الدروس شرح الحلقة الثانية - ج2

- السيد كمال الحيدري المزيد...
428 /
5

الدروس (2)

الاحتراز في القيود

إذا وردَ خطابٌ يشتملُ على حكمٍ و قيدٍ له، فقد يكونُ هذا القيدُ متعلِّقاً للحكم؛ كالإكرامِ في (أكرمِ الفقير)، و قد يكونُ موضوعاً له كالفقيرِ في المثالِ، و قد يكونُ شرطاً كما في الجملةِ الشرطيةِ (إذا زالت الشمس فصلِّ)، و قد يكونُ غايةً كما في (صُمْ إلى الليل)، و قد يكونُ وصفاً للموضوعِ كالعادل في (أكرمِ الفقيرَ العادل) و هكذا.

و في كلِّ هذه الحالاتِ يوجدُ للكلام مدلولٌ تصوّريٌّ أُريدَ إخطارُه في ذهنِ السامعِ، و مدلولٌ تصديقيٌّ جدّيٌّ و هو الحكمُ الشرعيُّ الذي أُبرزَ و كُشِفَ عنه بذلك الخطابِ.

و لا شكّ في أنّ الصورةَ التي نتصوّرُها في مرحلةِ المدلولِ التصوّريِّ عندَ سماعِ الكلامِ المذكورِ هي صورةُ حكمٍ يرتبطُ بذلك القيدِ على نحوٍ من أنحاءِ الارتباط، و نستكشفُ من دخولِ القيدِ في الصورةِ التي يدلُّ عليها الكلامُ بالدلالةِ التصوّرية دخولَه أيضاً في المدلولِ التصديقيِّ الجدّيِّ، بمعنى أنّ القيدَ مأخوذٌ في ذلك الحكم الشرعيِّ الخاصِّ الذي كشَفَ عنه ذلك الكلامُ.

6

فحينما يقولُ المولى: (أكرِم الفقير العادلَ) نفهمُ أنّ الوجوبَ الذي أرادَ كشفَه بهذا الخطابِ قد جُعلَ على الفقيرِ العادلِ، و أُخِذَت العدالةُ في موضوعه وفقاً لأخذِها في المدلولِ التصوّري للكلام؛ و ذلك لأنّ المولى لو لم يكنْ قد أَخذَ العدالةَ قيداً في موضوعِ ذلك الوجوبِ الذي جعلَه بقوله: (أكرم الفقيرَ العادلَ) لكان هذا يعني أنّه أخذَ في المدلول التصوّريِّ لكلامِه قيداً و لم يأخذْ ذلك القيدَ في المدلول الجدّيِّ لذلك الكلامِ، أي أنّه بيّنَ بالدلالةِ التصوّريةِ للكلامِ شيئاً و هو القيدُ مع أنّه لا يدخلُ في نطاقِ مرادِه الجدّيِّ.

و هذا خلافُ ظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ مفادُه: أنّ كلَّ ما يبيّنُ بالكلامِ في مرحلةِ المدلولِ التصوّريِّ فهو داخلٌ في نطاقِ المرادِ الجدّيِّ، و بكلمةٍ أُخرى: إنّ ما يقولُه يريدُه حقيقةً.

و بهذا الظهورِ نُثبتُ قاعدةً و هي قاعدةُ احترازيةِ القيود، و مؤدّاها: أنّ كلَّ قيدٍ يُؤخذُ في المدلولِ التصوّريِّ للكلامِ فالأصلُ فيه بحكمِ ذلك الظهورِ أن يكونَ قيداً في المرادِ الجدّيِّ أيضاً، فإذا قال: (أكرِم الإنسانَ الفقيرَ) فالفقرُ قيدٌ في المرادِ الجدّيِّ، بمعنى كونِه دخيلًا في موضوعِ وجوبِ الإكرام الذي سيق ذلك الكلامُ للكشفِ عنه.

و يترتّبُ على ذلك أنّه إذا لم يكنْ الإنسانُ فقيراً فلا يشملُه ذلك‏

7

الوجوبُ، و لكنّ هذا لا يعني أنّ إكرامَه ليس واجباً باعتبارٍ آخر، فقد يكونُ هناك وجوب ثانٍ يخصُّ الإنسانَ العالم أيضاً، فإذا لم يكنِ الإنسانُ فقيراً و كان عالماً فقد يجبُ إكرامُه بوجوبٍ ثانٍ.

و هكذا نعرفُ أنّ قاعدةَ احترازيةِ القيودِ تُثبتُ أنّ شخصَ الحكمِ الذي يشكّلُ المدلولَ التصديقيَّ الجدِّيَّ للكلام المشتملِ على القيد لا يشملُ من انتفى عنه القيدُ، و لا تنفي وجودَ حكمٍ آخرَ يشملُه.

8

الشرح‏

قبل الدخول في بيان القاعدة العرفية المسمّاة ب «قاعدة احترازية القيود»، نحاول أن نسلّط الضوء أوّلًا على طبيعة القيود و أنواعها.

أنواع القيود

إذا ورد إلينا خطاب يشتمل على حكم و قيد لذلك الحكم، فهذا القيد يمكننا أن نتصوّره على أنحاء عدّة، ذكر السيّد الشهيد (قدس سره) خمسة منها، هي:

النحو الأوّل: أن يكون القيد هو متعلّق الحكم؛ كالصلاة في قولنا: «تجب الصلاة»، فبعد أن كان الوجوب أمراً عامّاً يشمل وجوب الصلاة و غيرها جاءت الصلاة المتعلّق لتجعله وجوباً خاصّاً مقيّداً و هو وجوب الصلاة، و هذا يعني أنّ المتعلّق قد قيّد الحكم.

النحو الثاني: أن يكون القيد هو موضوع الحكم،

كالمكلّف البالغ العاقل في قولنا: «تجب الصلاة على المكلّف البالغ العاقل»، ف «تجب» هو الحكم، و «الصلاة» هي المتعلّق، و «المكلّف ..» هو الموضوع .. و هنا نلاحظ أنّ الموضوع قد قيّد وجوب الصلاة و لم يدعه يشمل مطلق الإنسان مكلّفاً كان أو غير مكلّف، بالغاً كان أو غير بالغ، عاقلًا كان أو غير عاقل، و إنّما قيّد وجوب الصلاة بالمكلّف البالغ العاقل.

النحو الثالث: أن يكون القيد قيداً لنفس الحكم، كالاستطاعة في قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1)، و شرط

____________

(1) آل عمران: 97.

9

الزوال في الجملة الشرطيّة «إذا زالت الشمس فصلِّ»، فالاستطاعة قيد لوجوب الحجّ، و الزوال قيد و شرط في وجوب صلاة الظهر، و قبل تحقّقهما لا وجوب للحجّ و لصلاة الظهر، و القيد هنا كما هو واضح قيد لنفس الحكم، بخلاف النحوين الآخرين الآتيين.

النحو الرابع: أن يكون القيد قيداً للمتعلّق؛ كالطهارة في قولنا: «تجب الصلاة عن طهارة»، فتقييد الصلاة المتعلّق بقيد الطهارة يلزم المكلّف بالإتيان بالصلاة متطهّراً، و لا تصحّ منه بدونها، فالقيد هنا قيد لمتعلّق الحكم.

النحو الخامس: أن يكون القيد قيداً للموضوع، كوصف العدالة في قولنا: «أكرم الفقير العادل»، فوجوب الإكرام هو الحكم، و الإكرام هو المتعلّق، و الفقير هو الموضوع، و «العادل» هو وصف و قيد للموضوع، بمعنى أنّ غير العادل من الفقراء لا يجب إكرامه.

هذه أنحاء خمسة من القيود ذكرها السيّد الشهيد (قدس سره) تقديماً و تمهيداً لذكر قاعدة عرفيّة، و هي قاعدة احترازية القيود، و إليك بيانها.

قاعدة احترازيّة القيود

مفاد هذه القاعدة: أنّ كلّ قيد يؤخذ في مرحلة المدلول التصوّري للكلام، فهو مراد في مرحلة المدلول الجدّي؛ لظهور حال المتكلّم عرفاً في أنّ ما يقوله يريده.

و في مقام بيان هذه القاعدة العرفية نودّ الإشارة إلى نقطتين لكي تتّضح لنا القاعدة و ما يترتّب عليها.

النقطة الأُولى: تقدّم أنّ للكلام ثلاثة مداليل:

10

1 المدلول التصوّري.

2 المدلول التصديقي الأوّلي.

3 المدلول التصديقي الثانوي.

أمّا بالنسبة إلى المدلول التصوّري فهو يحصل بمجرّد سماع الكلام؛ إذ هو حاصل عملية الوضع، و من ثمّ فهو موجود في كلّ كلام و لو كان صادراً من الجماد فضلًا عمّا لو كان صادراً من عاقل ملتفت، فبمجرّد سماع: «يجب إكرام العالم العادل» يتبادر إلى الذهن معنى: الوجوب و الإكرام و العالم و العدالة.

و أمّا بالنسبة إلى المدلول التصديقي الأوّلي فإنّه يحصل في حال كان المتكلّم عاقلًا ملتفتاً، بمعنى أنّ المتكلّم أراد أن يخطر في ذهن السامع معنى: الوجوب و الإكرام و العالم و العدالة في المثال السابق، و على هذا فما يصدر من النائم من كلام ليس فيه مدلول تصديقيّ أوّليّ؛ لأنّه لم يرد أن يخطر معنى كلامه في ذهن السامع، و إنّما فيه مدلول تصوّريّ فقط.

و أمّا بالنسبة إلى المدلول التصديقي الثانوي فإنّه يحصل إذا كان المتكلِّم جادّاً لا هازلًا، بمعنى أنّه يريد أن ينشئ للسامع حكماً يجب عليه تحقيق‏

مضمونه، و هو في المثال السابق: وجوب إكرام العالم العادل. و أمّا لو كان المتكلّم هازلًا فلا يوجد في كلامه مدلول تصديقيّ ثانويّ، و إنّما يوجد مدلول تصديقيّ أوّليّ فقط بالإضافة إلى المدلول التصوّري.

النقطة الثانية: إنّ ما يذكره المتكلّم في مرحلة المدلول التصوّري، فهو مرادٌ له في مرحلة المدلول الجدّي. بعبارة أخرى: إنّ كلّ متكلّم يكون في مقام بيان مراده، إذا قال كلاماً فهو يريده حقيقةً، إلّا إذا نصب قرينة على خلاف ذلك.

11

هذا هو ظاهر حال كلّ متكلّم و هو ظهور عرفيّ سياقيّ، فلو قال شخص لآخر: «بعتك هذه الساعة بدينار» و قَبِلَ الآخر، فقد تمّ البيع و لا يُسمع كلام أحدهما لو رفض بعد ذلك و ادّعى أنّه كان في مقام الهزل و لم يكن جادّاً.

و باتّضاح هاتين النقطتين نقول: لو جاء في خطاب المولى قيد من القيود كالعدالة في «أكرم الفقير العادل»، فسوف نفهم أنّ وجوب إكرام الفقير الذي يريده المولى حقيقة و جدّاً هو وجوب إكرام الفقير المقيّد بوصف العدالة؛ بسبب أخذ العدالة قيداً في مرحلة المدلول التصوّري، لأنّ ما يذكره المولى في المدلول التصوّري لكلامه مراد له حقيقةً في المدلول الجدّي، و من ثمّ لا يجب إكرام غير العادل من الفقراء.

كما أنّه لو قال المولى لعبده: «أكرم كلّ جيراني» و ذهب العبد و أكرمهم كلّهم، فليس من حقّ المولى أن يحتجّ على عبده بعد ذلك بقوله: لِمَ أكرمت جاري هذا مع أنّه عدوّي؟ لأنّ العموم قد ذُكر في الكلام و ما دام قد ذُكر فهو مرادٌ حقيقةً.

إن قلت: ما المحذور في أنّ المتكلّم يذكر قيداً في مرحلة المدلول‏

التصوّري و لا يريده في مرحلة المدلول الجدّي؟

قلت: هذا خلاف ظهور عرفيّ سياقيّ مفاده: أنّ ما يقوله المتكلّم يريده، أو أنّ ما يبيّنه في مرحلة المدلول التصوّري لكلامه، فهو مراد له حقيقةً.

و منه تُفهم قاعدة احترازية القيود التي هي محطّ بحثنا، و معناها: أنّ كلّ قيد يؤخذ في المدلول التصوّري للكلام فهو مراد حقيقة و جدّاً بسبب الظهور العرفي المتقدِّم.

12

ما ينتفي بقاعدة احترازية القيود

قلنا إنّ قاعدة احترازية القيود تعني: أنّ كلّ قيد أُخذ في المدلول التصوّري للكلام فهو مراد في الدلالة التصديقيّة، فإذا أَخذ المولى قيدَ العدالة في وجوب إكرام الفقير فهو مراد له، و لا يحقّ لنا إكرام غير العادل، و هذا معناه أنّ القيد إذا انتفى، انتفى الحكم؛ لأنّ المقيّد عدم عند عدم قيده.

و لكنّا نتساءل: إذا انتفى القيد، هل شخص الحكم ينتفي، أم طبيعيّه؟

توضيحه: إذا قال المولى: «أكرم الإنسان العادل» و لم يكن زيد عادلًا، فما الذي ينتفي عنه بانتفاء عدالته؟ أ ينتفي عنه هذا الحكم و هو وجوب إكرام الإنسان العادل فقط، أم ينتفي عنه طبيعيُّ وجوب الإكرام، أي: أصل وجوب الإكرام و نوعه؟

الجواب: إنّ الذي ينتفي عن زيد في المثال هو وجوب الإكرام بهذا الحكم فقط، و هو المقيّد بالعدالة دون غيره، و إلّا فلو كان عندنا دليل آخر يقول بوجوب إكرام العالم و كان زيد عالماً فيجب إكرامه حينئذ لعلمه، و هذا يعني أنّ الذي ينتفي بقاعدة احترازية القيود هو شخص الحكم لا

طبيعيّه و أصله.

و بهذا يتّضح الفرق بين قاعدة احترازية القيود و بين الجملة الشرطية؛ إذ لقائل أن يقول: ما الفرق بينهما ما دام كلٌّ منهما يذكر قيداً و بانتفائه ينتفي الحكم؟

الفرق يكمن في أنّ ما ينتفي بانتفاء الشرط في الجملة الشرطية هو طبيعيّ الحكم لا شخصه، بينما الذي ينتفي في قاعدة احترازية القيود كما عرفنا هو شخص الحكم.

13

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «كما في الجملة الشرطية إذا زالت الشمس فصلِّ». و مع عدم الزوال لا وجوب للصلاة، و قيد الزوال هنا هو قيد للهيئة لا للمادّة. و الهيئة كما هو معلوم معنىً حرفيّ، و هذا يعني أنّ المعنى الحرفي قابل للتقييد كالاسمي، بخلاف ما ذهب إليه صاحب الرسائل من أنّ المعنى الحرفي غير قابل للتقييد، فعمد إلى القيود التي يتبادر رجوعها إلى الهيئة و أرجعها إلى المادّة، و هو ما سيأتي بحثه بشكل مفصّل إن شاء الله تعالى.

قوله (قدس سره): «مدلول تصوّريّ أُريد إخطاره في ذهن السامع». هذا هو المدلول التصديقي الأوّل.

قوله (قدس سره): «الذي أُبرز و كشف عنه». أي: عن الحكم الشرعيّ الذي هو الاعتبار. و الخطاب كاشف عن الحكم الشرعيّ لا أنّه هو.

قوله (قدس سره): «على نحو من أنحاء الارتباط». لأنّ أنحاء الارتباط متعدّدة كما سيأتي بيانه في بحث المفاهيم.

قوله (قدس سره): «فقد يجب إكرامه بوجوب ثان». «قد» هنا للتحقيق و ليست‏

للتقليل.

14

الإطلاق‏

الإطلاقُ يقابلُ التقييدَ، فإنْ تصوَّرْتَ معنىً و لاحظتَ فيه وصفاً خاصّاً أو حالةً معيّنةً كان ذلك تقييداً، و إن تصوّرتَه بدون أن تلحظَ معه أيَّ وصفٍ أو حالةٍ أُخرى كان ذلك إطلاقاً، فالتقييد إذاً هو لحاظُ خصوصيّةٍ زائدةٍ في الطبيعة، و الإطلاقُ عدمُ لحاظِ الخصوصيّةِ الزائدةِ، و الطبيعةُ محفوظةٌ في كلتا الحالتينِ، غيرَ أنّها تتميّزُ في الحالة الأُولى بأمرٍ وجوديٍّ و هو لحاظُ الخصوصيّةِ، و تتميّزُ في الحالةِ الثانيةِ بأمرٍ عدميٍّ و هو عدمُ لحاظِ الخصوصيّة.

و من هنا يقعُ البحثُ في أنّ كلمةَ إنسانٍ مثلًا أو أيَّ كلمةٍ مشابهةٍ هل هي موضوعةٌ للطبيعةِ المحفوظةِ في كلتا الحالتينِ، فلا التقييدُ دخيلٌ في المعنى الموضوعِ له و لا الإطلاقُ، بل الكلمةُ بمدلولِها

تلاؤم كلا الأمرينِ، أو أنّ الكلمةَ موضوعةٌ للطبيعةِ المطلقةِ فتدلُّ الكلمةُ بالوضعِ على الإطلاقِ و عدمِ لحاظِ القيد؟

و قد وقعَ الخلافُ في ذلك، و يترتّبُ على هذا الخلافِ أمرانِ:

أحدُهما: أنّ استعمالَ اللفظِ و إرادةَ المقيَّدِ على طريقة تعدُّدِ الدالِّ و المدلولِ يكونُ استعمالًا حقيقيّاً على الوجهِ الأوّلِ؛ لأنّ المعنى الحقيقيَّ للكلمةِ محفوظٌ في ضمنِ المقيَّدِ و المطلقِ على السواءِ،

15

و يكونُ مجازاً على الوجهِ الثاني؛ لأنّ الكلمةَ لم تُستعملْ في المطلقِ مع أنّها موضوعةٌ للمطلقِ، أي للطبيعةِ التي لم يُلحَظْ معها قيدٌ بحسب الفرضِ.

و الأمرُ الآخرُ: أنّ الكلمةَ إذا وقعتْ في دليلِ حكمٍ، كما إذا أُخذَتْ موضوعاً للحكمِ مثلًا و لم نعلمْ أنّ الحكمَ هل هو ثابتٌ لمدلولِ الكلمةِ على الإطلاقِ، أو لحصّةٍ مقيّدةٍ منه؟ أمكنَ على الوجه الثاني أن نستدلَّ بالدلالةِ الوضعيّةِ للفظِ على الإطلاقِ؛ لأنّه مأخوذٌ في المعنى الموضوعِ له و قيدٌ له؛ فيكونُ من القيودِ التي ذَكرَهَا المتكلّمُ فنطبِّقُ عليه قاعدةَ احترازيةِ القيودِ، فنثبتُ أنّ المرادَ الجدّيَّ مطلقٌ أيضاً.

و أمّا على الوجهِ الأوّلِ فلا دلالةَ وضعيّةَ للّفظِ على ذلك؛ لأنّ اللّفظَ موضوعٌ بموجبهِ للطبيعةِ المحفوظةِ في ضمنِ المطلقِ و المقيَّدِ، و كلٌّ من الإطلاقِ و التقييدِ خارجٌ عن المدلولِ الوضعيِّ للّفظ. فالمتكلّمُ لم يذكرْ في كلامِه التقييدَ و لا الإطلاقَ، فلا يمكنُ بالطريقةِ السابقةِ أن نثبتَ الإطلاقَ، بل لا بدّ من طريقةٍ أُخرى.

و الصحيحُ هو الوجهُ الأوّلُ؛ لأنّ الوجدانَ العرفيَّ شاهدٌ بأنّ استعمالَ الكلمةِ في المقيَّدِ على طريقةِ تعدُّدِ الدالِّ و المدلولِ ليس فيه تجوّزٌ. و على هذا الأساسِ نحتاجُ في إثباتِ الإطلاقِ إلى طريقةٍ أُخرى؛ إذ ما دام الإطلاق غيرَ مأخوذٍ في مدلولِ اللفظِ وضعاً فهو غيرُ مذكورٍ في الكلام؛ فلا يتاحُ تطبيقُ قاعدةِ احترازيّةِ القيودِ عليه.

16

الشرح‏

بحث الإطلاق من الأبحاث المهمّة في علم الاصول؛ باعتبار ملازمته للفقيه من أوّل باب في علم الفقه إلى آخره، وعليه فلا بدّ من الالتفات إليه و الوقوف عنده.

و قد قمنا بتقسيم البحث فيه إلى نقاط ثلاث:

الأُولى: مقابلة الإطلاق للتقييد.

الثانية: معنى الإطلاق و التقييد.

الثالثة: كيفيّة استفادة الإطلاق.

1. مقابلة الإطلاق للتقييد

ذكر السيّد الشهيد (قدس سره) هذه النقطة بعبارة مختصرة؛ لأنّه سيبحث موضوع التقابل بين الإطلاق و التقييد بشكل مفصّل في بحث «التقابل بين الإطلاق و التقييد» من هذه الحلقة، و هناك سيوضح التقابل بينهما في مرحلة الثبوت، و مرحلة الإثبات.

إلّا أنّا نحاول أن نسلّط الضوء هنا على نفس معنى التقابل لا نوعه، فقد عرّف علماء المنطق المعنيَين المتقابلين بأنّهما: «المعنيان المتنافران اللذان لا يجتمعان في محلٍّ واحد، من جهة واحدة، في زمان واحد» (1).

و ذكروا أيضاً أقسام التقابل الأربعة، و هي:

____________

(1) المنطق للمظفّر: ص 51.

17

1 تقابل النقيضين.

2 تقابل الضدّين.

3 تقابل الملكة و عدمها.

4 تقابل المتضايفين.

لكن لقائل أن يقول: إنّ ما ذكروه من أقسام للتقابل هل هي بنحو الحصر العقلي، بمعنى عدم إمكان تصوّر قسم خامس، أم هي بنحو الحصر الاستقرائي بحيث يمكن للانسان أن يجد قسماً خامساً؟

إنّ جواب هذا التساؤل موكول إلى علم الفلسفة، و المهمّ في بحثنا هذا أن نعرف أنّ الإطلاق يقابل التقييد، أي أنّ بين المعنيين تنافراً بحيث لا يمكن لهما أن يجتمعا أبداً، و أمّا معرفة نوع التقابل بينهما فهذا ما سنوكله إلى بحث «التقابل بين الإطلاق و التقييد» كما ذكرنا، فهناك سنبيّن الأقوال المتعدّدة في المسألة و الحقّ منها، فانتظر.

2. معنى الإطلاق و التقييد

الإطلاق: أن تتصوّر معنى من دون أن تلحظ معه وصفاً خاصّاً أو حالة معيّنة.

و التقييد: أن تتصوّر معنى مع لحاظ وصف خاصّ أو حالة معيّنة.

توضيحه: أنّ الشارع حينما يتصوّر معنى من المعاني كالإنسان، فتارةً يتصوّره من دون أن يلحظ معه وصفاً خاصّاً كالعدالة أو العلم أو البلوغ و نحوها من الأوصاف، و من دون أن يلحظ معه حالة معيّنة كالقيام أو الجلوس أو الحركة و نحوها من الحالات، و إنّما يتصوّره خالياً من كلّ ذلك، كأن يقول: «أكرم الإنسان»، فهنا لم يلحظ الشارع مع الإنسان وصفاً أو حالة زائدة، و هذا هو الإطلاق.

18

و أُخرى يتصوّره مع لحاظ وصف خاصّ أو حالة معيّنة، كأن يقول: «أكرم الإنسان العادل» أو «أكرم الإنسان القائم»، فهنا تصوّر الشارع الإنسان مع لحاظ وصف العدالة أو حالة القيام، و هذا هو التقييد.

جديرٌ بالذِّكر: أنّ السيّد الشهيد (قدس سره) قد عرّف الإطلاق بأنّه عدم لحاظ الخصوصيّة من وصف أو حالة، و هذا يعني أنّه يرى أنّ الإطلاق أمرٌ عدميّ، و هو خلاف ما ذهب إليه أُستاذه السيّد الخوئي (قدس سره) من أنّ الإطلاق أمرٌ وجوديّ؛ حيث عرّفه بأنّه لحاظ عدم القيد، و لذا اختار أن يكون التقابل بينهما تقابل الضدّين‏ (1).

إذا اتّضح هذا، لك أن تسأل: عرفنا المائز بين الإطلاق و التقييد و لكن هل من جامع مشترك بينهما بحيث يكون محفوظاً في كلٍّ من حالة الإطلاق و التقييد؟

الجواب: إنّ الشي‏ء المحفوظ في كلتا الحالتين هو الطبيعة (2) كالإنسان، فهي محفوظة في حالة الإطلاق كما أنّها محفوظة في حالة التقييد. فالإنسان الطبيعة محفوظ في قول الشارع: «أكرم الإنسان» و في قوله: «أكرم الإنسان‏

العادل»، إلّا أنّ الطبيعة تتميّز في حالة الإطلاق بأمر عدميّ و هو عدم لحاظ الخصوصيّة، و في حالة التقييد بأمر وجوديّ و هو لحاظ الخصوصيّة كالعدالة في المثال.

و لك أن تسأل ثانياً، فتقول: من الواضح أنّنا نستفيد التقييد من ذكر القيد، و نثبت بتوسّط قاعدة احترازية القيود أنّه مراد للمتكلّم، و لكن من أين نستفيد الإطلاق بعد أن كانت الطبيعة محفوظة في كلتا حالتي الإطلاق‏

____________

(1) انظر محاضرات في أصول الفقه: ج 5، ص 365.

(2) المقصود منها: الكلّي الطبيعي، أي الماهية بما هي هي.

19

و التقييد؟

من هنا وقع البحث في كيفيّة استفادة الإطلاق من مثل كلمة «إنسان» و ما شابهها من أسماء الجنس؟

هذا التساؤل و جوابه هو ما سنبحثه في النقطة الثالثة من هذا البحث.

3. كيفيّة استفادة الإطلاق‏

وقع البحث بين الأُصوليّين في كيفيّة استفادة الإطلاق من مثل كلمة «إنسان» أو ما شابهها من أسماء الأجناس، و في المقام نظريتان:

الأُولى: و هي النظرية السائدة في زمن سلطان العلماء (1) إلى يومنا هذا، و حاصلها: إنّ مثل لفظ «إنسان» قد وضع لذات الطبيعة المهملة الأعمّ من المطلق و المقيّد، بنحو يكون معنى «إنسان» يتلاءم و ينسجم مع الإطلاق و التقييد، من دون أن يكون أيٌّ منهما دخيلًا في المعنى الموضوع له اللفظ، وعليه فلا بدّ من استفادة الإطلاق أو التقييد من قرينة أو دالّ.

الثانية: و هي النظرية السائدة قبل سلطان العلماء و حاصلها:

إنّ مثل كلمة «إنسان» و ما شابهها قد وضعت للطبيعة المطلقة أي بقيد الإطلاق، بمعنى أنّ لفظ «إنسان» يدلّ بالوضع على الإطلاق بنحو يكون الإطلاق قيداً في المعنى الموضوع له اللفظ. فهاتان نظريتان مطروحتان في المقام:

ثمرة الفرق بين النظريتين‏

إن قلت: سواء كان الواضع قد وضع لفظ «إنسان» لذات الطبيعة الأعمّ من المطلق و المقيّد و لم يكن أحدهما قيداً في المعنى الموضوع له، أو أنّه‏

____________

(1) السيّد الجليل الحسين بن الأمير: عالم، محقّق، جليل القدر، له كتب، منها: «حاشية شرح اللمعة» و «حاشية المعالم»، و عدّة رسائل أخرى، توفّي سنة (1064 ه).

20

وضعه للمعنى المطلق بحيث يكون الإطلاق قيداً في المعنى الموضوع له، فما هي الثمرة التي تترتّب على هذا الخلاف؟

قلت: إنّ ثمرة هذا الخلاف تظهر في موردين:

المورد الأوّل: إنّنا إذا قلنا إنّ لفظ «إنسان» موضوع للمعنى الأعمّ من المطلق و المقيّد أي النظرية الأولى فسيكون استعمال لفظ «إنسان» في المعنى المقيّد (الإنسان العادل مثلًا) على طريقة تعدّد الدالّ و المدلول أي أن يكون بإزاء كلّ معنى من المعاني لفظ يدلّ عليه استعمالًا حقيقيّاً؛ لأنّ لفظ إنسان حسب الفرض موضوع لمعنى ينسجم مع الإطلاق و التقييد، فاستعماله في المقيّد مع دالّ إضافيّ يكون حقيقيّاً و استعماله في المطلق مع قرينة تدلّ عليه يكون حقيقيّاً أيضاً، إذ طبيعة الإنسان بناءً على هذه النظرية محفوظة في كلتا الحالتين.

و أمّا بناءً على النظرية الثانية، فيكون استعمال لفظ «إنسان» في المعنى المقيّد استعمالًا مجازياً؛ لأنّ اللفظ حسب هذه النظرية موضوع للمعنى المطلق بنحو يكون الإطلاق قيداً في المعنى الموضوع له، وعليه فاستعمال لفظ إنسان في «الإنسان العادل» يكون مجازياً؛ لأنّه استعمال للفظ في غير

المعنى الموضوع له.

المورد الثاني: لو وقعت كلمة «إنسان» مثلًا موضوعاً للحكم بوجوب الإكرام كما لو قال الشارع: «أكرم الإنسان»، و لم نعلم أنّ وجوب الإكرام ثابت لمدلول الإنسان بنحو الإطلاق، أم لحصّة خاصّة من الإنسان كالإنسان العالم، ففي هذا المورد أيضاً تظهر الثمرة بين النظريتين.

فبناءً على النظرية الثانية القائلة بأنّ كلمة «إنسان» موضوعة للطبيعة المطلقة، نثبت الإطلاق بالدلالة التصوّرية؛ لأنّها حاصل عملية الوضع،

21

و لانحتاج إلى دلالة تصديقيّة جدّية لإثبات المعنى المطلق لأنّه هو المعنى الموضوع له اللفظ.

و من ثمّ لو قيل: «أكرم الإنسان» و تردّدنا بين أن يكون الموضوع مطلق الإنسان أو الإنسان العالم فقط، فسنثبت أنّ المراد هو المعنى المطلق؛ لأنّ الإطلاق حسب هذه النظرية قيد في المعنى الموضوع له اللفظ، و ذكر «الإنسان» في المثال يعني ذكر للإطلاق، فعند التلفّظ به تحصل دلالة تصوّرية يكون الإطلاق فيها قيداً للمعنى، و بقاعدة احترازية القيود نثبت أنّ الإطلاق مراد للمتكلّم حقيقةً و جدّاً.

و أمّا بناءً على النظرية الأُولى القائلة بأنّ لفظ «إنسان» موضوع للطبيعة الأعمّ من المطلق و المقيّد، فلا يمكننا تطبيق قاعدة احترازية القيود؛ إذ ليس الإطلاق قيداً مذكوراً في الدلالة التصوّرية حتّى نثبت أنّه مراد جدّي للمتكلّم، و إنّما لفظ «إنسان» يتلاءم مع الإطلاق و التقييد، وعليه فلا بدّ لاستفادة الإطلاق من دلالة تصديقيّة تصرف لفظ الإنسان في مثال: «أكرم الإنسان» إلى المعنى المطلق.

بعبارة مختصرة: إنّنا إذا قلنا بأنّ الإطلاق قيد في المعنى الموضوع له لفظ

«إنسان» فسيكون الإطلاق مدلولًا تصوّرياً، و بالتالي نثبت أنّه قيد في المراد الجدّي أيضاً بقاعدة احترازية القيود، و أمّا إذا قلنا بأنّ لفظ «إنسان» موضوع لذات الطبيعة فسيكون الإطلاق مدلولًا تصديقيّاً، فلا بدّ من طريقة أُخرى لاستفادته.

الآن، و قد بانت لنا ثمرة الخلاف بين النظريتين المطروحتين، حان وقت بيان الصحيح منهما.

22

مختار السيّد الشهيد

الصحيح عند الشهيد الصدر هو أُولى النظريتين، أي أنّ لفظ «إنسان» و ما شابهه موضوع للطبيعة الأعمّ من المطلق و المقيّد.

و دليله هو الوجدان العرفي؛ فهو يرى أنّ استعمال لفظ إنسان في «الإنسان العادل» أو «الإنسان العالم» على طريقة تعدّد الدالّ (اللفظ) و المدلول (المعنى) ليس فيه تجوّز، بخلاف ما لو قيل: «الإنسان أسد» فهنا نشعر بالمجازية، و أمّا في المثالين السابقين فلا نشعر بها، فالاستعمال حقيقيّ.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «و لاحظت فيه وصفاً خاصّاً أو حالة معيّنة». الوصف مثل: الفقير، و العدالة، و العلم و نحوه .. و الحالة المعيّنة مثل: القيام، و الجلوس، و الحركة و نحوها.

قوله (قدس سره): «و الطبيعة محفوظة في كلتا الحالتين». المراد من الطبيعة هو الكلّي الطبيعي، و توضيحه باختصار: إذا قيل: «الإنسان كلّي» فهاهنا موصوف و هو الإنسان، و وصف و هو كلّي، فإن لاحظ العقل ذات الموصوف مع‏

قطع النظر عن الوصف فهو كلّي طبيعيّ، و إن لاحظ مفهوم الوصف مع قطع النظر عن الموصوف فهو كلّي منطقيّ، و إن لاحظ المجموع من الوصف و الموصوف فهو كلّي عقليّ‏ (1).

قوله (قدس سره): «بل الكلمة بمدلولها تلائم كلا الأمرين». يعني أنّها لا بشرط من حيث الإطلاق و من حيث التقييد.

____________

(1) للمزيد انظر المنطق للمظفّر: ص 101 100.

23

و الطريقةُ الأُخرى هي ما يُسمّيهَا المحقّقونَ المتأخّرونَ بقرينةِ الحكمةِ، و جوهرُها التمسّكُ بدلالةٍ تصديقيّةٍ لظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ آخرَ غير ذلكَ الظهورِ الحاليِّ السياقيِّ الذي تعتمدُ عليه قاعدةُ احترازيةِ القيودِ، فقد عرفنا سابقاً أنّ هذه القاعدةَ تعتمدُ على ظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ مفادُه: إنّ ما يقولُه يريدُه حقيقةً، و يوجدُ ظهورٌ عرفيٌّ سياقيٌّ آخرُ مفادُه: أن لا يكونَ شي‏ءٌ دخيلًا و قيداً في مرادِه الجدّيِّ و حكمِه و لا يبيّنُه باللفظِ؛ لأنّ ظاهرَ حالِ المتكلّمِ أنّه في مقامِ بيانِ تمامِ مرادِه الجدّيِّ بخطابِه، و حيث إنّ القيدَ ليس مبيَّناً في حالةِ عدمِ نصبِ قرينةٍ على التقييدِ فهو إذاً ليس داخلًا في المرادِ الجدّيِّ و الحكمِ الثابتِ، و هذا هو الإطلاقُ المطلوبُ.

و هكذا نلاحظُ أنّ كلًّا من قرينةِ الحكمةِ التي تُثبتُ الإطلاقَ و قاعدةَ احترازيّةِ القيودِ تبتني على ظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ حاليٍّ غيرِ الظهورِ العرفيِّ السياقيِّ الحاليِّ الذي تعتمدُ عليه الأُخرى. فالقاعدةُ تبتني على ظهورِ حالِ المتكلّمِ في أنّ ما يقولُه يريدُه، و قرينةُ الحكمةِ

تبتني على ظهورِ حالِ المتكلّمِ في أنّ كلَّ ما يكونُ قيداً في مرادِه الجدّيِّ يقولُه في الكلامِ الذي صدرَ منه لإبرازِ ذلك المرادِ الجدّيِّ، أي أنّه في مقام بيانِ تمامِ مرادِه الجدّيِّ بخطابِه.

و قد يُعتَرضُ على قرينةِ الحكمةِ هذه: بأنّ اللفظَ إذا لم يكن يدلُّ بالوضع إلّا على الطبيعة المحفوظة في ضمن المقيّد و المطلق معاً، فلا دالَّ على الإطلاقِ، كما لا دالَّ على التقييدِ، مع أنّ أحدَهما ثابتٌ‏

24

في المرادِ الجدّيِّ جزماً؛ لأنّ موضوعَ الحكمِ في المرادِ الجدّيِّ إمّا مطلقٌ و إمّا مقيّدٌ، و هذا يعني أنّه على أيِّ حالٍ لم يبيّن تمامَ مرادِه بخطابِه، و لا معيّنَ حينئذٍ لافتراضِ الإطلاقِ في مقابلِ التقييد.

و يمكن الجوابُ على هذا الاعتراض: بأنّ ذلك الظهورَ الحاليَّ السياقيَّ لا يعني سوى أن يكون كلامُه وافياً بالدلالة على تمامِ ما وقعَ تحتَ لحاظِه من المعاني بحيث لا يكونُ هناك معنىً لحظَه المتكلّمُ و لم يأتِ بما يدلُّ عليه، لا أنّ كلَّ ما لم يلحظْه لا بدّ أن يأتيَ بما يدلُّ على عدمِ لحاظِه فإنّ ذلك ممّا لا يقتضيه الظهورُ الحاليُّ السياقيُّ.

وعليه فإذا كان المتكلّمُ قد أرادَ المقيَّدَ مع أنّه لم ينصبْ قرينةً على القيدِ، فهذا يعني وقوعَ أمرٍ تحتَ اللحاظِ زائدٍ على الطبيعةِ و هو تقيُّدُها بالقيدِ؛ لأنّ المقيّدَ يتميّزُ بلحاظٍ زائدٍ و لا يوجدُ في الكلام ما يبيّنُ هذا التقييدَ الذي وقعَ تحتَ اللحاظ.

و إذا كان المتكلّمُ قد أرادَ المطلقَ فهذا لا يعني وقوعَ شي‏ءٍ تحت اللحاظِ زائداً على الطبيعةِ؛ لأنّ الإطلاقَ كما تقدّم عبارةٌ عن عدمِ‏

لحاظِ القيد.

فصحَّ أن يُقالَ: إنّ المتكلّمَ لو كان قد أرادَ المقيَّدَ لما كان مبيّناً لتمامِ مراده؛ لأنّ القيدَ واقعٌ تحت اللحاظِ و ليس مدلولًا للّفظ، و إذا كان مرادُه المطلقَ فقد بيّنَ تمامَ ما وقعَ تحتَ لحاظِه؛ لأنّ نفسَ الإطلاقِ ليس واقعاً تحت اللحاظِ بل هو عدمُ لحاظِ القيدِ الزائد.

25

الشرح‏

قرينة الحكمة

قلنا في البحث السابق إنّ الرأي الصحيح هو أنّ مثل كلمة «إنسان» و ما شابهها من أسماء الأجناس موضوعة لذات الطبيعة الأعمّ من المطلق و المقيّد، فالإطلاق لا يمكن استفادته من الوضع و الدلالة التصوّرية، و إنّما لا بدّ من دلالة تصديقيّة و طريقة أُخرى نستفيد الإطلاق منها عند عدم ذكر القيد، و هي المسمّاة في كلمات المحقّقين المتأخّرين بقرينة الحكمة، و حقيقتها: التمسّك بدلالة تصديقيّة لظهور عرفيّ حاليّ مفاده: ظهور حال المتكلّم في أنّه بصدد بيان تمام مراده بكلامه، فلو لم يذكر قيداً فهو لا يريده، و بذلك يثبت الإطلاق.

توضيح ذلك: إذا كان هناك متكلّم عرفيّ يبني في محاوراته على ما يبني عليه العرف و العقلاء، و تكلّم بكلام فقال مثلًا: «أكرم الإنسان» فالذي يفهمه العرف أنّه أراد الإنسان غير المقيّد بالعدالة أو العلم أو غيرهما من القيود؛ لأنّه إن كان يريد الإنسان العادل كان عليه بيانه في كلامه، و حيث‏

إنّه لم يبيّنه في كلامه فهو لا يريده، و إلّا فلو كان يريده و لم يذكره في كلامه، لكان بذلك ناقضاً لغرضه بنفسه؛ إذ مقتضى المحاورات العرفية ذكر القيد عند إرادته، و بذلك يكون قد خالف ظهور عرفيّ سياقيّ مفاده: ظهور حال كلّ متكلّم هو بيان تمام مراده بكلامه، فلو لم يبيّن قيداً في كلامه، يكشف ذلك عن عدم أخذه قيداً في المراد الجدّي.

إذاً لدينا ظهور عرفيّ نستفيده من حال المتكلّم لا لفظه، و خلاصته: «إنّ‏

26

ما لا يقوله لا يريده»، فلو أراد إكرام العالم النحوي فلا بدّ أن يذكر في كلامه قيد «النحوي»، و أمّا إذا قال: «أكرم العالم» فسيثبت وجوب إكرام العالم مطلقاً، نحوياً كان أو أصوليّاً أو فقيهاً، و غيرهم من العلماء.

هذا هو الإطلاق الذي نريد إثباته بقرينة الحكمة، و اتّضح أنّ إثباته تمّ من خلال قرينة تصديقيّة لظهور عرفيّ حاليّ.

فإن قيل: ما الفرق بين قرينة الحكمة و بين قاعدة احترازية القيود، ما دام كلّ منهما يستفاد من المراد الجدّي و يعتمد على ظهور عرفيّ حاليّ؟

قلنا: صحيح أنّ كليهما يعتمد على ظهور عرفيّ سياقيّ، إلّا أنّ الظهور العرفي الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة غير الظهور العرفي الذي تعتمد عليه قاعدة احترازية القيود. فما تعتمد عليه القرينة هو ظهور حال المتكلّم في أنّ ما لا يقوله لا يريده، و ما تعتمد عليه القاعدة هو ظهور حال المتكلّم في أنّ ما يقوله يريده.

فظهر إلى هنا:

أوّلًا: أنّ قرينة الحكمة التي تثبت لنا الإطلاق هي دلالة تصديقيّة لظهور عرفيّ حاليّ.

ثانياً: أنّها تفترق عن قاعدة احترازيّة القيود في أنّها تعتمد على‏

ظهور عرفيّ مفاده: «ما لا يقوله لا يريده»، بينما تعتمد القاعدة على ظهور عرفيّ آخر مفاده: «ما يقوله يريده».

اعتراض و جواب‏

ربّ قائل يقول: إنّكم ذكرتم في قرينة الحكمة أنّ القرينة تعتمد على ظهور حال المتكلّم في أنّه يبيّن تمام مراده بكلامه، و من ثمّ فما لم يقله لا

27

يريده. فلو قيل: «أكرم الإنسان» فالعرف يفهم أنّه يريد مطلق الإنسان لا الإنسان المقيّد؛ لأنّه لو أراد المقيّد لكان ذلك خلافاً للظهور العرفي المتقدّم.

و لكنّا نقول هنا: إنّ مخالفة الظهور العرفي تحصل حتّى مع إرادة المطلق و ليس فقط عند إرادة المقيّد؛ لأنّكم قبلتم سابقاً إنّ أسماء الأجناس مثل «إنسان» موضوع لذات الطبيعة الأعمّ من المطلق و المقيّد بمعنى أنّ الإطلاق و التقييد خارجان عن دلالة نفس اللفظ، وعليه فعند إرادة المقيّد لا بدّ من دالّ يدلّ عليه، و كذلك هو الحال عند إرادة المطلق.

فمن أين استفدتم الإطلاق في مثل: «أكرم الإنسان» مع أنّ المتكلّم لم يذكر دالًّا يدلّ على الإطلاق، و هذا يعني أنّ المتكلّم لم يبيّن تمام مراده في حالتي الإطلاق و التقييد على حدٍّ سواء، مع أنّ مراده الجدّي يتعلّق بأحدهما جزماً؛ لأنّ موضوع الحكم في مرحلة المراد الجدّي إمّا مطلق و إمّا مقيّد؛ إذاً كيف استفدتم الإطلاق و عيّنتموه في مقابل التقييد مع أنّه لا دالّ على الاثنين، و مخالفة الظهور العرفي ثابتة في كلا الأمرين؟

هذا حاصل اعتراض يوجّه على استفادة الإطلاق بقرينة الحكمة.

و الجواب: إنّ مفاد الظهور العرفي الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة هو أنّ كلّ متكلّم يكون في مقام بيان تمام مراده، فما لم يقله لا يريده، و ليس‏

مفاده أنّ كلّ ما لم يلحظه المتكلّم في كلامه فلا بدّ أن يأتي بما يدلّ على عدم لحاظه له.

فإنّنا ذكرنا سابقاً أنّ الإطلاق هو عدم لحاظ خصوصيّة زائدة على ذات الطبيعة، بينما كان التقييد هو لحاظ خصوصيّة زائدة، فالتقييد إذاً يحتاج إلى دالّ وجوديّ يدلّ عليه بالإضافة إلى الدالّ الذي يدلّ على الطبيعة. و أمّا الإطلاق فلا يحتاج إلى دالّ وجوديّ؛ لأنّه عدم لحاظ الخصوصيّة فهو أمرٌ

28

عدميّ، و بالتالي لا نحتاج إلى أكثر من الدالّ الذي يدلّ على الطبيعة، فنفس لحاظ الطبيعة يكفي لاستفادة الإطلاق بلا حاجة إلى لحاظ زائد.

فإن قيل: «أكرم الإنسان» و كان المتكلّم يريد إكرام الإنسان العادل كان عليه بيان قيد العدالة بكلامه حتّى يتجنّب مخالفة الظهور العرفي، و إلّا فعدم ذكره مع أنّه يريده يعدّ مخالفة لذلك الظهور المتقدّم و هو أنّ كلّ متكلّم بصدد بيان كلّ ما يدخل في مراده. و أمّا إذا كان مراده المطلق فلا يحتاج إلى أكثر من ذكر «الإنسان» في المثال، و هو بذلك قد بيّن تمام مراده؛ لأنّ الإطلاق كما قلنا لا يحتاج إلى دالّ زائد يدلّ عليه، نعم هو بحاجة إلى ظهور حاليّ للمتكلّم كما تقدّم.

وعليه فقرينة الحكمة تامّة و بها نثبت الإطلاق، و لا وجه للاعتراض المذكور.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «إنّ ما يقوله يريده حقيقة». أي ما يقوله في المدلول التصوّري يريده حقيقة في المراد الجدّي.

قوله (قدس سره): «بيان تمام مراده بخطابه»؛ لأنّ هذا هو مقتضى المحاورات‏

العرفية، فالسامع ليس في باطن المتكلّم حتّى يعلم ما ذا يريد أن يقول، و إنّما يعرف مراده من خلال خطابه، فما يريده يذكره في خطابه و ما لا يذكره ليس داخلًا في مراده الجدّي.

قوله (قدس سره): «مع أنّ أحدهما ثابت في المراد الجدّي جزماً»؛ لأنّه لا يعقل خلوّ المراد الجدّي للمتكلّم من الإطلاق و التقييد، نعم هذا ممكن في الدلالة التصوّرية و لذا قلنا بأنّ الواضع لاسم الجنس مثل «إنسان» وضعه لذات الطبيعة الأعمّ من المطلق و المقيّد، فهو لا يريدهما معاً في الوضع، و أمّا في‏

29

الإرادة الجدّية فالإهمال غير معقول.

قوله (قدس سره): «ما وقع تحت لحاظه». و الإطلاق ليس واقعاً تحت اللحاظ، و إنّما هو عدم لحاظ القيد الزائد، و من ثمّ فلا يكون المتكلّم مخالفاً للظهور العرفي القائل ببيان المتكلّم كلّ ما يدخل في مراده؛ لأنّه قد بيّن تمام مراده، و هذا بخلافه إذا أراد المقيّد و لم يذكر القيد؛ لأنّ التقييد واقع تحت اللحاظ فلا بدّ أن يأتي بما يدلّ عليه، فعدم ذكره مع إرادته تعدّ مخالفة للظهور العرفي، فلاحظ.

قوله (قدس سره): «زائداً على الطبيعة». و لهذا فالمتكلّم لا يحتاج إلّا إلى بيان الطبيعة، لا أنّه يحتاج إلى بيانها مع بيان عدم دخل قيد فيها.

قوله (قدس سره): «و ليس مدلولًا للفظ». أي: لم يذكر المتكلّم في لفظه ما يدلّ عليه.

30

و نستخلصُ من ذلكَ أنّنا بتوسّطِ قرينةِ الحكمةِ نثبتُ الإطلاقَ، و نستغني بذلك عن إثباتِه بالدلالةِ الوضعيةِ عن طريقِ أخذِه قيداً في المعنى الموضوعِ له اللفظُ، ثمّ تطبيقِ قاعدةِ احترازيةِ القيودِ عليه، لكن يبقى هناك فارقٌ عمليٌّ بين إثبات الإطلاقِ بقرينةِ الحكمة، و إثباتِه بالدلالةِ الوضعيّةِ و تطبيقِ قاعدةِ احترازيّةِ القيود، و هذا الفارقُ العمليُّ يظهرُ في حالةِ اكتنافِ الكلامِ بملابساتٍ معيّنةٍ تفقدُه الظهورَ السياقيَّ الذي تعتمدُ عليه قرينةُ الحكمة، فلا يعودُ لحالِ المتكلّمِ ظهورٌ في أنّه في مقامِ بيانِ تمامِ مرادِه الجدّيِّ بكلامِه و أمكنَ أن يكونَ في مقامِ بيانِ بعضِه، ففي هذه الحالةِ لا تتمُّ قرينةُ الحكمة؛ لبطلانِ الظهورِ الذي تعتمدُ عليه، فلا يمكنُ إثباتُ الإطلاقِ لمن يستعملُ قرينةَ الحكمةِ لإثباتِه، و خلافاً لذلك من يثبتُ الإطلاقَ بالدلالةِ الوضعيّة و تطبيقِ قاعدةِ احترازيّةِ القيود، فإنّ بإمكانِه أن يثبتَ الإطلاقَ في هذه الحالةِ أيضاً؛ لأنّ الظهورَ الذي تعتمدُ عليه هذه القاعدةُ غيرُ الظهورِ الذي تعتمدُ عليه قرينةُ الحكمةِ كما عرفنا

سابقاً، و هو ثابتٌ على أيِّ حالٍ.

31

الشرح‏

إنّ النتيجة التي انتهينا إليها في بحث إثبات الإطلاق و استفادته أنّ هناك طريقين لاستفادته:

الأوّل: استفادته من الدلالة الوضعية للّفظ، بأن يكون الإطلاق قيداً في المعنى الموضوع له، ثمّ تطبيق قاعدة احترازيّة القيود لإثبات أنّه قيد في المراد الجدّي للمتكلّم.

الثاني: استفادته من الدلالة التصديقيّة (قرينة الحكمة) لظهور حال المتكلّم في أنّه في مقام بيان تمام مراده، فما لم يقله في كلامه فهو لا يريده حقيقة.

و قلنا إنّ الصحيح هو إثباته بالطريق الثاني و به نستغني عن إثباته بالوضع و تطبيق قاعدة احترازيّة القيود.

و لكن يبقى علينا الإجابة عن تساؤل مفاده: إنّ المهمّ عندنا هو إثبات الإطلاق و هو حاصل من عدم ذكر القيد في الخطاب، و بعد إثباته فلا أهمّية لمعرفة طريقة استفادته سواء كانت بالوضع أو بقرينة الحكمة؟

الإطلاق بين الوضع و قرينة الحكمة

في مقام الإجابة عن التساؤل المطروح نقول: إنّ هناك فارقاً مهمّاً و عامّاً بين إثبات الإطلاق بالوضع، و بين إثباته بقرينة الحكمة، حاصله: إن قال المتكلّم: «أكرم الإنسان» و شككنا في أنّ المتكلّم هل هو في مقام البيان لتمام‏

مراده، أو ليس في مقام بيان تمام مراده و إنّما هو في مقام بيان بعض مراده؟

32

ففي هذه الموارد تظهر الثمرة و الفارق بين الطريقين؛ إذ لا يمكن التمسّك بقرينة الحكمة و الحال هذه، لأنّها كانت مبتنية على ظهور حال المتكلّم في أنّه بصدد بيان تمام مراده الجدّي بكلامه، و حيث إنّنا نشكّ في أنّه في مقام بيان تمام مراده؛ إذ لعلّه لم يذكر القيد لأنّه ليس بصدد بيان تمام مراده، أو لوجود ملابسات معيّنة في الكلام من تقيّة و نحوها، فلا يتمّ حينئذ الظهور العرفي المذكور، و لا يبقى هناك مجال لتطبيق قرينة الحكمة و استفادة الإطلاق منها.

و هذا بخلافه لو بنينا على الطريق الأوّل (الوضع)، فإنّ الإطلاق مستفاد من اللفظ، و المتكلّم حسب الفرض قد ذكر كلمة «إنسان»، و يكفي لاستفادة الإطلاق مجرّد ذكرها في خطابه بلا دخل لحال المتكلّم؛ لأنّ الإطلاق جزء من المعنى الموضوع له سواء كان المتكلّم بصدد بيان تمام مراده أو لم يكن كذلك، و بعد ذكر «إنسان» و حصول المدلول التصوّري له نطبّق قاعدة احترازيّة القيود لنثبت أنّ ما قاله يريده، و به يثبت الإطلاق.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «يثبت الإطلاق في هذه الحالة أيضاً». أي: في حالة الشكّ في أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مراده بخطابه، أم لا.

قوله (قدس سره): «و هو ثابت على أيّ حال». أي: الظهور الذي تعتمد على قاعدة احترازيّة القيود ثابت على كلّ حال؛ لأنّ مفاده هو أنّ ما يقوله يريده سواء كان المتكلّم في مقام بيان تمام مراده أم لا.

33

ثمّ إنّ الإطلاقَ الثابتَ بقرينةِ الحكمةِ، تارةً يكونُ شموليّاً، أي مقتضياً لاستيعابِ الحكمِ لتمامِ أفرادِ الطبيعةِ، و أُخرى يكونُ بدليّاً يكتفى في امتثالِ الحكمِ المجعولِ فيه إيجادُ أحدِ الأفرادِ. و مثالُ الأوّلِ: إطلاقُ الكذبِ في «لا تكذب»، و مثالُ الثاني: إطلاقُ الصلاةِ في «صلِّ».

و الإطلاقُ تارةً يكونُ أفرادياً، و أُخرى يكونُ أحواليّاً.

و المقصودُ بالإطلاقِ الأفراديِّ: أن يكونَ للمعنى أفرادٌ فيثبتُ بقرينةِ الحكمةِ أنّه لم يُرَد به بعضُ الأفراد دونَ بعضٍ.

و المقصودُ بالإطلاقِ الأحواليِّ: أن يكونَ للمعنى أحوالٌ، كما في أسماءِ الأعلام، فإنّ مدلولَ كلمةِ «زيد» و إن لم يكن له أفرادٌ و لكن له أحوالٌ متعدّدةٌ، فيثبتُ بقرينةِ الحكمةِ أنّه لم يُرَد به حالٌ دونَ حال.

34

الشرح‏

بعد أن اتّضح لنا معنى الإطلاق و طريقة إثباته بقرينة الحكمة، نحاول أن نستعرض هنا أقسام الإطلاق عبر بيان تقسيمين:

الأوّل: تقسيم الإطلاق إلى شموليّ و بدليّ.

الثاني: تقسيم الإطلاق إلى أفرادي و أحوالي.

الإطلاق الشمولي و البدلي‏

هذا هو التقسيم الأوّل للإطلاق، حيث إنّ الإطلاق الذي نثبته بقرينة الحكمة ينقسم إلى شموليّ و بدليّ.

و نعني بالإطلاق الشمولي: أن يكون الإطلاق مقتضياً لاستيعاب الحكم لتمام أفراد الطبيعة، كقوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1)، فإنّ إجراء قرينة الحكمة في كلمة «البيع» يقتضي حلّية جميع أنواع البيع. و كذلك في: «أكرم العالم» فإنّ الإطلاق في «العالم» يقتضي وجوب إكرام جميع العلماء.

و نعني بالإطلاق البدلي: أن يكتفى في امتثال الحكم المجعول إيجاد أحد أفراد الطبيعة لا جميعها، كما لو قيل: «اعتق رقبة» فإنّ للعتق أفراداً متعدّدة، و هذه الأفراد لا تجب جميعها، و إنّما إجراء قرينة الحكمة في «أعتق» يقتضي الاكتفاء بإيجاد أحد أفراد طبيعة العتق. و كذا لو قيل: «صلِّ» فمن الواضح أنّ لصلاة الظهر مثلًا أفراداً عديدة واقعة ما بين الزوال إلى الغروب، و الشارع لم يوجب الإتيان بجميع هذه الأفراد؛ لأنّه أمرٌ صعب و ربما غير مقدور، بل اكتفى بالإتيان بأحدها، و هو معنى الإطلاق البدلي.

____________

(1) البقرة: 275.

35

بعبارة أخرى: يمكننا أن نعبّر عن الإطلاق الشمولي بالواو العاطفة، فإذا قيل: «لا تكذب» فمعناه: هذا الكذب و هذا و هذا ... الخ، و عن الإطلاق البدلي ب «أو»، فإن قيل: «صلِّ» فمعناه: هذه الصلاة أو هذه أو ...

الإطلاق الأفرادي و الأحوالي‏

نعني بالإطلاق الأفرادي: أن يكون للمعنى أفراد متعدّدة فيثبت بقرينة الحكمة أنّ المتكلّم لم يرد بعضها دون بعض و إنّما يريدها جميعاً، و هو من قبيل الإطلاق الشمولي أي أنّه يريد كلّ الأفراد.

و نعني بالإطلاق الأحوالي: أن يكون للمعنى أحوال متعدّدة فيثبت بقرينة الحكمة أنّ المتكلّم لم يرد حالًا دون حال، كما في أسماء الأعلام مثل زيد، فلو قيل: «أكرم زيداً» فمقتضى إطلاق وجوب الإكرام وجوب إكرامه سواء كان في البيت أو المدرسة أو المسجد، جالساً أو قاعداً و غيرها من الحالات، فالإطلاق هنا متعلّقه ليس الأفراد و إنّما أحوال فرد واحد.

و لو أردنا توضيح كلا الإطلاقين بمثالٍ نقول: لو قال المولى: «يستحبّ السلام» فهنا إطلاقان: إطلاق أفراديّ، أي يشمل كلّ الأفراد، و إطلاق أحواليّ. أي يستحبّ السلام على زيد في أحواله المتعدّدة. وعليه فنحكم باستحباب السلام من كلّ الأفراد بحكم الإطلاق الأفرادي، و على زيد في جميع أحواله بحكم الإطلاق الأحوالي.

أضواء على النصّ‏

قوله: «و الإطلاق تارةً يكون أفراديّاً و أخرى أحواليّاً». «أفراديّ» جمع فرد، و «أحواليّ» جمع حالة، و لهذا تقدّم منه (قدس سره) في أوّل بحث الإطلاق في تعريفه ما يشير إلى ذلك بقوله: «و لاحظت فيه وصفاً خاصّاً أو حالة معيّنة».

36

الإطلاق في المعاني الحرفيّة

مرَّ بنا سابقاً أنّ المعانيَ في المصطلحِ الأصوليِّ تارةً تكونُ معانيَ اسميّةً كمدلولِ «عالم»: (أكرم العالم)، و أخرى معانيَ حرفيةً كمدلولِ صيغةِ الأمرِ في نفسِ المثالِ، و لا شكَّ في أنّ قرينةَ الحكمةِ تجري على المعاني الاسميةِ و يثبتُ بها إطلاقُها، و أمّا المعاني الحرفيةُ فقد وقعَ النزاعُ في إمكانِ ذلك بشأنِها، مثلًا: إذا شككْنا في أنّ الحكمَ بالوجوبِ هل هو مطلقٌ و ثابتٌ في كلِّ الأحوالِ، أو في بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ، فهل يمكنُ أن نطبّقَ قرينةَ الحكمةِ على مفادِ «أكرم» في المثالِ و هو الوجوبُ المفادُ على نهجِ النسبةِ الطلبيةِ و الإرساليةِ لإثبات أنّه مطلقٌ أو لا؟

و سيأتي توضيحُ الحالِ في هذا النزاعِ في الحلقةِ الثالثةِ إن شاء اللهُ تعالى، و الصحيحُ فيه إمكانُ تطبيقِ مقدّماتِ الحكمةِ في مثلِ ذلك.

37

الشرح‏

ما ذكرناه إلى هنا من مباحث الإطلاق و إجراء قرينة الحكمة لإثباته إنّما هو في المعنى الاسمي كمدلول عالم في قولنا: «أكرم العالم»، و في هذا البحث يتمّ التطرّق إلى الإطلاق في المعاني الحرفية كمدلول صيغة الأمر في المثال المتقدّم، لنتعرّف على إمكانية جريان الإطلاق فيها كجريانه في المعاني الاسميّة، أو عدم الإمكان.

و قد تطرّقنا إلى هذا البحث باختصار فيما تقدّم، و تحديداً في قاعدة

احترازيّة القيود في النحو الثالث من أنحاء القيود.

منشأ الشبهة

إنّ منشأ الشبهة التي يتوهّم منها عدم إمكان الإطلاق في المعاني الحرفية هو أنّ المعنى الحرفي معنى جزئيّ قائم في غيره و متقوّم بالطرفين اللذين يربط بينهما، و ليس له وجود مستقلّ في حدِّ نفسه، و مثل هذا المعنى غير قابل للتقييد بقرينة خاصّة و لا إثبات إطلاقه بقرينة الحكمة العامّة؛ لأنّ التقييد و الإطلاق من شئون المعنى القابل للتحصيص.

بعبارة أخرى: إنّ المعنى الاسمي مثل زيد له مفهوم مستقلّ في الذهن سواء كان هناك شي‏ء آخر أم لا، و من ثمَّ يمكن للشارع أن يقيّده أو يطلقه، بينما في المعنى الحرفي مثل من فحيث إنّه معنى قائم في غيره و لا بدّ من وجود الطرفين في تصوّر معناه، فلا يصحّ فيه الإطلاق و التقييد.

هذا هو منشأ الشبهة التي يتوهّم منها عدم إمكان جريان قرينة الحكمة لإثبات الإطلاق في المعاني الحرفية.

38

ثمرة البحث‏

قد يقال: ما هي الثمرة المترتّبة على هذا البحث، سواء قلنا بجريان الإطلاق في المعاني الحرفية أم لم نقل؟

فنقول: إنّ الثمرة تظهر في موارد عديدة من أبواب الفقه المختلفة. و في مقام تصويرها نقول: لو قال الشارع: «إذا زالت الشمس فصلِّ» أو «إذا استطعت فحجّ»، فمن الواضح أنّ الزوال في المثال الأوّل و الاستطاعة في المثال الثاني قيدان، و لكن هل هما قيدان للمادّة التي هي معنى اسميّ و هي الواجب في المثالين أي الصلاة و الحجّ، أم هما قيدان للهيئة التي هي معنى‏

حرفيّ و هي الوجوب المستفاد من هيئة «صلِّ» و «حجّ»؟

و هنا تظهر الثمرة، فإن قلنا بإمكان الإطلاق و التقييد في المعاني الحرفية فسنرجع قيد الزوال و الاستطاعة إلى الهيئة لأنّ ظاهر الكلام أي وجوب الصلاة و وجوب الحجّ. و معنى رجوعه إلى الهيئة هو أن لا وجوب لصلاة الظهر أو الحجّ قبل الزوال و الاستطاعة؛ لأنّ المقيّد عدم عند عدم قيده، و من ثمّ لو كان عند المكلّف ماء و هو يعلم أنّه لو أراقه لا يحصل على ماء للوضوء بعد الزوال، فيمكنه إراقة الماء؛ إذ لا وجوب للصلاة قبل الزوال ليحتفظ بالماء لأجله.

و هذا بخلاف ما لو قلنا بعدم إمكان الإطلاق و التقييد في المعاني الحرفية؛ لأنّا سوف نضطرّ إلى إرجاع كلّ القيود التي يتبادر رجوعها إلى الهيئة إلى المادّة، و معنى رجوعها للمادّة هو أنّ الزوال و الاستطاعة مثلًا قيد للواجب أي الصلاة و الحجّ، و من ثمَّ يجب عليه الاحتفاظ بالماء في المثال السابق لأنّه مقدّمة للواجب؛ حيث إنّ الوجوب حسب الفرض متوجّه إليه قبل الزوال، و الزوال قيد للواجب لا للوجوب لعدم إمكان رجوع القيد إليه.

39

و هذا من قبيل ما لو قيل: «إذا رأيت الهلال فصم»، فإن بنينا على إمكان الإطلاق و التقييد في المعاني الحرفية فستكون رؤية الهلال قيداً لوجوب الصوم فيتوجّه الوجوب إليه من حين الغروب، نعم زمان الواجب هو الفجر، و فائدة توجّه الوجوب من الغروب هو تهيئة مقدّمات الواجب إن وجدت.

أمّا لو بنينا على عدم الإمكان فستكون الرؤية قيداً للواجب أي الصوم، فقبل الفجر لا وجوب للصوم لتجب تهيئة مقدّماته.

و هذه ثمرة مهمّة تظهر في أبواب متفرّقة من الفقه، وعليه ينبغي تحديد القول الصحيح في هذه المسألة.

الرأي الصحيح‏

نعود الآن إلى الإجابة على تساؤل البحث: (هل يمكن جريان الإطلاق في المعاني الحرفية)؟

الرأي الصحيح كما يقول السيّد الشهيد (قدس سره) هو إمكان جريان الإطلاق، فلو شككنا في إطلاق مفاد الهيئة أو تقييده ببعض الأحوال، فيمكننا أن نثبت الإطلاق بقرينة الحكمة. و سيأتي بحث ذلك بشكل مفصّل في الحلقة الثالثة (1) إن شاء الله تعالى.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «مفاد أكرم». أي: هيئة «أكرم».

قوله (قدس سره): «و الصحيح فيه». عند السيّد الشهيد (قدس سره) و جملة من المحقّقين، بخلاف ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري حيث اختار عدم إمكان الإطلاق في المعاني الحرفية.

____________

(1) دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة القسم الأوّل: ص 108 107.

40

التقابل بين الإطلاق و التقييد

اتّضحَ ممّا ذكرناهُ أنّ هناك إطلاقاً و تقييداً في عالمِ اللحاظِ و في مقامِ الثبوت، و التقييدُ هنا بمعنى لحاظِ القيد، و الإطلاقُ بمعنى عدمِ لحاظِ القيد. و هناك أيضاً إطلاقٌ و تقييدٌ في عالمِ الدلالةِ و في مقامِ الإثبات، و التقييدُ هنا بمعنى الإتيانِ في الدليلِ بما يدلُّ على‏

القيد، و الإطلاقُ بمعنى عدمِ الإتيانِ بما يدلُّ على القيدِ مع ظهورِ حالِ المتكلّمِ في أنّه في مقام بيانِ تمامِ مرادِه بخطابِه.

و الإطلاقُ الإثباتيُّ يدلُّ على الإطلاق الثبوتيِّ، و التقييدُ الإثباتيُّ يدلُّ على التقييد الثبوتيِّ.

و لا شكّ في أنّ الإطلاقَ و التقييدَ متقابلان ثبوتاً و إثباتاً، غير أنّ التقابلَ على أقسام:

فتارةً: يكونُ بين أمرينِ وجوديّين كالتضادِّ بينَ الاستقامةِ و الانحناء.

و أخرى: يكونُ بين وجودٍ و عدمٍ كالتناقضِ بينَ وجودِ البصرِ و عدمِه.

و ثالثةً: يكونُ بين صفةٍ في موضعٍ معيّنٍ و عدمِها في ذلك الموضعِ مع كونِ الموضعِ قابلًا لوجودِها فيه، من قبيلِ البصرِ و العمى، فإنّ العمى ليس عدمَ البصرِ و لو في جدارٍ، بل عدمُ البصرِ في كائنِ حيٍّ يمكنُ في شأنه أن يُبصرَ.

41

و على هذا الأساسِ اختلفَ الأعلامُ في أنّ التقابلَ بين الإطلاقِ و التقييدِ الثبوتيينِ من أيِّ واحدٍ من هذه الأنحاء.

و من الواضحِ على ضوءِ ما ذكرناه أنّه ليس تضادّاً؛ لأنّ الإطلاقَ الثبوتيَّ ليس أمراً وجوديّاً، بل هو عدمُ لحاظِ القيد، و من هنا قيل تارةً: بأنّه من قبيلِ تقابلِ البصرِ و عدمِه، فالتقييدُ بمثابة البصرِ، و الإطلاقُ بمثابةِ عدمِه، و قيل أُخرى: إنّه من قبيلِ التقابلِ بينَ‏

البصرِ و العمى، فالتقييدُ بمثابةِ البصر، و الإطلاقُ بمثابةِ العمى.

و أمّا التقابلُ بين الإطلاقِ و التقييدِ الإثباتيينِ فهو من قبيلِ تقابلِ البصر و العمى بدونِ شكّ، بمعنى أنّ الإطلاقَ الإثباتيَّ الكاشفَ عن الإطلاق الثبوتيِّ هو عدمُ ذكرِ القيدِ في حالةٍ يتيسّرُ للمتكلّمِ فيها ذكرُ القيد، و إلّا لم يكنْ سكوتُه عن التقييدِ كاشفاً عن الإطلاقِ الثبوتيِّ.

42

الشرح‏

تقدّم في أوّل بحث الإطلاق مقابلة الإطلاق للتقييد، و اتضح هناك معنى التقابل. و في هذا البحث نودّ معرفة نوع التقابل و لكن بعد الالتفات إلى عدّة نقاط:

1 إنّنا نبحث التقابل بين الإطلاق و التقييد في مقامين:

الأوّل: مقام الثبوت.

الثاني: مقام الإثبات.

المقصود من مقام الثبوت هنا هو عالم اللحاظ، أي لحاظ المتكلّم المعاني قبل إبراز لفظ يدلّ عليها، لا الثبوت الذي يعدّ مرحلة من مراحل الحكم التكليفي بعناصره الثلاث: الملاك و الإرادة و الاعتبار.

أمّا المقصود من مقام الإثبات فهو عالم الدلالة و الخطاب.

2 إنّ معنى الإطلاق و التقييد في مقام الثبوت يختلف عن معناهما في‏

مقام الإثبات؛ ففي مقام الثبوت: التقييد يعني لحاظ القيد، و الإطلاق يعني عدم لحاظ القيد.

و في مقام الإثبات: التقييد يعني الإتيان في الدليل بما يدلّ على القيد، و الإطلاق يعني عدم الإتيان بما يدلّ على القيد مع ظهور حال المتكلّم أنّه بصدد بيان تمام مراده بخطابه.

3 إنّ الإطلاق الإثباتي (في مقام الدلالة) يدلّ على الإطلاق الثبوتي (في مقام اللحاظ)، كما أنّ التقييد الإثباتي يدلّ على التقييد الثبوتي.

43

التقابل بين الإطلاق و التقييد

قبل الشروع في طرح الآراء المتعدّدة في المسألة نقدِّم مقدّمة:

ذكرنا سابقاً أنّ أقسام التقابل أربعة:

1 التناقض.

2 التضادّ.

3 الملكة و العدم.

4 التضايف.

أمّا القسم الرابع فهو خارج عن بحثنا؛ لأنّه لا قائل به سواء في التقابل بين الإطلاق و التقييد في مرحلة الثبوت، أم في مرحلة الإثبات.

و أمّا تقابل التضادّ فهو التقابل الذي يحصل بين أمرين وجوديّين كالتقابل بين السواد و البياض، أو بين الاستقامة و الانحناء.

و لكنّ الأمر المهمّ في هذه المقدّمة هو معرفة الفرق بين تقابل النقيضين و تقابل الملكة و العدم، و حاصل هذا الفرق هو: أنّ تقابل النقيضين هو التقابل بين وجود الشي‏ء و عدمه كالتقابل بين إنسان و لا إنسان، و أمّا تقابل‏

الملكة و العدم فهو التقابل بين وجود شي‏ء و عدمه في مورد قابل للاتّصاف بذلك الشي‏ء كالتقابل بين البصر و العمى، فإنّ العمى ليس عدم البصر مطلقاً و إنّما عدم البصر في موضع قابل للاتّصاف بالبصر كالإنسان، و من ثمَّ لا يصحّ أن نصف الجدار بالعمى لأنّه ليس من شأنه الاتّصاف به، و إنّما يصحّ أن نصفه بعدم البصر لأنّه عدم مطلق.

إذا اتّضحت هذه المقدّمة نعود لصلب الموضوع و هو معرفة نوع التقابل بين الإطلاق و التقييد، فنقول:

44

أمّا في مرحلة الثبوت، فتوجد في المسألة ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: إنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين هو تقابل التضادّ، و هو مبنيّ على أنّ معنى الإطلاق كما هو حال التقييد أمرٌ وجوديّ، فيكون التقابل عندئذ بين أمرين وجوديّين، و هو مختار السيّد الخوئي (قدس سره) (1).

و المصنّف (قدس سره) و إن لم يذكر هذا القول صريحاً في هذه الحلقة و إنّما ذكره في الحلقة الثالثة، إلّا أنّه نوّه إليه هنا بقوله: «و من الواضح على ضوء ما ذكرناه أنّه ليس تضادّاً».

القول الثاني: إنّ التقابل بينهما هو تقابل الملكة و العدم، فالتقييد بمثابة البصر و الإطلاق بمثابة العمى، و هو مختار الميرزا النائيني‏ (2).

القول الثالث: إنّ التقابل بينهما هو تقابل النقيضين، و هو مختار السيّد الشهيد (قدس سره)، فهو يرى أنّ الإطلاق أمرٌ عدميّ و هو عدم لحاظ

القيد و التقييد أمرٌ وجوديّ، و من الواضح أنّ التقابل بين لحاظ القيد و عدمه هو تقابل النقيضين.

و بهذا يتّضح بطلان القول الأوّل المبني على أنّ الإطلاق و التقييد أمران وجوديّان، و أمّا وجه بطلان القول الثاني فموكول إلى الحلقة الثالثة (3).

إن قلت: ما هي الثمرة المترتّبة على القولين الأخيرين؟

قلنا: هناك ثمرات عدّة يذكرها السيّد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الثالثة، و على سبيل الاختصار نذكر منها: عدم إمكان الإطلاق في الموارد التي‏

____________

(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه: ج 2، ص 173 172.

(2) انظر: أجود التقريرات: ج 1، ص 520.

(3) دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة القسم الأوّل: ص 132 131.

45

لا يمكن فيها التقييد بناءً على القول بأنّ التقابل بينهما هو تقابل الملكة و العدم؛ لأنّه يشترط قابلية الموضع للاتّصاف بالملكة، فالموضع الذي لا يكون قابلًا للتقييد لا يكون قابلًا للإطلاق، و هو المسمّى بحالة الإهمال.

و أمّا بناءً على القول بأنّ التقابل بينهما هو تقابل النقيضين، فيكون أحدهما ضروريّاً لو استحال الآخر؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين.

هذا كلّه في التقابل بين الإطلاق و التقييد في مرحلة الثبوت.

و أمّا في مرحلة الإثبات، فالتقابل بينهما هو تقابل الملكة و عدمها بلا إشكال، باعتبار أنّنا إنّما نستكشف الإطلاق من عدم ذكر القيد إذا كان المتكلّم قادراً على ذكر القيد في خطابه، و إلّا فلو لم يتيسّر له ذكر القيد لعدم استطاعته مثلًا فلا نستكشف من عدم ذكره الإطلاق.

بعبارة أخرى: إنّنا نستكشف الإطلاق في المورد الذي يكون فيه التقييد ممكناً؛ إذ عدم ذكر القيد حينئذ يفهم منه الإطلاق، و أمّا إذا لم يمكن للمتكلّم ذكر القيد في خطابه فلا يستكشف منه الإطلاق.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «عالم اللحاظ و في مقام الثبوت ... عالم الدلالة و في مقام الإثبات». العطف في العبارتين عطف تفسير.

قوله (قدس سره): «بأنّه من قبيل تقابل البصر و عدمه». أي: تقابل النقضين.

قوله (قدس سره): «إنّه من قبيل التقابل بين البصر و العمى». أي: تقابل الملكة و العدم.

46

الحالات المختلفة لاسم الجنس‏

ممّا ذكرناهُ يتّضحُ أنّ أسماءَ الأجناس لا تدلُّ على الإطلاقِ بالوضع، بل بالظهورِ الحاليِّ و قرينةِ الحكمة. و لاسمِ الجنسِ ثلاثُ حالاتٍ:

الأولى: أن يكونَ معرَّفاً باللام، من قبيلِ كلمةِ «البيع» في‏ وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏.

الثانيةُ: أن يكونَ منكّراً، أي منوّناً بتنوينِ التنكير، من قبيلِ كلمةِ «رجل» في «جاء رجلٌ» أو «جئْني برجلٍ».

الثالثةُ: أن يكونَ خالياً من التعريفِ و التنكيرِ، كما في حالةِ كونهِ منوّناً بتنوينِ التمكينِ أو كونِه مضافاً.

و يُلاحَظُ: أنّ اسمَ الجنسِ يبدو بوضعِه الطبيعيِّ و بدونِ تطعيمٍ لمعناه في الحالةِ الثالثة، بينما يطعّمُ في الحالةِ الثانية بشي‏ءٍ من التنكير، و في الحالةِ الأولى بشي‏ءٍ من التعريف.

أمّا الحيثيةُ التي طُعِّم بها مدلولُ اسمِ الجنسِ في الحالةِ الثانيةِ فأصبحَ نكرةً، فالمعروفُ أنّها حيثيةُ الوحدة. فالنكرةُ موضوعةٌ للطبيعةِ المأخوذةِ بقيدِ الوحدة، و لهذا لا يمكنُ أن يكونَ الإطلاقُ‏

47

شموليّاً حين ينصبُّ الأمرُ على نكرةٍ مثلِ «أكرم عالماً»؛ و ذلك لأنّ طبيعةَ عالم مثلًا حين تتقيّدُ بقيدِ الوحدةِ لا يمكنُ أن تنطبقَ على أكثرِ مِن واحدٍ أيِّ واحدٍ و هو معنى الإطلاقِ البدليّ.

و أمّا الحيثيةُ التي طُعِّم بها مدلولُ اسمِ الجنسِ في الحالةِ الأولى فأصبحَ معرفةً فهي التعيينُ. فاللام تُعيِّنُ مدلولَ مدخولهِا و تطبِّقُهُ على صورةٍ مألوفةٍ، إمّا بحضورِها فعلًا كما في العهدِ الحضوريِّ، و إمّا بذِكرِها سابقاً كما في العهدِ الذكريِّ، و إما باستئناسٍ ذهنيّ خاصٍّ بها كما في العهد الذهنيِّ، و إمّا باستئناسٍ ذهنيّ عامٍّ بها كما في لامِ الجنس، فإنّ في الذهنِ لكلِّ جنسٍ انطباعاتٍ معيّنةً تشكّلُ لوناً من الاستيناسِ العامِّ الذهنيِّ بمفهومِ ذلك الجنس. فان قيل: «نار»، دلّت الكلمةُ على ذاتِ المفهوم، و إن قيل: «النار» و أُريد باللام لامُ الجنسِ، أفاد ذلك تطبيقَ هذا المفهومِ على حصيلةِ تلك‏

الانطباعاتِ، و بذلك يصبحُ معرفةً.

و اسمُ الجنس في حالةِ كونِه معرفةً، و كذلك في الحالةِ الثالثة التي يخلو فيها من التعريف و التنكير معاً، يصلحُ للإطلاقِ الشموليِّ، و لهذا إذا قلتَ: «أكرمِ العالم» جرَتْ قرينةُ الحكمةِ لإثباتِ الإطلاقِ الشموليِّ في كلمةِ «العالِم».

48

الشرح‏

قلنا إنّ أسماء الأجناس مثل: إنسان، شجر، قلم ... لا تدلّ على الإطلاق بالوضع و إنّما بقرينة الحكمة، و إنّ الإطلاق ينقسم إلى شموليّ و بدليّ، و ما نريد الآن بحثه هو: استعراض الحالات المتعدّدة لاسم الجنس ليتسنّى لنا معرفة الحالة التي يفيد اسم الجنس فيها الإطلاق الشمولي، و تمييزها عن الحالة التي يفيد اسم الجنس فيها الإطلاق البدلي.

حالات اسم الجنس‏

إنّ لاسم الجنس ثلاث حالات، هي:

1 أن يكون معرّفاً باللام، من قبيل كلمة «البيع» في قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1)، فقد جاء اسم الجنس (البيع) معرّفاً باللام. و سيأتي أنّ اسم الجنس في مثل هذه الحالة يفيد الشمول ما لم تكن اللام عهدية.

2 أن يكون منكّراً أي: خالياً من التعريف باللام، أو بالإضافة، من قبيل كلمة «عالم» في: «أكرم عالماً». و في هذه الحالة لا يفيد اسم الجنس‏

الشمول بل يفيد الوحدة، كما سيتّضح في بحث حيثيّات اسم الجنس الآتي.

3 أن يكون خالياً من التعريف و التنكير (2) كما في حالة كونه مضافاً؛

____________

(1) البقرة: 275.

(2) هكذا اصطلح عليه السيد الشهيد، و يريد به: أن يكون بنفسه خالياً من لام التعريف و إن كان مضافاً إلى ما فيه اللام. فأطلق لفظ المعرّف على المعرّف باللام، و أطلق لفظ المنكّر على المجرّد من اللام و الإضافة معاً، أما المعرّف بالإضافة و بعض المنوّن، كما سيأتي فلا هو بالمعرّف و لا بالمنكّر، ف «عالم البلد» مثلًا يمكن أن يصدق على أكثر من شخص؛ فهو نكرة، و يمكن أن لا يصدق إلّا على عالم واحد؛ فيكون معرفة.

49

من قبيل كلمة «عالم» في: «أكرم عالم البلد»، و في هذه الحالة يفيد اسم الجنس الشمول كما في الحالة الأولى.

المقصود بتنويني التمكين و التنكير

إلّا أنّه من الملاحظ أنّ السيّد الشهيد قد عرّف الحالة الثانية بكونه أي اسم الجنس منوّناً ب «تنوين التنكير»، كما مثّل للحالة الثالثة بالمضاف، و بالمنوّن ب «تنوين التمكين»، فما معنى هذين التنوينين؟ و ما ذا أراد بهما (قدس سره)؟

لقد عدّ علماء النحو التنوين من علامات الاسم التي تميّزه عن غيره، و أهمّ أقسامه: التمكين و التنكير، و عرّفوا الأوّل بأنه «اللاحق للأسماء المعربة»، و الثاني بأنّه «اللاحق للأسماء المبنيّة فرقاً بين معرفتها و نكرتها». (1)

بيانه: إنّ من الأسماء ما لا ينصرف، أي لا يتغيّر آخره بل يثبت على حال واحدة يبنى عليها، و لذا سمّي بالمبنيّ كالأسماء الموصولة و أسماء الاستفهام و الإشارة و بعض الأعلام كسيبويهِ، و منها ما ينصرف أي يتغيّر

آخره، و يسمّى المعرب أو المتصرّف، أو المتمكّن؛ لتمكّنه من تغيّر الآخر، و هو الأصل في الأسماء كأسماء الأجناس و الأعلام و المعاني.

ثم إنّ المعرب، منه ما هو ناقص التصرّف لأنّ تغيّره محصور بحالتين من حالات الإعراب الثلاث مثل «أحمد» و يسمّى الممنوع من الصرف أو المتمكن فقط، و منه ما هو تامّ التصرف مثل «عليّ»، و يسمّى المتصرّف أو المتمكن الأمكن.

فصارت الأقسام ثلاثة: مبنيّ، و ممنوع من الصرف، و متصرّف.

و التنوين في الأصل للمتصرّف فقط، فلا يلحق المبنيّ و الممنوع من الصرف إلّا للعلم منهما إذا أُريد تنكيره.

____________

(1) شرح ابن عقيل: ج 1، ص 17.

50

فهناك بعض الأسماء القديمة مثل سيبويه و نفطويه و خالويه المبنيّة على الكسر غالباً، فإذا أُريد التحدّث عن واحد من هذه الأعلام و كان معيّناً معهوداً عند المخاطب كما لو قيل سيبويه و أريد به النحويّ المعروف أو شخص آخر معروف عند المخاطب نُطق به مبنيّاً على الكسر من غير تنوين، كما يُتكلّم عن الأعلام الأخرى المعربة التي يدلّ الواحد منها على فردٍ خاصّ بعينه، مثل: محمد و أحمد و زيد. فإن أريد الإخبار عن شخص آخر مسمًّى بهذا الاسم و لا يعرفه المخاطب وجب تنوينه فيقال: «مررت بسيبويه و سيبويهٍ آخر». فإذا قلت: «مررت بسيبويه» فأنت تتحدّث عن شخص معيّن يتميّز عند المخاطب عن غيره من المشاركين له في الاسم، أما إذا قلت: «مررت بسيبويهٍ» فأنت تتحدّث عن رجل أيّ رجل مسمًّى بهذا الاسم لا عن شخص معيّن عند المخاطب.

هذا التنوين الذي يلحق الأسماء المبنيّة، و المتصوَّر في هذه الحالة فقط، هو الذي يسمَّى عند النحاة بتنوين التنكير؛ و السبب واضح، و هو أنّه جي‏ء به للتفرقة بين المعرفة و النكرة من هذه الأسماء المبنيّة، و لحق المنكّر منهما.

على أنّ هذا الغرض من التنوين لا يقتصر على الأعلام المبنيَّة بل يأتي في الأعلام المعربة أيضاً، سواء كانت منصرفة أم ممنوعة من الصرف؛ فيقال: «مررت بمحمدٍ و محمدٍ آخر» أو «مررت بأحمدَ و أحمدٍ آخر» فالثاني من كلّ منهما مسمّى بذاك الاسم و ليس معروفاً لدى السامع.

إلا أنّه إذا لحق الأعلام المعربة لا يسمّى بتنوين التنكير؛ لأنّ تنوين التنكير كما قلنا اختصّ بالأسماء المبنية، بل يُلحق بتنوين المعربات‏ (1).

____________

(1) ما سوّغ أن تكون هذه الألفاظ أسماء جنس مع أنها أعلام في الأصل أنها خرجت عن العلمية عند ما نكِّرت، فعوملت معاملة الجنس (معناها: كل من تسمّى بهذا الاسم).

51

أمّا التنوين الذي يلحق الاسم المعرب و يعنون به المتمكن الأمكن أي المنصرف‏ (1) فقد أُطلق عليه اسم «تنوين التمكين»، و إن أفاد التنكير أحياناً إلى جانب التمكين.

فإنّ التنوين الداخل على الاسم المعرب (العلم و غيره) يكون للتمكين (أي الإعراب) فقط إذا دخل على الأعلام المتصرّفة مثل «زيدٍ» و «بكرٍ». فإذا دخل على النكرات أو ما عومل من الأعلام معاملة النكرة ك «سيبويهٍ» أو «أحمدٍ» أو «زيدٍ» ما لا فرق بينها جميعاً من هذه الجهة أفاد التنكير أيضاً، كما في قولك: «جئني برجلٍ» أي: أيّ رجل.

ثم إنّ التنكير قد يفيد الوحدة كما في قوله تعالى: (2) أي واحدة، أو الجنس أعمّ من أن يكون واحداً أو أكثر، نحو قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى‏ (3)، أي: «القول‏

المعروف» مطلقاً خير من «الصدقة المتبوعة بالأذى» مطلقاً.

التنكير و التمكين في كلمات السيد الشهيد

بعد أن أوضحنا المقصود بتنويني التمكين و التنكير عند النحاة، نعيد الحالات الثلاث لاسم الجنس الواردة في كلمات السيد الشهيد؛ و هي:

1 أن يكون معرّفاً باللّام؛ و مثاله: «العالم» في «أكرم العالم». و اسم الجنس في مثل هذه الحالة يفيد الشمول ما لم تكن اللام عهدية و سيأتي.

2 أن يكون منكّراً، أي: خالياً من التعريف باللام أو بالإضافة. و عبّر عنه السيد الشهيد بقوله: «أي: منوّناً بتنوين التنكير».

____________

(1) فإنّ غير المنصرف لا ينوَّن إلّا في حالة واحدة، كما قلنا.

(2) البقرة: 23.

(3) البقرة: 263.

52

و من الواضح أنّه (قدس سره) لم يرد بتنوين التنكير هنا معناه المصطلح عند النحاة، و الذي قلنا إنّه يُطلق على «التنوين اللاحق للأسماء المبنيّة فرقاً بين معرفتها و نكرتها» و إنّما مراده التنوين الذي يفيد التنكير، سواء عُدّ ممّا اصطلح عليه النحاة كذلك و مثاله: «سيبويهٌ» إذا لم يرد به شخص بعينه أو كان ممّا اصطلحوا عليه بتنوين التمكين الذي قلنا «إنّه يلحق الأسماء المعربة» على أن لا يكون علماً و مثاله: «عالماً» في «أكرم عالماً» أو كان ممّا أشبه «سيبويهٍ» من هذه الجهة و كان معرباً، أي استفيد منه التنكير كما لو قيل: «أكرم زيداً ما» أو «أحمداً» أي أحمداً ما.

3 أن يكون خالياً من التعريف و التنكير. و قسّمه على قسمين:

أ المضاف؛ و مثاله: «عالم المدينة»، و هذا واضح.

ب المنوّن بتنوين التمكين، و هنا أيضاً لم يرد به معناه المصطلح عند النحاة، و الذي قلنا إنّه يُطلق على التنوين اللاحق للأسماء المعربة مطلقاً، بل أراد بعضه و هو تنوين التمكين عند ما لا يكون المقصود منه الوحدة و إنّما يفيد معنى الجنس فقط، و يلحق النكرات، مثل: «إنسانٌ خير من بهيمةٍ» أي‏

جنس الإنسان أو عموم أفراده خير من البهيمة مقصوداً بها جنسها أيضاً، أي: أعمّ من بهيمة ما.

و عدّ المنوّن بهذا التنوين كالمضاف في كونه لا معرفة و لا نكرة؛ لأنّ لفظ المنوّن نكرة لكنّ معناه يفيد العموم، و النكرة كما يقول أهل اللغة إذا عمّت فإنّ عمومها يستغرق كلّ أفراد الجنس فتشبه المعرّف بلام الجنس. فقولنا «إنسانٌ خير من بهيمةٍ» يشبه قولنا: «الإنسان خير من البهيمة».

ثمّ إنّه (قدس سره) ألحق القسم الثالث بالقسم الأوّل، أي جعل حكم ما ليس نكرة و لا معرفة كحكم المعرفة، كما سيتّضح في البحث التالي.

53

حيثيّات اسم الجنس‏

من الواضح أنّ اسم الجنس في الحالة الثالثة بدا بوضعه الطبيعي و لم يطعّم بشي‏ء، خلافاً للحالتين الأخريين؛ حيث طعّم في الحالة الأولى بشي‏ء من التعريف، و في الحالة الثانية بشي‏ء من التنكير، و لكلّ حالة من هاتين الحالتين حيثيّتها الخاصّة بها.

أمّا الحيثيّة التي طعّم بها اسم الجنس بالتنكير فإنّها تفيد الوحدة؛ لأنّ النكرة موضوعة للطبيعة المأخوذة بقيد الوحدة، ف «عالماً» في: «رأيت عالماً» نكرة و هي موضوعة لطبيعة «عالم» بقيد الوحدة، أي أنّ الوحدة قيد في المعنى الموضوع له لفظ النكرة، فإذا قيل: «أكرم عالماً» فإنّ المراد هو وجوب إكرام عالم واحد سواء هذا العالم أم هذا أم هذا ...، و هذا يعني أنّ اسم الجنس في الحالة الثانية يفيد الإطلاق البدلي.

و أمّا الحيثيّة التي طعّم بها اسم الجنس بالتعريف فإنّها تفيد التعيين و الخروج عن الإبهام، أي أنّ الألف و اللام تعيّن معنى مدخولها و تطبّقه على صورة مألوفة عند الإنسان، فبعد أن كانت كلمة «نار» مثلًا تدلّ على ذات‏

مفهوم النار فقط، جاءت كلمة «النار» لتدلّ على صورة النار المألوفة عند الإنسان بخصائصها و مميّزاتها المعروفة من كونها حارّة و محرقة و غير ذلك، و بذلك صارت النار معيّنة و معرّفة.

و حصول هذه الصورة المألوفة للإنسان يتمّ بحالات ثلاث:

1 العهد الحضوري، كما لو كان زيد جالساً و حاضراً عند عالم و جاء المولى و قال: «أكرم العالم» لأنّه رأى أنّ ذلك العالم يستحقّ الإكرام، فهنا ستكون صورة العالم الذي يجب إكرامه عند زيد هي العالم الحاضر أمامه، فالألف و اللام في «العالم» هما للعهد الحضوري.

54

2 العهد الذكري، كما لو كان زيد يتبادل مع شخص آخر أطراف الحديث حول عالم معيّن و خصوصيّاته و صفاته، ثمّ بعد ذلك قال ذلك الشخص: «أكرم العالم»، فسينصرف ذهن زيد إلى العالم الذي كان الحديث يدور حوله، فالألف و اللام في «العالم» هما للعهد الذكري.

3 العهد الذهني، كما لو كان زيد يدرس عند عالم معيّن و يعتزّ به كثيراً حتّى كأنّه لا يرى سواه عالماً، فإذا قيل له: «أكرم العالم» فسيتوجّه ذهنه مباشرةً إلى أستاذه، و الألف و اللام في «العالم» للعهد الذهني؛ إذ ليس هو حاضراً أمامه و لا هو مذكور في الكلام سابقاً.

ثمّ إنّ هذا العهد الذهني على قسمين:

أ العهد الذهني الخاصّ، كما في المثال السابق أي زيد و أستاذه.

ب العهد الذهني العامّ، و هو المعبّر عن اللام فيه بلام الجنس، فإنّ لدى كلّ إنسان انطباعات معيّنة عن كلّ جنس من الأجناس و تمييزه عن غيره، و تلك الانطباعات تشكّل لوناً من ألوان الاستئناس الذهني العامّ، لا الخاصّ كالذي حصل لزيد في المثال أعلاه.

فقد فُرّق في اللغة بين «نار» و «النار» بأنّ الأولى نكرة و الثانية معرفة، و معنى كون الثانية معرفة هو أنّ الإنسان يملك تصوّرات عن النار و خصائصها ككونها مضيئة و حارّة و حارقة، و هذه التصوّرات و الخصائص ليست هي لنار خاصّة في ذهن ذلك الإنسان، و لا هي خصائص للنار التي تشتعل في الموقد أمامه فقط، و إنّما نظره إلى النار بما لها من مواصفات تتميّز بها عن بقيّة الأجناس، فاللام هنا في «النار» هي لام الجنس.

و اللام في هذه الحالة العهد الذهني العامّ تفيد الشمول بخلاف الحالات الأربع السابقة فإنّ اللام فيها لا تفيد الشمول.