ديوان الشريف الرضي - ج1

- الشريف الرضي المزيد...
632 /
5

المجلد الأول‏

الشريف الرضي 359-406 هـ/970-1061 م‏

حياته: هو أبو الحسن محمّد بن الحسين بن موسى بن ابراهيم المرتضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولد سنة 359 هـ/970 م. كان والده أبو أحمد الحسين الموسوي سفير الخلفاء و الملوك، أسندت إليه نقابة الطالبيين و إمارة الحج و النظر في المظالم. و قد كلّفه الخليفة العباسي الطائع تسكين الفتن المتتالية في بغداد أيام ملوك الدّيلم البويهيين، و بين العسكرين البغدادي و الفارسي، و بين الشيعة و السنّة. و إلى بعض الفتن يشير ولده الرضي بقوله:

و خطب على الزّوراء ألقى جرانه # مديد النّواحي مدلهمّ الجوانب‏

سللت عليه الحزم حتى جلوته # كما انجاب غيم العارض المتراكب‏

و عند ما كبر و قصّر عن تصريف الأمور بدأ ولداه الرّضي و المرتضى ينوبان عنه في بعض المهمات. و في عام 369 هـ/980 م قبض عضد الدولة البويهي على أبي أحمد الحسين الموسوي و على أخيه أبي عبد اللّه أحمد و على قاضي القضاة أبي محمّد، و سيّرهم الى فارس.

و ظل أبو أحمد معتقلا سبع سنوات لأسباب بقيت مجهولة.

في هذه الأثناء كبر الرضي و تمرّس في النظم و النثر، و ترك قصائد

6

تتسم بالحزن و الشكوى. و لما توفي عضد الدولة (372 ه/982 م) نشب الصراع بين ولديه شرف الدولة و صمصام الدولة، و آلت النتيجة الى انتصار شرف الدولة، فدخل بغداد ظافرا، و كان قد أطلق سراح الشريف الوالد و رفاقه و صحبهم الى مدينة السلام. فنظم الرضي قصيدة تعكس فرحه بحرّية أبيه، و ممّا جاء فيها:

طلوع هداه إلينا المغيب # و يوم تمزّق عنه الخطوب‏

لقيتك في صدره شاحبا # و من حلية العربيّ الشّحوب‏

قدمت قدوم رقاق السّحاب # تخطّ و الرّبع ربع جديب‏

فما ضحك الدهر إلاّ إليك # مذ بان في حاجبيه القطوب‏

و مدح شرف الدولة و شكره على ما عمله بقصيدة طويلة مطلعها:

أحظى الملوك من الأيّام و الدّول # من لا ينادم غير البيض و الأسل‏

و لما توفي والد الرضي أبو أحمد الموسوي رثاه شاعرنا بقصيدة طويلة مطلعها:

و سمتك حالية الربيع المرهم # و سقتك ساقية الغمام المرزم‏

أمّا أم الرضي فهي فاطمة بنت الحسين الناصر الذي عظم شأنه في أيام معز الدولة البويهي. و ولي جدّه لأمه نقابة العلويين في بغداد بعد أن اعتزلها والد الرضي. و قد ذكره شاعرنا في إحدى قصائده عند ما أظهر طرفي المجد في نسبه قائلا:

أردّ النّوائب بالموسويّ # و أعطي الرّغائب بالناصر

و كان للنسب الشريف أثره في تكوين شخصية الرضي. ففي القرن الرابع الهجري كانت علّية المجتمع البغدادي تنقسم إلى فئات: فئة تعتز بشرفها و نسبها و دمها كالعلويين و العباسيين و البويهيين و المهلبيين، و فئة تعتز بمناصبها كالوزراء و القادة و رؤساء الدواوين، و فئة تفاخر بعلمها و دينها و أدبها كالفقهاء و المتكلمين و الأدباء. و كان الرضي في صميم الأسرة العلوية، و تأتيه القرشيّة الصريحة من رسول اللّه عن طريق ابنته‏

7

فاطمة، و هذا ما ترك فيه نفسا فاخرة طبعت أدبه بميسم خاص.

في سنة 406 هـ/1016 م توفي الشريف الرضي و هو في أوج الشباب، بعد أن أصيب بمرض مفاجئ.

مؤلفاته:

كان عمر الشريف الرضي القصير حافلا بالنشاط، فقد كان يؤلّف و يدرّس و ينظر في أمور الناس. ترك في النثر كتبا متنوعة الموضوعات لم يصلنا منها إلاّ القليل، و أهمّها: أخبار قضاة بغداد، الحسن في شعر الحسين، خصائص الأئمة، فضائل أمير المؤمنين، الى جانب جمعه آثار الإمام علي في كتاب نهج البلاغة. غ

ديوانه:

نال شعر الشريف الرضي إعجاب الأدباء و النقاد. و يذكر أنه كان يجمع قصائده بنفسه، ثم اهتم ولده عدنان بجمع شعره. و قد أشار كارل بروكلمان الى أماكن مخطوطات الديوان في مكتبات العالم، في مصر و سوريا و العراق و المغرب و ايران و الهند. و قد طبع للمرة الأولى في بيروت ثم في القاهرة. غ

شعره:

عالج الشريف الرضي في شعره موضوعات المدح و الرثاء و الفخر و النسيب و الوصف و الهجاء و الحكمة و الزهد و سوى ذلك.

و للمديح نصيب كبير في الديوان، فقد كانت للشاعر صلاته بالخلفاء و الملوك و الوزراء. و من الشخصيات التي مدحها نذكر شرف الدولة البويهي، و الصاحب اسماعيل بن عباد و أخاه فخر الدولة، و أبا الحسين الناصر الصغير خال الشاعر، و أبا الفتح عثمان ابن جنّي النحوي، و الخليفة العباسي الطائع للّه، و بهاء الدولة و سواهم. أمّا أبرز المعاني المدحية فهي الشجاعة و الكرم و العدل و سداد الرأي، و كان بصورة عامة اتباعيا، و يجنح الى المبالغة في بعض معانيه. و على العموم فانه ارتفع عن التكسب و لم يتزلّف.

8

و على صعيد الرثاء يلاحظ المتتبّع لشعر الشريف الرضي أنه أمام شاعر كثير البكاء على الراحلين من أقاربه و أصدقائه، دائم الحزن و الألم بسبب ما فعلته الأيام بأهل بيته الطالبيين. و قد وجد في مأساة الحسين، صريع كربلاء، متنفّسا لهمومه و مجالا للتعبير عن آلام الشيعة، فنهج في مراثيه للحسين منهجا جديدا إذ افتخر بأهل البيت و ذكر قبورهم و تشوّق إليها. و الذين رحلوا في أيامه و رثاهم كثير و العدد، و منهم:

الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، شرف الدولة البويهي، أبو القاسم الصاحب بن عباد، الطائع للّه الخليفة، تقيّة بنت سيف الدولة الحمداني، بهاء الدولة البويهي و سواهم. و لم يكن رثاء الشريف الرضي بكاء و عويلا بقدر ما جاء تسجيلا للمناقب و تعدادا للفضائل. كما يركز على مصير الانسان و عدم جدوى البكاء، و يشدّد على هول الفاجعة و أثرها، و يترك مجالا للتعزية و المؤاساة.

و الفخر من الميادين التي جلّى فيها الشريف الرضي، فافتخر بنفسه و آبائه. و جاءت اندفاعاته الحماسية و ثوراته الملتهبة في الافتخار بالبطولة و الأنفة ظاهرة عامة في ديوانه. و تعبّر قصائده الفخرية عمّا يجيش به صدره من أمان و طموحات، و ما انطوت عليه نفسه من أخلاق و ملكات.

و شعر الشريف الرضي في النسيب غاية في الرقّة و إفصاح عن الأخلاق العالية و عن النفس التي صقلها الوجد و هذّبها الألم. و هو لم يتغزل بفحش و تهتك، و لم يتغن بمفاتن الجسد أو الجوانب الحسّية من الجمال.

و له مجموعة قصائد غزلية سميت بالحجازيات نظمها في الحاجات اللواتي كن يقصدن الحجاز في مواسم الحج.

و تمتاز قصائد الشريف الرضي، على العموم، بطول النفس، و فيها توخّى المطالع اللافتة، و جعل الأجزاء متماسكة، و عمد الى اختيار الألفاظ الموحية، كما تتوفر فيها الأفكار التي تساعد على إعطاء صورة عن العصر. و يغتني شعره كذلك بالصور المتنوعة التي كانت سمة طبعت العصر العباسي. غ

9

قافية الهمزة

نعم ما تنقضي‏

(الطويل)

نظم الشريف الرضي هذه القصيدة في مدح الخليفة الطائع للّه، و يهنئه بعيد الأضحى سنة سبع و سبعين و ثلاثمائة.

جزاء أمير المؤمنين ثنائي، # على نعم ما تنقضي و عطاء

أقام اللّيالي عن بقايا فريستي، # و لم يبق منها اليوم غير ذماء (1)

و أدنى أقاصي جاهه لوسائلي، # و شدّ أواخي جوده برجائي‏ (2)

و علّمني كيف الطّلوع إلى العلى # و كيف نعيم المرء بعد شقاء

و كيف أردّ الدّهر عن حدثانه # و ألقى صدور الخيل أيّ لقاء

فما لي أغضي عن مطالب جمّة # و أعلم أنّي عرضة لفناء

و أترك سمر الخطّ ظمأى خليّة # و شرّ قنا ما كنّ غير رواء (3)

____________

(1) الذّماء: بقية الروح. اي أن الليالي، بتقلباتها، قضت على ما عندي من بقية أمل، فجاء الممدوح و شدّد عزائمي.

(2) الأواخي، جمع أخيّة: عروة، و الأخيّة أيضا حبل يدفن في الأرض مثبتا فيبرز منه حلقة تشد بها الدابة. و قد استعار الأواخي للجود الذي يربط رجاء الشاعر و أمله، كما أن في القول إشارة الى العرى التي تشدّه بالخليفة.

(3) خليّة: خالية، غير مرتوية بالدماء. أي أنه سيواجه المصاعب بارادة صلبة.

10

إذا ما جررت الرّمح لم يثنني أب # يليح، و لا أمّ تصيح ورائي‏ (1)

و شيّعني قلب إذا ما أمرته # أطاع بعزم لا يروغ ورائي‏

أرى الناس يهوون الخلاص من الرّدى، # و تكملة المخلوق طول عناء

و يستقبحون القتل، و القتل راحة، # و أتعب ميت من يموت بداء

فلست ابن أمّ الخيل إن لم أعد بها # عوابس تأبى الضّيم مثل إبائي‏

و أرجعها مفجوعة بحجولها # إذا انتعلت من مأزق بدماء (2)

إلى حيّ من كان الإمام عدوّه # و صبّحه من أمره بقضاء

هو اللّيث لا مستنهض عن فريسة # و لا راجع عن فرصة لحياء

و لا عزمه في فعله بمذلّل، # و لا مشيه في فتكه بضراء (3)

هو النّابه النّيران في كلّ ظلمة # و مجري دماء الكوم كلّ مساء (4)

و معلي حنين القوس في كلّ غارة # بسهم نضال أو بسهم غلاء (5)

فخار لو انّ النّجم أعطي مثله # ترفّع أن يأوي أديم سماء

و وجه لو انّ البدر يحمل شبهه # أضاء اللّيالي من سنّى و سناء (6)

____________

(1) يليح: يشير بثوبه، من ألاح.

(2) الحجول، جمع حجل: البياض في قائمة الفرس-المأزق: المضيق الذي يقتتلون به.

في هذا البيت، و الأبيات السابقة، يظهر الشاعر ما كابده من مشقات و ما اجتاز من عقبات، غير آبه بشي‏ء، من أجل تحقيق هدفه و هو البلوغ الى الممدوح.

(3) الضّراء: التخفّي وراء الأشجار في أثناء السير.

(4) النابه النيران: الذي يضرم النار فيهتدي إليها الناس-الكوم، جمع كوماء:

الناقة الضخمة، و البيت كناية عن الكرم.

(5) الغلاء: البعيد المرمى.

____________

(6) السنى: النور-السناء: الرفعة. يلاحظ جنوح الشاعر الى المبالغة، إذ يحرص على رفع الممدوح الى مرتبة المثال، و المبالغة غير غريبة عن الشعر العباسي بعامة.

11

مغارس طالت في ربى المجد و التقت # على أنبياء اللّه و الخلفاء

و كم صارخ ناداك لمّا تلبّبت # به السّمر في يوم بغير ذكاء (1)

رددت عليه النفس و الشمس فانثنى # بأنعم روح في أعمّ ضياء

و كم صدر موتور تطلّع غيظه # و قلّب قولا عن لسان مراء (2)

يغطّي على أضغانه بنفاقه، # كذي العقر غطّى ظهره بكفاء (3)

كررت عليه الحلم حتى قتلته # بغير طعان في الوغى و رماء

إذا حمل النّاس اللّواء علامة # كفاك مثار النّقع كلّ لواء (4)

و جيش مضرّ بالفلاة كأنّه # رقاب سيول أو متون نهاء (5)

كأنّ الرّبى زرّت عليه جيوبها # و ردّته من بوغائها برداء (6)

و خيل تغالى في السروج كأنّها # صدور عوال أو قداح سراء (7)

لها السبق في الضّمّات و السبق و خدها # إذا غطّيت من نقعها بغطاء (8)

____________

(1) تلبّبت: وقعت بلبته، و اللبّة موضع القلادة من الصدر-ذكاء: شمس.

أي أنه ملجأ الضعفاء و منجدهم في أوقات الضيق.

(2) الموتور: الذي قتل له قتيل و لم يؤخذ بثأره-تطلع: تدفق-المراء:

المنازعة.

(3) الأضغان: الأحقاد-العقر: الجرح-الكفاء: الستر. نشير هنا الى أن الشريف الرضي يتمسّك، في شعره، بطريقة الأقدمين فيحافظ على أساليبهم و معانيهم، و التشبيه الذي استعان به هنا قديم موروث.

(4) النقع: غبار الحرب.

(5) سيول: جمع سيل، و رقاب سيول إشارة الى توزّع الجيش فرقا متدفقة -النهاء: الغدران، جمع نهي.

(6) البوغاء: التربة الرخوة.

(7) تغالى، تتغالى: ترتفع، تسرع-السراء: شجر تتخذ منه القسي.

(8) الضمّات، جمع ضمة: حلبة الرهان-الوخد: نوع من السير-النقع:

غبار الحرب.

12

و ليس فتى من يدّعي البأس وحده # إذا لم يعوّذ بأسه بسخاء (1)

و ما أنت بالمبخوس حظّا من العلى # و لا قانعا من عيشه بكفاء

نصيبك من ذا العيد مثلك وافر # و سعدك فيه مؤذن ببقاء

و لو كان كلّ آخذا قدر نفسه، # لكانت لك الدّنيا بغير مراء

و ما هذه الأعياد إلاّ كواكب # تغور و تولينا قليل ثواء (2)

فخذ من سرور ما استطعت و فز به # فللنّاس قسما شدّة و رخاء

و بادر إلى اللّذّات، فالدهر مولع # بتنغيص عيش و اصطلام علاء (3)

أبثّك من ودّي بغير تكلّف # و أرضيك من نصحي بغير رياء

و أذكر ما أوليتني من صنيعة، # فأصفيك رهني طاعة و وفاء

أعنّي على دهر رماني بصرفه، # و ردّ عناني، و هو في الغلواء (4)

و حلّأني عمّن أعدّ بعاده # سقامي و من قربي إليه شفائي‏ (5)

فقدت، و في فقد الأحبّة غربة # و هجران من أحببت أعظم داء

فلا تطمعن، يا دهر، فيّ، فإنّه # ملاذي ممّا راعني، و وقائي‏

أردّ به أيدي الأعادي، و أتّقي # نوافذ شتّى من أذى و بلاء

ألذّ بقلبي من مناي تقنّعي، # و أحسن عندي من غناي غنائي‏ (6)

و من كان ذا نفس تطيع قنوعة # رضي بقليل من كثير ثراء

____________

(1) يعوّذ: يدعم. يلاحظ أن الشريف يتحدث عن الشجاعة المادية و المعنوية، فالسخاء نوع من الإقدام و ضرب من الشجاعة.

(2) الثواء: الاقامة.

(3) الاصطلام: الاستئصال. يدعوه هنا الى التمتع بملذات غير دائمة في الحياة.

فالعيد يأتي مرة في السنة و معه يفسح المجال أمام لذّات قد تعقبها مرارة.

(4) الغلواء: أول الشباب.

(5) حلأني: منعني. يشير هنا الى عذابه بعيدا عن الممدوح، و هذه عادة تبعها عدد من الشعراء.

(6) الغناء: الاكتفاء، الاستغناء.

13

حدوا بالمطايا يوم جالت غروضها # و يوم اتّقت ركبانها برغاء (1)

تؤمّك لا تلوي على كلّ روضة # يصيح بها حوذانها، و أضاء (2)

و لا تشرب الأمواه إلاّ تعلّة، # إذا عثرت أخفافهنّ بماء

لها سائق يطغى عليها بسوطه # و يشدو على آثارها بحداء

غلام كأشلاء اللّجام تجيزه # صدور القنا و البيض كلّ فضاء (3)

إذا بلغت ناديك نال رفاقها # عريض عطاء من طويل ثناء

و مثلك من يعشى إلى ضوء ناره # و يلفى قراه عند كلّ خباء (4)

و ما كلّ فعّال النّدى بشبائه، # و لا كلّ طلاّب العلى بسواء (5)

بهاء الملك‏

(الوافر)

نظم هذه القصيدة في شهر رمضان من سنة 381 و بها يمدح الملك بهاء الدولة و يهنئه بشهر الصيام.

بهاء الملك من هذا البهاء، # و ضوء المجد من هذا الضّياء

و ما يعلو على قلل المعالي، # أحقّ من المعرّق في العلاء

____________

(1) الغروض: الأحزمة-الرغاء: صوت الجمل.

(2) تؤمك: تقصدك-يصيح: يطول-الحوذان: نبات طيب الطعم زهره أحمر-الأضاء، جمع أضاة: الغدير.

(3) أشلاء اللجام: سيوره-تجيزه: تجعله يقطع-البيض: السيوف.

(4) يعشى: يؤتي في العشية-قراه: ضيافته.

(5) بشبائه: بمشابهين له.

14

و لا تعنو الرّعاة لذي حسام، # إذا ما لم يكن راعي رعاء (1)

و ما انتظم الممالك مثل ماض # يتمّ له القضاء على القضاء

إذا ابتدر الرّهان مبادروه، # تمطّر دونهم، يوم الجزاء (2)

و إن طلب النّدى خرجت يداه # خروج الودق من خلل الغماء (3)

حذار، إذا تلفّع ثوب نقع، # حذار، إذا تعمّم باللّواء (4)

حذار من ابن غيطلة مدلّ، # يسدّ مطالع البيد القواء (5)

إذا ألقى على لهوات ثغر # يدي غضبان مرهوب الرّواء (6)

تمرّ قعاقع الرّزّين منه # كمعمعة اللّهيب من الأباء (7)

و مطراق على اللّحظات صلّ # مريض النّاظرين من الحياء

تنكّس كالأميم، فإن تسامى # مضى كالسّهم شذّ عن الرّماء (8)

____________

(1) الرعاء، جمع راع: من يرعى القوم و يسودهم. يبدو تأثر الشريف الرضي واضحا بثقافة العصر، إذ تكثر في هذه القصيدة الصور البيانية المتنوعة، و هو منذ البدء يلجأ الى الجناس التام و الناقص.

(2) تمطّر: جاء مسرعا.

(3) الندى: الجود، الفضل و الخير-الودق: المطر-الغماء: الغمام.

(4) النقع: غبار الحرب، و ثوب النقع هو درع الحرب.

(5) الغيطلة: الظلمة المتراكمة-المدلّ: المتفوّق على أقرانه بشجاعته- القواء: الخالية.

(6) اللهوات، جمع لهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم- الرواء: المنظر.

(7) القعاقع: صوت السلاح-الرزّان: حدّا السيف-المعمعة: صوت الحريق-الأباء: القصب. يعمد الشاعر في هذا البيت الى الألفاظ الشديدة الوقع، انسجاما مع المعنى، و الى الأحرف الشديدة و المضعّفة و التي من شأنها نقل القارئ الى جو المعركة الصاخب. و هذا ما سبقه إليه كل من أبي تمام و المتنبي، في وصفهما للمعارك.

(8) تنكس: أحنى رأسه-الأميم: الذي شج رأسه.

15

و ما ينجي اللّديغ به تداو، # و قد أمسى بداء أيّ داء (1)

و لا قضب الرّجال الصّيد فضلا # عن الأصوات في حلي النّساء (2)

و يوم و غى على الأعداء هول # تماز به السّراع من البطاء (3)

رميت فروجه حتى تفرّى # بأيدي الجرد و الأسل الظّماء (4)

فمن غلب كأنّهم أسود # على قبّ ضوامر كالظّباء (5)

و من بيض كأنّ مجرّديها # يمرّون الأكفّ على الأضاء (6)

نواحل لم يدع ضرب الهوادي # بها أبدا مكانا للجلاء (7)

و من هاو ترنّح في العوالي، # و عار قد أقام على العراء (8)

و آخر مال كالنّشوان مالت # بهامته شآبيب الطّلاء (9)

و عدت و قد خبأت الحرب عنه # إلى سلم الرّغائب و العطاء

____________

(1) اللديغ: الملدوغ.

(2) القضب: السيوف القاطعة-الصّيد، جمع أصيد: الذي يرفع رأسه تعاليا، و الصّيد هم الاشراف و الملوك.

(3) الوغى: المعركة، القتال-تماز: تميّز.

(4) تفرّ: تشقّق-الجرد: الجياد الأصيلة-الأسل: الرماح‏

(5) الغلب، جمع أغلب: الصعب، الممتنع-القب، جمع أقب: الضامر من الخيل. استعار للفرسان صفة الأسود، و جعل الجياد ظباء لخفتها و رشاقتها.

(6) بيض: سيوف-يمرّون الأكف: يجعلون الايدي تمر-الأضاء:

الغدران.

(7) الهوادي، الأعناق، جمع هادية-الجلاء: الإثمد، الكحل.

(8) الهاوي: الرمح يهوى به-العاري: السيف. يبدو لجوء الشاعر الى التورية، و الاستعارة و الجناس، و قد وفق بذلك في اعطائنا صورة شبه ملحميه لوصف المعركة.

(9) شآبيب، جمع شؤبوب: الدفعة من المطر، و أراد الدماء المتدفقة-الطلاء:

الخمر، و في البيت مراعاة للنظير.

غ

16

فيوم للمكارم و العطايا # و يوم للحميّة و الإباء (1)

تقود الخيل أرشق من قناها # شوازب كالقداح من السّراء (2)

بغارات كولغ الذّئب تترى، # على الأعداء بيّنة العداء (3)

عزائم كالرّياح مررن رهوا، # على الأقطار من دان و ناء (4)

و قلب كالشّجاع يسور عزما # و يجذب بالعلى جذب الرّشاء (5)

و كفّ كالغمام يفيض حتى # يعمّ الأرض من كلأ و ماء (6)

و وجه ماج ماء الحسن فيه # و لاح عليه عنوان الوضاء (7)

يشارك في السّنى قمر الدّياجي # و يفضله بزائدة السّناء (8)

و معتلج الجلال نزعت عنه، # على عجل، رداء الكبرياء (9)

فأصبح خارجا من كلّ عزّ # خروج العود بزّ من اللّحاء (10)

و حزت جمام نعمته و كانت # غمارا لا تكدّر بالدّلاء (11)

____________

(1) الحميّة: الأنفة. هذا البيت يختصر فيه الشاعر صفات الممدوح: مكارم الأخلاق، الكرم، الاباء و الشجاعة.

(2) الشوازب: الخيول الضامرة-القداح: السهام-السراء: شجر تتخذ منه القسي.

(3) الولغ، من ولغ الذئب أو الكلب: شرب بطرف لسانه-تترى: تتراخى، تتراكم.

(4) رهوا: سريعة، متتابعة-دان و ناء: بعيد و قريب.

(5) الشجاع: من أسماء الأسد-يسور: يثب-الرشاء: الحبل.

(6) الكلأ العشب، و في البيت كناية عن الكرم، و تشبيه يجنح الى المبالغة.

(7) الوضاء: الحسن، و الاشراق.

(8) السنى: الضوء، و السناء: الرفعة

(9) المعتلج: المجتمع-الجلال: العظمة. أي أنه، على الرغم من العظمة التي يرفل بها، يبقى بعيدا عن الكبرياء قريبا من التواضع.

(10) بزّ من اللحاء: جرّد من قشره.

(11) جمام نعمته: فيض نعمته-الغمار: المياه الكثيرة-الدلاء: جمع دلو.

17

برأي ثقّف الإقبال منه، # فأقدم كالسّنان إلى اللّقاء (1)

إذا أشر القريب عليك فاقطع # بحدّ السّيف قربى الأقرباء (2)

و كن إن عقّك القرباء ممّن # يميل على الأخوّة للإخاء

فربّ أخ خليق بالتّقالي، # و مغترب جدير بالصّفاء (3)

و لا تدن الحسود، فذاك عرّ # مضيض لا يعالج بالهناء (4)

كفاك نوائب الأيّام كاف # طرير العزم مشحوذ المضاء (5)

أمين الغيب لا يوكى حشاه # لآمنه على الدّاء العياء (6)

أقام ينازل الأبطال، حتى # تفلّل كلّ مشهور المضاء

إزاء الحرب يعتنق العوالي، # و يغتبق النّجيع من الدّماء

إذا ما قيل: ملّ، رأيت منه # نوازع تشرئبّ إلى اللّقاء (7)

فجرّبني تجدني سيف عزم # يصمّم غربه، و زناد راء (8)

و أسمر شارعا في كلّ نحر # شروع الصّلّ في ينبوع ماء (9)

إذا علقت يداك به حفاظا، # ملأت يديك من كنز الغناء (10)

____________

(1) ثقف: أدرك-السنان: رأس الرمح.

(2) أشر: كفر بالنعمة، أظهر بغضه.

(3) التقالي، من القلى: البغض-الصفاء: الثقة، الصداقة الصافية.

(4) العر: الجرب-مضيض: مزعج و موجع-الهناء: القطران، و الصورة تقليدية موروثة.

(5) طرير العزم: شديده-مشحوذ: مسنون الحد.

(6) يوكى: يربط-الداء العياء: الذي استعصي شفاؤه.

(7) النوازع: الجواذب-تشرئب: تمد الأعناق.

(8) يصمم: يمضي و يقطع-غربه: حدّه-زناد راء: زناد رأي. و قد شبّه اقتداح الرأي و توقّده بقدح الزناد أي اخراج النار منه.

(9) الأسمر: الرمح-شارعا: خائضا-الصل: الحيّة الخبيثة.

(10) حفاظا: دفاعا عن المكارم و المحارم.

18

يعاطيك الصّواب بلا نفاق، # و يمحضك السّداد بلا رياء

جريّ يوم تبعثه لحرب، # وقور يوم تبحثه لراء (1)

إذا كان الكفاة لذا عبيدا، # فذا كافي الكفاة، بلا مراء

بهاء الدّولة المنصور إنّي # دعوتك بعد لأي من دعائي‏ (2)

و كنت أظنّ أنّ غناك يسري # إليّ بما تبيّن من غناء

فلم أنا كالغريب وراء قوم # لو اختبروا لقد كانوا ورائي‏

بعيد عن حماك و لي حقوق # قواض أن يطول به ثوائي‏ (3)

أ أبلى ثمّ يبدو باصطناعي، # كفاني ما تقدّم من بلائي‏ (4)

و ذبّي عن حمى بغداد قدما # بفضل العزم و النّفس العصاء (5)

غداة أظلّت الأقطار منها # مضرّجة تبزّل بالدّماء

دخان تلهب الهبوات منه، # مدى بين البسيطة و السّماء (6)

صبرت النّفس ثمّ على المنايا # إلى أقصى الثّميلة و الذّماء (7)

رجاء أن تفوز قداح ظنّي، # و تلوي بالنّجاح قوى رجائي‏

و لي حقّ عليك، فذاك جدّي # قديم في رضاك و ذا ثنائي‏

و من شيم الملوك على اللّيالي # مجازاة الوليّ على الولاء

سيبلو منك هذا الصّوم خرقا # رحيب الباع فضفاض الرّداء (8)

____________

(1) جريّ: جري‏ء-راء: رأي.

(2) بهاء الدولة: اسم الممدوح-لأي: إبطاء، تأخير.

(3) حقوق قواض: حقوق مقضية و مكتسبة-ثوائي: إقامتي.

(4) يبدو باصطناعي: يظهر له رأي آخر فيّ.

(5) ذبّي: دفاعي: العصاء: العاصية، و هو نعت المصدر.

(6) الهبوات: الغبار الكثيف-البسيطة: الأرض.

(7) الثميلة: البقية-الذماء: الحشاشة، بقية الروح.

(8) الصوم: صوم رمضان المبارك-الخرق: الكثير الكرم-الفضفاض:

الواسع.

19

تصوم فلا تصوم عن العطايا # و عن بذل الرّغائب و الحباء

ألا فاسعد به، و بكلّ يوم # يفوّقه الصّباح إلى المساء

و دم أبد الزّمان، فأنت أولى # بني الدّنيا بعارية البقاء

عليّ الجدّ، مقترب الأماني، # عزيز الجار، مطروق الفناء (1)

السابقون‏

(الوافر)

أيا للّه!أيّ هوى أضاء # بريق بالطّويلع إذ تراءى‏

ألمّ بنا كنبض العرق و هنا، # فلمّا جازنا ملأ السّماء (2)

كأنّ وميضه أيدي قيون # تعيد على قواضبها جلاء (3)

طربت إليه، حتى قال صحبي # لأمر هاج منك البرق داء

و لم يك قبلها يقتاد طرفي، # و لا يمضي بلبّي حيث شاء

خليليّ اطلقا رسني، فإنّي # أشدّكما على عزم مضاء

أبت لي صبوتي إلاّ التفاتا # إلى الدّمن البوائد و انثناء (4)

فإن تريا، إذا ما سرت، شخصي # أمامكما، فلي قلب وراء

و ربّت ساعة حبّست فيها # مطايا القوم أمنعها النّجاء

____________

(1) عليّ الجد: عالي الحظ-مطروق الفناء: مقصد الناس، مطروق الباب.

(2) و هنا: ضعفا.

(3) القيون، جمع قين: الحدّاد-القواضب: السيوف. أي كأن وميض ذلك البرق لمعان سيوف يقلّبها الحدّاد و يجلوها.

(4) صبوتي: اشتياقي-البوائد: البائدة-انثناء: انحناء.

و هو يستهلها بالوقوف على الاطلال على طريقة القدماء.

20

على طلل كتوشيع اليماني # أمحّ، فخالط البيد القواء (1)

قفار لا تهاج الطّير فيها، # و لا غاد يروع بها الظّباء

فيا لي منه يصبيني أنيقا # بساكنه، و يبكيني خلاء

أنادي الرّكب: دونكم ثراه # لعلّ به لذي داء دواء

تساقين التذكّر، فانثنينا # كأنّا قد تساقين الطّلاء (2)

و عجنا العيس توسعنا حنينا، # تغنّينا، و نوسعها بكاء (3)

إلى كم ذا التّردّد في التّصابي، # و فجر الشّيب عندي قد أضاء

فيا مبدي العيوب سقى سوادا # يكون على مقابحها غطاء

شبابي إن تكن أحسنت يوما، # فقد ظلم المشيب، و قد أساء

و يا معطي النّعيم بلا حساب، # أتاني من يقتّر لي العطاء

متاع أسلفتناه اللّيالي، # و أعجلنا، فأسرعنا الأداء

تسخّطنا القضاء، و لو عقلنا # فما يغني تسخّطنا القضاء

سأمضي للّتي لا عيب فيها، # و إن لم أستفد إلاّ عناء

و أطلب غاية إن طوّحت بي، # أصابت بي الحمام أو العلاء

أنا ابن السّابقين إلى المعالي، # إذا الأمد البعيد ثنى البطاء

إذا ركبوا تضايقت الفيافي، # و عطّل بعض جمعهم الفضاء

نماني من أباة الضّيم نام، # أفاض عليّ تلك الكبرياء

شأونا النّاس أخلاقا لدانا، # و أيمانا رطابا، و اعتلاء (4)

____________

(1) التوشيح: التوشية و الزخرفة-اليماني: الثوب المنسوب الى بلاد اليمن -أمحّ: بلي-القواء: الخالية. أي أن معالم الطلل تبدو كزخرفة ثوب يمني بال.

(2) الطلاء: الخمر.

(3) العيس: النياق. يلاحظ في قوله «نوسعها بكاء» جنوحه الى المبالغة في البكاء على فراق الأحبة، و هو بالطبع بكاء تقليدي.

(4) شأونا: سبقنا و ابتعدنا-لدان: ليّنة-أيمانا، جميع يمين: ضد اليسار، و قوله: أيمانا رطابا، فيه كناية عن الكرم.

21

و نحن النّازلون بكلّ ثغر، # نريق على جوانبه الدّماء

و نحن الخائضون بكلّ هول # إذا دبّ الجبان به الضّراء (1)

و نحن اللاّبسون لكل مجد # إذا شئنا ادّراعا و ارتداء

أقمنا بالتّجارب كلّ أمر # أبى إلاّ اعوجاجا و التواء

نجرّ إلى العداة سلاف جيش # كعرض اللّيل يتّبع اللّواء (2)

نطيل به صدى الجرد المذاكي # إلى أن نورد الأسل الظّماء (3)

إذا عجم العدا أدمى و أصمى # و طيّر عن قضيبهم اللّحاء (4)

عجاج ترجع الأرواح عنه # فلا هوجا يجيز و لا رخاء (5)

شواهق من جبال النّقع ترمي # بها أبدا غدوّا أو مساء (6)

و غرّ آكل بالغيب لحمي، # و إنّ لأكله داء عياء (7)

يسي‏ء القول إمّا غبت عنه، # و يحسن لي التّجمّل و اللّقاء

عبأت له و سوف يعبّ فيها # من الضّرّاء آنية ملاء (8)

____________

(1) الضراء: السير المتخفّي بين الشجر.

(2) سلاف الجيش: مقدمته-العرض هو الجيش العظيم، و عرض الليل:

مرحلة من الليل، و في القول تشبيه الجيش بالعتمة التي تلف كل شي‏ء.

(3) الجرد، جمع أجرد: السبّاق من الخيل-المذاكي، جمع المذكي:

ما تمّ سنّه من الخيل و كملت قوته-الأسل: الرماح، و قوله: الى أن نورد الأسل الظماء، يعني: إلى أن نروي الرماح بالدماء.

(4) العجم: الاختبار-اللحاء: القشر.

(5) العجاج: الغبار-الهوج: الرياح العاصفة-الرخاء: الريح الهادئة -الأرواح: جمع ريح.

(6) النقع: الغبار، و قوله «جبال النقع» نوع من المبالغة يرمي بها الى التهويل.

(7) الغر: الجاهل. ينتقل مع هذا البيت الى تقلب الأصحاب و نكران الجميل.

(8) عبأت له: هيأت له-يعب: يشرب.

22

و منّا كلّ أغلب مستحين # إن انت لددته بالذّلّ قاء (1)

إذا ما ضيم نمّر صفحتيه، # و قام على براثنه إباء (2)

و إن نودي به، و الحلم يهفو، # صغا كرما إلى الدّاعي، وفاء (3)

و نأبى أن ينال النّصف منّا، # و أن نعطي مقارعنا السّواء (4)

و لو كان العداء يسوغ فينا، # لما سمنا الورى إلاّ العداء (5)

العيون تجانب الأقذاء

(الكامل)

نظم الشريف الرضي هذه القصيدة في رثاء أبي الفتح، ابن الخليفة الطائع للّه، و يعزي فيها الخليفة و يمدحه، و ذلك في سنة ست و تسعين و ثلاثمائة.

أيّ العيون تجانب الأقذاء، # أم أيّ قلب يقطع البرحاء (6)

و الموت يقنص جمع كلّ قبيلة، # قنص المريع جآذرا و ظباء (7)

____________

(1) الأغلب: الأسد-مستحين: مترقّب، متحيّن الفرصة-لددته: سقيته -قاء: أخرج ما في بطنه.

(2) ضيم: ظلم-نمرّ صفحتيه: غيّر وجهه-براثنه: مخالبه، و في البيت مراعاة للنظير و كناية عن شدّة الغضب.

(3) يهفو: يميل-فاء: رجع.

(4) النصف: هو من كان من أواسط الناس، أي لا صغير و لا كبير- المقارع: المقاتل.

(5) العداء (الأولى) : الظلم-العداء (الثانية) : العداوة، و قد جانس الشاعر بين اللفظتين.

(6) البرحاء: شدّة الأذى، الألم.

(7) المريع: المخيف، المفزع-جآذر، جمع جؤذر: ولد الظبي، و في البيت إشارة الى أن الموت يأخذ الكبير و الصغير.

23

يتناول الضّبّ الخبيث من الكدى # و يحطّ من عليائها الشّغواء (1)

تبكي على الدّنيا رجال لم تجد # للعمر من داء المنون شفاء

و الدّهر مخترم تشنّ صروفه، # في كلّ يوم، غارة شعواء

إنّا بنو الدّنيا تسير ركابنا، # و تغالط الإدلاج و الإسراء (2)

و كأنّنا في العيش نطلب غاية، # و جميعنا يدع السّنين وراء

أين المقاول، و الغطارفة الأولى # هجروا الدّيار، و عطّلوا الأفناء (3)

فاخلط بصوتك كلّ صوت و استمع # هل في المنازل من يجيب دعاء

و اشمم تراب الأرض تعلم أنّها # جرباء تحدث كلّ يوم داء

كم راحل ولّيت عنه، و ميّت # رجعت يدي من تربه غبراء

و كذا مضى قبلي القرون يكبّهم # صرف الزّمان تسرّعا و نجاء (4)

هذا أمير المؤمنين، و ظلّه # يسع الورى، و يجلّل الأحياء

نظرت إليه من الزّمان ملمّة، # كاللّيث لا يغضي الجفون حياء (5)

____________

(1) الضب: حيوان من الزحافات شبيه بالحرذون و ذنبه كثير العقد، و من أمثالهم: «أعقد من ذنب الضب» ، و تقول العرب «لا أفعله حتى يرد الضب» لظنهم أن الضب لا يرد الماء-الكدى: الأرض الصلبة- الشغواء: العقاب. أي أن الموت لا ينجو منه أحد، فهو يتناول الضب السائح في الأرض الصلبة، و ينزل العقاب من عليائه. و نشير هنا الى أن في قوله نوعا من الكدّ الشعري لا يتلاءم و المناسبة.

(2) الإدلاج: السير أول الليل-الإسراء: سير الليل كله.

(3) المقاول: الملوك، ألقاب ملوك حمير-الغطارفة: السادة.

(4) يكبّهم: يصرعهم-النجاء: السرعة. و قوله: تسرّعا و نجاء فيه إضافة المعنى إلى نفسه و تكرار للفكرة الواحدة بلفظين مختلفين، و ذلك من أجل إكمال البيت و حفاظا على القافية.

(5) ملمّة: مصيبة. و تشبيه الخليفة بالأسد الثابت، في العجز، إشارة إلى أن المصيبة لم تنل من عزمه.

24

و أصابه صرف الرّدى برزيّة، # كالرّمح أنهر طعنة نجلاء (1)

ما ذا نؤمّل في اليراع، إذا نشت # ريح تدقّ الصّعدة الصّمّاء (2)

عصف الرّدى بمحمّد و مذمّم، # فكأنّما وجد الرّجال سواء

و مصاب أبلج من ذؤابة هاشم # ولج القبور و أزعج الخلفاء

و تر الرّدى من لو تناول سيفه، # يوما، لنال من الرّدى ما شاء (3)

غصن طموح عطّفته منيّة # للخابطين، و طاوع النّكباء (4)

يا راحلا ورد الثّرى في ليلة # كاد الظّلام بها يكون ضياء

لمّا نعاك النّاعيان مشى الجوى # بين القلوب و ضعضع الأحشاء

و اسود شطر اليوم ترجف شمسه # قلقا، و جرّ ضياؤه الظّلماء

و ارتج بعدك كلّ حيّ باكيا، # فكأنّما قلب الصّهيل رغاء

قبر تشبّث بالنّسيم ترابه # دون القبور، و عقّل الأنواء

تلقاه أبكار السّحاب و عونها، # تلقى الحيا، و تبدّد الأنداء (5)

متهلّل الجنبات تضحك أرضه، # فكأنّ بين فروجه الجوزاء

____________

(1) أنهر: وسّع-نجلاء: واسعة.

(2) اليراع: القلم، القصب-نشت: عاودت مرة بعد أخرى-الصعدة:

القناة.

(3) وتره: أصابه بمكروه. أي أن الموت نال ممن لو تناول سيفه لتحدّى الموت.

(4) غصن: كناية عن أن الفقيد كان ما يزال في ريعان العمر-عطفته:

أمالته-الخابطون: الذين يخبطون الشجر بعصيهم. تبرز في البيت صورة قائمة على مراعاة النظير، كما ينتقل، في البيت التالي، الى مخاطبة الميت عن طريق الالتفات.

(5) أبكار السحاب: السحب الغزيرة في أول هبوطها-العون: التي في نصف عمرها. يستمطر، في هذا البيت و في البيت الذي يلي، الغيث على الطريقة التقليدية.

25

أولى الرّجال بريّ قبر ماجد # غمر الرّجال تبرّعا و عطاء

و لو انّ دفّاع الغمام يطيعني # لجرى على قبر اللّئيم غثاء (1)

لا زال تنطف فوقه قطع الحيا، # بمجلجل يدع الصّخور رواء (2)

و تظنّ كلّ غمامة وقفت به، # تبكي عليه تودّدا و ولاء

و إذا الرّياح تعرّضت بترابه، # قلنا السّماء تنفّس الصّعداء (3)

إيها تمطّر نحوك الدّاء الّذي # قرض الرّجال و فرّق القرباء (4)

إنّ الرّماح رزئن منك مشيّعا، # غمر الرّداء مهذّبا معطاء

و طويل عظم السّاعدين كأنّما # رفعت بعمّته الجياد لواء (5)

و لقين بعدك كلّ صبح ضاحك # يوما أغمّ و ليلة ليلاء (6)

أنعاك للخيل المغيرة شزّبا # و اليوم يضرب بالعجاج خباء (7)

و لخوض سيفك و الفوارس تدّعي # حربا يجرّ نداؤها الأسماء

و غيابة فرّجتها، و مقامة # سدّدت فيها حجّة غرّاء (8)

و خلطت أقوال الرّجال بمقول # ذرب كما خلط الضّراب دماء

و مطيّة أنضيتها، و كلاكما # تتنازعان السّير و الإنضاء (9)

____________

(1) الدفاع: السيل العظيم-الغثاء: ورق الشجر يجرفه السيل.

(2) تنطف: تسيل-المجلجل: الغيم الراعد.

(3) يعطي الشاعر هنا صورة تكاد تكون جديدة، إذ يجعل الرياح التي تذري التراب فوق قبر الميت نوعا من التنفس الذي معه تعبر السماء عن رضاها.

(4) تمطّر: أسرع.

(5) كان سادات العرب يجعلون من عمائمهم ألوية، أو يتعممون باللواء في القتال.

(6) الليلة الليلاء: الشديدة الظلمة.

(7) شزّبا: ضامرة-العجاج: الغبار.

(8) الغيابة: الغامضة الخفية-غرّاء: واضحة جلية، مشرقة.

(9) المطية: كل ما يمتطى و يركب-أنضيتها: جعلتها هزيلة-الانضاء:

اللجام.

26

إنّ البكاء عليك فرض واجب، # و العيش لا يبكى عليه رياء

بأبيك، يطمح نحو كلّ عظيمة # طرف تعلّم بعدك الإغضاء

فاسلم أمير المؤمنين، و لا تزل # تجري الجياد و تحرز الغلواء (1)

فإذا سلمت من النّوائب أصبحت # ترضى، و نرضى أن يكون فداء

و لئن تسلّطت المنون لقد أتت # ما ردّ لوم اللاّئمين ثناء

وهبت لنا هذا الحسام المنتضى # فينا، و هذي العزّة القعساء (2)

نهنهت بادرة الدّموع تجمّلا، # و العين تؤنس عبرة و بكاء (3)

فاستبق دمعك في المصائب و اعلمن # أنّ الرّدى لا يشمت الأعداء

و تسلّ عن سيف طبعت غراره # و أعرت شفرته سنا و مضاء (4)

و الصّبر عن ولد يجي‏ء بمثله # أولى، و لكن نندب الآباء

فلقد رجعت عن المطيع بسلوة # من بعد ما جرت الدّموع دماء

و الابن للأب إن تعرّض حادث، # أولى الأنام بأن يكون وقاء

و إذا ارتقى الآباء أمنع نجوة، # فدع الرّدى يستنزل الأبناء (5)

ورد الزّمان به و أورده الرّدى # بغيا، فأحسن مرّة، و أساء

و رمى سنيه إلى الحمام، كأنّما # ألقى بها عن منكبيه رداء (6)

فلتعلم الأيّام أنّك لم تزل # تفري الخطوب، و تكشف الغمّاء

خضعت لك الأعداء يوم لقيتها # جلدا تجرّد للمصاب عزاء

و تمطّت الزّفرات، حتى قوّمت # ضلعا على أضغانها عوجاء (7)

____________

(1) الغلواء: الشباب، الفوز.

(2) العزة القعساء: العزّة الثابتة.

(3) نهنهت: كففت-تؤنس: تحس، تذرف.

(4) غراره: حدّه-سنا: لمعانا.

(5) النجوة: المرتفع من الأرض.

(6) سنيه: جمع سنة-الحمام: الموت.

(7) تمطّت: امتدّت.

غ

27

و مضاغن ملآن يكتم غيظه # جزعا، كما كتم المزاد الماء (1)

متحرّق، فإذا رأتك لحاظه # نسيت مجامع قلبه الشّحناء

و أما وجودك، إنّه قسم لقد # غمر القلوب و أنطق الشّعراء (2)

و أنا الّذي و اليت فيك مدائحا، # و عبأت للباغي عليك هجاء (3)

و نفضت إلاّ من هواك خواطري # نفض المشمّر بالعراء وعاء (4)

فاسلم، و لا زال الزّمان يعيرني # طمعا يمدّ إلى نداك رجاء

أبكيك‏

(الكامل)

نظم هذه القصيدة في رثاء والدته فاطمة بنت الناصر، و قد توفيت في ذي الحجة سنة 385.

أبكيك لو نقع الغليل بكائي، # و أقول لو ذهب المقال بدائي‏ (5)

و أعوذ بالصّبر الجميل تعزّيا، # لو كان بالصّبر الجميل عزائي‏

طورا تكاثرني الدّموع، و تارة # آوي إلى أكرومتي و حيائي‏ (6)

____________

(1) مضاغن: حاقد-المزاد: الراوية.

(2) أما: أمّا مخفّفة للضرورة.

(3) عبأت: هيّأت.

(4) العراء: المكان المتسع لا ستر فيه.

(5) نقع: أروى-الغليل: شدة الحزن و حرارته-أي لو أن البكاء يروي غليلي و يخفف حرارة حزني لما كنت أتوقف عن البكاء، و لو أن الكلام يذهب بداء الحزن و يريحني منه لما كنت أكف عن الحديث.

(6) الأكرومة: فعل الكرم.

28

كم عبرة موّهتها بأناملي، # و سترتها متجمّلا بردائي‏

أبدي التّجلّد، للعدوّ، و لو درى # بتململي لقد اشتفى أعدائي‏

ما كنت أذخر في فداك رغيبة، # لو كان يرجع ميّت بفداء

لو كان يدفع ذا الحمام بقوّة # لتكدّست عصب وراء لوائي‏

بمدربين على القراع تفيّئوا # ظلّ الرّماح لكلّ يوم لقاء

قوم إذا مرهوا بأغباب السّرى، # كحلوا العيون بإثمد الظّلماء (1)

يمشون في حلق الدّروع كأنّهم # صمّ الجلامد في غدير الماء

ببروق أدراع و رعد صوارم، # و غمام قسطلة و وبل دماء (2)

فارقت فيك تماسكي و تجمّلي، # و نسيت فيك تعزّزي و إبائي‏

و صنعت ما ثلم الوقار صنيعه # ممّا عراني من جوى البرحاء (3)

كم زفرة ضعفت فصارت أنّة، # تمّمتها بتنفّس الصّعداء

لهفان أنزو في حبائل كربة، # ملكت عليّ جلادتي و غنائي‏ (4)

و جرى الزّمان على عوائد كيده # في قلب آمالي، و عكس رجائي‏

قد كنت آمل أن أكون لك الفدا # ممّا ألمّ، فكنت أنت فدائي‏

و تفرّق البعداء بعد مودّة # صعب، فكيف تفرّق القرباء

و خلائق الدّنيا خلائق مومس # للمنع آونة، و للإعطاء

طورا تبادلك الصّفاء، و تارة # تلقاك تنكرها من البغضاء

و تداول الأيّام يبلينا كما # يبلي الرّشاء تطاوح الأرجاء (5)

____________

(1) مرهوا: ابيضت أعينهم-الأغباب، جمع غبب: الغامض من الأرض.

(2) القسطلة: غبار الحرب-الوبل: المطر الغزير. في الأبيات الخمسة الأخيرة يعمد الشاعر الى الاستطراد، ناسيا أو متناسيا المناسبة، ليعود من ثم الى الرثاء.

(3) البرحاء: شدّة الألم و الأذى.

(4) أنزو: أتخبّط-جلادتي و غنائي: تصبّري و اكتفائي.

(5) الرشاء: الحبل-تطاوح: ترامي-الأرجاء، جمع رجا: حافة البئر.

29

و كأنّ طول العمر روحة راكب # قضّى اللّغوب و جدّ في الإسراء (1)

أنضيت عيشك عفّة و زهادة، # و طرحت مثقلة من الأعباء (2)

بصيام يوم القيظ تلهب شمسه، # و قيام طول اللّيلة اللّيلاء (3)

ما كان يوما بالغبين من اشترى # رغد الجنان بعيشة خشناء

لو كان مثلك كلّ أمّ برّة # غني البنون بها عن الآباء

كيف السّلوّ، و كلّ موقع لحظة # أثر لفضلك خالد بإزائي‏ (4)

فعلات معروف تقرّ نواظري، # فتكون أجلب جالب لبكائي‏

ما مات من نزع البقاء، و ذكره # بالصّالحات يعدّ في الأحياء

فبأيّ كفّ أستجنّ و أتّقي # صرف النّوائب أم بأيّ دعاء (5)

و من المموّل لي، إذا ضاقت يدي، # و من المعلّل لي من الأدواء

و من الذي إن ساورتني نكبة، # كان الموقّي لي من الأسواء (6)

أم من يلطّ عليّ ستر دعائه، # حرما من البأساء و الضّرّاء (7)

رزآن يزدادان طول تجدّد # أبد الزّمان: فناؤها و بقائي‏

شهد الخلائق أنّها لنجيبة # بدليل من ولدت من النّجباء (8)

في كلّ مظلم أزمة أو ضيقة # يبدو لها أثر اليد البيضاء

ذخرت لنا الذّكر الجميل إذا انقضى # ما يذخر الآباء للأبناء

____________

(1) اللغوب، جمع لغب: التعب.

(2) أنضيت: أبليت.

(3) قيام الليل: قضاء الليل في الصلاة و التأمل.

(4) السّلو: النسيان.

(5) استجن: أستتر-النوائب: المصائب.

(6) ساورتني: و اثبتني.

(7) يلط: يستر، يرخي الستر.

(8) يجعل الشريف الرضي أمّه في مرتبة عليا، فهي نجيبة لأنها ولدت نجباء، و منهم الشاعر نفسه. و هذا المعنى نفسه نقع عليه عند المتنبي.

30

قد كنت آمل أن يكون أمامها # يومي و تشفق أن تكون ورائي‏

كم آمر لي بالتّصبّر هاج لي # داء، و قدّر أنّ ذاك دوائي‏

آوي إلى برد الظّلال، كأنّني # لتحرّقي آوي إلى الرّمضاء (1)

و أهبّ من طيب المنام تفزّعا # فزع اللّديغ نبا عن الإغفاء (2)

آباؤك الغرّ الّذين تفجّرت # بهم ينابيع من النّعماء

من ناصر للحقّ أو داع إلى # سبل الهدى، أو كاشف الغمّاء

نزلوا بعرعرة السّنام من العلى # و علوا على الأثباج و الأمطاء (3)

من كلّ مستبق اليدين إلى النّدى # و مسدّد الأقوال و الآراء

يرجى على النّظر الحديد تكرّما، # و يخاف في الإطراق و الإغضاء

درجوا على أثر القرون و خلّفوا # طرقا معبّدة من العلياء

يا قبر!أمنحه الهوى و أودّ لو # نزفت عليه دموع كلّ سماء

لا زال مرتجز الرّعود مجلجل # هزج البوارق مجلب الضّوضاء (4)

يرغو رغاء العود جعجعه السّرى، # و ينوء نوء المقرب العشراء (5)

____________

(1) الرمضاء: النار، الرمال المحرقة، و عبارة «لتحرقي آوي الى الرمضاء» تذكرنا بقول أبي نواس «داوني بالتي كانت هي الداء» .

(2) اللديغ: الذي لدغته الحيّة. و في البيت إشارة الى عادة قديمة و هي أنهم كانوا يساهرون اللديغ فلا يتركونه لئلا يسري السم في جسمه إذا نام.

(3) عرعرة السنام: رأس السنام-الأثباج، جمع ثبج: ما بين الكاهل و الظّهر -الأمطاء، جمع مطا: الظهر.

(4) المرتجز من الرعد: المتدارك الصوت-المجلجل: الرعد المصحوب بالمطر-الهزج: المصوّت-الضوضاء: الضجّة، أصوات الناس في الحرب.

(5) الرغاء: صوت الإبل-العود: المسنّ منها-الجعجعة: أصوات الابل إذا اجتمعت-ينوء: يثقل-المقرب: التي قرب أولادها-العشراء:

التي مضى على حملها عشرة أشهر.

31

يقتاد مثقلة الغمام، كأنّما # ينهضن بالعقدات و الأنقاء (1)

يهفو بها جنح الدّجى، و يسوقها # سوق البطاء بعاصف هوجاء (2)

يرميك بارقها بأفلاذ الحيا، # و يفضّ فيك لطائم الأنداء (3)

متحلّيا عذراء كلّ سحابة # تغذو الجميم بروضة عذراء (4)

للؤمت إن لم أسقها بمدامعي، # و وكلت سقياها إلى الأنواء

لهفي على القوم الأولى غادرتهم، # و عليهم طبق من الصّهباء (5)

صور ضننت على العيون بلحظها، # أمسيت أوقرها من البوغاء (6)

و نواظر كحل التّراب جفونها، # قد كنت أحرسها من الأقذاء

قربت ضرائحهم على زوّارها، # و نأوا عن الطّلاّب أيّ تنائي‏

و لبئس ما تلقى بعقر ديارهم # أذن المصيخ بها و عين الرّائي‏ (7)

معروفك السّامي أنيسك، كلّما # ورد الظّلام بوحشة الغبراء

و ضياء ما قدّمته من صالح # لك في الدّجى بدل من الأضواء

إنّ الذي أرضاه فعلك لا يزل # ترضيك رحمته صباح مساء

صلّى عليك، و ما فقدت صلاته # قبل الرّدى، و جزاك أيّ جزاء

لو كان يبلغك الصّفيح رسائلي، # أو كان يسمعك التّراب ندائي‏ (8)

____________

(1) العقدات: ما تعقد من الرمل و تراكم-الأنقاء، جمع نقا: القطعة من الرمل محدوبة الشكل.

(2) يهفو بها: يحرّكها-الهوجاء: الريح القوية.

(3) أفلاذ الحيا: قطع المطر-اللطائم، جمع لطيمة: وعاء المسك- الأنداء، جمع ندى: مطر خفيف ينزل ليلا، و نوع من البخور يتطيب به.

(4) الجميم: ما غطى وجه الأرض من النبات.

(5) الصهباء: الخمر.

(6) أوقرها: أحملها-البوغاء: التربة الرخوة.

(7) العقر: الوسط-المصيخ: المستمع.

(8) الصفيح: وجه كل شي‏ء عريض، الحجارة، و يعني هنا حجارة القبر.

32

لسمعت طول تأوّهي و تفجّعي، # و علمت حسن رعايتي و وفائي‏

كان ارتكاضي في حشاك مسبّبا # ركض الغليل عليك في أحشائي‏

وفيت له‏

(الكامل)

نظم هذه القصيدة في رثاء الطائع للّه.

أ ترى السّحاب، إذا سرت عشراؤه، # يمرى على قبر ببابل ماؤه‏ (1)

يا حادييه قفا ببزل مطيّه، # فإلى ثرى ذا القبر كان حداؤه‏ (2)

يسقي هوى للقلب فيه و معهدا، # رقّت منابته و رقّ هواؤه‏ (3)

قد كان عاقدني الصّفاء فمل أزل # عنه، و ما بقّى عليّ صفاؤه‏

و لقد حفظت له، فأين حفاظه # و لقد وفيت له، فأين وفاؤه‏

أوعى الدّعاء، فلم يجبه قطيعة، # أم ضلّ عنه من البعاد دعاؤه‏

هيهات أصبح سمعه و عيانه # في التّرب قد حجبتهما أقذاؤه‏

يمسي، و لين مهاده حصباؤه # فيه، و مؤنس ليله ظلماؤه‏

قد قلّبت أعيانه، و تنكّرت # أعلامه، و تكسّفت أضواؤه‏

مغف، و ليس للذّة إغفاؤه # مغض، و ليس لفكرة إغضاؤه‏

____________

(1) العشراء: التي تتخالط و تتصاحب-يمرى: يستدر ماؤه.

(2) البزل، جمع بازل: الابل التي دخلت في السنة التاسعة. في مطلع القصيدة يستدر الشريف الرضي الغمام على طريقة القدماء. و تجدر الاشارة الى أنه لا يأتي على ذكر اسم الطائع للّه، ممّا جعل بعضهم يشك في كون القصيدة قيلت في رثائه. و يرى فريق ان الشريف نظمها في رثاء الطائع و أخفاها مدّة تجنبا لغضب من قضوا عليه.

(3) المعهد: المكان-رقّت منابته: لانت تربته و اتسعت.

33

وجه كلمح البرق غاض وميضه # قلب كصدر العضب فلّ مضاؤه‏ (1)

حكم البلى فيه، فلو يلقى به # أعداءه لرثى له أعداؤه‏

إنّ الّذي كان النّعيم ظلاله # أمسى يطنّب بالعراء خباؤه‏

قد خفّ عن ذاك الرّواق حضوره # أبدا، و عن ذاك الحمى ضوضاؤه‏

كانت سوابقه طراز فنائه # يجلو جمال روائهنّ رواؤه‏ (2)

و رماحه سفراؤه، و سيوفه # خفراؤه، و جياده ندماؤه‏ (3)

ما زال يغدو، و الرّكاب حداؤه، # بين الصّوارم و العجاج رداؤه‏

انظر إلى هذا الأنام بعبرة # لا يعجبنّك خلقه و بهاؤه‏ (4)

بيناه كالورق النّضير تقصّفت # أغصانه و تسلّبت شجراؤه‏ (5)

أنّى تحاماه المنون، و إنّما # خلقت مراعي للرّدى خضراؤه‏

أم كيف تأمل فلتة أجساده # من ذا الزّمان، و حشوها أدواؤه‏ (6)

لا تعجبنّ، فما العجيب فناؤه # بيد المنون، بل العجيب بقاؤه‏

إنّا لنعجب كيف حمّ حمامه، # عن صحّة، و يغيب عنّا داؤه‏ (7)

من طاح في سبل الرّدى آباؤه، # فليسلكنّ طريقه أبناؤه‏

____________

(1) غاض وميضه: زال لمعانه و بريقه-العضب: السيف القاطع-فل مضاؤه: لم يعد يقطع، تثلّم حدّه القاطع.

(2) الفناء: سعة أمام البيت-الرواء: المنظر.

(3) يعد هذا البيت من الشعر المشهور للشريف الرضي، لما يمتاز به من المعاني المتلاحقة و لما يحمله من الصور الدالة على البطولة و من حسن اختيار اللفظ المناسب للمعنى.

(4) العبرة: العجب.

(5) تسلبت: سقطت-شجراؤه: أشجاره.

(6) الأدواء: جمع داء.

(7) حم حمامه: دنا أجله.

34

و مؤمّر نزلوا به في سوقة، # لا شكله فيهم و لا قرناؤه‏ (1)

قد كان يفرق ظلّه أقرانه، # و يغضّ دون جلاله أكفاؤه‏ (2)

و محجّب ضربت عليه مهابة، # يغشي العيون بهاؤه و ضياؤه‏

نادته من خلف الحجاب منيّة # أمم، فكان جوابها حوباؤه‏ (3)

شقّت إليه سيوفه و رماحه، # و أميط عنه عبيده و إماؤه‏

لم يغنه من كان ودّ لو انّه # قبل المنون من المنون فداؤه‏

حرم عليه الذّلّ، إلاّ أنّه # أبدا ليشهد بالجلال بناؤه‏

متخشّع بعد الأنيس جنابه؛ # متضائل بعد القطين فناؤه‏ (4)

عريان تطرد كلّ ريح تربه، # و تطيع أوّل أمرها حصباؤه‏

و لقد مررت ببرزخ، فسألته: # أين الأولى ضمّتهم أرجاؤه‏ (5)

مثل المطيّ بواركا أجداثه، # تسفى على جنباتها بوغاؤه‏ (6)

ناديته، فخفي عليّ جوابه # بالقول إلاّ ما زقت أصداؤه‏ (7)

من ناظر مطروفة ألحاظه، # أو خاطر مطلولة سوداؤه‏ (8)

____________

(1) المؤمّر: المملّك-نزلوا به: حملوه-في سوقة: في جماعة. أي:

و رب مملّك حمل بين جماعة يختلف عنهم شكلا و لا يقارن بهم.

(2) يفرق: يفزع، يخاف-ظلا: نصب على نزع الخافض. يلاحظ من تعداد مناقب الفقيد أن القصيدة قيلت في رثاء من كان سيد القوم و ملكهم.

(3) أمم: قريب-حوباؤه: نفسه.

(4) الجناب: الفناء-القطين: أهل الدار، القاطنون.

(5) البرزخ: الحاجز بين الشيئين، و المراد به هنا المقبرة لأنها حجزت بين الدنيا و الآخرة-الأرجاء: الأنحاء.

(6) تسفى: تذروها الريح-البوغاء: التربة الرخوة.

(7) زقت: صاحت-أصداؤه، جمع صدى: ذكر البوم. و في القول إشارة الى اعتقاد الجاهليين بأن روح القتيل تخرج من رأسه و تحوم حول قبره و تصيح بصوت هو صوت الصدى.

(8) مطروفة: مكسورة-مطلولة: مهدورة-سوداؤه: حبّة قلبه.

35

أو واجد مكظومة زفراته، # أو حاقد منسيّة شحناؤه‏

و مسنّدين على الجنوب، كأنّهم # شرب تخاذل بالطّلا أعضاؤه‏ (1)

تحت الصّعيد لغير إشفاق إلى # يوم المعاد تضمّهم أحشاؤه‏

أكلتهم الأرض التي ولدتهم # أكل الضّروس حلت له أكلاؤه‏ (2)

حيّاك معتلج النّسيم، و لا يزل # سحرا تفاوح نوره أصباؤه‏ (3)

يمري عليك من النّعامى خلفه # من عارض متبزّل أنداؤه‏ (4)

فسقاك ما حمل الزّلال سجاله، # و نحاك ما جرّ الزّحوف لواؤه‏ (5)

لو لا اتّقاء الجاهليّة سقته # ذودا تمور على ثراك دماؤه‏ (6)

و أطرت تحت السّيف كلّ عشيّة # عرقوب مغتبط يطول رغاؤه‏

لكن سيخلف عقرها و دماءها، # أبد اللّيالي، مدمعي و بكاؤه‏

أقني الحياء تجمّلا لو أنّه # يبقى مع الدّمع اللّجوج حياؤه‏

و إذا أعاد الحول يومك عادني، # مثل السّليم يعوده آناؤه‏ (7)

____________

(1) الشرب: جماعة الشاربين-الطّلا: الخمر.

(2) الضروس: الناقة الشرسة-أكلاء: جمع كلأ و هو العشب.

(3) المعتلج: المتموّج و المتلاطم-نوره: زهره-أصباؤه، جمع صبا:

الريح الشرقية الناعمة.

(4) يمري: من مرى السحاب: نزل مطره-النعامى: ريح الجنوب- خلف الناقة: ضرعها-العارض المتبزل: الغيم الماطر-أنداؤه: مطره الخفيف.

(5) الزلال: الماء الصافي و المنعش-السجال، جمع سجل: الدلو الكبيرة و المملوءة ماء، و قد استعار اللفظة للسحاب-نحاك: قصدك-الزحوف:

الجيش الزاحف.

(6) الذود: هو من الابل من الثلاثة الى العشرة-تمور: تنصب، تجري.

(7) السليم: اللديغ، الذي لدغته الحيّة-آناؤه: جمع أنى: كل النهار أو جزء منه.

36

داء بقلبي لا يعود طبيبه # يأسا إليّ، و لا يصاب دواؤه‏

فاذهب، فلا بقي الزّمان، و قد هوى # بك صرفه و قضى عليك قضاؤه‏

ما لي أودع‏

(الكامل)

نظم هذه المقطوعة في رثاء أحد أصدقائه.

ما لي أودّع كلّ يوم ظاعنا، # لو كنت آمل للوداع لقاء (1)

و أروح أذكر ما أكون لعهده، # فكأنّني استودعته الأحشاء

فرغت يدي منه، و قد رجعت به # أيدي النّوائب و الخطوب ملاء

تشكو القذى عيني، فيكثر شكوها # حتى يعود قذى بها أقذاء (2)

شرق من الحدثان لو يرمى به # ذا الماء من ألم أغصّ الماء (3)

أحبابي الأدنين كم ألقى بكم # داء يمضّ، فلا أداوي الدّاء (4)

أحيا إخاءكم الممات، و غيركم # جرّبتهم، فثكلتهم أحياء

إلاّ يكن جسدي أصيب، فإنّني # فرّقته، فدفنته أعضاء

____________

(1) ظاعنا: راحلا، و القول كناية عن الفقيد.

(2) يعتمد في هذا البيت و في البيت السابق المقابلة، و يعطي اللفظة معاني مختلفة.

(3) الشرق: الغص بالماء.

(4) الأدنين: الأقربين-يمض: يؤلم.

غ

37

تذكّر عنّي‏

(الخفيف)

حيّ، بين النّقا و بين المصلّى، # وقفات الرّكائب الأنضاء (1)

و رواح الحجيج ليلة جمع، # و بجمع مجامع الأهواء (2)

و تذكّر عنّي مناخ مطيّي # بأعالي منّى و مرسى خبائي‏ (3)

و تعمّد ذكري، إذا كنت بالخيـ # ف، لظبي من بعض تلك الظّباء (4)

قل له: هل تراك تذكر ما كا # ن بباب القبيبة الحمراء

قال لي صاحبي، غداة التقينا # نتشاكى حرّ القلوب الظّماء:

كنت خبّرتني بأنّك في الوجـ # د عقيدي، و أنّ داءك دائي‏ (5)

ما ترى النّفر و التّحمّل للبيـ # ن، فما ذا انتظارنا للبكاء (6)

لم يقلها حتى انثنيت لما بي # أتلقّى دمعي بفضل ردائي‏ (7)

____________

(1) النقا: القطعة المرملة و المحدودبة من الأرض-المصلّى: مكان الصلاة، و النقا و المصلّى يعني بهما موضعين-الركائب الأنضاء: الابل الهزيلة.

(2) ليلة جمع: ليلة عرفة-جمع (الثانية) : مكان بين عرفة و منى.

(3) منى: موضع في مكة المكرّمة.

(4) الخيف: اسم موضع قرب منى-ظبي: كناية عن الحبيب. و تجدر الاشارة الى أن الأبيات تدخل في باب الغزل العفيف.

(5) عقيدي: معاهدي.

(6) النّفر: النفور-البين: البعاد.

(7) بفضل ردائي: بطرف ثوبي.

غ

38

خطوب‏

(الوافر)

وجّه هذه القصيدة إلى صديق يسأله فيها عن حال نكبة لحقته.

خطوب لا يقاومها البقاء، # و أحوال يدبّ لها الضّراء (1)

و دهر لا يصحّ به سقيم، # و كيف يصحّ، و الأيّام داء

و أملاك يرون القتل غنما، # و في الأموال لو قنعوا فداء (2)

هم استولوا على النّجباء منّا، # كما استولى على العود اللّحاء (3)

مقام لا يجاذبه رحيل، # و ليل لا يجاوره ضياء

سيقطعك المثقّف ما تمنّى، # و يعطيك المهنّد ما تشاء (4)

بلونا ما تجي‏ء به اللّيالي، # فلا صبح يدوم و لا مساء

و أنضينا المدى طربا و همّا، # فما بقي النّعيم و لا الشّقاء (5)

إذا كان الأسى داء مقيما، # ففي حسن العزاء لنا شفاء

و ما ينجي من الأيّام فوت، # و لا كدّ يطول، و لا عناء

تنال جميع ما تسعى إليه، # فسيّان السّوابق و البطاء

و ما ينجي من الغمرات إلاّ # ضراب، أو طعان، أو رماء (6)

____________

(1) الضّراء: النقص في النفوس و الأموال، الموت.

(2) الغنم: الربح.

(3) النجباء: الاشراف، الأذكياء، المميّزون-اللحاء: القشر.

(4) المثقّف: الرمح-المهنّد: السيف.

(5) أنضينا: هزلنا، يلاحظ لجوء الشاعر الى المطابقات ليقابل بين الأحوال المتقلّبة.

(6) الغمرات: الشدائد، في البيت دعوة الى التشبث بالارادة و الى الاستعداد للمواجهة.

39

و رمح تستطيل به المنايا، # و صمصام تشافهه الدّماء (1)

و إنّي لا أميل إلى خليل # سفيه الرأي شيمته الرّياء

يسوّمني الخصام، و ليس طبعي، # و ما من عادة الخيل الرّغاء

أقول لفتية زجروا المطايا، # و خفّ بهم على الإبل النّجاء (2)

على غوراء تشتجر الأداوي # بعرصتها، و تزدحم الدّلاء (3)

ردوا و استفضلوا نطفا، فحسبي # من الغدران ما وسع الإناء (4)

و بعدكم أناخ إلى محلّ # يطلّق عنده الدّلو الرّشاء (5)

تقلّص عن سوائمه المراعي، # و تخرز درّة الضّرع الرّعاء (6)

إذا ما الحرّ أجدب في زمان، # فعفّته له زاد و ماء

أرى خلقا سواسية، و لكن # لغير العقل ما تلد النّساء (7)

يشبّه بالفصيل الطّفل منهم، # فسيّان العقيقة و العفاء (8)

تصونهم الوهاد، و أيّ بيت # حمى اليربوع لو لا النّافقاء (9)

____________

(1) تستطيل: تمتد. في استعارته الامتداد و المشافهة و في الدعوة الى مذهب القوة تذكير بشعر المتنبي الذي جعل القوّة مذهبه في الحياة.

(2) النجاء: السرعة-المطايا: النياق، و ما يمتطى من الماشية.

(3) الغوراء: المكان الغائر و هو هنا البئر-تشتجر: تتنازع: الأداوي:

جمع إداوة: إناء صغير من جلد-بعرصتها: بساحتها.

(4) ردوا: فعل أمر من ورد الماء: طلبه-النطف: الماء القليل الصافي.

(5) الرشاء: الحبل.

(6) تقلّص، أي تتقلص: ترتفع-السوائم: الماشية المتروكة في المرعى -تخرز: تخيط-الدّرّة: اللبن-الضرع: ثدي الناقة-الرعاء:

الرعيان.

(7) سواسية: متساوون.

(8) الفصيل: ولد الناقة-العقيقة: شعر الطفل-العفاء: و بر البعير.

(9) الوهاد: الأرض المنخفضة-اليربوع: نوع من الفأر يعيش في الحقول-

40

هم يوم النّدى غيم جهام، # و في اللأواء ريح جربياء (1)

قرى لا يستجير به خميص، # و نار لا يحسّ بها الصّلاء (2)

و ضيف لا يخاطبه أديب، # و جار لا يلذّ له الثّواء (3)

هوى بدر التّمام، و كلّ بدر # ستقذفه إلى الأرض السّماء

و علمي أنّه يزداد نورا، # و يجذبه عن الظّلم الضّياء

أمرّ بداره فأطيل شوقا، # و يمنعني من النّظر البكاء

تعرّض لي فتنكرها لحاظي، # معطّلة كما نقض الخباء

كأنّي قائف طلب المطايا # على جدد تبعثره الظّباء (4)

ديار ينبت الإحسان فيها، # و نبت الأرض تنوم و آء (5)

و قد كان الزّمان يروق فيها، # و يشرب حسنها الحدق الظّماء

و دار لا يلذّ بها مقيم؛ # و لا يغشى لساكنها فناء

تخيّب في جوانبها المساعي، # و ينقص في مواطنها الإباء

و ما حبستك منقصة، و لكن # كريم الزّاد يحرزه الوعاء

فلا تحزن على الأيّام فينا، # إذا غدرت، و شيمتنا الوفاء

فإنّ السّيف يحبسه نجاد، # و يطلقه على القمم المضاء

لئن قطع اللّقاء غرام دهر، # لما انقطع التّودّد و الإخاء

و ما بعث الزّمان عليك إلاّ # وفور العرض و النّفس العصاء

____________

ق-و يكون قصير اليدين طويل الرجلين-النافقاء: جحر اليربوع يخفيه و يظهر غيره و هو القاصعاء.

(1) الندى: العطاء، الكرم-الجهام: السحاب لا ماء فيه-اللأواء: الشدّة -الجربياء: الريح الشمالية الباردة.

(2) قرى: ضيافة-الخميص: الضامر البطن من الجوع-الصلاء: الدف‏ء، طالب الدف‏ء.

(3) الثواء: الإقامة.

(4) القائف: الذي يتقفى الآثار و يعرفها-الجدد: الأرض الصلبة و المغبرة.

(5) التنّوم و الآء: نوعان من الشجر.

41

و لو جاهرته بالبأس يوما، # لأبرأ ذلك الجرب الهناء

و كنت، إذا وعدت على اللّيالي، # تمطّر في مواعدك الرّجاء

و أعجلك الصّريخ إلى المعالي، # كما يستعجل الإبل الحداء

و أيّ فتى أصاب الدّهر منّا، # تصاب به المروءة و الوفاء

صقيل الطّبع رقراق الحواشي، # كما اصطفقت على الرّوض الأضاء (1)

ينال المجد وضّاح المحيّا، # طويل الباع، عمّته لواء

كلام تستجيب له المعالي، # و وجه يستبدّ به الحياء

فلا زالت همومك آمرات # على الأيّام يخدمها القضاء

تجول على ذوابلك المنايا، # و يخطر في منازلك العلاء

تعيرني فتاة

(الوافر)

تعيّرني فتاة الحيّ أنّي # حظيت من المروءة و الفتاء (2)

و أنّي لا أميل إلى جواد # يعبّد حرّ وجهي للعطاء (3)

لعمرك ما لغدرك فيّ ذنب، # و ليس الذّنب إلاّ من وفائي‏

و ما جود الزّفير عليك جودا، # و لكن ذاك من لؤم العزاء (4)

معاداة الرّجال على اللّيالي، # أطيق، و لا مداراة النّساء

____________

(1) الأضاء: الأجمة.

(2) الفتاء: الفتوّة و السخاء.

(3) أي لا أرتاح الى كريم يسخو مقابل خضوع الناس له.

(4) الزفير: الداهية.

غ

42

أشكو إلى اللّه‏

(البسيط)

أشكو إلى اللّه قلبا لا قرار له، # قامت قيامته، و النّاس أحياء

إن نال منكم وصالا زاده سقما # كأنّ كلّ دواء عنده داء

كأنّ قلبي يوم البين طار به # من الرّفاع نجيب السّاق عدّاء (1)

يومان للكريم‏

(الطويل)

كريم له يومان قد كفلا له # بنيل العلى من بأسه و سخائه‏

فيوم نزال مشمس من سيوفه، # و يوم نوال ماطر من عطائه‏ (2)

أوجه سيوف‏

(الكامل)

لو كان قرنك من تعزّ بمنعه، # أو من يهاب تخمّطا و إباء (3)

سالت محارمها عليك بأوجه # مثل السّيوف مهابة و ضياء

____________

(1) البين: البعد-الرّفاع: السير السريع.

(2) يلاحظ اعتماده المقابلة بين صدر البيت و عجزه.

(3) القرن: الشجاع، الثابت في المعركة-التخمّط: التكبّر.

غ

43

قافية الألف‏

دوامي الصّفاح‏

(المتقارب)

رجعت بهنّ دوامي الصّفا # ح، ينزع منهنّ شوك القنا (1)

و ضمّخت أعناقها بالدّما، # و أوقرت أكفالها بالدّمى‏ (2)

رضينا الظّبى‏

(المتقارب)

نظم الشريف الرضي هذه القصيدة جوابا عن قصيدة كتبها إليه ذو السعادتين أبو سعيد علي بن محمد بن خلف.

رضينا الظّبى من عناق الظّبا، # و ضرب الطّلى من وصال الطّلا (3)

____________

(1) الصفاح: الخد أو الجبهة.

(2) الدمى، جمع دمية: الصورة المنقوشة، و أراد هنا السبايا.

(3) الظّبى، جمع ظبة: حد السيف-الظّبا، جمع ظبية: غزالة-الطّلى:

الأعناق، جمع طلية-الطّلا: ولد الظبية ساعة يولد. في هذا المطلع الفخري يعمد الشاعر الى الجناس، مع شي‏ء من التكلّف لا يضير بفخامة البيت.

44

و لم نرض بالبأس دون السّماح # و لا بالمحامد دون الجدا (1)

و قمنا نجرّ ذيول الرّجا، # و ترعى العيون بروق المنى‏

إلى أن ظفرنا بكأس النّجيـ # ـع، فالرّمح يشرب حتى انتشى‏ (2)

و ملنا على القور من نقعنا، # بأوسع منها و أعلى بنا (3)

و للخيل في أرضنا جولة، # تحلّل عنها نطاق الثّرى‏ (4)

أثرنا عليها صدور الرّما # ح يمرح في ظلّهنّ الرّدى‏

فجاءت تدفّق في جريها، # كما أفرغت في الحياض الدّلا (5)

و ليل مررنا بظلمائه، # نضاوي كواكبه بالظّبى‏ (6)

إذا مدّت النّار باع الشّعاع # مددنا إليها ذراع القرى‏

و يوم تعطّف فيه الجيا # د، تشرق ألوانها بالدّما (7)

فما برحت حلبة السّابقا # ت توردنا عفوات المدى‏ (8)

بركض يصدّع صدر الوها # د، حتّى تئنّ قلوب الصّفا (9)

يلوذ بأبياتنا الخائفو # ن، حتّى طرائد وحش الفلا

____________

(1) الجدا: العطاء.

(2) النجيع: الدم الضارب الى السواد-انتشى: سكر. يراعي الشاعر بين الكأس و الشرب و النشوة في معنى مجازي.

(3) القور، جمع قارة: جبل صغير منفرد-النقع: الغبار.

(4) تحلل: ثار-الثرى: التراب.

(5) الدلا: جمع دلو.

(6) نضاوي: نقابل الضوء بالضوء. أي أن السيوف تقابل ببريقها لمعان الكواكب.

(7) تشرق: تغص، تختلط.

(8) العفوات، جمع عفو: الأرض المتروكة و التي لم توطأ.

(9) الوهاد: الأرض المنخفضة، جمع و هدة-الصفا، جمع صفاة: الصخر، الحجر القاسي.

45

و تصغي لنا فاريات الخطو # ب، قواضب ما آجنت بالصّدا (1)

يبشّرها بعد همّاتنا، # بأنّ الحمام قريب الخطا

و جوّ تقلّب فيه الرّيا # ح، بين الجنوب و بين الصّبا

سللنا النّواظر في عرضه، # فطوّل من شأوها المنتضى‏ (2)

تصافح منه لحاظ العيون # مريض النّسيم أريض الرّبى‏ (3)

و إنّي على شغفي بالوقار # أحنّ إلى خطرات الصّبا

و ممّا يزهّدني في الزّمان، # و يجذبني عن جميع الورى‏

أخ ثقّف المجد أخلاقه، # و أشعر أيّامه بالعلى‏ (4)

و أنكحه بهدي السّنا، # و طلّقه من قبيح النّشا (5)

وقور ، إذا زعزعته الخصو # م، و انفرجت حلقات الحبى‏ (6)

إذا هزهز الرّمح روّى السّنا # ن، و استمطر السّيف هام العدى‏

و ما هو إلاّ شهاب الظّلا # م صافح لحظي بحسن الرّوا (7)

يقصّ، و من غير سهم أصاب # و يرمي، و من غير قوس رمى‏ (8)

فغيث يعانقني في السّحاب، # و بدر ينادمني في السّما

سقاني على القرب كاس الإخا # ء، مطلولة بنسيم الصّفا

____________

(1) تصغي: تميل-فاريات، من فرى: شق و قطع-الخطوب: الأحداث -القواضب: السيوف-آجنت: تغيّرت.

(2) الشأو: البعد، الغاية.

(3) مريض النسيم: النسيم العليل-الأريض: العشب.

(4) ثقف: هذّب.

(5) هديّ السنا: عروس الرفعة-النشا: الرائحة الطيبة أو الكريهة.

(6) الحبى، جمع حبوة: هي أن يجمع الرجل جسمه بثوب واحد.

(7) الرّوا: الرؤى.

(8) يقص: يقطع.

46

فللّه كاس صرعت الهمو # م بسورتها، و عقرت الأسى‏ (1)

و سرب تنفّره بالرّماح، # و وعد تعفّره بالعطا (2)

و ماء تصارعه بالرّكاب، # و جيش تقارعه بالقنا

و يوم تسوّده بالعجاج، # و ناد تبيّضه بالنّدى‏

سناء تبلّد عنه السّماء، # و مجد سها عن مداه السّها (3)

بني خلف أنتم في الزّمان # غيوث العطاء ليوث الوغى‏

بدور، إذا ازدحمت في الظّلا # م، شمّر برديه عنها الدّجى‏

حريّون إن نسبوا بالسّما # ح، جريّون في كلّ أمر عرا

لهم كلّ يوم إلى الغادريـ # ن جمع تقلقل عنه الفضا

حلفت بسابحة في الفجاج # تمزج أخفافها بالذّرى‏ (4)

و تنهض في صهوات الهجيـ # ر بين النّعام و بين المها (5)

بخطو يمزّق برد الصّعيد، # و ركض يلطّم وجه الملا (6)

هببن، و لم تغرهنّ الحداة، # فقام الهباب مقام الحدا (7)

تحطّ رحائلها بالمقام، # و تلقي أزمّتها بالصّفا

____________

(1) بسورتها: بحدّتها، بقوتها-عقرت: أزلت.

(2) تعفّره: تحققه.

(3) تبلد، تتبلّد: تتقاصر-سها: تاه، قصّر-السها: كوكب خفي من بنات نعش الصغرى، يضرب به المثل في البعد.

(4) السابحة: الفرس السهلة الركوب و السريعة-الفجاج: الطريق الواسع بين جبلين، الوادي.

(5) المها: البقر الوحشية.

(6) الملا: الصحراء.

(7) هببن: أسرعن-الهباب: الاسراع-الحدا: التغنّي للإبل كي تحث سيرها.

47

لقد حلّ ودّك من مهجتي، # بحيث يقيل الأسى و الإسا (1)

و حاشاك أن تستسرّ الوداد، # و ترمد بالهجر طرف الهوى‏ (2)

لبذل النّدى، إن ثويت، الثّوى، # و فلّ العدى، إن سريت، السّرى‏ (3)

رأيت عليّا يردّ الرّسيل # حسير القوائم دامي القرا (4)

إذا الرّكب حطّ بأبوابه، # تنفّض عنه غبار النّوى‏

و إن سلك البرّ هزّ الرّعا # ن، حتى ينفّر ذود القطا (5)

بكلّ معوّذة بالحديـ # د، إن روّعتها نبال العدى‏

سأشدوا بذكرك ما استعبرت # مطيّ يثلّم فيها الوجى‏ (6)

و أصفيك ودّي، و بعض الرّجا # ل يمزج بالودّ ماء القلى‏ (7)

يخيط الضّلوع على إحنة، # و يرعى الإخاء بعين العمى‏ (8)

و لمّا ذكرتك حنّ الفؤا # د و اعتلّ في مقلتيّ الكرى‏

فلا زلت في رقدات النّعيـ # م تهفو بلا موقظ من أذى‏

رياض تشقّ عليك النّسيم، # و ليل يمجّ عليك الضّحى‏

____________

(1) مهجتي: نفسي-الأسى: الحزن-الإسا: الدواء.

(2) تستسر: تستر-ترمد: تصيب بالرمد-الطرف: النظر.

(3) الندى: الكرم، العطاء-الثوى: الاقامة-فل: تشتيت، بعثرة، إهلاك.

(4) الرسيل: المناضل-الحسير: الكليل-القرا: الظهر.

(5) الرّعان: الأقسام المتقدمة من التلال و الجبال-الذود: من الثلاثة الى العشرة-القطا، جمع قطاة: طائر يشبه الحمام.

(6) الوجى: الحفا.

(7) القلى: البغض، الحقد.

(8) الاحنة: الحقد.

غ

48

كربلاء

(الرمل)

كربلا، لا زلت كربا و بلا، # ما لقي عندك آل المصطفى‏ (1)

كم على تربك لمّا صرّعوا، # من دم سال و من دمع جرى‏

كم حصان الذّيل يروي دمعها # خدّها عند قتيل بالظّما (2)

تمسح التّرب على إعجالها، # عن طلى نحر رميل بالدّما (3)

و ضيوف لفلاة قفرة، # نزلوا فيها على غير قرى‏

لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا، # بحدى السّيف على ورد الرّدى‏

تكسف الشّمس شموسا منهم # لا تدانيها ضياء و على‏ (4)

و تنوش الوحش من أجسادهم # أرجل السّبق و أيمان النّدى‏ (5)

و وجوها كالمصابيح، فمن # قمر غاب، و نجم قد هوى‏

غيّرتهنّ اللّيالي، و غدا # جاير الحكم عليهنّ البلى‏

يا رسول اللّه لو عاينتهم، # و هم ما بين قتلى و سبا

من رميض يمنع الظّلّ، و من # عاطش يسقى أنابيب القنا (6)

و مسوق عاثر يسعى به # خلف محمول على غير وطا

____________

(1) كرب و بلا: يفصّل ما تعنيه له كلمة كربلاء فاذا هي الجمع بين الكرب و البلاء.

(2) حصان الذيل: يقال امرأة حصان أي بينة الحصانة-قتيل الظمإ: هو الحسين بن علي بن أبي طالب جد الشاعر.

(3) الإعجال: مصدر أعجل-الطلى: العنق-الرميل بالدم: الملطخ.

(4) شموس: كناية عن الشهداء الذين سقطوا في كربلاء، و هم ذوو وجوه مشرقة.

(5) الأيمان، جمع يمين: البركة و القوة.

(6) الرميض: المتحرق القدمين من الحر.

غ

49

متعب يشكو أذى السّير على # نقب المنسم، مجزول المطا (1)

لرأت عيناك منهم منظرا # للحشى شجوا، و للعين قذى‏

ليس هذا لرسول اللّه، يا # أمّة الطّغيان و البغي، جزا

غارس لم يأل في الغرس لهم، # فأذاقوا أهله مرّ الجنى‏ (2)

جزروا جزر الأضاحي نسله، # ثمّ ساقوا أهله سوق الإما

معجلات لا يوارين ضحى، # سنن الأوجه أو بيض الطّلى‏ (3)

هاتفات برسول اللّه في # بهر السّعي، و عثرات الخطى‏ (4)

يوم لا كسر حجاب مانع # بذلة العين و لا ظلّ خبا (5)

أدرك الكفر بهم ثاراته، # و أزيل الغيّ منهم فاشتفى‏

يا قتيلا قوّض الدّهر به # عمد الدّين و أعلام الهدى‏

قتلوه بعد علم منهم # أنّه خامس أصحاب الكسا (6)

و صريعا عالج الموت بلا # شدّ لحيين و لا مدّ ردا (7)

غسلوه بدم الطّعن، و ما # كفّنوه غير بوغاء الثّرى‏ (8)

مرهقا يدعو، و لا غوث له، # بأب برّ و جدّ مصطفى‏ (9)

____________

(1) نقب المنسم: رقته، و المنسم خفّ البعير استعاره للمتعب-المجزول:

المقطوع-المطا: الظهر.

(2) لم يأل: لم يقصر. يعمد هنا الى مراعاة النظير بين الغرس و الجنى.

(3) سنن الوجه: نواحي الوجه، جمع سنة.

(4) البهر: انقطاع النفس عن العياء.

(5) بذلة العين: كناية عن وجه المرأة.

(6) أصحاب الكساء هم: النبي (صلعم) و علي و فاطمة و الحسن، و الحسين خامسهم. سمّوا بذلك لالتفافهم بالكساء اليماني في بيت فاطمة. و قال النبي: هؤلاء عترتي و أهل بيتي.

(7) أراد بشد اللحيين و مد الرداء: الغسل و التكفين، أي أنه لم يغسل و لم يكفن.

(8) البوغاء: التربة الرخوة.

(9) المرهق: المتعب، و هو الذي أدرك فطلب الغوث.

50

و بأمّ رفع اللّه لها # علما ما بين نسوان الورى‏

أيّ جدّ و أب يدعوهما، # جدّ، يا جدّ، أغثني يا أبا

يا رسول اللّه يا فاطمة، # يا أمير المؤمنين المرتضى‏

كيف لم يستعجل اللّه لهم # بانقلاب الأرض أو رجم السّما (1)

لو بسبطي قيصر، أو هرقل # فعلوا فعل يزيد، ما عدا (2)

كم رقاب من بني فاطمة # عرقت ما بينهم، عرق المدى‏ (3)

و اختلاها السّيف حتّى خلتها # سلم الأبرق، أو طلح العرى‏ (4)

حملوا رأسا يصلّون على # جدّه الأكرم طوعا و إبا (5)

يتهادى بينهم لم ينقضوا # عمم الهام، و لا حلّوا الحبى‏ (6)

ميّت تبكي له فاطمة، # و أبوها، و عليّ ذو العلى‏

لو رسول اللّه يحيا بعده، # قعد اليوم عليه للعزا

معشر منهم رسول اللّه و الـ # كاشف الكرب، إذا الكرب عرا

صهره الباذل عنه نفسه، # و حسام اللّه في يوم الوغى‏

أوّل النّاس إلى الدّاعي الّذي # لم يقدّم غيره لمّا دعا

ثمّ سبطاه الشّهيدان، فذا # بحسا السّمّ، و هذا بالظّبى‏ (7)

____________

(1) رجم السما: أي أن ترجمهم السماء برجومها، و الرجوم النجوم أو ما يتساقط منها من حجارة.

(2) عدا: جرى، ظلم، ترك حقه.

(3) عرقت: أزيل لحمها-المدى، جمع مدية: الشفرة.

(4) اختلاها: جزها و نزعها-السلم: شجر يدبغ به-الأبرق: أرض غليظة، و أراد به مكانا معيّنا-الطلح: نوع من الشجر ترعاه الابل، و العرى أيضا. و قوله: طلح العرى هو من باب إضافة المعنى إلى نفسه.

(5) طوعا و إبا: طائعين و مكرهين.

(6) يتهادى: يتمايل-لم ينقضوا: لم يحلوا-العمم، من الاعتمام أي لبس العمامة-الحبى: الاشتمال بالثوب. أي أنهم لم يكبروا المصاب و لم ينهضوا إجلالا. -

(7) أراد بالذي قتل بحسا السم، أي بشربه: الحسن، و بالذي قتل بالظبي، أي بحدّ السيف: الحسين.

51

و عليّ، و ابنه الباقر، و الصّ # ادق القول، و موسى، و الرّضا

و عليّ، و أبوه و ابنه، # و الذي ينتظر القوم غدا (1)

يا جبال المجد عزّا و على، # و بدور الأرض نورا و سنا

جعل اللّه الّذي نابكم # سبب الوجد طويلا و البكا

لا أرى حزنكم ينسى، و لا # رزءكم يسلى، و إن طال المدى‏

قد مضى الدّهر، و عفّى بعدكم، # لا الجوى باخ، و لا الدّمع رقا (2)

أنتم الشّافون من داء العمى، # و غدا ساقون من حوض الرّوا (3)

نزل الدّين عليكم بيتكم، # و تخطّى النّاس طرّا، و طوى‏

أين عنكم للّذي يبغي بكم # ظلّ عدن دونها حرّ لظى‏

أين عنكم لمضلّ طالب # وضح السّبل و أقمار الدّجى‏

أين عنكم للّذي يرجو بكم # مع رسول اللّه فوزا و نجا

يوم يغدو وجهه عن معشر # معرضا ممتنعا عند اللّقا

شاكيا منهم إلى اللّه، و هل # يفلح الجيل الّذي منه شكا

ربّ!ما حاموا، و لا آووا، و لا # نصروا أهلي، و لا أغنوا غنا

بدّلوا ديني، و نالوا أسرتي # بالعظيمات، و لم يرعو ألى‏ (4)

لو ولي ما قد ولوا من عترتي # قائم الشّرك لأبقى و رعى‏ (5)

نقضوا عهدي، و قد أبرمته، # و عرى الدّين، فما أبقوا عرى‏

حرمي مستردفات، و بنو # بنتي الأدنون ذبح للعدى‏

أ ترى لست لديهم كامرئ # خلّفوه بجميل إذ مضى‏

ربّ!إنّي اليوم خصم لهم، # جئت مظلوما و ذا يوم القضا

____________

(1) الذي ينتظر القوم: المهدي المنتظر.

(2) باخ: سكن-رقا أو رقأ الدمع: انقطع جريانه.

(3) الرّوا و الرواء: الماء العذب.

(4) الألى: النعمة.

(5) عثرتي: أصلي.

غ

52

هل أنجدن‏

(المتقارب)

و هل أنجدنّ بعبديّة # تمدّ علابيبها للحدا (1)

و أسمع ليلة أورادها # تداعي الرّغاء و زجر الرّعا

غدا يهدم المجد

(الطويل)

غدا يهدم المجد المؤثّل ما بنى، # و تكسد أسواق الصّوارم و القنا (2)

مضى المصدر الآراء و المورد النّهى، # فمن يعدل الميلاء أو يرأب الثّنا (3)

____________

(1) عبدية: ناقة-العلابيب: أعصاب العنق.

(2) المؤثّل: الأصيل.

(3) يرأب: يصلح-الثنا: الأمر.

غ

53

قافية الباء

همّة كالسماء

(الخفيف)

في هذه القصيدة يمدح الطائع للّه و يهنئه بالمهرجان و يقتضيه وعدا منه له.

لو على قدر ما يحاول قلبي، # طلبي لم يقرّ في الغمد عضبي‏ (1)

همّة كالسّماء بعدا، و كالرّيـ # ح هبوبا في كلّ شرق و غرب‏

و نزاع إلى العلى يفطم العيـ # س عن الورد بين ماء و عشب‏ (2)

ربّ بؤس غدا عليّ بنعما # ء، و بعد أفضى إليّ بقرب‏

أتقرّى هذا الأنام، فيغدو # عجبي منهم طريقا لعجبي‏ (3)

و إذا قلّب الزّمان لبيب، # أبصر الجدّ حرب عقل و لبّ‏

أ مقاما ألذّ في غير عليا # ء، و زادي من عيشتي زاد ضبّ‏

دون أن أترك السّيوف كقتلا # ها رزايا من حرّ قرع و ضرب‏

و من العجز إن دعا بك عزم، # فرآك الحسام غير ملبّي‏

____________

(1) العضب: السيف القاطع. أي لو أراد أن يلبّي طموح قلبه لما استقرّ السيف في غمده. و المطلع من نوع الفخر الذي يذكرنا بشعر المتنبي.

(2) العيس: النياق-الورد: طلب الماء.

(3) أتقرّى: أتتّبع-العجب: التعجّب، الاستعظام-العجب: الزهو، الكبر.

54

و إذا ما الإمام هذّب دنيا # ي كفاني و صالح الغمد غربي‏ (1)

يا جميلا جماله مل‏ء عيني، # و عظيما إعظامه مل‏ء قلبي‏

بك أبصرت كيف يصفو غديري # من صروف القذى و يأمن سربي‏

أنت أفسدتني على كلّ مأمو # ل، و أعديتني على كلّ خطب‏

فإذا ما أراد قربي مليك، # قلت: قربي من الخليفة حسبي‏

عزّ شعري إلاّ عليك، و ما زا # ل عزيزا يأبى على كلّ خطب‏

أيّ ندب ما بين برديك، و الدّهـ # ر أجدّ اليدين من كلّ ندب‏ (2)

بين كفّ تقي المطامع و الآما # ل، أو ذابل يغير و يسبي‏

ما تبالي بأيّ يوميك تغدو، # يوم جود بالمال، أو يوم حرب‏

كم غداة صباحها في حداد، # نسجته أيدي نزائع قبّ‏ (3)

تتراءى السّيوف فيها، و تخفى، # و ينير الطّعان فيها، و يخبي‏

فرّجتها يداك، و النّقع قد سـ # دّ على العاصفات كلّ مهبّ‏ (4)

و مربّي العلى، إذا بلغ الغا # ية، ربّاه في العلى ما يربّي‏

يا أمين الإله، و النّبأ الأعـ # ظم، و العقب من مقاول غلب‏ (5)

عادة المهرجان عندي أن أر # وى بذكراك فيه قلبي و لبّي‏

هو عيد، و لا يمرّ على وجـ # هك يوم إلاّ يروق و يصبي‏

راحل عنك، و هو يرقب لقيا # ك إلى الحول عن علاقة صبّ‏

كيف أنسى و قد محضتك أهوا # ي و حصّيت عن عدوّك حبّي‏ (6)

____________

(1) الغرب: حد السيف. بعد المقدمة الفخرية ينتقل الشاعر الى المدح.

(2) النّدب: السريع الى الفضائل، الخفيف في الحاجة لأنه إذا ندب إليها خفّ لقضائها، و عبارة أي ندب تعني كل فضيلة و كل عطاء-أجد:

مقطوع.

(3) النزائع: الابل أو غيرها التي انتزعت من غير بلادها-القب: الضامرة.

(4) النقع: الغبار الكثيف.

(5) المقاول: الملوك.

(6) حصّيت: وقيت، باعدت.