الطلب والإرادة

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
100 /
1

[هوية الكتاب‏]

الطّلب و الارادة تأليف الامام الخمينى مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى‏

2

اسم الكتاب: ... الطلب و الإرادة*

* المؤلف: ... الإمام الخميني (قدس سره)*

* تحقيق و نشر: ... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

* سنة الطبع: ... بهار 1379- 1421*

* الطبعة: ... الاولى*

* المطبعة: ... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ... 3000 نسخة*

* السعر: ... 2700 ريال*

جميع الحقوق محفوظة للناشر

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مقدمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه الذي أوضح لعباده دلائل معرفته، و أنهجهم سبيل هدايته، و أبان لهم طريق توحيده و حكمته، و بعث إليهم أنبياءَ و أولياء جعلهم سفراءه يدعونهم إلى طاعته، و يحذرونهم من معصيته، و صلّى اللَّه على خاتم أنبيائه و سيّد أصفيائه محمّد و على أهل بيته الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعداء اللَّه أجمعين. و بعد ... إنّ البحث في مسألة الجبر و التفويض كان و لا يزال من أصعب المباحث الكلامية و العُقد الفلسفية، التي تهرّب أكثر الحكماء أو حاولوا الابتعاد- ما أمكنهم- عن الخوض في مساربها و الغور في أعماقها، بل أشاروا إليها من بعيد بتفصيّات تخرجهم من تلاطمات هذه المسألة إلى‏ سواحل ظنوا أنّها آمنة. فلم يسيروا غورها، و لم يصطادوا لئالئها المكنونة في أعماقها السحيقة، بل اكتفوا بطرح الآراء التي تتعب المتفصي لها و ترهقه لكثرتها و تشعّبها، لأنّها قد تكون بنفس عدد الحكماء الذين بحثوا في هذه المسألة.

6

و الأصعب من ذلك كلّه، أنّ كلّ حكيم و فيلسوف و متكلّم كان ينسب إلى رأيه السداد و لما أورده الدقّة و الصواب، و يضعّف رأي الذين سبقوه، رغم أنّ بحوثهم في مسألة الجبر و التفويض لم تتعدَّ القشور لتدخل اللب، و أنّما بقيت طافحة ممّا زاد في حيرة المتتبّع و لم ترشده إلى ساحل الأمان. إلى أن جاء المفسّر للقرآن الكريم و السنّة النبوية الشريفة، الإمام الذي طأطأت له الصعاب و خضعت له الغوامض فدخلها من أعرض أبوابها إلى أعمق أعماقها. و حين اتضحت له دواخلها و بانت له مسالكها و سلست له صواعبها، أمطرها بوابل أدلّته، و ألحفها بقوة بيانه؛ لما يتمتّع به من ذوق عرفاني و مشاهدات يقينية. فهو (قدس سره) بعد ما وصل بحثه في تدريس اصول الفقه إلى مسألة الطلب و الإرادة، أبان الغامض منها في عقل رشيد و رأي سديد، بما يفسّره من كلام اللَّه المجيد و الأحاديث النبوية الشريفة، مع نقد خالٍ من التجريح، و ردّ يربو عن التقريح لآراء الذين سبقوه من المتكلّمين و الفلاسفة و العرفاء الإسلاميين ببيان ساطع و برهان قاطع، قلّ نظيره على مدى القرون السالفة، أردفه بما يوافق الذوق العرفاني حذراً من شيوع الأسرار الإلهية عند غير أهلها. و الآن أيّها القارئ الكريم نضع بين يديك مخلصاً لآراء الحكيم‏

7

العارف الإمام الخميني (قدس سره) لتتأمّل في براهينه، و تستمدّ من نور روحانيته الظلّية لروحانية النبيّ الأكرم و الأئمة الأطهار، حتى تظهر لك مسألة الأمر بين الأمرين جليّة ناصعة على طريق أهل اللَّه، عندها ينقطع عنك الشكّ لتدخل في أمان اليقين، فتتحلّى بما يتحلّى به السالك من الرضا و التسليم.

مراحل تحقيق الكتاب‏

1- لقد فقدت النسخة الأصلية من الكتاب، و ليس بأيدينا من الكتاب إلّا ما كتبه تلامذة الإمام الراحل و استنسخوه من النسخة الأصلية، و لقد قابلنا هذه النسخ ببعضها و أسقطنا بعض المتفرّدات و أثبتنا الأكثر، و النسخ المعتمدة لدينا هي للآيات العظام و حجج الإسلام- أدام اللَّه ظلّهم-: أ- الشيخ محمّد الموحّدي الفاضل اللنكراني. ب- الشيخ محمّد مهدي الگيلاني. ج- السيّد أحمد الفهري (و هي نسخة مطبوعة في حياة المؤلّف (رحمه الله). د- الشيخ محمّد علي الگرامي. ه- السيّد محمّد علي الموسوي.

8

و ليعلم أنّ النسخة الثانية كانت كثيرة الاختلاف مع باقي النسخ الاخرى، ممّا اضطرنا إلى تركها في كثير من المواضع، و إن كان نصّه أقوّم كالمبيضّة بالنسبة إلى المسودّة. و الظاهر أنّ المستنسخ قد صحّح المتن حيث كتب: «قد استنسخت هذه الدرّة اليتيمة من النسخة كثيرة التصحيف و الغلط مع إصلاح منّي على سعة المجال حين الاستنساخ»، لكن هذه النسخة ستطبع مع تعليقات علمية من مستنسخه دام ظلّه في القريب العاجل. 2- جعلنا للمتن علامات الترقيم المتعارفة. 3- استخرجنا مآخذ الآيات و الأحاديث و الأقوال المصرّحة و غير المصرّحة. 4- أضفنا إلى الكتاب بعض العناوين المفيدة و الفهارس الفنية حتّى يسهل الرجوع إليها. و من اللَّه العظيم نستمدّ العون و السداد. مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) فرع قم المقدّسة

9

الطّلب و الارادة

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه ربّ العالمين، و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. و بعد، فلمّا انتهى بحثنا في اصول الفقه إلى مسألة الطلب و الإرادة، المنتهية إلى مسألة الجبر و التفويض أردنا أن نتركها لأهلها و محلّها؛ لعدم إمكان أداء حقّها- كما هو- في هذه المظانّ؛ لكثرة مقدّماتها، و دقّة مطالبها، و بُعدها عن أفهام الأكثر. إلّا أنّ إصرار بعض المولّعين بتنقيح المباحث ألجأني إلى التعرّض لبعض أطراف المسألة ممّا يناسب المقام، و الإشارة إلى ما هو التحقيق ممّا ساق إليه البرهان، من غير ذكر البراهين غالباً؛ إيكالًا إلى العلم الأعلى المعدّ لتحقيق هذه المباحث. و لمّا رأيت أنّ المسألة مع ذلك صارت طويلة الذيل أفرزتها من بين المباحث رسا مفردة، مشتملة على مقدّمة و مطالب.

12

اعلم: أنّ مبنى الاختلاف في الطلب و الإرادة هو الاختلاف في الكلام النفسي، و مبنى ذلك هو اختلاف أصحاب الكلام في أوصاف الواجب تعالى شأنه. فذهبت الأشاعرة (1) إلى جانب الإفراط بإثبات صفات قديمة زائدة على ذاته تعالى، قائمة بها؛ قياماً حلولياً ثابتة لها في الأزل، و المعتزلة (2) إلى جانب التفريط من نفي الصفات عنه تعالى؛ قائلين: إنّ ذاته نائبة مناب الصفات، من قبيل «خذ الغايات، و اترك المبادي».

____________

(1)- شرح المقاصد 4: 69- 77، انظر شرح المواقف 8: 44- 49.

(2)- شرح الاصول الخمسة، القاضي عبد لجبّار: 182- 213، الأصل الأوّل، فصل 27، كشف المراد: 296.

13

و القول‏ (1) الفحل الوسط هو إثبات الصفات المتّحدة مع الذات؛ لأنّ صرف الوجود صرف كلّ كمال و جمال، لا تشذّ عنه حيثية كمالية، بل يرجع كلّ كمال و جمال إلى حقيقة الوجود بحسب الخارج، و إلّا يلزم الأصلان أو الاصول، و التركيب في ذاته، و الخلف في صرافة الوجود، و الإمكان في الوجود الواجبي، إلى غير ذلك ممّا يطول ذكرها و ذكر البراهين عليها.

[في وصف المتكلّم‏]

و لمّا انتهى بحثهم إلى الكلام طال التشاجر بين الفريقين- و لعلّ تسميتهم بالمتكلّمين لذلك- فذهبت المعتزلة (2) و متكلّموا الإمامية (3) إلى أنّ توصيف الباري بالمتكلّم لأجل إيجاده الكلام في شي‏ء مثل شجرة موسى (عليه السلام)، أو نفس نبيّ، أو ملك. و قال بعض أهل التحقيق‏ (4): إنّ إطلاقه عليه لقيام التكلّم به،

____________

(1)- الشفاء، الإلهيّات: 488- 496، الحكمة المتعالية 6: 120- 149.

(2)- شرح الاصول الخمسة، القاضي عبد لجبّار: 528- 563، المغني 7: 3- 62، كشف المراد: 289.

(3)- كشف المراد: 289، نهج الحقّ و كشف الصدق: 60.

(4)- انظر الحكمة المتعالية 7: 4، نهاية الدراية 1: 261- 268.

14

لا الكلام؛ قياماً صدورياً لا حلولياً، كما أنّ إطلاقه علينا أيضاً كذلك إلّا أنّ الفرق: أنّ إيجادنا بالآلة، دونه تعالى. و ذهبت الأشاعرة (1) إلى أنّ كلامه تعالى ليس من جنس الأصوات و الحروف، بل هو معنى قائم بذاته تعالى في الأزل، يسمّى الكلام النفسي، و هو مدلول الكلام اللفظي المركّب من الحروف، و منه الطلب القائم بنفسه، و هو غير الإرادة. و القول الحقّ الموافق للبرهان: أنّ إطلاق المتكلّم عليه تعالى ليس لذاك و لا لذا.

[فساد قول المعتزلة]

أمّا فساد قول المعتزلة: فلأنّ إحداث الكلام المتجدّد و المتصرّم بلا وسط مستلزم لمفاسد كثيرة، منها التجدّد في صفاته و ذاته، تعالى عنه. و قضية إيحاء الوحي و إنزال الكتب إلى الأنبياء و المرسلين (عليهم السلام) من العلوم العالية الربّانية التي قلّما يتّفق لبشر أن يكشف مغزاها كتكلّمه تعالى مع موسى (عليه السلام)، و لقد أشار إلى بعض أسرارها قوله تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ» (2)

____________

(1)- شرح المقاصد 44: 146- 147، شرح المواقف 8: 93.

(2)- الشعراء (26): 193- 194.

15

و قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (1) و قوله تعالى: «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏* وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏* ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏* فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏* ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏» (2) إلى آخره، فأشار إلى كيفية الوحي و نزول الكتاب بوجه موافق للبرهان، غير مناف لتنزيهه تعالى عن شوب التغيّر، و وصمة الحدوث. و لعمري إنّ الأسرار المودعة في هذا الكلام الإلهي المشير إلى كيفية الوحي، و دنوّ روحانيّة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى مقام «التدلّي»، و المقام المعبّر عنه ب «قاب قوسين»، و ما يشار إليه بقوله‏ «أَوْ أَدْنى‏» (3)، ثمّ تحقّق الوحي ممّا لم يصل إليه فكر البشر إلّا الأوحدي الراسخ في العلم بقوّة البرهان المشفوع إلى الرياضات و نور الإيمان. و المقصود: دفع توهّم كونه تعالى متكلّماً بإيجاد الكلام المتصرّم في شجرة أو غيرها، أو بقيام التكلّم به قياماً صدورياً،

____________

(1)- الواقعة (56): 77- 79.

(2)- النجم (53): 4- 11.

(3)- النجم (53): 9.

16

و الفرق بيننا و بينه: أنّ إيجادنا بالآلة و إيجاده بغيرها؛ فإنّ ذلك أيضاً ملازم للتصرّم و التغيّر في الصفات و الذات. و ما قرع سمعك من بعض أصحاب الحديث‏ (1) اغتراراً بظواهر بعض الأحاديث من غير الغور إلى مغزاها- من كون إرادته تعالى حادثة مع الفعل، و من صفات الفعل ممّا يدفعه البرهان المتين، جلّ جنابه تعالى أن يكون في ذاته خلواً عن الإرادة التي هي من صفات الكمال للموجود بما أنّه موجود، و كونه كالطبائع في فعله الصادر من ذاته؛ للزوم التركيب في ذاته، و تصوّر ما هو الأكمل منه، تعالى قدسه.

شكٌّ و دفع: [في وحدة إرادة اللَّه و علمه‏]

ربّما يقال‏ (2): إنّ إرادته تعالى لا يمكن أن تكون عين علمه تعالى؛ فإنّه يعلم كلّ شي‏ء، و لا يريد شرّاً و لا ظلماً و لا شيئاً من القبائح، فعلمه متعلّق بكلّ شي‏ء دون إرادته، فعلمه غير إرادته،

____________

(1)- انظر الكافي 1: 111- 112، التوحيد: 148، بحار الأنوار 4: 134- 147.

(2)- الكافي 1: 111- 112.

17

و علمه عين ذاته، فيجب أن تكون إرادته غير ذاته، فهو مريدٌ، لا بإرادة ذاتية (أزليّة- خ ل)، و عالم بعلم ذاتي. فيدفع بما في مسفورات أئمّة الفلسفة (1) بأنّ إفاضة الخيرات غير منافية لذات الجواد المطلق، بل اختيارها لازم ذاته، و كون إفاضة الخيرات مرضيّاً بها بحَسَب ذاته هو معنى إرادته، و وزانُ الإرادة المتعلّقة بالخيرات بالإضافة إلى العلم وزانُ السمع و البصر؛ فإنّهما عين ذاته تعالى مع أنّهما متعلّقان بالمسموعات و المبصرات. فذاته تعالى علم بكلّ معلوم، و سمع بكلّ مسموع، و بصر بكلّ مُبصَر. و كذلك الإرادة الحقّة مع كونها متعلّقة بالخيرات عين ذاته. و لنا مسلك آخر في دفعه نشير إليه إجمالًا، و التفصيل- كالبرهان عليه- موكول إلى محلّه، و هو: أنّ العلم الذي هو عين ذاته تعالى- و هو كشف تفصيلي في عين البساطة و الوحدة- حقيقته حقيقة الوجود الصرف الجامع لكلّ وجود بنحو الوحدة، و الكشفُ التامّ المتعلّق بتبع كشفه عن الأشياء إنّما هو كشف عن الوجود بما هو وجود بالذات.

____________

(1)- القبسات: 325، الحكمة المتعالية 6: 343- 344.

18

و جهات الشرور و النقائص- الراجعة إلى الأعدام- لا يمكن أن يتعلّق بذاتها العلم بالذات؛ لنقص فيها، لا في العلم. و إنّما يتعلّق العلم بها بوجه على جهة التبعيّة و بالعرض، كما أنّ الإرادة أيضاً متعلّقة بها كذلك، فوزان الإرادة بعينها وزان العلم في التعلّق الذاتي و العرضي. فما قيل‏ (1): من أنّ العلم يتعلّق بكلّ شي‏ء دون الإرادة غير تامّ، بل كلّما يتعلّق به العلم بالذات تتعلّق به الإرادة كذلك، و كلّما يتعلّق به بالعرض تتعلّق هي أيضاً به بالعرض. فتحصّل ممّا ذكر: أنّ الإرادة فيه تعالى من صفات الذات. نعم هذه الإرادة المتصرّمة المتجدّدة التي لنا منفيّة عنه تعالى، كما أنّ سائر الأوصاف بحدودها الإمكانية منفيّة عنه. و للأخبار الواردة (2) في المقام، الموهمة خلاف ما ذكرنا توجيه لطيف، لا يسع المقام ذلك. و بالجملة، فلا يمكن إثبات التكلّم له تعالى بما ذكره المعتزلة، و تبعه بعض الإمامية.

____________

(1)- تقدّم تخريجه في الصفحة 9، الهامش 1.

(2)- الكافي 1: 109- 110/ 1- 3 و 7، التوحيد: 146- 148/ 15- 19، و 336- 337/ 1- 4.

19

[فساد قول الأشاعرة]

كما أنّ ما ذهبت إليه الأشاعرة، من قيام صفات على ذاته- و منها الكلام- باطل؛ فإنّ القيام الحلولي مستلزمٌ للقوّة و النقص و التركيب، تعالى عنه. كما أنّ خلوّ الذات عن صفات الكمال مستلزم لذلك، و لكونه تعالى ذا ماهية، و لانقلاب الوجوب الذاتي إلى الإمكان، إلى غير ذلك من المفاسد. نعم، إنّه تعالى متكلّم بوجه آخر- حتّى في مرتبة ذاته- يعرفه الراسخون في الحكمة- و لو اطلق على ذلك الكلام النفسي لا مشاحة فيه- لكن الأشعري لا يستشعره، و أفهام أصحاب الكلام من المعتزلة و الأشاعرة بعيدة عن طور هذا الكلام، و الإعراض عنه أولى.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

المطلب الأوّل في المهمّ ممّا استدلّ به الأشعري على مطلوبه‏

و هو امور:

22

[الأمر الأوّل‏] [ثبوت الطلب نفسي في الأوامر الامتحانية]

منها (1): أنّ الطلب اللفظي قد يتحقّق من غير أن تكون الإرادة مبدأً له، كالأوامر الامتحانية و الإعذارية، و لا بدّ له من مبدأ، و ليس من الصفات النفسانية شي‏ء يصلح للمبدئية له إلّا الطلب النفساني القائم بالنفس، فإذا ثبت إمكانه في موردٍ فليكن كذلك في سائر الموارد، بل في مطلق الكلام؛ طلباً كان أو لا. و الجواب عنه: أمّا في الأوامر الامتحانية و الإعذارية فينا، فالمبدأ هو الإرادة. بيانه: أنّ كلّ فعل اختياري صدر منّا مسبوق بالتصوّر و التصديق بالفائدة بنحو. فإن كان موافقاً لتمايلات النفس و مشتهياتها، تشتاق إليه و بحسب اختلاف مراتب الملاءمة يشتدّ الاشتياق إليه، ثمّ بعد الاشتياق قد تختاره و تصطفيه فتعزم على‏

____________

(1)- شرح المقاصد 4: 149، شرح المواقف 8: 94.

23

إتيانه و تهمّ إليه فتحرّك الأعضاء التي تحت سلطانها نحوه فتأتي به. و إن لم يكن ملائماً لمشتهاها لكنّ العقل يرى أصلحية تحقّقه و إتيانه يحكم- على رغم مشتهيات النفس- بإتيانه، فتختار النفس وجوده و تعزم عليه و تهمّ و تحرّك الأعضاء كشرب الدواء النافع و قطع اليد الفاسدة، فإنّ العقل يحمل النفس على الشرب و القطع مع كمال كراهتها. فما في كلام القوم‏ (1)- من أنّ الإرادة هو الاشتياق الأكيد أو أنّ الاشتياق من مقدّماتها- ليس على ما ينبغي، بل ليس التصديق بالفائدة أيضاً من المقدّمات الحتمية، و لا يسع المقام تفصيل ذلك. ثمّ إنّ الأوامر الصادرة من الإنسان من جملة أفعاله الاختيارية الصادرة منه بمباديها. و الفرق بين الأوامر و النواهي الامتحانية و الإعذارية و بين غيرها ليس في المبادي و لا في معاني الأوامر و النواهي؛ فإنّها بما هي أفعال اختيارية محتاجة إلى المبادي من التصوّر إلى تصميم العزم و تحريك عضلة اللسان،

____________

(1)- شرح المنظومة، قسم الحكمة: 184، انظر كفاية الاصول: 86، و أجود التقريرات 1: 88، و نهاية الدراية 1: 279، و بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 27.

24

و الهيئة مستعملة في كليهما استعمالًا إيجادياً؛ أي تكون مستعملة في البعث إلى المتعلّق أو الزجر عنه، و إنّما الفارق بينهما بالدواعي و الغايات، فالداعي للأوامر الغير الامتحانية و ما يكون باعثاً للآمر و غاية له هي الخاصية المدركة من المتعلّقات، فالداعي إلى الأمر بإتيان الماء للشرب هو الوصول إلى الخاصية المدركة، و أمّا الداعي إلى الأوامر الامتحانية و الإعذارية فهو امتحان العبد و اختباره أو إعذار نفسه. فما ذهب إليه الأشعري من أنّ المبدأ لها ليست الإرادة (1)، إن كان مراده إرادة الفعل الصادر من المأمور فهو صحيح لكن في الأوامر الغير الامتحانية أيضاً لا تتعلّق الإرادة بالفعل الصادر من المأمور، لأنّ فعل الغير ليس متعلّقاً لإرادته، و إن كان مراده إرادة بعث الغير إلى الفعل فهي حاصلة في الأوامر الامتحانية و الإعذارية أيضاً، إلّا أنّ الدواعي مختلفة فيها و في غيرها كما أنّ الدواعي في مطلق الأوامر مختلفة. و بالجملة: ما هو فعل اختياري للآمر هو الأمر الصادر منه و هو مسبوق بالمبادي الاختيارية سواء فيه الأوامر الامتحانية و غيرها. هذا كلّه في الأوامر الصادرة من الموالي العرفية. و أمّا

____________

(1)- تقدّم تخريجه في الصفحة 11، الهامش 2.

25

الأوامر و النواهي الإلهية ممّا أوحى اللَّه إلى أنبيائه، فهي ليست كالأوامر الصادرة منّا في كيفية الصدور و لا في المعلّلية بالأغراض و الدواعي؛ لأنّ الغايات و الأغراض و الدواعي كلّها مؤثّرات في الفاعل و يصير هو تحت تأثيرها و هو غير معقول في المبادي العالية الروحانية فضلًا عن مبدأ المبادي جلّت عظمته؛ لاستلزامه للقوّة التي حاملها الهيولى، و تركّب الذات من الهيولى و الصورة و القوّة و الفعل و النقص و الكمال و هو عين الإمكان و الافتقار تعالى عنه، فما هو المعروف بينهم «أنّه تعالى يفعل للنفع العائد إلى العباد» (1)، مشترك في الفساد و الامتناع مع فعله للنفع العائد إليه. و لا يلزم ممّا ذكرنا، أن يكون فعله لا لغرض و غاية فيكون عبثاً؛ لأنّ الغاية في فعله و هو النظام الأتمّ التابع للنظام الربّاني هو ذاته تعالى، و الفاعل و الغاية فيه تعالى واحد لا يمكن اختلافهما، لا بمعنى‏ كونه تعالى تحت تأثير ذاته في فعله، فإنّه أيضاً مستحيل لوجوه، بل بمعنى‏ أنّ حبّ ذاته مستلزم لحبّ آثاره استجراراً و تبعاً لا استقلالًا و استبداداً، فعلمه بذاته علم بما عداه في مرتبة ذاته،

____________

(1)- انظر كشف المراد: 306، و نهج الحقّ و كشف الصدق: 89، و شرح المواقف 8: 203.

26

و علّة لعلمه بما عداه في مرآة التفصيل، و حبّه بذاته كذلك، و إرادته المتعلّقة بالأشياء على وجه منزّه عن وصمة التغيّر و التصرّم لأجل محبوبية ذاته و كونها مرضيّة، لا محبوبيّة الأشياء و كونها مرضيّة استقلالًا، و إلى ذلك أشار الحديث القدسي المعروف:

«كُنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن اعرف فخلقتُ الخلقَ لِكي اعرف»

(1) فَحُبّ ظهور الذات و معروفيتها حبّ الذات لا الأشياء. و ليعلم أنّ إيحاء الوحي و إنزال الكتب و إرسال الرسل جزء من النظام الأتمّ الكياني التابع للنظام الأجمل الربّاني، و كيفية تعلّق الإرادة بها ككيفية تعلّقها بالنظام الكياني بنحو التبعيّة و الاستجرار للنظام الربّاني؛ أي حضرة الأسماء و الصفات و هي الكنز المخفيّ المحبوب بالذات، و المحبّ و المحبوب و الحبّ عين الذات. فتحصّل ممّا ذكرنا وهن تمسّك الأشعري لإثبات مطلوبه بالأوامر الامتحانية؛ فإنّه مع ما عرفت بطلانه لو فرض كلام نفسي و طلب نفسي لنا فيها، لا يمكن تصوّره في ذات القيّوم الواجب جلّ و علا، و هل هذا إلّا قياس الحقّ بالخلق، و التراب و ربّ الأرباب،

____________

(1)- الفتوحات المكّيّة 2: 112، جامع الأسرار: 102، بحار الأنوار 84: 199.

27

و لعلّ النملة ترى‏ أنّ لِلَّه تعالى زبانيتين‏ (1). كما اتّضح وهن كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله)(2)؛ من أنّه ليس في الأوامر الامتحانية إرادة حقيقية و لا طلب حقيقي بل فيها إرادة إنشائية و طلب إنشائي؛ فإنّه- مضافاً إلى‏ ما عرفت- يرد عليه أنّه لا معنى‏ محصّل للإرادة الإنشائية، بل لا معنى‏ للوجود الإنشائي و الاعتباري للحقائق المتحقّقة كالسماء و الأرض و الإنسان. نعم، يعتبر العقلاء اموراً لا حقيقة لها لمسيس الحاجة إليها كالزوجية و الملكية و سائر الاعتباريات، فليس للإرادة و الطلب فرد حقيقي و فرد انشائي.

____________

(1)- الأربعون حديثاً، الشيخ البهائي: 81، الرواشح السماويّة: 133، علم اليقين 1: 74.

(2)- انظر كفاية الاصول: 65- 66.

28

[الأمر الثاني‏] [حول تكليف الكفّار]

و من متمسّكات الأشاعرة (1) لإثبات اختلاف الطلب و الإرادة أنّه يلزم بناءً على اتحادهما في تكليف الكفّار بالإيمان بل مطلق أهل العصيان إمّا أن لا يكون تكليف جدّي و هو فاسد بالضرورة، أو تخلّف مراد اللَّه تعالى عن إرادته و هو أفسد، و حيث لا بدّ في هذه التكاليف من مبدأ و لا يمكن أن يكون الإرادة، و ليس شي‏ء آخر مناسباً للمبدئية غير الطلب، فهو مبدأ. و بعبارة اخرى‏ لو كانت الإرادة الواجبة مبدأ للطلب اللفظي لزم حصول المطلوب بالضرورة لامتناع تخلّف مراده تعالى عن إرادته. و لمّا رأينا التخلّف علمنا أنّ المبدأ غيرها، و لم يكن غير الطلب صالحاً لها فهو المبدأ فيكون في سائر الموارد أيضاً كذلك. و أجاب المحقّق الخراساني (رحمه الله)(2) عنه بكلام مجمل ثمّ أردفه‏

____________

(1)- المطالب العالية 8: 11- 19.

(2)- انظر كفاية الاصول: 67- 69.

29

ب «إن قلت قلت»، حتّى انتهى الأمر إلى عويصة الجبر و التفويض، و أجاب عنها بما يزيد الإشكال، فلا محيص عن طرح المسألة على ما هي عليها و بيان الحقّ فيها إجمالًا فيتمّ الكلام في ضمن فصول:

فصل: في عنوان المسألة

إنّ المسألة بما هي معنونة في مسفورات أهل الكلام فرع من فروع أصل المسألة العقليّة و نطاق البحث العقلي أوسع منه بل من بين السماء و الأرض كما سيتّضح، و لعلّه إليه الإشارة فيما ورد أنّ بين الجبر و التفويض منزلة أوسع ممّا بين السماء و الأرض‏ (1)، تأمّل. فنقول: هل المعلولات الصادرة من عللها، و الآثار و الخواصّ المترتّبة على الأشياء، و المسبّبات المربوطة بالأسباب، و الأفعال الصادرة عن الفواعل، سواء في عالم الملك أو الملكوت، و المجرّدات أو المادّيات، و سواء صدرت عن الفواعل الطبيعيّة كإشراق الشمس و إحراق النار، أو الحيوانية و الإنسانية، أو الآثار و الخواصّ المترتّبة على الأشياء كحلاوة العسل و مرارة الحنظل، و سواء كان الفاعل مختاراً أو لا،

____________

(1)- الكافي 1: 159/ 9 و 11.

30

و بالجملة: كلّ ما يترتّب على شي‏ء بأيّ نحو كان هل هو مترتّبٌ عليه و صادر منه على سبيل الاستقلال و الاستبداد بحيث لا يكون للحقّ- جلّ شأنه- تأثير فيها، و إنّما شأنه تعالى خلق المبادي فقط، و نسبته إلى العالم كالبنّاء و البناء بحيث يكون بعد الإيجاد منعزلًا عن التأثير و التدبير، و يكون الشمس في إشراقها و النار في إحراقها و الإنسان في أفعاله و الملائكة في شئونها مستقلّات و مستبدّات و يكون وجود الباري و عدمه- العياذ باللَّه- في فاعليّة العبد و منشئية الموجودات للآثار على السواء، و أنّه تعالى أوجد العقل مثلًا و فوّض الأمر إليه أو أوجد المكلّف و فوّض أفعاله إليه؛ أو أنّه تعالى كما هو فاعل المبادي فاعل للآثار بلا وسط و لا فاعليّة و لا تأثير لشي‏ء من الأشياء، و لا علّيّة لموجود بالنسبة إلى غيره، و لا خاصّيّة لموجود، بل الأشياء كلّها منعزلة عن العلّيّة و التأثير و الخواصّ و الآثار، و لكن جرت عادة اللَّه بإيجاد أشياء عقيب أشياء كالإشراق عقيب وجود الشمس، و الإحراق عقيب النار، و الإرادة و القدرة في الإنسان، و الفعل عقيب الإرادة، و العلم بالنتائج عقيب الأقيسة، و الأشياء كلّها على السواء في عدم التأثير لكن الجاهل بالواقع يرى ترتّب الآثار على المؤثّرات غفلة عن حقيقة الأمر، حتّى أنّ قوله: كلّ إنسان حيوان و كلّ حيوان جسم لا ينتج كلّ إنسان‏

31

جسم، و كانت نسبتهما إلى النتيجة كنسبة ضَرَبَ فعل ماضٍ و يَضربُ فعل مضارع بالنسبة إليها لكن جرت عادة اللَّه على إيجادها عقيب الاوليين لا الأخيرتين؟ فالتفويضي يرى انعزاله تعالى عن التأثير مطلقاً إلّا في المبادي‏ (1)، و الجبري يرى انعزال الخلق عنه‏ (2) و استناد الكلّ إليه تعالى‏ بلا وسط و بنحو المباشرة.

فصل: في إبطال المذهبين‏

أمّا التفويض فلأنّ استقلال موجود في الإيجاد إنّما يعقل إذا سدّت العلّة جميع الأعدام الممكنة على المعلول و إلّا لم يكن مستقلًاّ فيه، فإذا توقّف وجود المعلول على ألف شرط و كان في قدرة الفاعل إيجاد ما عدا واحد منها، فسدّ عدم المعلول من ناحية ما عدا الواحد منها، لم يكن علّةً تامّةً مستقلّة و لا فاعلًا بالاستبداد و الاستقلال في الإيجاد. و هذه المقدّمة ضروريّة لا تحتاج إلى الإثبات. و من الأعدام الممكنة على المعلول عدمه بعدم فاعله‏

____________

(1)- نقد المحصّل: 325، انظر كشف المراد: 308، و شرح المواقف 8: 146.

(2)- شرح المقاصد 4: 223، انظر شرح المواقف 8: 145.

32

و مقتضيه، و ليس في شأن ممكن من الممكنات مجرّداً كان أو مادّياً سدّ هذا العدم و إلّا انقلب الممكن بالذات إلى الواجب بالذات. و أيضاً المعلول بالذات في الفاعل الإلهي؛ أي فاعل الوجود، بتمام هويّته و حاقّ حقيقته و ذاتيّته متعلّق و مفتقر إلى العلّة و يكون ذاته بذاته عين الافتقار و التعلّق و صرف الربط و الاحتياج، و لو كان شيئاً له الافتقار حتّى يكون افتقاره زائداً على ذاته و تعلّقه بالعلّة عارضاً على أصل هويّته يلزم أن يكون واجباً في وجودِهِ و جوهرِه و عَرَضه المعلوليّة و هو واضح الاستحالة. و مرادنا من المعلول بالذات هو وجود الممكن الذي هو أثر جعل الجاعل، و إلّا فالماهيّات ليست مجعولةً و لا موجودة إلّا بالعرض لكونها اعتبارات و انتزاعات من حدود الوجود، و الوجود المعلولي ذاته الافتقار و التعلّق، و لو استغنى في حيثيّة من الحيثيّات ينقلب من الإمكان و الافتقار الذاتي إلى الوجوب و الاستغناء و هو مستحيل بالضرورة. و أيضاً المستقلّ في الإيجاد لا بدّ و أن يكون مستقلًاّ في الوجود لأنّ الإيجاد فرع الوجود، و لا يمكن أشرفيّته عنه، فالتفويض بمعنى جعل ممكن مستقلًاّ في الفاعليّة مستحيل و مستلزم للانقلاب المستحيل، سواء في ذلك المجرّد و المادّي، و الفاعل المختار و غيره، فلا يعقل تفويض الإيجاد و الفعل و الأثر و الخواصّ إلى‏

33

موجود «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ* ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (1). و أمّا إبطال الجبر فمع أنّ تحقيقه كتحقيق إبطال التفويض على ما هو عليه موكول إلى‏ بيان مقدّمات مبرهنة في العلم الأعلى لكن لا محيص عن الإشارة إلى‏ بعض الوجوه منه. منها: أنّ الوجود لمّا كان أصلًا في التحقّق و بسيطاً لا جنس له و لا فصل، و من ذاته أن يكون ذا مراتب و مشكّكاً بالتشكيك الخاصّ، فلا محالة يتعلّق كلّ مرتبة ناقصة بالمرتبة المتلوّة تعلّقاً ذاتيّاً غير متجافية عنها بحيث يكون تعلّقها بمرتبة اخرى‏ غيرها موجباً و مساوقاً للانقلاب الذاتي المستحيل، و مقدّمات هذا البرهان تطلب من مظانّه‏ (2). و منها: أنّه تعالى لمّا كان بسيطاً في غاية البساطة، و جميع صفاته و شئونه الذاتيّة يرجع إلى الوجود الصرف البسيط

____________

(1)- الحجّ (22): 73- 74.

(2)- انظر الحكمة المتعالية 1: 38- 74 و 427- 446، و شرح المنظومة، قسم الحكمة: 10- 15 و 22- 27 و 43- 44.

34

فلا يتصوّر في ذاته و صفاته التجدّد و التصرّم و التغيّر، و إلّا لانقلب البسيط مركّباً، و الفعليّة الصرفة قوّةً، و الوجوب بالذات إمكاناً. و لازم بساطة الذات و الصفات أنّ ما يصدر منه يكون صادراً من حاقّ ذاته و تمام هويّته و صرف حقيقته، فلو صدر المتجدّدات و المتصرّمات عنه تعالى من غير وسط و بالمباشرة و المزاولة يلزم منه التصرّم و التغيّر في ذاته و صفاته التي هي ذاته. و قد تقدّم‏ (1) فساد كون الإرادة من صفات الفعل لا الذات، فما صدر عنه تعالى لا يمكن أن يصدر من إرادته لا من ذاته، أو من ذاته دونها فإنّها عين ذاته، فإذن صدور المتغيّر و المتصرّم منه تعالى مستلزم لحدوث القديم، أو قدم الحادث بالذات و ثبات المتغيّر بالذات. و منها: أنّ صدور الكثير بلا وسط عن الواحد البسيط من جميع الجهات مستلزم للتركيب و التكثير فيه و هو خلف. و ما قيل:

إنّ ذلك مستحيل في غير الفاعل المختار و أمّا هو فله أن يفعل باختياره كلّ ما أراد (2)، فليس بشي‏ء فإنّ الاختيار و الإرادة عين الذات البسيطة و ما صدر عنهما صدر عنها، و تحقّق الكثرة و التجدّد في الإرادة عين‏

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 10.

(2)- انظر كشف المراد: 116، و شرح المواقف 4: 125.

35

تحقّقهما في الذات، و قياس إرادته تعالى و فعله الإرادي و كذا صدور الفعل عنه تعالى على الإنسان مع الفارق، و غالب الاشتباهات منشأه هذا القياس الباطل، فأين الإنسان الناقص الكثير المتكثّر المتغيّر المتصرّم ذاتاً و صفاتاً و ربّ الأرباب البسيط الذات و الصفات!؟ و ما قد يتوهّم أنّه يلزم من ذلك قصور في قدرته تعالى‏ و مغلوليّة يده‏ (1)، فاسد سيأتي ما يدفعه. و منها: أنّ حقيقة الوجود ذاتها عين منشئيّة الآثار، و لا يمكن سلب الأثر مطلقاً عن ذاته لمساوقته لسلب ذاته، فلا يمكن أن يكون موجود مسلوباً عنه الآثار، بل سلب الأثر عن وجود مستلزم لسلبه عن كافّة الوجودات حتّى وجود الواجب لبساطة حقيقة الوجود و اشتراكه المعنوي، فتدبّر جيّداً.

فصل: في بيان المذهب الحقّ‏

و هو الأمر بين الأمرين و المنزلة بين المنزلتين، و فيه طرق: منها: أنّه بعد ما علم أنّ التفويض و هو استقلال الممكن في‏

____________

(1)- انظر نقد المحصّل: 300، كشف المراد: 116، شرح المواقف 8: 49- 61.

36

الإيجاد و الفاعليّة، و الجبر و هو سلب التأثير عن الموجود و مزاولته تعالى للأفعال و الآثار مباشرة و بلا وسط، مستحيلان، اتّضح سبيل الأمر بين الأمرين و هو كون الموجودات الإمكانيّة مؤثّرات لكن لا بالاستقلال، و فيها الفاعليّة و العلّية و التأثير لكن من غير استقلال و استبداد. و ليس في دار التحقّق فاعل مستقلّ سوى اللَّه تعالى، و سائر الموجودات كما أنّها موجودات لا بالاستقلال بل روابط محضة و وجودها عين الفقر و التعلّق و محض الربط و الفاقة تكون في الصفات و الآثار و الأفعال كذلك. فمع أنّها ذات صفات و آثار و أفعال لم تكن مستقلّات في شي‏ء منها كما تقدّم برهانه‏ (1). فمن عرف حقيقة كون الممكن ربطاً محضاً عرف أنّ فعله مع كونه فعله فعل اللَّه سبحانه. فالعالم بما أنّه ربط صرف و تعلّق محض ظهور قدرة اللَّه و إرادته و علمه و فعله، و هذا عين المنزلة بين المنزلتين و الأمر بين الأمرين. و لعلّه إليه أشار في قوله و هو الحقّ: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏» (2) حيث أثبت الرمي من حيث نفاه فقال: «رميت و ما رميت»، فإنّ الرمي كونه منه لم يكن بقوّته‏

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 20- 21.

(2)- الأنفال (8): 17.

37

و استقلاله بل بقوّة اللَّه و حوله، و قوله: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»* (1) فأثبت المشيّة لِلّه من حيث كونها لهم، لا بأن يكون المؤثّر مشيّتين أو فعلين بالاشتراك بل بما أنّ مشيّة الممكن ظهور مشيّته تعالى و عين الربط و التعلّق بها.

تنبيه: [في شرك التفويضي و كفر الجبري‏]

التفويضي أخرج الممكن عن حدّه إلى حدود الواجب بالذات فهو مشرك، و الجبري حطّ الواجب تعالى عن علوّ مقامه إلى‏ حدود بقعة الإمكان فهو كافر، و لقد سمّى مولانا عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) القائل بالجبر كافراً، و القائل بالتفويض مشركاً على رواية صدوق الطائفة كما عن عيونه‏ (2)، و الأمر بين الأمرين هو الطريقة الوسطى التي للُامّة المحمّدية (صلى الله عليه و آله و سلم) و هي حفظ مقام الربوبيّة و الحدود الإمكانية. الجبري ظلم الواجب حقّه بل الممكنات حقّها، و التفويضي كذلك، و القائل بالأمر بين الأمرين أعطى كلّ ذي حقّ حقّه.

الجبري‏

____________

(1)- الإنسان (76): 30 و التكوير (81): 29.

(2)- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 124/ 17.

38

عينه اليمنى عمياء فسرى عماه منها إلى اليسرى، و التفويضي عينه اليسرى عمياء فسرى منها إلى اليمنى، و القائل بالمنزلة بين المنزلتين ذو العينين. الجبري مجوس هذه الامّة حيث نسب الخسائس (الخبائث- خ ل) و النقائص إلى اللَّه تعالى، و التفويضي يهود هذه الامّة حيث جعل يد اللَّه تعالى مغلولة «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ» (1) و القائل بالأمر بين الأمرين على الحنفيّة الإسلاميّة.

إرشاد: [في استناد الأفعال إلى اللَّه‏]

مع أنّ أثر كلّ ذي أثر و فعل كلّ فاعل منسوب إلى اللَّه تعالى و إليها كما عرفت، لكن خيراتها و حسناتها و كمالاتها و سعاداتها كلّها من اللَّه و هو تعالى أولى بها منها، و شرورها و سيّئاتها و نقائصها و شقاواتها ترجع إلى‏ نفسها و هي أولى بها منه تعالى، فإنّه تعالى لمّا كان صرف الوجود فهو صرف كلّ كمال و جمال، و إلّا يلزم عدم كونه صرفاً و هو يرجع إلى التركيب و الإمكان، و أيضاً يلزم منه أن يكون في التحقّق أصلان: الوجود و مقابله، مع أنّ مقابله العدم و الماهيّة، و حالهما

____________

(1)- المائدة (5): 64.

39

معلومة، فهو تعالى صرف الوجود و صرف كلّ الكمالات، و الصادر من صرف الوجود لا يمكن أن يكون غير الوجود و الكمال، و النقائص و الشرور لوازم ذوات المعاليل من غير تخلّل جعل، لعدم إمكان تعلّقه إلّا بالوجود و هو نفس الكمال و السعادة و الخبر. فالخيرات كلّها مجعولات و مبدأ الجعل فيها هو الحقّ تعالى، و الشرور التي في دار الطبيعة المظلمة من تصادمات الماديّات و ضيق عالم الطبيعة و كلّها ترجع إلى عدم وجود أو عدم كما له.

و الأعدام مطلقاً غير متعلّقة للجعل، بل المضافة منها من لوازم المجعول، و تضايق دار البوار، و تصادم المسجونين في سجن الطبيعة و سلاسل الزمان فكلّها ترجع إلى الممكن. فما أصابك من حسنة و خير و سعادة و كمال فمن اللَّه، و ما أصابك من سيّئة و شرّ و نقص و شقاء فمن نفسك‏ (1). لكن لمّا كانت النقائص و الشرور اللازمة للوجودات الإمكانية من قبيل الأعدام المضافة، و الحدود و الماهيّات كان لها وجود بالعرض، و ما كان كذلك فمن عند اللَّه لكن بالعرض، فالخيرات من اللَّه بالذات و منسوب إلى الممكنات بالعرض، و الشرور من الممكنات بالذات و منسوب‏

____________

(1)- النساء (4): 79.

40

إليه تعالى بالعرض، فحينئذٍ يصحّ أن يقال: كلٌّ من عند اللَّه‏ (1)، فإنّه لو لا الإيجاد و الإفاضة و بسط الخيرات لم يكن وجود و لا حدّه و لا طبيعة و لا ضيقها. و لعلّ تغيير الاسلوب و تخلّل لفظة «عند» في قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ» للإشارة إلى المجعوليّة بالعرض.

تمثيل‏

و المثال يقرّب من وجه لا من جميع الوجوه. إذا أشرقت الشمس على مرآة و وقع النور منها على جدار، فنور الجدار ليس من المرآة بذاتها لعدم نور لها، و لا من الشمس المطلق أي بلا وسط و بلا قيد، بل هو نور شمس المرآة، فمَن نظر إلى المرآة غافلًا عن الشمس يزعم كونه للمرآة، و مَن نظر إلى الشمس غافلًا عن المرآة يزعم كونه من الشمس بلا وسط، و مَن كان ذا العينين يرى الشمس و المرآة، يرى أنّ النور من شمس المرآة و مع ذلك يحكم بأنّ النور- و ما هو من سنخه- للشمس بالذات و للمرآة بالعرض، و محدوديّة النور حسب حدّ المرآة للمرآة بالذات و للنور بالعرض، و مع ذلك لو لا الشمس و إشراقها لم يكن نور و لا حدّ، فالنور و حدّه من عند الشمس.

____________

(1)- النساء (4): 78.

41

فالأنوار الطالعة من افق عالم الغيب إنّما هي لنور الأنوار، «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (1). فنور الوجود من حضرة الرحموت و ظلّ نور اللَّه تعالى؛ «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2)، و لا نور إلّا نوره و لا ظهور إلّا ظهوره و لا وجود إلّا وجوده و لا إرادة إلّا إرادته و لا حول و لا قوّة إلّا به و إلّا بحوله و قوّته، و الحدود و التعيّنات و الشرور كلّها من حدود الإمكان و من لوازم الذوات الممكنة و ضيق المادّة و تصادم المادّيات.

تمثيل أقرب‏

فانظر قوى النفس المنبثّة في تلك الصيصية البدنيّة من غيبها فإنّها بما هي متعلّقات بذات النفس و روابط محضة بها فعلها فعل النفس بل هي ظهورها و أسماؤها و صفاتها، فمع صحّة نسبة الرؤية إلى البصر، و السماع إلى السمع و هكذا، تصحّ نسبتها إلى النفس فبالسمع تسمع و بالبصر تبصر، فلا يصحّ سلب الانتساب عن القوى و لا عن النفس لكونها روابطها و ظهورها. و ليعلم أنّ فناء نور الوجود

____________

(1)- النور (24): 40.

(2)- النور (24): 35.

42

في نور الأنوار أشدّ من فناء قوى النفس فيها بما لا نسبة بينهما؛ لأنّ النفس بما أنّها موجودة متعيّنة ذات ماهيّة و حدٍّ- و الماهيّة من ذاتها التباين و الغيريّة- تُصحّح الغيريّة و التباين مع قواها، و مع ذلك تكون النسبة إليهما حقيقيّة لأجل الحظّ الوجودي الذي لهما، فكيف بموجود بري‏ء من جهات النقص و التعيّن، و منزّه عن الماهيّة و لوازمها، و مقدّس عن شوائب الكثرة و مصحّحات الغيريّة و التضادّ و التباين؟!

تأييدات نقليّة

و هي أكثر من أن يذكر، فالآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة مشحونة بذكر هذه اللطيفة الربّانيّة و الحقيقة الإلهيّة تصريحاً و تلويحاً، تنصيصاً و كناية.

[الآيات‏]

فمن الآيات- مضافاً إلى‏ ما قدّمنا من قوله تعالى: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏» (1) و قوله تعالى: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ*

____________

(1)- الأنفال (8): 17.

43

يَشاءَ اللَّهُ»* (1) و قوله تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ...» (2) الآية-. الآيات‏ (3) الواردة في قضيّة خضر و موسى- على نبيّنا و آله و (عليهما السلام)- فإنّ فيها إشارة لطيفة إلى‏ هذه الحقيقة. و الآيات التي وردت فيها نسبة التوفّي تارة إلى اللَّه تعالى فقال: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها» (4)، و اخرى‏ إلى ملك الموت فقال: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» (5)، و ثالثة إلى الملائكة فقال: «وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ» (6). و الآيات التي تنسب الإضلال تارةً إلى اللَّه تعالى فقال:

«وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» (7)، و اخرى‏ إلى إبليس فقال: «إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» (8)،

____________

(1)- الإنسان (76): 30 و التكوير (81): 29.

(2)- النساء (4): 79.

(3)- الكهف (18): 60- 82.

(4)- الزمر (39): 42.

(5)- السجدة (32): 11.

(6)- الأنفال (8): 50.

(7)- إبراهيم (14): 27.

(8)- القصص (28): 15.

44

و ثالثة إلى العباد فقال: «وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ» (1)، و قال: «وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» (2). و أنت إذا كنت ذا قلب متنوّر بنور فهم القرآن بعد تطهيره من أرجاس التعلّق إلى الطبيعة ف «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (3)، لوجدت هذه اللطيفة في آيات لا يمسّها العامّة فهذا قوله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (4) قصّر جميع المحامد عليه تعالى و أرجع كلّ محمدة إليه، فلو لا أنّ كلّ كمال و جمال كمالُه و جماله بالذات و بحسب الحقيقة لم يكن وجه لصحّة هذا القصر. و لو أضفت إلى‏ ذلك ما عند أهل المعرفة من أنّ قوله: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» متعلّق بقوله‏ «الْحَمْدُ لِلَّهِ» (5) (6) ترى أنّ المحامد من كلّ حامد إنّما يقع باسم اللَّه، فباسمه يكون كلّ حمد للَّه تعالى فهو الحامد و المحمود. هذه شمّةٌ من الآيات ذكرناها انموذجة لغير ما ذكر.

____________

(1)- طه (20): 79.

(2)- طه (20): 85.

(3)- انظر الواقعة (56): 77- 79.

(4)- الفاتحة (1): 2.

(5)- الفاتحة (1): 2.

(6)- انظر الفتوحات المكّيّة 1: 422.

45

[الروايات‏]

و أمّا الروايات من طريق أهل بيت الوحي و التنزيل (عليهم السلام) فكثيرة جدّاً، جمَع المحقّق البارع الداماد- جزاه اللَّه عن الحقيقة خيراً- شطراً منها (1)، فقال في آخر الإيقاظ الرابع من الإيقاظات: «و إذ أحاديث هذا الباب كثيرة و فيما أوردناه كفاية للمتبصّر، فلنكتف الآن بما حواه هذا الإيقاظ، و ذلك اثنان و تسعون حديثاً» انتهى‏ (2)، فمن شاء فليراجع إليها و إلى الكتب الناقلة لأحاديث العترة الطاهرة (عليهم السلام). فالآن نتبرّك بذكر رواية صحيحة منها هي‏

ما رواه الشيخ الكليني في جامعه «الكافي»

(3)

عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «قال اللَّه: يا بن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بقوّتي أدّيت فرائضي، و بنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك‏

____________

(1)- الإيقاظات، ضمن القبسات: 94- 133.

(2)- نفس المصدر: 133.

(3)- الكافي 1: 159/ 12.

46

سميعاً بصيراً قويّاً

«ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»

و ذلك أنّي أولى بحسناتك منك و أنت أولى بسيّئاتك منّي، و ذاك أنّي لا اسأل عمّا أفعل و هم يسألون».

و لقد شرحنا هذا الحديث شرحاً وافياً في الأربعين‏ (1). و أنت إذا تأمّلت ما تقدّم منّا ترى‏ أنّ الروايات الشريفة متوافقة المضمون غير متعارضة الحقيقة و إن كان الجاهل يزعم الاختلاف، فلا منافاة بين قول أبي عبد اللَّه (عليه السلام) في رواية أبي بصير

«من زعم أنّ الخير و الشرّ إليه فقد كذب على اللَّه»

(2)، و قوله (عليه السلام):

«من زعم أنّ الخير و الشرّ بغير مشيّة اللَّه فقد أخرج اللَّه عن سلطانه»

(3)، و كذا بين ما ورد

«أنّ الشرّ ليس إليه و الخير بيديه»

(4) و ما ورد من أنّ الخيرات و الشرور كلّها ممّا أجرى اللَّه تعالى على يدي العباد (5)، إلى‏ غير ذلك.

____________

(1)- انظر شرح چهل حديث، الإمام الخميني (قدس سره): 597/ 35.

(2)- الكافي 1: 156/ 2.

(3)- الكافي 1: 158/ 6، التوحيد 359/ 2.

(4)- مسند أحمد بن حنبل 1: 102، كنز العمّال 11: 434/ 32042.

(5)- انظر الكافي 1: 154، باب الخير و الشرّ.

47

فصل في ذكر بعض الشبهات الواردة و جوابها

[حول إراديّة الإرادة]

فمنها (1)- و هي أصعبها-: أنّ الإرادة الإنسانيّة إن كانت واردة من الخارج بأسباب و علل منتهية إلى الإرادة القديمة كانت واجبة التحقّق من غير دخالة العبد في ذلك فيكون مضطرّاً و ملجأً في إرادته، و لازمه الاضطرار في فعله؛ لأنّ ما يكون علّته التامّة اضطراريّة يكون هو أيضاً كذلك. و إن كانت إرادته بإرادته ننقل الكلام إلى‏ إرادة إرادته، فإمّا أن يتسلسل أو يلزم الاضطرار و الجبر. و لقد أجاب عنها أساطين الفلسفة و أئمّة الفنّ بما لا يخلو عن التكلّف و الإشكال، فتصدّى السيّد المحقّق الداماد- نضّر اللَّه تربته- لجوابها: «بأنّ الإرادة حالة شوقيّة إجمالية متأكّدة بحيث ما إذا قيست إلى‏ نفس الفعل و كان هو الملتفت إليه باللحاظ بالذات كانت هي شوقاً و إرادة بالقياس إليه، و إذا ما قيست إلى‏ إرادته و الشوق‏

____________

(1)- القبسات: 473، شرح المقاصد 4: 229- 230، انظر شرح المواقف 8: 149.

48

الإجماعي إليه و كان الملتفت إليه باللحاظ بالذات تلك الإرادة و الشوق لا نفس الفعل كانت هي شوقاً و إرادة بالقياس إلى الإرادة من غير شوق آخر مستأنف و إرادة اخرى‏ جديدة و كذلك الأمر في إرادة الإرادة، و إرادة إرادة الإرادة إلى‏ سائر المراتب. فإذن كلٌّ من تلك الإرادات المفصّلة يكون بالإرادة و الاختيار و هي بأسرها مضمّنةٌ في تلك الحالة الشوقية الإجماعيّة المعبّر عنها بإرادة الفعل و اختياره» (1). انتهى كلامه رفع مقامه. ثمّ حاول‏ (2) مقايسة الإرادة في ذلك بالعلم بالشي‏ء تارةً، و بالعلم بذواتنا اخرى‏، و بالنية في العبادة ثالثةً، و باللزوم و لزوم اللزوم رابعةً، و بالإرادة المتعلّقة بالمسافة القابلة للانقسام إلى‏ غير النهاية خامسةً، و لك قياسها بالإمكان في الممكنات و الوجوب في الواجب و ضرورة القضايا الضروريّة إلى‏ غير ذلك. و أنت خبير بما فيه و في مقايساته فإنّ الإرادة بما أنّها صفةٌ موجودةٌ حقيقيّة تحتاج إلى‏ علّة موجدة؛ إمّا إرادة اخرى‏ أو شي‏ء من خارج، فيتسلسل أو يلزم الاضطرار و الجبر. و لا يمكن أن يقال:

إنّ‏

____________

(1)- القبسات: 473- 474، الإيقاظات، ضمن القبسات: 69- 70.

(2)- انظر القبسات: 474- 476، الإيقاظات، ضمن القبسات: 70- 72.

49

علّة تحقّق الإرادة نفس ذاتها، بالضرورة كما أنّ العلم بالغير أو بذواتنا ليس معلولًا لنفسه بل لأمر آخر. نعم، إذا لاحظنا علمنا بصورة، يكون معلوماً بواسطة هذا اللحاظ و تنقطع اللحاظات بتركها، و كذا في اللزومات فإنّ اللزوم أمر اعتباري إذا لوحظ طرفاً يعتبر لزوم آخر بينه و بين الموضوع و تنقطع بانقطاع الاعتبار، و أمّا الإرادة المتعلّقة بالشي‏ء فلا تكون اعتباريّة و تابعة للحاظ. و بالجملة: فقياساته مع الفارق خصوصاً بالإرادة المتعلّقة بالمسافة كما لا يخفى‏. و أمّا القياس بالنيّة في العبادة فغير معلوم الوجه؛ فإنّ النيّة فيها لا تلزم أن تكون منويّة و إلّا فيرد عين الإشكال فيها أيضاً، و لا يدفع بما ذكر. و اتّضح بطلان قياسنا بالإمكان و الوجوب و الضرورات أيضاً. و بالجملة: ما أفاده لا يغني من الجواب عن الشبهة. و أشكل عليه تلميذه الأكبر (رحمه الله) بأنّ لنا أن نأخذ جميع الإرادات بحيث لا يشذّ عنها شي‏ء و نطلب أنّ علّتها أيّ شي‏ء هي فإن كانت إرادة اخرى لزم الجبر في الإرادة (1). أقول: هذا نظير ما يقال في الاستدلال على وجود غنيّ بالذات‏

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 390.

50

إنّه لو فرض سلسلة غير متناهية في الوجود يكون كلّ فرد فرد فيها فقيراً ممكناً لنا أن نحيط بعقلنا على السلسلة إجمالًا، فنقول: السلسلة الغير المتناهية من الفقراء لا يمكن أن تدخل و لا فرد منها في الوجود إلّا بإفاضة غنيّ بالذات، و إلّا فالفقير الفاقد للشي‏ء لا يمكن أن يكون معطياً و مغنياً، فكلّ موجود دلّ على الغنيّ بالذات، فسدّ فقر الفقير لا يمكن إلّا بالغنيّ. و العجب أنّ المحقّق الداماد كان متنبّهاً على هذا الإشكال في تقريره أصل الشبهة و مع ذلك أجاب بما عرفت. و أجاب المحقّق الخراساني (رحمه الله)(1) عن أصل الشبهة بأنّ الاختيار و إن لم يكن بالاختيار إلّا أنّ بعض مباديه غالباً يكون بالاختيار للتمكّن من عدمه بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمّة. و فيه: أنّ الفعل الاختياري على الفرض ما كان مباديه بالاختيار، فحينئذٍ ننقل الكلام إلى‏ تلك المبادي التي ادّعى أنّها بالاختيار هل تكون الإرادة المتعلّقة بها بالإرادة و اختيارها بالاختيار فيتسلسل أو يلزم المحذور.

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 68.