القواعد الفقهية

- الشيخ محمد الفاضل اللنكراني المزيد...
533 /
7

[المقدمة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي نور قلوبنا بأنوار العلوم و المعارف و بصّر أفهامنا بالتدبر في الأحكام الدينية و المعالم و هدانا إلى أشرف العلوم الإلهيّة و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين و على آله الطيبين المنتجبين.

و بعد فإن من نافلة القول التأكيد على أهمية علم الفقه و مكانته الرفيعة بين العلوم المختلفة، و لا شكَّ في أنّ للقواعد الفقهية و هي تشكل كليات يطبِّقها الفقيه على‏ جزئياتها الدور الكبير في اشتمال علم الفقه على هذه الأهمية.

و الجدير بالذكر أن هذه القواعد الفقهية لم تتناولها أقلام الفقهاء و المحققين بالدراسة و البحث المستوعبين، من هنا فلا بدّ لنا من أجل تنقيح و إيضاح قاعدة فقهية ما بشكل كامل، تتبع و استقراء جزئياتها المبثوثة في الأبواب المختلفة للفقه.

8

و نحن في هذا المجال نتعرض بشكل إجمالي إلى بعض البحوث التي ترتبط بهذه القواعد.

كلمة «القاعدة» لغوياً:

هذه الكلمة من حيث اللغة موضوعة لما هو الأساس لشي‏ء سواء أ كان ماديّاً أو معنوياً، على نحو ينعدم الشي‏ء و يضمحل بسبب انتفائه فالبيت مثلًا ينعدم بانعدام أساسه و الدين يندرس باندراس أساسه و العلم ينتفى بانتفاء القواعد الكلية الموجودة فيه. قال ابن منظور (1):

«و القاعدة أصل الأُسّ و القواعد الأساس و قواعد البيت أساسُه و في التنزيل‏ وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏، و فيه‏ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ. قال الزجاج: القواعد أساطين البناء الّتي تعمده و قواعد الهودج خشبات أربع معترضة في أسفله تركب عيدان الهودج فيها».

و أما بحسب الاصطلاح: فهي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها.

قال التهانوى: «هي تطلق على معان ترادف الأصل و القانون و المسألة و الضابط و المقصد و عرفت بأنها أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه» (2).

من هنا فيشترط في كلمة «القاعدة» المستعملة في العلوم الرائجة أن تكون قضية كلّية أو غالبية، و لا يعتبر ان تكون أساساً للعلم على نحو ينتفى بانتفائها فمثلًا لو انتفت قاعدةٌ واحدةٌ من قواعد الفقه أو النحو أو الرجال‏

____________

(1) لسان العرب 3: 361.

(2) كشاف اصطلاحات الفنون 5: 1177 1176.

9

أو غيرها لم ينتفِ العلمُ بانتفائها فتدبر!

ما المقصود بالقاعدة الفقهية؟

اعلم انهم اختلفوا في تعريف القاعدة الفقهية و ذكروا لبيان حدودها كلمات كلها غير خالية عن الإيراد و الإجمال فهنا خلاف بين مدرسة الإمامية و مدرسة العامة كما وقع الخلاف بين علماء كل واحد من المدرستين نفسيهما و لتنقيح البحث فيها و في الأمور المتعلقة بها يجب الكلام عليها في جهات:

الجهة الاولى:

في اعتبار الكلية فيها و عدمه.

فقد وقع الخلاف بين العامة في أن القاعدة الفقهية هل تجب ان تكون كليّة أم لا بل تكفى كونها أكثرية؟ فذهب الحموي الى الثاني فقال: ان القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة و الأُصوليين إذ هي حكم أكثري لا كلى، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها (1).

و وافقه بعض من المالكية فقال أكثر قواعد الفقه أغلبية (2).

و ذهب بعض منهم إلى الأوّل فقال: هي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث الّتي تدخل تحت موضوعها (3).

فالخلاف واقع بينهم في الكلية و عدمها و ذكروا أيضاً ان هذه النقطة

____________

(1) شرح الأشباه و النظائر 1: 22.

(2) تهذيب الفروق تحت الفرق الثاني 1: 36.

(3) المدخل الفقهي العام 2: 941.

10

هي الجهة المائزة من أسباب الفروق و الاختلاف بين القواعد الفقهية و القواعد الأُصولية فهي كلية دائماً بخلاف القواعد الفقهية.

هذا و لكن لا يُرى لهذا الخلاف عين و لا اثر بين الإمامية، و السّر في ذلك أنّ تقييد القاعدة الفقهية بكونها غالبية ناشئةٌ عن عدم التدبر في مفهوم القاعدة و الخلط بينه و بين الاستثناء فتخيّلوا ان الاستثناء في قضية يخرجها عن كونها قاعدة، مع انه لا يخرجها عن ذلك العنوان، نعم يخرجها عن الكلية و لكن هذا غير خروجها عن عنوان القاعدة و الذهاب الى كون القاعدة الفقهية أكثرية، فمثلًا قاعدة المؤمنون عند شروطهم قاعدة فقهية مسلّمة و لها استثناءات ذكرت في مبحث الشروط كعدم كون الشرط مخالفاً للكتاب و السنّة و غير ذلك. فلا بدّ من بيان تبيين معنى القاعدة و التدبر في مدلولها و التحقيق أنها قضية مشتملة على جزئيات مشتركة في عنوان واحد أو شي‏ء واحد.

الجهة الثانية:

في الفرق بين القاعدة الفقهية و الضابط الفقهي.

فذهب كثيرٌ من العامة إلى أن القاعدة الفقهية أعم من الضابط الفقهي بمعنى انها لا تختص بباب واحد من أبواب الفقه بخلاف الضابط. قال ابن نجيم:

ان القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى‏ و الضابط يجمعها من باب واحد (1).

و قد أيده السيوطي و أبو البقاء (2).

____________

(1) الأشباه و النظائر، الفن الثاني: 192.

(2) الكليات، فصل القاف في القسم الرابع: 48.

11

و التحقيق عدم صحة هذا الفرق لانه متفرع على تسليم لزوم جريان القاعدة الفقهية في أكثر من باب واحد و هو غير مسلِّم فإن القاعدة الفقهية لا يلزم ان تكون جامعة للفروع من أبواب مختلفة بل يكفى ان تكون جامعة للفروع من باب واحد، و لذا قاعدة الإمكان مثلًا مختصة بباب الطهارة و ليست ضابطاً.

هذا و الحق ان بين الضابط الفقهي و القاعدة الفقهية فرقا من وجهين:

الوجه الأوّل: ان الضابط الفقهي هو القضية الّتي ترد في مقام بيان الملاك و الشرائط لما هو الموضوع للحكم بينما القاعدة الفقهية لا تكون بصدد بيان الموضوع أو المتعلق بل امّا ان تكون بصدد بيان حكم كلي أو بصدد بيان ملاك كلى مرتبط بالأحكام لا الموضوعات كقاعدة ان العلل الشرعية معرّفات و لتوضيح ذلك نذكر نماذج و أمثلة للضابط:

ألف: قد ذكر الفقهاء من جملة محرمات الإحرام و الحرم، الصيد البرّي و قد اختلفوا في المائز بين الحيوان البرّي و البحري و أنه ما هو الضابط و الملاك في كون شي‏ء برياً أو بحرياً فقال المحقق في الشرائع: هو ما يبيض و يفرخ في الماء لكن المستفاد من بعض الروايات‏ (1) و الكلمات ان المعيار في الحيوان البحري هو العيش في الماء و عدم هلاكه فيه و قال والدنا المحقق المعظم: و الذي يقوى في النظر ان ثبوت ضابطة شرعية تعبّدية بالإضافة إلى عنواني صيد البحر و صيد البر و لو بالإضافة إلى بعض مصاديقهما، على خلاف ما هو المتفاهم منهما عند العرف و اللغة، مستبعد جدّاً (2).

____________

(1) الوسائل، أبواب تروك الإحرام، الباب السابع، ح 1.

(2) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الحج 3: 339.

12

ب: ذهب الفقهاء إلى ان الضابط في صحة الشرط مثلًا عدم كونه مخالفاً للكتاب و السنة فهذا ملاك لصحة الشرط و ضابط لها و ليس قاعدة فقهية بل القاعدة هي المؤمنون عند شروطهم.

ج: قد وقع الخلاف في ضابط المثلية و القيمية في مبحث الضمان و المراد من الضابط فيهما، بيان حقيقة المثلية و القيمية و شرائطيهما عند العرف أو الشرع و أما القاعدة الواردة فيه فهي لزوم كون الأداء في المثلي بمثله و في القيمي بقيمته.

د: في مبحث القصاص قد وقع النزاع في ضابط العمد و الخطأ في القتل و القاعدة فيهما جواز القصاص في العمد و الدية في الخطاء.

ه: الضابط في كون شي‏ء عقداً أو إيقاعاً، عبادة أو معاملة، فقد ذكر الشهيد (1) ان كل حكم شرعي يكون الغرض الأهم منه الآخرة يسمى عبادة و كل حكم شرعي يكون الغرض الأهم منه الدنيا يسمى معاملة.

و: الضابط في الصغيرة و الكبيرة، فان قوله (عليه السلام) لا صغيرة مع الإصرار (2)، ليس من القواعد الفقهية بل هو بيان لملاك الكبيرة و أيضاً قولهم كل ما توعد الشرع عليه بخصوصه فإنه كبيرة و كل معصية توجب الحد فإنها كبيرة.

ز: الضابط في التعبدية و التوصلية و قد يسمى بالضابط الأُصولي.

فتلخص من جميع ذلك كله ان الضابط انما هو في دائرة ذكر الملاك و الشرائط للموضوع أو المتعلق فقط بينما ان القاعدة الفقهية لا تكون بصدد

____________

(1) القواعد و الفوائد، الجلد الأول، قاعدة 7: 36.

(2) الوسائل 11: 268.

13

بيان شرائط الموضوع و إنما تكون بصدد بيان أحكام شرعية كلية.

الوجه الثاني: ان الضابط الفقهي لا يلزم ان يستند إلى الشارع و يؤخذ منه بل كثير من الضوابط المذكورة في الفقه قد أخذت من العرف فراجع و تدبّر.

الجهة الثالثة:

في الفرق بين القاعدة الفقهيّة و النظرية الفقهية.

فذهب جمع من العامة الى عدم وجود الفرق بينهما، قال أبو زهرة في كتابه المسمى بأُصول الفقه:

«القواعد الفقهية هي النظريات العامة الفقهية».

و لكن ذهب بعض آخر منهم إلى وجود الفرق بينهما فقالوا:

«ان النظرية العامة هي غير القاعدة الكلية في الفقه الإسلامي فإن هذه هي بمثابة ضوابط بالنسبة إلى تلك النظريات .. و قد ترد قاعدة بين القواعد الفقهية ضابطاً خاصاً بناحية من نواحي تلك النظريات فقاعدة العبرة في العقود للمقاصد و المعاني مثلًا ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من أصل نظرية العقد» (1).

فيستفاد من عباراتهم ان الفرق بينهما في نقطتين:

النقطة الاولى: ان القاعدة الفقهية متضمنة للحكم الشرعي الفقهي في حد ذاتها بخلاف النظرية العامة فإنها غير متضمنة للحكم الفقهي كنظرية الملك و نظرية الفسخ.

النقطة الثانية: ان القاعدة الفقهية غير مشتملة على الأركان و الشرائط بخلاف النظرية العامة.

____________

(1) المدخل الفقهي العام 1: 235.

14

هذا و الذي ينبغي ان يقال ان وجود الفرق بينهما أيضاً مما لا ينكر الّا ان الصحيح في مقام الفرق ان يقال ان النظرية العامة هي المباحث المرتبطة ببعض الموضوعات الرائجة في الأبواب المختلفة من الفقه و الدخيلة في كثير من الفروعات المتشتتة المتفرقة و تكون كالمبنى و الأساس للمباحث الأخر، كالبحث عن العرف و تعريفه و مدى دخالته في الأحكام و البحث عن الحكم و حقيقته و أقسامه و البحث عن الملك و الفرق بينه و بين الحكم فالنظرية العامة مشتملة على قضايا متشتتة و ليست قضية واحدة بخلاف القاعدة الفقهية و عمومية النظرية باعتبار ارتباط الموضوع بأبواب مختلفة من جهة و بسعة البحث عن جميع شئونه من جهة أخرى فمثلًا نظرية الحكم لا يرتبط بباب واحد و ليست بقضية واحدة بل يبحث فيها عن الحكم و شرائطه و القواعد المرتبطة به و الأقسام المتصوّرة فيه فإنهم لما رأوا ان لعنوان الحكم دخلًا أساسياً في كثير من المباحث الفقهية و الأُصولية وجدوا من اللازم البحث عنه مستقلا و جمع الأُمور المرتبطة به في بحث واحد و من هنا يتضح أن النظرية العامة ليست مختصة بالبحث عن عنوان بنظر الفقه و الفقيه بل يشمل ما إذا كان الموضوع دخيلًا في علوم متعددة فإن البحث عن الحكم مرتبط بالفقه كما انه مرتبط بالأُصول و الكلام أيضاً.

تتميم: قد تكون النظرية العامة مشتملة على عدة قواعد من قواعد الفقه كنظرية العرف فإنها مشتملة على قاعدة العادة محكمة و قاعدة استعمال الناس حجة يجب العمل به.

الجهة الرابعة:

في الفرق بين القاعدة الفقهية و القاعدة الأُصولية.

و البحث في هذه الجهة يقع في مقامين:

15

المقام الأوّل:

في الفرق بينهما بنظر العامة:

فقد ذكروا للفرق بينهما وجوهاً خمسة و أوّل من فرق بينهما على ما قيل هو شهاب الدين القرافي في كتابه المسمى بالفروق.

الوجه الأوّل: ان الموضوع في القواعد الأُصولية هو الأدلّة و الأحكام فإن القاعدة الأُصولية حد وسط بين الأدلّة و الأحكام و يستفاد بها الأحكام من أدلّتها بينما ان الموضوع في القواعد الفقهية هو فعل المكلّف.

الوجه الثاني: ان القواعد الأُصولية كلية بخلاف القواعد الفقهية فإنها غالبية.

الوجه الثالث: ان القواعد الأُصولية آلة لاستنباط الأحكام الشرعية بخلاف القواعد الفقهية فإنها عبارة عن حكم الجزئيات المتشابهة المشتركة في علة واحدة.

الوجه الرابع: ان القواعد الفقهية متأخّرة عن الفروع في الوجود الذهني و الواقعي لأنها جمع اشتات و ربط بينهما و أما القواعد الأُصولية فإنها متقدمة على الفروع لتوقف الاستنباط عليها.

الوجه الخامس: ان القواعد الأُصولية أمور استنباطية و الأحكام تستنبط منها بخلاف القواعد الفقهية فإنها أمور تطبيقية و الفروع مندرجة تحتها.

و يرد على الأوّل ان الموضوع في بعض القواعد الفقهية ليس فعل المكلّف كقاعدة لا ضرر فان الموضوع فيه هو الحكم الضرري بناء على تفسير المشهور.

و على الثاني: انا قلنا سابقاً ان الاستثناء في القواعد الفقهية لا يدلّ‏

16

على الغالبية و لا ملازمة بين الاستثناء و بين كون القاعدة أغلبية.

المقام الثاني:

في الفرق بينهما بنظر الإمامية

فنقول يستفاد من كلمات الأصحاب (رضوان اللّه تعالى عليهم) وجوه شتى.

الوجه الأوّل: ما يستفاد من بعض كلمات الشيخ الأعظم‏ (1) و تبعه المحقّق النائيني‏ (2) من ان نتيجة المسألة الأُصولية نافعة للمجتهد فقط بخلاف القاعدة الفقهية فإنها نافعة للمقلّد أيضاً و بعبارة اخرى اعمال القاعدة الفقهية مشترك بين المجتهد و المقلّد.

و قد أورد عليه المحقّق الخوئي‏ (3): بانا نسلّم كون النتيجة في المسألة الأُصولية نافعة بحال المجتهد فقط و لكن لا نسلّم اشتراك النتيجة بين المجتهد و المقلّد في القاعدة الفقهية فمثلًا ان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده من أي طريق يعلم المقلّد ان البيع مثلًا من العقود الّتي يكون في صحيحها الضمان و مثلًا قاعدة الصلح جائز بين المسلمين الّا ما خالف كتاب الله، فمن أي سبيل يتوجه المقلّد ان هذا الشرط هل هو موافق للكتاب أو مخالف له.

و الظاهر عدم ورود الإشكال لأن المقصود من كون النتيجة نافعة للمقلّد، انه قادر على التطبيق و معنى هذا ان المقلّد بعد السؤال و الفحص عن ان البيع من العقود الّتي يكون في صحيحها الضمان، يقدر على تطبيق القاعدة و يحكم بان في فاسدها أيضاً الضمان. و بعبارة اخرى انه (قدّس سرّه) يعتقد بان القواعد الفقهية من باب تطبيق المضامين و من الواضح ان التطبيق‏

____________

(1) فوائد الأُصول في ابتداء بحث الاستصحاب.

(2) فوائد الأُصول، الجزء الأوّل ص 19 من طبع جماعة المدرسين.

(3) المحاضرات 1/ 10.

17

غير مختص بالمجتهد.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) من ان القواعد الأُصولية متضمنة للأحكام الكلية الّتي لا ربط لها بالعمل بلا واسطة بخلاف القاعدة الفقهية فإنها و إن كانت قد تكون متضمنة للحكم الكلي الّا انها تصلح لاستفادة الأحكام الجزئية منها في الموارد الجزئية فمثلًا قاعدة ما يضمن تكون صالحة لاستفادة الضمان منها في البيع الشخصي المعين الفاسد و بعبارة اخرى ان الفرق بينهما من باب الفرق بين الكلية بمعنى عدم التعلق بالعمل بلا واسطة و الجزئية بمعنى التعلق بالعمل بلا واسطة.

و فيه: أن اللازم بيان الفرق بين القاعدة الأُصولية و الفقهية و ما ذكره من الجزئية شامل للمسألة الفقهية أيضاً و بعبارة اخرى لسنا في مقام الفرق بين القاعدة الأُصولية و الفقهية فقط بل في مقام الملاك لكون القاعدة فقهية و ما ذكره جار في المسألة الفقهية مع انها ليست بقاعدة فقهية فتدبر! هذا مع تفسير الكلية و الجزئية بالمعنى الّذي ذكر على خلاف ما هو الظاهر منهما مضافاً إلى ان بعض المسائل الأُصولية قد تكون صالحاً للأحكام الجزئية كالاستصحاب فتأمّل.

الوجه الثالث: ما ذهب إليه المحقّق الخوئي (قدّس سرّه)(2) من ان استفادة الأحكام الشرعية من المسألة الأُصولية يكون على نحو التوسيط و الاستنباط بخلاف القاعدة الفقهية فإن الأحكام الشرعية تستفاد منها على نحو التطبيق أي تطبيق الكلى على الجزئي.

____________

(1) فوائد الأُصول، الجزء الأوّل ص 19 من طبع جماعة المدرسين.

(2) المحاضرات 1/ 8.

18

و أشكل عليه الشهيد الصدر (قدّس سرّه)(1) بإشكالين:

الإشكال الأوّل: ان مسألة الاستنباط موجودة في بعض القواعد الفقهية و لا تختص بالقواعد الأُصولية و لم يذكر (قدّس سرّه) له مثالًا.

الإشكال الثاني: لو كان ملاك الفرق بينهما من هذه الجهة للزم ان يكون الخلاف بينهما ناشئاً من اختلاف كيفية طرح البحث في قاعدة فمثلًا قاعدة ان النهي عن الشي‏ء هل يقتضي الفساد لو طرحت بعنوان البحث عن الاقتضاء لكان البطلان مستنبطاً من الاقتضاء و أما لو صيغت بأنه هل العبادة المنهي عنها باطلة أم لا فتأتي مسئلة التطبيق، فهذا الإيراد يدلّنا على ان الفرق الجوهري بينهما شي‏ء آخر و الاستنباط و التطبيق يكونان من آثاره.

فتبيّن ان هذا الوجه أيضاً غير تام.

الوجه الرابع: ان القاعدة الأُصولية يتم الاستعانة بها في جميع أبواب الفقه بخلاف القاعدة الفقهية.

و فيه: ان بعض القواعد الفقهية مرتبط بجميع أبواب الفقه فمثلًا قاعدة ان علل الشرع معرفات بناء على كونها قاعدة فقهية و أيضاً قاعدة لا ضرر تجري في العبادات و المعاملات و العقود و الإيقاعات نعم بعض القواعد الفقهية مختص بباب واحد.

الوجه الخامس: ما يستفاد من كلمات السيد المحقّق الإمام الخميني (قدّس سرّه)(2) من ان القواعد الأُصولية آلية بخلاف القاعدة الفقهية فإنها

____________

(1) بحوث في علم الأُصول 1/ 22.

(2) تهذيب الأُصول ج 1.

19

استقلالية.

و هذا الفرق متين جدّاً و لكن لا يستفاد منه الملاك في كون القاعدة فقهية فتأمّل.

الوجه السادس: ان الاستنتاج في القاعدة الأُصولية غير متوقّف على القاعدة الفقهية بخلافها فإنها متوقّفة على القاعدة الأُصولية (1).

هذا و هنا فروق أيضاً بينهما من جهة المصدر و المدرك فيهما و سيأتي في الجهة السابعة.

الجهة الخامسة:

في تقسيم القواعد الفقهية

فهنا تقسيمان:

التقسيم الأوّل: ما ذكره الشهيد الأوّل‏ (2) فإنه قسم القواعد الفقهية لا باعتبار كل باب بل باعتبار الموضوعات و إليك ما ذكره ملخصاً:

ألف: القواعد المرتبطة بالاجتهاد ب: القواعد الجارية في المناكحات‏ ج: القواعد الموجودة في القضاء د: قواعد باب الجنايات‏ ه: قواعد العبادات‏ و: قواعد العقود ز: قواعد الإرث‏ ح: قواعد الحدود ط: قواعد الديات‏

____________

(1) الأُصول العامة للفقه المقارن ص 43.

(2) القواعد و الفوائد.

20

ى: قواعد القصاص فهذا التقسيم باعتبار الأبواب و الموضوعات و الظاهر انه لم يكن بصدد التقسيم الصناعي للقواعد الفقهية و إنما استقصى القواعد المختلفة في الأبواب المتعددة و لا حظها و نظّمها باعتبار الموضوعات المختلفة و بناء على ذلك لم تكن منحصرة فيما ذكره بل كلما ازداد التتبع و الاستقصاء ازدادت القواعد و الموضوعات.

التقسيم الثاني: ما ذكره الشهيد الصدر (قدّس سرّه)(1) فإنه قسمها إلى خمسة أقسام:

القسم الأوّل: ما ليس بقاعدة بمعناها الفني كقاعدة لا ضرر فإن القاعدة متقومة بشيئين الأوّل ان تكون أمراً كلياً و الثاني وجود نكتة ثبوتية واحدة ترجع إلى حقيقة واحدة و هي في الأحكام الشرعية و القواعد المجعولة الشرعية عبارة عن وحدة الجعل كقاعدة على اليد و حجيّة خبر الثقة و في المجعولات غير الشرعية كقاعدة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب ذيه عبارة عن الوحدة النفس الأمرية امّا مثل قاعدة لا ضرر فإنها مجموعة من التشريعات العدمية جمعت في عبارة واحدة فبما انها غير راجعة إلى نكتة واحدة و جعل واحد بل كلها في عرض واحد فليست بقاعدة بالمعنى الفني لها و هذا نظير ان يقال كل حكم ثبت للرجل في المعاملات فهو ثابت للمرأة أيضاً فهو تجميع جعول متعددة تحت تعبير ثانٍ.

القسم الثاني: ما يكون قاعدة بمعناها الفني مع دلالتها في نفسها على حكم واقعي كلى مجعول بجعل واحد كقاعدة ما يضمن الّتي ترجع إلى ضمان‏

____________

(1) بحوث في علم الأُصول، الجزء الأوّل.

21

اليد فهي قاعدة دالّة على نكتة ثبوتية واحدة تدلّ بنفسها على الحكم الشرعي الواقعي و لا تكون طريقاً لا ثبات الحكم الشرعي و من هذه القاعدة يستفاد الضمان في البيع الفاسد فهو غير مجعول مستقلا بل حصة من القاعدة الكلية و من هذا البيان يتضح ان القاعدة الأُصولية تقع في طريق إثبات الجعل الشرعي بخلاف القاعدة الفقهية.

القسم الثالث: ما يكون قاعدة مع دلالتها على الحكم الظاهري و بها يحرز صغرى الحكم الشرعي كقاعدة الفراغ فهذا القسم كالسابق لا يقع في طريق إثبات الجعل الشرعي بل يقع في طريق إثبات مصداق متعلّق الجعل.

القسم الرابع: ما يكون قاعدة مع دلالتها على الحكم الظاهري و بها نتوصّل إلى الحجة على أصل الجعل كقاعدة الطهارة في الشبهات الحكميّة.

القسم الخامس: ما يكون قاعدة فقهية استدلالية استند الفقيه إليها في الاستنباط كقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الإرشاد و إلى النجاسة و الفرق بين القواعد الأُصولية و هذين القسمين من القواعد الفقهية عدم اختصاص القواعد الأُصولية بباب فقهي معيّن بخلافهما.

فهذا التقسيم مع قطع النظر عن بعض المناقشات الواردة على بعض الأقسام، انما هو باعتبار الحكم الشرعي الّذي تدلّ عليه القاعدة فالقاعدة الفقهية اما ان تدلّ على الحكم الشرعي الواقعي أو تدلّ على الحكم الشرعي الظاهري و أيضاً امّا ان تكون بنفسها دالّة على الحكم الشرعي و أمّا ان تقع في طريق إثبات الحكم الشرعي و أيضاً امّا ان لا تدلّ على الحكم الشرعي أصلًا بل تدلّ على نفي الحكم الشرعي كقاعدة لا ضرر و لا جرح و قاعدة الحدود تدرأ بالشبهات و بعض القواعد الفقهية في مقام تبيين متعلّق الأحكام‏

22

و ليس في دائرة الأحكام نفياً و إثباتاً نظير كل ما توعد الشرع عليه بخصوصه فإنه كبيرة فهذه القاعدة في مقام بيان تشخيص الذنب الكبير و نظير قاعدة كل ما لم يرد فيه دية في الشرع ففيه الحكومة فتحصل ان القواعد الفقهية امّا ان تكون بصدد بيان متعلّق أو موضوعات الأحكام و أمّا ان تكون بصدد بيان الأحكام الكلية نفياً أو إثباتاً، واقعيّة أو ظاهرية.

الجهة السادسة:

في جريان القواعد الفقهية في الشبهات الحكمية و عدم جريانها.

فذهب السيد المحقّق الخوئي (قدّس سرّه)(1) إلى عدم جريانها لكون النتائج فيها أحكاماً شخصية و قاعدة لا ضرر و لا جرح جزئيّة أيضاً من جهة جريانهما في الضرر و الجرح الشخصيين لا النوعيين على ما هو التحقيق في محله.

و لكن أورد عليه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) ملاحظتين‏ (2):

الملاحظة الأُولى: ما هو المراد من الشبهة الحكمية؟ ان كان المراد منها هو الشك في المورد الّذي كان بيانه على عهدة الشارع سواء كان شاملًا لجميع المكلّفين أم لا، فمن الواضح ان البيان في الضرر الشخصي أيضاً على عهدة الشارع و إن كان المراد منها هو الشك في المورد الّذي كان بيانه على الشارع على نحو يشمل جميع المكلّفين فالضرر الشخصي و إن كان خارجاً منها الّا ان تفسير الشبهة الحكمية بهذا البيان يكون بلا وجه.

الملاحظة الثانية: ان المستفاد من بعض القواعد الفقهية هو الحكم‏

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه، الجزء الأوّل ص 10.

(2) بحوث في علم الأُصول، الجزء الأوّل.

23

الكلي الشرعي على نحو يشمل جميع المكلّفين و الظاهر تمامية الإيرادين فالقواعد الفقهية كما تجري في الشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ و اليد و الحلية كذلك تجري في الشبهات الحكمية.

الجهة السابعة:

في مصادر القواعد الفقهية.

فاعلم أن المصدر فيها لا يتخلّف عن المصدر في نفس المسائل الفقهية فبعضها مستفاد من القرآن الكريم كقاعدة لا حرج و نفي السبيل و قاعدة الإحسان و غيرها و بعضها مستفاد من السنة من عموم نصّ أو ظاهر رواية أو غيرهما و بعضها من الإجماع و العقل.

و قد يستفاد بعضها من القواعد الأُصولية كقاعدة مشروعية عبادات الصبي الّتي تستفاد من البحث الأُصولي أعنى ان الأمر بالأمر هل هو أمر بذلك الشي‏ء أم لا؟ و هذا أيضاً من نقاط الافتراق بينهما بمعنى أن القاعدة الأُصولية تصلح لان تكون علة للقاعدة الفقهية و لا عكس فتتبّع و مع ذلك كله هناك قواعد مطروحة في الفقه يستفاد منها ما يستفاد من سائر القواعد الفقهية و لكن الدليل فيها غير الدليل في الأحكام الشرعية كقاعدة أن العلل الشرعية معرفات الّتي عبر عنها المحقّق الشريف القاساني‏ (1) بعنوان القاعدة الفقهية و لا تدلّ بالمطابقة على حكم شرعي فقهي و أيضاً قاعدة انه لا اطراد في العلل التشريعية و غيرهما و الظاهر ان دليل هذه القواعد و نظائرها بناء على كونها قاعدة فقهية، هو الاستقصاء في المذاق الشرعي في الموارد المختلفة فهي قواعد مصطادة فلا دليل نقلياً معينا عليها هذا و قد تبحث عن بعض القواعد في الفقه و لكن لا بعنوان قاعدة فقهية بل كقاعدة كلية قابلة للانتفاع‏

____________

(1) تسهيل المسالك إلى المدارك في رءوس القواعد الفقهية.

24

بها في جميع العلوم كقاعدة قبح ترجيح المرجوح الّتي هي قاعدة عقلية و قاعدة انه لا تجتمع علّتان مستقلّتان على معلول واحد فلا ينبغي جعلها من القواعد الفقهية كما فعله البعض.

و قد تنشأ بعض القواعد الفقهية من بعض آخر كقاعدة ما يضمن الّتي هي ناشئة من قاعدة الإقدام و قاعدة ضمان اليد و هذا أيضاً من نقاط التمايز بينها و بين المسائل الأُصولية فتدبّر.

و قد يستفاد بعض القواعد الفقهية من بعض القواعد الكلامية كقاعدة ان الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد بناء على كونها قاعدة فقهية فهي مستفادة من قاعدة ان أفعال اللّه تبارك و تعالى معلّلة بالأغراض‏ (1).

الجهة الثامنة:

قد ادّعى الشهيد الأوّل رجوع جميع الأحكام الفقهية إلى القواعد الفقهية الخمسة

الأُولى: قاعدة تبعية العمل للنيّة و الثانية: قاعدة المشقة موجبة لليسر الّتي هي شاملة لقاعدة لا جرح و قاعدة يريد اللّه بكم اليُسر و لا يريد بكم العُسر و قاعدة البعثة بالحنيفية السمحة السهلة و قاعدة لا ضرر و لا ضرار الثالثة: قاعدة اليقين و المراد منها في نظره الاستصحاب الرابعة: الضرر المنفي الخامسة: العادة و التحقيق عدم رجوع كثير من الأحكام إلى واحد من هذه القواعد الخمسة و هذا واضح لمن تتّبع الفقه.

ثمّ ان هذا الكتاب الشريف يجمع بين دفتيه جملة من البحوث الّتي ألقاها على فضلاء الحوزة العلمية في قم المقدّسة سماحة المرجع الديني الكبير آية اللّه العظمى الشيخ محمد الفاضل اللنكراني دامت بركاته العالية استقصى فيها البحث عن مجموعة من القواعد الفقهية المهمة و قد تميز بحثه لها

____________

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص 169.

25

بالاستيعاب و العمق و الوضوح.

و من ثمّ فقد كانت محاضراته الفقهية هذه مهوى أفئدة رواد العلم و عشاق الفضل و لأجل تعميم الفائدة و نزولًا على رغبة الأفاضل فقد أمر دام ظلّه بطبعها فكان هذا الكتاب عيبة علمٍ و مجمع تحقيقٍ و منبعاً فياضاً بالعطاء و شجرة تؤتي أكلها كل حين، نسأل اللّه تعالى ان ينفع بها و إن يديم أيّام إفادات مؤلفها العامرة أنه سميع مجيب.

و لا يسعني هنا إلّا أن أشكر سماحة حجة الإسلام الشيخ محمد على الحائري نسب الّذي قام بتخريج مصادر هذا الكتاب الشريف جزاه اللّه خير الجزاء.

قم المقدسة ابن المؤلف‏ محمد جواد الفاضل اللنكراني‏ 15 رمضان المبارك 1415

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

قاعدة عدم ضمان الأمين إلّا مع التعدي و التفريط

و هي من القواعد الفقهية المشهورة بل المجمع عليها؛ إذ لم ينقل من أحد الخلاف، و لا حاجة في إثباتها إلى إقامة الدليل على عدم الضمان، بل يكفي عدم ثبوت الدليل على الضّمان، لانّ مجرد عدم ثبوت الضمان كاف في عدمه، كما هو الشأن في سائر الموارد التي يشك فيها في ثبوت حكم تكليفي أو وضعي مترتّب عليه حكم تكليفي، و العمدة في المقام ملاحظة شمول دليل ضمان اليد لما نحن فيه و عدمه، لان دليل ضمان من أتلف لا يرتبط بالمقام بعد كون مورده تحقق التلف مستنداً الى الغير و لو لم يكن المال في يده، و المفروض في المقام تحقق التلف من دون استناد إلى الأمين بل كونه سماويّاً مثلًا و كذا دليل ضمان الغارّ الثابت في قاعدة الغرور قاصر عن افادة حكم المقام، بعد عدم ثبوت تغرير في محلّ البحث، فالعمدة ملاحظة

28

قوله (ص) على اليد ما أخذت حتى تؤدى‏ (1) و أنه هل يشمل اليد الأمانيّة أم لا؟

ربما يقال باختصاصه باليد المعنونة بعنوان العادية، أو باليد غير المأذونة من قبل المالك، أو من قبل اللّه، و معلوم ان يد الأمين سواء كانت الأمانة مالكية كالعين المستأجرة عند المستأجر و المرهونة عند المرتهن و العارية عند المستعير، أو كانت شرعية كاللقطة عند الملتقط أيام التعريف، أو المال المجهول المالك، أو أموال الغيّب و القصر عند الحاكم، أو المأذون من قبله، و مثل ذلك، ليست بيد عادية و لا غير مأذونة؛ لان الفرض ثبوت الامانة و الاذن امّا من طرف المالك و أمّا من اللّه تبارك و تعالى.

و الوجه في الاختصاص امّا دعوى انصراف القاعدة في نفسها عن اليد الأمانيّة، بمعنى انّه لا يفهم منها عند الملاحظة الّا غيرها، و أمّا دعوى كون كلمة الأخذ المأخوذة في دليل القاعدة و مدركها ظاهرة في الأخذ غير المجاز و لا تشمل مطلق القبض، فإن النسبة بين الأخذ و بين القبض العموم المطلق، و أمّا دعوى ورود التخصيص عليها بعد شمولها في نفسها لليد الأمانيّة، و الدليل على التخصيص الروايات المتكثرة الواردة في عدم ضمان الأمين و لكن يبعّد هذا الاحتمال إباء سياق القاعدة عن التخصيص المتداول في باب العمومات.

و كيف كان، فان قلنا بعدم شمول القاعدة للمقام، فهو يكفي دليلًا على عدم الضمان، و إن قلنا بالشمول، فاللازم ملاحظة الروايات الواردة بعنوان‏

____________

(1) سنن الترمذي 3: 566.، سنن البيهقي 6: 95، سنن ابن ماجة 2: 802 ح 240.

29

التخصيص، فنقول:

منها ما في الوسائل عن كتاب المقنع للصدوق قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن المودع إذا كان غير ثقة هل يقبل قوله؟ قال: نعم و لا يمين عليه‏ (1)، و قد نبّهنا مراراً على ان الإرسال بهذا النحو، اي: بنحو الإسناد إلى المعصوم من دون الرواية لا يوجب قدحاً في سند الرواية؛ لأنه بمنزلة التوثيق للوسائط، فالرواية لا مجال للإشكال فيها من جهة الإرسال.

و أمّا من جهة الدّلالة فظاهر السؤال يدل على مفروغية عدم الضمان في محلّ البحث، لان محطّ نظر السائل انه إذا كان المستودع غير ثقة و قد تحقق التلف في يده، و هو يدّعى وقوعه من دون استناد اليه بل لأجل آفة مهلكة سماوية مثلًا هل يقبل قوله في ذلك؟ و هو يدل على وضوح عدم الضمان مع العلم بعدم استناد التلف اليه كما لا يخفى.

و منها مرسلة أبان بن عثمان المروية في الوسائل عمّن حدثه عن ابي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: و سألته عن الذي يستبضع المال فيهلك أو يسرق، أ عَلى صاحبه ضمان؟ فقال (عليه السلام)-: ليس عليه غرم بعد ان يكون الرجل أميناً (2). و مقتضى تعليق الحكم بعدم الغرامة في الجواب على كون الرجل أميناً ثبوت الحكم في جميع موارد ثبوت الامانة، و لو في غير مورد السؤال، من دون فرق بين ان تكون الأمانة مالكية أو شرعية.

و منها ما في المستدرك عن أمير المؤمنين (عليه السلام)-: ليس على‏

____________

(1) الوسائل 13: 228 ب 6 من كتاب الوديعة ح 77.

(2) الوسائل 13: 228 ب 4 من كتاب الوديعة ح 55.

30

المؤتمن ضمان‏ (1)، و هو نص في عدم ثبوت الضمان على المؤتمن، و لكن شموله للامين من قبل اللّه دون المالك، غير ظاهر.

و منها ما في الوسائل أيضاً عن قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبد اللّه (ع)، قال ليس لك ان تأتمن من خانك و لا تتّهم من ائتمنت‏ (2).

و الظاهر ان المراد من التطول الذي تدل عليه رواية الحلبي هو التطول في مقام العمل، مع جواز التغريم الذي هو متفرع على ثبوت الضمان، و عليه فلا ينافي التضمين من ناحية أمير المؤمنين (ع) مطلقا، و يؤيده بل يدل عليه مرسلة الصدوق، ان أبا عبد اللّه (ع) قال كان ابي (ع) يضمن الصائغ و القصار ما أفسدا و كان على بن الحسين (ع) يتفضل عليهم‏ (3). مع ان موردها صورة الإفساد و الإتلاف التي يكون الحكم فيها الضمان بمقتضى القاعدة و النصوص الكثيرة الواردة في صورة الإفساد، فالتفضل و التطول لا ينافي الضمان، و لكنه حيث يكون في المقام رواية أخرى ظاهرة في عدم الضمان، و هي رواية معاوية بن عمّار عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سألته عن الصباغ و القصار، قال، ليس يضمنان‏ (4). و دلالته على حكم صورة التلف ظاهرة و روايتان ظاهرتان في التفصيل في مثل القصار في الضمان و عدمه بين صورتي الأمن و الاتهام أولاهما: رواية

____________

(1) المستدرك 2: 506 كتاب الوديعة.

(2) الوسائل 13: 229 ب ع من كتاب الوديعة ح 9.

(3) الوسائل، أبواب أحكام الإجارة، الباب التاسع و العشرون، الحديث 20.

(4) الوسائل، أبواب أحكام الإجارة، الباب التاسع و العشرون، الحديث 14.

31

أبي بصير المشتملة على قول ابي عبد اللّه (ع): انه لا يضمن الصائغ و لا القصار و لا الحائك الّا ان يكونوا متهمين‏ (1). و ثانيتهما: رواية محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت الى الفقيه (ع) في رجل دفع ثوباً الى القصار ليقصره، فدفعه القصّار الى قصار غيره ليقصره، فضاع الثوب، هل يجب على القصّار ان يرده إذا دفعه الى غيره و إن كان القصار مأموناً؟ فوقّع (ع) هو ضامن له الا ان يكون ثقة مأموناً إن شاء اللّه‏ (2).

يكون مقتضى الجمع بين الروايات المتعارضة في المقام هو التصرف في المطلقات منها و حملها على الرواية المفصلة التي يكون مقتضاها ثبوت الضمان مع التهمة و عدم كونه مأموناً، و عدمه مع كونه كذلك، و عليه تتحقق المخالفة للروايات المتقدمة الظاهرة في عدم ضمان الأمين مطلقا، فاللازم ان: يقال ان الروايات الدالة على الضمان في المقام خارجة عن محلّ البحث، لان موردها صورة الشك في تحقق التلف في يد الصائغ و القصار و مثلهما، و الدليل عليه مضافاً الى التعليل بكون تضمين أمير المؤمنين (ع) انّما هو لأجل الاحتياط على أمتعة الناس ذيل رواية السكوني الدال على انّه لم يكن يضمن من الحرق و الغرق و الشي‏ء الغالب‏ (3)؛ فان مقتضاه انه مع العلم بثبوت التلف و استناده إلى أمر آخر دون مثل الصائغ، لم يكن هناك تضمين أصلًا فالتضمين الثابت في الصدر انّما هو في مورد الشك في تحقق التلف أو الشك في الاستناد الى العامل و احتمال كونه هو المتلف، و منه يظهر

____________

(1) الوسائل، أبواب أحكام الإجارة، الباب التاسع و العشرون، الحديث 12.

(2) الوسائل 13: 275 ب 29 من كتاب الإجارة ح 18.

(3) ص 39.

32

ان مورد الرواية المفصلة أيضاً انّما هو خصوص صورة الشك، و يؤيده بل يدل عليه ان نفس هذا التفصيل لا يتلاءم الّا مع هذه الصورة؛ فإن الاتهام و عدمه لا يرتبطان الّا بما إذا كان هناك شك، و إلا فمع العلم بثبوت التلف و عدم الاستناد الى العامل لا يكون فرق بين المتهم و غيره، فالإنصاف ان الروايات الدالّة على عدم الضمان محكمة.

هذا ما ورد في باب الإجارة، و قد ورد في أبواب آخر بعض ما يدل على الضمان، مثل ما ورد في باب المضاربة بمال اليتيم، و إن العامل ضامن، و ما ورد في العارية، مما يدلّ على ضمان عارية الدرهم و الذهب و الفضة و ما ورد في الوصي مما يدل على ضمانه في الجملة، و ما ورد في باب اللقطة، و انه إذا تلفت فالواجد ضامن لها، و لكنّها على تقدير عدم إمكان حملها على ما لا ينافي الروايات المتقدمة، يكون مفادها ضمان الأمين في الجملة، لا بأس به؛ لأن قاعدة عدم ضمان الأمين قابلة للتخصيص، و لا مجال للالتزام بابائها عنه أصلًا.

ثمّ انّه مع ما عرفت من وجود روايات متكثرة واردة في المسألة، و إن الأمين لا يكون ضامناً الّا مع التعدي أو التفريط.

و منها غير ذلك من الروايات الواردة في الأبواب المتعددة من الوديعة و العارية و اللقطة و غيرها، الدالة على عدم ثبوت ضمان على الأمين، نعم هنا بعض الروايات الظاهرة في الضمان مثل ما ورد في القصار و الصائغ كرواية يونس قال: سألت الرّضا (عليه السلام) عن القصار و الصائغ أ يضمنون؟ قال: لا يصلح الّا ان يضمنوا (1). و رواية الحلبي عن‏

____________

(1) الوسائل، أبواب أحكام الإجارة، الباب التاسع و العشرون، الحديث 9.

33

ابي عبد اللّه (ع) قال كان أمير المؤمنين (ع) يضمن القصار و الصائغ احتياطاً على الناس، و كان ابي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً (1). و رواية السكوني عن ابي عبد اللّه (ع): قال كان أمير المؤمنين يضمن الصباغ و القصار و الصائغ احتياطاً على أمتعة الناس، و كان لا يضمن من الغرق و الحرق و الشي‏ء الغالب‏ (2).

يشكل الاستدلال في مقابل عموم قاعدة ضمان اليد على تقديره بإجماع الفقهاء و إرسالهم المقام إرسال المسلّمات؛ فإنه مع وجود روايات متكثّرة دالة على عدم الضمان، ثبوت حجيّة بعضها من جهة السّند ايضاً، لا يبقى أصالة للإجماع، و لا مجال لدعوى كونه دليلًا مستقلا في مقابل الروايات، كما لا يخفى. نعم لو كانت الروايات بأجمعها قاصرة من حيث السّند، لكان الإجماع كاشفاً عن الاعتبار و جابراً للضعف من جهة السّند.

و كيف كان فالعمدة على تقدير شمول قاعدة ضمان اليد هي الرّوايات الواردة في عدم ضمان الأمين، هذا كله من جهة الدليل على القاعدة، و أمّا من سائر الجهات، فيقع الكلام في أمور:

الأمر الأوّل-

ان الضمان المنفي هنا هو الضمان الثابت في قاعدة اليد،

و هو كون المال في ذمّة ذي اليد و في عهدته، الذي هو أمر اعتباري عند العقلاء و الشرع، و إن كان بينهما اختلاف في بعض الموارد، و هو اي ثبوت المال في العهدة، و بتعبير الرواية «على اليد» يستمرّ الى ان يتحقق أداء نفس المال مع وجوده و إمكان أدائه أو أداء مثله أو قيمته عند تلفه أو ما بحكمه،

____________

(1) الوسائل، أبواب أحكام الإجارة، الباب التاسع و العشرون، الحديث 4.

(2) الوسائل، أبواب أحكام الإجارة، الباب التاسع و العشرون، الحديث 6.

34

فمرجع الضمان المنفي هنا الى عدم ثبوت المال التالف على عهدة الأمين و في ذمّته، فلا يجب عليه أداء مثله أو قيمته و قد عبّر في مرسلة أبان المتقدمة بأنه ليس عليه غرم بعد ان يكون الرجل أميناً.

الأمر الثاني- ان المراد من الأمين هو مقابل الخائن‏

الذي إذا وقع مال الغير تحت يده و في اختياره لا يأبى عن الخيانة فيه الموجبة لتلفه أو لحصول منقصة فيه، و هل المراد من الأمين من كان غير خائن في نفسه و بحسب وصفه الواقعي، كما اشتهر توصيف النبي (ص) به قبل البعثة إذ يخاطبونه (ص) بأنه أمين، أو ان المراد منه في المقام هو المؤتمن الذي ائتمنه صاحب المال على‏ الى ماله الذي أوقعه تحت يده؟ و على التقدير الثاني هل المراد بالمؤتمن من كان مورداً لوثوق صاحب المال و اطمئنانه بأنه يكون محفوظاً عنده بجميع أجزائه و أوصافه و لا يتحقق منه الخيانة بالنسبة إليه أصلًا، أو ان المراد بالمؤتمن من كان طبع جعل المال في اختياره مقتضياً لعدم خيانته، مثل ما إذا كان بصورة الوديعة التي غرضها حفظ المال، أو العارية التي يكون غرضها الانتفاع مع بقاء المال بجميع شئونه، و إن لم يكن مورداً للوثوق بوجه أصلًا؟

لا بد للوصول الى ما هو المراد من الأمين في القاعدة المبحوث عنها في المقام، من ملاحظة عدم اختصاصها بالأمانة المالكية و شمولها للأمانة الشرعية التي يكون الاذن فيها من قبل الشارع، و من الواضح عدم تحقق الأمانة في مقابل الخيانة بحسب الوصف الواقعي في كثير من مواردها، كما انه لا معنى لتحقق الايتمان في جميعها بمعنى الوثوق بأنه لا يتحقق منه الخيانة و لا يصدر منه الخلاف.

35

كما أنّه لا بد من ملاحظة رواية المقنع المتقدمة التي وقع فيها السؤال عن المودع إذا كان غير ثقة، فإن ظاهره تحقق الإيداع من المالك مع عدم وثوقه بالمستودع، الّا ان يقال: ان المراد هو عدم الوثاقة في القول غير المنافي للأمانة في مقام العمل، أو يقال بخروجه عن الوثاقة بعد الإيداع و إن كان متصفاً بها حينه، و لكن الاحتمالين الأخيرين بعيدان، و الظاهر هو الأوّل.

ثمّ انه لا بد من ملاحظة أمر ثالث، و هو ان استثناء صورة التعدي و التفريط من ضمان الأمين هل يكون بنحو الاستثناء المتّصل كما هو ظاهر عنوان القاعدة، أو بنحو الاستثناء المنقطع، الذي مرجعه الى زوال وصف الأمانة في إحدى الصورتين، و المراد بالتعدي هو ان يفعل فعلًا يضرّ بالمال الذي يكون تحت يده، كما إذا كان المال حيواناً فجعل غذائه مما لا يناسبه، كما ان المراد بالتفريط هو ترك فعل موجب لتلفه كما إذا ترك تغذيته بالمرّة في مثال الحيوان.

ربما يقال بالثاني كما اختاره المحقق البجنوردي في قواعده الفقهية (1)، حيث ذكر ان عدم التعدي و التفريط مأخوذان في حقيقة الأمين، و الاستثناء في القاعدة مستدرك، لأنه إذا صدر عنه التعدي أو التفريط فهو خائن و ليس بأمين، فهما ضدان.

و لكن ما افاده مضافاً الى ما عرفت من كونه خلاف ظاهر عنوان القاعدة فرع كون المراد من الأمين هو الأمين بحسب وصفه الواقعي في مقابل الخائن كذلك، و هو أوّل الكلام، بل محلّ منع بعد ما عرفت من عدم‏

____________

(1) القواعد الفقهية للبجنوردى 2: 7.

36

ثبوته في كثير من موارد الأمانة الشرعية بل المالكية على ما مرّ من ظهور السؤال في الرواية في ذلك.

و بما ذكرنا ينقدح ان المراد من الأمين في المقام هو المؤتمن، و إن المراد من المؤتمن هو الذي يكون طبع جعل المال بيده مقتضياً لعدم خيانته، و كأنه يكون مقيّداً به من دون فرق بين ان يكون الاذن من المالك أو من اللّه، و لا يشترط ثبوت وصف الامانة له في نفسه، و لا الوثوق بكون المال محفوظاً عنده، و عليه يكون استثناء صورة التعدي و التفريط بنحو الاستثناء غير المنقطع، نعم لا بد حينئذٍ من اقامة الدليل عليه، و سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى.

و يدلُّ على ما ذكرنا رواية المقنع المتقدمة إِذ وصف الامام (ع) الرجل بكونه أميناً مع عدم تعرض في السؤال لثبوت وصف الامانة له، و لا للوثوق لصاحب المال بعدم تحقق الخيانة منه أصلًا، فمعناه ان نفس جعل المال في يد المستبضع مقتض لذلك، و إن لم يكن هناك امانة واقعاً و لا وثوق أصلًا.

الأمر الثالث-

في استثناء صورة التعدّي أو التفريط من الحكم بعدم ضمان الأمين،

و لا يخفى عدم ورود هذين العنوانين في دليل شرعي حتى يجب التكلّم في مفادهما من حيث موضوعيتهما للحكم الشرعي، بل الوجه في ثبوت الضمان في موردهما (مع ملاحظة ان المتفاهم العرفي من عنوان التعدي هو التجاوز اي التجاوز عن دائرة الاذن و التعدي عما هو المأذون فيه و من عنوان التفريط هو التضييع، فالتعدي هو الإفراط و التجاوز، و التفريط هو التضييع هو كون التلف في موردهما مستنداً الى من كان المال‏

37

في يده، فيتحقق عنوان الإتلاف الذي هو سبب مستقل لتحقق الضمان؛ لقاعدة الإتلاف التي هي قاعدة مستقلة غير قاعدة ضمان اليد، و الوجه فيه وضوح انّه لو غذّي الحيوان بما لا يناسبه كمّاً أو كيفاً فتلف، يكون تلفه حينئذٍ، مستنداً الى من فعل به ذلك، كما انه لو ترك تغذيته بالمرة، يستند التلف الى التارك، و عليه فالوجه في ثبوت الضمان في موردي التعدي و التفريط هو صدق الإتلاف حينئذٍ، و لا شبهة في عدم شمول الروايات المتقدمة الدالة على عدم ضمان الأمين لصورة الإتلاف، بل موردها صورة التلف عنده؛ فان مورد السؤال في رواية المقنع المتقدمة صورة انعدام المال مع الشك في كونه بنحو التلف أو الإتلاف، مع دعوى من كان المال في يده الأوّل، و ظاهره انه مع العلم بحصول الإتلاف و استناد التلف اليه لا يبقى مجال لتوهم عدم ثبوت الضمان، كما ان مورد المرسلة صورة الهلاك أو السّرقة من دون مدخليّة المستبضع في ذلك أصلًا، و أمّا قوله (ع): ليس على المؤتمن ضمان، فالمتفاهم العرفي منه هو عدم الضمان مع التلف، لا ما يشمل صورة الإتلاف أيضاً، فبعد قصور أدلة عدم ضمان الأمين عن شمول صورة الإتلاف يكون مقتضى سببية الإتلاف للضمان ثبوته مع التعدي و التفريط الموجبين لتحقق الإتلاف. و على ما ذكرنا يصير استثناء صورتي التعدي و التفريط من قبيل الاستثناء المنقطع، لا بالنحو الذي ذكر سابقاً، بل من جهة ان مورد القاعدة صورة التلف، و الصورتان واردتان في مورد الإتلاف، فتدبر.

نعم قد يتحقق عنوان التّعدي مع عدم صدق الإتلاف و تحقق‏

38

الاستناد، كما في مورد صحيحة أبي ولّاد (1) المعروفة الواردة في مورد اكتراء البغل الى مكان معين، فتجاوز عما اذن له الى مكان آخر، الدالة على ثبوت الضمان لو تلف البغل، و انه يضمن قيمة بغل يوم المخالفة.

و الوجه في ثبوت الضمان فيه مضافاً الى إمكان دعوى صدق الإتلاف في مثل هذا المورد ايضاً فتدبّر انه مع التعدي و التجاوز عمّا اذن له، يكون مقتضى قاعدة اليد ثبوت الضمان فيه، سواء قلنا بان المراد من اليد فيها هي اليد العادية، أو اليد غير المأذونة، أو مطلق اليد، و لا دلالة للروايات المتقدمة الواردة في عدم ضمان الأمين على نفي الضمان في هذه الصّورة، لعدم شمولها لها بوجه، كما لا يخفى.

الأمر الرابع-

قد مرّت الإشارة بل التصريح مراراً الى أنّ المراد من الأمانة في هذه القاعدة أعمّ من الأمانة المالكية و الأمانة الشرعيّة،

و المراد بالأولى‏ هو ما إذا كان وقوع المال بيده بإذن المالك أو من هو بحكمه كوكيله أو الوليّ و بالثانية هو ما إذا كان الاذن المزبور من قبل اللّه تبارك و تعالى دون المالك، فمورد الأولى جميع المعاملات التي تصدر من المالك أو من بحكمه، بدون ان تكون متضمنة لنقل العين، سواء كان من جهة تمليك المنفعة كباب الإجارة، أو تمليك الانتفاع كالعارية، أو كان الغرض مجرد كونه محفوظاً عنده كالوديعة، أو كان الغرض ان يعامل معه بحصة من الربح كالمضاربة، أو ان يزرع فيها بحصة من الحاصل كالمزارعة، أو ان يسقيها بحصة من الثمرة كالمساقاة، أو ان يحملها من مكان الى مكان آخر كالحمال و المكارى ففي جميع هذه الموارد تكون الأمانة مالكية.

____________

(1) الوسائل 13: 255 ب 17 من كتاب الإجارة ح 1.

39

و مورد الثانية جميع الموارد التي يكون الاذن فيها من طرق الشارع، كالمعاملات التي تقع على أموال الغيّب و القصّر، بدون ان يكون فيها نقل العين، كجميع ما ذكرنا في موارد الأمانة المالكية، و كذلك في مثل اللقطة التي يكون الملتقط مأذوناً فيها من قبل الشارع، ما دام مشغولًا بالتعريف، فالامانة في القاعدة تشمل كلتا الأمانتين.

الأمر الخامس-

انه قد انتقض عموم هذه القاعدة بموارد:

الأوّل المقبوض بالسّوم،

فقد حكموا فيه بالضمان، مع ان وقوع المال تحت يد القابض انّما هو بإذن المالك أو من بحكمه كما هو المفروض في المقبوض بالسّوم.

و ربّما يجاب تارة بأن هذه المسألة خلافية، و قد ذهب جمع الى عدم الضمان معلّلًا بأنه أمانة مالكية، و أخرى بأنه يمكن ان يقال بأنه ليس القبض فيه بعنوان الامانة بل، بعنوان ان يكون عند اختيار القابض للاشتراء، مضموناً عليه بالمسمّى، و بعبارة اخرى يكون قبضه و أخذه بعنوان المقدميّة للشراء الذي يكون فيه الضمان بالمسمّى فهو، خارج عن الأمانة المالكيّة و الشرعية بالتخصص لا بالتخصيص، فلا تنخرم به القاعدة، لأنه خارج عن موضوع الأمانة.

أقول: لا خفاء في بطلان الجواب الثاني؛ لأن الأخذ بعنوان المقدمية للشراء، الذي يكون فيه الضمان بالمسمّى، لا يوجب الخروج عن الأمانة المالكية، بعد وضوح كون المال واقعاً تحت يده بإذن المالك، و كان الغرض منه انه على تقدير تعلق غرض القابض، و موافقة شرائه لمصلحته، ان يتحقق منه الشراء، فالمقدميّة لا تقتضي إسراء حكم ذي المقدمة إليها،

40

خصوصاً بعد عدم ترتبه عليها أحياناً، لعدم موافقته لغرض القابض و عدم تحقق الاشتراء عقيبه.

فالحق ان يقال: ان مبنى الحكم في المقبوض بالسّوم ان كان هو القاعدة، فهي تقتضي عدم الضمان؛ لأنه أمانة مالكية يجري فيها ما يجري في سائر الموارد، و إن كان هو الدليل الخاص، فلا مانع منه على فرض تماميّته؛ لصلاحية أدلة عدم ضمان الأمين لورود التخصيص عليها و عدم ابائها عنه.

الثاني المقبوض بالعقد الفاسد،

فقد حكموا فيه بالضمان، و أجروه مجرى الغصب في جميع الاحكام، الّا في الإثم في خصوص صورة الجهل بالفساد، مع ان القابض مأذون من قبل المالك، من دون فرق بين قبض الثمن بالإضافة إلى البائع، و المثمن بالنسبة إلى المشتري.

و الجواب عنه، أوّلًا: ان مورد القاعدة في الأمانة المالكية ما إذا كان وقوع المال تحت يد الغير بإذن المالك مع حفظ كونه مالكاً، و إن الغير المأذون مأذون عن المالك و من قبله في ان يكون ماله تحت يده، فالمفروض كون الآذن مالكاً و المأذون غير مالك، و أمّا القبض في المقبوض بالعقد الفاسد، فإنّما يتحقق بتخيل كون القابض صار مالكاً بالعقد الواقع بينهما، ففي الحقيقة يكون تسليم المال من المثمن و الثمن، انّما هو باعتبار كونه مالكاً يستحق ملكه و ماله؛ ضرورة ان تسليم المبيع إلى المشتري من البائع، انّما هو باعتقاد صيرورته مالكاً للمبيع بالبيع الواقع بينهما، فليس من قبيل اذن المالك للغير و وقوع المال تحت يده مقروناً به، فلا تتحقق الأمانة المالكية، و هذا في صورة الجهل بالفساد واضح، ضرورة انه مع‏

41

الجهل و اعتقاد صحة المعاملة لا يكون القبض و الإقباض الّا بتخيل تحقق الانتقال و حصول الملكية للقابض، و إن المال ماله، فبينه و بين الأمانة المالكية المفروضة في القاعدة بون بعيد، و أمّا في صورة العلم بالفساد و تحقق الإقباض معه فربما يقال: إِن الإقباض من الغير اذن في قبض مال المالك، مع حفظ مالكيته، فيكون ماله عند القابض أمانة مالكية، و لكن يمكن ان يقال: إنه في هذه الصورة أيضاً لا تتحقق الأمانة، المالكية لأنّ الإقباض و لو مع العلم بالفساد إنّما يبتني على عدم الاعتناء بالفساد، الذي حكم به الشارع، و بعبارة اخرى يحكم نفس البائع مثلًا بصحة المعاملة على خلاف الشارع، و يأذن في القبض مبنيّاً عليه، و إلا لا يتحقق الجمع بين العلم بالفساد و بين الإقباض معه، فتدبّر.

و كيف كان فلا شبهة في خروج صورة الجهل بالفساد و القبض معه عن الأمانة المالكية المبحوث عنها في القاعدة.

و ثانياً: ان المفروض في الأمانة المالكية و كذا الشرعية هو ان يكون وقوع المال تحت يد الغير مأذوناً فيه من دون ان يقع في مقابله عوض، ففي الإجارة التي هي من موارد الأمانة المالكية، و إن كان قد وقع في مقابل المنفعة عوض، الّا انه لم يقع في مقابل العين التي تكون في يد المستأجر بإذن الموجر شي‏ء، و أمّا في المقبوض بالعقد الفاسد فيكون اذن المعطى مقيّداً بالعوض و واقعاً في مقابله، غاية الأمر انه حيث لم يمض الشارع العوض المسمّى؛ لفرض فساد المعاملة؛ يكون عليه العوض الواقعي من المثل أو القيمة في صورة التلف، فالمقبوض بالعقد الفاسد خارج عن الأمانتين.

42

الثالث المبيع التالف في يد البائع قبل قبضه و بعد تحقق المعاملة الصحيحة،

فإنه مضمون على البائع، و إن كان بقاؤه في يد البائع بإذن المشتري المالك له بمجرّد وقوع العقد.

و الجواب، ان الدليل على الضمان فيه هي الأخبار الواردة الدالة على انّ كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه، و قد فهم منها المشهور باعتبار عدم كونه من قبيل الضمانات و تلف ملك الغير في يده، و إلا لو كان كذلك لكان مقتضاه الضمان الواقعي أي المثل أو القيمة انفساخ العقد آناً ما قبل التلف، و رجوع كل واحد من العوضين الى ملك مالكه الأوّل، فالتلف وقع في ملك البائع، و عليه فلا يرتبط ذلك بالمقام بوجه.

و في هذه الاخبار احتمال آخر مذكور في محلّه، و لا بد من البحث في مفاد هذه الاخبار الذي هو قاعدة فقهية مستقلة إن شاء اللّه تعالى.

الرابع المال الباقي في يد الغاصب بإذن المالك‏

فإنه حكم فيه بالضمان في البقاء ايضاً، مع انّه مأذون فيه من قبل المالك على ما هو المفروض.

و الجواب: انه ان كان البقاء مأذوناً فيه حقيقة من طرف المالك، بان كان الغاصب قد أراد تسليم العين المغصوبة إلى المالك و جعلها في اختياره، و مع ذلك لم يقبل المالك، بل جعلها امانة عنده، فالحكم بالضمان فيه ممنوع جدّاً؛ لانه لا مجال له أصلًا، و كون حدوث الوقوع تحت يد الغاصب بلا اذن لا يقتضي دوام الحكم و استمراره الى البقاء المغاير للحدوث، في الاذن و عدمه.

و إن لم يكن البقاء مأذوناً فيه حقيقة، بل كان مجرد رضاء المالك بالبقاء، فهذا لا يقتضي تحقق الأمانة المالكية و لا رفع الضمان بوجه أصلًا.

43

الخامس انهم حكموا بالضمان في اللقطة و مجهول المالك إذا تصدق به عن صاحبه،

ثمّ وجد المالك و لم يرض بالتصدق، مع ان أصل يده و كذا التصدق مأذون فيه قبل الشارع، فكيف يجتمع ذلك مع الحكم بالضمان.

و الجواب: وقوع الخلط في هذا المورد؛ فانّ مورد القاعدة على ما عرفت هي صورة التلف، و لا إشكال في انه مع تلف المال في يد الملتقط و كذا مال مجهول المالك، لا يتحقق، به الضمان بوجه؛ لأنه أمانة شرعية.

و أمّا التصدق الذي هو بمنزلة إتلاف مال الغير، فهو خارج عن مورد القاعدة، و الوجه في الضمان فيه مع كونه مأذوناً فيه من قبل الشارع، هو كون الاذن به مقيّداً بذلك بمعنى، ان الشارع لم يأذن بالتصدق مطلقاً بل به مقيّداً بالضمان، مع وجدان المالك و عدم الرضا بالتصدّق.

السادس المأكول في المخمصة

فقد حكم فيه بالضمان مع ان الأكل كان مأذوناً فيه من قبل الشارع.

و الجواب: ما تقدم في الأمر الخامس من عدم شمول القاعدة لصورة الإتلاف بوجه، و الأكل من مصاديق الإتلاف، و ثبوت الضمان فيه مع كونه مأذوناً فيه من قبل الشارع انّما هو لأجل كون الاذن مقيّداً به كما في التصدق في الأمر الخامس.

فانقدح من جميع ما ذكرنا عدم انتقاض القاعدة بمورد من هذه الموارد أصلًا، و إن الموارد المتقدمة التي تخيل النقض بها كلها غير مرتبطة بها، و قد عرفت ايضاً انه لا مانع من تخصيص القاعدة لو كان هناك دليل على التخصيص؛ لعدم ابائها عنه أصلًا.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

قاعدة الإتلاف‏

و هي ايضاً من جملة القواعد الفقهية المشهورة، بل لا خلاف فيها، بل ممّا اتفق عليها الكلّ، بل ربما يقال: انّها مسلمة بين جميع فرق المسلمين، بل ربّما يدّعى انّها من ضروريات الدين، و لكن يجب توجيهه بان المراد كونها من ضروريات الفقه لا من ضروريات الدين حتى يوجب إنكارها الارتداد و الخروج عن الإسلام، و قد نبّهنا مراراً ثبوت الفرق بين ضروري الفقه و بين ضروري الدين، و إن إنكار الأوّل لا يوجب الارتداد بخلاف الثاني، و عبارة القاعدة بمثل هذا النحو: من أتلف مال الغير بدون اذن منه فهو له ضامن، و البحث فيها من جهات:

الجهة الاولى-

في مدرك القاعدة،

و الظاهر عدم كونها واردة بهذه العبارة في رواية، و إن اشتهر في الألسن: من أتلف مال الغير فهو له ضامن، و لكن الظاهر انه لا يوجد في كتب الحديث.

46

و استدل عليها الشيخ في محكي المبسوط (1) و ابن إدريس‏ (2) في محكي السّرائر بقوله تعالى‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ (3). نظراً الى ان إتلاف مال الغير بدون اذنه و رضاه اعتداء عليه، و تعبيره سبحانه و تعالى عن ضمان المثل و القيمة بالاعتداء انّما هو للمشاكلة التي هي من المحسّنات البديعية، كقوله تعالى‏ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (4)، فالآية تدل دلالة واضحة على ان من أتلف مال الغير بدون اذنه و رضاه فهو له ضامن.

و يمكن المناقشة في الاستدلال بالآية تارة من جهة ان عنوان الإتلاف المأخوذ في القاعدة أعم من الإتلاف الواقع عن عمد و اختيار، لأن الإتلاف في حال النوم مثلًا يوجب الضمان للقاعدة، مع انه يمكن منع تحقق الاعتداء مع عدم التوجه و الالتفات فتدبّر، و أخرى من جهة ان مفادها جواز الاعتداء بالمماثل بنحو الحكم التكليفي للغير، و أمّا الضمان الذي هو حكم وضعي على من صدر عنه الإتلاف كما هو مفاد القاعدة فلا دلالة للآية عليه.

و ربما يستدل عليها بقاعدة ضمان اليد المستفادة ممّا رواه في المبسوط عن الحسين أو حسن عن سمرة ان النبي (ص) قال: على اليد ما أخذت‏

____________

(1) المبسوط 3: 60.

(2) السرائر 2: 480.

(3) البقرة: 194.

(4) الشورى: 40.

47

حتى تؤدّى‏ (1)، و في بعض النسخ: حتى تؤدّيه. و هذه الرواية مروية عن طريق الخاصّة أيضاً، نظراً إلى انه إذا كان التلف موجباً للضمان فالاتلاف بطريق اولى.

و لكن الظاهر بعد ملاحظة ان المراد باليد في قاعدة ضمان اليد هي اليد العادية أو غير المأذونة، على ما مرّ في قاعدة عدم ضمان الأمين المتقدمة، و بعد ملاحظة ان المراد من عدم الاذن في قاعدة الإتلاف، عدم الاذن في الإتلاف لا عدم الاذن في كونه في يد الغير ان النسبة بين الموردين عموم من وجه، لافتراق قاعدة الإتلاف فيما إذا أتلف مال الغير مع عدم كونه تحت يده بوجه كما إذا رماه بسهم مثلًا فأتلفه، و فيما إذا أتلف مال الغير مع كون يده عليه بإذن من المالك، كما في صورتي التعدي و التفريط في الأمانة المالكية على ما مرّ، و افتراق قاعدة ضمان اليد فيما إذا كانت العين في يد الغير مع كونها عادية أو غير مأذونة باقية لم يتحقق تلفها لها بعد، فإنها تكون حينئذ مضمونة و على عهدة ذي اليد، على ما هو مفاد القاعدة، مع عدم شمول قاعدة الإتلاف لها بوجه، و على ما ذكرنا لا مجال لاستفادة حكم المقام من قاعدة ضمان اليد إلّا بالإضافة إلى خصوص مادّة الاجتماع، و هو لا يترتب عليه اثر بعد دلالة قاعدة ضمان اليد.

و عن الشيخ في المبسوط (2) روى الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي (ص) انه قال: حرمة مال المسلم كحرمة دمه و رواه الخاصة أيضاً و مقتضى عموم التشبيه ثبوت الضمان في إتلاف المال‏

____________

(1) المبسوط 3: 56.

(2) المبسوط 3: 59.

48

كثبوته في الدم.

و روى الشيخ أيضاً في المبسوط عن عبد اللّه بن السائب عن أبيه عن جده عن النبي (ص) انّه قال: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جاداً و لا لاعباً، من أخذ عصا أخيه فليردّها.

و في الاستدلال به مضافاً الى ما عرفت من عدم اختصاص مورد القاعدة بما إذا كانت اليد على المال غير مأذونة، لشمولها لصورة الإذن، غاية الأمر عدم كون الإتلاف مأذوناً فيه ان غاية مفاده الحكم التكليفي و هو وجوب الردّ، و أمّا الضمان الذي هو حكم وضعي فلا.

و روى في المستدرك عن دعائم الإسلام روايات في هذا الباب:

منها ما عن ابي عبد اللّه (ع) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) ان رسول الله (ص) خطب يوم النحر بمنى في حجّة الوداع و هو على الناقة العضباء فقال: ايها الناس، اني خشيت ان لا ألقاكم بعد موقفي هذا، بعد عامي هذا، فاسمعوا ما أقول لكم فانتفعوا به. ثمّ قال: ايّ يوم أعظم حرمة؟ قالوا هذا اليوم يا رسول اللّه (ص) قال: فأيّ الشهور أعظم حرمة؟ قالوا: هذا الشهر يا رسول اللّه (ص) قال: فأيّ بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد يا رسول اللّه (ص) قال: فإنّ حرمة أموالكم عليكم و حرمة دمائكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، الى ان تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم، قال: اللّهم اشهد، الحديث‏ (1).

و منها ما عن ابي عبد اللّه (ع) ايضاً، انه قال في حديث: فمن نال‏

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 145 ب 1 من كتاب الغصب.

49

من رجل شيئاً من عرض أو مال وجب عليه الاستحلال من ذلك و الانفصال من كلّ ما كان اليه، و إن كان قد مات فليتنصل من المال الى ورثته و ليتب الى اللّه مما اتى اليه حتى يطلع عليه عزّ و جلّ بالنّدم و التوبة و الانفصال، ثمّ قال: و لست أخذ بتأويل الوعيد في أموال الناس و لكني أرى ان أؤدّي إليهم ان كانت قائمة في يدي من اغتصبها و يتنصل إليهم منها، و إن فوّتها المغتصب اعطى العوض منها فان لم يعرف أهلها تصدق بها عنهم على الفقراء و المساكين، و تاب الى اللّه عزّ و جلّ مما فعل‏ (1).

و منها ما عن أمير المؤمنين (ع) انه قضى فيمن قتل دابة عبثاً أو قطع شجراً أو أفسد زرعاً أو هدم بيتاً أو عوّر بئراً أو نهراً ان يغرم قيمة ما استهلك و أفسد، و ضرب جلدات نكالًا، و إن أخطأ و لم يتعمد ذلك، فعليه الغرم، و لا حبس و لا أدب، و ما أصاب من بهيمة فعليه ما نقص من ثمنه‏ (2).

و دلالة هذه الروايات و إن كانت مخدوشة بالإضافة إلى أكثرها، الّا ان ملاحظة المجموع مع الأدلة المتقدمة و مع كون القاعدة متّفقاً عليها لا تبقى ريباً في ثبوتها، و لا شكاً في تحقّقها، و لأجله لا حاجة الى التطويل بذكر سائر المدارك، كما لا يخفى.

الجهة الثانية-

في بيان المراد من ألفاظ هذه القاعدة،

فنقول:

امّا الإتلاف المضاف الى المال فالظاهر انّ المراد منه هو الافناء

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 145 ب 1 من كتاب الغصب و في طبع مؤسسة آل البيت 17: 87.

(2) مستدرك الوسائل 3: 147 9 من كتاب الغصب، و في الطبعة الجديدة 17: 95.

50

و الإهلاك المتعلق بذات المال بأن أخرجه عن صفحة الوجود و أفناه بالمرّة بحيث لم يكن هناك شي‏ء يشار إليه بأنّه مال الغير، و أمّا إذا تعلّق الافناء لا بذات المال و نفسه بل بماليّته مع بقاء ذاته، كما لو غصب الثلج في الصيف فإبقاء إلى الشتاء، فردّه فيه مع انه لا مالية له في الشتاء، اي لا يبذل بإزائه المال فيه، فالظاهر عدم شمول القاعدة له، سواء كانت بهذه العبارة المعروفة أو بمثل ما في بعض الروايات المتقدمة من ان حرمة مال المسلم كحرمة دمه، فان التعبير الثاني أيضاً لا يقتضي الضمان بعد بقاء المال بذاته، و إن عرض له الفناء و الهلاك بملاحظة ماليّته، الّا ان يستفاد حكمه من مثل قوله تعالى‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ نظراً الى ان افناء المالية اعتداء لا محالة.

و أمّا المال المضاف إليه الإتلاف فالظاهر ان المراد به هو المال في الآية الشريفة و هي قوله تعالى‏ الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا (1). و هو عبارة عن كل شي‏ء يكون مطلوباً و مرغوباً عند الناس؛ لأجل قضاء حوائجهم به، و دخيلًا في معاشهم أو شي‏ء يحصل مطلوبهم به.

فالأوّل كالمأكولات و المشروبات و الملبوسات و المساكن و المراكب و مثلها من دون فرق ما كان من قبيل الجواهر الموجودة لا في موضوع، أو من قبيل الأعراض التي تسمّى في الاصطلاح بالمنافع كركوب الدابة و سكنى الدّار و التزين بالذهب و الأحجار الكريمة، أو ما يكون الاحتياج اليه نوعاً أو في خصوص بعض الحالات كالأدوية التي يعالج بها المريض و كالآلات المحتاج إليها في دفن الأموات.

____________

(1) الكهف: 46.

51

و الثاني كالاوراق المالية الموجودة في هذه الأزمنة التي لها دخل في تحصيل ما يرفع الحوائج بها؛ فإنّها أيضاً مال، غاية الأمر ان ماليّتها أمر اعتباري يدور مداره، فما دام الاعتبار مستظهراً له يكون اتصافه بالمالية محفوظاً، و أمّا تعريف المال بأنه ما يبذل بإزائه المال، فهو و إن كان شاملًا لجميع ما ذكرنا، الّا انه لا خفاء في كونه تعريفاً دوريّاً.

و أمّا الضمان المأخوذ في القاعدة، فحيث يكون المفروض فيها صورة الإتلاف، يكون مرجع ضمان المال المتلف الى كونه في عهدته يجب الخروج عنها بأداء المثل في المثليات و القيمة في القيميات، و لا مجال للضمان المعاوضي هنا بعد عدم وجود معاوضة في البين، بل الضمان هو الضمان الحقيقي الذي هو عبارة عن ضمان المثل أو القيمة.

و قد عرفت انّ الضمان في القاعدة مقيد بصورة عدم الاذن و مرّ، ايضاً ان المراد هو عدم الاذن في الإتلاف، من دون فرق بين ما إذا كانت يده على مال الغير على تقدير ثبوت اليد يداً عادية أو غير مأذونة، و بين ما إذا كانت يداً مأذونة كالأمين في صورة التعدي و التفريط على ما تقدّم.

الجهة الثالثة-

ان الإتلاف قد يكون بالمباشرة و قد يكون بالتسبيب.

فالأوّل مثل ان يأكل مال الغير الذي يكون من المأكولات، أو ان يشرب ماله الذي يكون من المشروبات، أو يحرق أثوابه، أو يرمي حيوانه بسهم فيهلكه، و شبه ذلك مما يصدر عنه فناء مال الغير و هلاكه عن نفسه و إرادته من دون وساطة فاعل آخر.

و الثاني عبارة عن كل فعل صار سبباً لوقوع التلف، بحيث لو لم يكن لم يتحقق التلف، و لكنه لم يكن علة تامة و لا جزء أخيراً من العلة التامة

52

و عليه فهو الذي لا يلزم من وجوده الوجود، و لكن يلزم من عدم العدم.

لا خفاء في ان القدر المتيقّن من مورد القاعدة الذي لا شبهة في ثبوت الضمان فيه هو القسم الأوّل الذي يكون الإتلاف فيه بالمباشرة.

و أمّا القسم الثاني فقد ادعى في الجواهر (1) نفي الخلاف فيه، بل ربما يقال أنه يمكن تحصيل الإجماع على كونه موجباً للضمان، و لكن لا بد من ملاحظة الأخبار بعد إمكان القول بكفاية التسبيب في صحة إسناد الإتلاف أنه إذا فرض؛ مع عدمه لم يكن يتحقق التلف بوجه، و المفروض كونه فعله من دون واسطة يتحقق، الإتلاف الحقيقي المضاف الى من تحقق منه الإتلاف بالتسبيب فتدبر؛ فان ذلك لا يتم في جميع موارد التسبيب كما سيأتي.

أمّا الرّوايات فمنها:

صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) سألته عن الشي‏ء يوضع على الطّريق فتمرّ به الدابّة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: كل شي‏ء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه‏ (2).

و منها صحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قلت له: رجل حفر بئراً في غير ملكه، فمرّ عليها رجل فوقع فيها فقال (ع): عليه الضمان؛ لان كل من حفر بئراً في غير ملكه كان عليه الضّمان‏ (3).

و منها موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يحفر البئر

____________

(1) الجواهر 37: 46.

(2) الوسائل 19: 181 ب 9 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

(3) الوسائل 19: 179 ب 8 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

53

في داره أو ملكه (أرضه) فقال (ع): امّا ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان و أمّا ما حفر في الطريق أو في غير ما يملكه فهو ضامن لما يسقط فيها (1).

و منها رواية السكوني عن ابي عبد اللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص) من اخرج ميزاباً أو كنيفاً أو أوتد وتداً أو أوثق دابة أو حفر شيئاً في طريق المسلمين فأصاب فعطب فهو له ضامن‏ (2).

و منها غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على ضمان المسبّب بالكسر مثل المباشر للإتلاف، التي وردت جملة منها في شاهدي الزور اللذين شهدا بالقتل، فقتل المشهود عليه بسبب هذه الشهادة، ثمّ رجعا عنها، و مفاده: انه ان قالا بالخطإ فعليهما الدية، و إن قالا بتعمد الكذب فعليهما القصاص‏ (3).

ثمّ ان مقتضى أكثر الروايات المتقدمة انحصار الحكم بالضّمان بما إذا أضرّ بطريق المسلمين، أو حفر البئر في غير ملكه، فلا ضمان فيما إذا حفر بئراً في ملكه فوقع فيها أحد فهلك، و إن كانت السببيّة موجودة في هذه الصورة؛ لأنه لو لم يحفر البئر لم يتحقق الوقوع، فلا يتحقق الهلاك بوجه، كما ان مقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق بين ما إذا قصد موجد السبب لترتب المسبب و وقوعه عقيبه، و بين ما إذا لم يقصد ذلك، بل و بين ما إذا كان بقصد عدم الوقوع و برجاء العدم.

و منه يظهر الفرق بين ما إذا كان المدرك في هذه الجهة هي الرّوايات،

____________

(1) الوسائل 19: 180 ب 8 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

(2) الوسائل 19: 182 ب 11 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

(3) الوسائل 18: 240 ب 12 من أبواب موجبات الضمان ح 1 و 2.

54

و بين ما إذا كان هو الإجماع، فإنّه على التقدير الثاني يكون القدر المتيقن من معقده هي صورة قصد موجد السبب لترتب المسبب و تحقّقه عقيبه، كما ان القدر المتيقن من معقده هو ما إذا كان مثل حفر البئر في غير ملكه، و قد عرفت مراراً انه لا أصالة للإجماع مع وجود نص معتبر في معقده، فالدليل هي الرّوايات.

و ظهر ايضاً عدم انطباقها على جميع موارد السّبب؛ لاختصاص الحكم بالضمان فيها بما ذكر، هذا كلّه فيما إذا كان هناك السبب فقط.

في اجتماع السبب و المباشر

لو اجتمع السبب و المباشر، فهل الضمان على الأوّل أو على الثاني أو على كليهما بالاشتراك، وجوه و احتمالات.

قال المحقق في الشرائع‏ (1): إذا اجتمع السبب و المباشر قدم المباشر في الضمان على ذي السبب، كمن حفر بئراً في ملك غيره عدواناً، فدفع غيره فيها إنساناً، فضمان ما يجنيه الدفع على الدّافع. و قد ادعى عدم الخلاف بل الإجماع عليه، بل ربما يقال: ان تقديم المباشر على السّبب عندهم من المسلّمات.

أقول: الظاهر وضوح تقديم المباشر في الضمان على ذي السبب في الفرع المذكور في كلام المحقق، لظهور استناد الإتلاف فيه الى خصوص المباشر، و كون السبب من المعدّات التي لا توجب الضمان مع صدور الإتلاف من الفاعل المختار، و إلا كان صانع السيف ضامناً إذا قتل به‏

____________

(1) شرائع الإسلام 3: 186 الطبعة الجديدة.

55

المباشر.

كما انه ربما ينعكس الأمر و يكون الاستناد إلى ذي السبب واضحاً بحيث لا مجال للاستناد الى المباشر، كما في شاهدي الزور في باب القتل، فان؛ القتل يستند إليهما غرماً لا الى الحاكم أو من يأتمر بأمره المباشر لصدور القتل كما لا يخفى، فاللازم فرض الكلام في غير مثل هذين الموردين، فنقول: ذكر المحقق البجنوردي (قدّس سرّه) في قواعده الفقهية (1) في هذه الجهة تفصيلًا خلاصته: انه إذا كان المباشر فاعلًا مختاراً عاقلًا و كان ملتفتاً الى ان عمله هذا يترتب عليه التلف، فلا شك في اختصاصه بكونه ضامناً، و أمّا إذا لم يكن المباشر ذا ارادة و شعور، فالضمان على ذي السبب، كمن أجّج ناراً في غير ملكه فنشرتها الريح، فأصابت النار مال غيره فاحترق، فالضمان على ذي السبب؛ لانه المتلف حقيقة، و أمّا ان كان عاقلًا مختاراً في فعله، و لكنه لا يعلم بان فعله هذا يترتب عليه التلف، فان لم يكن مغروراً و لا مكرهاً فالضمان على المباشر، لانه لا فرق في جريان قاعدة الإتلاف بين صورة العلم بترتب التلف على فعله، و بين صورة عدم العلم، لان الموضوع للحكم بالضمان هو مطلق الإتلاف، و أمّا لو كان مغروراً كالممرّض الجاهل، فهو و إن كان ضامناً؛ لأجل قاعدة الإتلاف، لكنه يرجع الى الغارّ؛ لقاعدة الغرور، من دون فرق بين صورة علم الغار و صورة جهله. و أمّا إذا كان مكرهاً، فليس عليه ضمان إذا كان الإكراه في غير الدّماء، فإذا أكره على الدفع في البئر فمات، فان كان الدفع في البئر من الأسباب العادية للموت، فالدافع ضامن، لانه لا تقية في الدّماء، و إذا اكره‏

____________

(1) القواعد الفقهية للبجنوردي 2: 25.

56

على إتلاف مال الغير فالضمان على المكره بالكسر لا على المكره بالفتح لان السبب هنا أقوى من المباشر، لان المباشر و إن كان فاعلًا و لكنه ليس بمختار، و لذلك نقول ببطلان معاملات المكره بالفتح و العرف و العقلاء ينسبون الفعل الى المكره بالكسر و يسندونه اليه، كما انه لو أمر المكره خدامه و غلمانه الذين يخافون من مخالفته بهدم دار شخص، لا ينسب هدم الدار عند العرف الّا الى ذلك المكره.

و هذا التفصيل و إن كان في غاية المتانة، الّا ان الوجه لعدم ثبوت الضمان في صورة الإكراه ليس ما افاده من عدم شمول قاعدة الإتلاف، و عدم استناده الى المكره بالفتح ضرورة ان شرب الخمر و لو كان عن إكراه لا يسند الّا الى الشارب المكره لا الى المكره، بحيث يترتب على إكراهه حدّ شرب الخمر، فالشارب هو المكره بالفتح لكن حديث رفع الإكراه بمقتضى حكومته على دليل الحرمة و على دليل ترتب الحدّ، يرفع كلا الأمرين، و في المقام ايضاً مقتضى قاعدة الإتلاف ثبوت الضمان على المكره المتلف، لكن دليل رفع الإكراه يرفع الحكم الوضعي كما يرفع الحكم التكليفي، و مما ذكرنا يظهر ان بطلان معاملات المكره ليس لأجل عدم صدور المعاملة منه، و عدم استناد المعاملة إليه، بل لأجل اعتبار طيب النفس في المعاملة، و هو لا يجتمع مع الإكراه بوجه، كما ان اسناد هدم الدار الى المكره في المثال ليس لأجل الإكراه، بل لأجل كون الخدام و الغلمان بمنزلة الآلات، فتدبّر. و لكن مقتضى ما ذكرنا في الإكراه، عدم ثبوت الضمان عليه ايضاً؛ لعدم استناد الإتلاف إليه، فالمكره بالفتح لا يكون ضامناً، لاقتضاء حديث رفع الإكراه لعدم ضمانه و المكره بالكسر-