الحلقة الثالثة؛ أسئلة وأجوبة - ج1

- علي حسن‏ المطر المزيد...
188 /
3

مقدمة

الحمد الله رب العالمين، و صلّى الله على محمد و آل بيته الطاهرين.

يتألف هذا الكتاب من مجموعة من الاسئلة و الأجوبة، تستوعب مادة الحلقة الثالثة من كتاب (دروس في علم الأصول) لسماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره).

و قد عمدت فيه الى تقطيع المادّة العلميّة، بنحو يساهم في توضيحها و تيسير فهمها للطالب، و يزوّد مدرسي الكتاب بأسئلة جاهزة مشفوعة بأجوبتها، بهدف توفير الجهد و الوقت، فيما يتعلّق بوضع الأسئلة الامتحانية و تصحيحها.

و آمل من الإخوة العلماء الأفاضل مدرسي الحلقة الثالثة، أن يزودوني بما يتوفر لديهم من ملاحظات تُعينني على تلافي نقاط الضعف التي قد يرونها في هذا الكتاب، و لهم منّي جزيل الشكر سلفاً، و الله وليّ التوفيق.

السيد علي حسن مطر الهاشمي‏

10/ ربيع الأول/ 1418 ه-

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تعريف علم الأصول.

1- عرّف المشهور علم الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، اذكر الملاحظات التي أشكل بها على هذا التعريف.

- لوحظ عليه، أولًا: أنه غير جامع؛ إذ لا يشمل الأصول العملية؛ فانها مجرد أدلة تحدد الموقف العملي، و ليست أدلة كاشفة عن الحكم الشرعي، و ثانياً: أنه غير مانع؛ لأنه يشمل القواعد الفقهيّة كقاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) و يشمل المسائل اللغويّة كظهور كلمة الصعيد؛ لدخولها في استنباط الحكم الشرعي.

2- اشكل على تعريف المشهور لعلم الأصول بأنه غير مانع؛ لأنه يشمل القواعد الفقهيّة، كقاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) فهي تمهّد لاثبات جعل الضمان على كل عقد يضمن بصحيحه كالبيع، فكيف تدفع هذا الاشكال؟

- يندفع الاشكال بالقول: إن المراد بالحكم الشرعي الوارد في التعريف، هو جعل الحكم على موضوعه الكلّي، فالقاعدة الأصولية يستنبط منها جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلّي، و اما القاعدة الفقهية، فهي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستفاد منها إلّا تطبيقات ذلك الجعل على مصاديقه المختلفة.

3- اشكل على تعريف المشهور لعلم الأصول بأنه غير جامع؛ لأنه لا يشمل الأصول العملية؛ لأنها تحدد الوظيفة العملية للمكلف، و ليست محرزة للحكم الشرعي، بيّن جواب الآخوند و الخوئي عن هذا الاشكال.

- أجاب الآخوند باضافة قيد الى التعريف يجعله صالحاً لشمول الأصول العملية، هو:

6

(أو التي ينتهى اليها في مقام العمل)، و أما الخوئي، فقد أجاب بتفسير الاستنباط بمعنى الاثبات التنجيزي و التعذيري، و هو إثبات تشترك فيه الأدلة المحرزة و الأصول العملية.

4- لوحظ على تعريف المشهور لعلم الأصول أنه غير مانع؛ لأنه يعمّ المسائل اللغويّة كظهور كلمة الصعيد مثلًا؛ لدخولها في استنباط الحكم الشرعي، بيّن جواب النائيني عن هذا الاشكال.

- أجاب باضافة قيد الكبروية الى التعريف؛ لاخراج ظهور كلمة الصعيد، فالقاعدة الأصولية يجب أن تقع كبرى في قياس الاستنباط، و أما ظهور كلمة الصعيد، فهو واقع صغرى في القياس، و بحاجة الى كبرى حجيّة الظهور.

5- ما هو الجواب الذي طرحه السيد الخوئي عن إشكال دخول المسائل اللغوية في علم الأصول بناءً على تعريف المشهور؟

- أجاب بأن القاعدة لا تكون أصولية إلّا إذا كانت كافية وحدها لاستنباط الحكم الشرعي منها، بلا ضمّ قاعدة أصولية أخرى اليها، فيخرج ظهور كلمة الصعيد؛ لاحتياجه الى ضم ظهور صيغة افعل في الوجوب.

6- قال النائيني: يشترط في القاعدة الأصولية أن تقع كبرى في قياس الاستنباط، بيّن ما أورده العلماء لإبطال هذا القول.

- أوردوا عليه أن جملة من القواعد الأصولية لا تقع كبرى في قياس الاستنباط، كظهور صيغة الأمر في الوجوب، و صيغة النهي في الحرمة، و الجمع المحلّى باللام في العموم؛ فانها تقع صغرى في القياس، و تحتاج الى كبرى حجية الظهور، و لا يخرجها ذلك عن كونها قواعد أصولية.

7- اشترط السيّد الخوئي لأصوليّة القاعدة أن تكون وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعي منها بلا حاجة الى ضمّ قاعدة أصولية أخرى اليها، اذكر ما لوحظ على هذا الرأي.

- لوحظ عليه: أن عدم الاحتياج إِن كان في كل الحالات، لم يتحقق في بعض القواعد الأصولية كظهور صيغة الأمر في الوجوب؛ لاحتياجه الى دليل حجية السند إذا وردت الصيغة في دليل ظنيّ السند كخبر الثقة، و ان كان عدم الاحتياج و لو في حالة واحدة، فهذا قد يتفق في غير القواعد الأصولية، كظهور كلمة الصعيد، إِذا كانت جميع جهات الدليل قطعيّة.

7

8- يرى السيد الخوئي أن كبرى حجيّة الظهور ليست من المباحث الأصولية؛ للاتفاق عليها، ناقش هذا الرأي.

- إن مجرد عدم الخلاف في حجية الظهور لا يخرجها عن كونها أصولية؛ لأن المسألة لا تكتسب أصوليتها من الخلاف فيها، و انما الخلاف ينصبّ على المسألة الأصولية.

9- طرح السيد الشهيد تعريفاً لعلم الأصول يختلف عن تعريف المشهور، اذكر هذا التعريف و بيّن الدافع إليه.

- عرّف الشهيد علم الأصول بأنه: العلم بالعناصر المشتركة في استنباط الحكم الشرعي، و دافعه لذلك هو أن تعريف المشهور غير مانع من دخول الظواهر اللغوية، و أما على تعريفه، فتخرج المسألة اللغوية كظهور كلمة الصعيد؛ لأنها لا تدخل إلّا في استنباط الحكم المتعلق بهذه المادة فقط، فلا تكون عنصراً مشتركاً.

موضوع علم الأصول.

10- أذكر موضوع علم الأصول، و بيّن ما تدور حوله بحوث هذا العلم مع التمثيل.

- موضوع علم الأصول هو: الأدلة المشتركة في عملية الاستنباط، و بحوث هذا العلم تدور حول إثبات دليليتها، فمثلًا: خبر الثقة، دليل مشترك، فيبحث في علم الأصول هل أن الشارع اعتبر هذا الدليل حجة و طريقاً لمعرفة أحكامه، أم لا؟

11- استدل على ضرورة وجود موضوع لكل علم بأن التمايز بين العلوم بالموضوعات، فلا بد من افتراض الموضوع لكل علم، ناقش هذا الاستدلال.

- إن هذا الدليل أشبه بالمصادرة؛ لأن كون التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوع لكل علم، و إلّا تعيّن أن يكون التمايز قائماً على أساس آخر كالغرض.

12- ذهب بعض العلماء الى ضرورة ثبوت الموضوع لكل علم، حتى على فرض تمايز العلوم بالأغراض، بيّن دليلهم على ذلك.

- دليلهم أن الغرض من كل علم واحد، و الواحد لا يصدر إلّا من واحد، و لما كانت مسائل العلم متعددة، استحال تأثيرها في الغرض بما هي متعددة، فلا بد من فرض قضيّة كليّة،

8

يكون موضوعها جامعاً لموضوعات مسائل ذلك العلم، و محمولها جامعاً لمحمولاتها، و بذلك يثبت أنّ لكل علم موضوعاً، هو موضوع تلك القضيّة الكلية.

13- عرّف بأقسام الواحد، و ميّز الواحد الحقيقي من غيره.

- الأول: الواحد بالشخص كزيد، الثاني: الواحد بالنوع كالإنسان، الثالث: الواحد بالعنوان، كالأبيض، و الواحد الحقيقي هو الواحد الشخصي، دون النوعي و العنواني؛ لأنّ كلًا منهما كليّ يصدق على أفراد متعددة.

14- قالوا: لا يمكن أن تؤثّر مسائل العلم بما هي متعددة في الغرض؛ لكونه واحداً، و الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فلا بد من فرض قضية كلية يكون موضوعها جامعاً لموضوعات المسائل، و بهذا يثبت وجود موضوع لكلّ علم، فكيف تردّ هذا الاستدلال؟

- يردّه أنّ الواحد ثلاثة أنواع: شخصي و نوعي و عنواني، و قاعدة أنّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد، إنما تتم في الأول؛ لأنه واحد حقيقة، دون الأخيرين؛ لأنهما ليسا واحداً حقيقة، بل كلّ منهما كليّ له أفراد متعددة، و غرض العلم ليس واحداً بالشخص، بل بالنوع أو العنوان، فيصح صدوره من المتعدد، فلا حاجة لافتراض قضيّة كلية جامعة للمسائل ليكون موضوعها موضوعاً للعلم.

15- ما هو الدليل الذي قدّمه بعض العلماء لإثبات استحالة وجود الموضوع لبعض العلوم؟

- الدليل أن موضوعات مسائل العلم بعضها أمر وجودي و بعضها أمر عدمي، و لا جامع بين الوجود و العدم، و بعضها من مقولة الجوهر و بعضها من مقولة العرض بأنواعه المختلفة، و لا جامع بين المقولات؛ لأنها أجناس عالية، ليس فوقها جنس أعلى منها ليكون جامعاً لها، وعليه لا يمكن الحصول على جامع لموضوعات مسائل العلم، ليكون هو موضوعاً للعلم.

الحكم الشرعي و تقسيماته:

أولًا- الأحكام التكليفية و الوضعيّة. 16- الأحكام الوضعية على نحوين، اذكرهما مع التمثيل.

9

- النحو الأول هو الحكم الوضعي الواقع موضوعاً للحكم التكليفي، كالزوجية الواقعة موضوعاً لوجوب الانفاق على الزوج، و الملكية الواقعة موضوعاً لحرمة تصرف الغير في المال بلا إذن المالك.

و النحو الثاني، هو الحكم الوضعي المنتزع من الحكم التكليفي، كجزئية السورة للواجب المنتزعة من الأمر بالصلاة المركبة من السورة و غيرها، و شرطية الزوال لوجوب صلاة الظهر، المنتزعة من جعل الوجوب المشروط بالزوال.

17- بيّن الدليلين على عدم إمكان الجعل الاستقلالي للحكم الوضعي المنتزع من الحكم التكليفي.

- الدليل الأول- أنه مع جعل الأمر بالمركب من السورة و غيرها، يتمكن العقل من انتزاع عنوان جزئية السورة للواجب، و بدون جعله لا تتحقق الجزئية، بجعلها مستقلًا؛ إذ ليس هناك شي‏ء لنجعل السورة جزءاً له.

و الدليل الثاني- إن جزئية شي‏ء للواجب من الأمور الانتزاعية الواقعيّة، حالها حال جزئية الجزء للمركبات الخارجية، و الأمور الواقعيّة لا يمكن ايجادها بالجعل التشريعي.

18- ما هو الدليل على الجعل الاستقلالي للحكم الوضعي الواقع موضوعاً للحكم التكليفي؟

- الدليل: إن مقتضى وقوعه موضوعاً للاحكام التكليفية عقلائياً و شرعاً، أن يكون مجعولًا بالاستقلال لا منتزعاً من الحكم التكليفي؛ لأن موضوعيته للحكم التكليفي تقتضي سبقه عليه رتبة، مع أنّ انتزاعه منه يقتضي تأخره عنه.

19- بيّن الشبهة التي أثيرت لنفي الجعل الاستقلالي للحكم الوضعي الواقع موضوعاً للحكم التكليفي.

- خلاصة الشبهة: أن الجعل الاستقلالي لهذا الحكم لغو؛ لأنه مع عدم جعل الحكم التكليفى المقصود لا أثر له، و مع جعله لا حاجة للحكم الوضعي، إذ يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداءً على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم التكليفي عليه.

20- قيل بلغوية الجعل الاستقلالي للحكم الوضعي الواقع موضوعاً للحكم التكليفي؛ إِذ مع عدم جعل الحكم التكليفي لا أثر له، و مع جعله لا حاجة للحكم الوضعي، إِذ

10

يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداءً على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعي عليه، ناقش هذا القول.

- يناقش بأن الأحكام الوضعية الواقعة موضوعاً للأحكام التكليفية هي اعتبارات ذات جذور عقلائية، الغرض من جعلها تنظيم الأحكام التكليفية، و تسهيل صياغتها التشريعية، فلا تكون لغواً.

ثانيا شمول الحكم للعالم و الجاهل‏

ثانياً- شمول الحكم للعالم و الجاهل. 21- اذكر الأدلة الثلاثة على شمول الأحكام الشرعية للعالم و الجاهل بها على السواء- أولًا- ما ادعي من أن الأخبار الدالة على ذلك مستفيضة.

ثانياً- اطلاقات أدلة الأحكام و عدم تقييدها بالعالم.

. ثالثاً- أنه يلزم من تقييد الحكم الشرعي بالعالم به محذور الدور؛ إِذ أن الحكم سيتوقف على العلم به، مع أن العلم بالحكم متوقف على ثبوت الحكم.

22- قيل: إن أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم مستحيل، إذ يلزم منه الدور، اذكر الردّ على هذا الاشكال؟

- يردّه أنّ الدور يلزم اذا كان العلم بالحكم المجعول (الفعلي) مأخوذاً قيداً في الحكم المجعول نفسه، و ما ندّعيه هو أخذ العلم بالجعل قيداً في الحكم المجعول.

23- ما معنى القول بالتخطئة؟

- معناه أن للشارع أحكاماً واقعية، و ان الأمارات و الأصول قد تصيب الأحكام الواقعية و قد تخطئوها، غير أن خطأها مغتفر؛ لأن الشارع جعلها حجة.

24- هناك صورتان للقول بالتصويب، المطلوب منك بيانهما.

- الصورة الأولى: أنه ليس للشارع من حيث الأساس احكام، و انما يحكم تبعاً لما قامت عليه الأمارة أو الأصل، و لا يمكن أن يتخلف الحكم الواقعي عنهما.

الصورة الثانية: ان للشارع أحكاماً واقعية من حيث الأساس، لكنها مقيدة بعدم قيام‏

11

الحجّة (الأمارة أو الأصل) على خلافها، و إلّا تبدلت تلك الأحكام و استقر ما قامت عليه الحجّة.

25- قال بعض المصوّبة: ليس للشارع احكام واقعيّة، بل الحكم ما قامت عليه الأمارة أو الأصل، و قال بعض آخر: إن للشارع أحكاماً واقعية، لكنها تتبدل بقيام الأمارة أو الأصل على خلافها، فكيف تردّ هذين القولين؟

- يردّهما أنّ القول الأول واضح البطلان؛ لأن الحجج (الامارات و الأصول) انما تخبرنا عن حكم الله، و تحدد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض أنه لا حكم لله، و لأيّ شي‏ء ستكون الحجة مرشدة؟

و القول الثاني باطل أيضاً؛ لأنه يقتضي عدم وجود حكم واحد مشترك بين الجميع، فمن كانت أمارته مخطئة يكون حكمه مغايراً لمن كانت أمارته مصيبة، و هذا مخالف لظاهر أدلة الأحكام التي تقتضي باطلاقها اشتراك الأحكام بين جميع الناس.

ثالثاً: الحكم الواقعي و الظاهري‏

. 26- بيّن الفرق بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي مع التمثيل.

- الحكم الظاهري ما أخذ في موضوعه الشك، مثل: ما تشك في حرمته فهو لك حلال، و الحكم الواقعي هو الحكم الذي لم يؤخذ في موضوعه الشك، مثل: الحجّ واجب، و الخمر حرام.

27- قالوا: كما أن للمولى حق الطاعة، فله أيضاً تحديد مركز هذا الحق، اشرح المراد بذلك.

- المراد بذلك أنه ليس من الضروري إذا تمّ الملاك في شي‏ء و أراده المولى ان يجعل ذلك الشي‏ء نفسه في عهدة المكلف مصبّاً لحق طاعته، بل يمكنه أن يجعل مقدمة ذلك الشي‏ء في عهدة المكلّف، فيكون حق الطاعة منصباً على المقدمة ابتداءً، و ان كان الشوق المولوي غير متعلق بها إلّا تبعاً.

28- ما هي وظيفة الاعتبار الذي هو العنصر الثالث من عناصر الحكم في‏

12

مرحلة الثبوت؟

- وظيفة الاعتبار تتمثل في أنه يستخدم عادة للكشف عن المصبّ الذي عيّنه المولى لحق الطاعة، فقد يتحد مع مصبّ إرادة المولى، كما لو أراد الحج، فقال: يجب الحج، و قد يتغاير مع مصبّ إرادته، كما لو أراد الانتهاء عن الفحشاء و المنكر، فقال: تجب الصلاة.

29- اشرح الاشكال على الحكم الظاهري بأنه يؤدّي الى اجتماع الضدين أو المثلين.

- خلاصة الاشكال: إن الحكم الواقعيّ ثابت في فرض الشك بحكم قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل، فان كان الحكم الظاهري المجعول على الشاك مغايراً للواقعي نوعاً كالحليّة و الحرمة، لزم اجتماع الضدين، و ان لم يكن مغايراً، بل كان مماثلًا له، لزم اجتماع المثلين.

30- قالوا: يلزم من جعل الحكم الظاهري نقض المولى لغرضه، بيّن الدليل على هذه الدعوى.

- الدليل: أن الحكم الظاهري إذا خالف الواقعي، فبما أن الحكم الواقعي يبقى محفوظاً بمبادئه، و لا يتغيّر بقيام الظاهري على خلافه، فيلزم حينئذ نقض المولى لغرضه، بالسماح للمكلف بتفويته اعتماداً على الحكم الظاهري، و هذا يعني إِما القاء المكلف في المفسدة أو تفويت المصلحة الواقعية عليه.

31- بيّن المراد بقولهم: ان الحكم الظاهري لا يصلح لتنجيز الحكم الواقعي المشكوك.

- مرادهم: أن الحكم الواقعي لا يخرج عن كونه مشكوكاً بقيام الأصل أو الأمارة المثبتين للتكليف ظاهراً، و مع بقائه مشكوكاً يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، و لا يمكن تخصيص هذه القاعدة العقلية بما قامت عليه الأمارة الحجة المصيبة للواقع؛ لأن الأحكام العقلية غير قابلة للتخصيص.

رابعاً- شبهة التضاد و نقض الغرض‏

. 32- بما ذا أجاب النائيني عن شبهة لزوم التضاد أو التماثل من جعل الحكم الظاهري؟

13

- أجاب بأن الشبهة ترد بناءً على مسلك جعل الحكم المماثل في تفسير حجية الأمارة أو الأصل؛ فان الحكم الظاهري المماثل لمؤدّاهما قد يكون مضادّاً أو مماثلًا للحكم الواقعي، و لكننا نفسّر الحجية بجعل العلميّة، و ان الأمارة أو الأصل طريق لاثبات مؤدّاه بالتعبّد، دون أن يثبت على طبقهما حكم جديد، لكي يلزم من اجتماعه مع الحكم الواقعي محذور التضادّ أو التماثل.

33- قال النائيني: معنى جعل الحجّية للأمارة و الأصل اعتبارهما علماً، لا اعتبار الحكم المماثل لمؤدّاهما، لكي يلزم من اجتماعه مع الحكم الواقعي التضاد أو التماثل. اذكر مناقشة السيد الشهيد لهذا القول.

- ناقشه بأنَّ شبهة التضاد و التماثل لم تنشأ من اجتماع الحكمين بما هما اعتباران، لكي تندفع بتغيير الاعتبار، و انما تنشأ من مبادي الحكم، فان كان الحكم الظاهري المستفاد من الأمارة أو الأصل ناشئاً من مصلحة و شوق لمتعلقه، حصل التنافي بينه و بين الحرمة الواقعيّة، حتى إذا فسرنا الحجيّة بجعل العلميّة، و ان لم يكن ناشئاً من ذلك، لم يكن منافياً له، حتى لو فسرنا الحجيّة بجعل الحكم المماثل.

34- كيف دفع السيد الخوئي إشكال التنافي بين الأحكام الواقعيّة و الظاهرية؟

- دفعه بقوله: إِن التنافي بين الحكمين ليس بين اعتباريهما، بل بين مبادئهما و بين امتثاليهما، فيندفع بافتراض مبادي الحكم الظاهري في نفس جعله، لا في المتعلق المشترك بينه و بين الحكم الواقعي، وعليه لا تنافي بينهما في المبادي، و لا تنافي بينهما في مقام الامتثال؛ لأن الحكم الواقعي غير واصل كما يقتضيه جعل الحكم الظاهري، فلا امتثال له.

35- دفع السيّد الخوئي اشكال استلزام الحكم الظاهري للتضاد، بأن افترض قيام مصلحة الحكم الظاهري في نفس جعله لا في متعلقه، بيّن المحذور المترتب على هذا الدفع.

- المحذور أنه يلزم من هذا الدفع أولًا: تفريغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم؛ لأن‏

الحكم الذي لا مصلحة في متعلقه ليس حكماً حقيقياً؛ لعدم اهتمام المولى بامتثاله ما دام غرضه قد حصل بمجرد الجعل، و ثانياً: ان العقل لا يحكم بلزوم امتثال مثل هذا الحكم؛ لعدم ترتب المصلحة على صدوره، و عدم اهتمام المولى بامتثاله، و كل هذا لا يمكن الالتزام به؛ ذلك لأن الحكم الظاهري حكم حقيقي، و العقل يحكم بوجوب امتثاله، و ذلك احتجنا الى التوفيق بينه و بين الحكم الواقعي.

14

36- يفترض السيد الخوئي أن مبادي الحكم الظاهري ليست قائمة في متعلقه، بل هي قائمة في نفس جعله، اذكر ما قبله السيد الشهيد من هذا الرأي و ما رفضه، مع بيان السبب.

- قال الشهيد: إن افتراض قيام مصلحة الحكم في نفس جعله غير مقبول؛ لأنه يفرّغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم، و لكنه في افتراضه أنّ الحكم الظاهري لا ينشأ من مبادي في متعلقه بالخصوص تام و مقبول؛ إذ به يرتفع إشكال التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري 37- اشرح باختصار دفع السيد الشهيد لاشكال التنافي بين الحكم الظاهري و الواقعي.

.- دفعه بقوله: إن مبادي الأحكام الظاهرية هي نفس مبادي الأحكام الواقعيّة، فاذا اختلطت على المكلف المحرمات بالمباحات الاقتضائية مثلًا، فان كان ملاك المحرّمات أقوى، حرّم المولى ارتكاب كل ما يحتمل حرمته، لا لمبغوضيّته و مفسدته، بل لحفظ ملاك المحرمات الواقعيّة، فهو تحريم ظاهريّ ناشئ من مبغوضيّة المحرّمات الواقعيّة، و ان كان ملاك الإباحة أهم، رخّص ظاهراً في كلّ ما يحتمل إباحته، لا لكونه واجداً لملاك الإباحة، بل حفظاً للملاك الاقتضائي للمباحات الواقعيّة.

38- بيّن الفرق بين الاباحة الاقتضائية و الاباحة غير الاقتضائية.

- الاباحة الاقتضائية هي التي تنشأ عن وجود ملاك في أن يكون المكلف مطلق العنان، و اما الاباحة غير الاقتضائية فهي التي تنشأ عن خلوّ الفعل المباح عن أيّ ملاك.

39- سجّل تعريف السيد الشهيد للأحكام الظاهريّة.

- الأحكام الظاهرية: خطابات تعيّن الأهم من الملاكات و المبادي الواقعيّة حين يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر.

40- بيّن الجواب عن اشكال أداء الحكم الظاهري الى تفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة، ممّا يقبح صدوره من المولى.

- جوابه: صحيح أن الحكم الظاهري قد يسبب ذلك، و لكنه إنما يسببه من أجل الحفاظ على غرض أهم، و كونه كذلك أمر عقلائي لا قبح فيه، فيصح صدوره من المولى.

15

خامساً: شبهة عدم تنجّز الواقع المشكوك. 41- ما هو الجواب الذي طرحه القائلون بمسلك جعل الطريقية عن شبهة عدم تنجيز الحكم الظاهري للحكم الواقعي المشكوك؟

- الجواب أنّ تصحيح العقاب على التكليف الواقعي الذي اخبر عنه الثقة، لا ينافي قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأن المولى بجعله الحجّية للخبر يعطيه صفة العلم و الكاشفيّة، و بذلك يخرج التكليف عن دائرة قبح العقاب؛ لأنه يصبح معلوماً بالتعبد الشرعي، و ان كان مشكوكاً وجداناً.

42- يرى القائلون؛ بمسلك جعل الطريقية ان قيام الأمارة الحجة على الحكم الواقعي المجهول يجعله معلوماً تعبداً، فيكون العقاب على مخالفته عقاباً مع البيان، اذكر الردّ على هذا الرأي.

- إن هذا الرأي غير تامّ، على أنه لو تمَّ فانما يتمّ في موردين، أولهما: الأمارات؛ لأن المجعول فيها هو العلمية، و الثاني: هو الأصول العملية المحرزة كالاستصحاب؛ لتنزيل الاحتمال فيها منزلة اليقين، و لكنه لا يتمّ في الأصول العملية غير المحرزة كالاحتياط؛ إذ لم تجعل فيها العلمية، و لم ينزّل الاحتمال فيها منزلة اليقين، فلا يكون المكلف عالماً، لكي ينجّز عليه التكليف.

43- ما هو جواب السيد الشهيد عن شبهة عدم تنجيز الحكم الظاهري للحكم الواقعي المشكوك؟

- اجاب بأنه لا موضوع لهذه الشبهة بناءً على مسلك حقّ الطاعة؛ الذي يرى أن احتمال التكليف منجز أيضاً، و هذا المسلك يقتضي انكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان، التي يتوقف‏

عليها الاشكال.

سادساً- الأمارات و الأصول‏

. 44- الأحكام الظاهرية نوعان، عرّف بكل منهما.

16

- النوع الأول هو الأحكام التي تجعل لإحراز الواقع، و هي الأحكام الظاهرية المجعولة في باب الأمارات، كالحكم بحجيّة خبر الثقة، و النوع الثاني: الأحكام الظاهرية التي تجعل لتقرير الوظيفة العملية تجاه الحكم الواقعي المشكوك، و لا يراد بها إحرازه، و تسمّى بالأصول العملية.

45- ما الذي يتطلبه جعل الحكم الظاهري في باب الأمارات؟

- جعل هذا الحكم يتطلب وجود طريق ظنّي له درجة كشف عن الحكم الشرعي، كخبر الثقة، و يتولى الشارع تتميم كشفه، بجعل الحجّية له، و الزام المكلف بالتصرف بموجبه.

46- كيف ميّز الميرزا النائيني بين الأمارات و الأصول؟

- ميّز بينهما على أساس ما هو المجعول الاعتباري في الحكم الظاهري، فان كان المجعول هو الطريقيّة و الكاشفيّة دخل في الأمارات، و ان كان المجعول هو الوظيفة العملية فقط، دخل في الأصول العملية.

47- بيّن الاقسام الثلاثة للأصل العملي كما يراها النائيني.

- الأول: الأصل التنزيلي، و فيه ينزّل المشكوك منزلة المعلوم، كاصالة الطهارة و الحل.

الثاني: الأصل المحرز، و فيه ينزل الشك منزلة العلم في جانبه العملي، كالاستصحاب.

الثالث: الأصل البحت، و فيه تجعل الوظيفة العملية فقط، دون تنزيل للمشكوك منزلة المعلوم، و لا للشك منزلة العلم.

48- يرى النائيني أن الأصل المحرز ينزّل فيه الشك منزلة اليقين، فيشكل بأنه لا يبقى عندئذ فرق بين الأمارة و هذا الأصل؛ إذ المجعول في كل منهما هو العلمية، اذكر الردّ على هذا

الاشكال.

- الردّ بأن يقال: إن من خصائص العلم: الكاشفية عن متعلقه، و الجري العملي على طبقه، و الأمارة منزلة منزلة العلم من جهة الخصوصيّة الأولى، فهي تكشف عن الواقع و تحرزه تعبداً، و اما الأصل المحرز فهو بمنزلة العلم من حيث الخصوصيّة الثانية، و هي الجري العملي على طبقه، و لم تجعل له العلميّة من حيث الكاشفية عن متعلّقه.

49- كيف فرّق السيد الشهيد بين الأحكام الظاهرية؟

17

- فرّق بينها بناءً على فهمه لحقيقة الحكم الظاهري و أنه مجعول لحفظ الملاك الواقعي الأهم، فان كانت أهمية الملاك ناشئة من قوة الاحتمال و الكشف بقطع النظر عن قوة المحتمل، فالحكم الظاهري أمارة، كحجّية خبر الثقة، و ان نشأت أهمية الملاك من قوة المحتمل، فالحكم الظاهري هو الأصل العملي البحت كأصالة الحلّ، و ان نشأت من قوة الاحتمال و المحتمل معاً، فالحكم هو الأصل العملي التنزيلي أو المحرز كقاعدة الفراغ.

سابعاً: التنافي بين الأحكام الظاهرية

. 50- على أيّ مبنىً يمكن اجتماع الحرمة الظاهرية و الاباحة الظاهرية على شي‏ء واحد، و ما هو شرط هذا الإمكان؟ اشفع جوابك بالتعليل.

- يمكن ذلك على المبنى القائل: إن مبادي الحكم الظاهري في نفس جعله، شريطة أن لا يكونا واصلين معاً؛ و علّة ذلك أنه لا تنافي بينهما حينئذ في الجعل؛ لأنه مجرد اعتبار، و لا في المبادي؛ لقيام مبادي كل من الحكمين في نفس جعله، و لا في الامتثال؛ لأن غير الواصل لا امتثال له، نعم، إذا وصلا معاً كانا متنافيين؛ لأن أحدهما ينجّز و الآخر يؤمّن.

51- هل يمكن اجتماع حكمين ظاهريين بالاباحة و الحرمة على شي‏ء واحد، بناءً على كون الأحكام الظاهرية خطابات تحدد الأهم من ملاكات الأحكام الواقعية المختلطة على المكلف؟ اشفع جوابك بالتعليل.

- لا يمكن ذلك، سواء وصل هذان التكليفان الى المكلف أم لا؛ لأن الأول يثبت أهمية ملاك المباحات الواقعيّة، و الثاني يثبت أهمية ملاك المحرمات الواقعية، و لا يمكن أن يكون‏

كلا الملاكين أهمَّ من الآخر.

ثامناً- وظيفة الأحكام الظاهرية. 52- ما هي النتيجة التي نخرج بها من معرفة أن الأحكام الظاهرية خطابات تضمن الأهم من ملاكات الأحكام الواقعيّة؟

- النتيجة هي: أن وظيفة الحكم الظاهري هي تنجيز الحكم الواقعي في صورة

18

الإصابة، و التعذير عنه في صورة الخطأ، و ليس موضوعاً مستقلًا لحكم العقل بوجوب الطاعة في مقابل الأحكام الواقعيّة.

53- إذا دار الأمر بين الإباحة و الوجوب، فأصدر الشارع حكماً ظاهرياً بالاحتياط، فما الذي يستكشفه العقل من ذلك؟

- يستكشف العقل أن الملاك الواقعي الأهم هو ملاك الوجوب، فيلزم التحفظ عليه، و يستحق العقاب على عدم التحفظ بترك الاحتياط، لا على مخالفة نفس الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط.

54- ما معنى قولهم: إن الأحكام الواقعيّة حقيقية و الظاهرية طريقيّة؟

- معناه أن الأحكام الواقعيّة ناشئة من ملاكات خاصة بها، فتكون موضوعاً مستقلًا للدخول في العهدة و حكم العقل بوجوب امتثالها و استحقاق العقاب على مخالفتها، بخلاف الأحكام الطريقيّة، فانها ليست ناشئة من مبادي خاصة بها، بل هي وسائل لتسجيل الحكم الواقعي المشكوك و ادخاله في عهدة المكلف.

تاسعاً: التصويب بالنسبة الى بعض الأحكام الظاهرية

. 55- ما معنى قولهم: إن الأصول الجارية في الشبهات الموضوعيّة تتصرف في الأحكام الواقعيّة؟

- معناه أن الحكم الواقعي بشرطية طهارة الثوب في الصلاة مثلًا، يتسع موضوعه‏

بسبب أصالة الطهارة فيشمل الثوب المشكوك طهارته الذي جرت فيه أصالة الطهارة حتى لو كان نجساً في الواقع، أي أن شرط صحة الصلاة سيكون أعم من الطهارة الواقعيّة و الظاهرية.

56- يرى البعض أن الأصول الجارية في الشبهات الموضوعيّة حاكمة على أدلة الأحكام الواقعيّة و موسّعة لموضوعها تعبّداً، قرّب استدلالهم على ذلك.

- تقريبه: أن دليل أصالة الطهارة مثلًا بقوله: «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنه نجس»، يعتبر حاكماً على دليل شرطية طهارة الثوب في صحة الصلاة، و موسّعاً لموضوع ذلك الدليل بايجاد فرد تعبدي له، فيكون شاملًا للثوب الطاهر واقعاً و الطاهر ظاهراً.

19

57- قال بعض العلماء: إن أصالة الطهارة لو جرت في الثوب، وسّعت موضوع الحكم الواقعي بشرطية طهارة الثوب في صحة الصلاة، و جعلته شاملًا للطاهر ظاهراً، و ليس الأمر كذلك لو ثبتت طهارة الثوب بالأمارة، فما هي علّة هذا التفصيل من وجهة نظرهم؟

- العلة هي أن قاعدة الطهارة تثبت طهارة ظاهرية في مقابل الطهارة الواقعية، و تقول: إن الثوب عند عدم العلم بنجاسته واقعاً، هو طاهر ظاهراً، و بهذا يتسع موضوع الشرطية في دليل: (صلِّ في الطاهر) ليشمل الثوب الطاهر واقعاً و الطاهر ظاهراً، و أما الأمارة فهي لا تثبت طهارة ظاهرية، و انما تخبر عن الطهارة، و هي قد تصيبها و قد تخطئوها، فيبقى الشرط منحصراً بالطهارة الواقعيّة.

58- بيّن تفصيل الآخوند في حكومة بعض الأحكام الظاهرية على أدلة الأحكام الواقعيّة.

- فصّل الآخوند بين الأصول العملية المنقحة للموضوع، و بين غيرها من الأمارات و الأصول العملية المنقحة للحكم، فقال: ان الأصول المنقحة للموضوع كأصالة الطهارة، توسّع دائرة موضوع الأحكام الواقعيّة، كشرطيّة طهارة الثوب في صحة الصلاة، فيكون الشرط هو الأعم من الطهارة الواقعيّة و الظاهرية، و أما الأمارات كخبر الثقة، و الأصول المنقحة للحكم كاستصحاب بقاء وجوب صلاة الجمعة، فهي لا تتصرف في أدلة الأحكام الواقعيّة و لا توسّع من موضوعها.

عاشراً- القضيّة الحقيقية و الخارجيّة للأحكام‏

. 59- عرّف بالقضيّة الخارجيّة و الحقيقية للأحكام.

- القضيّة الخارجية هي التي يجعل فيها الحكم على أفراد موجودين في الخارج، و القضيّة الحقيقية هي التي يجعل فيها الحكم على موضوع مقدّر الوجود.

60- تارة يقول المولى: اكرم كل عالم، و أخرى يقول: اكرم هذا العالم، و في الحالة الأولى يمكننا أن نشير الى الجاهل و نقول: لو كان هذا عالماً وجب إكرامه، بينما لا يمكننا ذلك في الحالة الثانية، فما هو السبب في إمكان الأوّل و عدم إمكان الثاني؟

- السبب كون الحكم بوجوب الاكرام منصبّاً في القضيّة الأولى على موضوع مقدّر

20

الوجود، و الجاهل الذي نفترضه عالماً يكون داخلًا في الموضوع فيشمله الحكم، و أما القضيّة الثانية فان الحكم فيها منصبّ على فرد خارجيّ معيّن، فلا يكون الجاهل داخلًا في موضوعها، لا بالفعل، و لا على تقدير كونه عالماً؛ لأن القضيّة الخارجيّة لا يصحّ فيها التقدير و الافتراض.

61- لما ذا لا يمكن تقدير الموضوع و افتراضه في القضيّة الخارجيّة؟

- لأن الموضوع فيها هو الذوات الخارجيّة و ما يقبل أن يشار اليه في الخارج، و الذات الخارجيّة لا معنى لتقدير وجودها؛ لأنها محققة الوجود.

62- إذا كان وصف التدين دخيلًا في وجوب اكرام أبناء العم، فكيف يتصرف المولى حينما يريد تشريع الحكم بوجوب إكرامهم؟

- في هذه الحالة، إما أن يتصدى المولى بنفسه لإحراز تدينهم، ثم يطرح الحكم بنحو القضيّة الخارجيّة قائلًا: اكرم أبناءَ عمك كلهم، أو إلّا زيداً، تبعاً لما أحرزه من تدينهم كلًّا أو جلًّا، و اما أن يوكل إحراز تدينهم الى المكلّف، فيقول: اكرم أبناء عمّك ان كانوا متدينين، فتكون القضيّة بلحاظ الشرط حقيقية، و ان كانت خارجيّة بلحاظ الموضوع.

63- أين يظهر الفارق العملي بين القضيّة الحقيقية و القضيّة الخارجيّة للأحكام؟

- يظهر فيما لو كان وصف معيّن دخيلًا في الموضوع، كوصف العدالة المأخوذ شرطاً في وجوب اكرام أبناء العم، فينتفي الوجوب بانتفاء الوصف، إذا شرّع الحكم بنحو القضيّة الحقيقية؛ لأنه مشروط بالعدالة، و المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، و اما إذا شرع بنحو القضيّة

الخارجيّة، فلا ينتفي الحكم؛ لأن الوصف لم يؤخذ شرطاً ليزول الحكم بزواله، و انما تصدّى المولى لاحرازه ثم حكم بوجوب الاكرام، فيثبت الحكم و ان زالت العدالة، بل و ان لم يكونوا عدولًا في الواقع.

64- ما هو دليل القول بأن الحكم ينصبّ على الصورة الذهنية لا على الموضوع الخارجي؟

- دليله: أن الحكم أمرٌ ذهني، لا يمكن تعلقه بشي‏ء خارجيّ، و انما يتعلّق بما هو حاضر في الذهن و هو الصورة الذهنية.

65- قيل: لا يمكن تعلّق الأحكام بالصور الذهنية؛ لأنها ليست منشأً للآثار و الخصوصيّات، فكيف تدفع هذا الأشكال؟

21

- يدفع بالقول: إن الصورة الذهنية و ان كانت مغايرة للموضوع الخارجي بالنظر الدقيق الفاحص، إلّا أنها عينه بالنظر غير الفاحص، و بهذا اللحاظ يمكن أن يحكم عليها بما هو ثابت للموضوع الخارجي من خصوصيّات.

66- كيف يمكن صبّ الحكم على الموضوع الخارجي، مع أن الحكم أمر ذهنيّ لا يمكن تعلّقه بما هو خارج الذهن؟

- يمكن ذلك عن طريق استحضار صورة ذهنيّة تكون بالنظر التصوري غير الفاحص عين الموضوع الخارجي، و صبّ الحكم عليها، و ان كانت بالنظر التصديقي الفاحص مغايرة للخارج.

حجّية القطع:

67- بيّن موضوع المنجزيّة على رأي المشهور، و على رأي السيّد الشهيد، و علّل لكلا الرأيين.

- موضوع المنجزيّة في رأي المشهور هو التكاليف المنكشفة بالقطع فقط؛ لضيق دائرة حق الطاعة عن شمول التكاليف غير المقطوعة، و أما على رأي السيّد الشهيد فموضوعه هو التكاليف المنكشفة مطلقاً؛ لسعة دائرة حق الطاعة في رأيه، و شموله للتكاليف المظنونة

و المحتملة.

68- ما علّة توقف منجزيّة التكليف المنكشف على عدم صدور ترخيص جادّ من قبل المولى في مخالفة ذلك التكليف؟

- العلّة هي أنه ليس للمولى حق الطاعة لتكليفه و الإدانة على مخالفته، إذا كان هو نفسه قد رخّص بصورة جادة في مخالفته.

69- متى يتأتى للمولى أن يصدر ترخيصاً جادّاً في مخالفة التكليف المنكشف؟ و كيف يتمّ ذلك؟

- يتأتى ذلك بالنسبة للتكاليف المنكشفة بالظن و الاحتمال، بجعل حكم ترخيصي ظاهري في موردها، كأصالة البراءة و الاحتياط، و لا يكون هذا الترخيص الظاهري هزليّاً، بل‏

22

المولى يريده جدّاً؛ ضماناً لما هو أهم من المبادي و الأغراض الواقعيّة.

70- لما ذا لا يمكن صدور الترخيص من المولى في مخالفة التكليف المنكشف بالقطع؟

- لأن الحكم الترخيصي إما واقعي أو ظاهري، و كلاهما مستحيل، أما الأول؛ فلأنه يلزم منه اجتماع حكمين واقعيين متنافيين، إما حقيقة لو كان المقطوع ثابتاً في الواقع، و اما في نظر القاطع؛ لأنه يرى مقطوعه ثابتاً دائماً، فلا يتقبل الحكم الترخيصي، و أما الثاني؛ فلأن الحكم الظاهري هو ما أخذ في موضوعه الشك، و المفروض أن المكلّف قاطع بالحكم الواقعي، فلا مجال لجعل الترخيص الظاهري.

71- قد يقال: إذا لاحظ المولى كثرة خطأ القاطعين بالحرمة، امكنه إصدار ترخيص بجعل الإباحة في موارد القطع غير المصيب، و ليس هذا حكماً ظاهريّاً؛ لعدم تقوّمه بالشك، لكنه يحمل روح الحكم الظاهري، و هو الحفاظ على ملاك الإباحة الاقتضائية، ناقش هذا القول.

- إن تشريع هذا الحكم الترخيصي غير ممكن؛ لأن كل قاطع بالحرمة يرى قطعه مصيباً، و ان هذا الترخيص ليس جادّاً في حقّه، و انما هو موجّه لغيره من الخاطئين في قطعهم، فيبقى هذا الحكم مرفوضاً لدى الجميع، فيكون تشريعه لغواً، لا يصدر من الحكيم.

72- سجّل جواب السيد الشهيد عن قول المشهور: إن المنجزية من لوازم القطع لا مطلق الانكشاف.

- الجواب: إن المنجزية إنما تثبت في موارد القطع بتكليف المولى، لا القطع بالتكليف من أي أحد، و هذا يفترض مولى في الرتبة السابقة، و المولوية معناها حق الطاعة و تنجزها على المكلف، فلا بد من تحديد دائرة حق الطاعة المقوّم لمولوية المولى، و نحن نشعر بالوجدان أن هذا الحق ثابت في مطلق التكاليف المنكشفة، لا خصوص القطع.

73- ما هو دليل المشهور على استحالة سلب المنجزية عن القطع؟

- دليلهم: أنه مع قطع المكلف بالتكليف، يحكم العقل بقبح معصيته، فلو رخّص المولى في مخالفته، لكان ترخيصاً في المعصية القبيحة عقلًا، و مثله لا يصدر من المولى الحكيم.

23

74- قال المشهور: ان الترخيص في مخالفة الحكم المقطوع ترخيص في المعصية القبيحة عقلًا، بين ردّ السيد الشهيد على هذا القول.

- ردّه: أنّ كون الترخيص في مخالفة الحكم المقطوع ترخيصاً في المعصية القبيحة متفرع على كون حق الطاعة غير متوقف على عدم ورود الترخيص من المولى، و هو متوقف حتماً؛ لأن من يرخص في مخالفة تكليف، لا يمكن أن يطالب بحق الطاعة فيه، فبصدور الترخيص يخرج التكليف من دائرة حق الطاعة، فلا تكون مخالفته معصية قبيحة.

75- ما هو الدليل على استحالة سلب المنجزية عن القطع في نظر المشهور و نظر السيد الشهيد؟

- يرى المشهور أن مردَّ الاستحالة الى كونها ترخيصاً في المعصية القبيحة عقلًا، و يردّها الشهيد الى عدم إمكان الترخيص في نفسه؛ لأن الترخيص الواقعي يؤدّي الى التنافي بين الحكمين الواقعيين إما حقيقة أو في نظر القاطع، و الترخيص الظاهري متوقف على الشك في الحكم الواقعي، و المفروض أن المكلّف قاطع به.

76- بيّن دليل السيد الشهيد على استحالة سلب المعذريّة عن القطع بالإباحة.

- دليله مشابه للدليل على استحالة سلب المنجزية عن القطع بثبوت التكليف، فان سلب المعذرية اما أن يكون باصدار حكم الزاميّ واقعي، و هذا يؤدي الى التنافي بين الحكمين‏

الواقعيين بالاباحة و الالزام، إما واقعاً أو في نظر القاطع، و اما باصدار حكم الزاميّ ظاهري، و هذا موقوف على الشك في الإباحة، و المفروض أنها مقطوع بها.

العلم الإجمالي‏

77- ما الدليل على منجزية العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية بترك كلا طرفي العلم الاجمالي بالوجوب؟

- الدليل أنه على مسلك قبح العقاب يؤدّي العلم الاجمالي الى العلم التفصيلي بجامع التكليف فيدخله في دائرة حق الطاعة، فلا يمكن مخالفته بترك كلا الطرفين، و على مسلك حق الطاعة القائل بمنجزية الاحتمال يكون كل من طرفي العلم الاجمالي محتملًا، فيتنجز

24

وجوب امتثال كلا الطرفين معاً، فضلًا عن أحدهما.

78- بيّن دليل المشهور على عدم امكان سلب منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعيّة.

- دليلهم ان الترخيص الشرعي في المخالفة القطعيّة غير معقول؛ لأنها معصية قبيحة بحكم العقل، فالترخيص فيها ترخيص في القبيح، فيستحيل صدوره من المولى، و هذا نفس دليلهم على استحالة سلب المنجزية عن العلم التفصيلي.

79- قال المشهور: ان سلب منجزية العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية مستحيل؛ لأَنه ترخيص في المعصية القبيحة عقلًا، بيّن ردّ السّيد الشهيد على هذا القول.

- هذا القول غير صحيح؛ لأن حكم العقل بقبح المعصية راجع الى حكمه بحقّ الطاعة للمولى؛ و هذا الحكم معلّق على عدم ورود الترخيص الجادّ من المولى في المخالفة، فإذا جاء الترخيص، ارتفع موضوع الحكم العقلي، فلا تكون المخالفة القطعية قبيحة عقلًا، فلا يستحيل الترخيص فيها.

80- ليس من المعقول ورود الترخيص الجادّ من المولى في مخالفة العلم التفصيلي، فهل يعقل الترخيص الجاد في المخالفة القطعيّة للعلم الاجمالي، و لما ذا؟

- نعم، يعقل ذلك؛ لأن العلم بجامع التكليف و ان كان متحققاً في العلم الإجمالي، إلّا أن‏

ملاكات الإباحة الاقتضائية قد تكون بدرجة من الأهمية تستدعي للمحافظة عليها الترخيص حتى في المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالاجمال.

81- يستحيل الترخيص في مخالفة العلم التفصيلي، فكيف أمكن الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الاجمالي، مع أن جامع التكليف معلوم فيه تفصيلًا؟

- أمكن ذلك للفرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي؛ فان العالم بالتكليف تفصيلًا لا يرى التزامه بعلمه مفوتاً لملاكات الإباحة الاقتضائية؛ لأنه قاطع بعدمها في مورد علمه، فلا يرى الترخيص المتوجّه اليه جادّاً، بينما العالم بالاجمال يرى أن الزامه بترك المخالفة القطعيّة قد يلزمه بفعل المباح، وعليه يتقبل توجّه ترخيص جادّ اليه في المخالفة القطعيّة؛ لضمان حفظ الملاكات الواقعيّة للاباحة الاقتضائية.

82- لما ذا لم يرد الترخيص في المخالفة القطعيّة للعلم الاجمالي إثباتاً، مع إمكان‏

25

ذلك ثبوتاً؟

- لأن هذا الترخيص يفترض أن غرض الإباحة أهم من الغرض الالزامي حتى مع العلم بالالزام إجمالًا، و هذا و ان كان ممكناً عقلًا، لكنه مخالف للارتكاز العقلائي الذي لا يتقبّل كون الأغراض الترخيصيّة أهم من الالزاميّة، و هذا الارتكاز يكون قرينة لبيّة متصلة يقيّد بها اطلاق الأصول المرخّصة فلا تشمل موارد العلم الاجمالي بالالزام.

83- بيّن تعليل المشهور، و تعليل السيّد الشهيد لعدم إمكان صدور ترخيص في المخالفة القطعيّة للعلم الاجمالي.

- علل المشهور ذلك بأنه مستحيل ثبوتاً و عقلًا؛ لكونه ترخيصاً في المعصية القبيحة عقلًا، و ذهب السيد الشهيد الى امكان ذلك عقلًا، ثم علل بأن الترخيص غير ممكن إثباتاً، لكونه على خلاف الارتكاز العقلائي الذي لا يتقبل كون الأغراض الترخيصيّة أهم من الالزاميّة.

84- وضّح المراد بمصطلحي عليّة العلم الإجمالي للمنجزية و اقتضائه للمنجزية.

- المراد بكون العلم الاجمالي علّة للمنجزية أنه منجز لحرمة المخالفة القطعيّة بنحو لا يمكن عقلًا أو عقلائياً الترخيص فيها، و المراد بكونه مقتضياً للمنجزية، أنه منجز لحرمة المخالفة القطعيّة بنحو يمكن معه الترخيص فيها عقلًا أو عقلائياً.

حجيّة القطع غير المصيب‏

85- بيّن المعنيين اللذين ذكرهما السيد الشهيد للإصابة.

- المعنى الأوّل: إصابة القطع للواقع، بمعنى كون المقطوع به ثابتاً، و المعنى الثاني: إصابة القاطع في قطعه، بمعنى نشوء قطعه من مبررات موضوعيّة و مناشئ عقلائيّة.

86- اذكر مثالًا تتحقق فيه الإصابة بمعنى مطابقة القطع للواقع، دون الإصابة بمعنى نشوء القطع من أسباب موضوعيّة.

- مثاله أن يقطع بوفاة إنسان؛ لإخبار شخص بوفاته، حال كونه ميّتاً حقاً، فاذا كانت نسبة الصدق في إخبارات ذلك الشخص 70% فالقطع مصيب بالمعنى الأول؛ لكونه مطابقاً

26

للواقع، و غير مصيب بالمعنى الثاني؛ لأن درجة التصديق لا بد أن تتناسب مع درجة الصدق في مجموع إخبارات المخبر.

87- عرّف بكلّ من القطع الموضوعي و الذاتي.

- القطع الموضوعي هو الحاصل من أسباب و مناشئ عقلائية، و القطع الذاتي هو الحاصل من أسباب ذاتية كالمؤثرات النفسيّة و العاطفيّة.

88- قالوا: لا يشترط في حجّية القطع مطابقته للواقع، و لا كونه ناشئاً من مناشئ عقلائية، فما هو الدليل على ذلك؟

- الدليل هو أن القطع بالتكليف هو تمام الموضوع لحقّ الطاعة، و لم يقيّد بالمطابقة للواقع، و لا بنشوئه من مناشئ عقلائية.

89- لما ذا يستحيل سلب الحجيّة عن القطع غير المصيب للواقع بالترخيص في مخالفته؟

- لأن هذا الترخيص يستحيل تأثيره في نفس القاطع؛ لأنه يرى نفسه مصيباً، فلا يرى نفسه مقصوداً بالترخيص جدّاً.

90- عرّف بما يلي: القطّاع، المتجري، المنقاد.

- القطّاعُ هو الذي يكثر عنده القطع الذاتي، و ينحرف غالباً في قطعه انحرافاً كبيراً عن الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعيّة.

المتجري هو الذي لا يمتثل ما يقطع بثبوته من التكاليف، مع عدم ثبوته في الواقع.

المنقاد هو الذي يمتثل ما يقطع بكونه مطلوباً للمولى فعلًا أو تركاً، و لكنه ليس مطلوباً في الواقع.

91- بيّن السبب في استحقاق المتجري للعقاب كالعاصي، و استحقاق المنقاد للثواب كالممتثل.

- يستحق المتجري العقاب كالعاصي؛ لأن انتهاكهما لحق طاعة المولى على نحو واحد، و يستحق المنقاد الثواب كالممتثل؛ لأن قيامهما بحق طاعة المولى على نحو واحد.

92- قيل: إن القطع الذاتي ليس معذّراً، و ان القطّاع اذا قطع بعدم التكليف، و عمل‏

27

بقطعه، و كان التكليف ثابتاً في الواقع، لم يعذر، بيّن الوجهين اللذين استدل بهما على هذا القول.

- الوجه الأول: ان الشارع ردع عن العمل بالقطع الذاتي، بالنهي عن المقدمات غير العقلائية المؤدية إليه، أو الأمر بالاتزان في تحصيل القطع، و هذا حكم طريقي ينجز التكاليف الواقعية التي يخطئها قطع القطّاع، و الوجه الثاني: ان القطاع اذا التفت الى كونه غير متعارف في قطعه، يحصل له علم اجمالي بعدم مطابقة بعض قطوعه للواقع، و لازمه ثبوت الحرمة في بعض قطوعه النافية للتكاليف، و هذا العلم الاجمالي منجز.

93- كيف ترد الاستدلال على عدم معذرية القطع الذاتي بأن المولى نهى عن المقدمات غير العقلائية المؤدية اليه، فاذا دخل المكلف فيها، و حصل له القطع النافي للتكليف، استحق العقاب على مخالفته المولى؟

- الرد بأن هذا الدليل أمر معقول ثبوتاً، و لكن لا دليل عليه إثباتاً.

94- استدل على عدم معذرية القطع الذاتي بما يحصل للقطاع- في بداية أمره- من علم اجمالي بخطإ بعض قطوعه النافية للتكليف، و ان التكليف ثابت في موردها، و هذا العلم منجز و مصحح للعقاب على المخالفة. اذكر ردّ هذا الدليل و جواب الردّ.

- ردّ الدليل: بأن القطّاع حينما تحصل لديه القطوع، يزول من نفسه ذلك العلم الاجمالي؛ لأنه لا يمكن أن يشك في قطعه و هو قاطع بالفعل، و الجواب: إن الدليل مبني على كون العلم الاجمالي كالقدرة، فكما أن حدوثها يدخل التكليف في دائرة حق الطاعة، و ان زالت بقاءً بسوء اختيار المكلف، كذلك حدوث العلم الاجمالي ينجز التكليف، و ان زال العلم بسوء اختيار المكلف.

تأسيس الأصل عند الشك في الحجيّة

95- متى يكون الدليل حجّة في إثبات الحكم الشرعي؟

- يكون الدليل حجة في ذلك أولًا: إذا كان قطعيّاً، و تكون حجيّته حينئذ ذاتية، و ثانياً: إذا كان ظنيّاً، و قام دليل شرعي قطعي على حجيّته، و تكون حجيّته حينئذ تعبّدية.

28

96- ما معنى القاعدة القائلة: الأصل عند الشك في حجيّة الدليل هو عدم الحجيّة؟

- معناها أن الدليل المحتمل الحجيّة ليس له أثر عملي، و أن كل ما كان مرجعاً لتحديد الموقف بقطع النظر عن هذا الدليل يظل هو المرجع معه أيضاً.

97- ما هو المرجع إذا توفر خبر محتمل الحجيّة يدل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و في مقابله قاعدة قبح العقاب بلا بيان؟ علّل لإجابتك.

- يكون المرجع هو القاعدة؛ و ذلك لأن احتمال الحجيّة لا يكمّل البيان، و لو كان احتمال الحجيّة كافياً لترك القاعدة المذكورة، لكفى في تركها مجرد احتمال وجوب الدعاء، سواء كان هناك خبر يُشَكُّ في حجّيته أم لا.

98- ما هو الموقف إذا كان لدينا خبر محتمل الحجيّة يدل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و كنّا من القائلين بمسلك حق الطاعة؟ علل لإجابتك.

- الموقف هو تحكيم هذا المسلك القائل: كل حكم يتنجّز بالاحتمال ما لم يقطع بالترخيص الظاهري في مخالفته، فيكون الدعاء منجزاً بمجرد الاحتمال، دون تأثير في ذلك للخبر المحتمل الحجيّة.

99- ما هو المرجع اذا توفر خبر مشكوك الحجيّة دال على تكليف إِلزاميّ، و في‏

مقابله أصالة البراءة الشرعيّة؟ علل لإجابتك.

- الموقف هو الأخذ بالبراءة؛ لأنّ موضوعها عدم العلم بالتكليف الواقعي، و هو ثابت مع الشك في حجيّة الخبر الدال على التكليف؛ لأن مثل هذا الخبر لا يؤدّي الى العلم بثبوت التكليف.

100- إذا توفّر خبر حجّة دال على تكليف إلزاميّ، و في مقابله أصالة البراءة الشرعيّة، فبأيهما نأخذ؟ و لما ذا؟

- نأخذ بالخبر الحجّة؛ و ذلك لأن موضوع البراءة الشرعيّة (عدم العلم بالحكم الواقعي)، و ان كان ثابتاً حتى مع قيام الخبر الحجّة، إلّا أن دليل حجيّة الخبر مقدم على دليل البراءة؛ لأنه حاكم عليه و رافع لموضوعه تعبداً.

101- ما هو الموقف اذا توفر خبر محتمل الحجيّة دال على حرمة شي‏ء معيّن، و في مقابله استصحاب إباحته المعلومة سابقاً؟ علل لإجابتك.

29

- الموقف هو العمل بالاستصحاب؛ لأن موضوعه هو الشك في بقاء الحالة السابقة، و وجود الخبر المحتمل الحجيّة لا يؤدّي للعلم بارتفاع الحالة السابقة، فلا يمنع من جريان الاستصحاب.

102- إذا وجد خبر مشكوك الحجيّة، دال على وجوب شي‏ء، و في مقابله دليل دال بالاطلاق على عدم وجوبه، فبأيّهما نعمل؟ و لما ذا؟

- نعمل باطلاق الدليل؛ ذلك لأن اطلاق الدليل حجّة، فيجب التمسك به، إلّا مع قيام حجة أخرى مقيّدة له، و المفروض أننا نشك في حجيّة الخبر، فلا يكون صالحاً لتقييد الدليل.

103- استدل على عدم حجّية الخبر المشكوك الحجيّة، بثبوت البراءة عن التكليف المشكوك الذي قام عليه الخبر، قرّب هذا الاستدلال.

- تقريبه أن البراءة عن التكليف المشكوك و حجيّة الخبر الدال على وجوبه حكمان ظاهريان متنافيان، فالدليل على ثبوت أحدهما يدل بالالتزام على نفي الآخر، و بما أن البراءة قد دلّ عليها الدليل جزماً (كحديث الرفع) دون حجيّة الخبر، فهذا يدل التزاماً على نفي الحجيّة عن الخبر.

104- استدل على عدم حجية ما يشك في حجيته من الامارات بكونه مشمولًا لإطلاق ما دلّ من الآيات على النهي عن العمل بالظن و غير العلم، بيّن اعتراض النائيني على هذا الاستدلال.

- اعترض بأن حجيّة الأمارة معناها جعلها علماً، فمع الشك في الحجيّة، يشك في كونها علماً، فلا يمكن التمسك بدليل النهي عن العمل بغير العلم؛ لعدم إِحراز موضوعه.

105- قال النائيني: إنّ معنى حجية الأمارة جعلها علماً، فالشك فى حجيتها شك في جعلها علماً، فلا يمكن التمسك باطلاق الآيات الناهية عن العمل بالظن لنفي الحجيّة المشكوكة؛ لعدم إحراز موضوعها و هو عدم العلم، سجّل الردّ على هذا القول.

- يُردُّ بأن النهي عن العمل بالظن ليس تحريميّاً، بل إرشاد الى أن الظن ليس حجة، فاذا كان معنى الحجيّة هو العلميّة، فيكون معنى الآيات الناهية عن العمل بالظنّ: أن كل ظنّ ليس حجة، أي: ليس علماً، و لا يجوز رفع اليد عن هذا العموم إلّا بحجة أخرى مخصصة له، و الخبر المشكوك الحجّية لم تثبت حجيّته، فلا يصلح للتخصيص.

30

مقدار ما يثبت بدليل الحجيّة

106- متى يكون الدليل حجة في إثبات مدلوله الالتزامي؟

- يكون كذلك في حالتين، أولاهما: إذا كان الدليل قطعيّاً، و الثانية: إذا كان دليل الحجيّة يرتب الحجيّة على عنوان ينطبق على الدلالة المطابقية و الالتزامية على السواء، كعنوان خبر الثقة.

107- اذكر مستند الاشكال على اثبات الظهور العرفي لمدلوله الالتزامي، رغم قيام الدليل على حجيّة هذا الظهور؟

- مستنده: أن الظهور العرفي ليس دليلًا قطعيّاً ليثبت به مدلوله الالتزامي، كما أن دلالته الالتزاميّة ليست ظهوراً عرفيّاً، لتكون مشمولة لدليل حجيّة الظهور.

108- اذكر تفصيل العلماء بين الأمارات و الأصول من حيث اثباتها للمدلول الالتزامي.

- حاصل التفصيل: أن كل ما قام الدليل على حجيته من باب الأماريّة كان حجة في إثبات لوازمه العقلية، و كل ما قام الدليل على حجيّته بوصفه أصلًا عملياً، فليس حجة في اثبات لوازمه العقلية.

109- كيف فسّر النائيني إثبات الأمارات للوازمها العقلية دون الأصول العملية؟

- فسّره بأن دليل حجيّة الأمارة يجعلها علماً، فيترتب على ذلك كل آثار العلم، و منها أنّ العلم بشي‏ء علم بلوازمه العقلية، و أما أدلة حجية الأصول فمفادها التعبّد بالجري العملي وفق الأصل، فيتحدد الجري بمقدار مؤدّى الأصل، و لا يشمل الجري على طبق اللوازم العقلية الّا مع قيام قرينة.

110- قال النائيني: إن دليل حجيّة الأمارة يجعلها علماً، وعليه تكون حجة في إثبات لوازمها العقلية؛ لأن العلم بشي‏ء علم بلوازمه، سجّل اعتراض السيد الخوئي على هذا القول.

- اعترض بأن دليل حجيّة الأمارة و ان جعلها علماً، لكنه علم تعبديّ، و دعوى أن العلم بشي‏ء علم بلوازمه إنما تصدق في العلم الوجداني دون التعبدي، وعليه فالأصل في الأمارات‏

31

أيضاً هو عدم حجيّتها في إثبات لوازمها العقليّة.

111- كيف فسّر السيد الشهيد حجيّة الأمارة في إثبات لوازمها العقليّة؟

. تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقيّة

112- بين محلّ النزاع في تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقيّة في الحجيّة.

- محلّه كون اللازم المدلول عليه بالأمارة من قبيل اللازم بالمعنى الأعم، فانه محتمل الثبوت حتى مع عدم ثبوت المدلول المطابقي، وعليه فلو سقطت الأمارة عن الحجيّة في مدلولها المطابقي؛ لوجود معارض، فقد يقال ببقائها في مدلولها الالتزامي؛ لأن تبعيّة

الالتزامية للمطابقية في الوجود، لا تقتضي تبعيّتها لها في الحجيّة.

113- سجّل دليل السيد الخوئي على تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجيّة.

- دليله: أن المدلول الالتزامي مساو دائماً للمدلول المطابقي، و لا يكون أعمَّ منه، وعليه فكلّ ما يوجب سقوط المدلول المطابقي عن الحجيّة، يوجب ذلك أيضاً في المدلول الالتزامي.

114- ما هو دليل السيّد الخوئي على أن المدلول الالتزامي مساو دائماً للمطابقي، مع أنّ ذات اللازم قد تكون أعمّ من الملزوم؟

- دليله: أنّ اللازم الأعم له حصتان: إحداهما مقارنة للملزوم، و الأخرى غير مقارنة، و الأمارة الدالة مطابقة على الملزوم، تدل بالالتزام على الحصة الأولى من اللازم، و هي مساوية دائماً، فالخبر الدال مطابقة على وقوع زيد في النار، يدل التزاماً على حصة خاصة من موته، و هي المستندة الى الاحتراق بالنار، و لا يدل على موته من أي سبب حصل.

115- قال السيد الخوئي: إن المدلول الالتزامي هو الحصة المقارنة للملزوم، و هي مساوية دائماً للازم، و لذا يؤدي سقوط الدليل عن الحجيّة في مدلوله المطابقي (الملزوم) الى‏

32

سقوطه عن الحجية في مدلوله الالتزامي (اللازم)، بيّن ملاحظة السيد الشهيد على هذا القول.

- الملاحظة: أن اللازم لا يكون مساوياً دائماً، بل قد يكون أعمّ؛ فان اللازم لصفرة الورقة مثلًا هو عدم السواد الكلّي، لا حصة خاصة من عدم السواد و هي العدم المقيّد بوجود الصفرة، نعم، هذا التقيّد يحصل بحكم الملازمة و بعد تحققها، لا أنه مأخوذ في طرف الملازمة، و تطرأ الملازمة عليه.

116- استدل على تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقيّة في الحجيّة بأنّ الكشفين في الدلالتين قائمان دائماً على أساس نكتة واحدة، وضّح هذا الاستدلال.

- توضيحه: أن النكتة في الأخذ بخبر الثقة مثلًا هي استبعاد خطئه في إدراكه للواقعة الحسيّة، فاذا أخبر بدخول زيد في النار ثبت بسبب النكتة المذكورة دخوله فيها و موته احتراقاً، فاذا علم بعدم دخوله و ان المخبر اشتبه في المدلول المطابقي، لم يحكم بصدق المخبر في المدلول الالتزامي أيضاً؛ لأن النكتة في تصديقه هي استبعاد الاشتباه، و المفروض‏

أننا نقطع بتحقق الاشتباه.

117- ما هو الصحيح في تبعيّة كل من الدلالتين الالتزامية و التضمنيّة للدلالة المطابقية في الحجيّة؟

- الصحيح تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجيّة، و عدم تبعيّة الدلالة التضمنية للمطابقية في الحجّيّة.

وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي‏

118- أشكل على قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزية و المعذريّة بدعوى أنه مخالف لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، اذكر الجواب عن هذا الإشكال.

- الجواب: أولًا بإنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و ثانياً: لو سلمناها فهي مختصة بالأحكام المشكوكة التي لا يعلم بأهميتها على تقدير ثبوتها، و أما ما يعلم بأهميته على تقدير ثبوته، فهو خارج عن القاعدة تخصصاً، و الأمارة بقيامها على الحكم الظاهري، تبرز اهتمام المولى بالتكليف الواقعي في موردها على تقدير ثبوته، فيكون بذلك خارجاً عن القاعدة.

33

119- استشكل على قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزيّة و المعذريّة بعدم إمكانه على مستوى الصياغة التشريعيّة، بيّن منشأ هذا الاستشكال.

- منشؤه أنَّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي إنما يحصل بتنزيلها منزلته، و التنزيل من الشارع إنما يحصل إذا كان للمنزل عليه أثر شرعي يوسّعه المولى و يجعله للمنزّل، كما في تنزيل الطواف منزلة الصلاة، و بما أن القطع الطريقي ليس له أثر شرعي، بل أثره عقلي، و هو المنجزية و المعذريّة، فلا يمكن التنزيل.

120- أشكل على قيام الأمارة مقام القطع الطريقي، بأنه إنما يحصل بتنزيلها منزلته، و لا بد للتنزيل من وجود أثر شرعيّ للمنزّل عليه، يجعله المولى للمنزّل، و بما أنّ القطع الطريقي ليس له أثر شرعي، بل أثره عقلي، و هو المنجزية و المعذرية، فلا يمكن التنزيل، بيّن الطريقين اللذين ذكرهما العلماء للتخلص من هذا الإشكال.

- الطريق الأول: رفض فكرة التنزيل، و استبدالها بفكرة جعل الحكم التكليفي المماثل لمؤدّى الأمارة، فإذا دلّ الخبر على وجوب السورة حكم الشارع بوجوبها ظاهراً، و بذلك يتنجّز الوجوب، و الطريق الثاني: ان إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي لا تتمثل في عملية تنزيل، بل تحصل باعتبار الظن علماً، و المنجزية و المعذرية ثابتتان للعلم الجامع بين الحقيقي و الاعتباري.

121- ما هو الصحيح في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزية و المعذرية على رأي السيّد الشهيد؟

- الصحيح أنّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي إنما هو بإبرازها لاهتمام المولى بالتكليف المشكوك، بنحو لا يرضى بتفويته على تقدير ثبوته، و ليس المهم لسان هذا الإبراز و صياغته من جعل الطريقية أو الحكم المماثل أو تنزيل الظن منزلة العلم؛ لأن المنجِّز في الحقيقة هو إبراز الاهتمام المولوي المذكور، بأيّة صياغة حصل.

122- متى تقوم الأمارة الحجّة مقام القطع الموضوعي، و لما ذا؟

- تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي، إذا كان القطع مأخوذاً موضوعاً للحكم بوصفه منجّزاً و معذّراً؛ لأنها تكتسب من دليل الحجيّة صفة المنجزية و المعذريّة، فتكون فرداً حقيقياً من أفراد الموضوع.

34

123- متى يكون دليل حجيّة الأمارة وارداً على دليل الحكم الشرعي المرتّب على القطع؟

- يكون كذلك إذا كان القطع مأخوذاً في الموضوع بوصفه منجّزاً و معذّراً (لا كاشفاً تامّاً)؛ لأن دليل حجيّة الأمارة يجعلها منجّزة و معذّرة، فيوجد مصداقاً حقيقيّاً لموضوع الحكم المرتب على القطع.

124- بما ذا استدل النائيني على قيام الأمارة مقام القطع المأخوذ في موضوع الحكم بما هو كاشف تامّ؟

- استدل بأن مفاد دليل حجيّة الأمارة هو جعلها علماً، و بهذا يكون حاكماً على دليل الحكم الشرعي المترتب على القطع، و موسعاً لموضوعه بايجاد فرد تعبدي له، فيسري حكمه إليه.

125- يرى النّائيني أن دليل حجية الأمارة حاكم على الدليل الذي أخذ في موضوعه القطع بما هو كاشف تام، ناقش هذا الرأي.

- يناقش بأن الدليل الحاكم لا بد أن يكون ناظراً الى الدليل المحكوم، و دليل حجيّة الأمارة لم يثبت نظره الى أحكام القطع الموضوعي، بل نظره الى تنجيز الأحكام الواقعيّة المشكوكة، خاصة إذا كان دليل حجية الأمارة هو السيرة العقلائية؛ إذ لا انتشار للقطع الموضوعي في حياة العقلاء، لكي تكون سيرتهم على حجيّة الأمارة ناظرة اليه.

إثبات الأمارة لجواز الاسناد

126- هناك موردان يحرم فيهما إسناد الحكم الى الشارع، اذكرهما مع بيان سبب التحريم.

- المورد الأول: أن لا يكون الحكم صادراً من الشارع واقعاً، فيحرم إسناده اليه؛ لأنه كذب، و المورد الثاني: أن لا يعلم بصدور الحكم من الشارع- و ان كان صادراً واقعاً- فيحرم اسناده اليه؛ لأنه تشريع و افتراء.

127- يحرم اسناد حكم لم يصدر من الشارع اليه، و تنتفي هذه الحرمة بقيام دليل قطعي على الحكم، فهل تنتفي بقيام الأمارة الحجة على الحكم أيضاً، و لما ذا؟

35

- نعم تنتفي؛ و ذلك لأن القطع بالنسبة اليها طريقيّ، و لا شك في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي.

128- إن حرمة إسناد الحكم الذي لم يصدر من الشارع اليه تنتفي بقيام الأمارة الحجة على ذلك الحكم، لكن انتفاءَها مرتبط بحجيّة مثبتات الأمارة، بيّن سبب هذا الارتباط.

- سببه أن موضوع هذه الحرمة هو عنوان الكذب، و هو مخالفة الخبر للواقع، و انتفاء هذه المخالفة مدلول التزامي للأمارة الدالة على ثبوت الحكم؛ لأن كل ما يدل على حكم مطابقة، يدل التزاماً على أن الإخبار عنه ليس كذباً.

129- إِنّ حرمة إِسناد الحكم الذي لا يعلم بصدوره من الشارع اليه، يظل موضوعها (و هو عدم العلم) ثابتاً حتى بعد قيام الأمارة الحجة على الحكم، فعلام يتوقف انتفاء

الحرمة حينئذ؟

- يتوقف انتفاؤها على أحد أمرين، أولهما: استفادة قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي من دليل حجيّتها، و الثاني: إثبات مخصص لما دلَّ على عدم جواز الإسناد بلا علم- من إِجماع أو سيرة- يخرج موارد قيام الحجة الشرعيّة على الحكم.

إبطال طريقيّة الدليل‏

130- ما هي الطريقة التي يتمكن بها الشارع من التدخل لإبطال حجيّة الدليل و ان كان قطعيّاً؟

- يتمكن من ذلك بتحويله من الطريقيّة الى الموضوعيّة، بأن يأخذ عدم قيامه على الجعل الشرعي قيداً في فعليّة الحكم المجعول، فاذا قام هذا الدليل على الجعل الشرعي انتفى المجعول بانتفاء قيده.

131- قد يقال: إن سلب المنجزية عن الدليل القطعي بتحويله من الطريقيّة الى الموضوعيّة، بأخذ عدم قيامه على الجعل قيداً في المجعول، هو سلب للحجية عن القطع بعد حصوله، و هذا غير ممكن، فكيف تردّ هذا القول؟

- يردّ بأنّ هذا ليس من سلب الحجيّة عن القطع بعد حصوله، بل من الحيلولة دون‏

36

وجود هذا القطع؛ لأن القطع المنجِّز هو القطع بالمجعول و الحكم الفعلي، لا القطع بالجعل، و لا قطع في المقام بالمجعول، على الرغم من ثبوت القطع بالجعل؛ ذلك لأن هذا القطع بالجعل يكون بنفسه نافياً لفعلية الحكم؛ نتيجة لتقييد المجعول بعدمه.

132- يرى جملة من العلماء أن العلم بالجعل المستند الى الدليل العقلي ليس حجة، اذكر التعقيب على هذا الرأي.

- عقّب عليه بأنه إن أريد بهذا تحويله من الطريقية الى الموضوعيّة بأخذ عدم العلم العقلي بالجعل قيداً في المجعول، فهو ممكن ثبوتاً، لكن لا دليل عليه إثباتاً، و ان أريد سلب الحجية عنه بدون التحويل المذكور، فهو مستحيل؛ لأن القطع الطريقي لا يمكن تجريده من المنجزيّة و المعذريّة.

الدليل الشرعي اللفظي: الدلالات الخاصة و المشتركة

133- ما هي الألفاظ التي يبحث عنها في علم الأصول؟ بيّنها مع التمثيل.

- هي الألفاظ ذات الدلالات العامة التي تصلح للدخول في استنباط مسائل مختلفة، فيبحث عنها بوصفها عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، كدلالة صيغة إِفعل على الوجوب، و دلالة اسم الجنس الخالي من القيد على إرادة المطلق.

134- البحوث اللفظيّة التي يتناولها علم الأصول على قسمين: بحوث لغويّة، و بحوث تحليلية، بيّن المراد بكل منهما، و مثل له.

- البحث اللغوي ما يراد به اكتشاف دلالة اللفظ على معنى معيّن، كالبحث عن دلالة صيغة الأمر على الوجوب، و البحث التحليلي ما يكون معنى الكلام واضحاً فيه، و لكن يبحث عمّا يقابل بعض اجزاء الكلام من أجزاء المعنى، كتحديد المعنى المقابل لكلمة (في) من جملة (زيد في الدار)؛ فانه غامض رغم وضوح معنى الجملة بأكملها.

135- من مواضع البحث اللغوي لدى الأصوليين أن تكون هناك دلالة كلية كقرينة الحكمة، و يراد تطبيقها لإثبات ظهور الكلام في معنى معيّن، وضّح هذا الموضع بالتمثيل.

- مثاله تطبيق قرينة الحكمة على صيغة الأمر؛ لاستفادة دلالتها على الوجوب النفسي‏

37

التعييني، عن طريق إثبات أن الطلب الغيري مقيَّد بما إذا كان وجوب ذي المقدمة ثابتاً، و ان الطلب التخييري مقيّد بما إذا لم يؤتَ بالعِدل، فينفى كل منهما بالاطلاق تطبيقاً لقرينة الحكمة، فهذا بحث تطبيقي يحتاج للنظر العلمي في حقيقة معنى الطلب الغيري و التخييري، و اثبات أنهما من الطلب المقيّد.

136- قد يكون المعنى متبادراً و مفهوماً من اللفظ، و لكن يقع البحث عن منشأ هذه الدلالة، اشرح هذه الحالة، و وضحها بالتمثيل.

- مثالها تبادر المطلق من اسم الجنس (كلفظ رقبة و عالم) مع عدم ذكر القرينة، و لكن يقع البحث عن منشأ هذا التبادر، و هل هو ناشئ من وضع اللفظ للمطلق، أو من دالّ آخر كقرينة الحكمة؟

137- قد يكون المعنى متبادراً و ظاهراً عرفاً من اللّفظ، و لكن يواجه ذلك شبهة تمنع الأصولي من الأخذ بتبادره ما لم يجد حلًّا فنيّاً لتلك الشبهة، وضح هذه الحالة بالتمثيل.

- مثالها تبادر المفهوم من الجملة الشرطية؛ فإِنّ ثبوت المفهوم يتوقف على كون الشرط علة منحصرة للجزاء، و لكننا نحسّ أيضاً بأن الشرط لو لم يكن علة منحصرة للجزاء، لم يكن استعمال أداة الشرط مجازاً، فيقع التنافي بين الوجدان القاضي بظهور الشرطية في المفهوم، و الوجدان القاضي بعدم المجازيّة، فيحصل الشك في دلالة الشرطية على المفهوم، ما لم يتوصل الى تفسير يوفّق بين الوجدانيين.

المعاني الحرفية

138- لوحظ أن الحرف يختلف عن الاسم المناظر له في المعنى، و هناك اتجاهان في تخريج هذا الاختلاف، اذكرهما باختصار.

- الاتجاه الأول لصاحب الكفاية، و هو أن معنى الحرف هو نفس معنى الاسم الموازي له ذاتاً، و انما يختلف عنه اختلافاً عرضيّاً في نوع اللحاظ، و الاتجاه الثاني للمشهور، و هو أنّ معنى الحرف و معنى الاسم الموازي له متباينان ذاتاً، و ليس الفرق بينهما باختلاف كيفيّة اللحاظ فقط، بل الاختلاف في كيفيّة اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين.

38

139- اشرح مراد الآخوند من قوله: إِن الفارق بين مدلولي كلمة (من) و كلمة (ابتداء) في نوع اللّحاظ، مع وحدة ذات المعنى الملحوظ فيهما معاً.

- مراده أنهما موضوعان لمعنى واحد هو مفهوم الابتداء، و هذا المفهوم إذا لوحظ وجوده في الخارج فهو مرتبط دائماً بطرفين: المبتدي و المبتدأ منه، و اذا لوحظ وجوده في الذهن، فتارة يلحظ بما هو، و يسمّى باللّحاظ الاستقلالي، و اخرى يلحظ بما هو حالة قائمة بطرفين مطابقاً لواقعه الخارجي، و يسمّى باللحاظ الآلي، و كلمة (ابتداء) موضوعة له باللحاظ الاستقلالي، و كلمة (من) موضوعة له باللّحاظ الآلي.

140- لما ذا أكّد الآخوند الخراساني أنّ اللحاظ الآلي ليس قيداً مقوّماً للمعنى الموضوع له الحرف؟

- اكّد ذلك لأَنّ اللحاظ أمر ذهنيّ، و المقيّد بالأمر الذهني يكون ذهنيّاً، فلو كان اللحاظ الآلي مقوّماً لمعنى الحرف، لزم عدم إمكان امتثال نحو (سر من البصرة)؛ لأنّ ما يحصل من المكلّف هو الابتداء الخارجي لا الذهني، مع أنه لا إشكال في حصول الامتثال بذلك، ممّا يكشف عن عدم كون اللحاظ الآلي قيداً في (من).

141- يرى الآخوند أن اللحاظ الآلي أو الاستقلالي ليس قيداً في المعنى الموضوع له الحرف و الاسم الموازي له، بل هو قيد لنفس العلقة الوضعيّة المجعولة للواضع، فما ذا يترتب على هذا الرأي؟

- يترتب عليه صحة استعمال كل من الحرف و الاسم في موضع الآخر، فاستعمال (من) في الابتداء الملحوظ باللحاظ الاستقلالي استعمال حقيقي في المعنى الموضوع له، غاية الأمر هو استعمال بلا وضع؛ لأن وضع كلمة (من) للابتداء مقيّد بغير حالة اللحاظ الاستقلالي 142- ما الدليل على أن معاني الحروف مغايرة ذاتاً لمعاني الأسماء؟

.- الدليل: أن الصورة الذهنيّة لجملة (الكتاب على المنضدة) مثلًا، مشتملة على معان مترابطة، فلا بد من وجود معان رابطة بينها، فان كانت صفة الربط عارضة على تلك المعاني، فلا بد أن تكون مستمدة من غيرها، حتى ننتهي الى معان يكون الربط عين ذاتها و حقيقتها؛ لأن ما بالعرض لا بد أن ينتهي الى ما بالذّات، و ليست هذه المعاني مدلولة للأسماء؛ لأن ما كان الربط عين ذاته يستحيل تصوّره مجرداً عن طرفيه، مع أننا نتصور معاني الاسماء مجردة عن‏

39

غيرها، و ليس بعد الأسماء ما يدلّ على هذه المعاني إلّا الحروف، و بهذا يثبت التغاير، و أنَّ معاني الاسماء مستقلة و معاني الحروف رابطة غير مستقلة.

143- قال السيّد الشهيد: إن مفهوم النسبة و الربط ليس معنىً حرفياً، بل هو معنى اسميّ، فما دليله على هذا القول؟ و ما هو معنى الحرف إذن؟

- أما دليله على أن مفهوم النسبة و الربط معنىً اسميّ فهو إمكان تصور هذا المعنى مستقلًا بدون أطراف، و أما معنى الحرف فهو واقع النسبة و الربط لا مفهومهما.

144- حينما نواجه ناراً في الموقد ينتزع الذهن عدة مفاهيم: مفهوم بإزاء النار، و مفهوم بإزاء الموقد، و مفهوم بإزاء العلاقة و النسبة القائمة بين النّار و الموقد، بيّن الغرض من‏

إحضار هذه المفاهيم في الذهن أولًا، و ما يكفي في تحقيق هذا الغرض ثانياً.

- الغرض من إحضار مفهومي النار و الموقد في الذهن هو التمكن بواسطتهما من الحكم على النار و الموقد الخارجيين، و الغرض من احضار مفهوم النسبة هو الربط بين مفهوم النّار و مفهوم الموقد، و يكفي لتحقيق الغرض الأول أن يكون الحاصل في الذهن ناراً و موقداً بالنظر التصوري، و ان لم يكونا كذلك بالنظر التصديقي، و أما الغرض الثاني فلا يكفي لتحقيقه كون المفهوم الحاضر في الذهن نسبة بالنظر التصوري، بل لا بد من كونه نسبة حقيقة و بالنظر التصديقي؛ لكي يحصل الارتباط واقعاً بين المفاهيم الذهنية.

145- بيّن الفرق بين تفسير النائيني لايجاديّة المعنى الحرفي، و بين تفسير السيد الشهيد لها.

- يرى النائيني أن الحرف لا يدل على معنى ثابت في الذهن قبل الكلام، بل هو يوجد معناه الذي هو الربط بين الألفاظ في مرحلة الكلام، و يرى السيد الشهيد أن الحرف يدل على واقع النسبة و الربط، أي أن معناه عين حقيقة نفسه، لا مجرد مفهوم يري الحقيقة تصوّراً و يغايرها تصديقاً.

146- متى يعقل تكثّر أفراد النوع الواحد من النسبة كنسبة الظرفية مثلًا؟

- يعقل ذلك في حالتين، أولاهما: تغاير طرفي النسبة ذاتاً، كما في نسبة النار الى الموقد، و نسبة الكتاب الى المحفظة، و الثانية: تغاير طرفي النسبة موطناً، كنسبة الظرفية بين النّار و الموقد في الخارج، و في ذهن المتكلم، و في ذهن السامع.

147- ما هو الفرق بين الجامع الذاتي الحقيقي و الجامع العرضي؟ مثّل لإجابتك.

40

- الجامع الذاتي هو المقوّم للأفراد، الداخل في حقيقتها، كالإنسان بالنسبة الى زيد و خالد، و اما الجامع العرضي، فهو لا يقوّم الأفراد، بل هو أمر خارج عن حقيقتها، يجمع بينها، كالأبيض بالنسبة الى القطن و الثلج.

148- كيف يتمّ انتزاع الجامع الحقيقي بين الأفراد؟ وضح إجابتك بمثال.

- يتم ذلك بحفظ جهة مشتركة بينها، و الغاء الفوارق التي تميّزها عن بعضها، و مثاله انتزاع الجامع بين زيد و خالد، بالغاء ما يتميّز به أحدهما عن الآخر من الطول و اللون و الذكاء الى آخره، و ابقاء ما يشتركان فيه معاً، و هو الحيوان الناطق.

149- ما الدليل على استحالة انتزاع الجامع الذاتي الحقيقي بين أفراد النسبة الواحدة؟

- الدليل: أن انتزاع الجامع الذاتي بين النسب يتوقف على الغاء ما به الامتياز، و بما أنّ امتياز النسب ليس إلّا بالطرفين اللذين هما بنفسهما المقوّم الذاتي لكلّ نسبة، فبطرحهما لا يبقى لدينا شي‏ء ليكون هو الجامع الذاتي بين الأفراد.

150- ما الدليل على أن الوضع في الحروف من قبيل الوضع العام و الموضوع له الخاص؟

- الدليل هو عدم تعقّل جامع ذاتي بين النسب ليوضع له الحرف، فلا بد أن يكون الحرف موضوعاً لكلّ نسبة بخصوصها، و هذا يتم باستحضار جامع عنواني عرضي، يمكن بواسطته تصوّر تلك الأفراد، و وضع الحرف لها، فيكون الوضع عاماً و الموضوع له خاصّاً 151- ما المقصود بكون المعنى الحرفي خاصّاً و جزئياً؟

.- ليس المقصود أن معنى الحرف جزئي بالمعنى المنطقي و هو ما لا يقبل الصدق على كثيرين؛ لأنه مناف للوجدان، فلو قال: سر من البصرة، حصل الامتثال بالسير من أية نقطة من نقاطها، بل المقصود هو الجزئية بمعنى تقوّم كل نسبة بطرفيها المغايرين لطرفي النسبة الأخرى.

هيئات الجمل‏

152- قارن بين وضع هيئة الجملة الناقصة و هيئة الجملة التّامة.

41

- الهيئة في كل منهما موضوعة للدلالة على النسبة، لكن هيئة الجملة الناقصة موضوعة لنسبة ناقصة، و هيئة الجملة التامّة موضوعة لنسبة تامة يصح السكوت عليها.

153- بيّن رأي السيد الخوئي و رأي المشهور في المدلول الوضعي لهيئة كل من الجملة التامة و الجملة الناقصة.

- يرى السيد الخوئي أن المدلول لهيئة كلتا الجملتين تصديقيّ، لكن هيئة الجملة الناقصة موضوعة للمدلول التصديقي الأول (قصد إخطار المعنى) و هيئة الجملة التامّة

موضوعة للمدلول التصديقي الثاني (قصد الحكاية عن المعنى في الجملة الخبرية، و قصد إنشاء الحكم في الجملة الانشائية)، و أما المشهور فيرى أن المدلول الوضعي لهيئة الجملة بنوعيها تصوريّ دائماً، فهي تدل على النسبة دلالة تصوريّة، و أما الدلالتان التصديقيّتان فهما ناشئتان من ظهور حال المتكلم.

الجملة التامّة و الجملة الناقصة

154- على القول بأن المعنى الموضوع له كل من الجملة التامة و الناقصة هو المدلول التصوري، هل يمكن التمييز بينهما على أساس الاختلاف في المدلول التصديقي دون التصوري؟ و لما ذا؟

- لا يمكن ذلك؛ لأن المدلول التصوري للجملتين اذا كان واحداً، و كانت النسبة التي تدل عليها الجملة التامّة هي بنفسها مدلول الجملة الناقصة، فكيف امتازت التامة عن الناقصة بمدلول تصديقي من قبيل قصد الحكاية؟ و لما ذا لا يصح قصد الاخبار بجملة (قيام زيد) كما يصح بجملة (قام زيد)؟

155- قال السيد الشهيد: التحقيق أن التماميّة و النقصان من شئون النسبة في عالم الذهن لا في عالم الخارج، بيّن المراد بهذا القول.

- مراده: أنّ لفظي (مفيد) و (عالم) مثلًا، تكون النسبة بينهما تامة اذا جعلنا منهما مبتدأً و خبراً (المفيد عالم)، و تكون ناقصة اذا جعلنا منهما موصوفاً و وصفاً (المفيد العالم)، و جعل (المفيد) مبتدأً تارة و موصوفاً أخرى أمر ذهنيّ لا خارجيّ؛ لأنّ حال المفيد في الخارج لا يتغيّر

42

عمّا هو عليه.

156- متى تكون النسبة في الذهن تامة، و متى تكون ناقصةً؟

- تكون النسبة تامّة في الذهن اذا وجدت فيه بما هي نسبة فعلًا، و هذا يتطلب أن يكون لها طرفان متغايران في الذهن؛ إذ لا نسبة بلا طرفين، و تكون ناقصة اذا كانت اندماجيّة، تدمج أحد طرفيها بالآخر و تكوّن منهما مفهوماً واحداً و حصة خاصة؛ إذ لا نسبة حينئذ حقيقة في الذهن، و ان أمكن اكتشاف وجودها فيه بالتحليل.

الجملة الخبرية و الانشائية

157- بيّن رأي الآخوند الخراساني في الفرق بين جملة (بعت) الخبرية (و بعت) الانشائية، و اذكر تعقيب السيد الشهيد عليه.

- يرى الآخوند أن الجملتين متحدتان في مدلولهما التصوري و هو نسبة البيع الى البائع، لكنهما مختلفتان في مدلولهما التصديقي، ففي الانشائية يقصد ايجاد البيع، و في الخبرية يقصد الاخبار عن تحقّقه، و عقّب الشهيد بأن هذه التفرقة إن تمّت فإنما تتم في الجملتين اللتين بلفظ واحد مثل (بعت)، و اما المختلفتان مثل (أَعادَ و أَعِد) فإنها لا تتم؛ لأننا نشعر بالوجدان بالفرق بينهما حتى مع قطع النظر عن القصد.

158- بيّن المراد بالقول: إن الاختلاف ثابت بين الجملتين الخبرية و الانشائية في مرحلة المدلول التصوري، و ذلك في كيفيّة الدلالة.

- المراد أنّ الجملتين لا تختلفان في أصلِ المدلول التصوري، بل في كيفية الدلالة عليه، فكل من جملتي (بعت) الانشائية و الخبريّة تدلّ وضعاً على معنى واحد هو التمليك، لكن الانشائية موضوعة للدلالة على ايجاده، و الاخبارية موضوعة للدلالة على الاخبار عنه 159- ما معنى ما ادعيَ من ايجادية الحرف لمعناه، و ايجادية الجملة الانشائية لمعناها؟

.- معنى ايجادية الحرف لمعناه كونه موجداً للربط الكلامي، و معنى إيجادية الجملة الانشائية مثل (بعتُ) لمعناها كونها موجدة لاعتبار التمليك بالكلام، فما يوجَد بالحرف حالة

43

قائمة بنفس الكلام و هي الربط، و ما يوجد بالجملة الانشائية أمر اعتباري كالتمليك.

160- قالوا: إن دلالة الجملة الانشائيّة على مدلولها بمعنى ايجادها له باللفظ، و أن جملة (بعت) الإنشائية مثلًا توجد أمراً اعتبارياً هو التمليك، بيّن ما يرد على هذا القول.

- يرد عليه: إن أريد بالتمليك الاعتبار النفساني للتمليك القائم في نفس البائع، فمن الواضح سبق وجوده على الكلام، غايته ان الكلام يستعمل لابرازه و الكشف عنه، و ان أريد به اعتبار الشارع أو العقلاء للملكية، فيرد عليه: ان هذا الاعتبار لا يصدر منهما إلّا بعد استعمال‏

4

جملة (بعت) في معناها تصوراً و إرادته جدّاً، فهذا الاعتبار أثر لاستعمال (بعت) في معناها، و ليس هو نفس معناها.

161- هناك تفسيران لإيجادية الجملة الانشائية، اذكرهما و بيّن ما يرتضيه السيد الشهيد منهما.

- أول التفسيرين: ان استعمال الجملة الانشائية في معناها هو بنفسه إيجاد للمعنى باللفظ، و ثانيهما: ان النسبة المبرزة بالجملة الانشائية هي نسبة منظور اليها لا بما هي متحققة، بل بما هي في طريق الانجاز و الايجاد، و السيد الشهيد يرتضي التفسير الثاني.

الثمرة

162- بيّن ما قيل في تصوير ثمرة البحث عن المعنى الحرفي.

- ثمرته أنه إذا ثبت كون الحروف- بالمعنى الأصولي الشامل للهيئات- موضوعة بالوضع العام و الموضوع له الخاص، فهذا يعني أن معنى الحرف خاص و جزئيّ، فلا يمكن تقييده بقرينة خاصة، و لا إِثبات اطلاقه بقرينة الحكمة العامّة؛ لأن الإطلاق و التقييد من شئون المفهوم الكلّي القابل للتخصيص، دون الجزئي.

163- ما ذا يترتب على القول بأن المعنى الحرفي خاص و جزئيّ لا يقبل التقييد و لا الاطلاق؟

- يترتب عليه أنه لو قيل: إذا جاءَ زيدٌ فاكرمه، كان ظهور الكلام دالًّا على أن المقيّد بالمجي‏ء هو مفاد الهيئة، أي: وجوب الاكرام الملحوظ بنحو المعنى الحرفي، و بما أن التقييد

44

في المعاني الحرفية مستحيل، فلا بد من التأويل بارجاع الشرط الى مفاد المادة (الاكرام) فيكون الوجوب مطلقاً، و متعلقه (الواجب) هو المقيّد بزمان المجي‏ء.

164- قالوا: إن ثمرة مبحث المعنى الحرفي هي كون معنى الحرف خاصّاً و جزئياً، و يترتب على ذلك استحالة تقييده، و استحالة إثبات اطلاقه بقرينة الحكمة، بيّن تعقيب السيد الشهيد على هذا القول.

- تعقيبه: ليس المراد بجزئية المعنى الحرفي المعنى المنطقي للجزئي و هو ما لا يقبل‏

4

الصدق على كثيرين، لكي يستحيل فيه الاطلاق و التقييد، لأنّه قابل لذلك تبعاً لقابلية طرفيه، و انما هو جزئي بمعنى أن كل نسبة مرهونة بطرفيها، و لا يمكن الحفاظ عليها مع تغيير طرفيها.

الأمر أو أدوات الطلب‏

165- بيّن أقسام ما يدلّ على الطلب مع التمثيل.

- ما يدل على الطلب قسمان، أولهما: ما يدل عليه بلا عناية كمادة الأمر (أ، م، ر) و مشتقّاتها، و كصيغة الأمر (إِفعل)، و الثاني: ما يدلّ عليه بالعناية، و هو الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب، كقوله (عليه السلام): يعيد صلاته، لمن شكّ بين الركعة الأولى و الثانية 166- حدّد معنى الطلب، و بيّن أنواعه.

.- الطلب هو السعي نحو المقصود، و هو نوعان، أولهما: الطلب التكويني، و هو السعي المباشر للشخص نحو مقصوده، كالعطشان يتحرك نحو الماء، و ثانيهما: الطلب التشريعي، و هو الذي يكون بتكليف الغير، و تحريكه نحو تحقيق مقصود الآمر.

167- قارن بين دلالة كلّ من مادة الأمر و صيغته على الطلب.

- كلتاهما تدلّ على الطلب التشريعي الصّادر من العالي، لكن مادة الأمر تدلّ عليه بمفهومه الاسمي، و يمكن إبدالها بكلمة الطلب، و أما صيغة الأمر فتدل عليه بمفهومه الحرفي، أي تدل على النسبة الارساليّة، و من الارسال ينتزع مفهوم الطلب؛ فتكون الصيغة دالة على الطلب تبعاً لدلالتها على منشأ انتزاعه.

168- هل تدل مادة الأمر و صيغته على مطلق الطلب، أم على خصوص الطلب‏

45

الوجوبي؟ بيّن ما اتفق عليه المحصّلون بشأن الإجابة عن هذا التساؤل، و ما اختلفوا فيه.

- اتفقوا على دلالة الأمر مادة و صيغة على خصوص الطلب الوجوبي بحكم تبادره عرفاً منهما، و اختلفوا في تفسير منشأ هذا التبادر على ثلاثة أقوال.

169- قيل: إِن الأمر بمادته و هيئته يدلّ بالوضع على الوجوب، بيّن المراد بهذا القول، و الدليل عليه.

- مرادهم أنّ مادة الأمر موضوعة للطلب الناشي من داع لزوميّ، و هيئة الأمر موضوعة للنسبة الإرسالية الناشئة من داع لزوميّ، و الدليل عليه هو تبادر الوجوب مع إبطال بقيّة المناشي المدّعاة لتفسير هذا التبادر.

170- ما هو رأي النائيني في تفسير دلالة الأمر مادّة و هيئة على خصوص الطلب الوجوبي؟

- رأيه أن مادة الأمر و هيئته تدلان على الوجوب بحكم العقل لا بالوضع، بمعنى أن مدلول لفظيهما هو الطلب بنحو المعنى الاسمي أو الحرفي، دون دلالة على الوجوب، و لكن بصدور الطلب من المولى غير مقترن بالترخيص، يحكم العقل بلزوم امتثاله، فبهذا اللحاظ يتصف بالوجوب.

171- قال النائيني: كل طلب لا يقترن بالترخيص في المخالفة، يحكم العقل بلزوم امتثاله، و أورد عليه السيد الشهيد بأن حكم العقل بلزوم الامتثال لا يكفي فيه صدور الطلب غير مقترن بالترخيص، وضّح هذا الايراد.

- توضيحه: ان الطلب قد يصدر غير مقترن بالترخيص، و مع ذلك لا يحكم العقل بلزوم امتثاله، كما لو اطلع المكلّف على نشوء الطلب من ملاك غير لزوميّ، فحكم العقل بالوجوب مسبب عن قوّة الملاك و كونه إلزاميّاً، و لا كاشف عن قوة الملاك عرفاً إلّا الأمر، فلا بد من معرفة أخذها في مدلول الأمر مادة و هيئة؛ لكي يتنقح بذلك موضوع حكم العقل بالوجوب.

172- يرى النائيني: أنّ كل طلب لا يقترن بالترخيص يحكم العقل بلزوم امتثاله، و أشكل عليه بأن لازمه البناء على عدم الوجوب اذا اقترن بالأمر عام يدل على الإباحة في عنوان يشمل بعمومه مورد الأمر، وضّح هذا الاشكال بالتمثيل.

46

- توضيحه: لو صدر دليلان، أولهما (لا يجب اكرام أحد)، و ثانيهما (اكرم العالم)، فمع البناء على دلالة الأمر على الوجوب وضعاً، نخصّص الأول بالثاني و نقول: لا يجب اكرام أحد إلّا العالم، بينما لازم رأي النائيني عدم التخصيص؛ لأنه متوقف على دلالة الدليل الثاني على الوجوب، و هذه الدلالة قد انتفت بسبب اقترانه بالدليل الأول الدال على الترخيص، الذي يرفع موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال، و النتيجة هي: لا يجب اكرام أحد حتى العالم، و هي‏

منافية لبناء الفقهاء على التخصيص فى مثل هذه الحالة.

173- قال النائيني: إِن حكم العقل بلزوم امتثال طلب المولى معلّق على عدم صدور الترخيص من الشارع، بيّن ما يرد عليه مع افتراض إرادته تعليق حكم العقل على عدم الترخيص المتصل بالأمر.

- يرد عليه أنه إذا صدر أمر و لم يتصل به ترخيص، تحقق بذلك موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال، فلو صدر بعدئذ ترخيص منفصل، لكان مرفوضاً؛ لمنافاته لحكم العقل بالوجوب، مع أنه لا إشكال في قبول الترخيص المنفصل و الحكم بعدم الوجوب.

174- يرى النائيني أن حكم العقل بلزوم امتثال طلب المولى معلّق على عدم صدور الترخيص من الشارع، بيّن الاشكال عليه، مع افتراض إرادته عدم صدور الترخيص واقعاً، و لو منفصلًا عن الأمر.

- يشكل عليه بأن لازمه عدم حكم العقل بالوجوب عند احتمال ورود الترخيص المنفصل؛ لأنّ الوجوب مترتب على حكم العقل بلزوم الامتثال، و هو معلّق- بحسب الفرض- على عدم ورود الترخيص و لو منفصلًا، فمع احتمال صدوره بعدئذ لا يحكم العقل بالوجوب، و هذا اللازم باطل؛ لأنهم يحكمون بالوجوب في هذا الحالة قطعاً.

175- قال النائيني بتعليق حكم العقل بلزوم امتثال طلب المولى على عدم صدور الترخيص من الشارع، فما ذا يرد على قوله على افتراض إرادته التعليق على عدم علم المكلّف بالترخيص؟

- يرد عليه أنه خروج عن محلّ الكلام و هو الوجوب الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل، و أنّ النكتة في تبادره من مادة الأمر و صيغته هي الوضع أم العقل؟ و الوجوب الواقعي لا يناط بالعلم و عدمه، و انما الذي يناط بذلك تنجّز الوجوب؛ فانه يتنجّز عند عدم‏

47

العلم بالترخيص، و لا يتنجز عند العلم بالترخيص، لكن الكلام ليس في تنجّز الوجوب، بل في منشأ إدراكنا للوجوب.

176- قرّب المحقق العراقي دلالة الأمر على الوجوب بالاطلاق و مقدمات الحكمة بقوله: إن الأمر يدلّ على ذات الإرادة، و هي شديدة في الواجبات، و ضعيفة في المستحبّات .. اذكر تتمة هذا التقريب.

- تتمته: و بما أن شدة الشي‏ء من سنخه بخلاف ضعفه، فتتعين بالاطلاق الارادة الشديدة؛ لعدم زيادتها على الإرادة بشي‏ء، فلا يحتاج حدّها الى بيان زائد على المحدود، بينما تزيد الإرادة الضعيفة على حقيقة الإرادة، فلو كانت هي المقصودة بالأمر، لزم نصب القرينة على حدّها الزّائد؛ لأن الأمر لا يدل إلّا على ذات الإرادة.

177- قال المحقق العراقي: إن الأمر يدل على الإرادة، و هي شديدة في الواجبات، ضعيفة في المستحبات، و شدة الشي‏ء من جنسه بخلاف ضعفه، فتتعيّن بالإطلاق الإرادة الشديدة؛ إذ لا يحتاج حدّها لبيان زائد على المحدود، بخلاف الإرادة الضعيفة؛ فان بيانها يستلزم نصب قرينة على حدّها الزائد، بيّن الرد على هذا القول.

- ردّه أن مقدمات الحكمة مقدمات عرفيّة، و العرف لا يطبقها في المجالات التي تستدعي افتراضات عقلية غير عرفيّة؛ و اختلاف حدّ الإرادة الشديدة عن الضعيفة، و كون شدة الإرادة إرادة، و ضعف الإرادة عدم إرادة، كل ذلك أمور عقلية بالغة الدقة، فلا تكون مؤثرة في إثبات إطلاق عرفيّ يعيّن أحد الحدّين دون الآخر.

178- قيل: إن الوجوب ليس مجرد طلب الفعل، و ليس هو طلب الفعل منضماً الى النهي عن تركه، ما الدليل على هاتين الدعويين؟ و ما هو حدّ الوجوب في رأي صاحب هذا القول؟

- دليل الدعويين: إن طلب الفعل ثابت في المستحبّات، و النهي ثابت في المكروهات أيضاً، و مع ذلك فليس في المستحب و لا في المكروه الزام كالذي في الوجوب، و حدّ الوجوب في رأي صاحب القول هو: الطلب مع عدم الترخيص في الترك.

179- قيل: مميّز الاستحباب أمر وجودي (الترخيص بالترك) فيحتاج لبيان زائد يدل عليه، و مميّز الوجوب أمر عدمي، فهو ليس شيئاً بنظر العرف ليحتاج الى بيان، وعليه يتعيّن‏

48

بالاطلاق حمل الأمر على الوجوب، اذكر الايراد على هذا القول.

- يرد عليه أنه ليس كل أمر عدميّ لا يلحظ أمراً زائداً في نظر العرف، و لهذا لا يرى العرف أن النسبة بين الوجوب و الاستحباب نسبة الأقل و الأكثر، بل يراهما مفهومين متباينين، فلا موجب لتعيين الوجوب بالاطلاق بعد فرض التباين.

180- قرّبت دلالة الأمر على الوجوب بالاطلاق بأَنَّ صيغة الأمر تدل على الارسال‏

بالمعنى الحرفي، و الارسال ملازم لسدّ أبواب المخالفة و عدم التحرك، و هذا يتناسب مع الوجوب دون الاستحباب .. سجّل تتمّة هذا التقريب.

- تتمته: و بالاطلاق يتعيّن كون المقصود للآمر هو الوجوب خاصّة، إِذ لو كان مراده الحكم الذي لا يتناسب مع الإرسال لزم عليه بيانه، فسكوته عن بيانه دليل على عدم إرادته.

181- هناك ثلاثة أقوال في تفسير دلالة الأمر على الوجوب، و هي: الوضع، حكم العقل، الاطلاق و مقدمات الحكمة، فما هو الفارق بين هذه الأقوال على تقدير إرادة الاستحباب من الأمر؟

- الفارق أنّه على القول الأول يكون استعمال الأمر في الاستحباب مجازاً، و على القولين الأخيرين يبقى الأمر مستعملًا في معناه الحقيقي (أصل الطلب)، غايته على القول الثاني لا يحكم العقل بالوجوب؛ بسبب اقتران الترخيص بالأمر، و على القول الثالث لا يدل الأمر على الوجوب بسبب وجود القيد، و التقييد لا تلزم منه المجازيّة؛ لأنّ إرادة المقيّد تحصل بدال آخر، لا باستعمال المطلق في غير معناه.

182- قيل: بناء على دلالة الأمر على الوجوب وضعاً، اذا وردت أوامر متعددة في سياق واحد، و علم أنّ اكثرها أوامر استحبابيّة، اختلّ ظهور الباقي في الوجوب، بيّن دليل هذا القول.

- دليله: أنه يلزم من إرادة الوجوب حينئذ تغاير مدلولات تلك الأوامر مع وحدة سياقها، و هو مخالف لظهور السياق الواحد في إرادة المعنى الواحد من الجميع.

183- بناءً على القول بوضع الأمر لمطلق الطلب، و استفادة الوجوب من حكم العقل، لو وردت عدة اوامر في سياق واحد، و علم أن اكثرها أوامر استحبابيّة، فهل يختل‏

49

ظهور الباقي في الوجوب أم لا؟ و لما ذا؟

- لا يختلّ ظهور الباقي في الوجوب؛ إذ لا يمكن على هذا القول التمسك بقرينة وحدة السياق لاثبات إرادة الاستحباب في الباقي؛ لأن إرادة الوجوب لا تخل بوحدة السياق؛ لبقاء الأمر مستعملًا في الجميع بمعناه الحقيقي و هو الطلب، و استفادة الوجوب او الاستحباب عقلًا تحصل بسبب اقتران الترخيص في الترك أو عدمه ببعضها دون بعض.

184- قيل: اذا احتوى السياق على عدة أوامر، و علمنا أنّ اكثرها أوامر استحبابيّة، فبناءً على وضع الأمر لمطلق الطلب، و استفادة الوجوب من اطلاقه، لا يختل ظهور الباقي في الوجوب، اذكر دليل هذا القول.

. الأوامر الارشاديّة

185- لو قال المولى: استقبل القبلة بذبيحتك، فهل هذا الأمر ارشاديّ أم مولويّ؟ و لما ذا؟

- الأمر إرشادي؛ إذ ليس مفاده الطلب و الوجوب ليكون مولويّاً؛ لأَن من لا يستقبل القبلة بذبيحته لا يستحق العقاب، بل تحرم عليه الذبيحة، و انما مفاد الأمر المذكور هو الارشاد الى شرطية الاستقبال في تذكية الذبيحة.

186- قارن بين قول المولى: صلِّ، و بين قوله: اغسل ثوبك من البول، من حيث مدلولهما التصوري و التصديقي.

- مدلولهما التصوري واحد و هو النسبة الارساليّة، أما مدلولهما التصديقي فهو مختلف؛ لأن الأول أمر مولوي مدلوله الطلب الوجوبي، و الثاني أمر ارشاديّ مدلوله الإرشاد الى نجاسة البول، و أنَّ مطهره هو الماء.

50

القسم الثاني: الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب‏

187- إن قول الشارع: يعيدُ صلاته، يدل على الطلب، إذا قيّدنا الشخص المخبر عنه بأنه ممّن يطبق عمله على الموازين الشرعيّة، فكيف يؤدّي هذا التقييد لدلالة الجملة الخبرية

على الطلب؟ و ما هي القرينة على هذا التقييد؟

- اما إفادتها للطلب، فلأَنّ الاعادة لو لم تكن مطلوبة شرعاً، لم يصدق على فاعلها أنه ممّن يطبق عمله على الموازين الشرعيّة، و اما القرينة على هذا التقييد فهي كون المولى في مقام التشريع، لا في مقام الاخبار عمّا يفعله الناس، فان هذا لا يليق بشأنه.

188- بيّن مراد القائلين: إن الجملة الخبريّة (يعيد صلاته) تدل على الطلب بنحو الكناية.

- بيانه: أننا نحافظ على إفادة الجملة الخبريّة لقصد الحكاية، و لكن نقول: المقصود حكايته ليس هو النسبة الصدورية المدلولة وضعاً للجملة الخبرية، بل المقصود أمر ملزوم لها، و هو طلب المولى، أي أن الإخبار عن صدور الاعادة، و المقصود واقعاً هو الاخبار عن علة صدورها، نظير الاخبار عن كرم زيد بأنه كثير الرماد على نحو الكناية.

189- في دلالة الجملة الخبرية على الطلب ثلاثة وجوه، أولها: تقييد الشخص الذي يقصد الإخبار عنه بكونه ممّن يطبق عمله على الموازين الشرعيّة، و الثاني: انَّ يكون المقصود حكايته هو الطلب الملزوم للنسبة الصدورية، و الثالث: أن تكون مستعملة في النسبة الإرسالية مجازاً، فما هو الأقرب من هذه الوجوه؟ و لما ذا؟.

- الأقرب هو الأول؛ لأن الثاني يحتاج الى افتراض الكناية و هي مخالفة للظاهر، و الثاني يحتاج لافتراض المجاز في الاستعمال، و أما الأول فهو لا يشتمل إلّا على عناية التقييد الذي تتكفل به القرينة الحاليّة المتصلة، و هي كون الامام في مقام التشريع، لا نقل أخبار خارجية.

190- قرّب دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب دون مطلق الطلب، بناءً على توجيه دلالتها على الطلب بعناية تقييد المخبر عنه بكونه ممّن يطبق عمله على الموازين الشرعيّة.

- إن دلالة الجملة الخبرية على الوجوب هي مقتضى افتراض المخبر عنه ممّن يطبق‏

51

عمله على الموازين الشرعية، و اما دلالتها على مطلق الطلب الشامل للاستحباب فانها تقتضي افتراض تقييد آخر بكون المخبر عنه ممّن يطبق عمله على أفضل الموازين الشرعية؛ لأنَّ من يطبق عمله على الموازين الشرعية قد لا يلزم صدور الاعادة منه اذا كانت مستحبّة.

191- قرّب دلالة الجملة الخبرية على الوجوب بناءً على توجيه دلالتها على الطلب‏

بأن المقصود حكايته ليس هو النسبة الصدورية المدلولة لها وضعاً، بل أمر ملزوم لها هو الطلب من المولى.

- تقريبه: ان الملازمة بين الطلب و النسبة الصدورية المصححة للاخبار عن الملزوم ببيان اللازم، ثابتة في خصوص الطلب الوجوبي، لا بين مطلق الطلب و ان كان استحبابيّاً و بين صدور الإعادة، فان استحباب الاعادة لا يلازم صدورها، أو يلازمه و لكن بدرجة ضعيفة.

192- ما هو وجه الاشكال في دلالة الجملة الخبرية على الوجوب بناءً على الالتزام بأنها مستعملة في الطلب مجازاً؟

- وجهه أنَّ استعمالها في الطلب مجازاً لا يقتضي كون الطلب وجوبيّاً؛ لأن استعمالها في غير النسبة الصدورية يكون مجازاً، سواء كان ذلك الغير هو الوجوب أو الاستحباب، و لا مرجّح لأحد المجازين على الآخر.

193- كما توجد أوامر ارشاديّة، توجد نواة إرشادية أيضاً، و المرشد اليه في النواهي على ثلاثة أنحاء، بيّنها مع التمثيل لكلّ منها.

- أولها: أن يكون المرشَد اليه ثبوت حكم شرعي، كالمانعيّة في: لا تصلِّ في ما لا يؤكل لحمه، و ثانيها: أن يكون المرشد اليه نفي حكم شرعي، مثل: لا تعمل بخبر الفاسق؛ فانه ارشاد الى عدم الحكم بحجيّته، و ثالثها: أن يكون المرشد اليه شيئاً تكوينيّاً، كنهي الطبيب للمريض عن تناول طعام معيّن ارشاداً الى ضرره.

194- قالوا: الأمر لا يدلّ على الفور و لا التراخي، ما معنى هذا القول؟ و ما دليله؟

- معناه: أن الأمر لا يستفاد منه لزوم الاسراع بالاتيان بمتعلقه، و لا لزوم التباطؤ، و دليله: ان الأمر يقتضي الاتيان بمتعلقه، و هو مدلول المادة، و مدلول المادة هو طبيعي الفعل الجامع بين الفرد الفوري و المتباطئ فيه.

195- قالوا: إن الأمر لا يدل على المرّة و لا التكرار، فما معنى قولهم؟ و ما دليله؟

52

- معناه: أن الأمر لا يستفاد منه لزوم الاتيان بفرد واحد من متعلقه، أو بأفراد كثيرة، و دليله: أن الأمر يقتضي الاتيان بمتعلقه و هو طبيعيّ الفعل، و الطبيعة بعد إجراءِ قرينة الحكمة فيها، يثبت إطلاقها البدلي، فتصدق على ما يأتي به المكلف من وجود لها، سواء كان في ضمن‏

فرد واحد أو اكثر.

196- إذا أمر المولى بالتصدق، فتصدق المكلف بصدقتين مترتبتين زماناً، تحقق الامتثال بالفرد الأوّل خاصة، فما هي العلّة في عدم تحققه بالفرد الثاني؟

- علّته أنه بحصول الفرد الأوّل من التصدق، يتحقق الاتيان بالطبيعة، و يحصل الامتثال، فيسقط الأمر، و مع سقوطه لا يحصل امتثال بالتصدق الثاني؛ لعدم الأمر به.

الاطلاق و اسم الجنس‏

197- بيّن القولين اللذين ذكرهما العلماء فيما يخصّ وضع اسم الجنس لمعناه.

- القول الأوّل: ان اسم الجنس موضوع للمعنى الملحوظ بنحو الاطلاق، أي أن الإطلاق مأخوذ في المدلول الوضعي لاسم الجنس، و القول الثاني: أن اسم الجنس موضوع لذات المعنى الذي يطرأ عليه الاطلاق تارة و التقييد أخرى.

198- خُذ ماهيّة الإنسان و صفة العلم مثالًا، و تتبع أنحاءَ وجود هذه الماهيّة خارجاً، مبيّناً الحصتين الثابتتين لها، و الحصة المستحيلة الثبوت.

- الحصّتان الثابتتان خارجاً هما: الإنسان الواجد لصفة العلم، و الإنسان الفاقد لها، و اما الحصة المستحيلة، فهي الإنسان غير الواجد لصفة العلم و غير الفاقد لها.

199- لو أخذنا ماهيّة الإنسان و صفة العلم مثالًا، و تتبعنا أنحاء وجود هذه الماهيّة في الذهن، فما هي الحصص الثابتة لها ذهناً؟

- تثبت لها ثلاث حصص، الأولى: ماهيّة الإنسان المقترنة بلحاظ صفة العلم، و هي الماهيّة المقيدة أو الماهية بشرط شي‏ء، و الثانية: ماهيّته المقترنة بلحاظ عدم صفة العلم، و هي الماهيّة بشرط لا، و الثالثة: ماهيّة الإنسان غير المقترنة بأحد هذين اللحاظين، و هي الماهيّة المطلقة، أو الماهية لا بشرط.