الدليل الفقهي (تطبيقات فقهية لمصطلحات علم الأصول‏)

- السيد محمد الحسيني المزيد...
312 /
5

[مقدمة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه و الصلاة على رسول اللّه و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.

على الرغم من تطور علم أصول الفقه، و خاصة في المدرسة الشيعية، فإن هناك نقصا واضحا على مستوى المعاجم و على مستوى التطبيقات، و إذا كانت قد صدرت عدة معاجم في هذا الحقل، و منها كتابي (معجم المصطلحات الأصولية).

فإن هذا الحقل لا يزال يشكو فراغا كبيرا على مستوى التطبيقات الفقهية، إذ يعيش الطالب انفصاما واضحا على هذا المستوى، فيعيش في الدرس أمثلة افتراضية يرددها المدرّس في حين تغيب عن بال المدرّس- قبل الطالب- الأمثلة الفقهية التي تضج بها الموسوعات الفقهية.

و في هذا السياق يأتي هذا الكتاب، و هو- فيما أعلم- أول محاولة لجمع التطبيقات الفقهية لقواعد و مسائل أصول الفقه، بحيث يتاح للمدرّس و الطالب على السواء الوقوف على هذه الأمثلة و التطبيقات و تكون في حوزته، و هي تطبيقات مهمة و تدخل الطالب في دورة تدريبية و تكسبه دربة في هذا الحقل.

و قد أستلت هذه التطبيقات من كتب و موسوعات فقهية جليلة و معروفة و صنّفت معجميا.

و يحسن أن نذكّر بالتالي:

6

1- اقتصرت التطبيقات على ما له ثمرة و ما يكثر في الاستنباط، مع أنه احتفظ بعدد من المصطلحات الأصولية رغم قلة ثمرتها الفقهية لفوائد علمية.

2- جرى منهج الكتاب على ذكر الأمثلة و التطبيقات للمصطلح الأصولي، أو الإحالة إليه ب (انظر ..) و هو إشارة- غالبا- للمصطلح نفسه، أو الإحالة إليه ب (راجع ..) و هو- غالبا- إشارة إلى التطبيقات في الموضع المحال إليه.

3- جرى المنهج على ذكر عدة تطبيقات، أو تطبيق واحد حسب أهمية المصطلح، و كثرة تداوله عند الفقهاء.

و قد يكون التطبيق الواحد موردا لأكثر من مصطلح، لأنه يتضمن الإشارة إلى أكثر من مصطلح أصولي.

4- جرى تصنيف مصطلحات أصول الفقه و مسائله وفقا لمنهج كتابي (معجم المصطلحات الأصولية) مع حذف بعض المصطلحات التي تقل ثمرتها فقهيا.

5- ما ورد من تطبيقات فقهية لا يعني بالضرورة صحتها عند جميع الفقهاء، إذ يرد التطبيق- أحيانا كثيرة- وفقا لرؤية فقهية معيّنة و مبنىّ أصولي معيّن.

ختاما، أذكر أن هذا الكتاب محاولة تأسيسية و لبنة أوّلية، و لذلك نأمل أن تدفع باتجاه محاولات أخرى تتبعها.

نستمد من اللّه تعالى العون و التسديد، و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

محمد السيد طاهر الياسري الحسيني‏

دمشق 15/ ربيع الآخر/ 1427 ه

13/ أيار/ 2006 م‏

7

حرف الالف‏

- الإباحة:

و يراد بها تخيير الشارع للمكلفين بين إتيان فعل و تركه دون ترجيح من قبله لأحدهما على الأخر.

* قد ثبت بالأدلة الخاصة من الكتاب و السنة إن الأشياء كلها و الأفعال- عدا الظلم- على الإباحة الأصلية، و أن حكمها في أصل التشريع الإلهي هو الإباحة، و أن التحريم و المنع هو الذي يطرأ عليها، إما بنفسها، و إما بطروّ عناوين ثانوية عليها، فحليّة العمل البشري- مثلا- مرتبطة بحرية البشر و تسخير الطبيعة لهم، و لا يرفع اليد عن هذه الحلية إلّا بدليل.

** و مما استدل على حليته و بقائه على الإباحة العمل مع (ولاة الجور)، ما لم يكن ذلك العمل مستلزما للاعتراف بشرعية الجائر و شرعية سلطته، أو يوجب وقوع العامل و المتعامل معه في مباشرة ظلم الناس و العدوان عليهم، أو يجعله شريكا له في ظلمهم، أو إذا كان المتعامل معه ضعيفا في شخصيته، و في مناعته الدينية و الأخلاقية.

- راجع: الاستصحاب‏

- الإباحة الاقتضائية:

و هي الإباحة الناشئة عن وجود ملاك في أن يكون المكلف مطلق العنان.

* كما في الأدلة الدالة على جواز كشف الوجه و اليدين للمرأة، فإنه من موارد الإباحة الاقتضائية، إذ أن للمرأة أن تستر وجهها إذا

8

شاءت، بل يمكن أن يقال إنه أولى لها إذا لم تقتض أوضاع حياتها مخالطة المجتمع.

و جواز الكشف- مع وجود مقتضي الستر- ناشئ من مقتض آخر أقوى من مقتضى الستر، و هو أن الستر الكامل و عزل المرأة عن المجتمع بصورة شاملة يؤدي إلى عجز المرأة عن القيام بأي نشاط اجتماعي شخصي أو عام، و مفسدة تعطيل المرأة عن العمل في المجتمع و شلّ نشاطها فيه أشد من مفسدة كشف الوجه مع ستر سائر الجسد، و مع جميع القيود الاحترازية الأخرى.

- الإباحة اللااقتضائية:

و هي الإباحة الناشئة عن خلو الفعل المباح من أي ملاك يدعو إلى الإلزام فعلا أو تركا.

- راجع: الإباحة الشرعية

- الإباحة الشرعية:

و هي الإباحة التي تستند إلى النصوص الشرعية.

* كما في إذن الشارع للمكلف بإتيان الفعل على الكيفية التي يريدها، ما دامت تلك الكيفية في حدود الإذن، كما في قوله تعالى:

نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏ [سورة البقرة: 223].

و إنما اعتبرت إباحة شرعية، لأن أصل الإذن على الكيفية منصوص عليه من قبل الشارع ابتداء.

9

- الابتلاء:

و هو ترقب حصول الفعل من المكلف.

- راجع: الانحلال في العلم الإجمالي‏

: الاحتياط الشرعي‏

: السيرة المتشرعية

- الاجتهاد الاستصلاحي:

و هو طريق لوضع الأحكام الشرعية مما ليس فيه كتاب و لا سنة بالرأي المبني على قاعدة الاستصلاح.

* و ذلك ببذل المؤهّل للاجتهاد وسعه من أجل التوصل إلى المراد الإلهي من نصوص الوحي، و ذلك بتطبيق الكليات العامة و المستنبطة من الكتاب و السنة في جلب كل منفعة و درء كل مفسدة، و ذلك كما في الحكم بأن مخالفة إشارات المرور أمر حرام، يثاب المكلف على الكفّ عنه و يعاقب على فعله، و ذلك بدليل الاجتهاد، الذي تأكد من خلاله ما يترتب على مخالفة إشارات المرور اليوم من مفسدة حقيقية جسيمة متمثلة في كونها أحد أسباب حوادث القتل و الاصطدام، فإذا كان أصل درء المفسدة أصلا معتبرا، كانت مخالفة إشارات المرور مفسدة، لذا فإنه لا بد من درئها شرعا.

- الاجتهاد القياسي:

و هو طريق لوضع الأحكام الشرعية للوقائع الحادثة، مما ليس فيه كتاب و لا سنة، بالقياس على ما في نصوص الشارع من أحكام.

10

* و ذلك ببذل الوسع من أجل التوصل إلى إثبات حكم أو نفيه لواقعة لم يرد فيها نص قطعي، و لا نص ظني مباشر، و لم يظهر إجماع صحيح سابق، و هو الذي يسمى عند بعض الأصوليين الاجتهاد بالرأي، لأن مبناه على الرأي المحمود غالبا، و هو الذي يسميه بعض الأصوليين تخريج المناط، و ذلك كما في استكشاف علة حرمة الربا، و أن علته الطعم، أو الأقتيات، أو الوزنية، أو الكيلية، أو استكشاف علة قصر الصلاة، و أنها المشقة.

- الاجتهاد المركب:

(انظر: الإجماع المركب)

- الاجتهاد المقاصدي:

و هو استفراغ المؤهّل للاجتهاد (المجتهد) طاقته من أجل الكشف عن المقاصد العامة التي تنتظمها نصوص الوحي، و بذلك تراعى المعاني و الحكم الملحوظة للشارع من أحكامه، كما في مقصد التيسير، و نفي الحرج عن عموم المكلفين، فإن ذلك مما علم عن طريق جملة من التكاليف التي رفعت عن المكلفين تخفيفا عنهم، و رفعا لدخول الحرج على عمومهم.

و من ذلك: الحفاظ على الضروريات الخمس، أو الست، كما في:

النفس، و الدين، و العقل، و العرض، و النسل، و المال.

- الإجزاء:

- و يعني الإتيان بالمطلوب به من المولى جامعا لجميع ما هو معتبر فيه من الأجزاء و الشرائط شرعية أو عقلية، سواء كان‏

11

الأمر اختياريا، أم اضطراريا، أم ظاهريا، على نحو يعتبر الامتثال لنفس ذلك الأمر.

- أو هو عبارة عن تأثير إتيان متعلق الأمر في حصول غرض الآمر لينتج سقوط الأمر.

* ورد في رواية ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل أعار ثوبا، فصلى فيه، لا يصلّى فيه، قال: «لا يعلمه»، قال: قلت:

فإن أعلمه؟ قال: «يعيد».

و السؤال قد يكون في مدى إجزاء الصلاة الواقعة مع النجس جهلا مع ثبوت النجاسة بخبر صاحب اليد، و قد يكون السؤال حول حجية خبر صاحب اليد.

و قد يقال: إن الرواية مدلولها المطابقي هو وجوب الإعادة و بطلان الصلاة، و مدلولها الالتزامي ثبوت النجاسة بخبر صاحب اليد. و ما دلّ من الروايات على نفي الإعادة عمن صلى في النجس جهلا يوجب سقوط مدلولها المطابقي، و معه يسقط المدلول الالتزامي.

** في رواية زرارة عن المعصوم (ع) أنه قال: «إذا اجتمع عليك حقوق اللّه أجزأها عنك غسل واحد»، بمعنى كفاك غسل واحد.

- راجع: أصالة البراءة الشرعية

: الشرط المتأخر

: المتعلق‏

: الترتب‏

- الإجماع:

- اتفاق خاص.

- اتفاق المجتهدين من أمة محمد (ص) بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.

(جمهور علماء السنّة)

12

- كل قول قامت حجته، و إن كان قولا واحدا.

(النظام)- اتفاق أمة محمد (ص) خاصة على أمر من الأمور الدينية.

- اتفاق أهل الحل و العقد من المسلمين على حكم شرعي.

- اتفاق عدد كبير من أهل النظر و الفتوى في الحكم بدرجة توجب إحراز الحكم الشرعي.

* لو أصبح المكلف يوم الشك بنية الإفطار ثم بان له أنه من الشهر، فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء، و أمسك بقية النهار وجوبا تأدبا.

و قد وقع البحث في هذا الوجوب، و الظاهر أنه من المتسالم عليه بينهم، بل لعله من الواضحات التي يعرفها حتى عامة الناس، فإنهم لا يشكّون في إن من كان مكلفا بالصوم، و إن لم يكن منجزا عليه لجهله فأفطر و لو لعذر وجب عليه الإمساك بقية النهار وجوبا تأدبيا، و إن لم يحسب له الصوم.

فإن تم الإجماع- و قد ادعاه بعضهم- فلا كلام فيه، و إلّا فإثباته بحسب الصناعة مشكل، لعدم الدليل عليه بوجه، إذ الواجب بعد أن كان ارتباطيا و قد عرضه البطلان الموجب لسقوط الأمر بالصوم في هذا اليوم، فبأي موجب يلزمه الإمساك في بقية النهار، فلو لا قيام الإجماع لكفى في نفي هذا الوجوب أصالة البراءة عنه.

- راجع: الاستحسان بالإجماع‏

- الإجماع البسيط:

هو الاتفاق على رأي معيّن في مسألة أو حكم شرعي ما.

- راجع: الإجماع المنقول‏

: الإجماع المركب‏

13

- الإجماع التعبدي:

و يراد به الإجماع الذي يعتبر حجة، و ذلك لكشفه عن رأي المعصوم.

* وقع البحث عند الفقهاء في مسألة ما إذا أجنب المكلف و نام، فإنه لو أصبح و هو مجنب من دون غسل فإنه يقضي يوما.

و قد وقع الكلام في ما لو نام و أفاق ثم نام ثالثة، فإن بعض الفقهاء أوجبوا الكفارة في النومة الثالثة، و ذلك بدعوى الإجماع، إذ لم ترد الإشارة إلى الكفارة في أية رواية.

و قد ردّ الإجماع لعدم كونه إجماعا تعبديا يكشف عن رأي المعصوم على نحو يكون الإمام (ع) داخلا في المجتمعين، خاصة و أن القائلين بالوجوب من القدماء جماعة معدودون، و أشخاص معلومون لم يبلغوا حدا يستكشف معه رأي المعصوم (ع).

و مع ذهاب جمع من المتأخرين إلى الخلاف فإنه لا يعلم بمثل هذا الإجماع، بل إجماع من هذا القبيل معلوم العدم.

- راجع: الإجماع المدركي‏

- الإجماع القطعي:

و هو الإجماع الذي يعلم وقوعه من المسلمين بالضرورة، كإجماعهم على وجوب الصلوات الخمس، و تحريم الزنا، و تحريم شرب الخمر، و وجوب الزكاة، و الخمس، و الحج.

14

- الإجماع المتواتر:

و يراد به الإجماع المنقول بطريق التواتر بحيث ينقله جماعة لا يجوز تواطؤهم على الكذب.

- راجع: الاجماع المنقول‏

- الإجماع المحصّل:

- و هو الإجماع الذي يحصّله و يتحقق من وجوده فقيه من الفقهاء بتتبع أهل الفتوى.

- و هو ما ثبت واقعا و علم بلا واسطة النقل.

أي من حيث تولي المجتهد نفسه البحث عن هؤلاء في المسألة التي يريد معرفة حكمها حتى يحصل على الحكم.

- راجع: الاجماع المنقول‏

- الإجماع المدركي:

و يراد به الإجماع الذي يدعيه بعض الفقهاء، و هو يرجع إلى الأدلة الشرعية من كتاب أو سنة.

* وقع البحث بين الفقهاء في صدق حرمة الصيد في حال الإحرام على محرّم الأكل، فادعى بعضهم اختصاص الحرمة بالمحلّل.

و قد استدل لذلك بعدة وجوه منها: الإجماع، و لكن نوقش بأن الإجماع الحجة و المعتبر هو الإجماع التعبدي الموجب للقطع بصدور الحكم عن المعصوم، لا الإجماع المدركي، إذ يحتمل أن يكون هذا الإجماع مدركيا لاحتمال استناد المجمعين في ذهابهم إلى اختصاص‏

15

الحرمة بالمحلل الأكل إلى ما ذكروا من وجوه، كما في دعواهم عدم صدق الصيد على المحرّم الأكل، مع المناقشة فيه لورود الخبر. كما عن علي (ع): «صيد الملوك ثعالب و أرانب»، و دعواهم التبادر مع ما فيه من مناقشات ليس المقام محلا لذكرها.

- الإجماع المركب:

- و هو عبارة عن الاستناد إلى رأي مجموع العلماء المختلفين على قولين أو أكثر في نفي قول آخر لم يقل به أحد منهم.

و تارة يفرض أن كلا من القولين ينفي قائله القول الآخر بقطع النظر عن قوله، و أخرى يفرض أنه ينفيه بلحاظ قوله و في طوله، لاستلزامه نفي غيره.

و قد اختلف في حجية الإجماع المركب بالمعنيين المتقدمين و اتفق على حجيته على الفرض الأول، و اختلف في حجيته على الفرض الثاني، تبعا لاختلاف المباني و النظريات.

- عبارة عن الاتفاق في الحكم مع الاختلاف في المآخذ لكن يصير الحكم مختلفا فيه بفساد أحد المأخذين. مثاله: انعقاد الإجماع على انتقاض الطهارة عند وجود القي‏ء و المس معا، لكن مأخذ الانتقاض عند البعض القي‏ء، و عند الشافعي المس، فلو قدّر عدم كون القي‏ء ناقضا فإنه لا يقال بالانتقاض، ثم فلم يبق الإجماع، و لو قدّر عدم المس ناقضا فالشافعي لا يقول بالانتقاض فلم يبق الإجماع أيضا.

* ادعي الإجماع على نفي اللزوم عن البيع المعاطاتي (البيع غير اللفظي).

16

و قد نوقش بعدم وضوح معقد الإجماع، و عدم كونه موحدا، و لذلك فلا ينفع مثل هذا الإجماع، لأن قول الأكثر، و إن كان ينفي اللزوم أي القول بعدم اللزوم إلّا أن الأكثر- بعد افتراض كونهم يقولون بالإباحة- يكون اتفاقهم على نفي اللزوم من باب نفي الملك نفسه، لا نفي اللزوم الذي هو وصف للملك.

هذا كله، إذا كان الإجماع المدّعى إجماعا بسيطا، و لكن قد يدّعى الإجماع المركب، و ذلك بدعوى أن الاصحاب بين قائل بالملك الجائز، و بين قائل بعدم الملك رأسا، (بل الإباحة)، فيكون القول الثالث، و هو القول بالملك اللازم مخالفا لهذا الاتفاق.

و قد ناقش فيه البعض: بأن الإجماع المركب إنما يكون حجة إذا كان راجعا إلى الإجماع على القدر المشترك، بحيث يكون القدر المشترك بين القولين موردا للإجماع، و في المقام ليس كذلك، لأن عدم اللزوم و إن كان هو القدر المشترك بين القولين، إلّا أن سلب اللزوم بالقياس إلى الإباحة موضوعي، لكونه من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و سلبه بالقياس إلى القول بالجواز محمولي، فيرجع إلى دعوى الاتفاق على القدر المشترك بين السلب الموضوعي و المحمولي، و هو غير مفيد.

- الإجماع المنقول:

- و هو الإجماع الذي لم يحصّله الفقيه و إنما ينقله له من حصّله من الفقهاء، سواء كان النقل له بواسطة أم بوسائط، و تارة يكون الإجماع المنقول منقولا بأخبار آحاد، و أخرى يكون منقولا بالنقل المتواتر.

- و هو الإجماع المنقول بأخبار لم تبلغ حد التواتر.

17

* ادعي الإجماع على نجاسة الخمر عند فقهائنا الشيعة الإمامية. يقول العلامة الحلي في كتابه (المختلف): «الخمر، و كل مسكر، و الفقاع، و العصير إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بالنار، أو من نفسه، نجس. ذهب إلى ذلك أكثر علمائنا، كالشيخ المفيد، و الشيخ أبي جعفر، و السيد المرتضى، و أبي الصلاح، و سلار، و ابن إدريس.

و قال أبو علي بن أبي عقيل: من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما، لأن اللّه حرمهما تعبدا، لا لأنهما نجسان. و قال أبو جعفر ابن بابويه: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر.

لنا: أولا: الإجماع على ذلك. فإن السيد المرتضى قال: «لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر، ألّا ما يحكى عن شذاذ»،

و قال الشيخ: «الخمر نجس بلا خلاف». و قول السيد المرتضى و الشيخ حجة في ذلك، فإنه إجماع منقول بقولهما و هما صادقان، فيغلب على الظن ثبوته، و الإجماع كما يكون حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحادا. انتهى كلام العلّامة الحلي.

جدير ذكره: إن العلّامة الحلي لم يدّع الإجماع المحصّل الذي وقف عليه بإحراز مباشر، بل أنه اعتمد على نقل الإجماع، و هو نقل بأخبار آحاد الثقاة، و لم يصل إلى درجة النقل المستفيض.

و لذلك لا بد من الفراغ من حجية الإجماع المنقول بأخبار الآحاد، و هو عند المعظم ليس حجة.

بل إن الإجماع هو إمارة عقلائية بحساب الاحتمال، و لذلك لا بد من ملاحظة ما يتدخل في الكشف عن الحكم الواقعي إثباتا و نفيا، ليقدر مدى إمكان حصول الاطمئنان على أساس الإجماع المنقول.

18

- الإجمال:

و يراد به عدم وضوح المراد من اللفظ، بسبب غرابة أو استعمال العام و إرادة الخاص، أو بسبب كون اللفظ مشتركا.

* روى محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إليه: رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسّل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقّع: «إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل».

و قد نوقش في الاستدلال بها على قبول ميت المسلم الطهارة بالغسل لجهة إجمال كلمة (الغسل) و ترددها بين (الغسل) و (الغسل) بالمعنى الحدثي الرافع للحدث، و على التقدير الثاني يكون مفهوم الرواية عدم وجوب غسل المس لو كان الميت مغسلا، و هو أجنبي عن محل الكلام.

و ربما يناقش فيها باستظهار إرادة الغسل الخبثي لا الحدثي من الكلمة، و ذلك بقرينة أن السائل إنما سأل عن غسل اليدين و البدن، و لا بد من حمل الجواب على معنى يكون معه مطابقا للسؤال.

- راجع: الاستصحاب القهقرائي‏

: الشبهة الوجوبية

- احترازية القيود:

(انظر: قاعدة احترازية القيود)

الاحتياط الاستحبابي:

(انظر: الاستحباب)

- راجع: أصالة الحلية

19

- الاحتياط الشرعي:

و هو عبارة عن حكم الشارع بلزوم إتيان ما احتمل وجوبه و ترك ما احتملت حرمته.

و يراد به حكم الشارع بلزوم الإتيان بجميع محتملات التكاليف أو اجتنابها، عند الشك بها و العجز عن تحصيل واقعها، مع إمكان الإتيان بها جميعا أو اجتنابها.

* كما في مسألة النظر إلى وجه المرأة بدون تلذذ، أو في مسألة ستر الوجه و الكفين للمرأة، فإنه و إن لم يدل دليل واضح عند بعض الفقهاء على حرمة النظر إلى وجه المرأة، و في مسألة ستر وجه المرأة و كفيها، فإنه احتاط في المسألتين، و ذلك رعاية للدين.

و قد نوقش ذلك بأن الاحتياط في مثل هذه المسائل مما لا دليل عليه مع كونه من المسائل التي يكثر الابتلاء بها، مما يؤدي إلى الحرج الشديد، مما قد يكون خلاف مقصد الشارع المقدس.

- راجع: الحكم الظاهري‏

: الشبهة الوجوبية

: الظاهر

- الاحتياط العقلي:

و هو حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز إذا كان ممكنا.

- الارادة الجدية:

- و هي إرادة المتكلم حين صدور الكلام منه على نحو يريده جدا، بمعنى أنه الأساس الذي من أجله أراد المتكلم أن نتصور تلك المعاني في كلامه.

20

- إرادة المتكلم المعنى المستعمل فيه اللفظ.

(انظر: أصالة الجهة)

- الإرادة الاستعمالية:

- و هي إرادة المتكلم استعمال اللفظ في المعنى.

- و هي إرادة المتكلم حين صدور الجملة منه على نحو يريد أن يتصور السامع معاني كلماته.

(انظر: الاستعمال)

ارتكاز العرف:

و هو عبارة عن الشعور المختزن لدى العرف لتحديد المراد.

- راجع: مناسبات الحكم و الموضوع‏

: الأمر الارشادي‏

- ارتكاز المتشرعة:

و المراد به شعور معمّق بنوع الحكم الذي يصدر عن فعله أو تركه المتشرعون لا يعلم مصدره على التحقيق.

(انظر: السيرة المتشرعية)

- الأداء:

و هو القيام بالواجب في الوقت المعيّن له شرعا، كما في الإتيان بالصلوات في وقتها، و رمي الحجارة في الحج في وقتها، و الصوم في وقته، كما في صوم شهر رمضان، أو صوم النذر المعيّن بوقت.

- راجع: الأصل المثبت‏

21

- الأدلة الاجتهادية:

و يراد بها الأدلة الدالة على الأحكام الشرعية الثابتة للأشياء- مثل الصلاة- بما هي نفسها فعل من الأفعال بقطع النظر عن أي شي‏ء آخر- مثل الشك- و تسمى هذه الأدلة الدالة على الأحكام بالأدلة الاجتهادية، في مقابل الأدلة الدالة على الأحكام الشرعية في ظرف الشك و الحيرة، و التي تسمى بالأدلة الفقاهتية، أو الأصول العملية.

- راجع: الإطلاق الشمولي‏

(انظر: الدليل الاجتهادي)

- الأدلة الفقاهتية:

(انظر: الأدلة الاجتهادية)

- الاستحباب:

و هو حكم شرعي يبعث نحو الشي‏ء الذي تعلق به بدرجة دون الإلزام.

(انظر: قاعدة التسامح في أدلة السنن)

- راجع: القياس‏

: أصالة الحلية

- الاستثناء:

و هو استثناء شي‏ء من قاعدة عامة أو حكم.

* كما في قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

22

[آل عمران: 28]، و قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ [النحل: 106]، و في كلتا الآيتين يعتبر حكم القضية استثناء من أمر حرام، و هو موالاة الكافرين في الآية الأولى، و الكفر في الآية الثانية. و الاستثناء في مورد الحظر و الحرمة لا يدل على أكثر من الجواز، مثل قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2]، في الأمر في مورد الحظر.

- راجع: التخصيص‏

- الاستثناء المتصل:

و هو ما كان فيه المستثنى جزء من المستثنى منه، و هو المسمى استثناء من الجنس، كما في قوله تعالى: وَ الْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ [سورة العصر]، (فإنسان) يتناول الذين أمنوا و غيرهم، ثم أخرج من ذلك الذين أمنوا.

** كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ‏ [النساء: 29]، بناء على استظهار بعض الفقهاء، حيث استظهر أن الاستثناء في الآية استثناء متصل، بمعنى: لا يجوز تملك أموال الناس بسبب من الأسباب، فإنه باطل، إلّا أن يكون ذلك السبب تجارة عن تراض، فتفيد الآية حصر الأسباب الصحيحة للمعاملة عن تراض.

و قد نوقش بأن ذلك غير ظاهر، لأن (الباطل) يكون نعتا للسبب المستفاد من الباء المسببة، فالمعنى أنه تملك أموال الناس‏

23

بسبب باطل إلّا أن يكون ذلك السبب الباطل تجارة عن تراض، إذ النعت قيد للمنعوت، و الاستثناء يكون من مجموع النعت و المنعوت كقوله: (جاءني العلماء العدول إلّا زيدا) فإنه لا ينبغي التأمل في عدم صحة هذا الاستثناء إذا لم يكن زيد عالما عادلا، و مجرد كونه عالما لا يكفي في صحة هذا الاستثناء، لخروجه عن العام موضوعا من دون حاجة إلى الاستثناء، بل الاستثناء حينئذ مستهجن عند أبناء المحاورة.

نعم، لو كان الكلام هكذا (كل تجارة باطلة إلّا تجارة عن تراض) كان الاستثناء متصلا، لكن الأمر ليس كذلك.

- الاستثناء المنقطع:

ما لا يكون فيه المستثنى جزء من جنس المستثنى منه، و هو استثناء من غير الجنس، كما في قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً* إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الواقعة: 25- 26]، و المراد بالجنس هنا- هو أن يكون اللفظ موضوعا لجنس يستثنى منه بلفظ لم يوضع لذلك الجنس، مثل: ما عندي ابن إلّا بنت، فإن لفظ (الابن) جنس غير جنس لفظ (البنت).

* كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ.

و الاستثناء في الآية وفقا لاستظهار بعض الفقهاء استثناء منقطع، سواء كانت (كان) تامة، يعني: إلّا أن تقع تجارة عن تراض، إذ من المعلوم أن التجارة كذلك ليست من جنس الباطل، حتى يكون المعنى: إلّا أن تكون التجارة الباطلة تجارة عن تراض، أو كانت (تجارة) منصوبا لا مرفوعا، كما تقدم، و ذلك بناء على أن تكون‏

24

(كان) ناقصة، و التقدير: إلّا أن تكون التجارة تجارة عن تراض، أو أموالكم أموال تجارة، بحذف المضاف إليه مقامه.

و الحاصل: أن التجارة عن تراض ضد الباطل، فلا تكون من جنسه حتى يكون الاستثناء متصلا.

(انظر: التخصيص)

- الاستحسان:

- العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنّة.

- ما يستحسنه المجتهد بعقله.

- دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه.

- راجع: حجية القطع‏

- الاستحسان بالإجماع:

و هو أن يفتي المجتهدون في مسألة على خلاف الأصل في أمثالها، أو أن يسكتوا عن فعل الناس دون إنكار.

و مثلوا له بإجازة العلماء المجتهدين عقد الاستصناع، و هو أن يتعاقد شخص مع الصانع على صنع شي‏ء نظير ثمن معيّن و القياس عدم الجواز، لأن المعقود عليه وقت العقد معدوم، و لكن أجيز العمل به لتعارف الناس عليه دون إنكار العلماء.

* و ذلك كما في العدول عن مقتضى القياس إلى حكم آخر انعقد عليه الإجماع، كما في عقد الاستصناع، و هو شراء ما سيصنع قبل صنعه، فإن هذا العقد بمقتضى القياس باطل و غير صحيح، و ذلك لأنه عقد على معدوم، و لقد نهى الشارع عن البيع‏

25

المعدوم، و لكن مع ذلك رأى بعض الفقهاء أنه قد وقع الإجماع على صحة هذا العقد استحسانا.

- الاستحسان بالضرورة:

و هو استحسان ما هو ضروري، أو استحسان للضرورة، كما في حالة ترك المجتهد القياس و الأخذ بمقتضى الضرورة أو الحاجة.

و قد مثلوا له بتطهير الآبار بنزح مائها كله، أو بعضه عند تنجسها، و الأصل عدم طهارته، لأن النزح لا يؤثر في طهارة الباقي فيها، لأن الدلو يتنجس من جهة لملاقاته الماء، و النزح كاملا لا يفيد في طهارة ما ينبع من جديد، لملاقاته محل النجاسة في قاع البئر و جدرانه.

- الاستحسان بالعادة أو العرف:

و يعني استحسان ما هو معروف و معتاد، مثل إجارة الحمّام بأجرة معينة دون تحديد لقدر الماء المستعمل في الاستحمام مدة الإقامة في الحمام.

* و هو العدول عن مقتضى حكم القياس إلى حكم آخر يخالفه و ذلك لجريان العرف بذلك، كما في أن يحلف الإنسان على عدم أكل اللحم، ثم يأكل السمك، فإنه بمقتضى القياس يعدّ حانثا، و بالتالي تلزمه كفارة اليمين، و لكنه لا يحنث استحسانا، و ذلك لأنّ العرف جرى على عدم إطلاق لفظ اللحم على السمك.

26

- الاستحسان بالقياس الخفي:

و يعني ترجّح قياس على قياس آخر، أحدهما: قياس جلي (ظاهر العلة)، و الآخر: خفي العلة فيه.

و مثّلوا له بوقف الأراضي الزراعية، و فيه قياسان، أحدهما:

جلي، و هو أن الوقف يشبه البيع في أن كلا منهما يتضمن إخراج العين عن ملك صاحبها فلا يدخل في الوقف حقوق الشرب و المسيل و الطريق، أي حق المرور في الوقف إلا بالنص عليها من الواقف، كما في البيع. و قياس خفي: هو أن الوقف يشبه الإجارة في إفادة كل منهما مجرد الانتفاع بالعين، و مقتضى هذا أن تدخل حقوق الشرب و الطريق في الوقف، و إن لم ينص الواقف عليها، فيرجّح المجتهد القياس الثاني على الأول، لأن المقصود من الوقف هو مجرد الانتفاع، و هو لا يمكن إلا بأن يدخل الشرب و المسيل دون نص عليها.

* و هو العدول بالمسألة عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم مغاير بقياس آخر أدق و أخفى من الأول، و لكنه أقوى حجة، و أسدّ نظرا، كما في وقف أرض زراعية دون ذكر حقوق الري و المرور فيها، فإن هذه الحقوق لا تدخل عند عامة الفقهاء في ذلك الوقف، و ذلك قياسا على البيع، فإن ما لا يذكر في البيع ابتداء فإنه لا يدخل فيه، فكذلك الوقف، فما لم يذكر فيه فإنه لا يدخل فيه، و لكن يمكن أن يقاس على الإجارة باعتبار آخر، و ذلك بجامع أن المقصود من الوقف و الإجارة الانتفاع من ريع العين دون تملك رقبتها، و بما أن حقوق الري و المرور تدخل في إجارة الأراضي الزراعية، و لو لم تذكر، فإنه قياسا عليها، ينبغي أن تدخل تلك الحقوق في وقف الأرضي الزراعية و لو لم تذكر ابتداء.

27

و بذلك يعدل من القياس الجلي إلى القياس الخفي استحسانا، و ذلك لأن المقصود من الوقف هو الانتفاع.

- الاستحسان بالمصلحة:

و يعني ترجيح المصلحة على القياس، أي القاعدة الكلية.

و مثاله: دفع الزكاة لبني هاشم فإن مقتضى القياس ألّا يجوز ذلك، كما ثبت عن الرسول (ص)، و لكن أبا حنيفة استحسن إعطاء الزكاة لهم في عصره، رعاية لمصالحهم و حفظا لهم من الضياع.

- الاستحسان بالنص:

و معناه أن يرد النص (قرآن أو سنّة) في مسألة يتضمن حكما بخلاف الحكم الكلي الثابت بالدليل العام.

و مثلوا له بالوصية، فإنها بمقتضى القياس لا تجوز، لأنها تمليك مضاف إلى زمن زوال الملكية و هو الموت، و لكنها استثنيت بقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‏ [النساء: 12].

- الاستدلال:

تقرير المدلول سواء كان من الأثر إلى المؤثر، فيسمى استدلالا إنيا، و بالعكس فيسمى استدلالا لميا، أو من أحد الأثرين إلى الآخر.

- الاستصحاب:

- استبقاء الحكم الذي ثبت بالدليل من الماضي قائما في الحال حتى يوجد دليل غيره.

- إبقاء ما كان (أصل عملي).

(الأنصاري)

28

- حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من الجري العملي.

- اليقين السابق و الشك اللاحق (أمارة).

(الخوئي)

- كون الحكم متيقنا في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.

- مرجعية الحالة السابقة بقاء (أصل و إمارة).

(الشهيد الصدر)

* في مسألة جواز كشف الوجه و القدمين استدل باستصحاب الإباحة، و ذلك بتقريب: إن سيرة الناس قبل الإسلام و سيرة المسلمين بعد ظهور الإسلام- و قبل تشريع الحجاب- كانت كشف هذه الأعضاء، بل أزيد منها كالصدر و الساقين و الذراعين.

و نعلم أن اللّه تعالى لم يخاطب النساء في أول البعثة النبوية و إلى ما بعد الهجرة بزمن بوجوب الحجاب عليهن بستر هذه الأعضاء و غيرها، بل كان كشف هذه الأعضاء و غيرها أمام الأجانب معلوم الجواز.

و نشك في صدور تكليف من الشارع بعد ذلك بوجوب ستر هذه الأعضاء إلى حين ختم الرسالة و انقطاع التبليغ بوفاة النبي (ص)، فنستصحب بقاء جواز كشف هذه الأعضاء إلى حين إكمال التبليغ.

و لا يخفى أن أركان الاستصحاب موجودة، فاليقين السابق متحقق، و كذلك الشك الفعلي، و القضية المتيقنة و المشكوكة واحدة، و المستصحب حكم شرعي بيد الشارع جعله و رفعه، و الأثر الشرعي و هو جواز كشف هذه الأعضاء تكليفا هو أثر الاستصحاب.

** لو تعاطى اثنان فتصرف أحدهما في العين تصرفا مغيّرا للصورة كطحن الحنطة و فصل الثوب، فانه إن قيل إن المعاطاة لا

29

تفيد إلّا الإباحة، فانه لا لزوم، و كل من المالين باق على ملك صاحبه.

و أما على القول بالملك فإن اللزوم مبني على جواز جريان استصحاب جواز التراد، أو لا؟

و منشأ الإشكال إن الموضوع في الاستصحاب هل هو عرفي، أو حقيقي؟

فإن كان عرفيا جرى الاستصحاب، لأن الملكية و الطهارة و النجاسة و نحوها من الأمور الاعتبارية تعرض على الذوات لا العناوين، فإذا تنجّست الحنطة و بعد طحنها شك في طهارتها فإن استصحاب النجاسة محكّم مع كون المتنجس هو الحنطة لا الدقيق، و لكن موضوع النجاسة لما كان بنظر العرف هو الجسم كان استصحاب نجاسته جاريا.

- راجع: الشبهة المفهومية

- استصحاب البراءة أو العدم الأصلي:

و يراد به أن الأصل في الذمة هو البراءة و في الأشياء العدم.

- راجع: الاستصحاب العدمي‏

- استصحاب التدريجيات:

و يعني استصحاب الأشياء غير القارة أي المتغيرة التى توجد و تفنى باستمرار.

- الاستصحاب التنجيزي:

و يراد به ما كان المستصحب فيه حكما تنجيزيا.

- راجع: التعارض‏

30

- الاستصحاب التعليقي (المعلّق):

و يعني استصحاب القضايا المشروطة. أي ما كان المستصحب فيه حكما تعليقيا، كحرمة العنب إذا غلى، فإذا صار زبيبا و شككنا في بقاء حرمته و عدمها، جرى الاستصحاب التعليقي في حرمته.

* ورد في الرواية عن الصادق (ع): في رجل يأتي أخا امرأته فقال: «إذا أوقبه حرمت عليه المرأة».

و قد وقع البحث في امكان رجوع الزوج إلى امرأته بعد ارتفاع الحلية، و ذلك بأن يتزوجها مرة أخرى، إذ ذهب جماعة منهم صاحب الجواهر إلى الجواز، و ذلك للاستصحاب.

و الظاهر أنه يريد من الاستصحاب الاستصحاب التعليقي ببيان: أن للزوج قبل أن يرتكب هذا الفعل أن يطلق زوجته ثم يتزوج بها ثانيا. فإذا ارتكب ذلك و شك في بقاء الجواز و عدمه، كان مقتضى استصحاب الجواز الثابت قبل الفعل هو الحكم بالجواز بعد الفعل أيضا.

و قد نوقش فيه فضلا عن المناقشة في أصل جريان الاستصحاب التعليقي، أنه لا مجال للتمسك بمثل هذا الاستصحاب في المقام بعد تسليم أصل جريانه، و ذلك لوجود الدليل على ارتفاع الحلية، إلا و هو إطلاق ما دلّ على ثبوت الحرمة بمجرد صدور هذا الفعل من الزوج، و هذا معناه ارتفاع الحلية فعلا و شأنا.

- راجع: التعارض‏

31

- استصحاب حكم الإباحة:

و يعني استصحاب أصل الإباحة في الأشياء التي لم يرد دليل بتحريمها.

- الاستصحاب الحكمي:

و يراد به استصحاب حكم من الأحكام ثابت.

- الاستصحاب السببي:

و يعني جريان الاستصحاب في موضوع حكم شرعي. و سمي (الأصل السببي) لأنّه يعالج مشكلة في مرحلة الموضوع الذي هو بمثابة السبب الشرعي للحكم.

كما لو شك في طهارة الماء، فإننا نستصحب الطهارة و هي موضوع للحكم بجواز شربه بناء على الاستصحاب المذكور، و هو استصحاب موضوعي، لأنه استصحب على مستوى الموضوع و بناء عليه تم جواز الشرب (الحكم) و بدون الأول لا يمكن استصحاب الحكم، لأنّه وحده لا يكفي لإثبات طهارة الماء لأن، الطهارة ليست أثرا شرعيا لجواز الشرب، بل العكس هو الصحيح.

- الاستصحاب الشخصي:

و يراد به استصحاب موضوع بشخصه (بعينه).

- راجع: الاستصحاب الكلي‏

32

- الاستصحاب العدمي:

و يراد به استصحاب ما كان معدوما في السابق و احتمل وجوده.

* قيل: يجوز الاستنجاء بما يشك في كونه عظما أو روثا أو من المحترمات و يطهّر المحل. و ذلك بتقريب:

أن الاستصحاب في الإعدام الأزلية جار في المقام، و ذلك لأن مقتضاه أن ما يشك في كونه عظما أو روثا ليس بعظم و لا بروث، و بذلك يجوز التمسّح به لجوازه بكل جسم قالع للنجاسة، و قد خرج عنه العظم و الروث و هو عنوان وجودي مسبوق بالعدم، فبالاستصحاب يصح الحكم بجواز التمسح بالمشكوك فيه، لأنه استنجاء بالوجدان، و ما يتمسح به لا عظما و لا روثا بالاستصحاب، و الاستنجاء بما ليس كذلك كاف في طهارة المحل.

بل هذا ما يقتضيه الاستصحاب النعتي كما إذا شك في أن الورق من المحترمات- كالكتاب- أو أنه من الصحف و المجلات فإنه مقتضى الاستصحاب أنه ليس من الكتاب- مثلا- و هو استصحاب نعتي، لأن الورق كان و لم يكن من الكتاب في زمان.

- راجع: التخصيص‏

- استصحاب العموم:

و يراد به استصحاب العام إلى أن يرد ما يخصّصه.

- استصحاب التقدم و التأخر المشكوكين: (استصحاب مجهول التاريخ)

و يعني الاستصحاب في الوقائع التي حدثت أو ارتفعت مع الشك في تاريخ أو ارتفاعها.

33

* لو شك الصبي في كون بلوغه قبل الفجر أو بعده، فإنه قد يفرض الشك في تاريخ كل من البلوغ و الطلوع، و أخرى يكون أحدهما معلوم التاريخ.

أما في صورة الجهل بالتاريخين فلا مجال لشي‏ء من الاستصحابين، إما لعدم المقتضى لجريانهما، كما هو مختار صاحب الكفاية (الآخوند الخراساني)، أو لوجود المانع و هو التعارض الموجب للتساقط، و على التقديرين فلم يحرز تكليفه بالصوم ليجب القضاء لو أفطر، و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و أوضح حلا ما لو كان تاريخ الفجر معلوما لجريان استصحاب عدم البلوغ إلى ما بعد الطلوع المنتج لعدم الوجوب من غير معارض.

و أما لو انعكس الأمر فكان تاريخ البلوغ معلوما دون الطلوع، فبناء على عدم الفرق في تعارض الاستصحابين في الحادثين المتعاقبين بين الجهل بالتاريخين أو العلم بأحدهما، نظرا إلى أن المعلوم و إن لم يجر فيه الاستصحاب بالنظر إلى عمود الزمان لعدم الشك فيه، إلّا إنه بالقياس إلى الزمان الواقعي للحادث الآخر فهو طبعا مشكوك التقدم عليه و التأخر عنه فلا مانع من جريان الاستصحاب بهذه العناية، و لا أساس للتفصيل بين المعلوم و المجهول. فيكون حكمه مجهولي التاريخ.

و أما على القول بعدم الجريان في المعلوم بتاتا، فاستصحاب عدم طلوع الفجر إلى ما بعد البلوغ و إن كان سليما وقتئذ عن المعارض إلّا أنه لا أثر له، إذ لا يثبت به كونه بالغا حال الفجر ليجب عليه الصوم و يجب قضاؤه لوفاته، فإنه من أوضح أنحاء الأصول المثبتة التي لا تعتبر حجة.

34

و عليه فالاستصحاب لا يجري، بل تجري البراءة عن وجوب القضاء.

و الحاصل أن الأثر مترتب على البلوغ حال الفجر لا على عدم الفجر حال البلوغ، و لا يكاد يثبت الأول بالاستصحاب الجاري في الثاني إلّا على القول بالأصل المثبت.

فتحصل إن في شي‏ء من فروض الشك لا يجب القضاء، و إنما فيما إذا أحرز البلوغ قبل الفجر أو عنده و قد أفطر أو لم ينو الصوم.

- راجع: الحكم الوضعي‏

- الاستصحاب القهقرائي‏

(1)

:

و هو ما كان المشكوك فيه المتقدم زمانا على المتيقن. كما لو كان لفظ لغوي ما معلوما اليوم و شكّ في مدلوله في الزمن السابق فيبنى على الثبات، و إنه كان ثابتا في السابق.

* لا إشكال فقهيا في حرمة الطيب على المحرم، على نحو ليس فيه خلاف بين المسلمين، و إن المستفاد من النصوص تصريحا و تلويحا كون العبرة في الحرمة بعنوان الطيب.

و لكن قد يشكل على ذلك بأن المستفاد من هذه النصوص مجمل و هو مسقط للاستدلال، إذ يحتمل مغايرة معنى الطيب عرفا في زمان صدور الروايات لمعناه عرفا في زماننا.

و يرد: بأنه مدفوع بالاستصحاب القهقرائي، إذ بعد العلم بمفهوم الطيب عرفا في زماننا فإننا إذا شككنا في كونه بهذا المعنى في زمان صدور الروايات فنستصحبه إلى ذلك الزمان، و يحكم بأن‏

____________

(1) و هو أصل عقلائي في اللغة.

35

معنى الطيب في عرف ذلك الزمان هو معناه في عرفنا، و به يرتفع إشكال الاجمال المانع عن صحة الاستدلال.

- استصحاب الكلّي:

و يعني استصحاب الطبيعي الكلّي، و له صور أهمها ثلاث هي:

- ما إذا وجد الكلّي في ضمن فرد معين ثم شكّ في ارتفاعه كما لو وجد الإنسان ضمن شخص في الدار و شك في خروج ذلك الشخص منها، فاستصحاب بقائه فيها يوجب ترتيب جميع الآثار الشرعية على ذلك البقاء- بقاء الكلّي- لو كانت هناك آثار شرعية له، و هو استصحاب لا شبهة فيه.

- ما إذا فرض وجود الكلّي في ضمن فرد مردد بين شخصين، علم ببقاء أحدهما على تقدير وجوده و ارتفاع الآخر كذلك، كما لو فرض وجوده ضمن فرد و شك في كونه محمدا أو عليا مع العلم بأنه لو كان محمدا لكان معلوم البقاء. و هو استصحاب يجري في الكلي. أما لو كان الأثر مترتبا على الفرد لا على الكلي فلا يجري الاستصحاب.

- ما إذا علم بوجود الكلي ضمن فرد خاص و علم بارتفاعه و احتمل وجود فرد آخر له، كان مقارنا لوجوده.

و الاستصحاب هنا لا يجري لفقده أهم ركن من أركانه و هو اليقين السابق، لأن الكلي لا يمكن أن يوجد خارجا إلا ضمن الفرد، فهو في الحقيقية غير موجود منه إلا الحصة الخاصة المتمثلة في هذا الفرد أو ذاك.

* لا شك في أنه لو كان للحكم الشرعي أو الموضوع الذي له أثر شرعي حالة سابقة متيقنة، و شكّ في بقاء تلك الحالة يستصحب‏

36

إن كان لبقاء تلك الحالة أثر شرعي في حال الاستصحاب، و لذلك وقع النزاع في الاستدلال على أصالة اللزوم في العقود بالاستصحاب، إذ هل يمكن استصحاب نفس اللزوم أو ما يكون لازما أو ملزوما أو ملازما له، فيثبت بها اللزوم، أم لا يمكن شي‏ء من ذلك؟

و أجيب عنه: أما استصحاب نفس اللزوم- و إن قيل بأنه حكم وضعي قابل للجعل ابتداء بلا توسيط جعل آخر كي يكون منشأ لانتزاعه أو اعتباره- فلا مجال له هاهنا، أي في مورد الشك في لزوم معاملة أو عقد ابتداء، لأنه متى كان لازما كي يستصحب؟

نعم لو كان عقدا و معاملة لازما ابتداء، و شككنا في طروّ الجواز عليها لاحتمال وجود خيار لم يكن دليل على وجوده و لا عدمه و وصلت النوبة إلى حكم الشك فلا مانع من استصحاب نفس اللزوم، و إلّا ففي غير هذه الصورة فاستصحاب نفس اللزوم لا معنى له.

و أما استصحاب الملكية السابقة على الفسخ الذي ينتج اللزوم، ففيه تفصيل إجماله: أنّ هذا الاستصحاب المدّعى في المقام تارة يدّعى أنه من قبيل استصحاب الكلي، و أخرى أنه استصحاب شخص الملكية المنشأ بالعقد أو بالمعاطاة و الفعل من طرف واحد أو الفعل الصادر من الطرفين.

(أما الثاني) أي استصحاب شخص الملكية، ففيه أنه من قبيل استصحاب الفرد المردد فلا يجري أولا: على بعض المباني الأصولية، و ثانيا: على فرض الجريان يكون مثبتا، أما عدم جريان الفرد المردّد فلأن شخص هذه الملكية التي وجدت بإنشاء المتعاملين المرددة بين أن تكون مستقرة لا تزول بالفسخ و غير الثابتة التي تزول بالفسخ ليست قابلة للبقاء، لأنه بعد الفسخ إن كانت متزلزلة

37

غير مستقرة فقد زالت و انعدمت بالفسخ، و إن كانت مستقرة غير متزلزلة، فهي و إن كانت باقية بعد الفسخ، و لكن ليست فردا مرددا، فالفرد المردد بوصف أنه مردد غير قابل للبقاء، فلا يمكن استصحابه، و الفرد المعيّن و إن كان قابلا للبقاء لكنه ليس معلوما و متيقنا في وقت من الأوقات، فما هو متيقن أي الفرد المردد ليس قابلا للبقاء، و ما هو قابل للبقاء أي الفرد المعين لم يكن متيقنا.

فعلى كل واحد من التقديرين يختل أحد أركان الاستصحاب، أي إما لا يكون اليقين السابق، أو لا يكون الشكّ في البقاء لاحقا.

فاختلال الركن الأول إذا فرضنا المستصحب فردا معينا، و اختلال الركن الثاني أي الشك في البقاء، إذا كان المستصحب فردا مرددا، فاستصحاب الفرد و الشخص لا مجرى له.

(و أما الأول) أي استصحاب الكلّي أي الجامع بين الملك المستقرّ الثابت و بين المتزلزل كي يكون من قبيل استصحاب القسم الثاني من أقسام الكلى كاستصحاب كلّي الحدث الجامع بين الحدث الأصغر و الأكبر، بأن يقال هذا الجامع وجد بمحض وجود العقد تام الأجزاء و الشرائط أو وجود معاملة المعاطاة مثلا، فإن كان وجوده في ضمن الملك المتزلزل غير المستقر، انعدم بالفسخ، و إن وجد في ضمن الملك المستقرّ فبعد الفسخ لا ينعدم مثل انعدامه في القسم الأول، بل باق، و هذا الترديد في الانعدام و البقاء يرجع إلى الشك في البقاء، فيتمّ أركان الاستصحاب من اليقين بوجود المستصحب سابقا، و الشك في بقائه لاحقا.

و اعترض على هذا الاستصحاب من وجوه:

(منها) أنّ هذا الاستصحاب مثبت من جهة أن بقاء القدر المشترك لا يثبت عنوان اللزوم، و لكن جواب هذا الإشكال سهل، و هو أن المراد و المقصود من النزاع في اللزوم و عدمه هو أن المعاملة

38

أو العقد ينحل بالرجوع و الفسخ أم لا، و يبقى أثره، فإثبات بقاء الأثر و عدم الانحلال بالرجوع أو الفسخ كاف في إثبات هذا المقصود، و لا نحتاج إلى إثبات عنوان اللزوم كي يقال بأنه مثبت.

هذا مضافا إلى أنه يمكن أن يقال إنّ عنوان اللزوم عنوان و مفهوم انتزاعىّ ينتزع قهرا من بقاء أثر العقد بعد فسخ أحدهما بدون رضا الآخر، أو يقال بأنه و إن كان من الأحكام الشرعية الوضعية و لكنه ينتزع من الأحكام التكليفية، كما نسب ذلك إلى الشيخ الأنصاري (قده) فأيضا ينتزع قهرا من بقاء أثر العقد الثابت بالاستصحاب.

(منها) ما اعترض به صاحب الكفاية في تعليقه على كتاب (المكاسب) للشيخ الأنصاري بأنّ هذا الاستصحاب من الشك في المقتضي، فمن يقول بعدم جريانه في الشك في المقتضي ليس له أن يستند في إثبات اللزوم بهذا الاستصحاب.

و فيه: أن المراد من الشك في المقتضي الذي لا يقول البعض بجريان الاستصحاب فيه، هو أن يكون الشك في استعداد بقائه في عمود الزمان، بحيث يحتمل عدم تمامية قابلية بقائه و فناء عمره و ارتفاعه من عند نفسه، من دون وجود مزيل و رافع له، و ما نحن فيه ليس هكذا، بل قابل للبقاء ما دام موضوعه موجودا شأنا كما هو كل حكم شرعي، فما لم يأت الفسخ لا يشك في بقائه، و إنما الشك في البقاء يحصل بعد وجود محتمل الرافعية.

(و منها) معارضته مع الاستصحاب الحاكم عليه، و هو استصحاب بقاء علقة المالك الأول من جهة الشك في أنّ المالك الأول بعد وقوع المعاملة التي يشك في لزومها انقطعت علاقته عن هذا المال بالمرة أو بقيت بحيث يقدر- بسبب ذلك المقدار الباقي من تلك العلاقة- على إرجاع ذلك المال إلى نفسه.

39

و بعبارة أخرى: هذه المعاملة التي وقع الشك في لزومها هل صارت سببا لخروج المال عن يد المالك الأول بحيث صار المالك الأول مثل الأجنبي و صار كأنه لم يكن مالكا؟ أو بقي له حق الإرجاع بتوسط الفسخ؟ فبقاء ذلك المقدار الذي قد يعبر عنه بملك أن يملك، مشكوك فيستصحب، و لا شك في حكومة هذا الاستصحاب على استصحاب بقاء ملكية المالك الثاني، لأنه رافع في عالم التشريع لموضوع استصحاب الأخير، إذ بقاء علاقة المالك الأول و قدرته على إرجاع المال إلى نفسه بالفسخ موجب للعلم بعدم بقاء ملكية المالك الثاني في عالم التعبد و التشريع، فلا يبقى شك في البين كي يستصحب.

(و فيه) أنه لا شك في ارتفاع الإضافة التي كانت بين المالك الأول و هذا المال بنفس العقد التام الأجزاء و الشرائط، و هذا هو معنى انتقال المال بالبيع مثلا من البائع إلى المشتري بالنسبة إلى المثمن، و بالعكس بالنسبة إلى الثمن، فلا يبقى إضافة بين المال و المالك الأول، لأن الإضافة اعتبارية و لا تنقطع كي يقال قطعة ارتفعت بالبيع و بقى قطعة منها، فلو كان علاقة و إضافة بين المالك الأول و المال، لا بدّ و أن يكون حادثا بسبب الفسخ فليس شي‏ء يحتمل بقاؤه كي يستصحب.

و بعبارة أخرى: العقد المشكوك اللزوم ليس أمره أعظم من الموارد المعلوم جوازها بسبب الخيار، و في العقد الخياري، يحدث علاقة بسبب الخيار، و إلّا فالعلاقة التي كانت بين الملك و المالك زالت بالمرة بالعقد، و الخيار المجعول من قبل المتعاقدين أو من قبل اللّه تعالى يوجب حدوث علاقة جديدة بين ذي الخيار و المال الذي انتقل منه إلى طرفه المسمى بحق الإرجاع، أو كونه مالكا لأن يملك.

40

و أما بناء على قول من يقول إنّ ملكية المشتري مثلا للثمن متوقفة على انقضاء زمن الخيار، و إلّا فقبل انقضاء زمن الخيار لا تحصل ملكية بنفس العقد، فلا تحصل علاقة جديدة بالفسخ، بل الملكية من الأول موجودة لذي الخيار، و على هذا أيضا لا وجه للاستصحاب، لبقاء الملكية قطعا، فيردّه: إن مثل هذا الكلام على تقدير صحته في العقود الخيارية لا يمكن القول به في مطلق العقود الجائزة، لأنه لو لم تحصل الملكية بنفس العقد، فلا تحصل أصلا، لأنه ليس هناك خيار كي يقال بحصول الملكية بعد انقضاء زمان الخيار.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ علاقة المالك تزول بمحض وجود العقد الناقل و لا يبقى منها شي‏ء قطعا و يقينا، فليس شي‏ء يشكّ في بقائه كي يستصحب.

(و أما احتمال) أن يكون الاستصحاب من (القسم الثالث) من أقسام استصحاب الكلّي بأن يقال إن الملكية مثل السواد و البياض من الطبائع المقولة بالتشكيك، فلها مراتب مختلفة بالشدة و الضعف، فإذا جاء الفسخ، فمن الممكن أن يذهب ببعض مراتبها و يبقى البعض الآخر، فإذا شك في بقاء البعض يستصحب بقاؤه بعد الفسخ، فيبقى بعد الفسخ على ملك المالك الثاني، و هذا عبارة أخرى عن اللزوم، لأنه بالفسخ لم ترتفع الملكية بتمامها بل بقى مرتبة منها، و المعاملة الجائزة أو العقد الجائز هو أن يرجع المال بالفسخ إلى صاحبه الأول، و لا يبقى للمالك الثاني شي‏ء منه.

هذا، و لكن فيه: أن الأمور الاعتبارية و إن كان من الممكن اعتبارها شديدا أو ضعيفا، كما اعتبر ذلك في النجاسة و الحدث، فالحدث الأكبر أشد من الحدث الأصغر فقد عبر في الرواية في مقام السؤال عن المرأة الجنب إذا حاضت (أنه جاءها ما هو

41

أعظم)، أي الحيض أعظم من الجنابة، أو نجاسة البول أشد من نجاسة الدم مثلا، فلا ينبغي أن يشك في أن الأمور الاعتبارية أيضا مثل الأمور التكوينية يمكن أن يكون لبعض أنواعها مراتب مختلفة بالشدة و الضعف، فهي مقولة بالتشكيك، و ذلك باعتبار بعض أفراد نوع من أنواعها أشدّ من الفرد الآخر فيعتبر في (نجس) من أنواع النجاسات نجاسة شديدة و في نجس آخر منها نجاسة ضعيفة، ففي النجاسة الحاصلة من ملاقات جسم للبول يمكن أن يعتبر نجاسة شديدة بحيث إذا غسل مرة تزول مرتبة و تبقى مرتبة منها، فيحتاج إلى غسلة ثانية لزوال المرتبة الباقية.

و لكن الملكية في الاعتبار العرفي ليست هكذا، بل هي أمر بسيط يدور أمرها بين الوجود و العدم، و لا يمكن في نظر العرف و العقلاء أن تنعدم مرتبة منها و تبقى مرتبة أخرى، فيدور أمرها بين أن تبقى بتمامها أو تزول بتمامها، فبناء على هذا لا يمكن استصحاب بقاء مرتبة ضعيفة عن الملكية للمالك الثاني بعد فسخ المالك الأول كي ينتج نتيجة اللزوم.

فقد ظهر مما ذكرنا أن استصحاب الملك الكلي الجامع بين الملكية المستقرة الثابتة التي لا تزول بالفسخ، و بين الملكية المتزلزلة التي تزول بالفسخ لا مانع منه، و نتيجته لزوم المعاملة التي شك في لزومها.

و أما الإشكال على هذا الاستصحاب بأن الشك في بقاء الكلي مسبب عن حدوث الفرد الباقي و الأصل عدمه، فلا يبقى موضوع لهذا الاستصحاب، ففيه: أولا إن الشك في بقاء الكلي ليس مسببا عن الشك في حدوث ذلك المشكوك الحدوث الذي لو كان حادثا لكان الكلّي باقيا، أعني الفرد الباقي، بل من لوازم كون الحادث ذلك الفرد الذي ارتفع يقينا، أو الذي بقي يقينا.

42

و بعبارة أوضح: الشك في بقاء الكلّي مسبب عن أنّ الحادث أيّ واحد من هذين الفردين بمفاد كان الناقصة.

و ليس في البين ما يعيّن أنّ الحادث أيّ من الفردين، و ذلك لأنّ الشك في بقاء الكلّي لا يرتفع إلا بارتفاع منشئه، و ثانيا: في حكومة الأصل الجاري في السبب على الأصل المسببي، لا بد أن يكون الترتب و السببية بينهما شرعيا.

و خلاصة الكلام أنّ العدم النعتي أي عدم كون الحادث الذي وجد هو الفرد الباقي ليس له حالة سابقة، و العدم المحمولي، أي عدم حدوث الفرد الباقي مثبت، لأن لازمه عقلا هو حدوث الفرد الزائل الذي لازمه القطع بارتفاع الكلي.

و ثالثا: لأنّ أصالة عدم حدوث الفرد الباقي معارض بأصالة عدم حدوث الفرد الزائل.

نعم، أنكر الشيخ النائيني كون الاستصحاب هاهنا من القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي، لأن اختلاف الملك بكونه مستقرا و متزلزلا، ليس لعروض خصوصيتين على الملك بكونه مستقرا و متزلزلا، بل الاختلاف يكون بنفس الارتفاع و البقاء، من جهة أن تنوّعه بنوعين ليس باختلاف سبب الملك و لا باختلاف حقيقته و ماهيته، من غير جهة أن أحدهما يرتفع بالفسخ و الآخر لا يرتفع.

فإذا كان الأمر كذلك و كان تنوعه بنفس اللزوم و الجواز، فينتفى أحد ركني الاستصحاب على أي حال، لأن أحد النوعين أي الجائز مقطوع الارتفاع، و الآخر أي اللازم مشكوك الحدوث من أول الأمر.

و بعبارة أخرى: فإنه بناء على ما ذكر ليس في البين إلّا ملكية واحدة مرددة بين أنّ الشارع حكم بلزومها أو حكم بجوازها بواسطة

43

اختلاف أسبابها، فمع قطع النظر عن حكم الشارع باللزوم و الجواز لا تعدد و لا تنوع كي يقال بأن الجامع كان متيقن الوجود فصار مشكوك البقاء، بل ملكية واحدة لم يعلم أنّ الشارع حكم عليها باللزوم أو الجواز.

فليس الجامع هاهنا من قبيل الكلّي الذي له وجود بوجود هذا الفرد، و له وجود آخر بوجود الفرد الآخر، كما هو الشأن في الكلي الطبيعي في الموارد الآخر، بل هاهنا يشبه الفرد الشخصي المردد بين كونه كذا و بين كونه كذا.

فالشك في البقاء فيه يرجع إلى أنّ هذا الكلي الذي حكم عليه الشارع بالبقاء أو بالزوال هل هو باق أم لا، و معلوم أنّ هذا الكلي الذي إما باق أو زائل على كلّ واحد من التقديرين ليس قابلا للإبقاء، لأنه على تقدير الزوال ممتنع البقاء، و على تقدير البقاء يكون إبقاؤه تعبدا من قبيل تحصيل الحاصل بل أسوأ منه، لأنه يكون من تحصيل ما هو حاصل بالوجدان بالتعبد، و لا يقاس بالكلي الذي له فردان: باعتبار إضافة خصوصية إلى الطبيعة يحصل فرد منها، و بإضافة خصوصية أخرى بدل الأولى يحصل فرد آخر، لأن هناك للطبيعة وجودين، وجود منضم إلى هذه الخصوصية، و وجود آخر منضم إلى خصوصية أخرى.

فالشك في أن الخصوصية المنضمة إلى الطبيعية أية واحدة من الخصوصيتين موجب للشّك في بقاء الطبيعة، لأن مرجع الشك الأول إلى أنه هل الجامع بين الوجودين وجد في ضمن وجود الفرد الزائل كي يكون زائلا أو وجد في ضمن وجود الفرد الباقي كي يكون باقيا، فيكون شكا في بقاء ذلك الجامع الذي نسميه بالكلي.

و فيما نحن فيه ليس للملكية وجودان أحدهما في ضمن الذي حكم عليه الشارع بالبقاء، و الآخر في ضمن الذي حكم عليه‏

44

بالزوال، بل وجود واحد إما حكم عليه بالبقاء أو بالزوال، فالاستصحاب مرجعه إلى أنّ هذا الوجود الباقي باق أو هذا الوجود الزائل باق، و كلاهما محالان، كما بينا وجهه.

و هذا الكلام، أي كون الملكية مستقرة أو متزلزلة ليس باعتبار اختلاف في حقيقة الملك، بل إنما هو باعتبار حكم الشارع في بعض المقامات عليه بالزوال برجوع المالك، و في بعض المقامات الآخر بعدم الزوال بالرجوع، و منشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملك، لا اختلاف حقيقة الملك، فجواز الرجوع و عدمه من الأحكام الشرعية للسبب، لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبب، و الذي أخذه الشيخ النائيني من الشيخ الأنصاري (قده) فإن الشيخ الأنصاري علّل بهذا صحة جريان الاستصحاب، و لكن الشيخ النائيني علل به عدم صحة جريانه، و التوفيق بين الكلامين، أنّ الشيخ النائيني أراد به عدم جريان استصحاب الكلّي، و الشيخ الأنصاري أراد صحة استصحاب الشخصي و أنه ليس من الكلي و لا من الفرد المردّد، و كلا القولين في غاية القوّة و المتانة.

أما الأول أي عدم جريان استصحاب الكلي فقد تقدم وجهه فلا نعيد، و أما القول الثاني أي كون هذا الاستصحاب شخصيا و أنه ليس من الفرد المردّد، فلا مانع من جريانه، فلأن الملكية الحاصلة من العقد أو من المعاملة الخارجية شخصي لا تعدد فيها على الفرض، لان المفروض أن اللزوم أو الجواز من الأحكام الشرعية للسبب، لا من خصوصيات المسبب.

فالسبب باق على النحو الذي أنشأ و وجد في عالم الاعتبار، أي على تشخصه و تفرده، فبواسطة الشك في أن الشارع حكم باللزوم و عدم الرجوع أو الجواز و رجوع المال إلى مالكه الأول يشك في بقائه فيستصحب، لتمامية أركانه من اليقين بوجود الملكية الشخصية

45

و الشك في ارتفاعها بواسطة الشك في حكم الشارع باللزوم أو الجواز.

نعم يبقى شي‏ء، و هو دليل أن الملكية المنشأة واحدة لا تعدد فيه، و ذلك بعد أن فرضنا أن الجواز و اللزوم ليسا من خصوصيات الملك المسبب، بل من الأحكام الشرعية للسبب المملّك، و أيضا بعد أن المفروض أن المنشئ أنشأ بإنشاء واحد ملكية شي‏ء واحد كليا كان ذلك الشي‏ء أو كان جزئياً خارجيا ممتنع الصدق على كثيرين، فبإنشاء واحد على متعلق واحد لا يمكن جعل ملكيتين، بل لا يمكن ذلك و لو كان بإنشاءات متعددة، إذ باعتبارات متعددة لو اعتبر حرية شخص أو رقيته أو ملكية مال لا يحصل إلّا حرية أو رقية أو ملكية واحدة، و ذلك من جهة أنّ اعتبارها ثانيا بعد حصولها لغو، بل محال، لأنه من قبيل تحصيل الحاصل، فإذا باع المالك ماله- مثلا- و أنشأ ملكية لزيد- مثلا- فلا أثر لإنشاء ملكية له ثانيا بل لا يمكن.

و خلاصة الكلام: أنّ البائع مثلا أنشأ شخصا من الملكية يكون تشخيصها بتشخص متعلقها و موضوعها، فيكون إنشاء طبيعة في عالم الاعتبار كإيجادها في التكوين، و حيث أن متعلق ذلك الأمر الاعتباري شخص واحد، فقهرا يتشخّص بتشخّصه، كالعرض بموضوعه، و كونها مرددة بين اللزوم و الجواز تقدّم أنه ليس من الخصوصيات اللاحقة لها، فثبت أن الملكية المنشأة شخص واحد لا تعدد فيه، فلا مانع من استصحاب ذلك الشخص بعد حصول الشك في بقائه من ناحية الشك في الحكم الشرعي ببقائه أو لزومه.

فخلاصة الكلام في المقام: أنه إن قلنا بأن اللزوم و الجواز من الخصوصيات اللاحقة للملكية المنوّعة أو المصنّفة لها أو لحوقهما

46

لها كل واحد منهما لخصوصية فيها غير الخصوصية الأخرى فيجري فيها استصحاب الكلي الجامع بينهما كسائر الاستصحابات التي من القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي على ما هو الصحيح من صحة جريانها، و أما إن قلنا بأنهما ليسا من الخصوصيات المنوّعة أو المصنفة للملكية، بل هما حكمان شرعيان لها باعتبار اختلاف أسبابها، فيجري فيها الاستصحاب الشخصي، كما تقدم.

ثم إنه ذكر الشيخ الأنصاري: أنه لو شك في أن اللزوم و الجواز من الملك، أو حكمين شرعيين يتعلقان بالملك باعتبار اختلاف أسبابه أيضا، يجري الاستصحاب، و ما ذكره واضح على ما ذكرنا، لأنه بناء على كونهما من خصوصيات الملك يكون الاستصحاب من القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، و يكون من قبيل الحدث المردد بين الأصغر و الأكبر فيتوضأ، فإن كان الأصغر ارتفع و إن كان الأكبر فباق، فيستصحب الجامع بينهما.

و فيما نحن فيه بناء على أن يكونا أي اللزوم و الجواز من خصوصيات الملك، فبعد الفسخ إن كان جائزا فقد ارتفع، و إن كان لازما فالملك باق، فيستصحب الملك الكلي الجامع بين الخصوصيتين، و أما بناء على كونهما حكمين شرعيين يردان على الملك باعتبار اختلاف أسبابه، فيستصحب شخص الملكية المنشأة من جهة الشك في ارتفاعها بعد ثبوتها يقينا، فلا إشكال على كل واحد من التقدير في جريان الاستصحاب و تمامية أركانه، غاية الأمر في أحد الفرضين يكون الاستصحاب كليا، و في الآخر يكون شخصيا.

و لا يتوهم أنه بناء على ما ذكرنا، و تقدم في أوّل بحث جريان الاستصحاب أنّ استصحاب الشخص لا يجري، لأن مرجعه إلى‏

47

الفرد المردّد، و هو لا يجوز فقولكم إنه يجري على كلا الفرضين مناقض لما تقدم، و ذلك من جهة أن قولنا بعدم جريان الاستصحاب الشخصي و أنه من استصحاب الفرد المردّد كان مبنيا على أن يكون اللزوم و الجواز من الخصوصيات المنوعة للملك، و أما إذا كانا من الأحكام الشرعية التي جعلها باعتبار اختلاف الأسباب كما هو المفروض في محل الكلام، فلا مانع من جريان الاستصحاب الشخصي، فلا مناقضة بين الكلامين.

- الاستصحاب المسببي:

و يعني استصحاب الحكم الشرعي نفسه، و يسمي (الأصل المسببي) لأنه يعالج المشكلة في مرحلة الحكم الذي هو بمثابة المسبب شرعا للموضوع.

- راجع: الاستصحاب السببي‏

: استصحاب الكلي‏

- الاستصحاب الموضوعي:

و يراد به استصحاب موضوع من مواضيع حكم ما، كاستصحاب حياة زيد، و كرّيّة الماء لترتيب الحكم.

* و بمثال أوضح نقول إذا شك في بقاء طهارة الماء فإنه يستصحب بقاء الطهارة، و هذه الطهارة موضوع للحكم بجواز شربه فيترتب جواز الشرب على الاستصحاب الموضوعي، لأنه ينقّح موضوع هذا الأثر الشرعي.

** يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يبنى على أنه من شعبان فلا يجب صومه و أن صام ينويه ندبا أو قضاء أو غيرهما.

48

و على الجملة لا ينبغي التأمل في صحة الصوم في يوم الشك و أنه مشروع في حد نفسه، للنصوص المتواترة، و الممنوع هو صومه بعنوان رمضان، فلا تقاومها الروايات المانعة من صومه، فإن كانت قابلة للتأويل، فهو إلا فلتطرح، أو تحمل على التقية.

بل يمكن أن يقال إن الصحة هي مقتضى الاستصحاب الموضوعي أيضا أعني أصالة بقاء شعبان، و عدم دخول رمضان، فالحكم مطابق للقاعدة، حتى و أن لم ترد رواية أصلا.

كيف و الروايات الصريحة في الجواز كافية و وافية ....

- راجع: الأصل الموضوعي‏

- الاستصحاب النعتي:

و هو ما كان الاستصحاب فيه للصفة.

- راجع: الاستصحاب العدمي‏

: استصحاب الكلي‏

- الاستصحاب الوجودي:

و يراد به استصحاب ما كان موجودا في السابق و شكّ في بقائه.

- الاستعمال:

و يعني إيجاد الشخص لفظا بقصد إخطار معناه في ذهن السامع.

* روى سالم الحناط عن الصادق (ع) أنه قال له: «ما عملك؟» قلت: «حناط». و ربما قدمت على نفاق، و ربما قدمت على كساد فحبست، قال: «فما يقول من قبلك فيه؟» قلت: «يقول‏

49

محتكر». فقال: «يبيعه أحد غيرك؟» قلت: ما أبيع أنا من ألف جزء جزء، قال: «لا بأس، إنما كان ذلك رجل من قريش يقال له حكيم بن حزام، و كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله، فمرّ عليه النبي (ص) فقال: يا حكيم بن حزام إياك أن تحتكر».

و قد ردّ بعض الفقهاء أن يكون لفظ (إياك) ظاهر في التحريم، و ذلك لأن (إياك) يراد منها التحذير، المستعمل كثيرا في المكروه، لأن المنع أعم من التحريمي و التنزيهي.

و إن كان هناك من ناقش في صحة استعمال كلمة (إياك) في المكروه الاصطلاحي بحيث يكون هذا الاستعمال بالغا درجة يصرفها عن معناها الحقيقي.

- راجع: الحرمة

- الاستعمال الحقيقي:

- و هو استعمال اللفظ في معناه الموضوع له.

- استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له الذي قامت بينه و بين اللفظ علاقة لغوية بسبب الوضع.

- راجع: الدلالة التصديقية

- الاستعمال المجازي:

و هو استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي بل استعمل في غيره مناسب له.

- راجع: المجاز

- الاستقراء:

و هو عبارة عن تصفّح الجزئيات لإثبات الحكم الكلي.

50

* يجب على المرتد قضاء ما فاته من أيام ردّته، سواء كان عن ملة أو فطرة.

و قد وقع الخلاف بين الفقهاء في الدليل على شموله لكل مرتد و إن كان قاصرا.

و قد استدل بعضهم بصحيح الحلبي عن الصادق (ع): «إذا كان على الرجل شي‏ء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتالية، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، و ليحص الأيام فإن فرّق فحسن، و إن تابع فحسن».

و على كل حال، فقد نوقش في معظم الروايات التي استدل فيها على المطلوب، و لذلك ربما استفاد بعضهم الكلية من مجموع ما ورد في وجوب القضاء على من أفطر متعمدا، و على المريض و الحائض و النفساء و المسافر و ناسي الجنابة، و غيرهم من المعذورين في الإفطار و غيرهم.

اللهم إلّا أن يعارض ذلك بما دلّ على نفي القضاء في بعض الموارد، مضافا إلى أن الاستقراء المذكور لا يصلح للدلالة على وجوب القضاء على من لم يصم و إن لم يفطر.

اللهم إلّا أن يقال: نصوص القضاء ظاهرة في علّية الفوت للقضاء، و إن كان لمحض ترك الصوم، و إن لم يصدق الإفطار، فلا ينافي ثبوت التخصيص لها في بعض الموارد.

و ربما استدل على عموم القضاء بقوله تعالى: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة: 185]، لظهوره في تعليل وجوب القضاء على المريض و المسافر فيؤخذ بعمومه في غير مورده.

51

- الإشارة:

هي غير المقصود للمتكلم. و بكلمة أوضح هو الثابت بنفس الصيغة من غير أن يسبق له الكلام.

و مثاله: مجموع قوله تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: 15]، و قوله تعالى: وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏ [لقمان:

14]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، و إن لم يكن مقصودا من اللفظ.

- إشارة النص (الحنفية):

و هي دلالة الكلام على معنى غير مقصود أصالة و لا تبعا، و لكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام لإفادته.

مثاله: قوله تعالى: وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَ‏ [البقرة:

233]، سيق لإثبات النفقة.

و فيه إشارة إلى أن النسب إلى الآباء.

* و ذلك بدلالة اللفظ على حكم غير مقصود مباشرة من اللفظ، و لا سيق النص له، و لكنه لازم للحكم الذي سيق الكلام لإفادته، و ذلك كما في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ [النساء: 3]، فإنه يفهم بالإشارة أن العدل في المعاملة الزوجية واجب دائما، سواء أ كان متزوجا واحدة أم أكثر، كما يفهم منها بالإشارة أن ظلم الزوجة حرام مطلقا.

52

- الاشتراك اللفظي:

هو تعدد المعاني الحقيقة للفظ واحد في لغة واحدة. مثل (العين) و (القروء)، الأول لنبع الماء و الجاسوس و عين الإنسان، و الثاني للطهر و الحيض.

- الاشتراك المعنوي:

هو تعدد أفراد المعنى الحقيقي الواحد للفظ الواحد.

و مثاله لفظ (المولى) فإن معناه في الأصل الناصر، ثم استعمل للسيد و العبد.

- الاشتغال:

(انظر أصالة الاشتغال)

- أصالة الاحتياط:

و تعني اشتغال ذمة الإنسان بالتكليف المحتمل.

(انظر أصالة الاشتغال)

- أصالة الاشتغال:

و هو أصل يحكم به العقل و مفاده:

أن كل تكليف يحتمل وجوده و لم يثبت إذن الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجّز و تشتغل به ذمة المكلف.

* في تحديد الزمان الذي يصح فيه الصوم اعتبر النهار زمانا له، و مبدؤه طلوع الفجر الثاني و وقت الإفطار، و هو سقوط القرص، أو ذهاب الحمرة من الشرق. و يجب الإمساك من باب المقدمة العلمية في جزء من الليل في كل من الطرفين ليحصل العلم‏

53

بإمساك تمام النهار. و إنما وجب الإمساك من باب المقدمة لحكومة العقل بلزوم إحراز الامتثال بعد تنجز التكليف و وصوله فإن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فلا يكفي باحتمال الامتثال، بل لا بد من الجزم به المتوقف على دخول جزء من غير الواجب و ضمه إلى الواجب ليحصل بذلك الجزم بتحقيق المأمور به، و لأجل ذلك يحكم بوجوب ضم مقدار من خارج الحد في غسل الوجه و اليدين في الوضوء مثلا.

و عليه يبتني وجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي في الشبهات التحريمية، و وجوب الاتيان بها في الشبهات الوجوبية، و عليه فهذه الكبرى- أي حكم العقل- بوجوب المقدمة العلمية من باب الاحتياط، و تحصيلا للجزم بالامتثال مما لا غبار عليها.

- أصالة الإطلاق:

و هو أصل يقتضي حمل الكلام على الإطلاق، و مورده في ما إذا ورد لفظ مطلق له حالات و قيود يمكن إرادة بعضها و شكّ في إرادة هذا البعض.

(انظر: قرينة الحكمة)

- راجع: الإطلاق‏

- أصالة البراءة الشرعية:

عبارة عن حكم الشارع بعدم التكليف الفعلي أو بالإباحة و الرخصة في فعل أو ترك، شكّ في حكمه الواقعي.

* لو استدان زيد من عمرو مبلغا سجّلاه في دفترهما عند الاستدانة ثم ضاع الدفتر و نسيا المبلغ، و تردد بين الأقل و الأكثر، فإن المرجع هو البراءة عن المقدار الزائد على المتيقن، مع أن الزائد

54

على تقدير ثبوته كان منجزا سابقا لغرض العلم في فرض الاستدانة، و ذلك لأن المانع من الرجوع إلى البراءة إنما هو احتمال التكليف المنجز فعلا، لا ما كان منجزا سابقا.

** من مات قبل الحج و استقر في ذمته قضي عنه من الميقات على رأي، و ذلك لأصالة البراءة من الزائد، و لأن الواجب هو الحج عنه، و الطريق لا دخل لها في حقيقته.

و لا يقال: إن سلوك الطريق و قطعها واجب من باب المقدمة و توقفه على مئونة فيجب قضاؤها عنه، فإنه يندفع بأن مقدمة الواجب إذا لم تكن مقصودة بالذات لا تجب و هو هنا كذلك، و لذلك فانه لو سافر إلى الحج لا بنيته، أو مجنونا ثم كمل قبل الإحرام، أو آجر نفسه في الطريق لغيره و غير ذلك، ثم بدا له بعد الوصول إلى الميقات الحج أجزأه.

و قد ادعى ابن إدريس تواتر الأخبار على وجوب الحج عنه من بلده.

- راجع: العلم الإجمالي‏

: الإجماع‏

- أصالة البراءة العقلية:

عبارة عن حكم العقل بعدم استحقاق العقوبة على ما شكّ في حكمه و لم يكن عليه دليل، و ذلك لأن العقاب على التكليف المشكوك قبيح عقلا، و عليه قامت قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و التي ترجع بروحها إلى تضييق دائرة حق طاعة اللّه تعالى و اختصاص مولويته بالتكاليف التي وصل إلينا بيانها بالقطع و اليقين.