الدروس شرح الحلقة الثانية - ج4

- السيد كمال الحيدري المزيد...
359 /
5

الدروس (4)

2. قاعدة منجّزية العلم الإجمالي‏

كلُّ ما تقدَّمَ كان في تحديدِ الوظيفةِ العمليّةِ في حالاتِ الشكِّ البدويِّ المجرَّدِ عن العلمِ الإجماليِّ.

و قد نفترضُ الشكَّ في إطار علمٍ إجماليٍّ، و العلمُ الإجماليُّ كما عرفْنا سابقاً علمٌ بالجامع مع شكوكٍ بعددِ أطرافِ العلم، و كلُّ شكٍّ يمثّلُ احتمالًا مِن احتمالاتِ انطباقِ الجامع، و موردُ كلِّ واحدٍ مِن هذه الاحتمالاتِ يُسمّى بطرفٍ من أطرافِ العلمِ الإجماليِّ، و الواقعُ المجملُ المردَّدُ بينها هو المعلومُ بالإجمال.

و الكلامُ في تحديدِ الوظيفةِ العمليّةِ تجاهَ الشكِّ المقرونِ بالعلم الإجماليِّ تارةً يقعُ بلحاظِ حكمِ العقلِ و بقطعِ النظرِ عن الأُصولِ الشرعيّةِ المؤمِّنةِ كأصالةِ البراءةِ و أخرى يقعُ بلحاظِ تلك الأُصولِ. فهنا مقامان:

منجزية العلم الإجمالي عقلًا

أمّا المقامُ الأوّلُ فلا شكّ في أنّ العلمَ بالجامع الذي يتضمّنُه العلمُ الإجماليُّ حجّةٌ و منجّز. و لكنّ السؤالَ أنّه ما هو المنجَّزُ بهذا العلم؟

6

فإذا علمَ بوجوب الظهر أو الجمعة، و كان الواجبُ في الواقع الظهرَ فلا شكّ في أنّ الوجوبَ يتنجّزُ بالعلم الإجماليّ، و انّما البحثُ في أنّ الوجوبَ بأيِّ مقدارٍ يتنجّزُ بالعلم؟ فهل يتنجّزُ وجوبُ صلاةِ الظهرِ خاصّةً بوصفِه المصداقَ المحقّقَ واقعاً للجامع المعلوم؟ أو كلا الوجوبين المعلومِ تحقُّقُ الجامع بينهما؟ أو الوجوبُ بمقدارِ إضافتِه إلى الجامعِ بينَ الظهرِ و الجمعةِ لا إلى الظهرِ بالخصوصِ و لا إلى الجمعةِ كذلك؟

فعلى الأوّلِ يدخلُ في العهدة بسبب العلمِ صلاةُ الظهر خاصّةً باعتبارها الواجبَ الواقعيَّ الذي تنجّزَ بالعلم الإجماليّ، و لكن حيث إنّ المكلّفَ لا يميّزُ الواجبَ الواقعيَّ عن غيرِه لزمَه الإتيانُ بالطرفين ليضمنَ الإتيانَ بما تنجّزَ و اشتغلتْ به عهدتُه، و يُسمَّى الإتيانُ بكلا الطرفين «موافقةً قطعيّةً للتكليفِ المعلوم بالإجمال».

و على الثاني: يدخلُ في العهدة بسبب العلم كلتا الصلاتين معاً، فتكونُ الموافقةُ القطعيّةُ واجبةً عقلًا؛ بسببِ العلمِ المذكورِ مباشرةً.

و على الثالث: يدخلُ في العهدة بسبب العلم الجامعُ بين الصلاتين، لأنّ الوجوبَ لم يتنجّزْ بالعلمِ إلّا بقدر إضافتِه إلى الجامعِ، فلا يسعُه تركُ الجامعِ بتركِ كلا الطرفينِ معاً، و يُسمَّى‏

7

تركُهما معاً بالمخالفةِ القطعيةِ للتكليفِ المعلومِ بالإجمالِ، فيكفيه أن يأتيَ بأحدِهما، لأنّ ذلك يفي بالجامعِ، و يُسمَّى الإتيانُ بأحد الطرفين دونَ الآخرِ «موافقةً احتمالية».

و قد يقالُ بالافتراضِ الأوّلِ باعتبارِ أنّ المصداقَ الواقعيَّ هو المطابقُ الخارجيُّ للصورةِ العلميّة، و حيث إنّ العلمَ ينجّزُ بما هو مرآةٌ للخارج، و لا خارجَ بإزائِه إلّا ذلك المصداقُ، فيكونُ هو المنجّزَ بالعلم.

و قد يقالُ بالافتراضِ الثاني باعتبار أنّ العلمَ بالجامع نسبتُه بما هو إلى كلٍّ من الطرفين على نحوٍ واحدٍ، و مجرّدُ كونِ أحدِ الطرفين محقّقاً دونَ الآخر لا يجعلُ الجامعَ بما هو معلومٌ منطبقاً عليه دونَ الآخر.

و قد يقالُ بالافتراضِ الثالثِ باعتبارِ أنّ العلمَ حيث إنّه لا يسري من الجامع إلى أيٍّ من الطرفين بخصوصِه، فالتنجّزُ المعلومُ له يقفُ على الجامع أيضاً و لا يسري منه، و هذا هو الصحيحُ.

وعليه فإن بُني على مسلكِ قاعدةِ قبحِ العقابِ بلا بيانٍ، فاللازمُ رفعُ اليدِ عن هذه القاعدةِ بقدرِ ما تنجّزَ بالعلمِ و هو الجامعُ، فكلٌّ من الطرفين لا يكونُ منجّزاً بخصوصيّته بل بجامعه، و ينتجُ حينئذ أنّ العلمَ الإجماليَّ يستتبعُ عقلًا حرمةَ المخالفةِ القطعيّةِ دونَ وجوبِ الموافقةِ القطعيّة.

8

و إن بُني على مسلكِ حقِّ الطاعةِ، فالجامعُ منجّزٌ بالعلم، و كلٌّ من الخصوصيّتين للطرفين منجّزةٌ بالاحتمال، و بذلك تحرمُ المخالفةُ القطعيّةُ، و تجبُ الموافقةُ القطعيّةُ عقلًا، غير أنّ حرمةَ

المخالفةِ القطعيّةِ عقلًا تمثّلُ منجّزيةَ العلم، و وجوبَ الموافقةِ القطعيّةِ يمثّلُ منجّزيةَ مجموعِ الاحتمالين.

و على هذا، فالمسلكانِ مشتركانِ في التسليمِ بتنجّزِ الجامعِ بالعلم، و يمتازُ المسلكُ الثاني بتنجّزِ الطرفين بالاحتمال.

هذا كلُّه في المقامِ الأوّل.

9

الشرح‏

من الأبحاث المهمّة في علم الأصول بحث «منجّزية العلم الإجمالي»؛ حيث يترتّب عليه ثمرات عملية في علم الفقه، و له موارد تطبيق عديدة في الأحكام الفقهيّة.

قاعدة منجّزية العلم الإجمالي‏

إنّ ما تقدّم من أبحاث في القاعدة العملية الثانوية البراءة الشرعيّة كان في تحديد الوظيفة العملية في حالة الشكّ البدوي، كما في حالة شك المكلّف في حرمة شرب السائل الموجود في الإناء، فإنّه يحكم بجواز شربه بمقتضى البراءة الشرعية، فإنّ ممّا لا إشكال فيه أنّ أدلّة البراءة الشرعيّة كحديث الرفع و غيره ينطبق على المثال المذكور.

و ما نريد بحثه في هذه القاعدة الجديدة أعني منجّزية العلم الإجمالي هو حالات الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، كما لو علم المكلّف بوجوب صلاة عليه في ظهر الجمعة و لم يعلم أنّها الظهر أو الجمعة، فهل يكون حكم الشكّ هنا حكمه فيما لو كان شكّاً بدوياً، أم إنّ تحديد موقف المكلّف هنا يختلف‏

عن سابقه؟

هذا ما سنقف عليه بعد ذكر تمهيد نوضّح فيه حقيقة العلم الإجمالي.

حقيقة العلم الإجمالي‏

تارةً يعلم المكلّف بنجاسة الإناء «أ»، و يطلق على مثل هذا العلم بالعلم التفصيلي، و أُخرى يعلم بأنّ أحد الإناءين «أ» أو «ب» نجس، و لا يستطيع تحديد الإناء النجس بعينه، و مثل هذا العلم يسمّى بالعلم الإجمالي.

10

فحقيقة العلم الإجمالي إذاً: علم بالجامع و شكّ بعدد أطراف العلم، و يطلق على كلٍّ من «أ» و «ب» بأنّه طرف من أطراف العلم الإجمالي، و على النجاسة المردّدة بين الإناءين بالمعلوم بالإجمال.

ثمّ إنّ المكلّف لو وضع يده على الإناء «أ» لوجد أنّه مشكوك الطهارة؛ لأنّ المفروض أنّه لا يعلم بنجاسته تفصيلًا، فيكون مجرى لأصالة الطهارة و البراءة بحسب القاعدة، و لو وضع يده على الإناء «ب» لكان حاله كذلك أيضاً، و لكن حيث إنّه يعلم بنجاسة أحدهما يقيناً فسيكون إجراء الأصل المؤمّن في الإناءين مخالفاً للواقع.

و للأصوليّين قولان في إجراء الأصل كما سيتّضح في البحوث الآتية:

الأوّل: إنّ الأصل المؤمّن يجري في الطرفين، و لكن لمّا كان إجراؤه فيهما مستلزماً لمخالفة الواقع المعلوم إجمالًا، فيتعارض إجراؤه في «أ» مع إجرائه في «ب»، و بعد التعارض يتساقط الأصلان، كما أنّ إجراءه في أحد الطرفين دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، و هو محال.

الثاني: إنّ أدلّة الأصول المؤمّنة كالبراءة و الطهارة لا تشمل أساساً حالات الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي.

بعبارة واضحة: إنّ القول الأوّل يفترض أنّ المقتضي لجريان الأصل‏

المؤمّن موجود و لكنّ المانع غير مفقود، و من ثمّ يكون عدم جريان الأصل لأجل وجود المانع، و أمّا القول الثاني فيفترض أنّ المقتضي لجريان الأصول المؤمّنة في حالة الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي غير موجود، و جريانها يختصّ بحالات الشكّ البدوي.

و كيف كان، يقع الكلام بعد اتّضاح حقيقة العلم الإجمالي في تحديد الوظيفة العملية تجاه الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، و هذا التحديد يكون في‏

11

مقامين:

المقام الأوّل: تحديد الوظيفة العملية و بيان منجّزية العلم الإجمالي بلحاظ حكم العقل، و بقطع النظر عن الأصول الشرعية المؤمّنة.

المقام الثاني: تحديدها بلحاظ الأصول الشرعيّة المؤمّنة.

منجزية العلم الإجمالي عقلًا

ما نودّ الإشارة له في هذا البحث هو الحديث عن منجّزية العلم الإجمالي وفق إدراك العقل و نظره مع قطع النظر عن الأصول العملية الشرعية المؤمّنة، و السؤال المطروح هنا: هل العلم الإجمالي منجّز بنظر العقل؟

نقول في الإجابة: لا إشكال في كونه حجّة و منجّزاً عقلًا لأنّه علم، فقد تقدّم تعريفه بأنّه علم بالجامع، و إذا كان علماً و بياناً فيكون العقاب من قبل المولى عند مخالفته حسناً و خارجاً عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

إنّما الكلام في المقدار الذي يتنجّز بهذا العلم؟ فلو علم المكلّف مثلًا بوجوب إحدى الصلاتين عليه يوم الجمعة الظهر أو الجمعة، مع علمه بعدم وجوبهما معاً عليه؛ لعلمه من الخارج بأنّ الواجب عليه في اليوم و الليلة من الصلوات خمس لا أكثر، و افترض أنّ الواجب في الواقع هو صلاة الظهر لا الجمعة، فما هو المنجّز بالعلم الإجماليّ؟ صلاة الظهر فقط

باعتبارها الواجب الواقعي، أم كلتا الصلاتين معاً، أم الجامع فقط؟ نظريات ثلاث للأصوليّين.

نظريات ثلاث في تصوير المنجّز بالعلم الإجمالي‏

إنّ لعلماء الأصول ثلاث نظريات في تصوير المقدار المنجّز بسبب العلم الإجمالي:

12

النظرية الأولى: إنّ المنجّز هو الخصوصيّة الواقعيّة التي يتحقّق بها المصداق الواقعي للجامع المعلوم، و هو صلاة الظهر في المثال، حيث افترضنا أنّها الواجب في الواقع في يوم الجمعة.

و بناءً على هذه النظرية فإنّ الذي يدخل في عهدة المكلّف و يكون واجباً عليه هو صلاة الظهر خاصّة، و لكن حيث إنّ المكلّف لا يعلم بها و لا يستطيع تمييز الواجب الواقعي عن غيره و إلّا لكان عالماً بالوجوب تفصيلًا لا إجمالًا وجب عليه الإتيان بصلاة الظهر و الجمعة معاً ليضمن الإتيان بما اشتغلت به ذمّته؛ إذ إنّ المفروض أنّه يعلم باشتغال ذمّته بوجوب صلاة، و لو أتى بأحدهما فلا يقطع بفراغ ذمّته، و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني كما هو معروف عند الأصوليّين.

و النتيجة التي يُنتهى إليها وفق هذه النظرية هي: وجوب الإتيان بكلا الطرفين، و هو المعبّر عنه بالموافقة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال.

النظرية الثانية: إنّ المنجّز بالعلم الإجمالي هو كلا الطرفين مباشرة، أي صلاة الظهر و صلاة الجمعة في المثال، باعتبار أنّ الجامع معلوم بينهما فيتنجّزان معاً، فالذي يدخل في عهدة المكلّف على هذه النظرية كلتا الصلاتين، و تكون النتيجة وجوب الموافقة القطعية عقلًا كما في النظرية الأولى.

و فرق هذه النظرية عن سابقتها بالرغم من اشتراكهما معاً في تنجّز الطرفين و وجوب الموافقة القطعيّة أنّها تفترض وجوب الموافقة القطعيّة من خلال تنجّز الطرفين بسبب العلم الإجمالي مباشرةً، بخلاف النظرية الأولى فإنّها إنّما تنتهي إلى وجوب الموافقة القطعية بصورة غير مباشرة، و ذلك من خلال تنجّز الواجب الواقعي، فإنّه لمّا كان غير معلوم و لا

13

يستطيع المكلّف تمييزه عن غيره تنجّز كلا الطرفين في حقّه ليضمن فراغ ذمّته، فوجوب الموافقة القطعيّة إذاً لأجل تنجّز الطرف الواقعي لا لأجل العلم الإجمالي مباشرة كما هو الحال في النظرية الثانية.

النظرية الثالثة: إنّ المنجّز بالعلم الإجمالي هو الجامع فقط، فهو المقدار الذي تعلّق به العلم، و أمّا نفس الخصوصيّتين أي صلاة الظهر و الجمعة في المثال فلا يتنجّزان به لا بصورة مباشرة و لا بصورة غير مباشرة، بل يبقى كلّ منهما بخصوصه مشكوك الوجوب، و المنجّز هو الوجوب بمقدار إضافته إلى الجامع بين صلاة الظهر و صلاة الجمعة.

وعليه، فالذي يدخل في عهدة المكلّف بالعلم الإجمالي هو وجوب الجامع بين الصلاتين، و من ثمّ لا يحقّ له تركه من خلال عدم الإتيان بكلا الطرفين معاً. فالطرفان و إن كان كلّ منهما بحسب القاعدة مجرىً لأصالة البراءة الشرعيّة لأنّ وجوبهما مشكوك، إلّا أنّ إجراءها فيهما لمّا كان مستلزماً للوقوع في المخالفة القطعية لم يجز للمكلّف إجراؤها فيهما معاً، و هو عبارة أخرى عن تحريم المخالفة القطعية، هذا من جانب الترك.

و أمّا من جانب الفعل فيمكن للمكلّف الاكتفاء بالإتيان بأحد الطرفين؛ لأنّ الجامع يوجد بوجود أحد أفراده و أطرافه و لا يشترط في وجوده الإتيان بجميع الأطراف، و يعبّر عن الإتيان بأحد أطراف العلم الإجمالي بالموافقة الاحتمالية.

فظهر أنّ النتيجة التي يُنتهى إليها بناءً على النظرية الثالثة هي الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية و عدم وجوب الموافقة القطعيّة.

هذه نظريات ثلاث في تصوير المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي، و قد بان لنا ممّا قدّمناه:

14

1 أنّ الجامع منجّز بسبب العلم الإجمالي على جميع النظريات، و الخلاف إنّما هو في تنجّز مقدار زائد عليه. ففي حين تقف النظرية الثالثة على تنجّزه فقط، تفترض النظرية الأولى بالإضافة إلى تنجّزه تنجّز الطرف الواقعي باعتباره المصداق الواقعي و الحقيقي لتحقّق الجامع المعلوم، بينما تقول النظرية الثانية بتنجّز الطرفين مباشرةً بالإضافة إليه.

2 أنّ حرمة المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال أمر مسلّم على جميع النظريات، فلا يسع المكلّف ترك كلا الطرفين سواء كان المنجّز الجامع فقط، أو الطرف الواقعي، أو كلا الطرفين، و الخلاف ينحصر في وجوب الموافقة القطعيّة، فهي واجبة عقلًا بناءً على النظريتين الأولى و الثانية، و يكتفى بالموافقة الاحتمالية بناءً على النظرية الثالثة.

هذا ما يمكن أن يقال في بيان النظريات الثلاث المطروحة لتصوير المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي. بقي علينا أن نشير إلى وجه كلّ قول منها و بيان مختار المصنّف (قدس سره)، و هو ما نبحثه الآن.

وجوه النظريات و بيان مختار المصنّف‏

أمّا وجه النظرية الأولى القائلة بتنجّز الطرف الواقعي بوصفه المصداق الواقعي للجامع المعلوم فهو أنّ للصورة العلمية مطابَقاً واقعياً تحكي عنه دائماً و هو المعلوم، و في المقام يوجد لدى المكلّف علم إجماليّ بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، و برغم عدم علمه التفصيلي به إلّا أنّ لهذه‏

الصورة العلمية مطابَقاً خارجيّاً يقع بإزائها و تكون هي حاكية عنه، و هو صلاة الظهر في المثال المتقدّم، لأنّه المصداق الواقعي و المطابَق الحقيقي و الخارجي للصورة العلمية بالرغم من عدم التفات المكلّف لذلك، إلّا أنّ عدم معرفته لا يغيّر من الواقع شيئاً، و لمّا كان العلم ينجّز بما هو حاكٍ و مرآة

15

عن الخارج لا بما هو صورة مستقلّة في الذهن، فسيكون المنجّز به المصداق الواقعي باعتباره المصداق الخارجي.

نعم، عدم إمكان المكلّف من تمييزه يوجب عليه الإتيان بالطرفين ليحصل له الجزم بالإتيان بالمصداق الواقعي المنجّز بالعلم الإجمالي.

و أمّا وجه النظرية الثانية فهو أنّ العلم الإجمالي ما دام يتعلّق بالجامع و نسبة الجامع إلى طرفيه على حدٍّ سواء، فهو يتعلّق إذاً بالطرفين و يتنجّزان به. و مجرّد كون أحد الطرفين و هو صلاة الظهر كما فرضناه في المثال هو الواجب و المصداق الواقعي للمعلوم بالإجمال، لا يجعل من تحقّق الجامع منحصراً به دون الطرف الآخر بعد عدم قدرة المكلّف على تمييزه عن غيره.

فإذا كانت نسبة الجامع إلى كلا الطرفين و الخصوصيّتين على نحو واحد، و هو صالح للانطباق عليهما معاً و بالإمكان تحقّقه بكلٍّ منهما، فالطرفان داخلان في عهدة المكلّف مباشرةً.

و أمّا وجه النظرية الثالثة فباعتبار أنّ العلم الإجمالي قد تعلّق بالجامع فقط، و أمّا نفس الخصوصيّتين أي وجوب صلاة الظهر و الجمعة فمشكوكتان. فالذي تمّ عليه البيان و العلم هو الجامع، و العلم لا يسري منه لا إلى الطرفين؛ و إلّا لكانا معلومين و الحال أنّ الخصوصيّة مشكوكة في العلم الإجمالي، و لا إلى أحدهما؛ و إلّا لما كان الجامع موجوداً في الطرف الآخر، فلو قيل بسريان «الإنسان» الذي هو جامع بين أفراد البشر إلى زيد بخصوصه لما صحّ انطباقه على عمرو، و هكذا الحال في المقام.

فالصحيح إذاً: أنّ الوجوب المعلوم بالإجمال ينجّز الجامع و يتعلّق به فقط و لا يسري إلى الأفراد، و هو مختار السيّد الشهيد (قدس سره).

16

عرض المختار على المسلكين‏

انتهينا إلى أنّ الصحيح في تصوير المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي هو النظرية الثالثة، أي القول بتنجّز الجامع فقط، و إذا ما أردنا عرض ذلك على المسلكين المتقدّمين لبيان القاعدة العملية الأوّلية في حالة الشكّ، و هما:

مسلك المشهور القائل بقبح العقاب بلا بيان.

مسلك المصنّف (قدس سره) المعبّر عنه بحقّ الطاعة.

لو أردنا عرض المختار على هذين المسلكين لأمكننا أن نقول:

إن بنينا على مسلك المشهور فإنّ المقدار الذي تمَّ عليه البيان و الخارج عن قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» هو الجامع لا غير، و من ثمّ لا يمكن للمكلّف رفع اليد عنه بالمرّة بترك كلا الطرفين، و يكون العقاب في مثل هذه الحالة حسناً عقلًا لأنّه عقاب مع البيان لا بدونه. و أمّا الخصوصيّتان فهما ليستا بداخلتين في عهدة المكلّف؛ لعدم تماميّة البيان في حقّهما إلّا بمقدار حفظ الجامع و عدم الوقوع في المخالفة القطعيّة، و هذا يفرض القبول بالإتيان بأحدهما دون الآخر أي الموافقة الاحتمالية باعتبار أنّ الجامع يتحقّق بتحقّق أحد أطرافه.

و بذلك ينتج: أنّ العلم الإجمالي بناءً على مسلك المشهور يستتبع حرمة المخالفة القطعيّة عقلًا، و أمّا الموافقة القطعيّة فهي ليست بواجبة عقلًا و يمكن للمكلّف الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية.

و أمّا إن بنينا على مسلك المصنّف (قدس سره) (حقّ الطاعة) فإنّ الجامع و كلّاً من الخصوصيّتين يتنجّزان، أمّا تنجّز الجامع فبسبب العلم الإجمالي كما لا

يخفى، و أمّا تنجّز الخصوصيّتين فبالاحتمال، حيث إنّ كلّاً منهما يشكّل‏

17

احتمالًا من احتمالات انطباق الجامع المعلوم عليها، و الاحتمال وفق هذا المسلك منجِّز كالعلم و البيان.

و ينتج في ضوء ذلك: أنّ الموافقة القطعيّة واجبة عقلًا بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعيّة، فحرمة المخالفة القطعيّة تمثّل منجّزية العلم الإجمالي بينما تمثِّل وجوب الموافقة القطعيّة عقلًا منجّزية مجموع الاحتمالين الموجودين في طرفي العلم الإجمالي.

فبين المسلكين إذاً نقطة اشتراك و نقطة افتراق:

أمّا نقطة الاشتراك فتتلخّص في أنّهما يعترفان بتنجّز الجامع بالعلم الإجمالي، و منجّزية ذلك العلم تستتبع عقلًا حرمة المخالفة القطعيّة.

و أمّا نقطة الافتراق فهي أنّ مسلك المصنّف (قدس سره) لمّا كان يقول بمنجّزية مطلق الاحتمال فسينتهي بالضرورة إلى وجوب الموافقة القطعيّة، و التي تمثّل منجّزية الاحتمال في طرفي العلم الإجمالي لا منجّزية نفس العلم، في حين إنّ مسلك المشهور يكتفي بالقول بالموافقة الاحتمالية؛ لعدم منجّزية الاحتمال عندهم ما لم يصل إلى البيان و العلم، و ما حاله كذلك الجامع لا الأطراف، و هذه ثمرة من ثمرات الفرق بين المسلكين.

هذا كلّه في المقام الأوّل الذي بحثنا فيه منجّزية العلم الإجمالي بلحاظ العقل، و أمّا بيانها بلحاظ الأصول الشرعيّة المؤمّنة فهو ما سنقف عليه بعد أن نلقي أضواء على النصّ.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «و العلم الإجمالي كما عرفنا سابقاً». في مباحث حجّية القطع من هذه الحلقة، و تحديداً تحت عنوان «العلم الإجمالي».

قوله (قدس سره): «و الواقع المجمل المردّد». في هذا التعبير مسامحة لا تخفى؛ باعتبار

18

أنّ من غير المعقول أن يكون هناك واقع مجمل و مبهم، فما هو واقع و متحقّق لا بدّ أن يكون متشخّصاً، فإنّ الشي‏ء ما لم يتشخّص لا يوجد كما يذكر في الفلسفة، نعم الإجمال و الإبهام يكون في الذهن لا في الخارج، فالمكلّف هو الذي لا يعلم بانطباق الجامع على هذا الفرد أو ذاك لا أنّ الواقع مجمل أو مردّد.

قوله (قدس سره): «فلا شكّ في أنّ العلم بالجامع .. حجّة و منجّز». باعتبار أنّه علم، فيستحقّ المخالف العقاب و يكون حسناً و خارجاً عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

قوله (قدس سره): «فهل يتنجّز وجوب صلاة الظهر خاصّة». إشارة إلى النظرية الأولى في تصوير المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي.

قوله (قدس سره): «أو كلا الوجوبين المعلوم ...». إشارة إلى النظرية الثانية.

قوله (قدس سره): «أو الوجوب بمقدار إضافته ...». إشارة إلى النظرية الثالثة.

قوله (قدس سره): «و لا إلى الجمعة كذلك». أي: بالخصوص.

قوله (قدس سره): «ليضمن الإتيان بما تنجّز و اشتغلت به عهدته». إشارة إلى قاعدة: الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

قوله (قدس سره): «بسبب العلم المذكور مباشرةً». بقوله «مباشرة» يتّضح الفرق بين هذه النظرية و سابقتها، ففي النظرية الأولى يُنتهى إلى وجوب الموافقة القطعيّة عقلًا أيضاً و لكن بصورة غير مباشرة و من خلال تنجّز المصداق الواقعي.

قوله (قدس سره): «هو المطابَق». بالفتح فالصورة العلمية مطابِق و المصداق الواقعي مطابَق.

قوله (قدس سره): «و مجرّد كون أحد الطرفين». هذا جواب لإشكال مقدّر مفاده: أنّ‏

المصداق الذي يحقّق الجامع هو صلاة الظهر فقط باعتباره المصداق‏

19

الواقعي، دون الجمعة. و جوابه: إنّ صلاة الظهر و إن كانت هي المصداق الواقعي إلّا أنّه لمّا كان غير معلوم للمكلّف فلا تكون واقعيّته المجهولة مبرّراً للقول بانطباق الجامع عليه فقط دون الآخر، فتبقى نسبة الجامع إلى الطرفين على حدٍّ سواء.

قوله (قدس سره): «فالتنجّز المعلوم له». أي: للمكلّف.

قوله (قدس سره): «وعليه فإن بُني». هذا تفريع على النظرية الثالثة الصحيحة.

قوله (قدس سره): «فالجامع منجّز بالعلم». و هو العلم الإجمالي.

20

جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي‏

و أمّا المقامُ الثاني و هو الكلامُ عن جريانِ الأُصولِ الشرعيّةِ المؤمِّنةِ في أطرافِ العلمِ الإجماليِّ، فهو تارةً بلحاظ عالمِ الإمكان، و أخرى بلحاظ عالمِ الوقوع.

أمّا بلحاظِ عالم الإمكانِ فقد ذهبَ المشهورُ إلى استحالةِ جريانِ البراءَةِ و أمثالِها في كلِّ أطرافِ العلمِ الإجماليِّ؛ لأمرين:

الأول: أنّها ترخيصٌ في المخالفةِ القطعيّةِ، و المخالفةُ القطعيّةُ معصيةٌ محرّمةٌ و قبيحةٌ عقلًا، فلا يُعقلُ ورودُ الترخيصُ فيها من قبلِ الشارع.

و هذا الكلامُ ليس بشي‏ءٍ، لأنّه يرتبطُ بتشخيصِ نوعيّةِ حكمِ العقل بحرمةِ المخالفةِ القطعيةِ للتكليفِ المعلومِ بالإجمال، فإن كان‏

حكماً معلّقاً على عدمِ ورودِ الترخيصِ الظاهريِّ من المولى على الخلاف، فلا يكونُ الترخيصُ المولويُّ مصادماً له بل رافعاً لموضوعه. فمردُّ الاستحالة إلى: دعوى أنّ حكمَ العقلِ ليس معلّقاً، بل هو منجّزٌ و مطلقٌ، و هي دعوى غيرُ مبرهنةٍ و لا واضحة.

الثاني: أنّ الترخيصَ في المخالفةِ القطعيةِ ينافي الوجوبَ الواقعيَّ المعلومَ بالإجمال. فبدلًا عن الاستدلال بالمنافاة بين الترخيصِ المذكورِ و حكم العقلِ كما في الوجه السابق يُستدلُّ بالمنافاة بينه‏

21

و بينَ الوجوبِ الواقعيِّ المعلومِ؛ لما تقدّمَ من أنّ الأحكامَ التكليفيةَ متنافيةٌ و متضادّةٌ، فلا يمكنُ أن يوجِبَ المولى شيئاً و يرخِّصَ في تركِه في وقتٍ واحد.

و هذا الكلامُ إذا كان الترخيصُ المذكورُ واقعيّاً، أي لم يؤخذْ في موضوعِه الشكُّ، كما لو قيل بأنّك مرخّصٌ في ترك الواجبِ الواقعيِّ المعلومِ إجمالًا، و لا يتمُّ إذا كان الترخيصُ المذكورُ متمثّلًا في ترخيصين ظاهريين كلٌّ منهما مجعولٌ على طرف و مترتّبٌ على الشكّ في ذلك الطرف؛ و ذلك لما تقدّمَ من أنّ التنافيَ إنّما هو بين الأحكام الواقعيّةِ لا بين الحكمِ الواقعيِّ و الظاهريِّ. فالوجوبُ الواقعيُّ ينافيه الترخيصُ الواقعيُّ في مورده، لا الترخيصُ الظاهريُّ، وعليه فلا محذورَ ثبوتاً في جعل البراءةِ في كلٍّ من الطرفين بوصفِها حكماً ظاهرياً.

22

الشرح‏

يقع البحث في المقام الثاني و هو بيان منجّزية العلم الإجمالي و تحديد الوظيفة العملية في حالات الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي بلحاظ الأصول الشرعيّة المؤمّنة.

منجزية العلم الإجمالي بلحاظ الأصول المؤمّنة

إنّ التساؤل الرئيسي المطروح في هذا البحث هو: هل تجري الأصول العملية المؤمّنة كالبراءة في طرفي العلم الإجمالي معاً؟

و جواب هذا التساؤل يتّضح من خلال البحث في لحاظين أيضاً؛ تارةً بلحاظ عالم الإمكان و أخرى بلحاظ عالم الوقوع، و سبب تفرقة البحث هو أنّ الشي‏ء ربّما يكون ممكناً إلّا أنّه غير واقع و غير موجود، فالإمكان أعمّ من الوقوع، وعليه فالبحث يكون في مقامين:

الأوّل: في جريان الأصول الشرعيّة المرخّصة في أطراف العلم الإجمالي على مستوى الإمكان.

الثاني: في جريانها فيها على مستوى الوقوع.

جريان الأصول المؤمّنة في الأطراف على مستوى الإمكان‏

ذهب المشهور من الأصوليّين إلى عدم إمكان جريان الأصول الشرعيّة المرخّصة في جميع أطراف العلم الإجمالي؛ و ذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ جريانها في كلّ الأطراف يعني الترخيص في المخالفة القطعية، و هي قبيحة عقلًا، فينتج أنّ جريانها في جميع الأطراف قبيح عقلًا،

23

و القبيح لا يصدر من الشارع.

أمّا الصغرى، فباعتبار أنّ المكلّف إذا أجرى البراءة في الظهر و الجمعة

معاً فهو يعني خلوّ ذمّته من أيّ وجوب، و الحال أنّه يعلم إجمالًا باشتغال ذمّته بأحدهما جزماً، و من ثمّ يكون إجراء البراءة فيهما مؤدّياً إلى الوقوع في المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال.

و أمّا الكبرى، فباعتبار أنّ المشهور يفترض أنّ الترخيص في المخالفة القطعيّة أمرٌ قبيح عقلًا لأنّه ترخيص في المعصية، و الحال أنّ الشارع حكيم و لا يصدر منه ما هو قبيح في نظر العقل.

و بضمّ هاتين المقدّمتين يتّضح أنّ ورود الترخيص الشرعي في جميع أطراف العلم الإجمالي غير معقول.

بعبارة أخرى: إنّ القول بإمكان ورود الترخيص في كلّ الأطراف يستلزم المنافاة بينه و بين حكم العقل بقبح الترخيص في المخالفة القطعيّة، و بذلك ننتهي إلى أنّ إجراء البراءة في الأطراف كلّها أمرٌ مستحيل.

و يلاحظ على هذا الوجه: أنّه متوقّف على أن يكون الحكم العقلي المذكور في كبرى الاستدلال حكماً عقليّاً تنجيزياً و غير معلّق على شي‏ء، فإنّ الأحكام العقلية يمكن تصنيفها إلى صنفين: حكم عقليّ تنجيزيّ، و حكم عقليّ تعليقيّ، و تماميّة ما ذكر في الوجه يتوقّف على أن يكون الترخيص في المخالفة القطعية من الصنف الأوّل، غير أنّ ذلك لا هو دعوىً بيّنة في نفسها و لا هي مبيّنة و مبرهنة.

فتمام الكلام إذاً يرجع إلى تشخيص نوعيّة الحكم العقلي المذكور، فإن كان حكماً عقليّاً تنجيزيّاً تمّ ما ذكر في هذا الوجه، و لكنّه يبقى مجرّد دعوىً بلا دليل. و أمّا إن كان حكماً معلّقاً كما هو رأي المصنّف (قدس سره)؛ إذ

24

تقدّم منه عند بيان مسلكه أنّ حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية حكمان معلّقان على عدم ورود ترخيص من الشارع فلا يتمّ الوجه المذكور؛ إذ لا

توجد منافاة بين ورود الترخيص الشرعي في كلّ الأطراف و بين الحكم العقلي، بل يكون الترخيص رافعاً لموضوعه؛ لأنّ المفروض أنّه معلّق على عدم ورود الإذن الشرعي، و بوروده يرتفع موضوع حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة، فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ صاحب الحقّ لو أراد أن يرخّص في ترك حقّه فله ذلك و ليس لأحد إجباره على وجوب الأخذ بحقّه.

و بذلك يظهر بطلان الوجه الأوّل بالرغم من اشتهاره في ألسنة الأصوليّين كصاحب الكفاية و المحقّق الأصفهاني و غيرهما من المحقّقين.

الوجه الثاني: إنّ القول بإمكان جريان البراءة في كلّ الأطراف ينافي الوجوبَ الواقعيَّ المعلوم بالإجمال، فإنّ المكلّف حسب الفرض يعلم إجمالًا بوجود وجوب واقعيّ في ذمّته و هو الظهر أو الجمعة في المثال المتقدّم، و إجراء البراءة في الطرفين معاً ينافي الوجوب الواقعي المعلوم بالإجمال، و من الواضح أنّ صلاة الظهر مثلًا لا يمكن أن تتّصف بكونها واجباً يجب الإتيان به و بكونها حكماً مرخّصاً فيه و يجوز للمكلّف أن يتركه؛ إذ إنّ الأحكام التكليفيّة متضادّة فيما بينها كما مرّ في بداية هذه الحلقة و الجمع بين الضدّين أمر محال.

و فرق هذا الوجه عن سابقه، أنّه يقول بوجود المنافاة بين الترخيص في المخالفة القطعيّة و الوجوب الواقعي المعلوم بالإجمال، في حين إنّ الوجه السابق يقول بوجود المنافاة بين الترخيص المذكور و حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة.

25

و هذا الوجه كسابقه مخدوش أيضاً؛ لأنّ دعوى المنافاة إنّما تكون صحيحة فيما إذا كان الترخيص واقعيّاً كأن يقال للمكلّف: أنت مرخّص في ترك الواجب الواقعي المعلوم إجمالًا، إذ بناءً على ذلك تكون صلاة الظهر متّصفة بالوجوب الواقعي فيما إذا انطبق الجامع المعلوم عليها و بالإباحة

و الترخيص الواقعي أيضاً، و الوجوبُ و الإباحةُ حكمان واقعيّان متضادّان و لا يمكن أن يتّصف بهما شي‏ء واحد في وقت واحد.

إلّا أنّ الترخيص ليس كذلك، بل هو ترخيص ظاهريّ بمعنى أنّه مجعول في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي في حالة كون المكلّف شاكّاً في الحكم الواقعي في ذلك الطرف، و الترخيص بهذا المعنى أمر ممكن و لا محذور ثبوتيّ فيه، إذ لا منافاة بين كون الشي‏ء واجباً واقعاً و بين ورود الترخيص الشرعي الظاهري في تركه في حالة الشكّ، فإنّ التضادّ المذكور بين الأحكام التكليفيّة إنّما هو فيما لو كانت واقعيّة، و أمّا إذا كان أحدهما واقعيّاً و الآخر ظاهريّاً فلا تضادّ و لا منافاة بينهما، و على هذا الأساس عقد الأصوليّون بحثاً معمّقاً أوضحوا فيه كيفيّة الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهرية.

فتحصّل ممّا قدّمنا: أنّ القول باستحالة الترخيص في المخالفة القطعيّة غير صحيح، و الصحيحُ إمكانه ثبوتاً؛ لبطلان وجهي الاستحالة.

إلّا أنّ ذلك يبقى مجرّد بحث في عالم الإمكان و الثبوت و لا بدّ من طرحه على مائدة البحث مرّةً أخرى بلحاظ عالم الوقوع، فربّ شي‏ء ممكن ثبوتاً إلّا أنّه غير واقع في الخارج، و هو البحث التالي.

26

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «جريان البراءة و أمثالها». من الأصول الشرعيّة المؤمّنة كالطهارة و الحلّية.

قوله (قدس سره): «الأوّل: إنّها ترخيص». أي: جريان البراءة في كلّ الأطراف، و الاستدلال المذكور من قبيل القياس من الشكل الأوّل.

قوله (قدس سره): «فلا يعقل ورود الترخيص فيها». أي: في المخالفة القطعيّة، باعتبار أنّ الشارع حكيم و لا يصدر القبيح منه.

قوله (قدس سره): «فلا يكون الترخيص المولوي مصادماً له». أي: لحكم العقل بحرمة المخالفة القطعيّة.

قوله (قدس سره): «لما تقدّم من أنّ الأحكام التكليفيّة». تقدّم في بحث «التضاد بين الأحكام التكليفيّة» في بداية هذه الحلقة.

قوله (قدس سره): «و هذا الكلام إذا كان الترخيص المذكور». الظاهر وجود كلمة «يتمّ» بعد قوله: «و هذا الكلام»، بقرينة قوله فيما بعد: «و لا يتمّ إذا كان الترخيص المذكور ..».

27

و أمّا بلحاظ عالم الوقوع فقد يقالُ: إنّ إطلاقَ دليل البراءةِ شاملٌ لكلٍّ مِنْ طرفَي العلمِ الإجماليِّ لأنّه مشكوكٌ و مما لا يُعلمُ، فلو كنّا قد بنيْنا على استحالةِ الترخيصِ في المخالفةِ القطعيةِ فيما تقدّمَ لكانت هذه الاستحالةُ قرينةً عقليةً على رفع اليدِ عن إطلاق دليلِ البراءةِ بالنسبةِ إلى أحدِ الطرفين على الأقلّ، لئلّا يلزمَ الترخيصُ في المخالفةِ القطعيةِ، و حيث لا معيِّنَ للطرفِ الخارجِ عن دليل الأصلِ، فإطلاقُ دليلِ الأصلِ لكلِّ طرفٍ يعارضُ إطلاقَه للطرفِ الآخر، و يسقطُ الإطلاقانِ معاً، فلا تجري البراءةُ الشرعية هنا و لا هناك؛ للتعارضِ بين الأصلين، و يجري كلُّ فقيهٍ حينئذٍ وفقاً للمبنى الذي اختاره في المقام الأوّل لتشخيص حكمِ العقلِ بالمنجّزية.

فعلى مسلكِ حقِّ الطاعةِ القائلِ بمنجّزيةِ العلمِ و الاحتمالِ معاً، تجبُ الموافقةُ القطعيةُ؛ لأنّ الاحتمالَ في كلٍّ من الطرفين منجّزٌ عقلًا

ما لم يردْ إذنٌ في مخالفته، و المفروضُ عدمُ ثبوتِ الإذنِ.

و على مسلكِ قاعدةِ قبحِ العقابِ بلا بيانٍ القائلِ بمنجّزيّةِ العلمِ دونَ الاحتمالِ، فيقتصرُ على مقدارِ ما تقتضيهِ منجّزيةُ العلمِ بالجامع على الافتراضاتِ الثلاثةِ المتقدّمةِ فيها.

و أمّا إذا لم نبنِ على استحالةِ الترخيصِ في المخالفةِ القطعيةِ عن طريقِ إجراءِ أصلين مؤمِّنَين في الطرفَين، فقد يقالُ حينئذٍ: إنّه لا يبقى مانعٌ من التمسّكِ بإطلاقِ دليلِ البراءةِ لإثباتِ جريانِها في كلٍ‏

28

من الطرفَين، و نتيجةُ ذلك جوازُ المخالفةِ القطعيّة.

و لكنّ الصحيحَ مع هذا عدمُ جوازِ التمسّكِ بالإطلاقِ المذكورِ؛ و ذلك:

أوّلًا: لأنّ الترخيصَ في المخالفةِ القطعيةِ و إن لم يكنْ منافياً عقلًا للتكليفِ الواقعيِّ المعلومِ بالإجمال، إذا كان ترخيصاً منتزعاً عن حكمين ظاهريين في الطرفين، و لكنّه منافٍ له عقلائياً و عرفاً، و يكفي ذلك في تعذّرِ الأخذِ بإطلاق دليلِ البراءة.

و ثانياً: أنّ الجامعَ قد تمَّ عليه البيانُ بالعلم الإجماليِّ، فيدخلُ في مفهومِ الغايةِ لقوله تعالى: وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.

و مقتضى مفهومِ الغايةِ أنّه مع بعثِ الرسول و إقامةِ الحجّةِ يستحقُّ العقاب، و هذا ينافي إطلاقَ دليلِ الأصلِ المقتضي للترخيصِ في المخالفةِ القطعية.

و بذلك نصلُ إلى نفسِ النتائجِ المشارِ إليها سابقاً على تقدير استحالةِ الترخيصِ في المخالفةِ القطعيةِ، فلا تجري البراءةُ في كلا الطرفين؛ لأنّ ذلك ينافي التكليفَ المعلومَ بالإجمال و لو عقلائيّاً، و لا تجري في أحدِهما دونَ الآخر؛ إذ لا مبرّرَ لترجيح أحدِهما على الآخر، مع أنّ نسبتَهما إلى دليل الأصلِ واحدةٌ.

و قد اتّضحَ من مجموعِ ما تقدّمَ أنّ النتيجةَ النهائيّةَ بناءً على مسلك حقِّ الطاعةِ: حرمةُ المخالفةِ القطعيةِ و وجوبُ الموافقةِ

29

القطعية معاً، و بناءً على مسلك قاعدةِ قبحِ العقابِ بلا بيانٍ: حرمةُ المخالفةِ القطعيةِ و عدمُ وجوبِ الموافقةِ القطعية.

و بما ذكرناه على المسلك المختارِ يُعرفُ أنّ القاعدةَ العمليةَ الثانويةَ و هي البراءةُ الشرعيّةُ تسقطُ في موارد العلم الإجماليّ، و توجدُ قاعدةٌ عمليةٌ ثالثةٌ تطابقُ مفاد القاعدةِ العمليةِ الأولى، و نسمّي هذه القاعدةَ الثالثةَ بأصالة الاشتغالِ في موارد العلمِ الإجماليِّ، أو بقاعدةِ منجّزيةِ العلم الإجماليّ.

30

الشرح‏

انتهينا في المقام الأوّل من البحث إلى إمكان جريان الأصول المرخّصة كالبراءة في جميع أطراف العلم الإجمالي، و حان وقت الحديث عن المقام الثاني و هو جريانها بلحاظ عالم الوقوع.

جريان الأصول المؤمّنة في الأطراف على مستوى الوقوع‏

قد يقال بوقوع ذلك في الخارج و أنّ الشارع قد رخّص فعلًا في جواز المخالفة القطعيّة و إجراء البراءة في كلّ الأطراف بدعوى: أنّ أدلّة البراءة تشمل بإطلاقها جميع موارد الشكّ سواء كان بدوياً أو مقروناً بالعلم الإجمالي، فإنّ كلّ طرف من أطرافه لا يُعلم بتعلّق الوجوب الواقعي به بعينه، فهو إذاً مشكوك و مما لا يعلم فيشمله حديث الرفع و ما شابهه من أدلّة البراءة.

إنّنا أمام دعوى إطلاق أدلّة البراءة هذه لا ينبغي أن نغفل ما توصّلنا إليه من نتائج في البحث السابق، فنقول:

إنّ بنينا على القول باستحالة الترخيص في المخالفة القطعيّة كما هو رأي المشهور فستكون تلك الاستحالة العقلية بمثابة القرينة اللبّية على تقييد إطلاق أدلّة البراءة و تخصيصها بالشبهات البدوية فقط؛ إذ إنّها و إن كانت في حدِّ نفسها مطلقة و تشمل الشبهات سواء كانت بدوية أو مقرونة بالعلم الإجمالي، إلّا أنّ إطلاقها لمّا كان مستلزماً للوقوع في المخالفة القطعيّة و هو محال عقلًا حسب الفرض فنرفع اليد عنه، و يُصار إلى اختصاص‏

31

الأدلّة بالشبهات البدوية فقط.

و لك أن تسأل: بأيّ مقدار يرفع المكلّف يده عن إطلاق أدلّة البراءة، أ في كلا الطرفين يرفع يده عن إجراء البراءة، أم في طرف واحد؟

و الجواب: قد يقال: بأنّه يرفع يده عن طرف واحد فقط؛ باعتبار أنّ المقتضي لشمول أدلّة البراءة لكلا الطرفين موجود، إلّا أنّا اضطررنا إلى رفع اليد عن ذلك لأجل القرينة العقلية و هي استحالة الترخيص في المخالفة القطعيّة، و الضرورات تقدّر بقدرها، و بالتالي يحكم برفع اليد عن إجراء

البراءة في طرف واحد فقط؛ إذ بذلك يمكن تجاوز الاستحالة المذكورة، فإنّ إجراء البراءة في طرف لا يؤدّي إلى الوقوع في المخالفة القطعيّة.

إلّا أنّ الصحيح هو عدم إجراء البراءة في كلا الطرفين؛ و ذلك لعدم وجود ما يعيّن الطرف الخارج عن أدلّة البراءة، فإنّ الإطلاق كما يشمل طرف صلاة الظهر كذلك يشمل طرف صلاة الجمعة، و تقديم إجراء الأصل في أحد الطرفين دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، فيتعارض إطلاق دليل البراءة في هذا الطرف مع إطلاقه في ذاك، و بعد تعارض الإطلاقين يتساقط الأصلان و لا يجري فيهما معاً.

و بعد سقوط الأصل المؤمّن في كلا طرفي العلم الإجمالي يرجع كلّ فقيه إلى مبناه في المقام الأوّل، أي منجّزية العلم الإجمالي بلحاظ نظر العقل، و الذي طرحنا فيه ثلاث نظريات و قلنا بصحّة الثالثة منها.

فعلى مسلك حقّ الطاعة يُحكم بمنجّزية العلم الإجمالي و الأطراف معاً، أمّا منجّزية الأوّل فلأجل العلم، و أمّا منجّزية الأطراف فلأجل الاحتمال، فإنّه منجّز وفق هذا المسلك ما لم يرد ترخيص في ترك التحفّظ تجاهه، و المفروض أنّ الترخيص غير ثابت بعد تعارض الأصلين و تساقطهما، و من‏

32

ثمّ ننتهي إلى وجوب الموافقة القطعية التي تمثِّل منجّزية مجموع الاحتمالين و حرمة المخالفة القطعية التي تمثِّل منجّزية العلم الإجمالي.

و على مسلك قبح العقاب بلا بيان يحكم بمنجّزية الجامع فقط دون الأطراف؛ لأنّه الذي تمّ عليه البيان دونها، و مجرّد احتمال انطباق الجامع على هذا الطرف أو ذاك لا يكفي في منجّزيته بعد كون الاحتمال غير منجّز وفق هذا المسلك، و من ثمّ ينتهي أصحاب هذا المسلك إلى كفاية الموافقة الاحتمالية، نعم تحرم المخالفة القطعية لأنّها تمثِّل منجّزية العلم الإجمالي و تنجّز الجامع.

و لا يخفى أنّ هذه النتيجة هي مؤدّى النظرية الثالثة في تصوير المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي، و أمّا إن أخذنا بالنظريتين الأولى أو الثانية فننتهي إلى نفس النتائج المشار لها فيما سبق عند بحثهما، فراجع.

هذا كلّه إن بنينا على استحالة الترخيص في المخالفة القطعية كما هي مقالة المشهور.

و أمّا إن بنينا على عدم الاستحالة كما هي مقالة المصنّف (قدس سره)، فقد يقال: بشمول إطلاق أدلّة البراءة لكلا الطرفين؛ لأنّ ما كان مانعاً فيما سبق و هو وجود القرينة العقلية قد ارتفع من الأساس، إذ المفروض أنّ الترخيص في المخالفة القطعية أمرٌ ممكن عقلًا، فلا يبقى مانع إذاً عن التمسّك بالإطلاق و شمول دليل الأصل لكلا الطرفين.

هذا، و لكنّ الصحيح عدم جواز التمسّك به و إجراء أصل البراءة في الطرفين؛ و ذلك لأمرين:

الأوّل: إنّنا و إن ناقشنا سابقاً وجهي الاستحالة و رفضنا دعوى المنافاة بين الترخيص في المخالفة القطعية و حكم العقل، و بينه و بين التكليف‏

33

الواقعي المعلوم بالإجمال؛ إذ قلنا إنّ الترخيص ظاهريّ لا واقعيّ، إلّا أنّ هناك منافاة من نوع آخر و هي المنافاة العقلائية بين الترخيص المذكور و بين التكليف الواقعي المعلوم إجمالًا، فإنّ سيرة العقلاء قد استقرّت على تقديم الأغراض الإلزامية على الترخيصيّة عند التزاحم.

و في المقام يوجد عندنا غرض إلزاميّ و هو الوجوب المتعلّق بالجامع، و غرض ترخيصيّ متعلّق بالأطراف، فهل يقدّم الإلزام على الترخيص ويحكم بحرمة المخالفة القطعية، أم العكس ويحكم بجوازها؟

لا إشكال في أنّ العقلاء في الأعمّ الأغلب يقدّمون الإلزام على‏

الترخيص، و مثل هذا التقديم يشكِّل قرينة عقلائية يمكن من خلالها تقييد إطلاق أدلّة البراءة عن الشمول لحالة الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي.

إذاً: المنافاة العقلية بين الترخيص و التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال و إن كانت مفقودة، إلّا أنّ المنافاة العقلائية بينهما موجودة، فتكون بمثابة قرينة لبّية متّصلة لتقييد إطلاق دليل البراءة و عدم إمكان إجرائه في طرفي العلم الإجمالي.

الثاني: إنّ إطلاق دليل البراءة على القول به ينافي بعض أدلّة البراءة مثل قوله تعالى: وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1)، فإنّها دلّت على أنّ سنّة الله تعالى جارية بعدم تعذيب خلقه ما لم يبيّن لهم، فإنّ الرسول في الآية مثال لمطلق البيان كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك أكثر من مرّة، و المفروض أنّ الجامع في المقام قد تمّ عليه البيان بالعلم الإجمالي، وعليه فهو داخل تحت مفهوم الغاية و يستحقّ المكلّف العذاب و العقاب على مخالفته.

و بعد تماميّة البيان على الجامع كيف يمكن القول بإطلاق أدلّة البراءة

____________

(1) () الإسراء: 15.

34

و ادّعاء شمولها لطرفي العلم الإجمالي و الذي يؤدّي كما هو واضح إلى مخالفة الجامع الذي قد تمّ عليه البيان؟! و هل هذا إلّا منافاة واضحة بينهما؟!

إن قلت: ما ذُكر يتمّ فيما لو أُريد إجراء البراءة عن كلا الطرفين، فلما ذا لا نقول بجريانها في طرف دون الآخر؟

قلنا: الجواب هو الجواب سابقاً، فإنّ تقديم أحدهما على الآخر بعد كون نسبة دليل أصل البراءة إليهما على حدٍّ سواء ترجيح بلا مرجّح، و هو محال.

فظهر: أنّ القول بإطلاق دليل البراءة ينافي بعض أدلّتها الدالّ على تنجّز ما تمّ عليه البيان، و تمثّل هذه المنافاة قرينة أخرى بالإضافة إلى القرينة العقلائية على تقييد أدلّة البراءة بالشبهات البدوية.

و بذلك ينتهي السيّد الشهيد (قدس سره) إلى نفس النتيجة التي توصّل لها المشهور من عدم جواز إجراء البراءة في كلا الطرفين.

تلخيص و استنتاج‏

تلخّص ممّا تقدّم في منجّزية العلم الإجمالي بلحاظ الأصول المؤمّنة:

1 على مستوى عالم الإمكان: ذهب المشهور إلى القول باستحالة الترخيص في المخالفة القطعيّة، و انتهى المصنّف (قدس سره) إلى القول بالإمكان بعد مناقشته لوجهي الاستحالة العقلية.

2 على مستوى عالم الوقوع: قال المشهور بعدم جواز التمسّك بإطلاق أدلّة البراءة و شموله لطرفي العلم الإجمالي لأجل القرينة العقلية، و انتهى المصنّف (قدس سره) إلى نفس النتيجة و لكن لأجل القرينة العقلائية.

35

3 النتيجة النهائية من مجموع الأبحاث السابقة في منجّزية العلم الإجمالي هي: وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعيّة وفق مسلك حقّ الطاعة، و حرمة المخالفة القطعيّة و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية وفق مسلك قبح العقاب بلا بيان.

4 و بذلك نصل إلى أنّ الأصل الجاري في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي هو الاشتغال، إمّا بنحو الموافقة القطعيّة كما هو مختار المصنّف (قدس سره)، أو بنحو الموافقة الاحتمالية كما هو رأي المشهور، و تبقى القاعدة العملية الثانوية أي البراءة الشرعية مختصّة بموارد الشبهات البدوية.

و على هذا الأساس تظهر لنا قاعدة عملية جديدة يطابق مفادها على‏

رأي السيّد الشهيد (قدس سره) مفاد القاعدة العملية الأوّلية، أي أصالة الاشتغال العقلي، و تطلق على هذه القاعدة الثالثة اسم «أصالة الاشتغال في موارد العلم الإجمالي» أو «قاعدة منجّزية العلم الإجمالي».

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «فيما تقدّم». في البحث في المقام الأوّل أي: عالم الإمكان.

قوله (قدس سره): «بالنسبة إلى أحد الطرفين على الأقلّ». لأنّ الضرورات تقدّر بقدرها، و استحالة المخالفة القطعيّة يكفي في رفعها رفع اليد عن إطلاق أدلّة البراءة في أحد الطرفين.

قوله (قدس سره): «الذي اختاره في المقام الأوّل». أي: البحث في منجّزية العلم الإجمالي بلحاظ نظر العقل.

قوله (قدس سره): «و المفروض عدم ثبوت الإذن». نتيجة التعارض بين الأصلين في الطرفين.

قوله (قدس سره): «على الافتراضات الثلاثة المتقدّمة فيها». أي: في منجّزية العلم‏

36

الإجمالي عقلًا.

قوله (قدس سره): «و لكن الصحيح مع هذا». أي: مع البناء على إمكان الترخيص في المخالفة القطعيّة.

قوله: «و إن لم يكن منافياً عقلًا للتكليف الواقعي». بناءً على مختاره (قدس سره).

قوله (قدس سره): «و لا تجري في أحدهما دون الآخر». جواب لإشكال مقدّر حاصله: لم لا تجري البراءة في أحد الطرفين بعد تعذّر جريانها فيهما معاً؟

37

تحديد أركان هذه القاعدة

نستطيعُ أن نستخلصَ مما تقدّمَ: أنّ قاعدةَ منجّزيةِ العلمِ الإجماليِّ لها عدّةُ أركان:

الأوّلُ: وجودُ العلمِ بالجامع؛ إذ لو لا العلمُ بالجامع لكانت الشبهةُ في كلِّ طرفٍ بدويّةً و تجري فيها البراءةُ الشرعيّة.

الثاني: وقوفُ العلم على الجامع، و عدمُ سرايتِه إلى الفرد؛ إذ لو كان الجامعُ معلوماً في ضمن فردٍ معيَّنٍ، لكان علماً تفصيلياً لا إجماليّاً، و لمَا كان منجّزاً إلّا بالنسبة إلى ذلك الفردِ بالخصوص.

الثالثُ: أن يكونَ كلٌّ من الطرفين مشمولًا في نفسِه و بقطعِ النظرِ عن التعارضِ الناشئِ من العلمِ الإجماليِّ لدليلِ أصالةِ البراءةِ؛ إذ لو كان أحدُهما مثلًا غيرَ مشمولٍ لدليل البراءةِ لسببٍ آخر، لجرتِ البراءةُ في الطرف الآخر بدون محذورٍ، لأنّ البراءةَ في طرف واحدٍ لا تعني الترخيصَ في المخالفةِ القطعيّة، و إنّما لا تجري لأنّها معارَضةٌ بالبراءةِ في الطرف الآخرِ، فإذا افترضْنا أنّ الطرفَ الآخرَ كان محروماً من البراءةِ لسببٍ آخرَ، فلا مانعَ من جريانِ البراءةِ في الطرفِ المقابلِ له، و مع جريانِها لا تجبُ الموافقةُ القطعيّة.

الرابع: أن يكونَ جريانُ البراءةِ في كلٍّ من الطرفين مؤدِّياً إلى الترخيص في المخالفةِ القطعيّةِ، و إمكانِ وقوعِها خارجاً على وجهٍ‏

38

مأذونٍ فيه؛ إذ لو كانت المخالفةُ القطعيةُ ممتنعةً على المكلّفِ حتَّى مع الإذنِ و الترخيصِ؛ لقصورٍ في قدرتِه، فلا محذورَ في إجراءِ

البراءةِ في كلٍّ من الطرفين، لأنّ ذلك لن يؤدّيَ إلى تمكينِ المكلَّفِ من إيقاعِ المخالفةِ القطعيةِ ليكونَ منافياً للتكليفِ المعلومِ بالإجمال عقلًا أو عقلائياً.

و كلُّ الحالاتِ التي تسقطُ فيها قاعدةُ منجّزيةِ العلمِ الإجماليِّ، يرجعُ فيها هذا السقوطُ إلى اختلال أحدِ هذه الأركانِ الأربعة.

فيختلُّ الركنُ الأوّلُ مثلًا فيما إذا انكشفَ للعالم بالإجمالِ خطؤه، أو تشكّكَ في ذلك فيزولُ علمُه بالجامع.

و كذلك فيما إذا كان في أحدِ الطرفين ما يوجِبُ سقوطَ التكليفِ لو كان مورداً له. و مثاله: أن يعلمَ إجمالًا بأنّ أحدَ الحليبين من الحليب المحرَّم، و لكنّه مضطرٌّ إلى الحليبِ الباردِ منهما اضطراراً يُسقطُ الحرمةَ لو كان هو الحرامَ، ففي مثل ذلك لا يوجدُ علمٌ بجامع الحرمة؛ إذ لو كان الحليبُ المحرَّمُ هو الحليبَ الباردَ، فلا حرمةَ فيه فعلًا بسبب الاضطرارِ، و لا في الآخرِ و لو كان هو الحليبَ الآخرَ. فالحرمةُ ثابتةٌ فعلًا. و هذا يعني أنّ الحرمةَ لا يُعلمُ ثبوتُها فعلًا في أحدِ الحليبين، و من أجل ذلك يقال: إنّ الاضطرارَ إلى طرفٍ معيّنٍ للعلم الإجماليِّ يوجبُ سقوطَه عن المنجّزية.

و من حالاتِ اختلالِ الركنِ الأوّلِ أن يأتيَ المكلّفُ بفعلٍ‏

39

مترسِّلًا، ثمّ يعلمَ إجمالًا بأنّ الشارعَ أوجبَ أحدَ الأمرين، إمّا ذلك الفعل، و إمّا فعلًا آخر.

فعلى الأوّل يكونُ التكليفُ قد سقطَ بالإتيانِ بالمكلَّفِ به، و على‏

الثاني يكونُ ثابتاً، فالتكليفُ لا يُعلمُ ثبوتُه فعلًا.

و يختلُّ الركنُ الثاني فيما إذا علمَ المكلّفُ إجمالًا بنجاسةِ أحدِ المائعين، ثمّ علمَ تفصيلًا بأنّ أحدَهما المعيَّنَ نجسٌ، ففي مثل ذلك لا يبقى العلمُ واقفاً على الجامع، بل يسري إلى الفرد، و هو معنى ما يقالُ من انحلال العلمِ الإجماليِّ بالعلم التفصيليِّ و الشكِّ البدويِّ.

و كما ينحلُّ العلمُ الإجماليُّ بالعلم التفصيليِّ نتيجةً لاختلالِ الركنِ الثاني، كذلك قد ينحلُّ بعلمٍ إجماليٍّ أصغرَ منه لاختلالِ هذا الركن أيضاً.

و توضيحُ ذلك: أنّا قد نعلمُ إجمالًا بنجاسةِ مائعَين في ضمن عشرةٍ، فهذا العلمُ الإجماليُّ له عشرةُ أطرافٍ و المعلومُ نجاستُه فيه اثنان منها، و قد نعلمُ بعد ذلك إجمالًا بنجاسة مائعين في ضمن هذه الخمسةِ بالذاتِ من تلك العشرةِ، فينحلُّ العلمُ الإجماليُّ الأوّلُ بالعلم الإجماليِّ الثاني، و يكونُ الشكُّ في الخمسةِ الأخرى شكّاً بدويّاً، لأنّ العلمَ بجامعِ اثنين في عشرة سرى إلى خصوصيةٍ جديدة، و هي كونُ الاثنين في ضمن الخمسةِ، فلم يعد التردّدُ في نطاقِ العشرة، بل في نطاقِ الخمسةِ.

40

و يُسمَّى العلم الإجماليُّ المنحلُّ بالعلم الإجماليِّ الكبير، و العلمِ الإجماليِّ المسبِّبِ؛ لانحلالِه بالعلم الإجماليِّ الصغير، لأنّ أطرافَه أقلُّ عدداً. و يعبَّرُ عن ذلك بقاعدةِ انحلالِ العلمِ الإجماليِّ الكبيرِ بالعلم‏

الإجماليِّ الصغير.

و يتوقّفُ انحلالُ علمٍ إجماليٍّ بعلمٍ إجماليٍّ ثانٍ:

أوّلًا: على أن تكونَ أطرافُ الثاني بعضَ أطرافِ العلمِ الأوّلِ المنحلّ، كما رأينا في المثال.

و ثانياً: على أن لا يزيدَ عددُ المعلومِ بالإجمالِ في العلمِ الأوّلِ المنحلِّ على المعلوم إجمالًا بالعلم الثاني. فلو زادَ لم ينحلَّ، كما لو افترضْنا في المثال أنّ العلمَ الثانيَ تعلَّقَ بنجاسةِ مائعٍ في ضمنِ الخمسةِ، فإنّ العلمَ الإجماليَّ بنجاسةِ المائعِ الثاني في ضمن العشرةِ يظلُّ ثابتاً.

41

الشرح‏

يعتبر البحث في تحديد أركان منجّزية العلم الإجمالي من الأبحاث البكر في علم الأصول، و قد تكفّل الشهيد السعيد (قدس سره) بتحديد أركان القاعدة المذكورة و بيانها تفصيلًا بعد أن كان بحثاً مشوّشاً في كلمات الأصوليّين و متصيّداً من عباراتهم.

تحديد أركان منجّزية العلم الإجمالي‏

يمكننا من خلال البحوث المتقدِّمة أن نذكر أركاناً أربعة تتحدّد فيها قاعدة منجّزية العلم الإجمالي:

الركن الأوّل: وجود العلم بالجامع بين الأطراف، كما لو علم المكلّف بنجاسة أحد إناءين أو وجوب إحدى صلاتين، و لو لا وجود العلم بالجامع‏

بين الطرفين لكانت الشبهة في كلٍّ منهما بدوية و مجرى للأصول المؤمّنة الشرعيّة.

الركن الثاني: وقوف العلم على الجامع و عدم سرايته إلى الفرد؛ إذ لو سرى إلى الفرد بخصوصه لصار ذلك الطرف معلوماً بالعلم التفصيلي لا الإجمالي، و لانحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيليّ بذلك الطرف و شكّ بدويّ في الآخر، و عندئذ يكون العلم الإجمالي منجّزاً للطرف الذي سرى إليه العلم فقط، و أمّا الآخر فيكون مجرىً لأصالة البراءة.

الركن الثالث: أن يكون كلّ من الطرفين مشمولًا في حدِّ نفسه، و بقطع النظر عن تعارض الأصلين الناشئ من العلم الإجمالي لدليل أصالة البراءة، بمعنى أنّنا لو أغمضنا النظر عن العلم الإجمالي الذي سبّب تعارض‏

42

الأصلين في الطرفين، فإنّ كلّ طرفٍ صالحٌ لجريان البراءة فيه، ففي مثل هذه الحالة يكون العلم الإجمالي منجّزاً، و أمّا إذا افترضنا أنّ أحد الطرفين محروم من جريان البراءة فيه لمحذور آخر غير التعارض الحاصل بسبب العلم الإجمالي فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً و تجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض؛ إذ إنّ عدم جريانها في كلا الطرفين إنّما كان لأجل تعارض الأصلين و سقوطهما، فإذا فرضنا أنّ الأصل لا يجري في أحدهما لسبب ما، فلا مانع عندئذ من جريانه في الطرف الآخر، فإنّ إجراء البراءة في طرف واحد لا يستلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة ليقال بعدم إمكانه عقلًا أو عقلائيّاً.

الركن الرابع: أن يكون جريان البراءة في كلا الطرفين مؤدّياً إلى الوقوع في المخالفة القطعيّة، و أمّا إذا لا يمكن تحقّق المخالفة القطعية من المكلّف لقصور في قدرته مثلًا فلا مانع من جريان البراءة في كلا الطرفين؛ لأنّ إجراءها فيهما لا يؤدّي حسب الفرض إلى صدور المخالفة القطعيّة منه‏

ليحكم باستحالتها العقلائية أو العقلية.

فظهر ممّا قدّمناه أنّ منجّزية العلم الإجمالي تتوقّف على أربعة أركان هي:

1 وجود العلم بالجامع.

2 وقوف العلم على الجامع و عدم سرايته منه إلى الفرد.

3 شمول دليل البراءة لكلا الطرفين في حدِّ نفسيهما.

4 أن يؤدّي جريان البراءة في الطرفين إلى الوقوع في المخالفة القطعيّة.

و لا بدّ أن يُعلم أنّ جميع الحالات التي يُنتهى فيها إلى عدم منجّزية العلم الإجمالي ترجع في الحقيقة إلى اختلال ركن من الأركان المذكورة، و لا يعقل أن يحكم عليه بعدم المنجّزية مع توفّر جميع الأركان.

43

و من هنا كان من المفيد جدّاً بعد بحث الأركان الإشارة إلى نماذج من الحالات و الأمثلة التي تختلّ فيها أركان القاعدة و تبطل فيها منجّزية العلم الإجمالي من استدعاء حرمة المخالفة القطعيّة و وجوب الموافقة القطعيّة.

حالات اختلال الركن الأوّل‏

هناك عدّة احتمالات تؤدّي إلى اختلال الركن الأوّل من أركان قاعدة منجّزية العلم الإجمالي، يستعرض السيّد الشهيد (قدس سره) أربعةً منها:

الحالة الأولى: أن ينكشف للعالم بالإجمال خطؤه، كما لو كان يعلم إجمالًا بوقوع قطرة من الدم في أحد هذين الإناءين، ثمّ انكشف له بعد ذلك أنّ قطرة الدم قد وقعت على ثوبه، ففي مثل هذه الحالة لا يبقى العلم الإجمالي بالجامع على حاله بل يزول بانكشاف الخطأ، و من ثمّ تبطل منجّزيته لاختلاف ركنها الأوّل و هو وجود العلم بالجامع.

الحالة الثانية: أن يحصل للعالم بالإجمال الشكّ و التردّد، كما لو كان يعلم‏

إجمالًا بنجاسة أحد هذين الإناءين نتيجة وقوع قطرة دم في أحدهما، ثمّ حصل عنده شكّ بعد ذلك في أنّ تلك القطرة التي سقطت منه قد وقعت في الإناءين، أو تردّد في أنّ قطرة الدم وقعت على ثوبه أو على أحد الإناءين، فإنّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين يزول بسبب شكّه و تردّده و تبطل منجّزيته لاختلال الركن الأوّل.

الحالة الثانية: أن يكون التكليف في أحد الطرفين ساقطاً فيما لو كان ذلك الطرف هو مورد التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، كما لو كان أمام المكلّف كأسان من الحليب أحدهما بارد و الآخر حارّ و علم إجمالًا بنجاسة أحدهما من خلال وقوع قطرة دم، و لكنّه اضطرّ إلى الشرب من الحليب‏

44

البارد لمرض يتوقّف الشفاء منه على ذلك، و لا إشكال في أنّ الاضطرار يسوّغ الشرب منه و يرفع الحرمة المعلومة بالإجمال فيما لو كان هو الحرام الواقعي، و في مثل هذه الحالة يختلّ الركن الأوّل أيضاً و يزول العلم الإجمالي بالجامع بحرمة الشرب فعلًا من أحد الحليبين؛ لأنّ الحرام المعلوم إن كان هو الحليب البارد فلا حرمة في الطرفين معاً، لا في الحليب البارد لأنّه مضطرّ إليه، و لا في الحليب الحارّ لأنّه ليس مورداً للحرمة حسب الفرض. و إن كان هو الحليب الحارّ فالحرمة ثابتة فعلًا، فالعلم الإجمالي بحرمة الشرب من أحد الحليبين غير موجود، و الموجود هو العلم بحرمة الشرب من الحليب الحارّ على فرض كونه الحرام الواقعي و أنّ قطرة الدم قد وقعت فيه فعلًا، و كذا عدم حرمة الشرب من الحليب البارد لاضطراره إليه.

بعبارة أخرى: إنّ الحليب البارد يجوز الشرب منه على كلّ حال بل يجب إذا كانت حياته تتوقّف على شربه سواء كان طاهراً واقعاً أم نجساً، و أمّا الفرد الآخر فيجوز الشرب منه فيما لو لم يكن هو الحرام الواقعي، و لا يجوز الشرب منه إذا كان هو الحرام، و بالتالي لا يوجد لدى المكلّف علم‏

إجماليّ بنجاسة أحد الحليبين.

و هكذا يتّضح أنّ الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الإجمالي يوجب سقوطه عن المنجّزية، كما هي المقالة المعروفة في كلمات الأصوليّين.

الحالة الرابعة: أن يأتي المكلّف بأحد الأطراف مترسّلًا قبل علمه بالعلم الإجمالي ثمّ يعلم إجمالًا بوجوب أحد أمرين؛ إمّا ما أتى به أو بفعل آخر، كما لو قرأ المكلّف الدّعاء في أوّل الشهر عند رؤيته الهلال، ثمّ حصل له علم إجمالي بأنّ الواجب عليه أوّل الشهر إمّا الدعاء عند رؤيته الهلال و إمّا صلاة ركعتين، ففي مثل هذه الحالة يختلّ الركن الأوّل أيضاً و يزول العلم‏

45

بالجامع؛ لأنّ الواجب إن كان هو الدعاء فقد سقط بسبب الإتيان به من قبل، و إن كان هو الصلاة فالوجوب موجود فعلًا، و هذا يعني أنّ العلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين ليس ثابتاً فعلًا على كلّ حال، و إنّما هو ثابت على حال دون حال، ففي حالة تعلّقه بالصلاة يكون ثابتاً، و أمّا في حالة تعلّقه بالدعاء فهو ساقط، و بزوال العلم عن الجامع تبطل منجّزية العلم الإجمالي.

حالات اختلال الركن الثاني‏

و أمّا الركن الثاني أي وقوف العلم على الجامع و عدم سرايته إلى الفرد فيتعرّض المصنّف (قدس سره) في حالات اختلاله إلى حالتين:

الحالة الأولى: أن يسري العلم بالجامع إلى أحد الطرفين بخصوصه، و يصبح التكليف المعلوم بالإجمال معلوماً بالتفصيل في ذلك الطرف، كما إذا علم المكلّف بنجاسة أحد الإناءين إجمالًا جرّاء وقوع قطرة دم، ثمّ حصل له علم تفصيليّ بنجاسة الإناء «أ»، فإنّ العلم الإجمالي عندئذ ينحلّ إلى العلم التفصيليّ بنجاسة الإناء «أ» فيتنجّز، و الشكّ البدويّ بنجاسة الإناء «ب»

فتجري البراءة عنه.

و علمه بنجاسة الإناء «أ» يحصل إمّا من خلال علمه بأنّ قطرة الدم التي سبّبت العلم الإجمالي قد وقعت فيه بخصوصه، أو من خلال علمه بنجاسته من دون معرفة أنّها بسبب قطرة الدم أو نجاسة أخرى، فإنّ النتيجة أي انحلال العلم و سقوطه عن المنجّزية لا تختلف على كلا التقديرين. أمّا على التقدير الأوّل فواضح، و أمّا على التقدير الثاني فلأنّ «أ» معلوم النجاسة على كلّ حال إمّا بنجاستين فيما لو كانت النجاسة المعلومة تفصيلًا غير المعلومة إجمالًا و كان هو النجس الواقعي، و إمّا بنجاسة واحدة

46

و هي المعلومة بالتفصيل.

و أمّا «ب» فهو محتمل النجاسة؛ لأنّ قطرة الدم إن كانت قد وقعت فيه فقد تنجّس و إلّا فهو طاهر، و ما دام مشكوكَ النجاسة تجري فيه أصالة الطهارة و البراءة عن حرمة شربه.

و واضح أنّ سبب تحوّل الشكّ فيه من كونه مقروناً بالعلم الإجمالي إلى الشكّ البدوي هو سريان العلم من الجامع إلى الفرد بخصوصه.

هذه صورة من صور انحلال العلم الإجمالي التي يعبّر عنها ب: «انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي و الشكّ البدوي»، و هي تمثِّل إحدى حالتي اختلال الركن الثاني من أركان منجّزيته.

الحالة الثانية: انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير من خلال سريان العلم من الجامع الموجود في دائرة أوسع من الأطراف إلى جامع آخر موجود في دائرة أضيق من نفس تلك الأطراف، كما لو كان المكلّف يعلم إجمالًا بنجاسة إناءين في ضمن عشرة أوانٍ، ثمّ علم إجمالًا أيضاً بأنّ الإناءين النجسين موجودان في ضمن هذه الأواني الخمسة

تحديداً، فبعد أن كانت الأطراف عشرة أصبحت الآن خمسة، ففي مثل هذه الحالة ينحلّ العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، و تنحصر المنجّزية بما ينجّزه الصغير فقط، و أمّا الأواني الخمسة الأخرى فتخرج من نطاق المنجّزية و تجري البراءة عنها لأنّ الشكّ فيها قد أصبح شكّاً بدويّاً.

و سبب الانحلال كما هو واضح هو أنّ العلم بالجامع (بنجاسة إناءين في ضمن عشرة) قد سرى إلى جامع آخر و خصوصيّة جديدة و هي كون الاثنين في ضمن هذه الخمسة، فتكون هي المنجّزة بالعلم الإجمالي، و هو ما يعبَّر عنه ب: «انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي‏

47

الصغير»، و قد ظهر أنّ الكبر و الصغر في العلم الإجمالي يكون بلحاظ الأطراف التي يتردّد بينها المعلوم بالإجمال.

ثمّ إنّ انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير يتوقّف على أمرين:

الأوّل: أن تكون أطراف العلم الإجمالي الصغير بعض أطراف العلم الكبير، كما في المثال المتقدّم، فإنّ الأطراف الخمسة في العلم الصغير هي بعض الأطراف العشرة في العلم الكبير، و أمّا إذا لم تكن كذلك فسوف يتشكّل عند المكلّف علمان إجماليّان لا علاقة لأحدهما بالآخر و لا يتمّ الانحلال.

الثاني: أن لا يزيد عدد المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الكبير على عدده في العلم الإجمالي الصغير، و نعود معاً أيضاً إلى المثال المتقدّم الذي تمّ فيه الانحلال فإنّنا نجد أنّ المعلوم بالإجمال في كليهما هو إناءان، و أمّا إذا نقص المعلوم بالإجمال في الصغير فلا يتحقّق الانحلال، كما لو علم بأنّ أحد الإناءين النجسين يقع في ضمن هذه الأواني الخمسة، فإنّ العلم الإجمالي بنجاسة الآخر يبقى مردّداً بين الأطراف العشرة جميعها، و بعد تردّده بينها

و بقاء احتمال انطباق الجامع على كلّ إناء منها لا يتمّ انحلال العلم الإجمالي الكبير و يبقى على منجّزيته بالرغم من علمه بأنّ أحد النجسين في ضمن هذه الخمسة تحديداً.

و لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هاتين الحالتين من حالات الانحلال هما من موارد الانحلال الحقيقي للعلم الإجمالي، بمعنى أنّ العلم الإجمالي ينحلّ فيهما و لا يبقى، أمّا في الحالة الأولى فبسبب سريان العلم من الجامع إلى الفرد، و أمّا في الحالة الثانية فبسبب سريانه إلى جامع آخر يتردّد بين أطراف‏

48

أقلّ، فالانحلال في كليهما حقيقيّ، تمييزاً له عن الانحلال الحكمي الذي تأتي الإشارة إليه عند استعراض حالات اختلال الركن الثالث.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «إلّا بالنسبة إلى ذلك الفرد بالخصوص». لأنّ العلم به يكون تفصيليّاً، و أمّا الفرد الآخر فيكون مشكوكاً بدويّاً فتجري البراءة عنه.

قوله (قدس سره): «و بقطع النظر عن التعارض الناشئ من العلم الإجمالي». هذه جملة معترضة.

قوله (قدس سره): «غير مشمول لدليل البراءة لسبب آخر». غير التعارض الناشئ من العلم الإجمالي.

قوله (قدس سره): «للتكليف المعلوم بالإجمال عقلًا أو عقلائيّاً». عقلًا كما يقول المشهور، و عقلائيّاً كما يقول السيّد الشهيد (قدس سره).

قوله (قدس سره): «أو تشكّك في ذلك». هذا هو المثال الثاني لاختلال الركن الأوّل.

قوله (قدس سره): «و لا في الآخر». لأنّ المفروض أنّ الحرام الواقعي هو الطرف الذي اضطرّ إليه.

قوله (قدس سره): «بالعلم التفصيلي و الشكّ البدوي». العلم التفصيلي بأنّ الطرفين‏

و هو الطرف الذي سرى إليه العلم من الجامع و الشكّ البدوي في الطرف الآخر.

قوله (قدس سره): «فينحلّ العلم الإجمالي الأوّل بالعلم الإجمالي الثاني». لأنّ العلم سرى من الجامع في دائرة العلم الكبير إلى جامع آخر موجود في أطراف أضيق دائرة، فينحلّ الأوّل بالثاني مع توفّر الشرطين المذكورين في الشرح.

49

و يختلُّ الركنُ الثالثُ فيما إذا كان أحدُ الطرفين مجرىً لاستصحابٍ منجّزٍ للتكليفِ، لا للبراءةِ. و مثاله: أنْ يعلمَ إجمالًا بنجاسةِ أحدِ الإناءينِ غيرَ أنّ أحدَهما كان نجساً في السابقِ و يشكّ في بقاءِ نجاستِه، ففي هذه الحالةِ يكونُ الإناءُ المسبوقُ بالنجاسةِ مجرىً في نفسِه لاستصحابِ النجاسةِ لا لأصالةِ البراءةِ أو أصالةِ الطهارة، فتجري الأُصول المؤمِّنةُ في الإناءِ الآخرِ بدونِ معارض، و تبطُلُ بذلك منجّزيةُ العلمِ الإجماليّ، و يُسمّى ذلك بالانحلال الحُكميِّ تمييزاً له عن الانحلالِ الحقيقيِّ الذي تقدّمَ في حالةِ اختلالِ الركنِ الثاني.

و إنّما يُسمّى بالانحلال الحكميِّ؛ لأنّ العلمَ الإجماليَّ موجودٌ حقيقةً و لكنّه لا حكمَ له عملياً، لأنّ الإناءَ المسبوقَ بالنجاسةِ حكمُه منجّزٌ بالاستصحابِ و الإناءَ الآخرَ لا منجّزيةَ لحكمه لجريانِ الأصلِ المؤمّنِ فيه، فكأنّ العلمَ الإجماليَّ غيرُ موجودٍ. و هذا هو محصّلُ ما يقالُ: من أنّ العلمَ الإجماليَّ إذا كان أحدُ طرفيْهِ مجرىً لأصلٍ مثبتٍ للتكليف، و كان الطرفُ الآخرُ مجرىً لأصلٍ مؤمّنٍ، انحلَّ العلمُ الإجماليُّ.

و مثالٌ آخرُ لاختلال هذا الركن، و هو: أن يكونَ أحدُ طرفَي‏

العلمِ الإجماليِّ خارجاً عن محلِّ الابتلاءِ. و معنى الخروجِ كذلك: أنْ تكونَ المخالفةُ في هذا الطرفِ ممّا لا تقعُ من المكلّف عادةً؛ لأنّ ظروفَه لا تيسِّرُ له ذلك، و إن كانت لا تعجزُه تعجيزاً حقيقياً. فالمخالفةُ غيرُ مقدورةٍ عرفاً و إن كانت مقدورةً عقلًا، كما لو علمَ‏

50

بنجاسةِ و حرمةِ طعامٍ مردّدٍ بين اللبن الموجودِ على مائدتِه و لبنٍ موجودٍ في بلدٍ آخرَ لا يصلُ إليه عادةً في حياتِه، و إن كان الوصولُ ممكناً من الناحيةِ النظريةِ و العقليةِ، ففي هذه الحالةِ لا يكونُ هذا اللبنُ الخارجُ عن محلِّ الابتلاءِ مجرىً للبراءةِ في نفسِه؛ إذ لا محصِّلَ عرفاً للتأمينِ مِن ناحيةِ تكليفٍ لا يتعرّضُ المكلّفُ إلى مخالفتِه عادةً، فتجري البراءةُ عن حرمةِ اللبنِ الآخرِ بدونِ معارض.

و هذا هو معنى ما يقالُ عادةً من أنّ تنجيزَ العلمِ الإجماليِّ يُشترطُ فيه دخولُ كلا طرفَيْهِ في محلِّ الابتلاء.

و يختلُّ الركنُ الرابعُ في حالات:

منها: حالةُ دورانِ الأمرِ بينَ المحذورين: و هي ما إذا علمَ إجمالًا بأنّ هذا الفعلَ، إمّا واجبٌ و إمّا حرامٌ، فإنّ هذا العلمَ الإجماليَّ لا تمكنُ مخالفتُه القطعيةُ، كما لا تمكنُ موافقتُه القطعيةُ. فإذا جرتْ البراءةُ عن الوجوبِ و جرتِ البراءةُ عن الحرمةِ معاً، لم يلزمْ محذورُ الترخيصِ في المخالفةِ القطعيةِ؛ لأنّها غيرُ معقولةٍ على كلِّ حال.

و منها: حالةُ كونِ الأطرافِ غيرَ محصورةٍ، و تُسمَّى بالشبهة غيرِ المحصورةِ، و هي أنْ يكونَ للعلم الإجماليِّ أطرافٌ كثيرةٌ جدّاً، على‏

نحوٍ لا يتيسّرُ للمكلّفِ ارتكابُ المخالفةِ فيها جميعاً؛ لكثرتِها، ففي مثلِ ذلك تجري البراءةُ في جميع الأطرافِ؛ إذ لا يلزمُ من ذلك تمكينُ المكلّفِ من المخالفةِ القطعية.

51

الشرح‏

ما زال الحديث في استعراض الحالات و الأمثلة التي تختلّ فيها أركان منجّزية العلم الإجمالي الأربعة، و قد تقدّم الحديث عن اختلال الركنين الأوّل و الثاني، و بقي أن نذكر حالات اختلال الركنين الثالث و الرابع.

حالات اختلال الركن الثالث‏

أمّا الركن الثالث و هو أن يكون كلا الطرفين مشمولًا في حدِّ نفسه لدليل أصالة البراءة فيستعرض السيّد الشهيد (قدس سره) لاختلاله حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون أحد الطرفين مجرىً لأصل منجّز للتكليف، فإنّ البراءة حينئذ لا تجري في ذلك الطرف في حدِّ نفسه و بقطع النظر عن التعارض الناشئ من العلم الإجمالي، فتجري في الطرف الآخر بلا معارض.

توضيح ذلك: لو حصل للمكلّف علم إجماليّ بنجاسة أحد الإناءين في وقت الظهر، ثمّ تذكّر أنّ الإناء «أ» كان نجساً في الصباح نتيجة وقوع قطرة دم فيه، ففي مثل هذه الحالة لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً؛ لاختلال ركنه الثالث؛ إذ لا يكون كلا الطرفين في حدِّ نفسه مجرىً لأصالة البراءة؛ باعتبار أنّ الأصل الجاري في الإناء «أ» هو استصحاب النجاسة لتماميّة أركان الاستصحاب فيه من وجود اليقين السابق بالنجاسة و الشكّ اللاحق، و بعد

استصحاب نجاسته يحكم بنجاسته و لا مجال لجريان الأصل المؤمّن كالطهارة و البراءة، فإنّ كلمة الأصوليّين متّفقة على تقديم الاستصحاب على الأصول المؤمّنة، كما يأتي توضيحه في باب تعارض الأدلّة.

52

و يكفي هنا أن نعرف أنّ جريان الاستصحاب في «أ» يمنع من إجراء الأصل المؤمّن و لو بنحو الأصل الموضوعي الذي يأتي تحقيقه، و إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي محروماً عن جريان البراءة لسبب آخر غير التعارض الناشئ من العلم الإجمالي و هو استصحاب النجاسة في المقام، فلا مانع من إجرائها في الطرف الآخر «ب» بلا معارض. فقد ذكرنا أنّ دليل البراءة و باقي الأصول المؤمّنة يشمل في حدِّ نفسه كلا الطرفين، إلّا أنّا رفعنا اليد عن ذلك لأجل تأديته إلى المخالفة القطعية، كما أنّ جريانها في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، و من ثمّ رفعنا اليد عن إجرائها في كليهما، أما و قد زال هذا المحذور بوجود الأصل المنجّز في «أ» و سقوط البراءة فيه، فلا يكون الترخيص في «ب» ترخيصاً في المخالفة القطعيّة.

و تسمّى مثل هذه الحالة التي يختلّ فيها الركن الثالث و تبطل منجّزية العلم الإجمالي بالانحلال الحكمي، تمييزاً عن حالات الانحلال الحقيقي التي تقدّم ذكرها في اختلال الركن الثاني، فإنّ العلم الإجمالي في المقام موجود حقيقة و غير منحلّ، إلّا أنّه لا أثر عمليَّ له و لا حكم فكأنّه غير موجود؛ لأنّ الطرف «أ» منجّز باستصحاب النجاسة فيه، و الطرف «ب» تجري البراءة فيه بلا معارض، و هذا هو معنى ما يقال من: «أنّ العلم الإجمالي إذا كان أحد طرفيه مجرىً لأصل مثبت للتكليف و الآخر مجرىً لأصل مؤمّن، انحلّ و سقط عن المنجّزية».

و يقصد بالانحلال هنا: الانحلال الحكمي، و أمّا ما أشرنا له من الانحلال فيما سبق فهو انحلال حقيقيّ؛ إذ إنّ سريان العلم من الجامع إلى‏

الفرد أو إلى جامع آخر أضيق دائرةً، يؤدّي إلى انحلال العلم الإجمالي حقيقة.

الحالة الثانية: أن يكون أحد طرفي العلم الإجمالي خارجاً عن محلّ‏

53

الابتلاء، فإنّ البراءة أيضاً تجري في الطرف الآخر بلا معارض، كما إذا علم المكلّف إجمالًا بنجاسة إناءين إمّا الإناء الموجود أمامه و إمّا إناء زيد الموجود في بلد آخر لا يستطيع الوصول إليه عادةً في حياته، فإنّ مثل هذا العلم غير منجّز و يمكنه إجراء أصالة الطهارة و البراءة في هذا الإناء ليحكم بطهارته و جواز الشرب منه.

و سبب إجراء الأصل المؤمّن فيه هو أنّ الطرف الآخر إناء زيد خارج عن محلّ الابتلاء، فهو و إن كان من الناحية النظرية و العقلية واقعاً تحت اختيار المكلّف و ليس عاجزاً عن الوصول إليه عجزاً حقيقيّاً إلّا أنّه لمّا كان في بلد آخر ليس من عادته الوصول إليه في حياته فيكون بحكم العاجز عنه عرفاً، و لا محصّل عقلائيّ و عرفيّ لجريان البراءة في طرفٍ لا فائدة عملية من جريانها فيه، فإنّ الأصل المؤمّن شرّع لأجل المنّة على العباد و التوسعة عليهم و رفع الحرج و الضيق عنهم، و أيّ أثر يترتّب على إجراء الأصل المؤمّن في طرف لا يقع تحت ابتلاء المكلّف عادةً. و إذا كان هذا الطرف محروماً من جريان البراءة فيه للسبب المذكور، فلا مانع من جريانها في الإناء الذي أمامه بلا معارض، فإنّ الترخيص فيه لا يؤدّي إلى المخالفة القطعيّة كما هو واضح.

و سبب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية و انعدام تأثيره عمليّاً و حكماً بالرغم من وجوده حقيقةً هو اختلال الركن الثالث أيضاً، فإنّ هناك سبباً آخر لعدم جريان البراءة في أحد الطرفين غير التعارض الناشئ من العلم الإجمالي و هو خروجه عن محلّ الابتلاء، فتجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض، و هو معنى ما يقال: «إنّ منجّزية العلم الإجمالي يشترط فيها

دخول كلا طرفيه في محلّ الابتلاء».

54

حالات اختلال الركن الرابع‏

و أمّا الحالات التي يختلّ فيها الركن الرابع من أركان منجّزية العلم الإجمالي و هو أن يكون الترخيص في الطرفين مؤدّياً إلى الترخيص في المخالفة القطعيّة فقد اقتصر المصنّف (قدس سره) على ذكر اثنتين منها:

الحالة الأولى: حالة دوران الأمر بين المحذورين، كما لو علم المكلّف إجمالًا بأنّ هذا الفعل إمّا واجب أو حرام، ففي مثل هذه الحالة لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً لانهدام الركن الرابع من أركان منجّزيته؛ إذ إنّ المخالفة القطعيّة غير ممكنة أساساً ليتصوّر وقوعها من المكلّف في الخارج، كما أنّ الموافقة القطعيّة كذلك، لأنّ المكلّف لو أخذ بالوجوب لكان قد ترك الحرام، و لو أخذ بالحرام لكان قد ترك الوجوب، و كيف يستطيع أن يجمع بين الترك و الفعل؟ و هل هو إلّا جمع بين النقيضين؟

و بعد عدم إمكان المخالفة القطعيّة، لا مانع من القول بجريان البراءة في كلا الطرفين؛ لأنّ إجراءها فيهما معاً لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية على كلّ حال، لأنّ المفروض أنّها غير ممكنة. و بهذا ينهدم الركن الرابع، و بانهدامه يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية.

الحالة الثانية: حالة كون أطراف العلم الإجمالي غير محصورة، و هو المعبّر عنه بالشبهة غير المحصورة، فإنّ العلم الإجمالي فيها لا يكون منجّزاً أيضاً؛ ذلك أنّ المخالفة القطعيّة لا يمكن تحقّقها خارجاً؛ بحكم كثرة الأطراف، كما لو علم المكلّف إجمالًا بنجاسة إناء ضمن مائة ألف إناء، فإنّ المخالفة القطعيّة في مثل هذه الصورة لا تتيسّر للمكلّف و غير ممكنة له عادةً و تحتاج‏

إلى سنين كثيرة، أو علم إجمالًا بأنّ أحد القصّابين في المدينة يبيع لحماً محرّم الأكل، و كان عددهم كثيراً جدّاً.