنحاء-لرثائه، و تعزية ولده الأعظم «مهدي آل محمد» و اليك اسماء بعض الشعراء، و مطالع قصائدهم-بغية الاختصار-و للتفصيل مظانه من المجاميع المخطوطة و المصادر الأدبية المطبوعة:

الشيخ محمد علي الاعسم المتوفى سنة 1233:

خطب ألم فضاق بي رحب الفضا # و عرا، فاضرم في الحشا نار الغضا

و من تاريخها:

و أتى بتاريخ بغير «تلعثم» (1) # أشجى جميع الناس فقد المرتضى‏

____________

(1) يشير الى ان التاريخ هو مجموع عجز البيت بعد طرح عدد حروف (تلعثم) الأبجدية منه.

29

و له أيضا:

قد بات مقروح الحشا متململا # مدثرا بهمومه مزملا

و من تاريخها:

فسررت مأجورا، فقلت مؤرخا # قد سر جارا للشهيد بكربلا

السيد أحمد العطار البغدادي المتوفى سنة 1215:

للّه خطب جلل من عظمه # قلوبنا باتت على جمر الغضا

و من تواريخها:

فليغتبط و ليهنه ما قد أتى # تأريخه: حاز من اللّه الرضا

و حين حط بالحسين رحله # نال به شفاعة لن تدحضا

و أعطي الفردوس منأى عن لظى # تاريخه: نال النعيم المرتضى‏ (1)

و حين لم يلق عذابا أرخوا: # جاور مولانا الحسين المرتضى‏ (2)

و للشاعر نفسه:

و عداة اغتدى مع الشهداء الغر، أرخت: فاز فوزا عظيما

و له:

و بشر بالجنان فقلت: أرخ # لقد أوتيت سؤلك بالجنان‏

و له:

فنعى و ما قصرت في تأريحه # قد أوهن الاسلام فقد المرتضى‏ (3)

الشيخ محمد رضا النحوي: المتوفى سنة 1226 هـ.

____________

(1) يشير الى ان لفظة (الفردوس) تحسب حروفها مع التاريخ و من المجموع يطرح عدد حروف لفظة (لظى) الأبجدية.

(2) يشير الى ان التاريخ المذكور يطرح منه عدد حروف لفظة (عذابا) الابجدية.

(3) يشير الى ان التاريخ المذكور يطرح منه عدد حروف قصرت (الابجدية)

30

و لما نحا دار المقامة أرخوا: # أبو الصالح المهدي الى الجنة اهتدى‏

السيد إبراهيم العطار المتوفى سنة 1230

أ رأيت هذا اليوم ما صنع الردى # بدعائم التقوى و أعلام الهدى‏

و من تاريخها:

ان رمت تاريخ الشريف المرتضى # فهلم أرخ: قد قضى علم الهدى‏

الشيخ مسلم ابن الشيخ عقيل المتوفى سنة 1250 ه

خطب ألم فسار في الآفاق # فرمى بدور سما العلى بمحاق‏

يا مرتضى، فقدوه من تأريخه # أحسن بذكر مرتضى لك باقي‏ (1)

الشيخ هادي النحوى: المتوفى سنة 1235 ه

واها لدهر سددا # سهما أصاب به الهدى‏

و من تأريخها:

المرتضى أودى، فأرخ: # قد قضى علم الهدى‏

اخوه و شقيقته:

و لم يخلف سيدنا المرتضى سوى ولدين و بنتا واحدة:

السيد محمد مهدى بحر العلوم-و هو صاحب الترجمة-

و السيد جواد المتوفى سنة 1248، و هو اصغر من اخيه «المهدي» و كان من عيون العلماء الابرار، و هو الجد الأعلى للسادة البروجرديين في ايران، و كان-و لن يزال-بيتهم العلمي حاشدا بمفاخر العلماء و ذوي السيادة و الزعامة الدينية و الاجتماعية في عامة انحاء ايران-خصوصا-بلاد بروجرد. و من مفاخرهم العظام: العالم المحقق و الزعيم الدينى في عصره و المجتهد

____________

(1) يشير الى ان التاريخ المذكور يطرح منه عدد حروف (مرتضى) الابجدية.

31

الجليل السيد محمود ابن السيد على نقي ابن السيد جواد صاحب كتاب «المواهب السنية» في شرح الدرة النجفية للسيد بحر العلوم (و المتوفى سنة 1300 هـ) و من مفاخرهم المتاخرين أيضا سيدنا آية اللّه العظمى مرجع الشيعة -في وقته-المغفور له السيد آغا حسين الطباطبائي البروجردي المولود سنة 1292 و المتوفى سنة 1380 ه

و أما البنت، فقد كانت من ذوات الفهم و القدسية، و ربيبة علم و أدب و شرف و تقوى. تزوجها العالم الجليل السيد أحمد القزويني المتوفي سنة 1199 هـ احد تلامذة السيد بحر العلوم وجد السادة القزوينيين في الحلة و توفيت في النجف الاشرف و دفنت فيه سنة وفاة والدها المرتضى 1204 هـ بعد وفاة أبيها باشهر. و رثاها المرحوم السيد أحمد العطار البغدادي، و ارخ وفاتها بقوله:

عزّ على الأشراف فقدان من # عزّت، فعز الصبر من بعدها

مدّ قوى الفخر أساها و قد # برّح بالمجد جوى فقدها

و كيف لا، و هي ابنة المرتضى # واحد آل المرتضى، فردها

شقيقة «المهدي» مهدي أهل # الحق، هاديها الى رشدها

و من هو الغرة من جبهة # العلياء و الدرة من عقدها

قد حكم اللّه بخير لها # و زادها سعدا الى سعدها

اذ حطت الرجل بأحمى حمى # به انيلت منتهى قصدها

و حين حلت في حمى المرتضى # أرخت: لاذت بحمى جدها

مولده المبارك:

ولد في كربلاء، قبيل الفجر من ليلة الجمعة في غرة شوال سنة 1155 هـ و يحدثنا الذين كتبوا عن شخصية سيدنا المترجم له-قدس سره-

32

أن والده المرتضى رأى-في منامه-ليلة ولادة ولده المهدي الإمام الرضا عليه السلام و هو يناول شمعة كبيرة الى محمد بن اسماعيل بن بزيع تلميذ الإمام و خادمه-فيشعلها محمد-بدوره-على سطح دار السيد، فيعلو سناها الى عنان السماء و يطبق الحافقين، فينتبه السيد من نومه قبيل الفجر، و إذا بالحلم يتحقق، و تفاؤل الإمام الرضا عليه السلام يتجسد الى عالم الحقيقة، يرمي الإمام عليه السلام بتفاؤله: أن المولود السعيد سوف يطبق نوره عامة المعمورة بفيض علمه و سنا إرشاداته و تعاليمه. و فعلا كان الذي يهدف اليه الإمام عليه السلام، فقد قيل في ولادته: «لنصرة آي الحق قد ولد المهدي» .

و مهما قيل في الأحلام من تآويل بعيدة او قريبة فان رؤية الإمام عليه السلام في الحلم لا تخضع للتأويل فقد روي عنهم عليهم السلام: «من رآنا فقد رآنا فان الشيطان لا يتمثل بنا» أو بقريب من هذا اللفظ.

نشأته في كربلاء:

تربى في أحضان والده العطوف تربية عز و شرف و أدب و كرامة فكان يعتني منه كثيرا لما ينتظره من مستقبله الطموح-حسبما حدثته به أحلامه ليلة ولادته-فكان يصحبه معه-و هو يدرج-الى مرقد جده الإمام الشهيد عليه السلام، و إلى مواضع البحث و التدريس، و إلى مظان العبادة، فاستقى من هذا و ذاك روح الايمان و واقعيته كما تشاؤه ذاته الطيبة و كفاءته النشطة، و نبهاته العلومة.

و تعلم القراءة و الكتابة-قبل اجتياز السابعة من عمره الشريف-فأخذ يزدلف الى مجالس العلماء، و يتشوق و يصغي الى محاضراتهم العلمية كما يصغي بقية التلاميذ اليها بتأمل.

33

و حضر أولياته و سطوحه من النحو و الصرف و بقية العلوم العربية و المنطق و الأصول، و الفقه و التفسير و علم الكلام و غيرها على فضلاء عصره و المتخصصين في هذه العلوم، فأكمل تلك الاوليات في ظرف ثلاث أو أربع سنين-و عمره لم يتجاوز الثانية عشرة-

و بعد ذلك حضر «خارج» الأصول على والده المرتضى، و على استاذ الكل الوحيد البهبهاني قدس سرهما، و خارج الفقه على الفقيه الكبير الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق المتوفى سنة 1186 هـ رحمه اللّه تعالى-و أخذ يزدلف الى هذه الينابيع العلمية الثرة زهاء خمسة أعوام، حتى بلغ درجة الاجتهاد، و شهد له بذلك اساتيذه الثلاثة، و لمع نجمه في كربلاء، مع وجود هؤلاء الأقطاب الثلاثة، و اعترف بفضله الخاص العام -و هو بعد لم يبلغ الحلم-فللّه دره من طاقة متفجرة بالفهم و الذكاء و زيتونة مباركة يكاد زيتها يضي‏ء .

الى النجف الاشرف:

و حتى اذا اتسع افقه العلمي، و اخصب ذهنه الوقاد و تفجر بالعلوم العقلية و النقلية، استأثرت جامعة النجف الأشرف بشخصيته الفذة، و استأثر هو أيضا بها، ليكمل أشواطه الباقية في الجهاد و الاجتهاد الفكريين، فانتقل من كربلاء الى النجف الاشرف سنة 1169 هـ موفور العلم، ثقيل الميزان ملاك الألسن، و مشار البنان، فحضر هنالك على فطاحل علمائها المبرزين -يومئذ-كالشيخ مهدي الفتونى المتوفى سنة 1183 هـ، و الشيخ محمد تقي الدورقي المتوفى سنة 1186 هـ و الشيخ محمد باقر الهزارجريبي ابن محمد باقر الهزارجريبي المتوفى سنة 1205 هـ و غيرهم من الحجج و الاعلام كما سنستعرضهم في عنوان خاص. غ

34

و في خلال ذلك كان مجدا في التدريس و التأليف و ادارة القضايا الدينية، و حسم الدعاوي الاجتماعية، و رعاية شئون الفقراء و المعوزين حتى تسم مراقي الزعامة الدينية، و استوفى حظه الأوفى من عامة العلوم الإسلامية و اصبح قطب رحى العلم و الفضيلة، و اليه تشير الزعامة الدينية المطلقة ببنانها و على مدحه و ثنائه ملاك لسانها-في حين ان عمره المبارك بعد لم يتجاوز الثلاثين-:

هو بحر العلوم بحر المعالي # فالورى وارد اليه و صادر

الى ايران:

و في شهر ذي القعدة من سنة 1186 دعي من قبل بعض علماء ايران و زعمائها الى زيارة الإمام الرضا عليه السلام، فخرج من النجف-مودعا من عامة طبقاتها-في طريقه الى ايران، و توقف مدة قليلة في «كرمانشاه» أفاد في خلالها علماؤها و فضلاؤها من ينبوع علمه و انتهلوا من طامي بحره و حتى اذا وصل الى «خراسان» خرج أهلها لاستقباله-على بكرة أبيهم- فكان ليوم مقدمه المبارك تاريخ مشهود، و بقي هناك موضع الحفاوة و الترحيب من عامة طبقاتها العلمية و الاجتماعية و السياسية زهاء سبع سنين اختص في خلالها بالفيلسوف الاسلامي الأكبر السيد ميرزا مهدي الاصفهاني الخراساني -رحمه اللّه-فأكمل عليه علوم الفلسفة و الكلام بأوسع آفاقهما حتى طار به الأستاذ عجبا فلقبه بـ «بحر العلوم» كما ستعرف، فرجع الى النجف الاشرف اواخر شعبان سنة 1193 هـ بعد أن ترك في كل بلاد مر بها ذكريات طافحة بالعلم و التقوى لا يزال تاريخ ايران يحتفظ و يعتز بها، و اندفع أهالي النجف الاشرف لاستقباله-كما و دعوه-بشكل يتناسب و مدى شوقهم و لهفهم اليه، حتى كان يوم وروده اشبه بأيام الأعياد و الأفراح.

35

الى بيت اللّه الحرام:

و في أواخر تلك السنة-بالذات-يتشرف بحج بيت اللّه الحرام لا لقصد الحج فحسب، بل لإقامة مشاعر الحج و إصلاح بعض مواقفه و تأسيس بعض مواقيته، و بقي في مكة اكثر من سنتين موضع حفاوة و عناية من عامة طبقاتها، حتى أنه كان يوضع له كرسي الكلام فيحاضر بالمذاهب المختلفة و يحضر مجلسه العلمي ارباب المذاهب كلها، فكان- لسيطرته على موضوعية البحث-يرتئيه كل مذهب لنصرته، و يدعيه لنفسه و كان يخفي مذهبه عليهم، و يستعمل «التورية» و التغطية ان سئل عن ذلك كقوله:

أحمد جدي، و أما والدي # مالكي، لكن ديني شافعي‏ (1)

و اعتقادي حنفي، و أنا # شافعي بدليل قاطع‏ (2)

و أرى الحق مع السنة في # كل ما قالوا بأمر جامع‏ (3)

____________

(1) يقصد بالفقرات الثلاث-في هذا البيت-: ان «احمد المصطفى ص» جده النسبي، و ان والده يملكه و يملك تصرفاته بحكم الحديث القائل:

«أنت و ما تملك لأبيك» ، و ان دينه-الاسلام-هو الذي يشفع له يوم القيامة و يقربه الى اللّه زلفى.

(2) يريد بالفقرتين-في هذا البيت-: ان اعتقاده في الدين «الحنيف» و هو الاسلام: و انه يقول بـ «الشفاعة» يوم القيامة ببركة النبي و الأئمة الاطهار عليهم الصلاة و السلام.

(3) و هذا الحكم طبيعي، فان الحق مع «سنة» رسول اللّه ص، و انها-بضميمة روايات اهل البيت المعصومين (ع) -احد الثقلين اللذين خلفهما نبينا (ص) من بعده حجة على المسلمين كافة.

36

و علي رابع للخلفا # ارتضيهم لا لخوف مانعي‏ (1)

و أنا ألعن من يلعنهم # و هو عندي كافر بالصانع‏ (2)

حتى اذا أكمل أشواطه الاسلامية و أقام المشاعر، و صحح المواقف و ركز المواقيت على ضوء الطريقة الشرعية الحقة، و انهى جميع مهماته الدينية و أدى رسالته التى من أجلها بقي مدة سنتين او اكثر، بعد ذلك أظهر مذهبه و أعلن به فازدحم عليه علماء المذاهب يناقشونه، و يناقشهم حتى اذعنوا له بالفضل عليهم و التفوق، و قال له بعضهم-و قد ازدلفوا لتوديعه- «ان كان للشيعة مهدي ينتظر فانت ذلك المهدي المنتظر بلا ريب»

و رجع الى النجف الاشرف في أخريات سنة 1195، فاستقبل من قبل أهالي النجف-على اختلاف طبقاتهم-استقبالا منقطع النظير و ازدلفوا اليه بقلوبهم و افكارهم، و تسابقت الشعراء للترحيب به و التشرف بمدحه، و قيل في تاريخ قدومه: «ظهر المهدي» .

المثل الاعلى في الاخلاق:

و إنما الأمم الأخلاق إن بقيت # فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

و لقد كان سيدنا المترجم له-بحكم قيادته للامة-على جانب عظيم من الاخلاق المحمدية، و الصفات الكمالية، و المثل الاسلامية، فكأنما تمثلت فيه شخصية جده خاتم المرسلين (ص) من حيث الأخلاق الفاضلة و الشرف

____________

(1) و القصد الواقعي من «علي» هنا: هو علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، فانه رابع الأئمة المعصومين-على اعتقاد الشيعة الامامية-

(2) و هذا الحكم واضح ايضا، فان لاعتقاد بخلفاء النبي بحق-و هم الأئمة الاثنا عشر سلام اللّه عليهم-من ضروريات المذهب، فكل من لعن احدهم فهو خارج عن ربقة الاسلام، و هو ملعون و كافر باللّه و المبدأ.

37

الباذخ، و التواضع الرفيع، و الرحمة و العطف و الحنان و الدعة، و المرونة و الأريحية، و حفض الجنان و كل ما يرفع بالانسان-و هو يعيش في الارض -إلى مرتبة الملك-و هو في السماء-و نستطيع القول: بأنه كان مدرسة أخلاق و تربية بالاضافة الى كونه مدرسة علم و تقوى، يدرس الأمة فصولا من سلوكه الإلهي و خلقه النبوي، و سيره الاجتماعي الرفيع بين الناس-على اختلاف طبقاتهم-فينال كل انسان لديه ما ينتظره من العناية و الرعاية:

بحيث يفارقه بالثناء الجميل و الشكر الجزيل فكان-قدس سره-مثلا اعلى للاخلاق الاسلامية لا يجارى، و منارا شاهقا للنبل و الكرامة لا يدرك شأوه.

و قد تكهرب بسلوكه الاخلاقي عامة تلاميذه و من يتصل بواقعيته و أخذوا عن ذاته المقدسة دروسهم العملية من حيث فناء الذات في حظيرة الواقع، حتى قال فيه تلميذه الاكبر-كاشف الغطاء-من قصيدة كبيرة-:

جمعت من الاخلاق كل فضيلة # فلا فضل إلا عن جنابك صادر

هيبة و جلالة:

يغضي حياء و يغضى من مهابته # فلا يكلم الا حين يبتسم‏

يحدثنا الذين كتبوا عنه: أنه كان قليل الكلام-إلا في مسألة علمية أو ذكر اللّه تعالى-طويل الصمت، دائب التفكير، عميق الإطراقة نظره الى الأرض اكثر من نظره الى السماء، اذا جلس بين الناس فكهيئة المتشهد للصلاة، واضعا يديه على فخذيه، مطرقا برأسه، و بين آونة و أخرى يرفع بصره الى الملأ ليجيبهم على سؤال وجه اليه، أو ليقول لهم أمرا يريد تنفيذه. و اذا مشى فعلى هيبة و وقار بحيث لا يلتفت الى ورائه أو بين يديه إلا لأمر ضروري، قصير الخطو، متزن النقل، كأنما يريد

38

أن يربط خطواته بسلسلة تفكيره العميق. و كانت هيبته و جلالة قدره تسيطران على المجتمع بحيث تردهم هالة عظمته عن أن يقتحموه في مسائلهم و حوائجهم الدينية و الاجتماعية، فالتفت-قدس اللّه سره-الى هذه الظاهرة و ان ذلك يؤدي الى ما لا تهدف اليه ذاته السخية، و نفسيته المعطاء. فكان يشير الى أحد خواصه-تلقائيا-أن يفتح للناس باب الكلام و المسألة فكان الناس يسألونه بواسطة أحد الملازمين لخدمته و منهم صهره على ابنة أخته العلامة المحقق السيد مرتضى الطباطبائي، و منهم تلميذه المقدس الحجة المولى زين العابدين السلماسي، فانهما كانا من الملازمين لخدمته في السفر و الحضر، و يقضون معه اغلب أوقاتهم.

و من عظمته و جلالة قدره-كما يقول التأريخ-: أن الشيخ الاكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء قدس سره-مع ما هو عليه من الجلالة و الزهد- كان يمسح تراب خفه بحنك عمامته، تبركا به.

و ليس ذلك بغريب على تلميذ مثل كاشف الغطاء بالنسبة الى استاذ مثل «بحر العلوم» فان العلماء أدرى و أعرف بمغزى المثل المشهور «من علمنى حرفا ملكنى عبدا» .

زهده و تقواه:

قيل في المثل القديم: «ليس الزهد أن لا تملك شيئا، و إنما هو أن لا يملكك شي‏ء » و على هذا الغرار نهج سيدنا المترجم له، فكان لا يهتم بالقشور الاعتبارية و ملاذ الدنيا-و ان اعدقت عليه خيراتها-و ليس متقشفا في ملبسه و مطعمه بل هو بالعكس: كان مترف اللباس حسن المأكل و المشرب و المسكن و من ذوي الشرف و الحشمة، و لكنه الى جانب ذلك كله كان متفانيا في ذات اللّه بابعد معنى التفاني و الوصول الى حظيرة الواقع و كان‏

39

من اولئك الذين ندب اليهم الحديث القدسي: «عبدي اطعني تكن مثلي تقول للشي‏ء كن فيكون» و من اولئك الذين عبدوا اللّه عبادة الأحرار «لا خوفا من ناره و لا طمعا في جنته» . و من اولئك الذين قيل في حقهم

و اذا حلت الهداية قلبا # نشطت للعبادة الاعضاء

فكان يقضي النهار في أفضل ما يعبد به اللّه: التدريس و التأليف و القضاء بين الناس و حل مشاكلهم الدينية و الاجتماعية حتى أنه كان يراه الناس أبا رحيما لهم و حمى يستجيرون به عند الملمات و هاديا و مرشدا للحق و سنن الرشاد.

أما اذا جنه الليل، و انصرم قسم من أوائله في شئون البحث و التدريس و الاجتهاد و التحقيق في شئون التشريع الاسلامي، اذا فرغ من ذلك كله طوى الحياة الدنيا و لوازمها الى هدف اسمى، و تركيز اعمق و وصول الى مراقي اليقين و الطمأنينة فاذا به-و يرافقه غلس الليل، و طمأنينة الضمير-يجدّ السير من النجف الاشرف الى مسجد الكوفة ماشيا على قدميه رغم وقاره و اتزانه-فربما وصل في منتصف الليل او قبيل الفجر الى المسجد، فيفتح بيت اللّه العظيم له صدره الرحب، لانه من اولئك الذين يعمرون مساجد اللّه-كما يريده اللّه تعالى-فيظل في بيت اللّه طوال ليله يواصل السير في عالم الملكوت بالتهجد و العبادة و الأذكار المأثورة، و التى كان يرتجلها لنفسه عند المثول امام خالقه العظيم.

و من جملة الادعية التي كان يواظب على حملها و قرائها: دعاء السيفي المشهور بنسخته الخاصة، و أسانيده الصحيحة المعتبرة عنده، و تلك النسخة كان يعتز بها لنفسه، و بقيت-بعد وفاته-يتوارثها آله الكرام و نسخوا عليها نسخا متعددة، و لا تزال في مكتبات ذوي الفضل منهم.

و حتى اذا انهى جميع أوراده و تهجده بين يدي اللّه و في بيته الحرام‏

40

عاد الى النجف الاشرف-كما أتى-قبيل الفجر، يرافقه الواقع الذي يعيشه، و روحانية اللّه التي تحيطه، فينطلق-بدوره-إلى حظيرة الحرم العلوي المطهر، فيرد الحرم ورود ولد بار الى والده العطوف، فهنالك اللقاء الواقعي، و هنالك التوجه النفسي، و الفناء الروحي، بحيث قال عنه المترجمون له إنه كان كثيرا ما يسأل الإمام عليه السلام عما يختلج في نفسه من أمور الدين، و قضايا الساعة فيجاب بلا ستر و حجاب.

و على هذا اللون و شبهه كان يقضي غالب لياليه-خصوصا في أخريات أعوامه-و من ذلك اشتهرت كراماته الباهرة، كقصة تشرفه بلقاء الحجة صاحب الأمر عليه السلام في مسجد السهلة. و قصة فتح باب الصحن و الحرم الشريف له حين وروده اليه، و غير ذلك من الكرامات التي ذكرها عامة من ترجم له و اشتهرت على السنة التأريخ في كل صوب و حدب.

هكذا، فليكن من عظم الخالق في نفسه، و صغر ما دونه في عينه.

مركزه الاجتماعي:

إن إدارة المجتمع-بحكم اختلاف طبقاته و اتجاهاته-تحتاج الى ذهنية حساسة، و مزاج خاص، و سلوك نموذجي دقيق، و هذه المؤهلات ربما لا ينهض بها إلا الأوحدي من الناس، فليست القصة. قصة علم و تقوى و شرف و سؤدد، و كرم و سخاء و لباقة و شجاعة فحسب.

و ان قيادة المجتمع-و اخص القيادة الاسلامية-أن تتوفر بالقائد تلك الصفات النبيلة، بالاضافة الى تحسسه العطوف بآلام المجتمع، و تفاؤله البناء لآماله و بالتالي فان حجر الزاوية، و السبب الأخير هو الفناء في اللّه -قولا و عملا-فان للقدر الحاسم و اليد الغيبية أعمق الأثر في تركيز الزعيم الروحي في المجتمع الاسلامي «فاللّه اعلم حيث يجعل رسالته» .

41

و لقد حاز سيدنا المترجم له على هذا الشرف المؤبد و ملك ذلك الميدان الواسع بجدارة و استحقاق و واقعية و ايمان، وطدت علاقته بالمجتمع بعد أن شبكت أواصره بالجانب الإلهي، و الآفاق الروحية.

فكان الزعيم الروحي المطلق غير المنازع و سيد الطائفة المحقة و مرجع الشيعة على رأس القرن الثالث عشر الهجري، فحنت الدنيا له خضوعا و انطوت المؤهلات الدينية و الاجتماعية بين يديه و طبق صيته الآفاق الاسلامية و غير الإسلامية حتى كان نارا على علم، و حسب التاريخ أن يقول «بحر العلوم» و كفى.

و حينما القيت مقاليد الامور اليه شاء ان يسير الوضع الاجتماعي و الزعامة الدينية بنظام اكمل و سلوك افضل، و واقعية انبل، فرص الصفوف العلمية في النجف الاشرف، و نظم القضايا و الاحكام.

فركز-بعد وفاة استاذه الوحيد البهبهاني-تلميذه الاكبر الحجة الشيخ جعفر كاشف الغطاء للتقليد و الفتوى، حتى قيل: إنه-قدس سره- اجاز لأهله و ذويه تقليد الشيخ جعفر الكبير، تمشيا مع التنظيم و التركيز

و عيّن المقدس الحجة الزاهد الشيخ حسين نجف للامامة و المحراب فكان يقيم الجماعة في «جامع الهندي» و يؤمه الناس-على اختلاف طبقاتهم- بارشاد من السيد بحر العلوم، و كان يحترمه السيد كثيرا لانه على جانب عظيم من القدسية و الإيمان حتى ربما نقلت في حقه الكرامات الكثيرة التي إن دلت على شي‏ء فانما تدل على مدى علاقته بالمبدإ الأعلى و صفاء نفسه و ستعرف ان السيد قدس سره كان يتمنى أن يصلي الشيخ حسين على جنازته حيث كان يعلم أن الذي سوف يصلي عليه غيره.

و عيّن الحجة الثبت الشيخ شريف محي الدين للقضاء و الخصومات، و حسم الدعاوى بين الناس، فكان يرشد اليه في ذلك، علما منه بمهارته‏

42

في القضاء، و تثبته في الدين، وسعة صدره لتلقى الدعاوي و المخاصمات.

أما هو-قدس سره-فاضطلع بأعباء التدريس، و الزعامة الكبرى و ادارة شئونها العامة و الخاصة، علما منه بما تحتاجه المرجعية الواسعة من صلة تامة بواقع الحياة، و توغل دقيق في شئون المجتمع، و المام كبير بعامة الامور الدينية و الدنوية.

و جرت الامور على ذلك التنظيم بأحسن ما يرام، و أخصب حقل الشريعة الاسلامية-في أيامه-باروع و أبهج ظرف يمر عليها-رغم الطوارئ الحاسمة، و المفارقات المذهبية التي كادت-لو لا حنكته-أن تقضي على الاخضر و اليابس من شئون المسلمين.

و هكذا تكون نتيجة التنظيم الاجتماعي: الخصب، و الثروة و مزيدا من الانتاج، بفضل السقي الحكيم، و الرعاية الدقيقة، و الاصرار المتواصل «و قل اعملوا فسيرى اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون» صدق اللّه العظيم،

بحر العلوم:

إننا لنقف-وقوف المتهيب المستعظم على ضفاف ذلك «البحر» الخضم و التيار الطامي في عامة العلوم الاسلامية: الفقه، و اصوله، و التفسير و الفلسفة، و الكلام، و علم الاخلاق، و الحديث، و غيرها من مختلف العلوم الاسلامية.

و حسبنا شاهدا على ما نقول: انحصار التدريس و البحث، و ادارة الحوزة العلمية في النجف الاشرف بوجوده المبارك، و خضوع فطاحل العلماء و نبغاء عصره لمقامه العلمي الرفيع، و تلمذهم على منبره المعطاء السخي‏

-كما ستقرأ في عنوان تلامذته-فكانوا يحفون به «كالبدر حين تحف فيه الانجم» استضاءة بنور علمه الفياض، و استهداء بمنار هداه الشاهق. غ

43

و لقد شهد له المخالف و المؤالف بذلك-حسبما كتب عنه المترجمون له- في مقامات كثيرة: كاعتراف علماء المذاهب بفضله «في مكة» حينما كانوا يجلسون الى محاضراته، و اعتراف علماء اليهود في مناظرته لهم في «ذي الكفل» و غيرهما كثير مما عرفت و تعرف من مقامه العلمي الشامخ.

و أما لقبه بـ «بحر العلوم» من الوجهة التاريخية فذلك أنه حين سافر الى ايران، و اقام في «خراسان» ستا من الأعوام-تقريبا-يدرس الفلسفة الاسلامية على يد رائدها و مدرسها الأوحد الفيلسوف الكبير الشهير الشهيد السيد ميرزا محمد مهدي الاصفهاني نزيل خراسان «1153-1217» فاعجب به السيد الأستاذ لشدة ذكائه و سرعة تلقيه و هضمه المشاكل و المسائل الفلسفية، و عرف منه غزارة العلم، وسعة الأفق-حينما وقف على ذلك كله استاذه الفيلسوف الكبير أطلق عليه ذلك اللقب الضخم و قال له -يوما و قد الهب إعجابه-اثناء الدرس: «انما أنت بحر العلوم» فاشتهر سيدنا-اعلى اللّه مقامه-بذلك اللقب منذ تلك المناسبة. و ظل معروفا به على مدى التأريخ «و قد صدق الخبر الخبر» و اشتهر ابناؤه الكرام بآل بحر العلوم، حتى اليوم و لا يزال «بحرهم» الفياض يتموج بالعلم و العلماء و الأدب و الأدباء-كما ستقرأ ذلك بعنوان «آل بحر العلوم» .

آيات الثناء عليه:

و لقد اعترف عامة علماء عصره، و المتأخرين عنه بعظمته العلمية و شخصيته العملاقة في أفق التاريخ الاسلامى، و لنقتبس من أقوالهم المأثورة غيضا من فيض للتدليل على ما نقول:

قال استاذه آية اللّه الوحيد البهبهاني قدس سره-من إجازته له- «... و بعد فقد استجازني الولد الاعز الامجد المؤيد الموفق المسدد، و الفطن‏

44

الأرشد، و المحقق المدقق الأسعد، ولدي الروحاني، العالم الزكي، و الفاضل الذكى و المتتبع المطلع الألمعي، للسيد السند، النجيب الأيد، محمد مهدي ولد العالم الكامل الدين، و السيد الأنجب المتدين الفاضل المقتدى، الأمير السيد مرتضى الطباطبائى-ادام اللّه تعالى توفيقهما و تأييدهما-... » .

و في اجازة الاستاذ الحجة الشيخ عبد النبي القزويني اليزدي قدس سره «... و بعد فلما وفقني اللّه تعالى لشرف خدمة السيد المطاع السند، اللازم الاتباع غوث أهل الفضل و الكمال، و عون اولى العلم و الافضال، غرة ناصية ارباب الفضيلة و بدر سماء ارباب الكمالات النبيلة، المحقق في المسائل، المدقق في الدلائل خلاصة الافاضل، و سلالة العلماء الأكامل، السيد الأجل الأبجل، الامير محمد مهدى الحسني الحسيني-ادام اللّه ظله-و احسن أمره كله و جله، فوجدته «بحرا» لا ينزف، و وسيع علم لا يطرف.

ما من فنّ الفنون إلا و قد حقق و ما من علم من العلوم النظرية، إلا و قد أصاب الحق. و ذلك-مع كونه في أول الشباب، و أترابه لم يصلوا اليه مع اكبابهم على العلوم في باب من الأبواب... »

و في إجازة استاذه الجليل آية اللّه الشيخ محمد باقر الهزارجريبي قدس سره «... أما بعد فان الولد الأعز الأجل الأوحد، و العالم العامل الكامل السيد السند، المحقق المدقق الألمعي، و التقي النقي، الذكي الزكي اللوذعى، قدوة الفضلاء المتبحرين في زمانه، و فريد عصره في معانيه و بيانه، المسدد المؤيد بالتأييد الإلهي، السيد محمد مهدي الطباطبائي. زاد اللّه تعالى علمه و فضله، و كثر في علماء الفرقة الناجية مثله، ممن رقى في الكلام على سنامه، و فاق في الفضائل الادبية و العلوم العقلية و النقلية أبناء دهره و زمانه بسهر لياليه وكد ايامه... »

و من اجازة الاستاذ المحقق السيد حسين الخوانساري: «... و بعد، فقد استجاز

45

مني السيد السند، الفاضل المستند، العالم العلام، ظهر الأنام، و مقتدى الخاص و العام، مقرر المعقول و المنقول، المجتهد في الفروع و الأصول وحيد العصر و فريد الدهر السيد محمد مهدي الحسني الحسيني الطباطبائي ادام اللّه تأييده و تسديده... »

و قال الشيخ ابو علي الحائري في منتهى المقال: «.. السيد السند، و الركن المعتمد مولانا السيد مهدي ابن السيد مرتضى ابن السيد محمد الحسني الحسيني الطباطبائي النجفي-اطال اللّه بقاه، و أدام علوه و نعماه، الإمام الذي لم تسمح بمثله الايام، و الهمام الذي عقمت عن انتاج شكله الاعوام، سيد العلماء الاعلام، و ولي فضلاء الاسلام، علامة دهره و زمانه، و وحيد عصره و أوانه ان تكلم في المعقول قلت: هذا الشيخ الرئيس، فمن بقراط و افلاط و ارسططاليس، و ان باحث في المنقول قلت: هذا العلامة المحقق لفنون الفروع و الأصول. و ما رأيته يناظر في الكلام الا قلت: هذا و اللّه علم الهدى، و اذا فسر القرآن المجيد-و اصغيت اليه-ذهلت و خلت كأنه الذي انزله اللّه عليه... »

و قال العلامة الجليل المتتبع الخوانساري في «روضات الجنات» :

«... هذا العلم المفضال، و العالم المسلم أيده اللّه في أنواع فنون الكمال بل صاحب السحر الحلال، و السكر الخالص عن الضلال في حل الاشكال و رفع الإعضال، و قمع مفارق الابطال في مضامين المناظرة و الجدال، و حسب الدلالة على نبالته في جميع الاقطار و التخوم تلقبه-من غير المشاركة مع غيره الى الآن-بـ «بحر العلوم... »

و قال الحجة الثبت الحاج ميرزا حسين النوري في «خاتمة مستدرك الوسائل» : «... آية اللّه (بحر العلوم) صاحب المقامات العالية و الكرامات‏

46

الباهرة... و قد أذعن له جميع علماء عصره و من تأخر عنه بعلو المقام و الرئاسة في العلوم النقلية و العقلية و سائر الكمالات النفسانية، حتى أن الشيخ الفقيه الاكبر الشيخ جعفر النجفى-مع ما هو عليه من الفقاهة و الزهادة و الرئاسة-كان يمسح تراب خفه بحنك عمامته. و هو من الذين تواترت عنه الكرامات، و لقائه الحجة صلوات اللّه عليه، و لم يسبقه في هذه الفضيلة أحد فيما اعلم إلا السيد رضي الدين علي بن طاوس. و قد ذكرنا جملة منها بالأسانيد الصحيحة في كتابنا «دار السلام» و «جنة المأوى» و «النجم الثاقب» لو جمعت لكانت رسالة حسنة... »

و قال الحجة السيد حسن الصدر الكاظمي في «تكلمة أمل الآمل» «... أما وفور تبحره و توسع علمه و احاطته بالفنون و حقائقها، و توغله في تنقير اعماق المطالب و كشف دقائقها، فشي‏ء يبهر العقول، كما هو ظاهر لمن راجع «مصابيحه» في الفقه حتى قال تلميذه العلامة السيد صدر الدين العاملي-عند ذكره-: و هو عند أهل النجف أفضل من الاستاذ الاكبر. و قال تلميذه الآخر في «المقابيس» عند ذكر مشايخه: و منهم- الأستاد الشريف، غرة الدهر، و ناموس العصر. و روضة العلم و قاموس الفضل و الفخر، سراج الامة و شيخها و فتاها، و مبدأ الفضائل و الفواضل و منتهاها، واحد نوع الانسان، عين الافاضل الأعيان، أفضل الفقهاء المتبحرين أكمل الحكماء و المتكلمين و العرفاء و المفسرين، خلاصة العلماء المتقدمين. و المتأخرين، سلالة الأئمة النجباء الامناء الغر المنتجبين الطاهرين المطهرين، أبو المكارم و المفاخر الزاهرة الظاهرة للنائي و الداني رب المناقب و المآثر الباهرة المشتهرة عند الأعالي و الاداني. شيخي و استاذي و سيدى و سندي و عمادي العلامة العلم العلوي السيد محمد مهدي بن مرتضى الحسني الحسيني الطباطبائي... »

47

و قال المحقق الجليل الميرزا محمد التنكابني في «قصص العلماء» :

«... بحر العلوم محيي آداب و رسوم، عين علماء روزگار، نادره دهر دوار، اعجوبه چرخ كج مدار، فاتح أغلاق معاضل، محقق مسائل مبين مشاكل، داراى فنون بسيار خورشيد فلك سيادت و سعادت و زهادت و تقاوت و كرامت، معقولش چون شيخ الرئيس، منقولش مانند محقق أول بلكه أفضل بدون شائبه ريب و تلبيس. و اگر در تفسير سخن ميراند گويا همان أسلاف أشراف كه بر ايشان قرآن نازل... »

و قال الحجة الثبت الشيخ عباس القمي في «الكنى و الالقاب» :

«... سيد علماء الاعلام و مولى فضلاء الاسلام، علامة دهره و زمانه و وحيد عصره و أوانه... »

و عن كتاب «نجوم السماء» للمولوي الميرزا محمد علي-ما هذا تعريبه:

«... ذكر عن المولوى-السيد دلدار علي أحد علماء الهند، قال: في زيارتى للمشاهد المشرقة اجتمعت مع احد السادة العظام من سادات بلدة «بادقار» و كان من أهل الفضل اسمه السيد حسن و كان مجاورا للروضة الغروية مدة من الزمان، فتكلمت معه بخصوص السيد (أي بحر العلوم) فقال: اذا ادعى السيد العصمة في هذا الزمان فلا مجال لأحد ان يقدح أو يجرح فيه»

و قال الحجة السيد محمود البروجردي في كتابه «المواهب السنية في شرح الدرة الغروية» : «... كان ركنا من أركان هذه الطائفة، و عمادها، و من اروع نساكها و عبادها، هو بحر العلوم المؤيد بتأييدات الحي القيوم محيي مدارس الرسوم، لسان المتأخرين، كاشف أسرار المتقدمين، متمم القوانين العقلية مهذب القواعد و الفنون النقلية، علامة العلماء الاعلام، فخر فقهاء الاسلام‏

48

و هو الحبر العلام، و البحر القمقام، و الأسد الضرغام، مفتى الفرق، الفاروق بالحق، حامي بيضة المذهب و الدين، ماحي آثار المفسدين بترويج مراسم أجداده الطاهرين، نور الهداية في الظلم، كنار على علم، ابو المكارم و المزايا الظاهرة في علماء الايمان و الاسلام بحيث كلّ عن تعدادها لسان القلم حتى فاق بها على العلماء البارعين، فظلت اعناقهم له خاضعين... »

و قال المحدث الميرزا محمد النيسابوري الاخباري في كتاب رجاله الكبير: «... كان فقيها، محققا، مدققا ثقة، ورعا، نادرة عصره.

انتهت اليه رئاسة الامامية في آخر عمره، و اتفقت الطائفة على فقهه و عدالته»

و قال تلميذه العلامة الشيخ محمد بن يونس بن الحاج راضي الطويهري النجفي في مقدمة كتابه (مناهج الاحكام) الذي هو شرح لدرة شيخه السيد (قدس سره) : «... شيخنا و سيدنا الاعظم، و الإمام المعظم السيد محمد المهدي الحسني الحسيني الطباطبائي الذي أذعنت بفضله جهابذة العلماء، و تحيرت في تحقيقاته أساطين المتكلمين و الحكماء، و أعيت عن بلوغ فصاحته أكابر الفصحاء و البلغاء، و برز عن دقيق أفكاره ما زل عنه قلم المحدثين و الفقهاء و كان لمطالب العلم بمنزلة القطب من الرحى، و ظهرت أنوار أفكاره ظهور الشمس في وقت الضحى، و خص من بين العالم بجمع الاضداد، و حاز ما لم يحزه أعاظم العباد، الطود الاشم حلما و اصطبارا و البحر الخضم علما و اقتدارا، محط رحال الافاضل المتبحرين، و مناخ ركاب العلماء المناظرين الأوحد في الآفاق، و أفضل العلماء على الاطلاق، عين عيون الاعيان، و نادرة أهل هذا الزمان البحر المتلاطم، و العارض المتراكم، مظهر الحقائق و مبدع الدقائق و دليل الخلائق، و محيي الآثار، و الجامع شمل الاخبار، مصباح الامة، و المنصوب من قبل الأئمة عليهم السلام قطب الشيعة و مقيم‏

49

الشريعة، العلم الظاهر، و المتبحر الماهر، و البحر التيار، و اليم الزّخار و الملجأ في الحرام و الحلال، و السند عند اختلاف الاقوال، و الحجة عند اعتراك الآراء و البرهان عند تشعب الأهواء و الحبر الذي أتته من اللّه العناية و الالطاف و سارت اليه الركبان من الامصار و الاقطار و الاطراف، و أتت تهرع الخلق اليه من كل فج عميق، و كم قطعوا نحوه أوعر سبيل و طريق فكم من جبابرة أتته منقادة، و كم أشراف ذلت له، و سادة، و كم ارغم أنوفا شامخة بحسام الشريعة، و كم هتك أستارا للجهل و الضلال بعد أن كانت بحصون منيعة، الذي رفع رايات العلم بعد أن نكست، و أعلام الدين بعد أن طمست، و معالم الهدى بعد أن درست، و نكست رايات الضلال بعد أن رفعت، و أباد جنود الجهالة يعد ترفعها و علوها، و دمر عساكر الضلال بعد ظهورها و بدوها.

و لا زال منصور اللواء مظفرا # يجدل من ناواه بالطالع السعد

و لا برحت أيامه مستنيرة # مواصلة أيام سيدنا المهدى‏

هو الليث إلا أنه ليس ينثني # هو البحر إلا أنه دائم المد

فيا أغزر الدنيا علوما و سؤددا # و أخشاهم و اللّه من فضله يهدى‏

مناظراته العلمية:

كان-قدس اللّه سره-قوي المناظرة، عميق الغور في الاستدلال يعطى المسألة حقها في البحث و التنقيب. فكان اذا سئل عن سؤال ذي فرع واحد يستخلص منه فروعا كثيرة، فيظل يستعرضها بالجواب.

و له-في عدة أسفاره-مناظرات مسجلة لمدى الكثير من تلاميذه و ذويه، و ربما تجدها في غضون مؤلفاته، و أماليه، و مجالس درسه كالمناظرات المذهبية و العلمية في «مكة» أيام بقائه هناك لبناء و تعيين المشاعر و المواقف‏

50

قرابة الثلاث سنوات، و كمناظراته مع علماء «خراسان» أيام اقامته فيها قرابة السبع سنوات، كان يزدلف فيها الى مجلس الفيلسوف الاكبر الميرزا محمد مهدي الاصفهاني الخراساني قدس سره، حتى لقبه بـ «بحر العلوم» .

و هناك مناظرة حاسمة مع علماء اليهود في «ذى الكفل» حضرها قرابة الثلاثة آلاف من مختلف طبقات اليهود، و على اثرها اسلم الجمع كله تدريجا، فكان لذلك الموقف أثره البالغ في المجتمع الاسلامي بحيث ارتفع رصيد علماء الشيعة-و على رأسهم زعيمهم و سيدهم سيدنا المترجم له- في العالم الاسلامي الى أبعد الحدود، حتى أذعن لمقامه الرفيع الخاص و العام.

و لقد سجل نص المناظرة كثير من تلامذته الذين كانوا بخدمته حينئذ-و رآها و صححها شيخنا المجاهد آية اللّه الثبت الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي قدس سره.

و نحن-للنفع العام-ندرج نص المناظرة-بتسجيل تلميذه الجليل الحجة السيد محمد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة»

مناظرته مع اليهود:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم» : الحمد للّه رب العالمين الذي بعث محمدا سيد المرسلين خاتما لرسله أجمعين، بأوضح الدلائل و أقوى البراهين، و أيده بابن عمه علي أمير المؤمنين عليه السلام، و جعل في ذريته الامامة الى يوم الدين، و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد، فما اتفق في أيام علاّمة العلماء الراشدين العاملين و فهامة الفضلاء المتبحرين فذلكة المؤيدين المسددين، أعلم العلماء من أرباب المعقول و المنقول و أفضل الفضلاء من اهل الفروع و الأصول، حامي الاسلام، كهف المسلمين مؤيد الايمان و ظهر المؤمنين، شمس الملة و الدين مبيد بدع المبتدعين الضالين، العالم

51

الرباني، الهيكل الصمداني، فريد الاوان و وحيد الزمان، نادرة الدوران في العلم و العمل و حل المشكل و كشف كل معضل، من لا تعد فضائله على تمادي الأيام و الدهور، و لا تحصى مزاياه على تتابع الازمنة و الشهور السيد السند و الركن المعتمد الحسيب النسيب السيد مهدي نجل السيد مرتضى ابن السيد محمد الحسني الحسيني الطباطبائي‏

نسب كأن عليه من شمس الضحى # نورا و من فلق الصباح عمودا

متع اللّه تعالى بوجوده الوجود، و رفع اللّه بدوام سعوده الوية السعود و لا زال كاسمه مهديا، و ابقاه اللّه تعالى حتّى يلقى له من الأئمة سميا

و ذلك حين سفره من المشهد الغروي الى زيارة جده الحسين عليه السلام، في شهر ذي الحجة الحرام من السنة الحادية عشرة بعد الألف و المائتين من الهجرة النبوية، على مشرفها الف الف سلام، و الف الف تحية. و كان معه-يومئذ-جماعة غفيرة من تلامذته المحصلين فعبر بهم الطريق على محل «ذي الكفل» -و كان فيه يومئذ جماعة من اليهود زهاء ثلاثة آلاف نفس-فبلغهم وروده-أيده اللّه تعالى-عليهم، و قد سمعوا ما سمعوا من شائع فضله، و بلغهم ما بلغهم من ساطع شرفه و نبله، و فيهم من يدعي العرفان، و يظن أنه على بينة مما هو عليه و برهان. فلحقه جماعة من عرفائهم للسير مجدين، و لأثره للمناظرة تابعين، حتى وصلوا الى «الرباط» الذي أمر سلمه اللّه تعالى ببنائه للزوار و المترددين. فوردوا ثمة ساحة جلاله، و جلسوا متأدبين بين يديه و عن يمينه و عن شماله، فكانوا كالخفافيش في الشمس إذ لا قرار لهم إلا في ظلمة الدمس فرحب بهم-كما هو من عاداته و اخلاقه المرضية المستقيمة-و قال لهم قولا لينا عسى أن يتذكر أحد منهم أو يخشى و كان فيهم رجلان يدعيان المعرفة: احدهما-داود و الآخر-عزرا.

52

فابتدأ داود بالكلام و قال: نحن-و معاشر الإسلام-من دون سائر الملل موحدون و عن الشرك مبرءون، و باقي الفرق و الأمم-كالمجوس و النصارى-بربهم مشركون، و للاصنام و الاوثان عابدون، و لم يبق على التوحيد سوى هاتين الطائفتين.

فقال له السيد المؤيد-أدامه اللّه تعالى-: كيف ذلك-و قد اتخذ اليهود العجل و عبدوه «و لم يبرحوا عليه عاكفين. حتى رجع اليهم موسى» عليه السلام من ميقات ربه، و أمرهم في ذلك أشهر من أن يذكر و اعرف من أن ينكر، ثمّ انهم عبدوا الاصنام في زمان «يربعام بن نباط» و هو أحد غلمان سليمان بن داود عليهما السلام. و من قصته: أن سليمان كان قد تفرس منه طلب الملك، و توسم فيه امارات الرئاسة و السلطنة.

و قد كان (أخيّا الشيلوني) قد أخبر (يربعام) بذلك و شق عليه ثوبا جديدا كان عليه، و قطعه اثنتى عشرة قطعة، و اعطاه منها عشر قطع و قال له: ان لك بعدد هذه القطع من بني إسرائيل عشرة أسباط تملكهم و لا يبقى بعد سليمان مع ابنه «رحبعام» و أولاده غير سبطين، و هما:

(يهوذا، و بنيامين) فهم سليمان بقتل «يربعام» فهرب (يربعام بن نباط) من سليمان الى (شيشاق) عزيز مصر، و بقي عنده حتى توفي سليمان (ع) فرجع الى الشام، و اجمع رأيه و رأي بني إسرائيل جميعا على نصب (رحبعام) ابن سليمان (ع) ملكا، فملكوه عليهم، ثمّ أتوه و استعطفوه في وضع الآصار و المشاق التي كانت عليهم في أيام سليمان (ع) فقال لهم (رحبعام) إن خنصري أمتن من خنصر أبي، لئن كان أبي وضع عليكم أمورا صعبة و حملكم التكاليف الشاقة فأنا احملكم و اضع عليكم ما هو أشق و اصعب فتفرقوا عنه، و نصبوا (يربعام) بن نباط و ملكوه عليهم، فاجتمعت عليه عشرة اسباط من بني إسرائيل. و انفرد «رحبعام» بن سليمان بسبطين‏