ديوان الشريف الرضي - ج2

- الشريف الرضي المزيد...
528 /
5

المجلد الثاني‏

قافية الفاء

بالجد يبلغ الشرف‏

(البسيط)

يمدح هنا الملك بهاء الدولة، و كان الرضي قد عمل هذه القصيدة في أغراض أخرى و لم يسم الممدوح، ثم أضاف إليها أبياتا ذكره فيها و أنفذها اليه سنة 400.

بالجدّ لا بالمساعي يبلغ الشّرف، # تمشي الجدود بأقوام، و إن وقفوا

أعيا من الدّهر خلق لا دوام له، # البذل و المنع و الإنجاز و الخلف‏

واط بجفوته أعقاب خلّته، # يوما ودود، و يوما ملّة طرف‏ (1)

راحت تعجّب من شيب ألمّ به، # و عاذر شيبه التّهمام و الأسف‏

و لا تزال هموم النّفس طارقة، # رسل البياض إلى الفودين تختلف‏

إنّ الثّلاثين و السّبع التوين به # عن الصّبا، فهو مزور و منعطف‏

فما له صبوة يبكى بها طلل؛ # و لا له طربة يعلى بها شرف‏

أين الذين رموا قلبي بسهمهم، # و لم يداووا لي القرف الذي قرفوا (2)

يشكو فراقهم القلب الذي جرحوا # منّي، و تبكيهم العين التي طرفوا

____________

(1) واط: من الوطء-الخلة: الصداقة-الملّة: الملول، و هو نعت بالمصدر، الطرف: الذي لا يثبت على صحبة أحد.

(2) القرف: الجرح-قرفوا: قشروا.

6

كم جاءني الخوف ممّا كنت آمنه، # و كم أمنت التي قلبي بها يجف‏

قد يأمن المرء سهما فيه موقعه، # و قد يخاف الذي ينأى و ينحرف‏

لمّا رأيت مرامي الظّنّ خاطئة، # و دون ما أرتجي منكم نوى قذف‏

صرفت نفسي عنكم، و هي غانية، # و النّفس تصرف أحيانا، فتنصرف‏

ما هزّ فرعكم يأس، و لا طمع، # و لا مرى درّكم لين، و لا عنف‏

و لا لكم في ثنايا الجود مطّلع؛ # و لا لكم في ظهور المجد مرتدف‏

يأبى لي العزّ، و الغرّاء من شيمي، # إمساك حبل غرور ما له طرف‏

هبها ضبابة ليل أنت خابطها؛ # إنّ الظّلام، و إن عنّاك منكشف‏

تنظّر الصّبح، إنّ الصّبح منتظر، # و الفجر يعرب عمّا أعجم السّدف‏

كأنّني، يوم أستعطي نوالكم، # دان من الصّخرة الصّمّاء يغترف‏

و يوم أدعوكم للخطب أحذره # داع يبلّغ من قد ضمّه الجدف‏ (1)

ما كنتم من سيوفي، إذ هززتكم # هزّ النّوابي، إذا أمضيتها تقف‏

يا راعي الذّود لا أصبحت في نفر # تروى البكار و تظمأ الجلّة الشّرف‏ (2)

ما أعجب القسمة العوجاء يقسمها؛ # الدّار واحدة و الورد مختلف‏

لئن حرمت من العلياء ما رزقوا، # لقد جهلت من الفحشاء ما عرفوا

لأرحلنّ المطايا ثمّ أبركها، # حيث اطمأنّ النّدى و استوطن الشّرف‏

كأنّما في رجال الرّكب خاطرة؛ # تعانق الدّوّ، و النّاجيّة العصف‏ (3)

بدار أغلب ما في وعده خلف # للرّاغبين، و لا في حكمه جنف‏ (4)

حيث الحقوق قيام في مقاطعها، # و كلّ من حاكم الأيّام منتصف‏

____________

(1) الجدف: القبر.

(2) الذود: القطعة من الإبل-البكار: جمع بكر-الجلّة: المسنّة من الإبل -الشرف: المسنّة أيضا.

(3) الدو: الفلاة-الناجية، من نأجت الريح: هبّت-العصف، جمع عصوف:

ريح شديدة.

(4) خلف: كذب-جنف: انحراف.

7

راض الأمور على أولى شبيبته، # فالرّأي محتنك، و العمر مؤتنف‏

يحيي المكارم أبناء له وردوا، # كما بنى المجد آباء له سلفوا

يا ابن الأولى نزلوا العلياء خالية، # منازل الدّرّ يرمى دونه الصّدف‏

المقدمين، فلا ميل، و لا عزل، # و الحاملون، فلا جور و لا ضعف‏ (1)

لي فيهم خلف من كلّ مفتقد، # و ربّما جاز قدر الذّاهب الخلف‏

في كلّ يوم عدوّ أنت قائده # قود الجنيب، لما عسّفت معتسف‏ (2)

في السّلم دافقة، شؤبوبها خضل، # و الرّوع بارقة ذو رعدها قصف‏ (3)

فمن شعاب ندى أمواهه دفع، # و من طعان قنا آباره خسف‏

تغدو كأنّك، و الهامات طائرة، # جان من الحنظل العاميّ ينتقف‏

كأنّ سيفك ضيف الشّيب ليس له # عن الرّءوس، إذا ما جاء، منصرف‏

فاستأنفوا العزّ مخضرّا زمانكم، # كأنّما الدّهر فيكم روضة أنف‏

و ابقوا بقاء الدّراري في مطالعها، # إلاّ البدور، فإنّ البدر ينكسف‏

تسعى البكار معنّاة، و قد ملكت # أولى الجمام عليها الجلّة الشّرف‏ (4)

إذا رأينا قوام الدّين راكبها، # فليس في ظهرها للقوم مرتدف‏

____________

(1) الميل: هو الذي يميل عن الجواد و يسقط-العزل، جمع أعزل: من لا سلاح له.

(2) الجنيب: السهل الانقياد-عسّف: سار على غير علم و لا أثر، على غير هداية.

(3) الشؤبوب: الدفعة من المطر-ذو رعدها: الذي رعدها.

(4) البكار، جمع بكر، و أراد الشديدة منها و الفتيّة-معنّاة: متعبة-الجمام، من الجم: الكثير من كل شي‏ء، و الجمام: مجتمع شعر الرأس-الجلّة:

الأمتعة كالبسط و الأكسية و نحوها-الشرف: العالية.

نشير هنا إلى أن الأبيات الستة الأخيرة من هذه القصيدة قد أضافها الشاعر الى القسم الأول، فتحوّلت إلى قصيدة مدحية وجهها إلى الممدوح.

8

فقل لمعتسف يرجو لحاقهم: # لبّث، فقد بلغوا العليا و ما اعتسفوا (1)

لو انّ عين أبيك اليوم ناظرة، # تعجّب الأصل ممّا أثمر الطّرف‏

ونى عن السّعي، فاسترعى مساعيه، # مدرّبا بطريق المجد لا يقف‏

قد يسبق الخيل تاليها، و إن كثرت # منها الفوارط يوم الجري و السّلف‏

رواق من القنا

(الخفيف)

كتب هذه القصيدة الى الملك أبي شجاع بن قوام الدين بفارس، و ذلك في شهر صفر سنة 404، و هي آخر قصيدة مدح بها الملوك.

قل لأقنى يرمي إلى المجد طرفا، # ضرم يعجل الطّرائد خطفا (2)

طار يستشرف المواقع، حتّى # وجد العزّ موقعا، فأسفا

يا عماد الدّين الذي رفع المجـ # د، و قد مال بالعمادين ضعفا

و مغيث الأنام، و ابن مغيث الـ # خلق، طود رسا و طود تعفّى‏ (3)

و مجاري الزّمان خطبا، فخطبا، # سابقا خطوه، و صرفا، فصرفا

أنت ثاني جماحها يوم لا يمـ # لك كفّ لجامح الخطب كفّا

في رواق من القنا لا ترى فيـ # ه سوى البيض و العوامل سقفا

كافأت أرضه السّماء على المز # ن، و أهدت لها قساطل وطفا (4)

____________

(1) المعتسف: التائه، من يسير على غير هداية-لبث: تمهّل.

(2) الأقنى: المرتفع الأنف-الضرم: فرخ العقاب.

(3) طود تعفّى: جبل زال، كناية عن زوال والد الممدوح.

(4) قساطل، جمع قسطل: غبار الحرب.

9

تتبع الطّعن فيه طعنا على الأعـ # ناق شزرا و الضّرب ضربا طلحفا (1)

لاث أبطاله عمائم بيضا # لبسوا تحتها قتيرا و زغفا (2)

رسبوا في غمارها، و لو انّ الـ # طّود يمنى بها لذلّ و خفّا (3)

قد كفيت السّعي الطّويل، و تأبى # أن يرى المجد منك حلسا و قفّا (4)

بين جدّ بذّ الجدود، فأوفى، # و أب ضمّن العلاء، فوفّى‏ (5)

قام فيه يلفّ خطبا بخطب، # لا نئوما، و لا سئوما ألفّا (6)

يلبس الهمّة العليّة للأعـ # داء درعا، و يركب العزم طرفا (7)

من رجال جنوا لكم ثمر المجـ # د عريضا و عاقروا الموت صرفا (8)

عقدوا بينكم و بين المعالي، # قبل يعلو الرّجال عقدا و حلفا

ركبوا صعبة العلى أوّل النّا # س، فمن جاء بعدهم جاء ردفا

بيت جود تكفى النّوائب فيه، # و جفان القرى به ليس تكفا

عنده النّار أوقدت باليلنجو # جيّ تذكى عرفا، و تجزل عرفا (9)

قد بلاك الأعداء حلوا و مرّا، # و بلوا شيمتيك لينا و عنفا

فرأوك الحسام قدّا و قطّا، # و رأوك الغمام وبلا و وكفا

قلّبوا الغرّ من سجاياك تقليـ # ب اليمانيّ برده المستشفّا

____________

(1) الطلحف: الشديد.

(2) لاث: عصب-القتير و الزغف: الدرع.

(3) رسبوا: ثقلوا و صاروا إلى أسفل-الغمار: الماء الكثير-يمنى: يبتلى.

(4) الحلس: الذي لا يبرح بيته-القف: الصغير من الرجال، القصير الضعيف.

(5) بذ: فاق، غلب.

(6) الألف: الرجل العي بالأمور.

(7) الطرف: الجواد الخفيف السريع.

(8) عاقروا الموت صرفا: جعل الموت خمرا للإشارة إلى لذتهم في الحرب.

(9) اليلنجوجي: عود طيب الرائحة يتبخر به-القرف: الرائحة-تجزل:

توقد بالحطب اليابس-العرق: المعروف، الجود.

10

حسبوها تصنّعا، فرأوها # كلّ يوم تزداد ضعفا و ضعفا

جحد الحاسدون منها الضّرورا # ت، و أخفوا دراريا ليس تخفى‏

كهلال السّحاب ما غاب حتّى # رقّ عن وجهه الغمام فشفّا

كذبوا، أنت أسبق النّاس إحسا # نا، و أندى يدا و أمطر كفّا

خلق ثابت، إذا غيّر الدّهـ # ر رجالا أخلاقهم تتكفّا

إن تناسوا تذكّر الجود طبعا، # أو تولّوا ثنى إلى المجد عطفا

رام منّي قود القريض، و لو لا # ه، لقد جاذب الزّمام الأكفّا

هبّ من رقدة الفتور إليه، # بعد ما غضّ ناظريه و أغفى‏

هو ظهر ينقاد طوعا على اللّيـ # ن، و يأبى القياد إن قيد عسفا

و برود غالى بهنّ أبوك الـ # قرم، فاختارها الأشفّ الأشفّا (1)

إنّ من ضوئها لذي التّاج تاجا، # و لربّ الأطواق طوقا و شنفا (2)

فابق للخطب مقذيا منه عينا، # كلّ يوم، و مرغما منه أنفا

أنت أعلى من أن تهنّأ بالعزّ، # إذا ما ضفا عليك و رفّا

بل تهنّا ملابس العزّ أن أبـ # قيت فيها نشرا و أعبقت عرفا

و مراقي العلى بأن بتّ تعلو # ها وثوبا، إذا علا النّاس زحفا

صل بفخر الملك الأغرّ حساما # تجمع الماضيين عضبا و كفّا

داعم الملك يوم مال و لاقى # موجانا من الخطوب و رجفا

و مداوي العلاء من علّة البؤ # س، و قد أعجز الطّبيب و أشفى‏

لن ترى مثله اللّيالي، و هيها # ت!لقد أجمل الزّمان و أصفى‏

____________

(1) القرم: السيد الشجاع.

(2) الشنف: القرط.

غ

11

ردوا الغليل‏

(الكامل)

قال رضي اللّه عنه يفتخر و يذكر غرضا من الأغراض:

ردّوا الغليل لقلبي المشغوف، # و خذوا الكرى عن ناظري المطروف‏

و دعوا الهوى يقوى عليّ مضاعفا، # إنّي على الأشجان غير ضعيف‏

و لقد رتقت على العذول مسامعي، # و صممت عن عذل و عن تعنيف‏ (1)

أرضى البطالة أن تكون قلائدي # أبدا، و لوم اللاّئمين شنوفي‏ (2)

هل دارنا بالرّمل غير نزيعة، # أم حيّنا بالجزع غير خلوف‏ (3)

فلقد عهدت بها كنافرة المها، # من كلّ ممشوق القوام قضيف‏ (4)

سرب، إذا استوقفت في ظبياته، # عينيّ رحت على جوى موقوف‏

يرعين أثمار القلوب تواركا # مرعى ربيع باللّوى و خريف‏

كم بين أثناء الضّلوع لهنّ من # قرف بأظفار النّوى مقروف‏ (5)

لا تأخذيني بالمشيب، فإنّه # تفويف ذي الأيّام لا تفويفي‏ (6)

لو أستطيع نضوت عنّي برده، # و رميت شمس نهاره بكسوف‏

كان الشّباب دجنّة، فتمزّقت # عن ضوء لا حسن، و لا مألوف‏

و لئن تعجّل بالنّصول، فخلفه # روحات سوق للمنون عنيف‏

و إذا نظرت إلى الزّمان رأيته # تعب الشّريف، و راحة المشروف‏

____________

(1) رتقت: أقفلت.

(2) البطالة: الشجاعة-الشنوف: الأقراط، جمع شنف.

(3) الحي الخلوف: هو الذي رحل أهله.

(4) القضيف: النحيف.

(5) القرف: القشر، قلامة الظفر.

(6) التفويف: الخطوط البيض.

12

و عقال كلّ مشيّع متغطرف، # و مجال كلّ موضّع مضعوف‏

أ عليّ يستلّ الدّنيّ لسانه، # سيذوق موبى مربعي و مصيفي‏ (1)

فيمن تعيّرني، بفيك رغامها، # أ بتالدي في المجد أم بطريفي‏ (2)

أ بمعشري، و هم الأولى عاداتهم # في الرّوع ضرب طلى و خرق صفوف‏ (3)

من كلّ وضّاح الجبين مغامر # عند العظائم، باسمه مهتوف‏

و إذا قرعت، فهم صدور ذوابلي، # و من العدوّ معاقلي و كهوفي‏

فاذهب بنفسك حاسما أطماعها # عن صلّ واد أو هزبر غريف‏ (4)

فلقد جررت على الزّمان عوائدي، # إنّي أدقّ زحوفه بزحوفي‏

هذا، و قومك بين قاذف معشر، # كذبا، و بين ملعّن مقذوف‏

لا المجد في أبياتهم بمعرّق # يوما، و لا لهم النّدى بحليف‏

قبلي سقاك أبي كئوس مذلّة، # و لتشربن بيدي كئوس حتوف‏

ذاك الثّقاف يقيم كلّ مميّل، # و أنا الجراز أقدّ كلّ صليف‏ (5)

فحذار إن شبّ الفنيق لحاظه، # و تقاربت أنيابه لصريف‏ (6)

خلّ الطّريق لمجمر أخفافه، # ماض على سنن الطّريق منيف‏ (7)

و لضيغم يطأ الرّجال، غلبة # بقنا من الأنياب أو بسيوف‏ (8)

و اشدد حشاك فلست تطمح خاليا # إلاّ بدا لك موقفي و وقوفي‏

____________

(1) الموبى: مكان الوباء.

(2) الرغام: التراب-التالد و الطريف: القديم و الجديد، الموروث و المستحدث.

(3) الطلى: الأعناق.

(4) الصل: الحية الخبيثة-الغريف: الأجمة.

(5) الثقاف: الرمح المقوّم-مميّل: واقع عن الجواد-الجراز: السيف القاطع-الصليف: المتكبّر.

(6) الفنيق: الفحل من الجمال-الصريف: صوت الأسنان.

(7) المجمر: الصلب، المسرع في السير-المنيق: العالي.

(8) الضيغم: الأسد-غلبة: قهرا، و الغلبة من الرجال هو الذي يغلب بسرعة.

13

و إذا رميت من الحذار بمقلة # في الجوّ راعك في السّماء حفيفي‏

أهوي إلى فرص يسوؤك غبّها، # متسرّعا كالأجدل الغطريف‏ (1)

كيدا يري أن لا دعيّ أميّة # كاد الرّجال، و لا دعيّ ثقيف‏

أوفيت معتليا عليكم واضعا # قدمي على قمر السّماء الموفي‏

و وليتكم فحززت في عيدانكم # حتّى أقام مميلها تثقيفي‏

و فطمتكم بالزّجر عن عاداتكم، # و رددت منكركم إلى المعروف‏

عفّ السّريرة لم تلطّ لريبة # يوما عليّ مغالقي و سجوفي‏ (2)

فلئن صرفت فلست عن شرف العلى # و مقاعد العظماء بالمصروف‏

و لئن بقيت لكم، فإنّي واحد # أبدا، أقوّم منكم بألوف‏

أنف كأنف الليث‏

(الوافر)

يفتخر و يذكر غرضا من الأغراض و هو ضيق صدره بأمر النقابة و ما يتكلفه من التشدد و إقامة الهيبة فيها:

ردي مرّ الورود و لا تعافي، # فما ينأى بيومك أن تخافي‏

فطورا تعرضين على زلال، # و طورا تعرضين على ذعاف‏ (3)

و من يشرب بصاف غير رنق # يرد يوما برنق غير صافي‏ (4)

غمست يديّ في أمر، فمن لي، # و أين بنزع كفّي و انكفافي‏

____________

(1) الأجدل: الصقر-الغطريف: الفتي القوي.

(2) لط: ستر-السجوف: الأستار.

(3) الزلال: البارد، المنعش-ذعاف: السم.

(4) غير رنق: غير كدر.

14

كفاني أنّني حرب لقومي، # و ذلك لي من الضّرّاء كاف‏

حطمت صعادهم حتّى استقاموا، # مجاوزة بهم حدّ الثّقاف‏ (1)

فصرت لذمّهم غرضا، رجيما، # يراموني بمثل حصى القذاف‏

و أكذب بالتّصوّن مدّعيهم، # و ألجم قائليهم بالعفاف‏

و لو أنّي أطعت الرّشد يوما، # لأبدلت التّحامل بالتّجافي‏

و أغضيت اللّواحظ عن ذنوب، # و موضعها لعيني غير خاف‏

و لكنّ الحميّة فيّ تأبى # قراري للرّجال على التّكافي‏

و أنظر سبّة و عظيم عار # رضاي من المنازع بالكفاف‏

و لو أنّي رميت أصاب سهمي، # و لكنّي أنقّب عن شغافي‏ (2)

فما سهمي السّديد من النّوابي، # و لا باعي الطّويل من الضّعاف‏

و لي أنف كأنف اللّيث يأبى # شميمي للمذلّة و استيافي‏

و قد عرف العدى و بلوا قديما # خطاي إلى المنايا و ازدلافي‏

لي العزم الذي قد جرّبوه، # يقدّ مضارب البيض الخفاف‏

و ربط الجأش، و الأقدام زلّ # يزلزلها الرّدى يوم الوقاف‏

و قد كلّت صوارمها و ملّت # عرانين القنيّ من الرّعاف‏ (3)

فعال أغرّ ريّان العوالي # من الأعداء ملآن الصّحاف‏

يضيف، فلا يميّز من يراه # أمارات المضيف من المضاف‏

إذا عدّ المناقب جاء بيتي # يجرّ ذيول أحساب ضوافي‏

أقلّوا، لا أبا لكم، و خلّوا # مطاعنة الأسنّة بالأشافي‏ (4)

فقد مدّت غيابات المخازي # على عرصاتكم مدّ الطّراف‏

صفوت لكم، فرنّقتم غديري، # و أيّ مضاغن رجع المصافي‏

____________

(1) الصعاد، جمع صعدة: القناة المستقيمة-الثقاف: الرماح المقوّمة.

(2) شغافي: غلاف قلبي أو حجابه.

(3) العرانين، جمع عرنين: الأنف-القني: الأنوف المرتفعة.

(4) الأشافي: مثاقب الأساكفة، جمع إشفى-الرعاف: النزيف.

غ

15

و يوشك أن يقام على التّقالي، # أنابيب رجعن إلى التّصافي‏ (1)

مضى زمن التّمازج و التّداني، # و ذا زمن التّزايل و التّنافي‏

لئن أعلى بناءكم اصطناعي، # فسوف يثلّ عرشكم انحرافي‏

أداوي داءهم، فيزيد خبثا، # و ليس لداء ذي البغضاء شاف‏

حنوت عليهم و لربّ حان # على جان، و إن بعد التّلافي‏

فما قلبي، و إن جهلوا، بقاس، # و لا حلمي، و إن قطعوا، بهاف‏ (2)

فما تغني القوادم من جناح، # تحامل، إن قعدن به الخوافي‏

و عندي للزّمان مسوّمات # من الأشعار تخترق الفيافي‏

قصائد أنست الشّعراء طرّا # عواءهم على أثر القوافي‏

بوادر للغليل كأنّ قلبي # يعبّ بهنّ في برد النّطاف‏ (3)

أسرّ بهنّ أقواما، و أرمي # أقيواما بثالثة الأثافي‏ (4)

سلي بي!

(الطويل)

يفتخر بآبائه عموما ثم بأبيه الأدنى خصوصا:

وفى بمواعيد الخليط، و أخلفوا، # و كم وعدوا القلب المعنّى و لم يفوا (5)

و ما ضرّهم أن لم يجودوا بمقنع # من النّيل، إذ منّوا قليلا و سوّفوا

____________

(1) الثقالي: التباغض.

(2) الهافي: الذاهب.

(3) النطاف: الماء القليل.

(4) الأثافي، جمع أثفية: الحجر توضع عليه القدر، و رماه بثالثة الأثافي. أي رماه بالشر كلّه-أقيوام: تصغير أقوام.

(5) الخليط: الجماعة، القوم الذين أمرهم واحد-المعنّى: المعذب.

16

أ في كلّ يوم لفتة ثمّ عبرة # على رسم دار، أو مطيّ موقّف‏

و ركب على الأكوار يثني رقابهم، # لداعي الصّبا، عهد قديم و مألف‏

فمن واجد قد ألزم القلب كفّه، # و من طرب يعلو اليفاع و يشرف‏ (1)

و مستعبر قد أتبع الدّمع زفرة، # تكاد لها عوج الضّلوع تثقّف‏

قضى ما قضى من أنّة الشّوق و انثنى # بدار الجوى و القلب يهفو و يرجف‏

و لم تغن حتّى زايل البعد بيننا، # و حتّى رمانا الأزلم المتغطرف‏ (2)

كأنّ اللّيالي كنّ آلين حلفة، # بأن لا يرى فيهنّ شمل مؤلّف‏ (3)

ألمّ خيال العامريّة بعد ما # تبطّننا جفن من اللّيل أوطف‏ (4)

يحيّي طلاحا حين همّوا بوقعة، # تهاووا على الأذقان ممّا تعسّفوا (5)

و وقيذين مال النّعاس بهامهم # كما أرعشت أيدي المعاطين قرقف‏ (6)

أعاريب لا يدرون ما الرّيف بالفلا، # و لا يغبطون القوم إمّا تريّفوا (7)

رذايا هوى إن عنّ برق تطاولوا، # و إن عارضوا الطير الغوادي تعيّفوا (8)

توارك للشّقّ الذي هو آمن، # نوازل بالأرض التي هي أخوف‏

أيا وقفة التّوديع هل فيك راجع # إشارته ذاك البنان المطرّف‏

و هل مطمعي ذاك الغزال بلفتة، # و إن ثوّر الرّكب العجال و أوجفوا

____________

(1) واجد، من الوجد: الحب المتألم-اليفاع: التلّ المشرف.

(2) الأزلم: الدهر الشديد.

(3) مؤلّف: مجتمع، قائم على الألفة.

(4) تبطننا: جفّنا-الجفن: غمد السيف، استعاره لليل-أوطف: دان، قريب.

(5) الطلاح: التعبين، جمع طليح-الأذقان: جمع ذقن-تعسّفوا: ساروا على غير هدى.

(6) وقيذين، جمع وقيذ: الذي مال به النعاس-المعاطين: الشاربين-قرقف:

حمر.

(7) الريف: أرض فيها زرع و خصب.

(8) الرذايا: الضعاف-تعيّفوا، من العيافة: زجر الطير، التكهن.

17

عشيّة لا ينفكّ لحظ مبهّت، # مراقبة منّا، و دمع مكفكف‏

فللّه من غنّى الحداة وراءه؛ # و للّه ما وارى العبيط المسجّف‏ (1)

و سائلة عنّي كأنّي لم ألج # حمى قومها و اليوم بالنّقع مسدف‏

لئن كنت مجهولا بذلّي في الهوى، # فإنّي بعزّي عند غيرك أعرف‏

فلا تعجبي أنّي تعرّقني الضّنى، # فإنّ الهوى يقوى عليّ و أضعف‏

يقرّع باسمي الجيش ثمّ يردّني # إلى طاعة الحسناء قلب مكلّف‏

سلي بي أ لم أنغلّ في لهواتها، # و فحل الرّدى دوني بنابيه يصرف‏ (2)

سلي بي أ لم أحمل على الضّيم ساعدي، # و قد ثلم الماضي، و رضّ المثقّف‏

سلي بي أ لم أثن الأعنّة ظافرا، # تحدّث عن يومي نزار و خندف‏

و حيّ تخطّت بي أعزّ بيوته # صدور المواضي و الوشيج المرعّف‏ (3)

سلي بي أ لم أصبر على الظّم‏ء بعد ما # هوى بالمهاري نفنف ثمّ نفنف‏ (4)

و كلّ غلام مل‏ء درعيه نجدة # و لوثة أعرابيّة و تغطرف‏

على كلّ طاو فيه جدّ و ميعة، # و طاوية فيها هباب و عجرف‏ (5)

و قد أتبعت سمر العوالي زجاجها، # و حنّ من الإنباض جزع معطّف‏

فإن تسمعوا صوت المرنّات تعلموا # بمن جعلت تدعو النّواعي و تهتف‏

لنا الدّولة الغرّاء، ما زال عندها # من الجور واق أو من الظّلم منصف‏

بعيدة صوت في العلى، غير رافع # بها صوته المظلوم و المتحيّف‏

و نحن أعزّ النّاس شرقا و مغربا، # و أكرم أبصار على الأرض تطرف‏

بنو كلّ فيّاض اليدين من النّدى، # إذا جاد ألغى ما يقول المعنّف‏

____________

(1) العبيط: الفتي و السمين من الجمال-المسجّف: الذي عليه السجف أي الأستار.

(2) أنغل: أدخل-لهواتها: مهالكها-يصرف: يصر بأسنانه.

(3) الوشيج المرعف: الرماح التي تقطر دما.

(4) المهاري: الجياد الفتيّة-النفنف: المهوى بين جبلين.

(5) طاو: ضامر-هباب: نشاط-عجرف: كبرياء، شموخ.

18

و كلّ محيّا بالسّلام معظّم، # كثير إليه النّاظر المتشوّف‏

و أبيض بسّام كأنّ جبينه # سنا قمر، أو بارق متكشّف‏

حييّ، فإن سيم الهوان رأيته # يشدّ و لا ماضي الغرارين مرهف‏

لنا الجبهات المستنيرات في العلى، # إذا التثم الأقوام ذلاّ و أغدفوا (1)

أبونا الذي أبدى بصفّين سيفه، # ضغاء ابن هند، و القنا يتقصّف‏ (2)

و من قبل ما أبلى ببدر و غيرها، # و لا موقف إلاّ له فيه موقف‏

ورثنا رسول اللّه علويّ مجده، # و معظم ما ضمّ الصّفا و المعرّف‏

و عند رجال أنّ جلّ تراثه # قضيب محلّى، أو رداء مفوّف‏ (3)

يريدون أن نلقي إليهم أكفّنا، # و من دمنا أيديهم، الدّهر، تنطف‏

فللّه ما أقسى ضمائر قومنا، # لقد جاوزوا حدّ العقوق و أسرفوا

يضنّون أن نعطى نصيبا من العلا، # و قد عالجوا دين العلى و تسلّفوا

و هذا أبي الأدنى الذي تعرفونه # مقدّم مجد أوّل و مخلّف‏

مؤلّف ما بين الملوك إذا هفوا، # و أشفوا على حزّ الرّقاب، و أشرفوا

إذا قال: ردّوا غارب الحلم راجعوا، # و إن قال: مهلا بعض ذا الجدّ وقّفوا

و بالأمس لمّا صال قادر ملكهم، # و أعرض منه الجانب المتخوّف‏

تلافاه حتّى سامح الضّغن قلبه، # و أسمح لمّا قيل لا يتألّف‏

و كان وليّ العقد و العهد بينه # و بين بهاء الملك يسعى و يلطف‏

و لمّا التقى نجوى عقيل لنبوة، # و مدّ لهم حبلا من الغدر محصف‏ (4)

لوى عطفه ليّ القنيّ رقابهم، # و لو لسواه استعطفوا ما تعطّفوا

و سل مضرا لمّا سما لديارها، # فهبّ و نام العاجز المتضعّف‏

تولّجها كالسّيل صلحا و عنوة، # فأبقى و ردّ البيض ظمأى تلهّف‏

____________

(1) التثموا: لبسوا اللثام-أغدف القناع: أرسله على وجهه.

(2) الضغاء: صياح السنور، صوت الذليل-يتقصّف: يتكسّر.

(3) رداء مفوّف: ثوب مزخرف، موشّى.

(4) المحصف: المفتول.

19

له وقفات بالحجيج شهودها # إلى عقب الدّنيا منى و المخيّف‏

و من مأثرات غير هاتيك لم تزل # لها عنق عال على النّاس مشرف‏

حمى فاه عن بسط الملوك و قد كبت # عليها جباه من رجال و آنف‏

زمام علا لو غيره رام جرّه، # لساق به حاد من الذّلّ معنف‏

جرى ما جرى قبلي، و ها أنا خلفه # إلى الأمد الأقصى أغذّ و أوجف‏ (1)

و لو لا مراعاة الأبوّة جزته، # و لكن لغير العجز ما أتوقّف‏

حذفت فضول العيش حتّى رددتها # إلى دون ما يرضى به المتعفّف‏

و أمّلت أن أجري خفيفا إلى العلى، # إذا شئتم أن تلحقوا فتخفّفوا

حلفت بربّ البدن تدمى نحورها، # و بالنّفر الأطوار لبّوا و عرّفوا (2)

لأبتذلنّ النّفس حتّى أصونها، # و غيري في قيد من الذّلّ يرسف‏ (3)

فقد طالما ضيّعت في العيش فرصة، # و هل ينفع الملهوف ما يتلهّف‏

و إنّ قوافي الشّعر ما لم أكن لها # مسفسفة، فيها عتيق و مقرف‏ (4)

أنا الفارس الوثّاب في صهواتها، # و كلّ مجيد جاء بعدي مردف‏

____________

(1) أغذ: أسرع، و كذلك أوجف.

(2) البدن: النياق-الأطوار: الأصناف المختلفة.

(3) يرسف: يمشي مشي المقيّد.

(4) مسفسفة: غير محكمة-العتيق: الجواد الأصيل-المقرف: الضامر.

غ

20

لهفي على ذاك الزمان‏

(الكامل)

وجه الشاعر هذه القصيدة إلى الوزير أبي علي الحسن بن حمد بن أبي الريان، و كان صديقة.

أشكو إليك مدامعا تكف، # بعد النّوى، و جوانحا تجف‏ (1)

و حشا، إذا ذكر الفراق هفا # في جانبيه الشّوق و الأسف‏

فجعت بعلق مضنّة يده، # فأقام لا عوض، و لا خلف‏

كالنّاشط امتنعت موارده، # و نأت عليه الرّوضة الأنف‏

أنس تناقص مع تكامله، # لا بدع إنّ البدر ينكسف‏

لا يبعد اللّه الّذين نأوا، # وقفوا الغرام بنا، و ما وقفوا

أيّ القوى قطعوا، و أيّ دم # سفكوا، و أيّ جراحة قرفوا

لم أنس موقفنا و وقفتهم # بعد النّوى، و دموعنا تكف‏

متساكتين من الوجوم، و قد # نطقت علينا الأدمع الذّرف‏

يا راكب الكوماء، غاربها # كالطّود أوفى فوقه الشّعف‏ (2)

يطأ الظّلام على مفارقه، # و اللّيل في أجفانه وطف‏ (3)

ذرع الدّجى و طوى خميصته، # و لها على قمم الرّبى كفف‏ (4)

حتّى نضا الإظلام صبغته، # و طواه جون اللّيل منكشف‏

ماض، إذا أهوى به كنف # من جنح ليل ضمّه كنف‏

____________

(1) تجف: تضطرب.

(2) الكوماء: الناقة الغليظة السنام-غاربها: حدها، رأسها-الطود: الجبل -الشعف: رءوس الجبال، جمع شعفة.

(3) الوطف: الانسدال و استرخاء الجوانب.

(4) ذرع الدجى: قاسه بالذراع-الخميصة: كساء أسود-الكفف، جمع كفة: ما استدار حول الذيل و استطال من الثوب.

21

أبلغ فتى حمد مذكّرة، # تنقد منها البيض و الزّغف‏ (1)

نفثات مكروب ألظّ به # حرّ الجوى، و علا به الكلف‏ (2)

ما كان أسرع ما نبا زمن، # و تكدّرت من ودّنا نطف‏

حبل، غدا بأكفّنا طرف # منه و في أيدي النّوى طرف‏

هل حسن ذاك الدّهر مرتجع، # أم طيب ذاك العيش مؤتنف‏ (3)

أم هل يباح الورد ثانية، # و يلذّ برد الماء مرتشف‏

لهفي على ذاك الزّمان، و هل # يثني زمانا ماضيا لهف‏

أنبتّ بعدك حبلنا، وحدت # كلاّ لطيّته نوى قذف‏ (4)

و انفكّ سلك نظامنا، بددا، # و لقد غنينا، و هو مؤتلف‏

و تجنّب البتّيّ جانبنا، # و نبا فلا ودّ، و لا شعف‏ (5)

و قلى مجالسنا، و مال به # عطف إلى البغضاء منعطف‏

و أزيح ذاك الأنس أجمعه، # و أميط ذاك البرّ و اللّطف‏

جعل الوصيّة تحت أخمصه، # و أتى الإساءة، و هو معترف‏

إنّا نذمّ إليك خلّته، # فهو الملول الغادر الطّرف‏ (6)

فلعلّنا، و لعلّ مطمعة # يوما بقربك منه ننتصف‏

فسقى ليالينا التي سلفت # فرط من الأنواء أو سلف‏

يحدى بسوط الرّيح تحفزه # هفّافة في سوقها عنف‏

نتج الصّباح عشاره سبلا # جودا، و ألقح شوله السّدف‏ (7)

____________

(1) الزغف: الدروع.

(2) ألظ: أقام، لزم.

(3) المؤتنف: الأخذ من جديد.

(4) قذف: بعيدة.

(5) البتّي: الذي يصنع البتوت، جمع بت: نوع من الثياب الموشّاة-الشعف:

الشغف.

(6) الطرف: الذي لا يثبت على صحبة أحد لسرعة ملله.

(7) السبل: المطر-السدف: الظلام.

22

ندعوك حين الشّمل منشعب، # فتلافنا، و الرّأي مختلف‏ (1)

إن لم تقم تلك الغصون غدا # منهنّ منآد و منقصف‏ (2)

لا تحسبن قولي مماذقة، # و جدي ببعدك فوق ما أصف‏ (3)

السن بالسن‏

(الكامل)

قال على لسان رجل سأله القول في هذا المعنى:

جرّعتني غصصا، و رحت مسلّما، # فلأسقينّك مثلها أضعافا

إن نجتمع يوما أكن لك جذوة # حمراء، توسع جانبيك ثقافا (4)

أنسى التفاتي لا أراك و رجعتي # أبكي الدّيار، و أندب الألاّفا (5)

أنسى ارتفاقي، و العيون هواجع، # و جوانبي عن مضجعي تتجافى‏

أنسى اشتمالي بالسّقام مقيمة # عندي عقائله، و أنت معافى‏

كم قد أردت على التّبدّل خاطري، # فأبى، و زاغ عن البديل و عافا

و رقبته، فرأيته متمنّعا، # و بعثته فوجدته وقّافا

و عذرته بعد الإباء لأنّه # ظنّ الذي يطرى كأنت، فخافا

و لقد جنيت عليّ عمدا لا كمن # عرف الجناية مخطئا فتلافى‏

ما هكذا من كان يزعم أنّه # عين الصّديق و لا كذا من صافى‏

هب لم يكن لك بالوفاء عوائد، # أتراك ما أحسنت أن تتوافى‏

____________

(1) فتلافنا: فاستجب لنا.

(2) منآد: معوج، منحن-منقصف: منكسر.

(3) مماذقة: كذبا.

(4) جذوة: جمرة-ثقافا: طعنا.

(5) الألاف: الأصحاب.

23

و من العجائب أن وفيت لغادر، # نقض العهود و ضيّع الأحلافا

لا كنت من ريب الزّمان بسالم # إن كنت تسلم من يديّ كفافا

بل لا التذذت من الزّمان بشربة، # إن لم أعضك من الزّلال ذعافا (1)

إن حاف لي دهر عليك، فطالما # مال الزّمان عليّ فيك و حافا (2)

طرافة الزمان‏

(الخفيف)

يعاتب صديقا له:

كلّ شي‏ء من الزّمان طريف، # و اللّيالي مغانم و حتوف‏

لا يبذّ الهموم إلاّ غلام، # يركب الهول، و الحسام رديف‏ (3)

كلّما حزّت النّوائب فينا، # أطلعتنا على الكلوم القروف‏ (4)

يا أبا الفضل، و الأمور فنون، # تبعث الهمّ، و الخطوب صروف‏

و حفاظي كما علمت، و لكن # أنكر الغدر ودّي المعروف‏

إنّما الغدر في الرّجال أذبّ، # إن تأمّلت، و الوفاء ألوف‏ (5)

صرّح الاقتضاء، و القول محبو # س على ما تريده موقوف‏

و مرادي يقلّ في جنب نعما # ك، فأين التّكرّم المألوف‏

إنّ قول الجواد يتبعه الفعـ # ل كما يتبع الوظيف الوظيف‏ (6)

____________

(1) الذعاف: السم.

(2) حاف: جار و ظلم.

(3) يبذ: يدفع.

(4) الكلوم: الجروح-القروف: القشر.

(5) الأذبّ: الجاف، الهزيل، غير ألوف.

(6) الوظيف: يقال جاءت الإبل على وظيف اذا تبع بعضها بعضا.

24

ما يذلّ الزّمان بالفقر حرّا، # كيف ما كان فالشّريف شريف‏

إن تكرّمت، فالخليل كريم، # أو تمنّعت، فالملول عنيف‏

أو يكن أنكر الإخاء قديما # منك قلب فإنّ قلبي عروف‏

أحمد اللّه أنّني ما تقصّيـ # ت، و إنّ الذي طلبت طفيف‏

فاجعل الآن ما سألتك برّا، # إنّما البرّ منزل مألوف‏

و احتمل سطوة العتاب فخير الـ # نّبع ما مدّ متنه التّثقيف‏

و عتابي هزّا لعطفك، و الأغـ # صان ما لم تهزّهنّ وقوف‏

الرسول الحريص‏

(الخفيف)

كتب إليه أبو إسحاق الصابي يعتذر من تأخره عن زيارته لعلة عرضت له في شهر ذي القعدة سنة 396.

أقعدتنا زمانة و زمان، # جائر عن قضاء حقّ الشّريف‏ (1)

و لئن ثقّلا عن الخدمة الخط # و لعن خاطر إليها خفيف‏

فاقتصرنا فيما نؤدّي من العر # ض على الكتب و الرّسول الحصيف‏ (2)

و الفتى ذو الشّباب يبسط في التّقـ # صير عذر الشّيخ العليل الضّعيف‏

____________

(1) الزمانة: المرض الملازم، المزمن.

(2) الرسول الحصيف: الرسول الحريص.

غ

25

كل يوم وداع‏

(الخفيف)

فأجابه عن هذه الأبيات و جعل الجواب قصيدة كاملة.

كم ذميل إليكم و وجيف، # و صدود عنّا لكم و صدوف‏ (1)

و غرام بكم، لو انّ غراما # جرّ نفعا للواجد المشغوف‏

صبوة ثمّ عفّة ما أضرّ الحـ # بّ في كلّ خلوة بالعفيف‏

هجرونا، و لم يلاموا، و واصلـ # نا على مؤلم من التّعنيف‏

و طلبنا الوفاء، حتّى إذا عـ # زّ رضينا بالمطل و التّسويف‏

كيف يرجو الكثير من راضه الشّو # ق إلى أن رضي ببذل الطّفيف‏

إنّ بين الحمى إلى جانب الرّمـ # ل معانا من الظّباء الهيف‏

عاطيات بل عاطلات، و ما أغـ # نى الدّمى عن قلائد و شنوف‏ (2)

عارضتك الحدوج بالجزع يحديـ # ن بعزّ يماتهم في السّيوف‏ (3)

سائلات الرّفاق أين مصاب الـ # غيث من جوّ مربع و مصيف‏

و بدور يلطّ من دونها النّقـ # ع و لا يكتفي بلطّ السّجوف‏ (4)

بعدت شقّة الوصال، إذا كا # ن بخوض القنا و خرق الصّفوف‏

و وراء الغبيط من ذلك السّر # ب أجمّ مبرقع بالنّصيف‏ (5)

____________

(1) الذميل و الوجيف: نوعان من السير-الصدوف: أعراض الوجه.

(2) عاطلات: لا حلى عليهن-الشنوف: الأقراط، جمع شنف.

(3) الحدوج: الجمال المحمّلة-الجزع: اسم موضع-يماتهم: أمامهم.

(4) يلط: يستر-النقع: الغبار-السجوف: الأستار.

(5) الغبيط: الرحل يشد عليه الهودج-الأجم: الذي لا قرون له، أي الظبي -النصيف: الخمار.

26

مانع لا يجود بالنّيل، ممنو # ع برّز من القنا و حفيف‏ (1)

من أقاح غمسن في البارد العذ # ب طويلا و من قضيب قضيف‏ (2)

مورد ينقع الغليل، و يزدا # د صفاء على طروق الرّشيف‏

كلّ يوم وداع ركب عجال # بالنّوى أو عناء ركب وقوف‏

فكثير إلى الحمول التفاتي، # و طويل على الدّيار وقوفي‏

لا تولّ الأظعان عينا، فما تر # جع إلاّ بناظر مطروف‏

و دع المرء بالدّيار، فما يجـ # دي على واقف، و لا موقوف‏

و اعدد الجيرة الحضور، إذا ضـ # نّوا عداد النّائين عنك الخلوف‏

شغل الهمّ أهله، و استقلنا الـ # ليل من زورة الخيال المطيف‏

و ضيوف الهموم مذ كنّ لا ينـ # زلن إلاّ على العظيم الشّريف‏

كالجناب الممطور يزدحم الو # رّاد فيه، و المنزل المألوف‏ (3)

لم يثقّف عودي الزّمان، و لكن # ضجّ عود الزّمان من تثقيفي‏

قلت للدّهر يوم رام اختداعي # عن جناني الماضي و نفسي العزوف‏

عد ذميما هبلت و اطلب لشمّ الـ # ذلّ يا دهر غير هذي الأنوف‏ (4)

لم توفّ العشرين سنّي و إنّ الـ # حلم منّي على الجبال لموفي‏

فيّ معنى المشيب حكما و إن كا # ن نهوضي عن الصّبا و خفوفي‏

و إذا البرد كان في اليد و العيـ # ن صنيعا أغنى عن التّفويف‏

هزّ عطفي إلى الأغرّ أبي إسـ # حق ودّ يلوي عليه صليفي‏ (5)

و نزاع يهفو إليه بلبّي، # هفوات المصرصر الغطريف‏ (6)

____________

(1) النّيل: العطاء-الرز: الطعن.

(2) الأقاح: زهر أبيض استعارة للإشارة إلى الأسنان-قضيب قضيف: قامة نحيفة.

(3) الجناب: الناحية.

(4) هبلت: ثكلت، نوع من الدعاء على الغير.

(5) عطفي: جانبي-صليفي: عنقي.

(6) يهفو: يميل-المصرصر: الصقر المصوّت-الغطريف: الجميل الشكل.

27

كيف لا أغلب الزّمان، و هذا الـ # نّدب يغدو على الزّمان حليفي‏

كلم كالنّصول هذّبها القيـ # ن و وجه كالهرقليّ المشوف‏ (1)

إنّ شكواك للزّمان مبين # لي على قدر عقله المضعوف‏

أ يعوم المجهول بحرا، و لا ينـ # قع غلاّ للفاضل المعروف‏

قدّمت غيرك الجدود، و أخّر # ت، و لكن أناف غير منيف‏

و الحظوظ البلهاء من ذي اللّيالي # أنكحت بنت عامر من ثقيف‏

قصف الدّهر فيك رمحا من الكيـ # د و حامى عن المعيب المئوف‏ (2)

إن حرمت الرّزق الذي نال منه # فدواء العييّ داء الحصيف‏ (3)

عمل فاضح و أجمل من بعـ # ض الولايات عطلة المصروف‏

فاصطبر للخطوب، ربّ اصطبار # شقّ فجرا من ليلهنّ المخوف‏

إنّما نلبس الدّروع ثقالا، # لرجوع إلى خفاف الشّفوف‏

كم تحمّلتها بظهر من الصّبـ # ر فخفّت و العب‏ء غير خفيف‏

إن أولى بالصّبر إن حرّجته، # من حشاه منها كثير القروف‏

لم تغب عن سواد قلبي، و إن غبـ # ت معنى نوائب و صروف‏

قرّ عينا بطارقات الشّكايا، # ما تجافت مطرّقات الحتوف‏

أ ترانا نطيق دفعا لما أعـ # يا صلال النّقا و أسد الغريف‏

أمهل النّاقصون و استعجل الدّهـ # ر بسوق للفاضلين عنيف‏

من يكن فاضلا يعش بين ذا النّا # س بقلب جو و بال كسيف‏

كلّما كان زائد العقل أمسى # ناقصا من تليده و الطّريف‏

لا عجيب أنّي سبقت، و أعرقـ # ت جياد المنثور و المرصوف‏

أنت يا فارس الكلام تقدّمـ # ت و أخليت لي مكان الرّديف‏

____________

(1) كلم كالنصول: مشرق كالسيوف-القين: الحدّاد: الهرقلي: الدينار، نسبة الى هرقل ملك الروم-المشوف: المجلو.

(2) المئوف: ما كان فيه آفة، فساد.

(3) الحصيف: الحريص، النبيه.

غ

28

قسما برب الراقصات‏

(الكامل)

يعاتب صديقا له:

قضت المنازل يوم كاظمة # أنّ المطيّ يطول موقفها (1)

لمع من الأطلال يحزننا # محتلّها البالي و مألفها

سبقت مدامعها برشّتها، # من قبل أن يومي مكفكفها

و تكلّفت من صوب ماطرها # فوق الذي يرجو مكلّفها

إن كنت أنفدت الدّموع بها، # فالوجد بعد اليوم يخلفها

لا منّة منّي على طلل، # ديم طلاع العين أذرفها

و لواعج نفسي ينفّسها، # و بلابل دمعي يخفّفها

ظعنوا فللأحشاء مذ ظعنوا # حرق تعسّفها و تعسفها (2)

لا تنشدنّ الدّار بعدهم، # إنّي على الإقواء أعرفها (3)

و علامة للشّوق أضمره، # طربي إلى الإيقاع أشرفها (4)

في كلّ يوم لي غريم هوى، # يلوي الدّيون، و لا يسوّفها

رفقا بقلبي، يا أبا حسن، # العين منك، و أنت تطرفها

فكأنّني بعلائق شعب # قد زال عن أمم تألّفها (5)

و مقوّمات من غصون هوى # يعوجّ أطوارا مثقّفها

في القلب منك جراحة أبدا، # ما زلت أدملها و تقرفها (6)

____________

(1) كاظمة، من كظم غيظه: حبسه، و كاظمة هنا اسم موضع.

(2) تعسّفها: تظلمها، تجور عليها.

(3) الإقواء: خلو الدار.

(4) طربي: حزني-أشرفها: مشرف عليها.

(5) شعب: متفرقة-أمم: قصد، قرب.

(6) أدملها: أغطيها و أداويها-تقرفها: تقشّرها. و في البيت عتاب موجّه إلى صديق.

29

كم من معاقد بتّ تفسخها، # و مواعد بالقرب تخلفها

أمّا الحفاظ، فأنت تمطله، # و المحفظات فأنت تسلفها (1)

سأروم عطف النّفس عنك و إن # كان الغرام إليك يعطفها

و لطالما استصرفتها مللا، # و لئن صحوت فسوف أصرفها

و إذا طلبت بها السّلوّ أبى # إلاّ النّزاع إليك مدنفها (2)

فكأنّ منسيها يذكّرها، # أو ما يؤسّيها يسوّفها

تمضي، و نحوكم تلفّتها، # و إلى لقائكم تشوّفها (3)

فهواكم، و الشّوق يعذرها، # و ذميم فعلكم يعنّفها

هل يعطفنّكم توجّعها، # أو يقبلنّ بكم تلهّفها

فاستبق منها ما يضنّ به، # تلك الصّبابة أنت ترشفها

لا تأمننها إن أسأت بها، # هي ما علمت و أنت تعرفها

إن كان يطمعكم تذلّلها، # فلسوف يفزعكم تغطرفها

و لئن غلا فيكم تهالكها، # فليكثرن عنكم تعفّفها

سأروغ عن ورد الهوان به، # هي غرفة لا بدّ أغرفها

إنّ الهضيمة أن أقاد لها، # قدر لعمرك لا أؤثّفها (4)

يدنو بنفسي لينها كرما، # و يبين عند الضّيم عجرفها

قسما بربّ الرّاقصات هوى، # أمم البناء العود موجفها (5)

يطلبن رابدة الظّليم، إذا # طرق الظّلام أضلّ مسدفها (6)

بلغت على علل السّرى، و غدت # و ملاؤها بالبدن نصّفها

____________

(1) الحفاظ: الأنفة-المحفظات: الأمور التي تغضب.

(2) السلو: النسيان، العزاء-المدنف: المعذب.

(3) التشوف: التطلع، الشوق.

(4) الهضيمة: طعام-أؤثفها: أجعل لها الأثافي و هي حجارة الموقد.

(5) الأمم: القرب-العود: المسن من الإبل-موجفها: مسيرها.

(6) الرابدة: المقيمة-الظليم: ذكر النعام-المسدف: المظلم.

30

يغدو على الإرقال مؤتدما # من نيّها العاميّ نفنفها (1)

ينجو على رمق مقدّمها، # و يقيم معذورا مخلّفها

و بحيث جعجعت العريب ضحى # مثل الحنيّ بلي معطّفها (2)

و بفضل ما أوعى محصّبها، # و أقرّ من قدم معرّفها (3)

إنّي على طول الصّدود لكم # كالنّفس مأمون تحيّفها (4)

أرضى و أغضب في حبابكم، # و رقاب ودّي لا أصرّفها

جاءتكم أسلا مشرّعة، # متوقّعا فيكم تقصّفها

قد بات فيها قائل صنع، # يهمي لهاذمها و يرهفها (5)

أعزز عليّ بأن يكون لكم # بالأمس ثقّفها مثقّفها

و براقعا للعار ضافية # يبقى على الأيّام مغدفها (6)

يجلى لأعينكم مشوّهها، # و لقد يكون لكم مفوّفها (7)

إن تستعيذوا من توسّطها # أعراضكم، فكفى تطرّفها

فتزاجروا من قبل أن تردوا # بموارد مرّ ترشّفها

و تغنّموا إبطاء عارضها، # من قبل أن يمريه حرجفها (8)

فلترجعوا أمما تلوّمها، # و لتقلعوا ندما توقّفها (9)

____________

(1) الإرقال: الإسراع-مؤتدما: طالبا الادام، الطعام-الني: السمن، الشحم -العامي: الطافي، البارز-النفنف: مهوى الجبل.

(2) الحني، جمع حنية: القوس.

(3) المحصّب و المعرّف: الرياح.

(4) التحيّف: التنقص.

(5) الصنع: الماهر، الحذق-يهمي: يصقل-اللهاذم، جمع لهذم حدّ السيف.

(6) مغدفها، من أغدف القناع: أرسله على وجهه.

(7) المفوّف: المزخرف، الموشّى، الجميل المنظر.

(8) عارضها: غيمها-حجرفها: ريحها الباردة.

(9) أمما: عن قريب، بسرعة. يلاحظ الإقواء في هذا البيت.

غ

31

لا تستهبوا الشر

(الطويل)

قال في بعض الأغراض و ذلك في شهر رمضان سنة 394:

أقول لها بين الغديرين و النّقا، # سواد الدّجى بيني و بين المناصف‏

خذي الجانب الوحشيّ لا تتعرّضي # لحيّ حلال باللّوى و الأصالف‏ (1)

أمامك!إنّ الخوف حاد مشمّر، # و ما للمطايا مثل حادي المخاوف‏

فمرّت تظنّ النّسع صوتا أجيله، # فلا عذر إلاّ تتّقي بالعجارف‏ (2)

وقعت بها في أوّل الفجر وقعة، # غشاشا، كما أقضي أليّة حالف‏ (3)

و أشممتها رمل الأنيعم غدوة، # فسافت بأنف منكر غير عارف‏ (4)

أحمّلها الشّوق القديم، فتنبري # بأجلاد عاني القلب جمّ المشاغف‏

كثير التفات الطّرف في كلّ مذهب # بأنّة مصدور على البين لاهف‏

إذا ما دعاه الشّوق راوح كفّه # على لاعج في مضمر القلب لاطف‏ (5)

أعاد له البرق الحجازيّ موهنا # عقابيل أيّام اللّقاء السّوالف‏ (6)

كأنّ به من خطب ظمياء غصّة # يسيغ شجاها بالدّموع الذّوارف‏

كأنّ أثيوابي على ذئب ردهة # دنا اللّيل، فاستنشى رياح التّنائف‏ (7)

____________

(1) الأصالف: الأرض الغليظة.

(2) العجارف، جمع عجرفة: الإقدام في هوج.

(3) غشاسا: على عجلة-أليّة: يمين.

(4) سافت: شمت.

(5) لاطف: داخل.

(6) موهنا: ليلا-العقابيل: بقايا العشق.

(7) الردهة: حفيرة في أرض مرتفعة-التنائف: الأرض الواسعة البعيدة.

32

أقوّمها، حتّى إذا قيل راكب، # تظالعت مرّ المائل المتجانف‏ (1)

عسفنا بإرقال المطيّ، و طالما # صبرنا على ضيم العدى و المخاسف‏ (2)

و ما سرّني أنّي أقيم على الأذى، # و أنّي بدار الهون بعض الخلائف‏

فجوبي الملا أو جاوري بي ربيعة، # و أسرة عيلان الطّوال الغطارف‏ (3)

من البيض، غرّان المجالي، إذا انتدوا # بدا لك بسّامون شمّ المراعف‏

هناك إذا استلبست ألبست فيهم # جناحي عتيق آمن الظّلّ واجف‏ (4)

بحيث إذا أعطى الذّمام حبالة # علقت بها غير البوالي الضّعائف‏

إذا ما طلعت النّقب، و اللّيل دونه، # أمنت العدى إلاّ تلفّت خائف‏

نجوت فكم من عضّة في أنامل # عليك، و لهف من قلوب لواهف‏

أ توعدني بالقارعات بجيلة؟ # لقد ذلّ من عرّضتم للمتالف‏

إذا غضبوا للأمر كان و عيدهم # حبيق الألايا، و ارتعاد الرّوانف‏ (5)

لهم نبعات الشّرّ ينتبلونها # ضروبا، فمن بادي عقوق و راصف‏ (6)

مجاهيل أغفال، إذا ما تعرّضوا، # بأحسابهم أنكرتهم بالمعارف‏

و كم أسرة من غيركم ذات شوكة # دبينا إلى عيدانهم بالقواصف‏ (7)

عطفنا إليها بالعوالي أسنّة، # شروعا كأذناب العظاء الدّوالف‏ (8)

و عدنا بها حمرا تقي‏ء صدورها # دماء العدى قطر الأنوف الرّواعف‏

____________

(1) تظالعت: غمزت في مشيتي-المتجانف: المائل عن الحق.

(2) عسفنا: ملنا-الارقال: الإسراع-المخاسف: الذل و الهوان.

(3) الغطارف: الأسياد، المتخايلون.

(4) العتيق: من جوارح الطير-الواجف: المضطرب.

(5) الحبيق: الضراط-الألايا، جمع ألية: ما تدلّى في العجز من شحم و لحم-الروانف: أسفل الألية.

(6) النبعات: الأصول-ينتبلونها: يتراشقونها.

(7) دبينا: مشينا على مهل-القواصف: السيوف.

(8) العظاء: الإبل التي آلمتها بطونها من أكل العنظوان، و هو نبت من الحمض.

33

و كنّا، إذا داع دعا لوقيعة، # سحبنا لها الأرماح سحب المطارف‏

عجبت لذي لونين خالط شيمتي، # فكشّفت منه مخزيات المكاشف‏

ضممت يدي منه، و كانت غباوة # على ضرب مردود من الورق زائف‏ (1)

يخاوص عين النّار خوفا من القرى # إذا نار قوم أوقدت بالمشارف‏ (2)

و إن آنس الأضياف صمّت كلبه، # و طأطأ أعناق المطيّ الصّوارف‏ (3)

نبذتك نبذ السّنّ بعد انفصامها، # و إنّي لمجذام القرين المخالف‏

إذا المرء مضّته قذاة بطرفه، # فغير ملوم إن رماها بحاذف‏

و ما أنت من جدّي فيرجع راجع # من الرّحم البلهاء بعض العواطف‏

حلفت بمن عجّ الملبّون باسمه # عجيج المطايا من منى و المواقف‏

عجافا كأوتار الحنايا من الطّوى، # على مثل أعجاس القسيّ العطائف‏ (4)

طوى الضّمر من أجوافها بعد ما انتهت # ثمائلها، طيّ البرود اللّطائف‏ (5)

ترى كلّ مجهود، إذا منّه السّرى، # أكبّ على السّرجين إكباب راعف‏ (6)

و ربّ الهدايا المشعرات نكبّها # عجالا، و ربّ الرّاقصات الخوانف‏ (7)

و ما بالصّفا من حالق و مقصّر، # و من ماسح ركن العتيق و طائف‏

و ساع إلى أعلام جمع، و دافع، # و ماش على جنبي ألال و واقف‏ (8)

لأعراضكم عندي أشدّ مهانة # من الحنظل العاميّ عند النواقف‏

____________

(1) الورق: الفضة-زائف: مغشوش.

(2) يخاوص: يغض-المشارف: الأرض العالية.

(3) الصوارف، جمع صروف: الناقة البيّنة الصريف و هو صرير الناب.

(4) عجاف: ضعاف-الطوى: الجوع-الأعجاس: الاعجاز.

(5) الثمائل: بقية الطعام و الشراب في البطن.

(6) منّه: أضعفه، و قد وردت في نسخة أخرى: مضّه.

(7) الهدايا: النياق-الخوانف: من خنف البعير إذا قلب خفّه و هو يسير، و الخوانف أيضا هي اللاوية أنوفها من الذمام نشاطا.

(8) ألال: جبل بعرفات.

غ

34

فلا تستهبّوا الشّرّ من رقداته، # فيسحتكم سحت السّنين الخوالف‏ (1)

قوافي يقطرن السّمام كأنّها # ملاغم حيّات الرّمال الزّواحف‏ (2)

فكم حمضة منكم لنا بقرارة، # يعود إليها ناشط بعد قاطف‏ (3)

و إيّاكم أن تحملوا من قوارضي # على ظهر زعراء الملاطين شارف‏ (4)

تخبّ بجانيكم، و في كلّ ساعة # يتاح لها منكم براق و رادف‏

دعوا السّلف القمقام تسري رفاقه # لنيل المعالي، و اقعدوا في الخوالف‏ (5)

و ذاك أديم لم تكونوا سراته، # بلى، ربّما استأثرتم بالزّعانف‏ (6)

تغطّوا و لا تستكشفوني عواركم، # فما جلبة إلاّ لها ظهر قارف‏ (7)

و إن مدّت الأيّام بيني و بينكم # أطلت بكاء العاجز المتهاتف‏

ذم بعض الناس‏

(البسيط)

قال يذم بعض الناس و هي من قديم قوله رضي اللّه تعالى عنه:

اللّه يعلم ميلي عن جنابكم، # و لو تناهيت لي في البرّ و اللّطف‏

فكيف بي، و على عينيك ترجمة # من الحقود و عنوان من الشّنف‏ (8)

____________

(1) سحت: أهلك-الخوانف: المجدبة.

(2) الملاغم: ما حول الفم.

(3) الحمضة: الشهوة للشي‏ء، الباطن الفاسد-القرارة: الداخل السّيئ.

(4) زعراء: عارية من الشعر-الملاطين: جانبي السّنام.

(5) القمقام: الكثير العدد.

(6) الأديم: الجلد-الزعانف: طرف الجلد.

(7) الجلبة: القشرة تعلو الجرح عند البرء-القارف: القاشر.

(8) ترجمة: مظاهر، علامة-الشنف: الحقد، الكره.

35

أطيف منك بوجه غير ملتفت # إلى المناجي، و عطف غير منعطف‏ (1)

فما أغبّك من عذر و لا شغل، # و لا أزورك من وجد و لا شغف‏ (2)

قد كان قبلك مرجوّ فواضله، # راق إلى المجد طلاّع إلى الشّرف‏

تمرّ نفحة نعماه، إذا خطرت # من القبول بجنبي روضة أنف‏ (3)

إن تستعضك المعالي بعد ذاك، فقد # أفحشن في بدل منه، و في خلف‏

يهشّ للمرء تفريه أظافره، # كما تهشّ سباع الطّير للجيف‏

إذا نجا من يديه غير منعقر # أفنى أنامله عضّا من الأسف‏

يظنّ أنّي وصّال به سببي، # إنّي إذا من أمير المؤمنين نفي‏

إذا لبست جمالا أنت ملبسه، # فإنّني قد طرحت المجد عن كتفي‏

لا قدّس اللّه نفسا منك جامعة # كيد البغال إلى ذي الجلّة الشّرف‏ (4)

و لا سقى الغيث دارا أنت ساكنها # إلاّ بأغبر ناريّ الذّرى قصف‏

____________

(1) أطيف: ألمّ.

(2) أغبّك: أزورك من حين إلى آخر.

(3) الروضة الأنف: هي التي لم ترعها الماشية.

(4) ذي الجلّة الشرف: البعير العظيم العالي السنام.

غ

36

قافية القاف‏

ابن ام الندى‏

(الكامل)

وجّه الشريف هذه القصيدة إلى أمير المؤمنين القادر باللّه، و فيها يصف مجلسه، و قد وصله الناس من أهل خراسان قادمين من الحج. و قد نظمها في شهر صفر سنة 382.

لمن الحدوج تهزّهنّ الأنيق، # و الرّكب يطفو في السّراب و يغرق‏ (1)

يقطعن أعراض العقيق، فمشئم # يحدو ركائبه الغرام و معرق‏ (2)

أبقوا أسيرا بعدهم لا يفتدى # ممّا يجنّ، و طالبا لا يلحق‏

يهفو الولوع به فيطرف طرفه، # و يزيد جولان الدّموع، فيطرق‏

و وراء ذاك الخدر عارض مزنة، # لا ناقع ظمأ، و لا متألّق‏

و محجّب، فإذا بدا من نوره # للرّكب ملتهب المطالع مونق‏ (3)

خرّوا على شعب الرّحال و أسندوا # أيدي الطّعان إلى قلوب تخفق‏

هل عهدنا بعد التّفرّق راجع، # أو غصننا بعد التّسلّب مورق‏ (4)

____________

(1) الحدوج: الأحمال-الأنيق: جمع نياق.

(2) مشئم: متجه نحو الشام-معرق: متجه نحو العراق.

(3) مونق: مشرق، جميل.

(4) التسلب: سقوط ورق الشجر أو ثمرها.

37

شوق أقام، و أنت غير مقيمة، # و الشّوق بالكف المعنّى أعلق‏

ما كنت أحظى في الدّنوّ فكيف بي # و اليوم نحن مغرّب و مشرق‏

من أجل حبّك قلت عاود أنسه # ذاك الحمى و سقي اللّوى و الأبرق‏

طرق الخيال ببطن وجرة بعد ما # زعم العواذل أنّه لا يطرق‏ (1)

أ تحنّنا بعد الرّقاد، و قسوة # أيّام أصفيك الوداد و أمذق‏ (2)

أنّى اهتديت، و ما اهتديت، و بيننا # سور عليّ من الطّعان و خندق‏

و مطلّحين لهم بكلّ ثنيّة # ملقى، و سادته الثّرى و المرفق‏

أو قابضين على الأزمّة، و الكرى، # يغشى أكفّهم النّعاس، فتمرق‏ (3)

أوموا إلى الغرض البعيد، فكلّهم # ماض يخبّ مع الرّجاء و يعنق‏ (4)

و إلى أمير المؤمنين نجت بهم، # ميل الجماجم، سيرهنّ تدفّق‏

كنقانق الظّلمان أعجلها الدّجى، # و حدا بها زجل الرّواعد مبرق‏ (5)

يطلبن زائدة المكارم و النّدى، # حيث استقرّ بها العلاء المعرق‏

الزاخر الغدق الذي يروى به # ظمأ المنى، و الوابل المتبعّق‏ (6)

أ بغاة هذا المجد إنّ مرامه # دحض يزلّ الصّاعدين و يزلق‏ (7)

هيهات ظنّكم تمرّد مارد # من دون نيلكم، و عزّ الأبلق‏ (8)

لا تحرجوا هذي البحار، فربّما # كان الذي يروي المعاطش يغرق‏

و دعوا مجاذبة الخلافة، إنّها # أرج بغير ثنائهم لا يعبق‏

____________

(1) وجرة: موضع تكثر فيه الظباء.

(2) أمذق: لا يكون الود و فيا.

(3) تمرّق: تعرى، يذهب نعاسها.

(4) الخب و العنق: نوعان من السير.

(5) النقانق، جمع نقنق: النافر من الظلمان، و الظلمان ذكور النعام.

(6) المتبعق: الدافع، الهاطل.

(7) دحض: زلق.

(8) مارد و الأبلق: حصنان يضرب بهما المثل في الامتناع لمن رام شيئا فأعجزه.

38

غنيت بهم تحتزّ دون منالها # قمم العدى، و يردّ عنها الفيلق‏

كعقائل الأبطال تجلب دونها # بيض القواضب و القنا المتدفّق‏

فهم لذروتها التي لا ترتقى # أبدا، و بيضتها التي لا تفلق‏

أشفت، فكنت شفاءها، و لقد ترى # شلوا بأظفار العدوّ يمزّق‏

كنت الصّباح رمى إليها ضوأه، # و مضى بهبوته الظّلام الأورق‏ (1)

فسنامها لا يمتطى، و نباتها # لا يختلى، و فناؤها لا يطرق‏ (2)

و وزنت بالقسطاس غير مراقب، # و العدل مهجور الطّريق مطلّق‏ (3)

في كلّ يوم للعدوّ، إذا التوى، # بظباك يوم أوارة و محرّق‏ (4)

أنتم موادع كلّ خطب يتّقى، # و بكم يفرّج كلّ باب يغلق‏ (5)

و أبوكم العبّاس ما استسقى به # بعد القنوط قبائل إلاّ سقوا

بعج الغمام بدعوة مسموعة، # فأجابه شرق البوارق مغدق‏

ما منكم إلاّ ابن أمّ للنّدى، # أو مصبح بدم الأعادي مغبق‏

للّه يوم أطلعتك به العلى # علما، يزاول بالعيون و يرشق‏

لمّا سمت بك غرّة موموقة، # كالشّمس تبهر بالضّياء و تومق‏ (6)

و برزت في برد النبيّ، و للهدى # نور على أطرار وجهك مشرق‏

و على السّحاب الجود ليث معظّما # ذاك الرّداء، و زرّ ذاك اليلمق‏ (7)

____________

(1) الأورق: الذي يخالط سواده بياض. و قد وردت الأروق من ورق الليل أي أظلم.

(2) لا يختلى: لا ينزع-لا يطرق: لا يدخل.

(3) القسطاس: الميزان.

(4) الظبى، جمع ظبة: حد السيف-أوارة: حر شديد.

(5) الموادع، جمع ميدع: الثوب الخلق، و ما يصان به الثوب. و عدم موافقة اللفظة للمعنى تجعلنا نعتقد أن الأصل هو: موانع.

(6) تومق: تبهر.

(7) اليلمق: ثوب يلبس فوق الثياب.

39

و كأنّ دارك جنّة، حصباؤها # الجاديّ، أو أنماطها الإستبرق‏ (1)

في موقف تغضي العيون جلالة # فيه، و يعثر بالكلام المنطق‏

و كأنّما فوق السّرير، و قد سما # أسد على نشزات غاب مطرق‏

و النّاس إمّا راجع متهيّب، # ممّا رأى، أو طالع متشوّق‏

مالوا إليك محبّة، فتجمّعوا، # و رأوا عليك مهابة، فتفرّقوا

و طعنت من غرر الكلام بفيصل # لا يستقلّ به السّنان الأزرق‏

و غرست في حبّ القلوب مودّة، # تزكو على مرّ الزّمان و تورق‏

و أنا القريب إليك فيه، و دونه # ليدي عدوّك طود عزّ أعنق‏ (2)

عطفا، أمير المؤمنين، فإنّنا # في دوحة العلياء لا نتفرّق‏

ما بيننا، يوم الفخار، تفاوت، # أبدا كلانا في المعالي معرق‏ (3)

إلاّ الخلافة ميّزتك، فإنّني # أنا عاطل منها، و أنت مطوّق‏

مودات القلوب‏

(الرجز)

في هذه القصيدة يهنئ ملك الملوك قوام الدين بالنيروز، و ذلك في شعبان سنة 401.

رأى على الغور وميضا، فاشتاق، # ما أجلب البرق لماء الآماق‏ (4)

ما للوميض، و الفؤاد الخفّاق # قد ذاق من بين الخليط ما ذاق‏

____________

(1) الجادي: المطر-الاستبرق: الديباج الغليظ-ثياب من حرير و ذهب.

(2) الأعنق: العالي، الأكمة فوق جبل عال.

(3) معرق: عريق، أصيل.

(4) ماء الآماق: كناية عن الدموع.

40

داء غرام ما له من إفراق، # قد كلّ آسيه، و قد ملّ الرّاق‏ (1)

لآل ليلى في الفؤاد أعلاق # تزيد من حيث تقضى الأشواق‏

قامت ترائيك بقلب مقلاق، # و للوداع عجل و إرهاق‏

من ثقب الدّرّ النّقيّ برّاق، # يرمي القلوب، و أسيلا رقراق‏

يقوم للّيل مقام الإشراق، # حيّ، إذا قام الوغى على ساق‏

ردّوا القنا و طاعنوا بالأحداق، # أحبّهم على الضّنا و الإيراق‏

حبّ الضّنين المال بعد الإملاق؛ # إنّ مودّات القلوب أرزاق‏ (2)

من منصفي من الملول المذّاق # قلبي و طرفي من جوى و إقلاق‏ (3)

في غرق ما ينقضي و إحراق، # يضنّ حتّى بالخيال الطّرّاق‏

رمى الإله بالرّميض الذلاق # كلّ غراب بالزّيال نعّاق‏ (4)

يا ناق أدّاك المؤدّي، يا ناق، # ما ذا المقام، و الفؤاد قد تاق‏

هل حاجة المأسور إلاّ الإطلاق، # ألهاك عن ليل السّرى و الإعناق‏ (5)

مناشط الشّيح، و رعي الطّبّاق، # سيري إلى ورد الجموم الفهّاق‏ (6)

حمل المساعي غير حمل الأوساق، # بحيث تسري للعلاء أعراق‏

نور الغواشي و مساك الأرماق # من معشر باتوا بليل العشّاق‏

____________

(1) آسيه: طبيبه-الراق: الذي يصنع الرقية، و هي وسيلة تساعد على تحقيق أمر يبدو مستحيلا أو غامضا، و الراقي كان يقوم مقام الطبيب في زعم بعضهم.

(2) الإملاق: الفقر، الحاجة-أرزاق: حظوظ.

(3) الملول: السريع الملل-المذاق: الذي لا يخلص الود.

(4) الزيال: الفراق. و قد وردت في نسخة أخرى كلمة نغاق بدل نعاق، و الا فرق.

(5) السرى: السيد ليلا-الأعناق: السير السريع.

(6) الطبّاق: شجر ينبت في جبال مكة فيه منافع جمة-الجموم: معظم الماء-الفهاق: الممتلئ.

41

إلى المعالي و النّدى بالأشواق، # كانوا إذا أظلم ليل الطّرّاق‏

شهب الدّياجي، و نجوم الآفاق؛ # بيض وجوه كالظّبى و أعناق‏

أطوع من تيجانها و الأطواق، # سيّان منهم سابق و لحّاق‏

من قاد غير المجد منهم أو ساق، # مهلا إلى أين الصّعود يا راق‏

ضلّ المجارون و قام السّبّاق، # لم يلحقوا يوما غبار الأطلاق‏

إلاّ قذى لناظر، أو حملاق، # قد رجعوا عنك بليّ الأعناق‏

هيهات!فات الأعوجيّ المعناق # سهم من اللّه بعيد الإغراق‏ (1)

أعطى ديون القوم خصل الأسباق، # مسعاة مجد عاق عنها ما عاق‏ (2)

خطبتها على النّجيع المهراق # غرّاء ما ناكحها بمطلاق‏

ليس لها إلاّ الجزار الذّلاق، # يضرحها ضرح القذى من الماق‏ (3)

ضربا أخاديد و طعنا شهّاق، # نائي القرارات بعيد الأعماق‏

يذكرنا وابل طعن دفّاق، # يوم الزّويرين و يوم التّحلاق‏ (4)

جماجما من العريب أقلاق، # أنذرتهم وثب هريت الأشداق‏ (5)

طوي من الإدماج طيّ المخراق، # صلّ على حتف العدوّ مطراق‏ (6)

محاذر اللّحظ مرجّى الإطلاق، # سحائب تشئم بعد إعراق‏

لنا حياها، و الزّلال الغيداق، # و للعدى إرعادها و الإبراق‏

في كلّ يوم ذو الجلال الخلاّق # يبري لقوس المجد منكم أفواق‏

أرقني طولك بعد الإعتاق، # أساغ ريقي و الخناق قد ضاق‏

فانعم بنيروز إليك مشتاق، # و الق به من خير ما يلقى اللاّق‏

____________

(1) الإغراق: مدّ القوس إلى أقصى ما يمكن.

(2) الخصل، من تخاصل: تراهن.

(3) الجراز الذلاق: السيف السريع القطع-يضرحها: يدفعها-الماق: العين.

(4) يوم الزويرين و يوم التحلاق: من أيام العرب.

(5) هريت الأشداق: واسعها، و المراد به الأسد.

(6) الإدماج، من أدمجه: لفّه، فتله جيدا-المخراق: الثور البري.

42

فما وقيت، فالعدى بلا واق؛ # عهد على الأيّام باقي الميثاق‏

أن لا يرى غصنك ذاوي الأوراق # ضوى من الإثمار بعد الإيراق‏

ما أهون الفاني، إذا كنت الباق‏

تخذوا المجد أبا

(مجزوء الرمل)

وجه الرضي هذه القصيدة الى ملك الملوك قوام الدين، في ذي الحجة سنة 402.

خلّ دمعي و طريقه، # أ حرام أن أريقه‏

كم خليط بان عنّي # ما قضى الدّمع حقوقه‏ (1)

يا شقيقي، و القنا يغـ # ضب في العدل شقيقه‏

عاصيا ناصحه الأقـ # رب ودّا، و رفيقه‏

من لبرق هبّ وهنا # من أبانين و سوقه‏ (2)

من شريقيّ الحمى ينـ # شد نجدا و عقيقه‏

من غمام كالمتالي، # ينقل اللّيل و سوقه‏ (3)

لاح، فاقتاد فؤادا، # عازب اللّبّ مشوقه‏ (4)

طال ذكر النّفس أر # واح زرود و بروقه‏ (5)

____________

(1) الخليط: الجماعة من الناس-بان: بعد.

(2) وهنا: ليلا-الابانان: جبلان-سوقة: موضع.

(3) المتالي: الإبل التي نتج بعضها و بعضها الآخر لم ينتج، و المتالي أيضا هي الأمّات إذا تلاها أولادها.

(4) العازب: الغائب.

(5) زرود: اسم موضع.

43

و عقابيل غرام # يذكر القلب حقوقه‏ (1)

و خيال دلّس القلـ # ب على العين طروقه‏

كذب يحسبه الصّ # بّ من الشّوق حقيقة

أنعمي، يا سرحة الحـ # يّ، و إن كنت سحيقه‏

أتمنّى لك أن تبـ # قي على النّأي و ريقه‏

ثمر حرّم واشيـ # ك علينا أن نذوقه‏

يا قوام الدّين و؟؟؟الفا # رج للدّين مضيقه‏

أنت راعيه و هاديـ # ه، إذا ضلّ طريقه‏

من رجال ركبوا المجـ # د، فما ذمّوا عنيقه‏ (2)

معشر كانوا قبيل الـ # عزّ قدما و فريقه‏

و ملوك في ثراهم # ضرب المجد عروقه‏

و مغاوير الحفيظا # ت و فرسان الحقيقه‏ (3)

حسب يحسب من فيـ # ه، و أعراق عريقه‏

من ترى يدفع روقيـ # ه، و من يطلع نيقه‏ (4)

لهم الأيدي الطّوال الطّو # ل، و البيض الذّليقه‏

و مواريث مقاري اللّيـ # ل، و النّار العتيقه‏

بوجوه واضحات # في دجى الأزل طليقه‏ (5)

و أكفّ منفقات # في النّدى الغمر عريقه‏

و بأخلاق رقاق # دون أعراض صفيقه‏

تخذوا المجد أبا ما اسـ # تحسنوا قطّ عقوقه‏

____________

(1) العقابيل: بقايا العلّة، بقايا الحب.

(2) عنيقه: رأسه، ذروته.

(3) الحقيقة: ما يحق لك أن تحميه.

(4) الروق: القرن-النيق: أرفع موضع في الجبل.

(5) الازل: الضيق و الشدّة-طليقة: حرّة، مشرقة.

44

إنّ فيهم مولد الملـ # ك، و من قبل علوقه‏

ناشئا تسلمه الأ # مّ إلى الظّئر الشّفيقه‏ (1)

هم رموا عنّي جليل الخط # ب يدمى، و دقيقه‏

طردوا الأيّام عن ور # د دمى طرد الوسيقه‏ (2)

أطلقوني من إسار الـ # دّهر إطلاق الرّبيقه‏ (3)

هل نهى الأعداء سا # قي علق ذمّوا رحيقه‏

فيلق جرّ على أر # بق أذيال الفليقه‏ (4)

مثل أعداد نجوم الـ # ليل أو رمل الشّقيقه‏ (5)

احذر الشّمس بجون # يعجل اللّيل غسوقه‏ (6)

جلب الخيل ليوم، # قد أقام الضّرب سوقه‏

مطلت بالوعد، حتّى # نسي القود عليقه‏ (7)

في هجير من أوار الـ # طّعن فوّار الوديقه‏ (8)

كلّ صدر بالعوالي # يسمع الطّعن شهيقه‏

فيه نجلاء رموح # بالأسابيّ عميقه‏ (9)

مجّة النّاهل في المحـ # ض أراب مستذيقه‏ (10)

قد أفاقوا و الظّبى من # هامهم غير مفيقه‏

____________

(1) الظئر الشفيقة: المرضعة صاحبة الشفقة

(2) الوسيقة: جماعة الإبل.

(3) الربيقة: الدابة المربوطة.

(4) الفيلق: الجيش-أربق: اسم بلدة بفارس-الفليقة: العجيبة.

(5) الشقيقة: الفرجة بين جبلين مرملين.

(6) الجون: النهار-غسوقة: من الغسق.

(7) القود: الماشية التي تقاد و لا تركب.

(8) أوار: حرّ-الوديقة: الدم، و الودق هو المطر استعاره للدم.

(9) نجلاء: واسعة-الأسابي: السيلان.

(10) المحض: اللبن.

غ

45

رجعوا من عزّة الفحـ # ل إلى ذلّ الطّروقه‏

قلت للمختبط الطّا # لب قد أوضع نوقه‏

فاتك البرق، فمن ير # جو، و قد فات لحوقه‏

سبق السّيل فأعيا # كلّ باغ أن يعوقه‏

لا تعاط اليوم عبـ # ئا أبدا لست مطيقه‏

و هضابا تزلق الطّر # ف، و أطوادا زليقه‏

حسب الأوشال جهلا # كالعياليم العميقه‏ (1)

و مدى الجازر تدمى، # كالمباتير الرّقيقه‏

ضلّة الزّائد قد خا # طر بالبكر فنيقه‏ (2)

عشت تستدرك فينا # خطل الدّهر و موقه‏ (3)

لابسا درّاعة البخـ # ل، و رقّاعا خروقه‏

في معال باقيات # للعدى غير مذيقه‏

واثقا بالدّهر تعطى # من رزاياه وثيقه‏

كلّما عفت صبوح الـ # عمر عوطيت غبوقه‏ (4)

مطلع الشّارق، إن غا # ب رجا النّاس شروقه‏

آمن المرتع ترعى # روضة العزّ أنيقه‏

إن يكن عيدا، فأيّا # مك أعياد الخليقه‏

إنّها أنوار أحـ # داق و نوّار حديقة

إنّ نعّاق الأعادي، # أسكت الذّلّ نعيقه‏

لفظ الملك شجاه، # و أساغ اليوم ريقه‏

____________

(1) الأوشال؛ جمع وشل: الماء القليل يتحلّب من جبل أو صخر-العياليم، جمع عيلم: البحر، البئر الكثيرة الماء.

(2) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي و لا يركب.

(3) خطل الدهر: ضعفه، اختلافه-الموق: الحمق، الغباوة.

(4) الصبوح و الغبوق: ما يتعلق بالصباح و المساء.

غ

46

فرع أشار إلى السماء

(الكامل)

في هذه القصيدة يمدح الشاعر أباه و يذم عدوّا له، نظمها في سنة 375.

يا دار ما طربت إليك النّوق، # إلاّ و ربعك شائق و مشوق‏

جاءتك تمرح في الأزمّة و البرى، # و الزّجر ورد و السّياط عليق‏ (1)

و تحنّ ما جدّ المسير، كأنّما # كلّ البلاد محجّر و عقيق‏ (2)

دار تملّكها الفراق فرقّها # بالمحل من أسر الغمام طليق‏ (3)

شرقت بأدمعها المطيّ، كأنّما # فيها حنين اليعملات شهيق‏

خفقت يمانية على أرجائها، # و طغت عليها زعزع و خريق‏ (4)

في كلّ إصباح و كلّ عشيّة، # يسري عليها للدّموع فريق‏

سخط الغراب على المساقط بينها، # فله بإنجاز الفراق نعيق‏

فتوزّعت تلك القذاة نواظر، # و تقسّمت تلك الشّجاة حلوق‏

الآن أقبل بي الوقار عن الصّبا، # فغضضت طرفي و الظّباء تروق‏

و لو انّني لم أعط مجدي حقّه # أنكرت طعم العزّ حين أذوق‏

رمت المعالي فامتنعن و لم يزل # أبدا يمانع عاشقا معشوق‏

و صبرت حتّى نلتهنّ و لم أقل # ضجرا: دواء الفارك التّطليق‏ (5)

ما كنت أوّل من جثا بقميصه # عبق الفخار، و جيبه مخروق‏

كثرت أمانيّ الرّجال، و لم تزل # متوسّعات، و الزّمان يضيق‏

____________

(1) البرى: التراب.

(2) محجّر و عقيق: موضعان.

(3) رقّها: رققها.

(4) يمانية: اسم ريح-خريق: الريح الباردة و الشديدة الهبوب.

(5) الفارك: المرأة التي تبغض زوجها.

47

من كلّ جسم تقتضيه حفرة، # فكأنّه من طينها مخلوق‏

و مفازة تلد الهجير خرقتها، # و الأرض من لمع السّراب بروق‏

بنجاء صامتة البغام كأنّها، # و الآل يركض في الفلاة، فنيق‏ (1)

سبقت إليك العزم طائشة الخطى # فنجت و أعناق المطيّ تفوق‏ (2)

جذبت بضبعي من تهامة قاصدا، # و النّجم في بحر الظّلام غريق‏ (3)

مستشريا برقا تقطّع خيطه، # فله على طرر البلاد شروق‏ (4)

هزّ المجرّة أفقه، و كأنّها # غصن بأحداق النّجوم وريق‏

مجّ الظّلام الفجر عنه، كأنّما الـ # أضواء في شفة العياطل ريق‏ (5)

و الليل محلول النّطاق عن الضّحى # عار، و عقد الصّبح فيه وثيق‏

ما كان إلاّ هجعة، حتّى انثنى، # و الطّرف من سكر النّعاس مفيق‏

و تماسكت تلك العمائم بعد ما # أرخى جوانبها كرى و خفوق‏

ما رفّهت ركبانها، إلاّ و في # جلد الظّلام من الضّياء خروق‏

يا ناق عاصي من يماطلك السّرى، # فلحيق غيرك بالعقال خليق‏

وردي حياض فتى معدّ كلّها، # فالحبل أتلع، و القليب عميق‏ (6)

و إذا تراخت حبوتي أوثقتها # بفناء بيت تربه العيّوق‏ (7)

في بلدة، حرم على أعدائه # و على النّوائب ربوة إزليق‏

تتزاحم الأضياف في أبياته، # فرقا تحنّ إلى القرى و تتوق‏

____________

(1) النجاء: الناقة السريعة-البغام: الصوت-الآل: السراب-فنيق: فحل مكرّم.

(2) تفوق: تمضي، ترتفع.

(3) الضبع: الإبل الشديد الجري.

(4) مستشريا: طالبا لمعان البرق-طرر البلاد: الآفاق.

(5) العياطل: الظلام. يلاحظ تشخيص الظلمة و استعارة الريق للأضواء.

(6) الحبل أتلع: طويل-القليب: البئر.

(7) العيوق: اسم نجم عال.

48

و إذا رآهم لم يقل متمثّلا: # أ بني الزّمان لكلّ رحب ضيق‏

عجبا لربعك كيف تخصب أرضه # و جنابه بدم السّوام شريق‏

و الخيل تعلم أنّ حشو ظهورها # منه نهى، ينجاب عنها الموق‏ (1)

ما زال يجنبها إلى أعدائه، # و الشمس تسحب و الفلاة تضيق‏

من كلّ رقّاص كأنّ صهيله # نغم و ما مجّ الطّعان رحيق‏

طرف تعوّد أن يخلّق وجهه # في حيث ينضو النّقع و هو سبوق‏ (2)

ذو جلدة حمراء تحسب أنّها # من طول تخليق الرّهان خلوق‏

و اليوم ملطوم السّوالف بالظّبى، # و اللّيل مرتعد النّجوم خفوق‏

لقطت نفوسهم شفاه صوارم # فرغت و أسياف العوامل روق‏ (3)

في كلّ يوم يندبون مصارعا، # للوحش فيها و النّسور طروق‏

نشوانة الأعطاف من دم فتية # فيهم صبوح للرّدى و غبوق‏

تبكي عليها، غير راحمة لها، # بالهاطلات رواعد و بروق‏

و تبلّغت آراؤه، فكأنّها # طلعت و في سجف الغيوب فتوق‏

و يكرّ و الفرس الجواد مبلّد، # و يقدّ و العضب الحسام معوق‏

كرّات من شدّت قوائم عزمه، # فلها رسيم في العلى و عنيق‏ (4)

كفّاه أدّبتا السّهام، فما لها # في النّبض عن خطإ البنان مروق‏

لو لا احتذاء السّهم طاعة قوسه، # ما شيّع النّصل المصمّم فوق‏ (5)

يدني الحمام بكفّه مترسّل # لقضائه، نائي السّنان رشيق‏

نفضت على الأيّام منه شمائل # أبرزن وجه الدّهر و هو طليق‏

و أقام أسواق الضّراب فللرّدى # فيهنّ من سبي النّفوس رقيق‏

____________

(1) الموق: الحمق، الغباوة.

(2) الطرف: الجواد الخفيف و السريع.

(3) روق: ملوّثة بالدماء.

(4) الرسيم و العنيق: نوعان من السير.

(5) الفوق: موضع الوتر من السهم.

49

نفسي فداؤك أيّ يوم لم تقم # لك فيه من جلب القواضب سوق‏

قمر يهاب الموت ضوء جبينه، # و اليوم خوّار العجاج غسوق‏ (1)

و السّيف ليس يهاب قبل قراعه # حتّى يمسّ العين منه بريق‏

عشق السّماح، و كلّ سحر للمنى # فيه بأنفاث السّؤال يحيق‏

طهّرت قلبي مذ علمت بأنّه # لسرى مدائحه العظام طريق‏

كم كاهل للشّعر أثقل نعته # عطفيه، و هو لما يؤدّ مطيق‏ (2)

طأطأت فرع المجد، ثمّ جنيته، # فارتدّ و هو على عداك سحوق‏ (3)

فرع أشار إلى السّماء فجازها، # حتّى كأنّ له النّجوم عروق‏

و مبخّل شهدت عليه يمينه # في حيث يمنعها النّدى و يعوق‏ (4)

يبكي إذا بكت السّحاب كأنّه # أبدا على طرف الغمام شفيق‏

و إذا تعرّض عارض أغضى له # ألاّ يرى الأنواء كيف تريق‏

لو أبدت الأيّام جانب وجهه، # لتشبّثته مظالم و حقوق‏

إن سار سار إلى النّزال بخفية، # حتّى كأنّ سلاحه مسروق‏

بيت أقام البخل فيه، فاستوى # بفنائه المحروم و المرزوق‏

يرجو بلوغ نداك، و هو محقّق # مع حرصه أنّ الجواد عتيق‏

في الطّينة البيضاء غرسك، إنّه # غرس تداوله البقاع عريق‏

فإذا التثمت فكلّ وجه باسل؛ # و إذا حسرت فكلّ خدّ روق‏ (5)

اللّه جارك، و المطيّ جوائر، # و النّصر درعك، و الحسام ذليق‏

لا زلت تجنب من سيوفك في العدى # نحرا يخبّ وراءه التّشريق‏

و إذا جهرت بصوت عزمك مسمعا، # أصغى إليك اليمن و التّوفيق‏

شرّفت مدحي فاعتلى بك طوده، # و من المدائح فائق و مفوق‏

شهدت له خيل الخواطر أنّه # خير الصّهيل، و ما سواه نهيق‏

____________

(1) غسوق: مظلم.

(2) يؤدّ: يثقل.

(3) السحوق: الطويل.

(4) المبخّل: شديد البخل.

(5) الباسل: الكريه المنظر-الروق، جمع روقة: الجميل، الرائق.

غ

50

الدهر ثوب‏

(السريع)

وضع هذه القصيدة في مدح الملك قوام الدين أيضا.

لو صحّ أنّ البين يعشقه، # ما استعبرت في السّير أينقه‏ (1)

قمر على غصن يرنّحه # مرّ اللّحاظ، و ليس يرشقه‏

طأطأت لحظ العين حين خطا، # و البين يرمقني و يرمقه‏

و أذبت دمعي يوم ودّعني، # في صحن خدّ ذاب رونقه‏

ودّعته، و البدر تحسبه # متقاعسا في الفجر أعنقه‏

و اللّيل يكبو فيه أدهمه، # و الصّبح ينهض منه أبلقه‏ (2)

و اللّثم يركض في سوالفه، # و تكاد خيل الدّمع تسبقه‏

ما غرّني يوم اللّقاء، و لا # خدع ارتياح هواي ريّقه‏

و علمت حين نشرت مطرفه # أنّ الفراق غدا يمزّقه‏

بكت الجفون، و أنت طارفها، # و شكا الفؤاد، و أنت محرقه‏ (3)

ودّي لخير النّاس أذخره، # ما كلّ ودّ فيك أنفقه‏

ودّ تقادم عهده فصفا، # و جديد ودّ المرء أخلقه‏ (4)

لمشمّر الأطراف منزعج الـ # أعطاف يهجعه تأرّقه‏

لأغرّ تعشي الشّمس غرّته، # و يشقّ جيب اللّيل مشرقه‏

يسري فتحجبه خلائقه، # و يضي‏ء أوجهها تخلّقه‏

أبدت خبيّ المجد طلعته، # و أذاع سرّ المجد منطقه‏

____________

(1) الأينق: النياق.

(2) الأدهم: الأسود-الأبلق: الذي اجتمع فيه البياض و السواد.

(3) طارفها: مؤذيها.

(4) أخلقه: أكثره تعرضا للذهاب و الفناء.

51

و لقلّما شرقت أسنّته، # إلاّ و صفو الحمد يشرقه‏ (1)

و إذا استرقّ المحل مرتبعا، # أمر السّحاب الجون يعتقه‏

و إذا تأمّل شخصه ملك # أوما إلى قدميه مفرقه‏

في كفّه عاري الذّباب له # لمع يدلّك كيف ترمقه‏ (2)

أطغاه رونق غربه، فطغى، # و الماء يطغيه ترقوقه‏ (3)

جذلان يرقص في الرّءوس إذا # غنته بالصّهلات سبّقه‏

صلّى الرّدى لو يستطيع إلى # نصل براحته مخلّقه‏

يؤوي الضّيوف و دون حجرته # باب على الأحداث يغلقه‏

و إذا النّوائب زعزعت يده # في الطّعن جاءته تملّقه‏

عريان خيل الغدر من دنس، # لا يستطيع الغدر يعلقه‏ (4)

الجود ينهاه و يأمره، # و الدّهر يرجوه و يفرقه‏ (5)

هو قادر لكنّ صولته # في البطش يصرعها ترفّقه‏

و لربّ مجهول ركائبه، # خلف الرّياح الهوج تخرقه‏

قلقلت بالأجفاف تربته، # و القيظ عن أمم يحرّقه‏ (6)

ذمّتك ربوته و وهدته، # و شكاك فدفده و سملقه‏ (7)

و لربّ ورد بتّ قاربه، # لا يطمئنّ به تدفّقه‏ (8)

و الماء يرعد في جوانبه، # جزعا، و ظم‏ء العيس يشرقه‏

____________

(1) شرقت أسنته: غصت بالدم، احمرت من الدم-يشرقه: ينيره.

(2) عاري الذباب: السيف.

(3) الغرب: حدّ السيف.

(4) يعلقه: يتمسك به.

(5) يفرقه: يخافه.

(6) الأجفاف، جمع جف: جماعة الناس-أمم: قرب.

(7) الفدفد: الصحراء-السملق: القاع.

(8) القارب: طالب الماء ليلا.

52

لمّا لحظت الدّهر زايله # إظلامه، و افترّ ضيّقه‏ (1)

ساورته، ففضضت سورته، # و ارتاح في نعماك مملقه‏ (2)

و كذاك همّ الرّيح في غصن # تثنيه، أو ماء تصفّقه‏

لمّا رآك الملك منصلتا # بالسّيف ترعده و تبرقه‏

استنكف التّعديل مايله، # و استرجع التّحكيم أخرقه‏

أفل السّماح، و أنت شارقه، # و دجا العلاء، و أنت مشرقه‏

و لربّ يوم شمت بارقه، # و الموت يهطله و يودقه‏ (3)

و السّيف قائمه يفارقه، # و الرّمح عامله يطلّقه‏

و الشّمس تجري و هي مهملة # في ثوب نقع لا تخرّقه‏

و الخيل تطبع في حوافرها # وشما تداوله، و تخلقه‏

من كلّ ذيّال السّبيب رمى # بيديه أولى النّقع أولقه‏ (4)

أشليت عزمك في كتائبه، # و السّهم يشليه مفوّقه‏ (5)

فاسلم على الأيّام تلبسها، # فالدّهر ثوب أنت مخلقه‏

____________

(1) زايله: فارقه-افتر: ابتسم.

(2) ساوره: واثبه-السورة: الحدة، الغضب.

(3) يودقه: يمطره.

(4) ذيّال السبيب: هو شعر الذنب و العرف و الناصية-أولقه: أسرعه.

(5) أشليت: أغريت-يشليه: يرفعه-مفوّقه: راميه.

غ

53

عزّ الغزو

(الطويل)

نظم الرضي هذه القصيدة في عيد الفطر، و فيها يهنئ أباه بالعيد.

بودّ الرّذايا أنّها في السّوابق، # و كم للعلى من طالب غير لاحق‏

و في شدّة الدّهر اعتبار لعاقل، # و في لذّة الدّنيا غرور لواثق‏

أرى العيش أيّاما تمرّ، و ليتنا # نباعد من أحداثها و البوائق‏ (1)

شهيّ إلى النّاس النّجاء من الرّدى، # و لا عنق إلاّ و هي في فتر خانق‏

و أكثر من شاورته غير حازم، # و أكثر من صاحبت غير الموافق‏

إذا أنت فتّشت القلوب وجدتها # قلوب الأعادي في جسوم الأصادق‏

و عندي من الودّ الذي لا يشوبه # لحاظ المرائي أو كلام المنافق‏

أغالط نفسي بعد مرأى و مسمع، # و لا أنظر الدّنيا بعين الحقائق‏

على أنّني أدري، إذا كان قائدي # بقائي، فإنّ الموت لا شكّ سائقي‏

و ما جمعي الأموال إلاّ غنيمة # لمن عاش بعدي و اتّهاما لرازقي‏

تنفّس في رأسي بياض كأنّه # صقال تراق في النّصول الرّوانق‏ (2)

و ما جزعي إن حال لون، و إنّما # أرى الشّيب عضبا قاطعا حبل عاتقي‏

فما لي أذمّ الغادرين، و إنّما # شبابي أدنى غادر بي و ماذق‏ (3)

تعيّرني شيبي كأنّي ابتدعته، # و من لي أن يبقى بياض المفارق‏

و إنّ وراء الشّيب ما لا أجوزه # بعائقة تنسي جميع العوائق‏

و ليس نهار الشّيب عندي بمزمع # رجوعا إلى ليل الشّباب الغرانق‏ (4)

____________

(1) البوائق: الباقية.

(2) التراقي: عظام أعلى الصدر.

(3) الماذق: الذي لا يدوم على صداقة.

____________

(4) الغرانق: التام، الكامل.

54

و ما العزّ إلاّ غزوك الحيّ بالقنا، # و ربط المذاكي في خدور العواتق‏ (1)

و إغمادك الأسياف في كلّ هامة، # و ركزك أطراف القنا في الحمالق‏ (2)

و لا ترتضي أن تدنس العرض ساعة، # و مشيك في ثوب من الزّين رائق‏

فللعزّ ما أدنى لياني من القنا، # و أكره رمحي في صدور الفيالق‏

سقى اللّه نفسا ما أضرّ بقاؤها # بجسمي، و أغراها بما كان عارقي‏

تكلّفني سيرا إلى غير غاية، # مضرّا بأبناء الجديل و لاحق‏ (3)

و ليل كعين الظّبي، إلاّ نجومه، # قطعت و لي من صبحه كفّ سارق‏

جريّا على الظّلماء، حتّى كأنّني # أراها بألحاظ الرّزايا الطّوارق‏

و ركب أناخوا ساعة، فتناهبوا # ثرى البيد في أعضادهم و المرافق‏

و ساروا بأيدي العيس عجلى كأنّها # خراطم أقلام جرت في المهارق‏ (4)

و ما أنا ممّن يضجر السّير قلبه، # و تذكره الأمواه حرّ الودائق‏ (5)

و لكن شريك الوحش في كلّ مهمه، # و ردف اللّيالي في الرّبى و الأبارق‏

رعى اللّه من فارقت من غير رغبة # على الوجد منّي و السّقام المطابق‏

يباعد عنّي من غرامي لأجله، # و يقرب من قلبي له غير وامق‏ (6)

إذا شئت أن لا تهجر الهمّ فاغترب، # و إن شئت أن يأتي الحمام ففارق‏

فكلّ غريب يألف الهمّ قلبه، # و لا سيّما قلب الغريب المفارق‏

فكيف بطرف لحظه لحظ مدنف # سقيم، و جسم قلبه قلب عاشق‏

إذا كنت ممّن يجحد الشّوق في النّوى، # فكم فاض دمعي من حنين الأيانق‏ (7)

____________

(1) المذاكي من الخيل: هي التي نضجت و بلغت كمالها-العواتق: المناكب.

(2) الحمالق: بواطن أجفان العيون.

(3) الجديل: فحل للنعمان بن المنذر-لاحق: اسم فرس.

(4) المهارق: الصحائف.

(5) الودائق، جمع وديقة: شدّة الحر.

(6) وامق: محب.

(7) الأيانق: النياق.

غ