القوانين المحكمة في الأصول - ج1

- الميرزا القمي المزيد...
556 /
5

الاهداء

إلى سيّدي و مولاي و شفيعي و رجاي الحسين ابن أمير المؤمنين (عليهما السلام) الشهيد و الغريب الذي ذبحوه عطشانا ظلما و عدوانا فلم يرحموا له صغيرا و لم يراقبوا له ذمة و لم يراعوا له قريبا.

السلام عليك يا أبا عبد اللّه و على الأرواح التي حلّت بفنائك و أناخت برحلك عليك مني سلام اللّه أبدا ما بقيت و بقي اللّيل و النهار و لا جعله اللّه آخر العهد مني لزيارتكم.

السّلام على الحسين و على عليّ بن الحسين و على أولاد الحسين و على أصحاب الحسين.

6

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و أفضل الصلوات و أتمّ التسليم على محمد و آله الطاهرين، و اللّعنة الدّائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدّين.

إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولا في جهلي.

إلهي إن ظهرت منّي المحاسن، فبفضلك و لك المنّة عليّ و إن ظهرت المساوئ منّي فبعدلك و لك الحجّة عليّ.

إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي، و ما أرحمك بي مع قبيح فعلي.

إلهي من كانت محاسنه مساوئ فكيف لا تكون مساوئه مساوئ، و من كانت حقائقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي.

إلهي علّمني من علمك المخزون و صنّي بسترك المصون.

إلهي أخرجني من ذلّ نفسي و طهّرني من شكّي و شركي قبل حلول رمسي.

إنّك على كل شي‏ء قدير و الحمد للّه وحده ربّ العالمين‏

7

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي علّم القرآن خلق الانسان علّمه البيان، و أنعم علينا بالولاء و الايمان، و هدانا الى أحسن الأديان و فهّمنا فقه الاسلام، و أفضل الصلاة و أتمّ السّلام على أفضل الرّسل و أعظم الأنام، و على آله الأئمة الأعلام مسالك الرّضوان و سبل دار السّلام، الّذين علّمونا الصلاة و الصيام و الشّرائع و الأحكام، و عرّفونا أصول معالم الحلال و الحرام، فهدونا الى صحاح عباداتنا و أرشدونا الى صلاح معاملاتنا و فلاح فعالنا و سائر تروكنا، على من قتلهم و أذاهم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين أبد الآبدين.

و بعد ...

فهذا كتاب شرحت فيه و علّقت به على أحد أكبر الآثار و الموسوعات الأصولية في الحوزات العلمية، و الّذي بقي ردحا من الزّمن وردا يرده طلبة العلم و المعرفة، يرتقون به الى درجة الاجتهاد و أسباب الفضيلة و سلّما الى الآخرة.

فقصدت فيه الى إظهار العبارة و ايضاح الاشارة باختصار، و عمدت به الى بعض الرّموز المكنونة فدعيتها الى البروز باقتصار أو علّقت على فرع علمي بإيجاز من غير إخلال، و لربّما أتيت على اللّفظ المستغرب فيه فأردفته بما يزيل الاستغراب او الاستهجان.

و هكذا حقّقت متونه و عرّبت مضامينه، و هذّبت مطالبه و جمعت شوارده،

8

و رتبت مسائله و فوائده و أخرجت قوانينه و مقاصده، و أبرزت أبوابه و تفريعاته و أحكمت تنبيهاته و تتميماته، و ميّزت ايقاظاته و تذنيباته، و هكذا فعلت في مقدماته حتى وصلت الى خاتمتيه.

فكم تفحّصت في كتب لمفردة وردت فيه لزمن طويل أو لكلمة قد خلت من شدّة في المعاجم اللّغوية لوقت كثير أو لضبط قول قائل بين الأقاويل.

و لو أنني عملت في تأليف كتاب مستقلّ في الأصول؛ لكان أسهل عليّ همّة و منالا؛ و أقل مدة و عبأ من التحقيق و الشرح و التعليق على كتاب دراسي، لأنّ العمل في الثاني يفتقر الى مزيد من الدّقة و كثير من التّتبع و توجّه كبير الى السّياق، حيث إنّ مثل هذه الكتب الدراسية مليئة بالألغاز و مفعمة بالألفاظ و العبارات ذات الوجوه المتعدّدة، فعلى الشّارح أن يعمل في حلّها، و على المعلّق أن يقلّب في معانيها. و يمكن القول بأنّ مثل هذا، جهد في ضرب من ضروب الطلاسم، و بعد كل هذا و ذاك، ربما سيأتي غدا حاسد أو غير ملتفت أو غير منصف ليقول: إنّ الأمر سهل بسيط لم يتعد الشرح و التعليق.

و هكذا عملت في إحياء هذا السّفر العظيم ببث الحركة و القوّة و الرّوح فيه و إحضاره الى ساحة العلم و العلماء و ميدان الفضل و الفضلاء بحلّة جديدة و طريقة حديثة تؤدي لتقبّله و التوجّه إليه.

و قد يقول قائل: بأنّ هذا الكتاب قد مضى عليه الزّمان و أصبح بعيدا عن الأذهان بعد أن طواه النسيان و صار في ذاكرة الأيام.

فإنّني آخذ بالقول عليه: بأنّ هذا الكتاب لا ريب أنّه من أكبر الموسوعات العلمية الأصولية و واحد من مفاخر الإمامية و تراثهم، و من العيب و المخجل أن ننظر إليه بأدنى انتقاص، علما بأنّه لو أردنا حكم العلم و الفضل لوجدنا بأنّه إن لم يكن من الكتب الرّاجحة في هذا الفنّ؛ فهو من أهم المصادر و أولاها و أهمها، فله‏

9

السّبق و الصّدارة، و هو من بين الكتب السّابقة التي أسست للكتب اللّاحقة، و انّ التهافت في هذا العلم سبب من أسباب تجلّي النظريّات العلمية الصحيحة من السّقيمة، و اعتقد انّ لهذا المصنّف أثرا في ذلك.

و يجدر القول بأنّ بحوث هذا الكتاب بمثابة دورة أصولية كاملة و على مبنى كاتبه، و يبدو أنّها ذات أهميّة غير قليلة، و لقوّة الاستدلال فيها و لدقة بيانها و مبانيها يمكن أن يرتقي الانسان من خلالها و يتعلّم على التدرّج العلمي فيها و على طريقة الاستنباط منها، بل و ما جعلت متون دراسية من قبل إلّا لتدريب الطالب و تفهيمه للوصول الى أمثال هذه المطالب.

و اعتقد أنّ من لا يطالع «القوانين» قد لا يصل الى حظ واف من العلم أو يحرم من بعض المطالب معرفة و إحاطة أو قدرة على التصرّف في بعض الأدلّة العلميّة و تفرّعاتها.

ف: «القوانين» كتاب لا يستغنى عنه و لا تستقلّ بضاعته، فعلى طلبة هذا العلم أن يقبلوا عليه ليتحقّق عندهم الإقبال على هذا الفنّ، و أن يستأنسوا به لكي يأنسوا فقها بطريقة الفقهاء.

فهذا الكتاب من أمّهات مراجع علم الأصول، و موسوعة شاملة لجميع مبانيه و كثير مسائله، قلّما لا تجده عند كلّ متخصّص في هذا العلم، و يكاد لا يستغنى عنه.

و لم أجد موسوعة أصولية طرحت جلّ مسائله و عالجت ما ذكره العامة و الخاصة في كتبهم كمثله، فهو من ناحية الشمولية أجاد و من ناحية ثقل المادة أبدع، و لئن نوقضت قليل من آرائه و ردّ على بعض أقواله لا يعني أن نتجاهله و نرميه بين زوايا الجدران ليصبح في النسيان.

فمع أنّ هناك بعض الآراء التي تعود له قد نسخت بعد الاستدلال على بطلانها و عدم وجاهتها، و هذا لا يعني أنّها مسخت، فلأنّها طرح علمي، تبقى محلا

10

للاستفادة، و انّ ببطلان البعض لا يعني إلغاء الكلّ.

و أنا أبحث فيه لمست منتهى الدّقة، و وقفت و تأملت في مدى التواضع الذي كان عليه هذا المحقق، فغايته الفضيلة و رغبته في الحقيقة العلميّة، فلا يريد أن ينتصر لقوله و يتفوّق لنفسه، و إنّما للعلم و للعلم فقط، بل إنّما يتفانى في كل وجوده لأجل ذلك، فانظر إليه في بعض المطالب و هو يقول: فتأمل في أطراف هذا الكلام و معانيه و تعمّق النظر في غمار مقاصده و مبانيه، و لا تنظر الى تفرّدي به كأكثر مقاصد الكتاب، و لا تلحظ إليه بعين الحقارة و إليّ بعين العتاب، ثم بعد ذلك فإمّا قبولا و إمّا إصلاحا و إمّا عفوا و اللّه الموفّق للصواب.

و قد ترى اليوم من يمكن القول انّه في طور المراهقة العلمية أو من آنس من نفسه علما قليلا ليستشكل على هذا المحقّق أو ذاك المارد في العلم و الفضل و ليتعالى في الميادين العلمية أو غيرها، و تأخذه الكلمات و النظريّات ليظهر من نفسه علما و قدرة، و إذا ما أحسّ من آخر سكوتا من غير بكم ظنّه عجزا.

فما أكثر في هذا الزّمان الابتداع و الادّعاء، و أكثر منه من يتلقاه بالقبول و يروّج له في الأسواق كما يروّج للسّلع الباطلة لأجل المصالح الفاسدة، و العياذ باللّه العظيم من ذلك.

و يبقى القول: بأنّ هذا الكتاب لا يحتاج الى مزيد من الترويج له، فحضوره يبقى قويّا عند أهل الخبرة و المعرفة، و قد ذاكرني أحد المدرّسين الكبار فقال فيه:

إنّ مطالب كتاب «القوانين» تفتح الذّهن و توقّده. و سمعت و كما ينقل و مصدره الصدور كما في المثال بالفارسيّة: (از سينه به سينه) أنّ طبيبا نصرانيّا بعد أن أطلع على كتاب «القوانين» و قدرة صاحبه فيه على الدقّة في التحقيق قال: إنّ صاحب هذا المؤلّف سوف تتأخّر حاسة سمعه في أواخر عمره لكثرة تفكره، لما كان قد أبداه في تحقيقه لمطالب هذا السّفر القيّم؛ و هذا الذي تحقّق و صار.

11

و نقل أنّه حتّى إذا أتمّ «القوانين» أصيب من جراء شدّة تعمّقه و تفكره بثقل في سمعه، و عند ما جي‏ء بكتاب «القوانين» إلى السيّد مهدي بحر العلوم في النجف الأشرف، و بعد أن رآه و أحاط ببعض مطالبه و مطاويه، و قبل أن يعرف مصنّفه قال لمن جاء به: يا هذا لقد لاحظت هذا الكتاب و لم أدر لمن هو إلّا أنّ صاحبه قد أصيب ببعض مشاعره لا محالة أم لا بدّ له من آفة تنزل على سمعه أو بصره.

فقيل له: بلى إنّه من تأليفات مولانا الميرزا القمّي، و قد أصيب بعد فراغه منه بثقل السّامعة، فتعجّب الحاضرون من فراسة السيّد.

و أمّا في المنهج العملي:

بداية كان في ضبط نصوص متن الكتاب و تقويمها، و لشهرة الكتاب و كاتبه و لمكانته و أهميته فقد وجدت له نسخا خطيّة كثيرة، و نظرا لتداوله كثيرا بين أيدي العلماء و الطلاب الفضلاء، و كما يقال: قد عنى بتدريسه و اتقانه و التفنّن في فروعه و أغصانه جملة العلماء الأخيار و كافة فضلاء الأعصار في هذه الأمصار، و أيم اللّه إنّه لحقيق بذلك، بل فوق ذلك حيث إنّه من جهة استحكام مطالبه و مآربه مفيد في الغاية لقوّة التصرّف في ميدان الأفكار، و مشحّذ الأذهان في مقام يريح الأنظار بحيث لا يليق غيره بالتدريس عند الفحول، و هو الغاية القصوى في متن علم الأصول.

و هذا كلّه ساعد في أن تكون نسخه كلّها متقاربة مضبوطة و محفوظة من كثير الأخطاء و كبيرها، فالمشهور ليس كالمجهول يمكن التلاعب في ألفاظه.

و رغم ذلك فقد كنت أتفحّص بعضها عند ما أحسّ بشبهة، فأقف عندها حتى أصل لحلّها أو لمخرج لها.

و كان جلّ عملي على نسخ ثلاث خطيّة هي للمجلّد الأوّل في مباحث الألفاظ و الأدلّة الشرعيّة، نسخة بخط عبد الرحيم بن محمد تقي التبريزي و المصحّحة أصلا و فرعا من محمد علي و الميرزا رضا و المطبوعة في سنة 1290 للهجرة،

12

و نسخة بخط أحمد التفرشي و المطبوعة في دار السلطنة في تبريز سنة 1315 للهجرة، و نسخة رائجة في الكثير من المكتبات و هي بخط عبد الرحيم بن محمد تقي التبريزي المطبوعة في العشر الأواخر من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1303 للهجرة، و هي في خط غير خط النسخة السّابقة على ما يظهر.

و بعد الضبط لنصوص الكتاب و مقابلة نسخه و تقويمها، شرعت في تقطيع النص و ترقيمه الحديث بما يناسب لتسهيل الكتاب و ترتيبه و يساعد على فهمه و صياغته، و عملت في تخريج ما يحتاج الى تخريجه من الآيات و الرّوايات و بعض الأقوال و أصحابها و مصادرها، و كنت قد تركت تخريج و تتبع صفحات بعض المصادر بعد ما رأيت أنّ المصنّف في المتن قد ذكرها فلا حاجة لتخريجها، لأنّ المطّلع على هذا الكتاب حتما على معرفة بأنّه إن نقل قول لقائل مثلا في مبحث الأوامر في مسألة تتعلّق بالأمر، غالبا فإنّها في كتاب المنقول عنه لا تكون في مبحث المطلق و المقيّد أو الاجماع مثلا، فإنّ ذكر الصّفحات مع تعدّد الطبعات كما هو في مثل هذه الأيام قد يكون قليل الجدوى، ففي معرفة المبحث و مسألته كفاية عند أهل الفضل.

كما كنت قد جعلت بين معقوفتين الكلمات المختلفة بين نسخة و اخرى، و كنت قد عملت في تصحيح بعض النصوص الشرعية أو العبارات و الكلمات التي يمكن أن تكون من النسّاخ أو أنّها بالأصل قد ذكرت في المضمون و ليس كما هو المنصوص كمثل ذكره: (اعتق رقبة مؤمنة) و هذه ليست بعينها كما في القرآن المجيد، و إنّما الذي في القرآن هو قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ*. ففي مثل هذا كنّا قد أثبتنا الصحيح المقصود، و هكذا نهجنا في مثل ذلك من الكلمات.

نعم هناك بعض الكلمات و الجمل يخيّل للوهلة الأولى للقارئ انّها خاطئة و مع‏

13

الدقّة تجدها صائبة، فلذا اثبتناها على ما هي عليه و لم نتصرّف في شي‏ء منها حفظا للأمانة.

و ليعلم أنّ للمصنّف إلماما كبيرا في البلاغة و النحو و قد صنّف بعض الكتب و الرسائل فيهما، فلا يعتقدنّ أحد بخطئه عند ذكره لغير مألوف من بعض كلمات أو لمحل رجوع بعض ضمائر أو لتذكير و تأنيث أو لتعريف و تنكير، لأنّني كثيرا ما لاحظت صواب ما يقوله، عند الدقّة في قوله و تتبع الجملة من أوّلها، و التقدير لكلمات فيها، فيحكم المتعجّل بأنّ المصنّف مخطئ بينما هو مصيب.

هذا و ربّما ستلاحظ أنّه في بداية الكتاب قد أكثرت من الشرح و توقفت على كثير من الألفاظ تحقيقا و شرحا و تعليقا، ثم عدلت عن ذلك المنهج بعد أن تنبّهت لضرورة الاقتصار على الأهم و الاختصار على الأقل، و لو أنّ هذه الطريقة توالت لبلغ هذا كثيرا و لتعدّدت أجزاؤه و كبر حجمه، و هذا ينافي ما رأيته من التسهيل ليصبح الكتاب محلّا للقبول و أهلا لمن يراعي الاختصار في مثل هذا المجال.

و قد تجد أنّ هناك بعض المطالب الأصولية أو البعض الذي له صلة بمسألة اعتقادية لم آت على التعليق عليها إمّا لأنّها خطيرة و ما وددت التعرّض إليها ببيان قليل يمكن أن يؤدّي لإخلال بها، فوقفت عندها أو مررت عليها و تركتها دون الخوض و الغمار في الكلام عنها.

و هناك بعض تعاليق قد ذكرتها لفائدة ما فيها، و ذكرت القائل لها، و كنت قد أعرضت في بعضها عن ذكر القائل لها، نعم عبّرت في ذيلها هذا ما أفاده أو على ما أفاده في الحاشية و نحو هذا، و ذلك لأنّه لم يكن عندي من متسع لأجهد نفسي في التحقّق من القائل لها بعد ما أجهدتها في التدبّر بهذه الأقوال و التطلّع إليها قبيل استنساخها تبعا لما كنت أراه لأهميّتها أو لأمر آخر.

14

كما كنت قد وقفت على بعض الحواشي و التي كان بعض أصحابها قد خفي عليهم تمام المطلب، فعملت في تصحيحها بعد أن أشرت إليها، و من هنا الذي لا بد أن يعرف هو أن ليس كل شرح و تعليق بصحيح، و ليس بالضرورة كل شارح و معلّق بمصيب، فلا بد أن ينظر في مقام العلم الى ما ذكر و ليس الى من ذكر، و الى ما قال و ليس الى من قال.

نعم إنّ هذا لا يعني أن نطلق العنان و نتجاسر فنقع في المحذور، لأنّه في بعض الأحيان من قال قد قال قوله عن حكمة بالغة و ربما قد خفيت علينا، فلا بد من التدبّر بالقول، سيّما إذا كان لأهل الفضل الّذين يعتدّ بكلامهم و يعوّل على علمهم و يحترم رأيهم.

كما كنت قد ترجمت بعض الرجال الأصوليين و أغمضت عن بعض، ذلك لأنّ البعض الآخر ذاع صيتهم و عمّت شهرتهم و ألفت الحوزة ذكرهم و قلّ أن يجهلهم طالب علم لما لهم من أياد شهد لهم بها القاصي و الدّاني.

و يبقى القول دفعا لما يمكن أن يرد، إنّني لمّا تأملت و وجدت بأنّ القارئ لهذا الكتاب من المفترض أن يكون من الفضل و طلاب المراحل العالية، فأخذت بعين الاعتبار هذا النضوج، فأتيت على شرح ما لاحظت عبارته تحتاج الى بيان و التعليق بناء على نضوج القارئ و فضيلته.

نعم لا أقول بأنّني أحطت بكل شي‏ء و أحصيت كل ما جاء، بل إنّما تركت الكثير من القيل و القال و كذا الى ما جاء من التعاليق و الأقوال من صاحبيّ «الكفاية» و «الرّسائل» و غيرهما من المعاصرين للميرزا و من بعده، لأنني اعتبرت انّ طلاب هذه المباحث سوف يأتون بعد ما يحيطون بآراء الميرزا الى آراء غيره، فيتعرّفون على تعاليقهم و أقوالهم على أقواله، و ذلك تنظيما للتدرّج و رعاية للتفهم و ابتغاء

15

في الاختصار و تأهيلا للتبصّر و الاستبصار.

و هذا بناء على من يقدّم «القوانين» على «الكفاية» و «الرّسائل»، و أمّا من يؤخّره درسا أو مطالعة عنهما فإنّ الأمر سهل غير عسير، فبمطالعته التالية يرى اليسير و لا يحتاج بعد احاطته الى من له يشير.

و هكذا أتممت عملي بنفسي، دون الاستعانة بغيري، إذ إنّني طالما كنت أخشى على المتن و شرحه من أن يلحق به العبث نتيجة لعدم التخصّص، و هي مشكلة اليوم و محنته التي نعانيها في بعض الكتب و الآثار العلمية المهمّة التي طبعت أخيرا بحلل جميلة و لكن أتت بأخطاء كبيرة مطبعيّة و غيرها أو حذف كثير منها، و ذلك إمّا لأنّ الّذين عملوا بها و أشرفوا عليها ما كانوا من أهل الاختصاص، و إمّا لمصالح خاصة بأصحاب المصالح، فحذفت و غيّرت، و هذا و للأسف قد حصل حتّى في كتب حديثيّة كما سمعت.

مثل هذا دعاني لأن أتولّى عملي بنفسي فلا يعمله غيري و أدّعيه لنفسي، شاكرا لمن آزرني ممن صفّ أحرف الكتاب- الأخ جعفر الوائلي، و الأخ السيّد محمّد إمام، و لمن ساهم في التصحيح و المقابلة الأخ كريم عبد الرضا و الأخ الفاضل السيّد محمّد باقر الحسيني الأشكوري و ولدي الشريف علي، و لكلّ من ساهم في الإنجاز و الطبع.

و كنت قد أمضيت أشهرا كثيرة و أنا أبحث في هذا الكتاب في حجرة من حجرات مدرسة إمام العصر (عليه السلام)، فشكرا للمؤسّس لها و للقيّم عليها آية اللّه الشيخ ميرزا أحمد الدشتي النجفي أطال اللّه في عمره و في عافيته‏

و في النهاية يسعدني و أنا في الختام أن أقدّم هذا الأثر النفيس و الموسوعة الأصولية الهامّة من آثار و موسوعات قدمائنا الأفذاذ، الّذين كانوا قد بذلوا المهج و خاضوا اللّجج و قدموا كل غال و نفيس، فضربوا الأكباد و هجروا سكينة الرّقاد

16

و شدّوا العزيمة و لم يجعلوا لأي ثمين سواه قيمة؛ صونا لهذه العلوم من الغروب و الأفول و حفظا لها من الاندثار و الانحسار، تقرّبا منهم الى اللّه الواحد القهّار العالم بالخفايا و الأسرار، فكان النتاج آثارا نفيسة تدلّ على رسوخ قدمه و علوّ كعبه و سموّ همّته تصنّفه من الأخيار و تبديه من الأبرار، و قبرا له أصبح اليوم مزارا في الليل و النهار و تؤدّى عنده النذور لمؤمنين و مؤمنات قد نذروا للّه التسبيح و الصلوات و الوجوه و الخيرات.

و إنّي لسعيد في أن افتح العيون و أرفع السّتار و أرشد الأذهان و أشدّ العقول على سرّ هذا الكتاب، و كأنني إن شاء اللّه سأرى بعد هذه الطبعة ستتسابق إليه الأيدي و الدّور الى نشره، و ستليه طبعات و بذلك يكون فخري، لأنني أوصلت هذا الكتاب بعد حين من الدّهر الى الميادين العلمية بحلّة جميلة و ليعود محورا في هذا الفن و محلا يتطلّع إليه الفضلاء، و ليعود الميرزا القمي بعد قرنين من الزّمن بكتابه الذي طالما كان ينظر إليه بإكبار بين الخاصة و العامة، و قلّما كانوا لا يذكرونه إلّا بإعجاب و إعلاء.

جعلنا اللّه و إيّاه ممن يؤول الى دار السّلام، في مقام مع من يرتضيه نكون، نرتل و نقول: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.

و المبتغى من كلّ من ينظر فيه أن يخصّني و يخصّه بدعوة صالحة بظهر الغيب من لسان الغير.

اللهمّ اختم بعفوك أجلي و حقّق في رجاء رحمتك أملي و سهّل إلى بلوغ رضاك سبلي و حسّن في جميع أحوالي عملي.

و قد وقع الفراغ من تدوينه على يد رضا حسين علي صبح ليلة التاسع من ربيع الأوّل و هي ليلة اليوم السعيد/ 1427 ه في حرم السيدة المعصومة (عليهما السلام) قم المقدسة

17

ترجمة المصنّف‏

هو الميرزا ابو القاسم ابن المولى محمد حسن، أو يقال له ابن الحسن الگيلاني الشفتي الرشتي الأصل، الجابلاقي المولد و المنشأ، و القمي الجوار و المدفن.

ولد في عام 1150 أو 51 أو 52 هجري قمري في «جابلاق» أحد نواحي مدينة بروجرد الايرانية، و هو ينحدر من أصول گيلانية.

شرع في دراسة العلوم الأدبية عند أبيه منذ صغره، و بعد بلوغه انتقل الى بلدة خوانسار حيث درس على السيد حسين الخوانساري جد صاحب «روضات الجنات» الفقه و أصوله سنوات عدة، و قد تزوّج بأخته.

بعد ذلك توجّه الى مدينة كربلاء المقدسة فدرس على الآقا محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني المشتهر بالوحيد. و يعدّ الميرزا من الجيل الأوّل من الأجيال التي تعاقبت المدرسة الأصولية بعد الوحيد، و من الطبقة الأولى الأصولية بعد أفول الطريقة الإخبارية المناهضة لعلم الأصول.

و بعد أن أجازه استاذه عاد فقيها ليسكن (درّه باغ) من قرى «جابلاق»، ثم انتقل الى (قلعه بابو) في «جابلاق»، حيث أخذ يقوم بمهامه الدينية و يدرّس النحو و المنطق في «شرح الجامي» و «حاشية الملا عبد اللّه».

بعد ذلك غادر الى مدينة اصفهان و صار يدرّس في مدرستها (كاسه‏گران)، ثم انتقل الى مدينة شيراز في أيّام سلطان كريم خان الزّندي فبقي سنتين أو ثلاثا، ثم عاد الى قرية (قلعة بابو) حيث بقي يدرّس الفقه و أصوله فيها حتى صارت له‏

18

شهرة عظيمة، فطلب منه الاقامة في مدينة قم المشرّفة؛ فأجاب أهلها، و أخذ يدرّس و يعلّم فيها و يرشد، يؤم الجمعة و الجماعة و يتولّى أمور الناس و شئونهم، فيحل نزاعهم و يصلح أعمالهم و يهديهم الى دينهم و دنياهم و يكثر من التصانيف بها حتى شاع ذكره في البلاد و رجع إليه في التقليد العباد.

و هو يروي عن جماعة منهم استاذه الوحيد البهبهاني (ت: 1206)، و عن الشيخ محمد مهدي بن بهاء الدين محمد الفتوني العاملي (ت: 1183)، و الآقا محمد باقر الهزار جريبي النجفي (ت: 1205).

و في «الروضات»: انّه كانت بينه و بين السيد علي الطباطبائي «صاحب الرياض» مخالفات و منافرات كثيرة في المسائل العلميّة، (قال): و ذكر لي شيخنا الفقيه المتبحر السيد صدر الدين الموسوي العاملي، أنّه كان في تلك الأيّام بكربلاء فكان صاحب «الرياض» يناظره في كثير من مسائل الفقه و الأصول حيثما اجتمع به.

و يقول في «الأعيان»: انّه يحكى انّه لما زار العتبات الشريفة بعد مجاورته بقم و أراد علماء النجف الاشرف مناظرته في مسألة حجيّة الظنّ المطلق اختاروا لذلك السيد حسين ابن السيد أبي الحسن موسى الحسيني العاملي أخا جد والد (السيد محسن الأمين)، و كان مبرّزا في علم الأصول، فأورد عليه ايرادات كثيرة لم يجب الميرزا عن جميعها في المجلس ثم ذكرها في قوانينه في ذلك المبحث بصورة فإن قلت قلت، فالأسئلة الكثيرة في ذلك المبحث هي للسيد حسين المذكور.

و ممن يروي عنه من تلاميذه الشيخ أسد اللّه التستري كما في «مقابيسه»، و صاحب «الاشارات» الكرباسي، و «المحصول» السيد محسن الأعرجي، و السيد عبد اللّه شبر، و السيّد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة»، و ينقل السيد الامين في «الأعيان» و أيضا تلميذاه السيد محمد مهدي الخوانساري‏

19

صاحب الرّسالة المبسوطة في أحوال أبي بصير، و ابن أخيه السيد علي شارح المنظومة للسيد بحر العلوم شرحا لم يتم، و في «روضات الجنات»: انّه كان كثير العناية بهما شديد المحبة لهما كثير الاعتماد عليهما مصرّحا بفضلهما و اجتهادهما على جميع تلاميذه.

في «الأعيان»: كان مجتهدا محقّقا فقيها أصوليا علّامة رئيسا مبرّزا من علماء دولة السلطان فتحعلي شاه القاجاري، و اشتهر بين العلماء بالمحقق القمّي، و في عباراته شي‏ء من الاغلاق، و انفرد بعدة أقوال في الأصول و الفقه عن المشهور، كقوله بحجيّة الظنّ المطلق، و اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد شخصي، و جواز القضاء للمقلد برأي المجتهد، و غير ذلك.

و قد قيل في حقه: هو أحد أركان الدّين و العلماء الربانيّين و الأفاضل المحقّقين و كبار المؤسّسين و خلف السّلف الصّالحين. كان من بحور العلم و أعلام الفقهاء المتبحّرين، طويل الباع كثير الاطلاع حسن الطريقة معتدل السّليقة له غور في الفقه و الأصول مع تحقيقات رائقة، و له تبحّر في الحديث و الرّجال و التاريخ و الحكمة و الكلام، كما يظهر كل ذلك من مصنّفاته الجليلة، هذا مع ورع و اجتهاد و زهد و سداد و تقوى و احتياط، و لا شك في كونه من علماء آل محمد و فقهائهم المقتفين آثارهم و المهتدين بهداهم.

و في «روضات الجنّات»: كان محقّقا فى الأصول مدقّقا في المسائل النظرية، شأنه أجلّ من أن يوصف، ورعا جليلا كثير الخشوع غزير الدّموع طيّب المعاشرة جيّد الخط بقسميه المشهورين.

و في «قصص العلماء»: عيلم تدقيق و علم تحقيق علّامة فهامة مقنّن القوانين و ناهج مناهج الصدق و اليقين، قدوة العلماء العاملين و أسوة الفقهاء الراسخين‏

20

و رئيس الدنيا و الدين، أزهد أهل زمانه و أورع المتورعين و أعلم و أفقه المعاصرين.

و قال تلميذه الشيخ أسد اللّه صاحب المقابيس: الشيخ المعظّم العالم، العلم المقدم مسهّل سبيل التدقيق و التحقيق مبيّن قوانين الأصول و مناهج الفروع كما هو حقيق، المتسنّم ذروة المعالي بفضائله الباهرة الممتطي صهوة المجد بفواضله الزّاهرة، بحر العلوم الخائض بالفوائد و الفرائض، الكاشف بفكره الثاقب عن غوالي الخرائد، شمس النجوم المشرقة بأنوار العوائد على الأوائل و الأماجد و الأداني و الأباعد، الأمجد الأعبد الأزهد الأورع الأتقى الأسعد الأوحد شيخنا و مولانا و مقتدانا الذي لم يعلم له في الفقهاء سمي الميرزا ابو القاسم بن الحسن الگيلاني القمّي أدام اللّه عليه عوائد لطفه الأبدي و فيضه السّرمديّ، و هو صاحب «القوانين في الأصول» و «المناهج» و «الغنائم» و «مرشد العوام» الفارسي في الفقه، و غيرها من الرّسائل و المسائل و الفوائد العظيمة المنافع العميمة العوائد.

و ذكر ميرزا محمد عبد النبي النيسابوري في كتاب رجاله الكبير فقال فيه:

أصولي مجتهد مصوّب معاصر يروي عن شيخنا محمد باقر البهبهاني.

و قوله: مصوّب افتراء منه، فليس في الامامية من يقول بالتصويب الباطل الذي هو بمعنى انّ ما أدى إليه نظر المجتهد فهو حكم اللّه الواقعي، لا هو و لا غيره.

و لعلّه يريد به التصويب في الحكم الظّاهري الذي هو بمعنى المعذورية.

و يحكى أنّه (رحمه اللّه) كان ورعا جليلا بارعا نبيلا، كثير الخشوع غزير الدّموع دائم الأنين باكي العينين، و كان مؤيّدا مسدّدا كيّسا في دينه فطنا في أمور آخرته شديدا في ذات اللّه مجانبا لهواه مع ما كان عليه من الرّئاسة و خضوع ملك عصره و أعوانه له، فما زاده إقبالهم إليه إلّا إدبارا و لا توجّههم إلّا فرارا، فكان حريصا من الاقتراب الى السّلطان، و كثيرا ما كان يقول له: اعدل فإني أتخوّف على نفسي من الارتباط

21

معك فأدخل تحت قوله تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ.

و لمّا رغب السّلطان و قرّر تزويج ابنته من ابن الميرزا القمي و هو الولد الذّكر الوحيد له، حاول الميرزا أن يكون حائلا من تحقّق هذا الزّواج خوفا منه على دين ابنه أن يستدرج الى البلاط الملكي فيورطونه في مظالمهم، و لمّا كانت محاولاته تلك لم تفلح لأجل عزم السّلطان و إصراره على ذلك، مما جعل الميرزا يتضرّع الى اللّه سبحانه و تعالى و الطلب منه تعالى أن يقبض روح ابنه قبل التورّط معهم، و بعد اتمام الدّعاء مات ابن الميرزا غريقا.

و فيما يحدّث عن جدّه و اجتهاده في تحصيله للعلم، انّه كان يضع على السّراج طاسة أمامه، فإذا غلبه النوم و وضع يده على الطاسة نام فقط بمقدار ما تسخّن الطاسة، بعد ذلك لا يطيق وضع يده عليها فينتبه.

و يظهر لي من خلال تتبعي لكلماته في «قوانينه» و نقله لكلمات الآخرين، أنّه كان حافظا لكثير من الأقوال استظهارا، و في أثناء تصنيفه للكتاب المذكور كان يذكرها فيقولها او يكتبها من دون أن يعود الى كتاب.

في تصانيفه:

و هي هامة و كثيرة و في علوم شتى و فنون متعدّدة بالعربية و الفارسية.

منها: «القوانين المحكمة في الأصول» و فرغ منه في سنة 1205 كما في «الذريعة».

«حاشية في الأصول شرح على شرح المختصر»، لأنّ الحاجب العضدي شرح تهذيب العلّامة في الأصول.

«غنائم الأيّام فيما يتعلّق بالحلال و الحرام» في الفقه الاستدلالي في قسم العبادات.

22

«مناهج الأحكام» فقهي في الطهارة و الصلاة و كثير من أبواب المعاملات.

«جامع الشتات في أجوبة المسائل» و يعبرون عنه بكتاب سؤال و جواب، مرتب على أبواب الفقه، و هو كتاب مهم و نفيس و مفيد لكل فقيه و أكثره (بالفارسية).

«معين الخواص» في فقه العبادات مختصر (بالعربية).

«مرشد العوام [العوالم‏] لتقليد أولي الأفهام» مختصر (بالفارسية).

«رسالة في الأصول الخمسة الاعتقادية و العقائد الحقة الاسلامية» (بالفارسية).

«رسالة في قاعدة التسامح في أدلّة السّنن و الكراهة».

«رسالة في جواز القضاء و التحليف بتقليد المجتهد».

«رسالة في عموم حرمة الرّبا لسائر عقود المعاوضات».

«رسالة في الفرائض و المواريث» (مبسوط).

«رسالة في حكم الغناء»

«رسالة في القضاء و الشهادات» (مبسوط).

«رسالة في الطلاق».

«رسالة في الوقف».

«منظومة في المعاني و البيان».

«تعليقة على شرح جد والد صاحب «روضات الجنّات» لعبارة شرح «اللمعة» في صلاة الجماعة».

«رسالة في الرّد على الصوفية الغلاة».

«رسالة في الشروط الفاسدة في البيع».

23

كتابة مفصلة ذات فوائد أرسلها من النجف الاشرف.

«مجموعة نصائح و مواعظ» (رسالة مفصّلة الى فتحعلي شاه).

«حاشية على قوانين الأصول».

«ديوان شعر» بالفارسية و العربية يقارب خمسة آلاف بيت.

و قيل وجد بخطه ما يدل على أنّه كتب أكثر من ألف رسالة في مسائل شتى من العلوم. و هناك رسائل كثيرة و قد طبعت بعضها أخيرا في خراسان بعد أن جمعت في مجلّدات.

و بعد عمر طواه و أمضاه بالعبادة بالطّاعة رحل الى رحمة اللّه تعالى في مدينة قم المقدسة عام 1231 ه. ق، و أرّخ في مادة تاريخية: (از اين جهان به جنان صاحب قوانين رفت) و دفن في مقبرة تعرف ب: (شيخان) قريب الحرم المطهّر للسيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) و على آبائها الطاهرين.

24

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الّذي هدانا الى اصول الفروع و فروع الاصول‏ (1)، و أرشدنا الى شرائع‏ (2) الأحكام بمتابعة الكتاب و سنّة الرّسول، و قفّاهما (3) ببيان أهل الذّكر

____________

(1) و يسمى هذا الأسلوب في الابتداء ببراعة الاستهلال. و الظاهر انّ قصده بأصول الفروع علم أصول الفقه، و بفروع الأصول فروع الدين كالصلاة و الصيام و الحج و الزكاة و بقية الفروع و أحكامها التي تستفاد و تبنى من الأصول الاجتهادية كالكتاب و السنة و العقل و الاجماع أو الاصول العملية كالبراءة و الاستصحاب و الاحتياط و التخيير.

(2) جمع شريعة، و الشّرع مصدر جعل اسما لنهج الطريق الواضح فقيل له: شرع و شرع و شريعة. قال بعضهم: سمّيت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث إنّ من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روي و تطهّر. قال: و أعني بالريّ ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت اللّه تعالى رويت بلا شرب. و بالتطهر ما قاله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و كان الأولى له أن يستشهد بغيرها لأنّ هذه الآية نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم و تفيد عصمتهم من الذنوب، ففي هذه الآية دلالة على ثبوت العصمة لهم، و ليس المراد بالتطهير إزالة النجاسة المحسوسة بالماء و نحوه. فلو استشهد القائل بقوله تعالى:

وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ‏. لكان أولى و أظهر. هذا و المقصود من شرائع الأحكام ما جاء في شريعة النبي الخاتم (صلى الله عليه و آله و سلّم) لا غيره من الأنبياء، من الأحكام التكليفية كالواجب و الحرام و المستحب و المكروه و المباح و كل ذلك بمتابعة الكتاب و السنة، و الباء في كلمة بمتابعة هي إمّا للسببيّة أو للاستعانة.

(3) و قفّاهما أي أتبعهما بإظهار و إيضاح أهل الذّكر، لأنهم تراجمة الوحي، ففي-

25

و معادن التنزيل، الّذين هم الخلفاء من آل الرسول صلّى اللّه عليهم، صلاة كثيرة متتالية مقترنة بالكرامة، متلقاة بالقبول ما دامت عقد المشكلات منحلّة بأنامل‏ (1) الدّلائل و ظلم الشبهات، منجلية بأنوار العقول.

أما بعد، فهذه نبذة من المسائل الأصولية (2)، و جملة من مباني المسائل‏

____________

- «الكافي» و «تفسير القمي» و «العياشي» و «الصافي» عنهم (عليهم السلام) في أخبار كثيرة:

أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلّم) الذّكر و أهل بيته المسئولون و هم أهل الذّكر. و في «العيون» عن الرضا (عليه السلام): قال اللّه تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ، فالذّكر رسول اللّه و نحن أهله.

و في «البصائر» عن الباقر (عليه السلام)، و في «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): الذّكر القرآن و أهله آل محمّد (صلوات اللّه عليهم). قال تعالى: و أنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم.

(1) جمع الأنملة من الأصابع العقدة، و بعضهم يقول الأنامل رءوس الأصابع و عليه قول الأزهري. و الأنملة المفصل الذي فيه الظّفر و هي بفتح الهمزة و فتح الميم أكثر من ضمّها، و ابن قتيبة يجعل الضّمّ من لحن العوام و بعض المتأخّرين من النحاة حكى بتثليث الهمزة مع تثليث الميم فيصير تسع لغات. هذا و في جملة ما دامت عقد المشكلات منحلّة بأنامل الدلائل استعارة تحقيقية حيث شبّهت إبهام المشكلات بالعقد، ثم ذكر المشبه به و أريد المشبّه.

(2) النبذة و النبذة جمع نبذ، الناحية يقال جلس نبذة أي ناحية، و قد تستعمل للقطعة من الشي‏ء على حدة كالنّبذة من الكتاب و الأخير هو المقصود، و يقال النّبذ الشي‏ء القليل و نبذة أي شي‏ء يسير و قد يكون هذا المراد. و قوله: و من المسائل الأصولية، حجّية الخبر و الشهرة و الإجماع و حجّية أحد الخبرين في باب التعارض و يمكن القول حجّية القطع بقسميه التفصيلي و الإجمالي و غيرها كثير. و بالجملة؛ فكل مسألة تكون حيثيّة البحث فيها حجّية أمر من الأمور التي تصلح للحجّية أو تتوهّم حجّيتها فهي-

26

الفقهية (1)، جعلتها تذكرة لنفسي و للطالبين، و تبصرة (2) لمن استرشد في سلوك نهج الحقّ المبين، و ذخيرة مرجوّة لأجل فقري و فاقتي يوم الدّين، حداني‏ (3) الى رسمها مذاكرة جمع من فضلاء الأصحاب، و مباحثة جملة من أزكياء الأحباب، و كان ذلك عند قراءتهم عليّا اصول كتاب «معالم الدّين» للفاضل المحقّق المدقّق الشيخ حسن بن الشيخ زين الدّين‏ (4)، حشرهما اللّه مع الأئمّة الطّاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

____________

- مسألة أصولية. نعم بعض المباحث التي لم يكن المبحوث عنه فيها حيثيّة الحجّية تدخل في سلك المبادئ كمسألة مقدمة الواجب و مبحث الضدّ و أمثالهما فتدبّر.

(1) بعد أن يصل الفقيه من خلال هذا العلم مثلا الى أنّ صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب و أنّ ظاهر القرآن حجّة، و بعد أن علم بقوله تعالى: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏، ربما يصح له أن يقول بوجوب الصلاة و الزكاة و الاطاعة، و هكذا كان من مباني هذه المسألة الفقهية بعض هذه المباحث الاصولية، و من هنا عرّف بعضهم هذا العلم: بأنّه يبحث عن قواعد تقع نتيجتها في طرق استنباط الحكم الشرعي.

(2) يقال بصّره الأمر تبصيرا و تبصرة أي فهّمه إيّاه.

(3) بمعنى ساقني، يقال: حدا بالإبل حدوا و حداء إذا زجرها و غنّى لها ليحثّها على السير. و في الدعاء و تحدوني عليها خلّة واحدة أي تبعثني و تسوقني عليها خصلة واحدة و هو من حدو الإبل على ما قيل.

(4) الشيخ حسن بن الشيخ زين الدين، هو الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن صاحب «المعالم» ابن الشيخ زين الدين الشهيد الثاني، ولد «بجبع» جباع في 27 شهر رمضان 959 ه ق و توفي مفتتح المحرّم سنة 1011 ه ق في جبع. و له مؤلّفات كثيرة منها «معالم الدين و ملاذ المجتهدين» برز منه جزء في أصول الفقه عرف ب: «معالم الأصول» الذي أصبح عليه المعوّل في التدريس من عصره و الى اليوم (عند بعض)، بعد ما كان التدريس في الشرح العميدي على تهذيب العلّامة و الحاجبي و العضدي.

27

فافتلذت‏ (1) ثمار تحقيقات عند التنزّه في بساتين عوائده‏ (2) و وضعت هذه الوريقات على ترتيبه، و أضفت مسائل الى مسائله، و فوائد الى فوائده، و نبّهت على ما في بعض إفاداته، و أعرضت عن كثير من زوائده، و إذا وجدت وضع شي‏ء منها على خلاف المعهود من مصنّفات القوم، فعذره الحرص على تكثير الفائدة مع عدم اقتضاء المقام إلّا لذلك، فاقتصرت بأدنى مناسبة في الإقحام‏ (3)، بجعل الزّوائد إمّا مقدّمة لأصل أو خاتمة أو غير ذلك.

و ربّما أضفت أصلا عليه حسب ما ساعدني الوقت و المجال، و أفردت قانونا في هذه القاعدة التي لم تذكر فيه على وفق مقتضى الحال، و سمّيته ب: «القوانين‏ (4)

____________

- راجع «أعيان الشيعة»، المجلد الخامس ص 96. و قد فرغ منه ليلة الأحد الثاني من ربيع الثاني سنة 994 ه طبع عدة مرات و عليه حواشي و شروح و تعليقات كثيرة: منها حاشية لولده الشيخ محمد، و حاشية لسلطان العلماء و حاشية لملا صالح المازندراني و حاشية لملا ميرزا محمد المعروف بالمدقّق الشيرواني. و هذه الحواشي مطبوعة على هامش الأصل، و حاشية و شرح كبير للشيخ محمد تقي الاصفهاني و يسمى «بهداية المسترشدين» و حاشية للشيخ محمد طه نجف. و للمصنّف جزء آخر من الكتاب في الفقه و يعرف «بمعالم الفقه»، مطبوع وصل فيه الى المطلب الثالث في الطهارة من الأحداث. هذا و كتاب «المعالم» لم يؤسّس «للقوانين» فقط و إنّما أيضا «للفصول» و «الوافية» و «الكفاية» و لكثير من الكتب في هذا الخصوص.

(1) الفلذة جمع فلذ و فلذ و أفلاذ، القطعة من الكبد و اللّحم و الذهب و غير ذلك، يقال فلذ له من المال أي أعطاه منه دفعة، و افتلذت له قطعة من المال افتلاذا إذا اقتطعته.

(2) جمع العائدة و هي اسم ما عاد به عليك المفضل من صلة أو فضل. قال ابن سيده:

و العائدة المعروف و الصّلة يعاد به على الانسان و العطف و المنفعة.

(3) الإقحام هو الإرسال في عجلة.

(4) القوانين: يعني الأصول، الواحد منها قانون و ليس بعربي كما في «لسان العرب» و كذا-

28

المحكمة (1)» و رتّبته على مقدّمة و أبواب و خاتمة (2).

و هذا الكتاب، مع أنّ مؤلّفه قصير الباع و قاصر الذراع‏ (3) و ليس محسوبا

____________

- قال الجوهري كما في «مجمع البحرين». يقال إنّها روميّة و إنّها مولّدة من كانون اليونانيّة، و قيل إنها فارسية. و مهما يكن فإنّ المقصود منها القاعدة و الدستور و المقياس، يقال قانون كل شي‏ء مقياسه، و هي تقال لمجموعة الشرائع و النظم التي تنظّم علاقات المجتمع سواء كان من جهة الأشخاص أو من جهة الأموال و غير ذلك من الجهات. و القوانين كثيرة أساسية و دستوريّة و تجارية و جزائية و عرفية و مدنية ...

الخ، و هي أيضا اسم آلة من آلات الطرب ذات أوتار تتحرّك بالكشتبان، و في علم الجبر قاعدة رياضية ملخّصة بعبارة جبريّة.

(1) المحكمة أي المضبوطة المتقنة، يقال آية محكمة، و هي ما اتّضح معناها و ما هي محفوظة من النسخ أو التخصيص أو منهما معا، و ما كانت نظمها مستقيمة خالية من الخلل و ما لا يحتمل فيها التأويل إلّا وجها واحدا و يقابله بكل من هذه المتشابه.

(2) أما المقدمة ففي بيان رسم هذا العلم و موضوعه و نبذ من القواعد اللّغوية. و أما الأبواب فهي سبعة: الباب الأوّل في الأوامر و النواهي، و الباب الثاني في المحكم و المتشابه و المنطوق و المفهوم، و الباب الثالث في العموم و الخصوص، و الباب الرابع في المطلق و المقيّد، و الباب الخامس في المجمل و المبيّن، و الباب السادس في الأدلّة الشرعية. و فيه مقاصد: المقصد الأوّل في الإجماع، و الثاني في الكتاب، و الثالث في السّنة. و بهذه الأبحاث ينتهي المجلد الأوّل من الكتاب ليأتي المجلّد الثاني فيه تتمة الباب السادس، و فيه المقصد الرابع في الأدلّة العقلية، ثم المقصد الخامس في النسخ.

و أما الباب السابع ففي الاجتهاد و التقليد. و أمّا الخاتمة في التعارض و التعادل و التراجيح.

(3) قصير الباع و قاصر الذراع: الباع جمع أبواع و باعات و بيعان، قدر مدّ اليدين، يقال طويل الباع و رحب الباع أي كريم مقتدر، و قصير الباع و ضيّق الباع أي بخيل عاجز.

و أما الذراع فهو من المرفق الى أطراف الأصابع. و الذرع: الوسع و الطاقة فيقال ضيّق-

29

من جملة من يرتكب هذا الشأن و يؤسّس هذا البنيان، و ليس في مضمار الاستباق‏ (1) إلّا كراكب القصب‏ (2) أو كراجل التفّت ساقه بالسّاق‏ (3)، فهو من فضل اللّه، مشتمل على ما لم يشتمل عليه زبر (4) السّابقين، و مخرج لجواهره ما اختفى من الحقائق في كنوز كلمات الفائقين، فإن وجدتها بعد استيفاء الفكر و استقصاء النظر حقيقا بالقبول، فللّه الحمد على ذلك، و إلّا فالملتمس منك الإصلاح ما استطعت، و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب.

أمّا المقدّمة (5): [ففي بيان رسم هذا العلم و موضوعه و نبذ من القواعد اللّغوية]

____________

- الذرع و الذراع قصرها، كما أنّ معنى سعتها و بسطها طولها. و وجه التمثيل انّ القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع و لا يطيق طاقته، فضرب به المثل للذي سقطت قوّته دون بلوغ الأمر و الاقتدار عليه.

(1) في مضمار الاستباق أي في ميدان المراهنة على قطع المسافة، فشبّه معرض التعهد لطيّ المطالب العلمية بميدان الاستباق، ثم ذكر الرّاكب و الرّاجل و هذا كلّه استعارة تحقيقية.

(2) و القصب هو نبات مائي يبلغ طول أحد أكبر أنواعه حوالي أربعة أمتار منتشر على ضفاف المستنقعات و الغدران. و يقال: أحرز قصب السّبق أي كان الغالب. و أصله انّهم كانوا ينصبون في حلبة السّباق قصبة فمن سبق اقتلعها و أخذها ليعرف أنه السّابق.

(3) و السّاق هي ما بين الكعب و الركبة في الرجل، و في قوله تعالى: الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، قيل فيه التفت الدّنيا بالآخرة، و هو مروي عن أبي جعفر (عليه السلام).

(4) الزّبر: الكتاب و الجمع زبور و منه قراء بعضهم: وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً*. و الزّبور الكتاب المزبور، و الجمع زبر ك: رسول و رسل.

(5) المقدّمة: بكسر الدّال المشدّدة و فتحها تطلق لغة على معان كثيرة، منها: الناصية و الجبهة، و ما استقبلك من الجبهة و الجبين و ما تقدم في الجيش، و ما تقدم في الكتاب-

30

____________

- و الخطاب و من كلّ شي‏ء أوّله. و تطلق أيضا على ما يتوقف عليه الشي‏ء سواء كان التوقف عقليا أو عاديا أو جعليا، كما لو قلت: كل مركّب فاسد، و كل جسم مركب؛ فكل جسم فاسد، و هذه المقدمة تعرف بمقدمة القياس و هي ما تترتب عليه النتيجة من القضايا، فكل مركب فاسد قضية كبرى، و كل جسم مركب قضية صغرى، و كل جسم فاسد نتيجة. و منها: ما يتوقف عليه الفعل و هو بحث مختص بأرباب الأصول.

و منها: ما يتوقف عليه صحة الدليل أي بلا واسطة كما هو المتبادر، فلا يرد الموضوعات و المحمولات. و أما المقدمات البعيدة للدليل فإنّما هي مقدمات لدليل مقدمة الدليل.

و منها: قضية جعلت جزء قياس أو حجة، كما في شروح «الشمسية» ص 29، 30 و هذان المعنيان مختصّان بأرباب المنطق و مستعملان في مباحث القياس. و منها:

قضية من شأنها أن تجعل جزء قياس. صرّح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشية «شرح الشمسية» ص 93 في تقسيم العلم الى النظري و البديهي، و هي على قسمين:

قطعية تستعمل في الأدلّة القطعية و ظنية تستعمل في الامارة. فالمقدمات القطعية سبع: الأوّليات و الفطريّات و المشاهدات و المجرّبات و المتواترات و الحدسيات و الوهميات في المحسوسات. و الظنية أربع: المسلّمات و المشهورات و المقبولات و المقرونة بالقرائن كنزول المطر بوجود السحاب الرطب، كذا يستفاد من «شرح المواقف» في المقصد السّادس في المقدمات.

و منها: ما يتوقّف عليه المباحث الآتية، فإن كانت المباحث الآتية العلم برمته تسمى مقدمة العلم، و إن كانت بقية الباب أو الفصل تسمى مقدمة الباب أو الفصل، و بالجملة تضاف الى الشي‏ء الموقوف كما في «الأطول».

ثم اعلم أنّه قد اشتهر بينهم أنّ مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع في ذلك العلم.

و الشروع في العلم لا يتوقف على ما هو جزء منه و إلّا لدار، بل على ما يكون خارجا عنه. ثم الضروري في الشروع الذي هو فعل اختياري توقّفه على تصوّر العلم بوجه-

31

____________

- ما، و على التصديق بفائدة تترتّب عليه سواء كان جازما أو غير جازم، مطابقا أو لا، لكن يذكر من جملة مقدّمة العلم أمور لا يتوقف الشروع عليها كرسم العلم و بيان موضوعه و التصديق بالفائدة المترتّبة المعتدّ بها بالنسبة الى المشقّة التي لا بدّ منها في تحصيل العلم و بيان مرتبته و شرفه و وجه تسميته باسمه الى غير ذلك.

فقد أشكل ذلك على بعض المتأخّرين و استصعبوه، فمنهم من غيّر تعريف المقدمة الى ما يتوقف عليه الشروع مطلقا أو على وجه البصيرة أو على وجه زيادة البصيرة.

و منهم من قال: الأولى أن يفسّر مقدمة العلم بما يستعان به في الشروع، و هو راجع الى ما سبق، لأنّ الاستعانة في الشروع إنّما تكون على أحد الوجوه المذكورة. و منهم من قال: لا يذكر في مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع و إنّما يذكر في مقدمة الكتاب.

و فرّق بينهما بأنّ مقدمة العلم ما يتوقف عليه مسائله و مقدمة الكتاب طائفة من الألفاظ قدّمت أمام المقصود لدلالتها على ما ينفع في تحصيل المقصود، سواء كان مما يتوقّف المقصود عليه فيكون مقدمة العلم أو لا، فيكون من معاني مقدّمة الكتاب من غير أن يكون مقدمة العلم، و أيّد ذلك القول، بأنّه يغنيك معرفة مقدمة الكتاب عن مظنّة أنّ قولهم المقدّمة في بيان حدّ العلم و الغرض منه، و موضوعه من قبيل جعل الشي‏ء ظرفا لنفسه و عن تكلّفات في دفعه، فالنسبة بين المقدمتين هي المباينة الكلّية، و النسبة بين ألفاظ مقدمة العلم و نفس مقدمة الكتاب عموم من وجه، لأنّه اعتبر في مقدمة الكتاب التقدّم و لم يعتبر التوقف، و اعتبر في مقدّمة العلم التوقف و لم يعتبر التقدم، و كذا بين مقدمة العلم و معاني مقدّمة الكتاب عموم من وجه. و يرد عليه: أنّ ما لم يقدّم أمام المقصود كيف يصحّ اطلاق مقدمة العلم عليه لأنّ المقدّمة إما منقولة من مقدمة الجيش لمناسبة ظاهرة بينهما أو مستعارة أو حقيقة لغوية، و على الوجوه الثلاثة لا بدّ من صفة التقدّم لما يطلق عليه لفظ المقدمة، فعلى هذا النسبة هي العموم مطلقا، و لذا قد يقال:

مقدّمة الكتاب أعم، بمعنى أنّ مقدمة الكتاب تصدق على العبارات الدالة على مقدمة العلم من غير عكس. انتهى.

-

32

ففي بيان رسم‏ (1) هذا العلم و موضوعه، و نبذ من القواعد اللّغويّة (2).

____________

- و الجواب: بأنّ التقدم الرتبي يكفي في المناسبة، ففيه نظر، إذ في تصدير الأشياء المذكورة في آخر الكتاب بالمقدمة و إن كانت مما يتوقف عليه الشروع خفاء.

و أيضا قد علمت انّ منشأ الاختلاف هو بيان وجه تصدير الكتب بأمور لا يتوقف الشروع عليها و تسميتها بالمقدمة لا غير، فلا بد من اعتبار التقدم المكاني و إن كان تعريف المقدمة بما يتوقف عليه الشروع، مقتضيا لاعتبار التقدم مطلقا، سواء كان مكانيا أو رتبيّا. و الجواب: بأنّ التقدم و لو على أكثر المقاصد أو بعضها يكفي لصحة الاطلاق. ففيه: انّ المقدمة حينئذ لا تكون مقدمة العلم، بل مقدمة الباب أو الفصل مثلا و ليس الكلام فيه.

هذا و قال صاحب «الأطول»: و الحق أنّه لا حاجة الى التغيير، فإنّ كلا مما يذكر في المقدمة مما يتوقف عليه شروع في العلم هو إما أصل الشروع أو شروع على وجه البصيرة أو شروع زيادة البصيرة فيصدق على الكلّ ما يتوقف عليه شروع، و لحمل الشروع على ما هو في معنى المنكر مساغ أيضا كما في ادخل السّوق انتهى. و هاهنا أبحاث تركناها بعد الذي مضى من الاطناب، فمن أراد فعليه بالرجوع الى شروح «التلخيص».

(1) الرّسم بالفتح و سكون السّين المهملة في اللّغة العلامة، و عند المنطقيين قسم من المعرّف مقابل للحدّ. و منه تام و ناقص، فالرّسم التام ما يتألف من الجنس القريب و الخاصة كتعريف الانسان بالحيوان الضاحك، و الرّسم الناقص ما يكون بالخاصة وحدها أو بها و بالجنس البعيد كتعريف الانسان بالضاحك أو بالجسم الضاحك أو بعرضيات تختص جملتها بحقيقة واحدة كقولنا في تعريف الانسان: إنّه ماشي على قدميه عريض الأظفار بادي البشرة مستقيم القامة ضحّاك بالطبع، هكذا عند الجرجاني و غيره، و عند الأصوليين أخص من الحدّ لأنّه قسم منه.

(2) اللغوية: النسبة الى اللّغة لغويّ. و علم اللغة هو علم معرفة أوضاع المفردات، و قد يطلق على جميع أقسام العلوم العربية كما في «الدقائق المحكمة» «و المطوّل»-

33

و اعلم أنّ قولنا:

«أصول الفقه» علم‏ (1) لهذا العلم‏

، و له اعتباران‏ (2) من جهة الإضافة و من جهة العلميّة.

فأمّا رسمه باعتبار العلميّة فهو: «العلم بالقواعد (3) الممهّدة (4) لاستنباط (5)

____________

- «و الأطول». و نتوصل بالقواعد اللّغوية الى معرفة الألفاظ و كيفية دلالتها على المعاني الوضعية، إذ يمكن أن نقتدر منها على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب و السنة. و المراد بالقواعد اللّغوية هنا ما ذكره المصنّف من القانون الأوّل الى مبحث الأوامر من المسائل المتعلّقة بالحقيقة و المجاز، و الحقيقة الشرعيّة و الصحيح و الأعم، و الاشتراك و المشتق. و لا يخفى عليك أنّ تعداد هذه الأمور كلها على أنّها من القواعد اللّغوية تغليبا، فإنّ بعضها قواعد مبادية للفقه و الأصول و لا دخل لها باللّغة كمسألتي الحقيقة الشرعية و الصحيح و الأعم مثلا.

(1) علم: بفتح العين و اللّام عند النحاة قسم من المعرفة و هو ما وضع لشي‏ء بعينه غير متناول غيره بوضع واحد. و الظاهر أنّه يريد بالعلميّة هنا نحو ما في كلام النحاة من أنّ الرفع علم الفاعلية أي علامة الفاعلية، بناء على أنّ كل اسم علامة لمسمّاه لا ما هو من قبيل علم الشخص.

(2) و له اعتباران: مثنى الاعتبار و هو الغرض و التقدير، فلأصول الفقه تعريفان: أحدهما باعتبار الاضافة، و ثانيهما: باعتبار العلمية. و له معنى بكل من الاعتبارين، و جرى رسمهم على ذكر كلا المعنيين و إن كان المقصود هو المعنى العلمي.

(3) القواعد: جمع قاعدة تطلق على معان مرادف الأصل و القانون، و هي أمر كلّي أي قضية كلية منطبق أي مشتمل بالقوّة على جميع جزئياته، أي جزئيات موضوعة عند تعرّف أحكامها، أي يستعمل عند طلب معرفة أحكامها.

(4) الممهّدة: المبسّطة و الموطّأة.

(5) لاستنباط: لاستخراج و إظهار الشي‏ء بعد خفائه، و حرف اللّام يفيد كون تمهيد القواعد المذكورة مغيّا بهذه الغاية.

34

الأحكام الشرعيّة الفرعية (1)».

فخرج ب: «القواعد» العلم بالجزئيّات.

و بقولنا: «الممهّدة» المنطق و العربية و غيرهما (2) مما يستنبط منه الأحكام، و لكن لم يمهّد لذلك.

و ب: «الأحكام» ما يستنبط منها الماهيّات‏ (3) و غيرها.

____________

(1) و قد ذكر مثل هذا التعريف أكثر المتأخرين منهم البهائي (رحمه اللّه) في «زبدة الاصول»: ص 41.

(2) و غيرهما: مما هو مقدمة للاجتهاد لا ممهدة له، و سيأتي بيانها في أواخر الكتاب و عدّها من الفنون.

(3) الماهيات و غيرها: قال القمي في حاشيته: المراد بالماهيات الشرعية كالصلاة و الزكاة و الحج و النكاح و الطلاق، و بغيرها مثل صفاتها كصلاة الظهر و النكاح الدائم و الطلاق الرجعي و نحو ذلك، فإنّ معرفتها ليست من المسائل الفقهية حتى يكون قواعد الأصول ممهدة لاستنباطها، و إن كان يذكر في طيّ المسائل الفقهيّة، بل هي من مباديه كما سنشير إليه، فمثل مباحث الحقيقة الشرعية و ما له مدخليّة في إثبات الماهيّات من القواعد، مثل جواز إجراء الأصل في إثبات الماهيات و نحو ذلك و إن يبحث عنها في علم الأصول، و لكنّها لم تمهّد لمعرفة الماهيّات من حيث إنّها معرفة الماهيات، بل لأصل تعيينها و تشخيصها و تمييزها ليترتّب عليها أحكامها. و لو لم يعتبر قيد الحيثية لانتقض الحد بكثير من مسائلها. مثلا من جملة مسائل الأصول انّ عدم الدّليل دليل العدم، و انّ وجود المقتضي و عدم المانع يوجب ثبوت الحكم، و نحو ذلك، مع أنّه يستنبط منها غير الأحكام الشرعية أيضا، و إنّما فسّرنا الماهيات بذلك لا كما فعله صاحب «المعالم» في تعريف الفقه، حيث جعل الأحكام احترازا عن الذّوات كزيد و الصفات كشجاعته و الأفعال كخياطته، و لا كما فعله غيره من جعله احترازا عن القواعد الممهّدة لاستنباط الصنائع، لأنّ قيد الاحتراز هو في الحدّ لا بد أن-

35

و ب: «الشرعيّة» العقليّة.

و ب: «الفرعيّة» الأصوليّة.

و أمّا «رسمه» باعتبار الإضافة، ف: «الأصول» جمع أصل و هو في اللّغة ما يبتنى عليه شي‏ء، و في العرف يطلق على معان كثيرة، منها الأربعة المتداولة في ألسنة الأصوليين و هي: الظّاهر، و الدليل، و القاعدة، و الاستصحاب‏ (1)، و الأولى هنا إرادة اللّغوي ليشتمل‏ (2) أدلّة الفقه إجمالا، و غيرها من عوارضها (3)، و مباحث الاجتهاد و التقليد و غيرهما (4).

____________

- يكون محتاجا إليه بحيث لو لم يكن لدخل ما احترز عنه، و فيما نحن فيه ليس كذلك، إذ قيد الشرعية الفرعية مخرجة لأمثال ذلك فلا اختصاص للأحكام بذلك، فلا بد أن يجعل المحترز عنه من الأمور الشرعية الفرعية التي لم تكن من جملة الأحكام.

(1) الظاهر و الدليل و القاعدة و الاستصحاب: المراد من الظاهر الأصل في الاستعمال الحقيقة أي ظاهر استعمال اللّفظ مجردا عن القرينة في مقام التفهيم إرادة الحقيقة.

و من الدليل قول الفقيه بعد بيان حكم المسألة آية كذا أو رواية كذا هي الدليل إليه.

و من القاعدة الأصل في فعل المسلم الصحة، القاعدة المستنبطة من الأدلّة الشرعية حمله على الصحة. و من الاستصحاب الأصل في المتطهر الشاك في الحدث الطهارة أي الاستصحاب يقتضي البناء عليها.

(2) ارادة اللّغوي ليشتمل: ظاهر سياق العبارة كون اللّام للتعليل مرادا به بيان وجه الأولويّة، غير أنّه وجه الأولويّة في الحاشية بقوله: لئلّا يلزم النقل المرجوح عليه كانت اللّازم للغاية المفيدة لفائدة الشي‏ء، يعني انّ في الفوائد المترتبة على إرادة اللّغوي أنّه يشمل الأمور المذكورة.

(3) و غيرها من عوارضها: و غير الأدلّة من عوارضها كمبحث التعارض.

(4) و غيرهما: أي غير الاجتهاد و التقليد مثل البحث عن عدالة الرّواة و أقسام الرّواية و نحوهما. و في بعض النسخ إفراد الضمير أي غير المذكورات.

36

و

«الفقه» في اللّغة: الفهم‏ (1).

و في العرف: هو العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة.

و المراد ب: «الأحكام» هي النسب الجزئيّة (2)، و ب: «الشرعيّة» ما من شأنه أن يؤخذ من الشّارع و إن استقلّ بإثبات بعضها العقل أيضا.

فخرج ب: «الشرعيّة» العقلية المحضة التي ليس من شأنها ذلك، كبيان أنّ الكلّ أعظم من الجزء و النقيضان لا يجتمعان.

و ب: «الفرعيّة» ما يتعلّق بالعمل بلا واسطة (3)، فخرج بها الأصولية و هو ما لا

____________

(1) و الفقه في اللّغة الفهم كقوله تعالى: قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ‏. أي ما نفهم. و المراد بالفهم الادراك. و هذا الذي فسّره بأنّه هيئة للنفس بها يتحقّق معنى ما تحسّ. و قيل هو جودة الذّهن من حيث استعداده و اكتساب المطالب و الآراء، و كان هذا مراد من فسّره بسرعة الانتقال من المبادئ الى المطالب.

(2) و المراد بالأحكام هي النّسب الجزئية: هذا على ما في بعض النسخ، و ما في بعض آخر التعبير بالنسب الخبرية و هو الأصح بالنظر الى الاصطلاح و إن صحت النسبة الجزئية أيضا، لأنّ كل نسبة خبرية جزئية. و وجه الأصحيّة انّ الأحكام المأخوذة في الحدّ عبارة عن مسائل الفقه المدوّنة في كتبه المستنبطة من الأدلّة التفصيلية، و مسألة كل علم عبارة عن النسبة الخبرية التي يستدلّ عليها في الفنّ، هذا مع انّ الحكم على ما ضبطه علماء المنطق النسبة الخبرية، و الفرق بينها و بين النسبة الجزئية بالعموم و الخصوص، إذ أنّ النسبة الجزئية إنشائية، و من هنا قد يرجّح نسخة النسبة الجزئية باستلزام إرادة الخبرية انتقاض عكس التعريف بالنسبة الانشائية كما في قوله تعالى:

أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ*. و نظائرهما.

(3) و بالفرعيّة ما يتعلّق بلا واسطة: مفاده أنّ الحكم الفرعي يعتبر فيه كون تعلّقه بعمل المكلّف بلا واسطة. و المراد بالواسطة المنفية منها: الواسطة في العروض بأنّ لا يكون-

37

يتعلّق بالعمل بلا واسطة (1)، و إن كان لها تعلّق بعيد (2).

____________

- بحيث تعلّق بغيره أوّلا و بالذات و على وجه الحقيقة. و بعمل المكلّف ثانيا و بالعرض و على وجه المجاز لا الواسطة في الثبوت كالعلّة بالقياس الى معلولها، و لا الواسطة في الاثبات أعني ما يكون علّة للعلم بالشي‏ء كالدليل بالقياس الى مدلوله، و إلّا لم يبق مصداقا للحدّ لوجود الوسائط في الثبوت لجميع الأحكام الشرعية، بناء على ما عليه العدلية من أنّها تابعة للمصالح و المفاسد النفس الأمرية، و لوجود الوسائط في الاثبات لها لأنّها بأسرها ما عدا الضروريات مداليل للأدلّة. هذا كما في حاشية القزويني.

(1) ما لا يتعلّق بالعمل بلا واسطة: اعتبر رجوع النفي منها تارة الى المقيّد و هو المتعلّق، و أخرى الى قيده و هو عدم الواسطة، فاعتبار رجوعه الى الأوّل ينفي أصل التعلّق، و باعتبار رجوعه الى الثاني ينفي عدم الواسطة فيوجب ثبوت التعلّق بضابطة انّ النّفي في النّفي اثبات. فمفهوم تعريف الأصولية ينحلّ الى قسمين: أحدهما: ما لا تعلّق له بالعمل أصلا كمسائل أصول الفقه التي تتعلّق بالأدلّة باعتبار كونها من عوارضها و لا ربط لها بالعمل. و ثانيها: ما لا يتعلّق به إلّا بواسطة و هو الأصولية الاعتقادية كوجوب الاعتقاد بوجود الواجب و وحدانيته و عدله و نبوّة الأنبياء (عليهم السلام) و نحو ذلك من المعارف المعتبرة في الايمان، فإنّ هذا الحكم بملاحظة كون الاعتقاد بالأمور المذكورة من شروط صحة العبادات مما يصح اعتبار تعلّقه بالعبادات. ثانيا: و بالعرض و على سبيل المجاز بأن يقال يجب الصلاة مع الاعتقاد بالوحدانية و غيرها مثلا بعد تعلّقه بنفس الاعتقاد أوّلا و بالذّات و على سبيل الحقيقة، فهو بهذا الاعتبار لا يسمى حكما فرعيا، بل الحكم الفرعي هو الذي يعرض للصلاة أوّلا و بالذّات و على سبيل الحقيقة كالوجوب العارض لها المستفاد من قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و نظائره. ذلك كله كما في حاشية السيد القزويني (رحمه اللّه).

(2) و إن كان لها تعلّق بعيد: أي و إن كان للأصولية تعلّق بعيد أي مع الواسطة كالوجوب المتعلّق أوّلا، و بلا واسطة بمعرفة اللّه سبحانه و تعالى و هي أمر قلبي. و ثانيا بالصلاة حيث إنّ المعرفة شرط لصحتها فالوجوب المتعلّق أوّلا بالصلاة من الفرعيّة، و الوجوب المتعلّق أوّلا بالمعرفة و الواسطة بالصلاة من أصول الدّين.

38

و هاهنا إشكال مشهور بناء على تعريف الحكم الشرعي بأنّه خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين، مع كون الكتاب من أدلّة الأحكام، و هو أيضا خطاب اللّه، فيلزم اتّحاد الدليل و المدلول‏ (1).

و استراح الأشاعرة عن ذلك بجعل الحكم هو الكلام النفسي، و الدليل هو اللّفظي‏ (2).

و فيه: مع أنّ الكلام النفسي فاسد في أصله، انّ الكتاب مثلا حينئذ كاشف عن المدّعى، لا أنّه مثبت الدعوى، فلا يكون دليلا في الاصطلاح.

____________

(1) و لزوم اتحاد الدليل و المدلول في الأحكام المستفادة من الكتاب حيث إنّ الدليل و المدلول كلاهما خطاب اللّه تعالى المتعلّق بفعل المكلّف؛ فيصير مفاد الحد حينئذ أنّ الفقه هو العلم بخطابات اللّه عن خطاباته تعالى. و حاصل رفع اشكال اتحاد الدليل و المدلول انّ كلا من الكتاب و الحكم المستفاد منه و إن كان عبارة عن خطاب اللّه إلّا أنّ الأوّل خطاب بمعنى الكلام اللّفظي، و الثاني خطاب بمعنى الكلام النفسي، فالدليل و المدلول متغايران.

(2) لقد خالف الأشاعرة غيرهم في أنّ الخطاب الذي هو الكلام يطلق على اللّفظي و النفسي على سبيل الاشتراك اللّفظي، و بعضهم أفرط في جعله حقيقي في الثاني مجازا في الأوّل كقول الشاعر: إنّ الكلام لفي الفؤاد و إنّما جعل اللسان على الفؤاد دليلا، و لكن غير الأشاعرة جعلوه حقيقة متحدة في اللّفظي، فيكون مجازا في النفسي. و الكلام اللّفظي هو المؤلّف من الأصوات و الحروف المفهم للمراد سواء كان من الجارحة المخصوصة أم غيرها كالشجرة، فإنّه يقال عرفا انّ اللّه تعالى تكلّم مع نبيه موسى (عليه السلام) مع أنّه سبحانه أوجد الصوت في الشجرة. و الكلام النفسي هو المعنى القائم في نفس المتكلّم لا من حيث حصوله في ذهن السّامع و هو مدلول الكلام اللّفظي. و قد زعمت الأشاعرة كون كلامه تعالى هو النفسي و هذا فاسد في أصله كما صرّح المصنّف.

39

و الذي يخالجني‏ (1) في حلّه، هو جعل الأحكام عبارة عمّا علم ثبوته من الدّين بديهة بالإجمال، و الأدلّة عبارة عن الخطابات المفصّلة. فإنّا نعلم أوّلا بالبديهة أنّ لأكل الميتة و أكل الرّبا أو غيرهما حكما من الأحكام، و لكن لا نعرفه بالتفصيل إلّا من قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (2)، وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا (3) و نحو ذلك.

و هاهنا إشكال آخر، و هو: إنّ الأحكام كما ذكرت هي النسب الجزئية (4)، فموضوعاتها خارجة، و قد تكون نفس العبادة، و لا ريب أنّ معرفة ماهيّة العبادة وظيفة الفقه، فلا ينعكس الحدّ (5).

و يمكن دفعه: بالتزام الخروج، لأنّ تلك الموضوعات من جزئيّات موضوع العلم‏ (6)، و تصوّر الموضوع و جزئيّاته من مبادئ العلم، و المبادئ قد تبين في ذلك العلم و قد تبين في غيره. و تصوّر الموضوع و أجزائه و جزئياته‏ (7) يحصل‏

____________

(1) أي الذي خامرني و نازعني فيه فكر.

(2) المائدة: 3.

(3) البقرة: 275.

(4) النسب الجزئية كقولنا الصلاة واجبة و الزكاة واجب و شرب الخمر حرام، و كذا الزنا و نحو ذلك.

(5) أي لا يكون جامعا لأفراد محدوده بأن يصدق كلّما صدق المحدود حتى لا يكون شي‏ء من أفراده خارجا عن الحدّ. سمي به لأنّه عكس الاطّراد و هو المنع من دخول غير الأفراد، بأن يصدق المحدود كلما صدق الحدّ حتى لا يدخل في الحدّ ما لا يصدق عليه المحدود.

(6) أي من جزئيات موضوع علم الفقه لا من موضوع علم الاصول، لأنّ نفس ماهيّة العبادة من أفعال المكلّفين الذي هو موضوع علم الفقه.

(7) تصوّر الموضوع في الفقه كتصوّر الصلاة مثلا، و أجزائه كتصوّر الركوع و السجود، و جزئياته كتصوّر الصلوات اليومية و الآيات و غيرها.

40

غالبا في أصل العلم، و لا منافاة بين خروجه عن تعريف العلم و دخوله في طيّ مسائله.

و قولنا: «عن أدلّتها» من متعلّقات العلم لا الأحكام، فخرج علم اللّه و علم الملائكة و الأنبياء، و يمكن إخراج الضّروريّات أيضا عن ذلك، فإنّها من جملة القضايا التي قياساتها معها (1)، و لا يسمّى ذلك في العرف استدلالا، و لا العلم الحاصل معها علما محصّلا من الدّليل و إن كان تلك الضّرورة علّة لتلك العلوم في نفس الأمر.

و أمّا إخراج مطلق القطعيّات عن الفقه- كما يظهر من بعضهم‏ (2)- فلا وجه له، إذ الاستدلال قد يفيد القطع، و قبله لم يكن قطع بالحكم.

و خرج ب: «التفصيلية» علم المقلّد في المسائل، فإنّه ناشئ عن دليل إجمالي‏

____________

(1) و المراد من الضروريات هو ما سلّم ثبوتها في الدين، فلا يفتقر العلم بها الى دليل، فإنّها من جملة القضايا التي لا تحتاج الى قياس و استدلال، بل قياساتها معها، أي انّ العقل لا يصدّق بها بمجرد تصوّر طرفيها كالأوّليات، بل لا بد لها من وسط، إلّا أنّ هذا الوسط ليس مما يذهب عن الذّهن حتى يحتاج الى طلب فكر، و يقال لها: الفطريّات كقولنا: الاثنين خمس العشرة، و الزنا حرام. و المراد بالقياس هنا الصغرى و الكبرى.

مثلا الزنا حرام قضية ضرورية قياسها معها، فإنّ العقل بعد تصوّر الطرفين يجزم بأنّ الزّنا مما سلّم حرمته في الدين بحيث يعلمه عموم الناس، و كلما سلّم حرمته كذلك فهو حرام، فالنتيجة انّ الزّنا حرام.

(2) الظاهر انّ ذلك البعض هو الشيخ البهائي حيث قال في «زبدته» ص 40: و القطعيات ليست فقها و من ثم لا اجتهاد فيها، إذ الظاهر في كلامه (رحمه اللّه) الاطلاق، كما لا يخفى. و لكن الانصاف انّ قوله: و من ثم لا اجتهاد فيها يدل على انّ المراد بالقطعيّات التي تكون قبل الاجتهاد قطعيّا لا مطلقا، إذ القطعيّات الحاصلة في ضمن الاجتهاد من الفقه.

41

مطّرد (1) في جميع المسائل، و هو أنّ كلّ ما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي، هكذا قرّره القوم.

أقول: و يرد عليه، أنّ ذلك الدّليل الإجمالي بعينه موجود للمجتهد، و هو أنّ كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي.

فإن قلت: نعم، و لكن له أدلّة تفصيليّة أيضا مثل: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* (2) و نحوهما، و المراد هنا تلك، و ليس مثلها للمقلّد.

قلت: للمقلّد أيضا أدلّة تفصيليّة، فإنّ كلّ واحد من فتاوى المفتي في كلّ واقعة دليل تفصيلي لكلّ واحد من المسائل، فالأولى في الإخراج التمسّك بإضافة الأدلّة الى الأحكام و إرادة الأدلّة المعهودة، فإنّ الإضافة للعهد، فيكون التفصيليّة قيدا توضيحيّا.

ثم إنّ ما ذكرته، بناء على عدم الإغماض عن طريقة القوم رأسا. و إلّا فأقول: إنّ ما ذكره القوم من كون التفصيليّة احترازا عن علم المقلّد، إنّما يصحّ إذا كان ما ذكروه من الدّليل الإجمالي للمقلّد دليلا لعلمه بالحكم، و ليس كذلك، بل هو دليل لجواز العمل به و وجوب امتثاله و كونه حجّة عليه. كما أنّ الدّليل الإجمالي الذي ذكرناه للمجتهد هو أيضا كذلك، فلا يحصل بذلك احتراز عمّا ذكروه.

و يمكن أن يقال: أنّ قيد «التفصيلية» لإخراج الأدلّة الإجمالية كما بيّنّا سابقا

____________

(1) المطّرد هو العام الذي لا شذوذ فيه و منه القاعدة المطّردة. و سمّي دليل المقلّد بالاجمالي لانتسابه الى الاجمال، و الذي يقابله التفصيلي أي المنتسب الى التفصيل من الفصل بمعنى الفرقة بين شيئين. و معناه كونه عن أوساط متعدّدة متفرقة يختص كل واحدة بطائفة من المسائل كالكتاب و السنة و الاجماع و العقل، و بهذا عرّف خروج علم المقلّد بقيد التفصيلية.

(2) البقرة: 43 و 83 و 101، النساء: 77، النور: 56، المزمل: 20.

42

من أنّ ثبوت الأحكام في الجملة من ضروريّات الدّين، فما دلّ على ثبوت الأحكام إجمالا من الضرورة و غيرها مثل عمومات الآيات و الأخبار الدالّة على ثبوت التكاليف إجمالا، أدلّة لكن إجمالا لا تفصيلا. و هذا لا يسمّى فقها، بل الفقه هو معرفة تلك الأحكام الإجمالية من الأدلّة التفصيليّة.

و العجب من فحول العلماء كيف غفلوا عن ذلك، و لم يسبقني الى ما ذكرته أحد فيما أعلم.

ثمّ إنّهم أوردوا على الحدّ بأمرين‏ (1):

الأوّل: أنّ «الفقه» أكثره من باب الظنّ لابتنائه غالبا على ما هو ظنّي الدلالة أو السّند، فما معنى العلم‏ (2)؟

و اجيب عنه بوجوه، أوجهها:

أنّ المراد ب: «الأحكام» الشرعيّة أعمّ من الظاهريّة و النفس الأمريّة (3)، فإنّ‏

____________

(1) و قد ذكرهما في «المعالم» ص 69

(2) فما معنى العلم: بعد ما عرّفناه بأنّه إدراك الشي‏ء بحقيقته أو المعرفة و اليقين. و بناء على ما مرّ لا يكون التعريف جامعا لجميع أفراد المعرّف لخروج أغلب مسائل الفقه عنه لكونها ظنيّات باعتبار أدلّتها دلالة أو سندا أو هما معا، حيث منها ما هو ظنّي الدلالة و السند معا كخبر الواحد في متن كان من الظواهر. و منها ما هو ظنّي الدلالة مع قطعيّة السند كظواهر الكتاب. و منها ما هو ظنّي السند مع قطعيّة الدلالة كخبر الواحد في متن كان من قبيل النصوص مثلا.

(3) المراد بالأحكام الشرعية أعم من الظاهريّة و النفس الأمرية أي معنى يعمّ القسمين، بأن يكون أمرا جامعا لهما و قدرا مشتركا بينهما، و هو الحكم الفعلي الذي هو عبارة عمّا تعلّق بالمكلّف و وجوب التعبد به بحيث يستحق العقاب على مخالفته.

و الحكم النفسي الأمري هو الحكم الواقعي، و هو في عرفهم عبارة عما يتعلّق بالواقعة-

43

ظنّ المجتهد بعد انسداد باب العلم، هو حكم اللّه الظاهري بالنسبة إليه، كالتقيّة في زمان المعصوم، فإذا سمع المكلّف من لفظه يحصل العلم به مع أنّه ليس بحكم اللّه النفس الأمريّ، و لكن هو حكم اللّه بالنسبة إليه، و الى ذلك ينظر قول من قال‏ (1):

إنّ الظنّ في طريق الحكم لا في نفسه، و إنّ ظنيّة الطريق لا ينافي قطعيّة الحكم، و ذلك لا يستلزم التصويب كما توهّمه بعض الأصحاب‏ (2).

____________

- لعنوانها الخاص. و يقابلها الحكم الظاهري، و هو عبارة عما يتعلّق بها، بوصف كونها مجهول الحكم بالنظر الى الواقع أي لجهالة حكمها الواقعي بالمعنى المقابل للعلم اليقيني، سواء كان مشكوكا فيه بمعنى تساوي الطرفين كما في موارد الأصول العلمية من أصل الإباحة و أصل البراءة و الاستصحاب و أصل الاشتغال أو مظنونا كما في موارد الأدلّة الظنيّة المفيدة للظنّ بحكم اللّه الواقعي، و لذا يقال انّ ظنّ المجتهد بعد انسداد باب العلم هو حكم اللّه الظاهري في حقه. كما أفاده القزويني أعلى اللّه مقامه. هذا و في جعل التقيّة حكما ظاهريّا خروج عن الاصطلاح، بل هو نوع من الحكم الواقعي، غير أنّه واقعي ثانوي قبالا للواقعي الأوّلي، و لذا قد يجامع العلم بالواقعي الأوّلي و لا يعتبر فيه الجهل بالحكم الواقعي الذي هو معتبر في الحكم الظاهري، فعلى هذا جعل التقيّة حكما ظاهريا فيه كلام.

(1) كالعلّامة.

(2) و الذي توهم الاستلزام «في المعالم» ص 71 في حد الفقه الذي اعترض على العلّامة حيث أجاب عن الاشكال من أنّ الظنّ في طريق الحكم لا فيه نفسه، و ظنيّة الطريق لا تنافي علمية الحكم. أي جعل الطريق الى الحكم الشرعي من الأدلّة الظنيّة كالكتاب و غيره. و انّ ظنيّة هذه الأدلّة الناظرة الى الواقع لا تنافي قطعيّة الحكم الظاهري، و صيرورة المظنون حكما واقعيا في حقه بعنوان القطع، و هذا عين مذهب المصوّبة القائل بأن ليس للّه تعالى سبحانه في الوقائع قبل اجتهاد المجتهد حكم معيّن، فإذا اجتهد و أدّى اجتهاده الى الظنّ يصير ذلك المظنون حكما واقعيا في حقه و حق مقلّده، و ليس هذا مراده (رحمه اللّه). و الظاهر انّ مراده انّ للّه تعالى أحكاما واقعية يشترك فيها العالم و الجاهل، و جعل ظنّ المجتهد حكما ظاهريا.

44

و منها: أنّ المراد ب «العلم» هو الظنّ أو الاعتقاد الرّاجح فيشمل الظنّ، و هو مجاز يبعد استعماله في الحدود (1).

و منها: أنّ المراد به العلم بوجوب العمل به.

و منها: أنّ المراد العلم بأنّه مدلول الدّليل.

و كلّها بعيد.

و الثاني: أنّ المراد بالأحكام إن كان كلّها- كما هو مقتضى ظاهر اللّفظ- فيخرج عنه أكثر الفقهاء (2) لو لم يخرج كلّهم، و إن كان البعض، فيدخل فيه من علم بعض المسائل بالدّليل.

و الجواب: أنّا نختار أوّلا: إرادة الكلّ، و لكنّ المراد بالعلم التهيّؤ و الاقتدار و الملكة (3) التي بها يقتدر على استنباط الأحكام من الأدلّة، و لا ينافي ذلك ما مرّ

____________

(1) فيشمل الظن إذ إنّ الاعتقاد الرّاجح مع المنع من النقيض علم و بدونه ظنّ و هو مجاز، و يبعد استعمال المجاز في تعريف الفقه و غيره من الحدود.

و قوله: العلم بمعنى الظنّ مجاز استعاري بعلاقة المشابهة في رجحان الحصول في الذهن، و بمعنى الاعتقاد الرّاجح مجاز مرسل بعلاقة ذكر الخاص و إرادة العام. هذا و القول في المراد من العلم بين الظنّ أو الاعتقاد الرّاجح، الأوّل للشيخ البهائي في «الزبدة» ص 40، و الثاني لصاحب «المعالم» فيه عند سؤال الظن في حد الفقه ص 71.

(2) أي علم أكثر الفقهاء.

(3) بعد أن أفصح عن المراد من العلم بأنّه التهيؤ و الاقتدار و الملكة يمكن أن يقال ما الفرق بين هذه الثلاثة و ما الفائدة من ذكرها جمعا. قلت: ما ذكره شارح «المطالع» في شرحه للديباجة: أنّ النفس الناطقة لها أربع مراتب اختصّ كل مرتبة باسم أحدها وقت خلوّها عن العلوم في أوّل الخلقة قبل حصول المبادئ الأوّليّة لها تسمى بالعقول الهيولاني «الهيولى جمع هيوليات و هي المادة الأولى و النسبة إليه هيوليّ و هيولانيّ- يونانية-» تشبيها لها بالهيولى الخالية في نفسها عن جميع الصّور القابلة-

45

من الأجوبة عن السّؤال الأوّل، من جهة أنّها مبتنية على جعل العلم بمعنى الإدراك ما هو الظّاهر فيما ذكر متعلّقه، سواء كان الإدراك يقينيا أو ظنيّا. و الملكة لا تتّصف بالظنيّة و العلميّة (1)، لأنّا نقول: الملكة معنى مجازيّ للعلم بمعنى الإدراك، فتتّصف بالظنيّة و العلميّة باعتبار الإدراك أيضا (2).

____________

- إيّاها، يعبر عنه بالتهيؤ المطلق أيضا. ثانيها بعد حصول المبادئ المذكورة و قبل ترتيب المقدمات تسمى العقل بالملكة المعبّر عنه بالتهيؤ القريب و الاقتدار أيضا.

ثالثها بعد الحصول و الترتيب و الانتقال الى النتائج النظريّة تسمى العقل بالفعل. رابعها بعد حصول الثلاثة بحيث صارت مخزونة عند النفس و حصّله متى شاءت بلا حاجة الى ترتيب المقدمات تسمى بالعقل المستفاد. و هذه المرتبة مختصة بالمعصومين عليهم أفضل الصلاة و التسليم، و لعل هذا هو المراد من قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. و في بعض الكتب تسمية الرّابع باسم الثالث و بالعكس.

إذا عرفت كل هذا تعلم أنّ المراد من العلم في الحدّ ليس المرتبة الأولى أي التهيؤ المطلق، لحصول هذا في جميع أفراد الانسان في بداية الخلقة، فبإرادته لم يكن الحدّ مانعا، فلذا قيّده بعضهم بالتهيؤ القريب. و لا المرتبتين الأخيرتين أيضا، إذ بإرادة كل واحدة منها لم يكن النقض المذكور مدفوعا لعدم حصول ترتيب المقدمات و الانتقال الى النتائج لأكثر الفقهاء، بل المراد منه هو المرتبة الثانية أعني العقل بالملكة، و لمّا فسّر المصنف (رحمه اللّه) العلم بالتهيؤ جمع بينه و بين الاقتدار للاحتراز عن المرتبة الاولى ثم تأكيدا لعدم إرادة الأولى أتى لجامع بينهما و هو الملكة.

(1) فلا يقال إنّها ظنّ و لا يقال إنّها علم.

(2) فيقال للملكة ظنيّة، و يقال لها علمية باعتبار كونها سبب الادراك. فكما يتّصف الادراك بالظنيّة و العلمية و هو المسبب، فكذلك تتّصف الملكة بهما أيضا و هي السبب.

و يحتمل أن يكون المراد منه أنّ الملكة كما تتّصف بالظنيّة و العلمية على القولين الأوّلين، أعني أخذ العلم بمعنى القطع أو الظنّ، كذلك تتّصف بهما على القول الثالث باعتبار الإدراك، أعني أخذ العلم بمعنى الاعتقاد.

46

فنقول بناء على جعل العلم بمعنى اليقين: إنّ المراد الملكة التي يقتدر بها على الإدراكات اليقينيّة، و بناء على جعله بمعنى الظنّ؛ الملكة التي يقتدر بها على الإدراكات الظنيّة، غاية الأمر أنّه يلزم على إرادة الظنّ من العلم‏ (1) سبك مجاز من مجاز، فالعلم بالحكم مجاز عن الظنّ به، و الظنّ به مجاز عن ملكة يقتدر بها على تحصيل الظنّ به، و كذلك يلزم ذلك على الوجهين الأخيرين‏ (2).

فالعلم على أوّل الوجهين استعارة للظنّ بمشابهة وجوب العمل. كما أنّ في الصّورة السّابقة كان استعارة بمشابهة رجحان الحصول، أو مجازا مرسلا بذكر الخاصّ و إرادة العامّ، ثمّ يترتّب على ذلك إرادة الملكة من ذلك بعلاقة السّببيّة و المسبّبيّة.

و يظهر من ذلك الكلام في الوجه الأخير أيضا، و هو أردأ الوجوه‏ (3)، و أمّا على ما اخترناه من الوجه الأوّل فلا يلزم ذلك‏ (4).

و ثانيا: إرادة البعض، و نقول: إمّا أن يمكن تحقّق التجزّي، بأن يحصل للعالم الاقتدار على استنباط بعض المسائل عن المأخذ- كما هو حقّه دون بعض- أو لا يمكن.

____________

(1) كما في القسم الأوّل من الوجه الثاني في قوله: و منها انّ المراد بالعلم هو الظنّ.

(2) فيلزم سبك المجاز من المجاز على الوجهين الأخيرين، و هما العلم بوجوب العمل به و العلم بمدلولية الدليل.

(3) الوجه الأخير بأنّه مدلول الدليل هو أفسد الوجوه. و قد توجّه الأردئية بعدم كون الفقه هو العلم بمدلولية الأحكام للأدلّة، بل هو العلم بنفس الأحكام.

(4) الوجه الأوّل و هو جعل العلم بمعنى اليقين، فلا يلزم سبك مجاز من مجاز، بل يلزم سبك مجاز و هو الملكة من حقيقة و هي اليقين، و كذا لا يلزم ذلك على الوجهين الأخيرين كما عرفت.

47

فعلى الثاني، فلا ينفكّ الفرض عن المجتهد في الكلّ.

و على الأوّل كما هو الأظهر، فإمّا أن نقول بحجّيته و جواز العمل به كما هو الأظهر أو لا.

و على الأوّل فلا إشكال أيضا لأنّه من أفراد المحدود.

و على الثاني، فإن قلنا: إنّ التعريف لمطلق الفقه فيصحّ أيضا.

و إن قلنا: إنّه للفقه الصحيح، فيقع الاشكال في إخراجه.

و استراح من جعل العلم في التعريف عبارة عما يجب العمل به، بأنّ ذلك‏ (1) خرج عن العلم، فإنّه ليس بذلك‏ (2).

و يمكن دفعه على ما اخترناه أيضا (3): بأنّه لم يثبت كون ما أدركه حكما شرعيّا حقيقيا و لا ظاهريا، لأنّ الدّليل لم يقم على ذلك فيه‏ (4).

و أمّا موضوعه‏ (5): فهو أدلّة الفقه و هي: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل.

____________

(1) أي الفقه الذي لا يجوز العمل به و هو غير الصحيح خرج من اعتبار وجوب العمل به بعد العلم فليس بباق حتى يحتاج الى الاخراج.

(2) أي الفقه غير الصحيح ليس مما يجب العمل به لفرض عدم حجيته.

(3) من أنّ المراد بالأحكام الشرعية أعمّ من الظاهرية و النفس الأمريّة، و في حاشية هو أخذ العلم بمعنى الظن أو الاعتقاد الرّاجح، الأوّل مختار الشيخ البهائي و الثاني خيرة صاحب «المعالم» كما مرّ.

(4) إذ إنّه لم يثبت ما أدركه ظنا أو اعتقادا راجحا لأنّه لم يقم الدليل على أنّ ما أدركه المتجزّي حكما شرعيا حقيقيا أي واقعيا و لا ظاهريا في علم المقلّد.

(5) و موضوعه: انّ كل قضية كلّية أو جزئية موجبة كانت أو سالبة فهي مركّبة من حدّين يسمّى أحدهما الموضوع و الآخر المحمول، مثال ذلك قولك: النار حارة فالنار هي-

48

و أمّا الاستصحاب، فإن اخذ من الأخبار فيدخل في السنّة، و إلّا فيدخل في العقل‏ (1).

و أمّا القياس فليس من مذهبنا.

____________

- الموضوعة و الحرارة هي المحمولة. قالوا: إنّ كل علم من العلوم المدوّنة لا بد فيه من أمور ثلاثة: الموضوع و المسائل و المبادئ و سميت بأجزاء العلوم. و هذا القول مبني على المسامحة، فإنّ حقيقة كل علم مسائله. و عدّ الموضوع و المبادئ من الأجزاء إنّما هو لشدة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم.

ملاحظة: و يبدو أن المصنف لم يذكر غاية هذا العلم لوضوحها و هي الترقي عن حضيض التقليد في الدّين الى أوج الاستدلال و اليقين.

(1) و يظهر انّ المصنف قد خص الاستصحاب بالذكر دون البراءة و الاحتياط و التخيير كعمل بعض القدماء كالمحقق في «المعتبر» حيث قال في الفصل الثالث في «مستند الأحكام» 1/ 27: و هي عندنا خمسة: الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل و الاستصحاب. و قد اشار المصنف هنا الى مبنى حجّية الاستصحاب فإن كان على التعبّد بالأخبار كما عند المتأخرين فهو داخل في السنة و إن كان من العقل صار دليلا عقليا. و في كل هذا كلام.

49

قانون اللّفظ قد يتّصف بالكلّية و الجزئيّة

باعتبار ملاحظة المعنى كنفس المعنى، فما يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشركة؛ فجزئي، و ما لا يمنع؛ فهو كلّي.

فإن تساوى صدقه في جميع أفراده؛ فهو متواط، و إلّا؛ فمشكّك‏ (1).

و هذا التقسيم في الاسم واضح، و أمّا الفعل و الحرف؛ فلا يتّصفان بالكلّيّة و الجزئية في الاصطلاح، و لعلّ السرّ فيه، أنّ نظرهم في التقسيم الى المفاهيم المستقلّة التي يمكن تصوّرها بنفسها و المعنى الحرفي غير مستقلّ بالمفهوميّة، بل‏

____________

(1) قال في شروح «الشمسية» 1/ 211: «مجموعة حواش و تعليقات» بأنّ الكلي لا يخلو إما أن يكون حصوله في أفراده الذهنية و الخارجية على السوية أو لا، فإن تساوت الافراد الذهنية و الخارجية في حصوله و صدقه عليها يسمى متواطئا لأنّ افراده متوافقة في معناه من التواطؤ و هو التوافق كالانسان و الشمس، فإنّ الانسان له أفراد في الخارج و صدقه عليها بالسويّة، و الشمس لها أفراد في الذّهن و صدقها عليها أيضا بالسويّة. و إن لم يتساوى الافراد، بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر يسمّى مشككا. و التشكيك على ثلاثة أوجه: التشكيك بالأولويّة و التشكيك بالتقدم و التأخر و التشكيك بالشدة و الضعف. و إنما سمي مشككا لأنّ أفراده مشتركة في أصل المعنى و مختلفة بأحد الوجوه الثلاثة. هذا كله عند المنطقي، و أما المتواطئ الأصولي هو ما تساوى ظهوره في جميع أفراده من حيث الظهور و الخفاء. و المشكك الأصولي ما لا يتساوى ظهورا و خفاء في جميع الأفراد.

و مع التأمل تجد أنّ مناط التواطؤ و التشكيك عند الأصولي ليس هو التساوي و عدم التساوي أي التفاوت في الأولويّة، و الأولويّة و الشدة و الضعف كما هو عند المنطقي، بل التساوي و التفاوت من حيث الظهور و الخفاء الناشئ عن اختلاف أفراد المعنى في الشيوع و الندرة و عدم اختلافها فيه.

50

هو أمر نسبيّ رابطيّ و آلة لملاحظة حال الغير (1) في الموارد المشخّصة المعيّنة، و لا يتصوّر انفكاكها أبدا عن تلك الموارد، فهي تابعة لمواردها، و كذلك الفعل بالنسبة الى الوضع النسبي، فإنّ له وضعين: فبالنسبة الى الحدث كالاسم، و بالنسبة الى نسبته الى فاعل ما كالحرف.

و أمّا أسماء الإشارة و الموصولات و الضمائر و نحوها (2).

فإن قلنا بكون وضعها عاما و الموضوع له خاصا، فيشبه الحروف لمناسبتها في الوضع، فلا بدّ أن لا يتّصف بالكلّية و الجزئية، و إنّما المتّصف هو كلّ واحد من الموارد الخاصّة.

و لعلّ ذلك هو السرّ في عدم التفات كثير منهم في تقسيماتهم للمعاني و الألفاظ إليها.

و أمّا على القول بكون الموضوع له فيها عاما كالوضع كما هو مذهب قدماء أهل العربية (3)، فهو داخل في الكلّي؛ فيكون مجازا بلا حقيقة، لأنّ الاستعمال لم يقع‏

____________

(1) فالأمر النسبي كالنسبة بين السير و النجف، و الرّابطي يربط النجف بالسير، و الآلة يلاحظ به حال السير كما يلاحظ به حال النجف كما في قول القائل: سرت من النجف الى الإمام الحسين (عليه السلام). هذا و قد شبّه المعنى الحرفي بظلّ الشاخص، فكما أنّ الظلّ موجود بوجود الغير من الشاخص مثلا فكذلك المعنى الحرفي لأنّه موجود بوجود الغير أي مدخوله و متعلّقه.

(2) كالاستفهام و النفي و الاستثناء به.

(3) هناك قول بأنّ الوضع عام و الموضوع له خاص ينسب الى جماعة و منهم السيد الشريف كما في حاشية، و قول بأنّ الوضع عام و الموضوع له أيضا عاما و قد حكي هذا القول عن الأسنوي و التفتازاني و أبي حيّان و الرضي و غيرهم من قدماء أهل العربية-

51

إلّا في الجزئيات.

ثمّ إنّ اللّفظ و المعنى إمّا يتّحدا؛ بأن يكون لفظ واحد له معنى واحد فاللّفظ متّحد المعنى و المعنى متّحد اللّفظ أو لا.

فإن تكثّر كلّ منهما؛ فالألفاظ متباينة، سواء توافقت المعاني أو تعاندت.

و إن تكثّرت الألفاظ و اتّحد المعنى؛ فمترادفة.

و إن اتّحد اللّفظ و تكثّرت المعاني، فإن وضع لكلّ منها مع قطع النظر عن الآخر و مناسبته، سواء كان مع عدم الاطلاع كما لو تعدّد الواضعون أو عدم التذكّر أو مع التذكّر و لكن لم يلاحظ المناسبة؛ فمشترك، و يدخل فيه المرتجل‏ (1).

و ربّما جعل قسيما له نظرا الى أنّ المشترك هو ما لم يلاحظ فيه المعنى الآخر، و إن كان من جهة عدم المناسبة أيضا بخلاف المرتجل، فيلاحظ فيه عدم المناسبة فيحصل فيه نوع تبعيّة، و فيه تعسّف‏ (2).

____________

- و الأصول كما في الحاشية. و كذا قول المحقق في «الكفاية» في تعريف الوضع ص 5 (الأمر الثاني)، و لكن مع عمومية المستعمل فيه لا خصوصيته. يعني أنّ الوضع و الموضوع له عامّان، و كذلك المستعمل فيه.

(1) و هكذا يدخل المرتجل في المشترك و يصبح قسما من أقسامه، و قد ذهب الى هذا الرأي الشيرواني و سلطان العلماء على ما حكي عنهما خلافا للآمدي و الفخري و العلّامة كما في «المبادئ» ص 63 في تقسيم الالفاظ، و صاحب «المعالم» ص 81 في تقسيم اللفظ و المعنى الذين قالوا بأنّ المرتجل قسما على حدة. و التفت الى أنّ المرتجل عند الأصوليين هو ما يلاحظ فيه عدم المناسبة كجعفر علما لرجل بعد كونه في الأصل موضوعا للنهر الصغير، و هو مخالف لما هو عند النحويين، فهو في اصطلاحهم علم لم يسبق استعماله في غير العلميّة أو سبق و جهل ثم جعل علما.

(2) أخذه على غير هداية و حمله على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة، و هذا معنى التعسّف و قد نعته بذلك للزوم كثرة الأقسام مع أنّ التقليل منها أحسن.

52

فعلى هذا يخرج المبهمات‏ (1) من المشترك على القولين لعدم تعدّد الوضع المستقلّ بالنسبة الى كلّ واحد من الجزئيات.

أمّا على قول قدماء أهل العربيّة فظاهر.

و أمّا على القول الآخر، فلأنّ الملحوظ حين الوضع هو المعنى الكلّي و وضع لكلّ واحد من الجزئيات بوضع واحد لا متعدّد.

و لا ينافي ذلك ثبوت الاشتراك في الحروف بالنسبة الى المفهومات الكلّيّة كالتبعيض و التبيين‏ (2)، و إن لم نقل باشتراكها في خصوص الموارد الجزئية.

و إن اختصّ الوضع المستقلّ بواحد، فهو الحقيقة، و الباقي مجاز إن كان الاستعمال فيها بمجرّد المناسبة و العلاقة مع القرينة.

و إن كانت مجرّد الشهرة ليدخل المجاز المشهور كما سيجي‏ء، أو منقول إن ترك المعنى الحقيقي أوّلا و وضع لمعنى آخر بمناسبة الأوّل، أو استعمل المعنى المجازي و كثر استعماله الى أن وصل الى حدّ الحقيقة.

فالمنقول قسمان: تخصيصيّ، و تخصّصي.

و الثاني يثمر بعد معرفة تاريخ التخصيص.

و هذا كلّه في الأسماء ظاهر، و أمّا الأفعال و الحروف؛ فالحقيقة و المجاز فيهما إنّما هو بملاحظة متعلّقاتها و تبعيّتها كما في نطقت الحال: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا (3).

____________

(1) كالحروف و أسماء الاشارة و نحوها.

(2) كاشتراك حرف من مثلا بين مفهوم التبيين و مفهوم التبعيض و مفهوم الابتداء، و كاشتراك الباء بين الالصاق و السببيّة و غيرهما، و قد أشار الى دفع ذلك بقوله:

و لا ينافي ذلك ثبوت الاشتراك في الحروف.

(3) القصص: 8.

53

هذا بحسب المواد (1).

و أمّا الهيئة، فقد يتّصف الفعل بالحقيقة و المجاز و الاشتراك و النقل، كالماضي للإخبار و الإنشاء، و المضارع للحال و الاستقبال، و الأمر للوجوب و الندب.

و لا يذهب عليك أنّ الحيثيّة معتبرة في هذه الأقسام، فقد يكون المشترك مباينا أو مرادفا، و المرادف مباينا، الى غير ذلك فلاحظ و لا تغفل.

____________

(1) كما في نطقت الحال حيث يقال المجاز على نطق تبعا للمصدر، و توجيهه على ما قرّره علماء البيان انّ الدلالة قد شبهت بالنطق في ايضاح المعنى و ايصاله الى ذهن السّامع ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه فصار النطق بمعنى الدلالة مجازا بالاستعارة، ثم اشتق منه نطق فصار نطقت الحال بمعنى دلّت الحال. و قوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً حيث توصف «اللّام» في ليكون بالمجاز تبعا لمدخولها. و توجيهه على ما ذكر في البيان أيضا ان العداوة و الحزن شبها بالمحبة و التبني في ترتبهما بحسب الخارج على فعل الالتقاط، فالغاية التي قصد ترتبها من الأخذ و الالتقاط هي المحبة ترتب خلافها و هي العداوة، فجعل تعالى غير الغاية للشباهة في الترتب فتكون لام الغاية أيضا مجازا تبعا لمجازيّة الغاية، هذا كله بحسب المادة.

54

قانون فى الحقيقة و المجاز

اللّفظ إن استعمل فيما وضع له من حيث هو كذلك؛ فحقيقة، و في غيره لعلاقة؛ فمجاز (1).

و الحقيقة تنسب الى الواضع، و في معنى الوضع استعمال اللّفظ في شي‏ء مع القرينة مكرّرا الى أن يستغني عن القرينة فيصير حقيقة.

فالحقيقة باعتبار الواضعين و المستعملين في غير ما وضع له الى حدّ الاستغناء عن القرينة، تنقسم الى اللّغوية و العرفيّة الخاصّة مثل الشرعية و النحوية و العامة (2)، و كذلك المجاز بالمقايسة (3).

و اعلم أنّ المجاز المشهور المتداول في ألسنتهم، المعبّر عنه بالمجاز الرّاجح‏

____________

(1) الحقيقة على وزن فعيلة و هي من الحق بمعنى الثابت و المقابل للباطل. و المجاز مصدر ميمي أو اسم مكان من الجواز بمعنى العبور و هو الانتقال الى مكان آخر.

و اطلق على اللّفظ المخصوص لانتقاله عن محله الأصلي و هو الموضوع له الى غيره.

(2) أي و العرفية العامة و هي التي لم يتعيّن ناقلها، و أما العرفيّة الخاصة و هي التي تعيّن ناقلها كالشرعي أو النحوي أو المنطقي أو الأصولي.

(3) و كذلك ينقسم المجاز بالمقايسة كالحقيقة، يعني انّ استعمال اللّفظ بالمعنى المجازي إن كان لمناسبة لما وضع له في اللّغة فهو مجاز لغوي، و شرعا فهو مجاز شرعي و هكذا.

فإذا كل واحد من الحقيقة و المجاز ينقسم الى ثلاثة أقسام: أحدها: اللّغوية كلفظ الاسد مثلا اذا استعمل في الحيوان المفترس فيكون حقيقة لغويّة، و في الرجل الشجاع يكون مجازا لغويا. و ثانيها: العرفية الخاصة كلفظ الصلاة مثلا إذا استعمل في الركوع و السجود يكون حقيقة شرعية، و في الدعاء يكون مجازا شرعيا. و ثالثها: العرفية العامة كلفظ الدابّة مثلا اذا استعمل في ذي الأربع يكون حقيقة عرفية، و في الانسان يكون مجازا عرفيا عاميّا.