المحاضرات / تقريرات - ج3

- السيد جلال الدين الطاهري الاصفهاني المزيد...
479 /
5

(الفهرست)

المبحث الثالث في الاستصحاب‏ الفصل الاول: تعريف الاستصحاب 15

فى ان البحث عن حجيّة الاستصحاب بحث اصولى 16

فى جريان الاستصحاب و عدمه فيما اذا كان المستصحب حكما عقليا 17

التحقيق فى المسألة 17

الفصل الثانى: أدلّة حجّيّة الاستصحاب 21

الرواية الاولى: 22

فقه الحديث 23

فى جريان الاستصحاب و عدمه عند الشك فى المقتضى 25

الرواية الثانية: 29

فقه الحديث 30

الرواية الثالثة: 35

فقه الحديث 35

الرواية الرابعة: 38

فقه الحديث 38

الرواية الخامسة: 39

6

سند الحديث 39

فقه الحديث 40

الرواية السادسة: 41

فقه الحديث 42

سند الحديث 43

الرواية السابعة: 43

ما ذكره المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) و نقده 44

فى حقيقة الأحكام الوضعية و أقسامها 47

الفصل الثالث: تنبيهات الاستصحاب 51

التنبيه الاوّل: فى اعتبار فعليّة الشك و اليقين و عدمه 51

التنبيه الثانى: فى اعتبار صفة اليقين و عدمه 57

التنبيه الثالث: فى اقسام استصحاب الكلى 60

ما ذكره المحقق النائينى (قدّس سرّه) و نقده 63

استصحاب الفرد المردّد 65

الشبهة العبائية و دفعها 68

القسم الثالث من استصحاب الكلى 70

التحقيق فى المقام 71

التنبيه الرابع: عدم جريان القسم الثانى من استصحاب الكلى 72

ما ذكره المحقق النراقى (قدّس سرّه) فى المقام و ما اورد عليه 73

التنبيه الخامس: الاستصحاب التعليقى 77

فى وجه تقدّم الاستصحاب التعليقى على التنجيزي 78

ما افاده المحقق النائينى (قدّس سرّه) فى المقام و ما يلاحظ عليه 79

استصحاب الملازمة 84

فى لمّيّة حكومة الاستصحاب التعليقي على التنجيزي 87

التنبيه السادس: استصحاب احكام الشرائع السابقة 89

ما اورد على جريان الاستصحاب فى المقام 90

7

كلام الشيخ (قدّس سرّه) و التأمل فيه 92

التنبيه السابع: فى البحث عن الأصل المثبت 96

ما اورده المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) على الشيخ (قدّس سرّه) و نقده 97

فى حجّيّة مثبتات الامارات 98

التنبيه الثامن: إشارة الى بعض ما توهّم كونه من الاصل المثبت 104

التنبيه التاسع: فى ترتّب الاثر العقلى الاعم من الظاهري و الواقعى 110

التنبيه العاشر: فى كفاية كون المستصحب مجعولا او ذا اثر مجعول بقاء 110

التنبيه الحادي عشر: فى أصالة تأخّر الحادث 111

فى الحادثين المشكوك تقدّم احدهما على الآخر 112

فى ما أورده المحقق النائينى (قدّس سرّه) على صاحب الكفاية (قدّس سرّه) و نقده 114

فى ما اذا علم تاريخ احد الحادثين بعينه 118

فى ما اذا تعاقبت حالتان متضادتان 119

ما ذكره المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) و الخدشة فيه 120

التنبيه الثانى عشر: فى استصحاب الامور الاعتقادية 124

فى عدم صحّة استصحاب الكتابى لنبوّة الانبياء الماضين 125

ما ذكره المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) و نقده 125

أجوبة اخرى عن استصحاب الكتابى 127

التنبيه الثالث عشر: فى استصحاب حكم المخصّص 131

ما ذكره المحقّق النائينى (قدّس سرّه) و التأمل فيه 134

التنبيه الرابع عشر: فى جريان الاستصحاب مع الظن بالخلاف 141

نقد ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) 141

المبحث الرابع: تتمة الاستصحاب‏ الفصل الاول: كلام فى الشرط الاول 149

مناقشة فى كلام الشيخ (قدّس سرّه) و معاضدة له 150

الفصل الثانى: فى تقدم الامارة على الاستصحاب 157

ما اختاره الشيخ (قدّس سرّه) من الحكومة و ما اورد عليه 157

8

ما اختاره المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) من الورود و ما اورد عليه 158

وجوه أخر لبيان تقدم الامارة على الاصل 162

الفصل الثالث: فى تعارض الاستصحاب مع ساير الاصول العملية 163

ما ذكره المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) فى المقام و نقده 163

ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) فى المقام و التأمل فيه 164

الفصل الرابع: فى تعارض الاستصحابين 167

ما ذكره الأعلام فى وجه تقدم الاستصحاب فى السبب و النظر فيه 168

ما ذكره المحقق النائينى (قدّس سرّه) و النظر فيه 169

حكم ما اذا كان الشكان مسببين لأمر ثالث 174

الفصل الخامس: الشرط الثانى لجريان الاستصحاب 177

قاعدة الفراغ و النسبة بينها و بين الاستصحاب 177

فى امكان شمول أدلة الاستصحاب للقاعدة و عدمه 177

فى مدرك القاعدة 180

مسائل 181

المسألة الاولى: فى قاعدة اليد و وجه تقدمها على الاستصحاب 181

فى مدرك القاعدة 182

ما ذكره المحقق النائينى (قدّس سرّه) لحلّ العقد و التأمل فيه 187

ما ذكره بعض المحقّقين فى تخصيص مورد القاعدة و نقده 188

المسألة الثانية: فى قاعدة الفراغ و التجاوز 192

مستند القاعدة 193

الموضع الاول فى امكان دلالة الاخبار على القاعدتين و نقل كلام الاعلام فيه 194

الموضع الثانى فى المراد من المحل فى قاعدة التجاوز 200

نقل كلام الاعلام فى المقام و ما له او عليه 201

الموضع الثالث: فى ان الدخول فى الغير اذا لم يكن محقّقا للتجاوز عن المحل 203

نقل كلام الأعلام و التحقيق فى المقام 204

تنبيه 210

9

الموضع الرابع فى تخصيص قاعدة التجاوز 211

ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) و ايراد المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) عليه 212

كلام مع المحقّق الخراسانى (قدّس سرّه) و الشيخ (قدّس سرّه) 213

الموضع الخامس فى عموم قاعدة التجاوز بالنسبة الى الشرائط و عدمه 216

تحقيق فى شمول قاعدة التجاوز و عدمه بحسب الشروط 216

الموضع السادس فى شمول أدلة القاعدة و عدمه للشك فى الصحة 220

التحقيق فى المقام 220

الموضع السابع فى شمول أدلة القاعدة لما اذا شك فى الصحة الاتفاقية 221

الفصل السادس: فى اصالة الصحة فى فعل الغير 226

مدرك اصالة الصحة 226

الكتاب 226

السنة 230

ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) فى الجمع بين الاخبار و النظر فيه 232

الاجماع 233

العقل 233

ينبغى التنبيه على امور: 238

الامر الاوّل 238

الامر الثانى 240

الامر الثالث 245

الامر الرابع 245

الامر الخامس 246

الامر السادس 247

الفصل السابع: قاعدة القرعة 249

مدرك القاعدة 249

مورد القاعدة 251

فى اختصاصها بمنصب الامامة و عدمه 252

10

نسبة القاعدة مع الاصول 255

المقصد الثامن: فى تعارض الادلة و الامارات‏ اقسام التعارض 267

الفصل الاول: فى تأسيس الاصل الاوّلى فى المتعارضين» 271

الفرق بين الامارات و الاصول فى المقام 272

الفصل الثانى: فى بيان الاصل الثانوي فى الخبرين المتعارضين 281

حكم الخبرين المتعارضين على ضوء الاخبار العلاجية 286

الأخبار الدالة على التخيير فى المسألة 287

الاخبار الدالة على التوقف فى المسألة 292

الاخبار الدالة على وجوب الترجيح فى المسألة 296

الجمع بين اخبار الترجيح 311

فى جواز الافتاء بالتخيير و عدمه فى المسألة الاصولية 312

فى ان التخيير بدوي او استمراري 316

الفصل الثالث: فى جواز التعدي عن المرجّحات المنصوصة و عدمه 319

مناقشة و معاضدة 320

الفصل الرابع: فى عموم قواعد الباب و عدمه لموارد الجمع العرفى 326

كلام المحقق الحائري و نقده 327

الفصل الخامس: فى حكم ما اذا لم يعلم الاظهر من الظاهر 336

الفصل السادس: فى التعارض بين اكثر من دليلين و انقلاب النسبة 343

الفصل السابع: فى تقدّم المرجّح الصدوري على الجهتى و عدمه 348

بسط المقال لتحقيق الحال 351

الفصل الثامن: فى اقسام المرجّح الخارجى و بيان احكامها 356

الخاتمه: فى الاجتهاد و التقليد الفصل الاول: فى تعريف الاجتهاد 367

الفصل الثانى: فى انقسام الاجتهاد الى المطلق و المتجزّي 369

جواز التقليد من المجتهد الانسدادي و عدمه 370

11

التجزّي فى الاجتهاد و امكانه 374

حجية ما رآه المجتهد المتجزّي فى حقه 375

فى جواز التقليد و عدمه من المجتهد المتجزّي 377

نفوذ حكم المجتهد المتجزّي و عدمه 377

الفصل الثالث: فى مقدمات الاجتهاد 381

الفصل الرابع: فى اضمحلال الاجتهاد السابق 383

الفصل الخامس: فى التقليد 387

معنى التقليد لغة 387

تعريف التقليد اصطلاحا 388

تحقيق معنى التقليد 389

ما هو الدليل على جواز التقليد 392

سيرة العقلاء 393

الآيات 395

الاخبار 397

الفصل السادس: فى وجوب تقليد الاعلم و عدمه 408

الدليل على وجوب تقليد الاعلم 409

الفصل السابع: فى جواز تقليد الميت و عدمه 417

حكم التعارض بين رأي المجتهد الميت و رأي المجتهد الحىّ 418

التمسك بالاستصحاب فى المقام 418

التمسك بالاستصحاب للتقليد بقاء 421

التمسك بالآيات و الاخبار على الجواز 426

التمسك للجواز بدليل الانسداد و سيرة المتشرعة 427

الفصل الثامن: فى بيان سائر الشرائط للمقلّد بالفتح 429

الدليل على اعتبار الايمان 431

الدليل على اعتبار العدالة 433

الفصل التاسع: فى جواز تقليد من حصل له الملكة و لم يجتهد فعلا 435

12

التمسك بالسيرة العقلائية 435

التمسك بالاستصحاب 435

التمسك باطلاق الادلة 439

تتميم 439

الفصل العاشر: فى جواز العدول و احكامه 443

صورة الاجازات 447

فهرس الآيات 461

فهرس الروايات 467

13

[تتمة مقصد السابع‏]

المبحث الثالث: فى الاستصحاب‏

* تعريف الاستصحاب‏

* ادلة حجية الاستصحاب‏

* تنبيهات الاستصحاب‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الفصل الاول: تعريف الاستصحاب‏

الاستصحاب لغة طلب الصحبة و المصاحبة و قال شيخنا الانصاري (قدّس سرّه) هو لغة اخذ الشي‏ء مصاحبا. و الظاهر انه عبارة عما ذكرنا و حيث قد يكون المطلوب تحت اختيار الطالب فيحصل متى طلبه يرجع الى اخذه مصاحبا فى هذا المورد. و عرفه فى «الكفاية» بانه الحكم ببقاء حكم او موضوع ذي حكم شك فى بقائه، و مراده بحسب الظاهر حكم الشارع تاسيسا او امضاء. و فسره فى «الدرر» بابقاء ما كان، و مراده كما نصّ عليه هو الابقاء العملى. و قد يورد على تعريف «الكفاية» بانه لا يناسب نسبة الاستصحاب الى المكلف بالفتح فى بعض مشتقاته و لا وقوع الكلام عن حجيته و عدمه كما هو ظاهر، و لا يبعد توجيهه بان نسبته الى المكلف انما هو من جهة تمسكه بدليله، و ان البحث عن حجيته يرجع الى وجوده كما هو الحال فى المفاهيم. و يرد على تعريف الثانى ان لازمه عدم جريان الاستصحاب فى الموضوعات التى لم تكن لها اثر شرعى فى حال اليقين، و كذا فى الشبهات التى لم يعمل المكلف فيها على وفق حالته السابقة او لا يعمل بعد، مع انه لا اشكال فى جريانه فى جميع تلك الموارد. و لا يخفى ان هذا الاشكال وارد على التعريف الاول ايضا فى الموضوعات الخالية عن الاثر بحسب حالها السابق. و يرفع‏ (1) الاشكال ان المراد من الابقاء هنا هو الابقاء التنزيلى و يصحح التنزيل جعل المماثل فى الاحكام‏

____________

(1)- بل فى الاستصحاب فى الاحكام ايضا لما اشير اليه من ان الحكم الذي كان واقعيا لا يكاد يعقل ابقاء نفس هذا الحكم على حذو عدم معقولية ابقاء الموضوع، صح.

16

و الحكم بترتيب الآثار فى الموضوعات و البناء عملا على طبق حال اليقين، فمتعلق الابقاء انما هو نفس الحكم او الموضوع و ابقاؤهما حقيقة حيث لا يعقل لا من المكلّف و لا المكلّف لان الحكم الذي كان واقعيا و الموضوع الذي ثبت كان تكوينيا و لا يعقل ابقاؤهما حقيقة يكون تنزيليا لا محالة، و بذلك يدفع الاشكال، فتامل.

فى ان البحث عن حجيّة الاستصحاب بحث اصولى‏

ثم ان حجية الاستصحاب ان كانت من قبيل حجية الامارات يدخل فى مسائل الاصول كدخولها فيها، و ان كانت من قبيل حجية الاصول العملية كان ما هو الوجه فى دخول تلك الاصول فى مسائل الاصول هو الوجه فى دخوله فيها، فلا يحتاج اثبات كونه من مسائل ذلك العلم الى تكلف زائد. و قال فى «الكفاية» فى هذا المقام: ثم لا يخفى ان البحث عن حجيته مسألة اصولية حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع فى طريق استنباط الاحكام الفرعية، و ليس مفادها حكم العقل بلا واسطة و ان كان ينتهى اليه، كيف و ربما لا يكون مجري الاستصحاب إلا حكما اصوليا كالحجية مثلا انتهى. و عرّف الاصول فى اول كتابه بانه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية او التى ينتهى اليها المجتهد فى مقام العمل، و الظاهر ان مراده بقوله او التى: (قدّس سرّه) هو الاصول العملية، فحينئذ يقع الاشكال فى مسألة الاستصحاب، حيث جعله فى هذا المقام من القواعد الواقعة فى طريق الاستنباط لا من التى ينتهي اليها المجتهد فى مقام العمل، مع ان حجيته من قبيل حجية الاصول لا الامارات كما اختاره ايضا. هذا مع ان المراد من الاستنباط و الاستكشاف ان كان القطعى منه لزم خروج اكثر مسائل الاصول‏ (1) و ان كان الظنى لزم خروج الامارات لعدم اعتبار الظن الشخصى‏ (2) فيها قطعا، اللهم إلّا ان يراد استكشاف‏

____________

(1)- لانها لا تكشف الاحكام على نحو القطع الا اقل قليل منها مثل مسألة الملازمة بين وجوب المقدمة و ذيها. منه (قدّس سرّه)

(2)- و على تقدير الاعتبار ليس الكشف بدليل الحجية بل انّما هو بواسطة الظن لا بما هو مسألة اصولية و لا فرق من جهة الاستكشاف بما هو بين ورود دليل الاعتبار و عدمه. منه (قدّس سرّه)

17

حال الحكم الواقعى من التنجز عند المطابقة و عدمه. (1)

فى جريان الاستصحاب و عدمه فيما اذا كان المستصحب حكما عقليا

ثم ان الشيخ (قدّس سرّه) فصّل فى جريان الاستصحاب بين ما كان المستصحب حكما شرعيا او عقليا، فجزم به فى الاول و تامل فى الثانى، و علله بانّ الشك فى بقاء المستصحب لا بد و ان يكون لانتفاء بعض قيود موضوعه مما يحتمل دخله فيه، و إلّا لا يعقل تخلف الحكم عنه كما هو ظاهر، و حيث ان موضوع حكم العقل معلوم عنده تفصيلا و لا اجمال فيه فلا محالة يكون جميع ما اخذه فى موضوع حكمه من قيوده الدخيلة فيه، و هذا بخلاف موضوع حكم الشرع، فانه انما يكون اعم مما هو دخيل فيه بحسب ظاهر الدليل فعند انتفاء بعض ما نشك فى دخالته فى الحكم نشك فى بقاء الحكم مع بقاء الموضوع قطعا.

هذا محصل كلامه و ردّه فى «الكفاية» بان انتفاء بعض قيود الموضوع مما لا يرى مقوما له بنظر العرف لا يضر بجريان الاستصحاب و ان كان من مقوماته واقعا، اذ هو يوجب الشك فى بقاء ما كان و قد حكم ببقائه، و لا يقدح فى ذلك عدم حكم العقل اذ الحكم الشرعى انما يتبع حكم العقلى بما هو ملاك الحكم واقعا لا بما هو مناطه بنظر العقل، و من المحتمل عدم دخالة ما انتفى فى الحكم واقعا او وجود ملاك آخر معه، انتهى محصل كلامه.

التحقيق فى المسألة

و التحقيق انه لا شك فى لزوم اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة موضوعا و محمولا ليصدق النقض على رفع اليد عن الحالة السابقة و الابقاء على عدم رفع اليد عنها، و المرجع فى اتحادهما اما العقل او العرف او الدليل، فعلى الاول لا مجال للاستصحاب فى الشبهات الحكمية مطلقا سواء كان المستصحب حكما عقليا او شرعيا، لان مرجع الشك فى بقاء الحكم هو انتفاء بعض قيود الموضوع ممّا يحتمل دخالته فيه او الشك فى انتفائه، و الّا لا يتخلّف الحكم عن موضوعه ابدا الّا بنحو البداء، و مع انتفاء بعض قيود الموضوع‏

____________

(1)- المتنجز عند المخالفة الذي هو مفاد الحجية الثابتة بدليل و على هذا يدخل الاصول العملية ايضا فى القواعد المستنبطة فلا يحتاج الى زيادة قوله او التى ينتهى الخ و لعل ذلك وجه اعراضه عن هذه الزيادة فى المقام فتدبر صح.

18

لا يرى العقل الدقيق اتحاد القضيتين بحاله و مع الشك فيه يشك فى اتحادهما و فى الشبهات الموضوعية فى الجملة اذ قد يكون الموضوع فى حال الشك عينه فى حال اليقين و لو بحسب الدقة العقلية كما اذا شك فى وجود زيد اذ موضوع القضية هى الماهية و هى فى حال الشك عينها فى حال اليقين، و قد يكون الموضوع فى احدى الحالتين غيره فى الاخرى كما اذا شك فى كرية الماء لسبب نقصه بما يحتمل اخلاله بكريته. هذا اذا كان المرجع فى اتحاد القضيتين العقل الدقيق.

و ان كان المرجع فيه العرف فقد قيل ان معنى الرجوع اليه هو ان يتبع رأيه بحسب ما يفهم من مناسبة الحكم و الموضوع، فان رأى ان القيود المنتفية او المشكوك انتفاؤها غير دخيلة فى موضوعية الموضوع بان كانت جهة تعليلية للحكم حكم بجريان الاستصحاب كما فى قوله «الماء المتغير بالنجاسة نجس» فان العرف لا يرى التغيير دخيلا فى الموضوع الّا من جهة الحدوث بمعنى انه لا يرى الماء الذي ازيل عنه التغير موضوعا مغايرا مع الذي لم يزل عنه ذلك، فلذا يحكم بان هذا الموضوع عين ما كان فيتم اركان الاستصحاب. و ان رآها دخيلة فى الموضوع حكم بعدم جريانه، كما فى «قوله يجب تقليد المجتهد» فان العرف يرى قيد الاجتهاد دخيلا فى موضوعية الموضوع حدوثا و بقاء، فاذا زال يرى ما بقى غير ما كان فيختل اركان الاستصحاب.

و فيه: ان الملاك الذي ذكر غير سار فى جميع الموارد، فانه قد يكون بعض قيود الموضوع دخيلا فيه بنظر العرف، و مع ذلك يجري الاستصحاب قطعا فيما اذا شك فى بقاء الحكم عند الشك فى صيرورة الحاضر مسافرا او المسافر حاضرا، فانه لا اشكال قطعا كما فى قوله المسافر يجب عليه القصر و الحاضر يجب عليه الاتمام، فانه لا اشكال فى كون السفر قيدا فى حكم وجوب القصر، و الحضر قيدا فى حكم وجوب الاتمام، و اذا لا يشك احد فى زوال الاول عند صيرورة المسافر حاضرا و زوال الثانى فى صورة العكس،

فى جريان الاستصحاب فى الموردين: استصحاب وجوب الاتمام فى الاول، و وجوب القصر فى الثانى، مع ان قيد السفر دخيل فى موضوع وجوب القصر قطعا و قيد الحضر

19

دخيل فى موضوع وجوب الاتمام‏ (1) كذلك، و قد يكون بعض القيود قيدا فى موضوع الحكم، و مع ذلك لا يجري الاصل عند انتفائه، كما اذا امر بالصلاة فى الوقت فانّه اذا انقضى الوقت لا يجري استصحاب وجود الصلاة و لهذا كان القضاء بامر جديد بحيث لولاه لما يحكم بوجوبه.

و الحاصل ان الضابط المذكور و هو جريان الاستصحاب فيما كان القيد تعليليا و عدم جريانه فيما كان تقييديا بحسب ما يفهمه اهل العرف من المناسبة بين الحكم و الموضوع غير جار فى جميع الموارد، فالتحقيق ان يقال: ان موضوع المستصحب ان كان امرا خارجيا بان كان الشي‏ء بوجوده الخارجى موضوعا للحكم يلزم اتحاد الموضوع فى الحالتين فى الخارج بنظر العرف، فان اتحد يجري الاصل كما فى مثل قوله «الماء المتغير بالنجاسة نجس»، و قوله «يجب القصر على المسافر و الاتمام على الحاضر»، و قوله «يجب تقليد المجتهد» فان اهل العرف يرى الماء عند زوال التغير عنه عينه عند عروض هذا الوصف له، فوصف التغير و عدمه عنده من حالات الموضوع و طواريه، و كذلك الامر فى المثالين الآخرين. و ان لم يتحد الموضوع فى الحالتين عنده لا يجري الاصل كما فى مثل الكلب الذي استحال و صار ملحا. و ان كان عنوانا كليا و مفهوما عاما غير منطبق على الخارج الا من جهة انطباق العناوين، الكلية على مصاديقها يلزم اتحاد العناوين فان اخل بالاتحاد اختل الاستصحاب كما فيما اذا وجب الصلاة فى الوقت ثم انقضى الوقت، فان عنوان الصلاة فى الوقت مغاير مع الصلاة فى خارجه عقلا و عرفا، فلا يجري استصحاب وجوب الصلاة بعد الوقت. و الملاك فى ان يكون الشي‏ء بوجوده الخارجى موضوعا للحكم ان يكون متعلق الحكم الفعل المتعلق بالموجود الخارجى كما فى الامثلة المتقدمة، فان موضوع الحكم بالنجاسة فى الدليل و ان كان عنوان الكلب او الماء المتغير و كذا موضوع الحكم بوجوب القصر و الاتمام و التقليد و ان كان عنوان المسافر و الحاضر و المجتهد إلّا انه بعد تحقق هذه العناوين فى الخارج ينطبق موضوع الحكم على الموجودات‏

____________

(1)- و لذا لو قطعنا بتبدّل السفر بالحضر لا نشك فى تبدّل الحكم و مع ذلك لو شككنا فى تبدّل السفر بالحضر يجري الاستصحاب الحكمى بحسب الوجدان.

20

الخارجية لا غير، فيقال: هذا الماء نجس، و هذا الشخص يجب عليه القصر او الاتمام او يجب تقليده، و حيث ان هذه الامور كلها متحدة فى الحالة الاولى و الثانية اعنى حال الشك و اليقين و كانت القيود من حالاتها و طوارئها الغير الدخيلة فى انفسها يتم اركان الاستصحاب. و الملاك فى ان يكون الموضوع نفس العنوان عدم تعلق متعلق الحكم بالموجود الخارجى بل كان العنوان بحيث يوجد فى الخارج بفعل المكلف كما فى الصلاة فى الوقت، فان الوجوب انما تعلق بعنوان الصلاة فى الوقت لكن من باب انها عبرة الى افرادها الخارجية و ليس متعلقا بنفس تلك الافراد، بل لا يعقل تعلقه بالموجود الخارجى اذ بعد تحقق الصلاة فى الخارج لا معنى لطلبه، فتدبر و اغتنم.

و ان كان المرجع فى اتحاد القضيتين هو الدليل وجب ان ينظر اليه فى تشخيص الموضوع، فان كان الشي‏ء مأخوذا فى لسانه قيدا للموضوع فبانتفائه ينتفى موضوع المستصحب فيختلّ اركان الاستصحاب كما فى قوله «الماء المتغير بالنجاسة نجس» او قوله «يجب القصر على المسافر» و نحوهما، و ان كان ماخوذا من حالات الموضوع و طوارئه فبانتفائه لا ينتفى الموضوع فتم الاستصحاب كما فى قوله «الماء اذا تغير بالنجاسة ينجس»، فان ظاهر هذا الكلام ان موضوع الحكم بالنجاسة هو الماء ليس إلّا، و ان التغير من الجهات التعليلية لا التقييدية، فتدبر.

اذا عرفت ذلك نقول: لا مجال للتفصيل على وجه الاطلاق بين حكم الشرع و العقل فى جريان الاستصحاب اذا كان المرجع فى اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة العقل او العرف، اذ على الاول لا يجري الاستصحاب فى الاحكام اصلا و فى الموضوعات فى الجملة على ما عرفت، و على الثانى يجري الاستصحاب كلما حكم العرف ببقاء موضوع المستصحب سواء كان حكم العقل او الشرع به.

نعم يتم التفصيل بناء على ان يكون المرجع فى اتحادهما الدليل اذ كلما ياخذه العقل فى موضوع حكمه يكون قيدا له لا محالة، و إلّا ما كان آخذا له فيه، اذ موضوع حكمه مبين عنده مفصل، و لا معنى لتطرقها الإجمال فيه كما لا يخفى، و هذا بخلاف حكم الشرع اذ قد يكون فى بعض الاشياء فى لسان دليله قيدا و قد يكون غيره هذا، فافهم و استقم.

21

الفصل الثانى: أدلّة حجّية الاستصحاب‏

ثم انه استدل على حجية الاستصحاب بوجوه:

الاول ان الثبوت فى السابق موجب للظن به فى اللاحق. و فيه: منع ذلك فى جميع الموارد بل قد يغلب الظن بعدمه، كما فى المريض الذي شك فى حياته مع غلبة المرض عليه او الشيخ و الشيخة اللذين شك فى بقائهما مع غلبة الشيخوخية عليهما هذا، مع ان الكلام بعد فى حجية هذا الظن.

الثانى استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوي الشعور (1) من كافة الحيوانات على العمل على طبق الحالة السابقة و حيث لم يردع عنه الشارع كان ماضيا

و اورد عليه اولا بمنع بنائهم على ذلك تعبدا، بل هو اما لحصول الاطمينان، او الظن، او لرعاية الاحتياط، او للغفلة عن احتمال انتفاء ما كان. و ثانيا بانه لم يعلم ان الشارع راض به و يكفى فى الردع ما دل من الكتاب و السنة على النهى عن اتباع غير العلم.

و فيه: ان الاطمينان او الظن ببقاء ما ثبت غير حاصل بالنسبة الى جميع الموارد كما نبهنا عليه، و اما بالنسبة الى كل واحد من الموارد فنحن نجدهم عاملين على طبق الحالة

____________

(1)- و اما ما توهم من وجود الادلة الرادعة من الكتاب و السنة ففيه انها ناظرة الى موارد الخالية عن الدليل و الحجة كما عرفت سابقا فسيرة العقلاء بضميمة عدم الردع وارد على تلك الادلة كما لا يخفى.

22

السابقة فيما ليس فيه اطمينان او ظن بثبوت ما كان بل فيما ثبت الظن بعدم ثبوته، و كيف كان ليس مدار بنائهم على حصول الاطمينان او الظن الشخصيين ببقاء ما كان، نعم يمكن ان يكون الظن بالبقاء حكمة لاستقرار طريقتهم، و على هذا يكون بناؤهم على العمل على طبق الحالة السابقة من باب الطريقية كما فى ساير الامارات و ان كان هذا ايضا محل تامل، و اما الاحتياط فهو و ان كان مما يراعونه فى امورهم إلّا انه ليس دائرا مدار الثبوت فى السابق و الشك فى اللاحق، بل يجري فى جميع المقامات كما لا يخفى. هذا مع ان للاحتياط مقام و للاحتجاج مقام آخر، و كلامنا هذا فى انهم يعملون على طبق الحالة السابقة و يحتجّون به عند الاحتجاج مع مواليهم، و هذا ليس مرتبطا بامورهم كى يدعى انه من باب الاحتياط. و اما احتمال الغفلة فهو مدفوع بانا نجد العقلاء بانين على طبق الحالة السابقة فى موارد الترديد فى البقاء و عدمه، و هذا دليل على ان بناؤهم ليس لاجل الغفلة عن احتمال الانتفاء.

الثالث الاجماع المدعى على حجيته. و فيه: ان المنقول منه غير حجة خصوصا فى المقام، و المحصل غير حاصل، لذهاب البعض الى عدم الحجية مطلقا فتأمل، مضافا الى ان الاجماع فى هذه المسألة غير مفيد، لاحتمال استناد المجمعين الى ما تقدم من الادلة و ما ياتى، فان نوقش فيها فليس هو بشي‏ء و ان تم الاستدلال بها فليس هو دليلا على حدة، فتدبر.

الرابع الروايات المستفيضة:

الرواية الاولى:

صحيحة زرارة، قال «قلت له الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن فاذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء (و فى بعض النسخ اسقط كلمة القلب). قلت فان حرّك على جنبه شي‏ء و قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بيّن و إلّا فانه على‏

23

يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك ابدا و لكنه ينقضه بيقين آخر». (1)

فقه الحديث‏

و فى قوله «ينام» احتمالات ثلاثة:

احدها تحقق النوم كما هو الظاهر، فيرجع السؤال الى ان الخفقة و الخفقتين هل هما من النوم الناقض بعد الفراغ عن كونه نوما اولا، الثانى ارادة النوم، الثالث تحقق النوم قبال القيام و القعود. و على الاخيرين يكون السؤال عن كونهما امارتين على تحقق النوم.

و لا يخفى ان المناسب فى الجواب حينئذ ان يقال: انهما امارتان او لا؟ فاظهر الاحتمالات اولاها.

ثم ان السؤال بقوله «فان حرّك فى جنبه» (الخ) ظاهر فى مورد الشك كما يشهد به سوق الجواب بل نفس السؤال كما لا يخفى. و كيف كان فاستدلوا بهذه الصحيحة على حجية الاستصحاب فى جميع الابواب.

و ليعلم اولا ان فى قوله (عليه السّلام): فانه على يقين من وضوئه، احتمالات: منها: ان يكون علة للجزاء المقدر المعلوم فسدّ مسدّه لدلالته عليه، و مثله كثير فى الآيات و الاخبار.

و منها: ان يكون بنفسه جزاء و يلزمه جعل الجملة مع كونها خبرية بمعنى الانشاء و الامر بالمضىّ على طبق اليقين عملا، اذ الجزاء مترتب على الشرط و لا ترتب هنا بناء على ابقاء الجملة على حالها. و منها: ان يكون توطئة للجزاء الذي يدل عليه قوله و «لا ينقض اليقين بالشك ابدا». و لا يخفى ان اول المحتملات اظهرها، إذا الثانى يحتاج الى تكلف بلا داع، و الثالث كذلك، بل هو مما لا يلائم كلام الامام. و يؤيّده وقوع الجملة فى غير واحد من الروايات علة للجزاء لا نفسه، و عليه يتم الاستدلال، اذ بعد ما ثبت كون الكلام علة للجزاء المقدر يظهر اللام فى اليقين فى الجنسية كى يكون التعليل بامر ارتكازي لا تعبدي محض.

لا يقال: كيف يكون التعليل بامر ارتكازي لو لم نقل باستقرار طريقة العقلاء على‏

____________

(1)- التهذيب ج 1 ص 8 الباب 1؛ وسائل الشيعة ج 1 ص 245 الباب 1

24

البناء على بقاء ما كان.

فانه يقال: فى اليقين ابرام و استحكام فاذا اسند اليه عدم النقض يتخيّل ان النسبة بلحاظ جنس اليقين لا فرده بالخصوص، و بالجملة لا مجال لانكار ظهور اللام فى الجنسية بناء على هذا الاحتمال و لا يعارضه ظهور «سبق فانه على يقين» الى آخره فى كونه للعهد. هذا مع ان الاصل فى اللام الجنسية و مع انه قد علل فى غير هذه الرواية بهذه القضية او ما يرادفها للمضىّ مع الشك فى غير مورد الوضوء.

و قال فى «الكفاية» بعد ذكر هذه المؤيدات ما لفظه: مع انه غير ظاهر فى اليقين بالوضوء، لقوة احتمال ان يكون «من وضوئه» متعلقا بالظرف لا بيقين، و كان المعنى فانه كان من طرف وضوئه على يقين، و عليه لا يكون الاصغر الا اليقين لا اليقين بالوضوء كما لا يخفى على المتامل، انتهى.

و انت خبير بما فيه، فانه مجرد احتمال لا شاهد عليه لو لم نقل بظهور عدمه فيكفى فى اجمال معنى اللام حيث قد ثبت فى محله ان الشك فى قرينية الموجود يوجب اجمال الكلام فافهم. هذا بناء على احتمال الاول، و اما على الاخيرين فلا دافع لظهور سبق فانه على يقين من وضوئه فى كون اللام للعهد الّا ان الاصل فيه الجنسية، و هذا ليس بحيث يقاوم هذا الظهور. اللّهم إلّا ان يقال: ان اللام اذا كان للعهد يختص الحكم بهذا المورد الشخصى و لا يجري فى غيره، و هذا مما لا يصح الالتزام به قطعا، فيجب انسلاخ اللام عن العهدية بهذا المقدار، و ليس هذا اولى من انسلاخه عنها بالكلية، فتدبر.

و كيف كان لا ينبغى المناقشة فى دلالة هذه الصحيحة على جريان الاستصحاب.

و قال المحقق النائينى (قدّس سرّه) على ما نسب اليه بعض مقرري بحثه: ان قوله فانه على يقين الى آخر بنفسه جزاء، و ليس علة للجزاء المقدر لاستلزامه التكرار فى الجواب، و هو بعيد عن كلام الامام.

و فيه: ان التكرار لازم على كل حال، اما على احتمال تقدير الجزاء فواضح، و اما على ان يكون الجزاء قوله فانه على يقين الى آخر، فلان معناه حينئذ انه ان لم يستيقن انه قد نام فليبن عملا على وضوئه و هذا عين ما ذكره قبل بقوله: لا حتى يستيقن انه قد نام.

25

هذا، بل يمكن ان يقال: ان التكرار على ما رجحه ازيد من التكرار اللازم من تقدير الجزاء، حيث ان معنى قوله: فانه على يقين من وضوئه، بناء على ارادة الانشاء عين قوله: و لا ينقض اليقين بالشك. اللهم الّا ان يكون اللام فى اليقين للجنسية و يكون قوله: من وضوئه، متعلقا باليقين لا بالظرف، فان الجملتين يتفارقان حينئذ بالخصوص و العموم، فافهم و استقم.

فى جريان الاستصحاب و عدمه عند الشك فى المقتضى‏

ثم انه وقع الكلام فى جريان الاستصحاب هل يختص بما اذا كان الشك فى حدوث الرافع بعد احراز استعداد المتيقن للبقاء او يعم الشك فى المقتضى و ما يستشم منه الاختصاص هو الاخبار التى عبر فيها عن رفع اليد عن حالة السابقة بنقض اليقين بالشك، و لذا كان تاخير هذا البحث عن ذكر تلك الاخبار اولى و احرى، إلّا انه حيث قدمه فى الكفاية نقتدي اثره فنقول و باللّه الاستعانة: قد يقال لا يصدق نقض اليقين بالشك فيما لم يحرز المقتضي للبقاء فى المتيقن، و وجّه ذلك شيخنا المرتضى (قدّس سرّه) بان حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتصالية، و الاقرب اليه على تقدير مجازيته رفع الامر الثابت فيختص بما من شانه الاستمرار، و لا ينافيه ظهور اليقين فى العموم فان فعل الخاص مخصص لمتعلقه العام، كما فى قوله: لا تضرب احدا، و لا يتوهم الاحتياج حينئذ الى تصرف فى اليقين بارادة المتيقن، فانه لازم على كل حال، فان النقض الاختياري لا يتعلق باليقين و لا بالاحكام المترتبة على صفته، انتهى.

ايراد و ايضاح‏

و اورد عليه المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) فى «التعليقة» و «الكفاية» بان اسناد النقض انما هو بلحاظ نفس اليقين لما يتخيل فيه من الابرام و الاستحكام سواء تعلق بما فيه المقتضى للبقاء او بغيره، و لذلك حسن ان يقال: انتقض اليقين باشتعال السراج فيما اذا شك فى بقائه لا شك فى استعداده، و لا يحسن ان يقال: نقضت الحجر من مكانه و لو كان حسن نسبة النقض بلحاظ نفس ما فيه المقتضى للبقاء لزم حسن الثانى دون الاول هذا بملاحظة

26

المادة، و اما الهيئة فلا محالة يكون المراد منها النهى عن الانتقاض بحسب العمل و إلّا لا يكون الانتقاض تحت القدرة سواء كان متعلقا باليقين و هو واضح او بالمتيقن او آثار اليقين، ضرورة ان الحكم بيد الشارع وضعا و رفعا، و الموضوع لا يمكن ابقاؤه إلّا بلحاظ آثاره و هى ايضا باختيار الشارع فلا يكون تحت اختيار المكلف بحال، انتهى ملخصا.

اقول: كان تخيل ان الشيخ (قدّس سرّه) منع اسناد النقض الى نفس اليقين من جهة المادة و الهيئة و جعل حسن الاسناد بلحاظ المتيقن الذي فيه اقتضاء البقاء، فاورد عليه بحسن النسبة فى مثل انتقض اليقين باشتعال السراج فيما اذا شك فى بقائه للشك فى استعداده و عدم حسنها فى مثل نقضت الحجر من مكانه، و بان المراد من النهى هو المنع عن نقض اليقين بلحاظ العمل و إلّا لا يكون النقض اختياريا بحال.

و الانصاف ان عبارته ظاهرة فى خلاف ما استظهره، فانه قال: ثم لا يتوهم الاحتياج حينئذ الى تصرف فى اليقين بارادة المتيقن منه، لان التصرف لازم على كل حال، فان النقض الاختياري القابل لورود النهى عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كل تقدير. انتهى موضع الحاجة.

و انت خبير بان ظاهر ذلك انه لو لم يكن فى نسبة النقض الى نفس اليقين محذور كونه خارجا عن دائرة الاختيار لما كان فيها من جهة المادة باس و لو لا ذلك لاشار اليه قطعا.

و قال فى موضع من كلامه: و قد يطلق على مطلق رفع اليد عن الشي‏ء و لو لعدم المقتضى له بعد ان كان اخذا به.

و قال فى موضع آخر: ان الامر يدور بين ان يراد بالنقض مطلق ترك العمل و ترتيب الاثر و هو المعنى الثالث و يبقى المنقوض عاما لكل يقين و بين ان يراد من النقض ظاهره و هو المعنى الثالث، فيختص متعلقه بما من شانه الاستمرار المختص بالموارد التى يوجد فيها هذا المعنى (الخ).

و قال فى موضع ثالث: و كيف كان فالمراد اما نقض المتيقن فالمراد بالنقض رفع اليد عن مقتضاه، و اما نقض احكام اليقين اي الثابتة للمتيقن من جهة اليقين به، و المراد حينئذ

27

رفع اليد عنها، انتهى موضع الحاجة. و ظاهر هذه العبائر بل كاد ان يكون صريحها ان مراده من النقض ليس إلّا هو من حيث العمل، و من ذا تعرف ان الايراد عليه بمثل ما اورد المحقق: من حسن الاسناد فى مثل انتقض اليقين باشتعال السراج و عدم حسنه فى مثل نقضت الحجر من مكانه و من عدم صحة اسناده بحسب الحقيقة لا العمل لا بنفس اليقين و لا المتيقن و لا آثاره، ليس فى شي‏ء.

و توضيح كلامه انه كما يكون نقض مثل البيعة و العهد تارة من جهة نقض انفسهما برفع اليد عنهما و ايجاد ما ينعدمهما حقيقة و اخرى من جهة عدم العمل بمقتضاهما، فكذلك نقض اليقين قد يكون بلحاظ ايجاد ما ينافيه و يرفعه عن صفحة الوجود حقيقة، و قد يكون بلحاظ عدم العمل بآثار نفسه او آثار ما تعلق به، و النهى عن نقضه باعتبار الاول يؤول الى وجوب التحفظ عن عروض صفة الشك الذي ينافى صفة اليقين بذاته، و كذلك باعتبار الثانى بناء على ارادة آثار نفس اليقين، و اما بناء على ارادة آثار المتيقن يكون النهى راجعا الى وجوب العمل على مقتضى احكام المتيقن و عدم جواز رفع اليد عنها عملا.

اذا عرفت ذلك نقول: اذا قيل لا تنقض اليقين بالشك يكون المراد لا محالة هو النهى عن رفع اليد عن احكام المتيقن فى مقام، العمل بمعنى وجوب العمل على وفق احكام المتيقن فكانه فرض وجود اليقين فى زمان الشك فجعل عبرة الى متعلقه، و قيل و لا يجوز رفع اليد عن احكامه و آثاره، و لا يكاد يصح ان يكون النهى راجعا الى نفس اليقين و لا الى آثاره، لان المفروض عروض صفة الشك فقد ارتفع اليقين قطعا من دون اختيار للمكلف فى ارتفاعه، و بتبعه يرتفع آثار نفسه فينحصر المعنى فى ارادة آثار المتيقن، و يكون اسناد النقض حينئذ الى نفس اليقين اما بارادة المتيقن منه او بجعله عبرة الى متعلقه و الفرق بينهما اعتباري و إلّا فالنتيجة واحدة، و هذا معنى قوله (قدّس سرّه): ثم لا يتوهم الاحتياج حينئذ الى تصرف فى اليقين بارادة المتيقن منه، لان التصرف لازم على كل حال، فان النقض الاختياري القابل لورود النهى عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كل حال، بل المراد نقض ما كان على يقين منه و هو الطهارة السابقة او احكام اليقين، و المراد باحكام اليقين‏

28

ليس احكام نفس وصف اليقين، اذ لو فرضنا حكما شرعيا محمولا على نفس صفة اليقين ارتفع بالشك قطعا كمن نذر فعلا فى مدة اليقين بحياة زيد، بل المراد احكام المتيقن المثبتة له من جهة اليقين، و هذه الاحكام كنفس المتيقن ايضا لها استمرار شأنى لا يرتفع إلّا بالرافع، فان جواز الدخول فى الصلاة بالطهارة امر مستمر الى ان يحدث ناقضها. و كيف كان فالمراد اما نقض المتيقّن فالمراد بالنقض رفع اليد عن مقتضاه، و اما نقض احكام اليقين اي الثابتة للمتيقن من جهة اليقين به و المراد حينئذ رفع اليد عنها، انتهى موضع الحاجة. و انما نقلناه بطوله لتعلم ظهوره، بل صراحته فى غير ما استظهر المحقق من عبارته، فالانصاف انه سليم عما اورد عليه.

ملاحظة و معاونة

نعم يمكن ان يورد عليه بانه بعد ما ثبت ان اسناد النقض انما هو بلحاظ المتيقن او آثاره لا دليل على اختصاصه بما من شانه البقاء و الاستمرار، و مجرد اقربيته بالنسبة الى المعنى الحقيقى بنظر الاعتبار لا يوجب تعيينه ما لم يراه اهل العرف اقرب الى المعنى الحقيقى. هذا مع انه كما يمكن ان يكون ظهور الفعل قرينة على التصرف فى المتعلق كما فى مثل «لا تضرب احدا» كذلك يمكن ان يكون ظهور المتعلق قرينة على التصرف فى الفعل كما فى مثل قوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» (1) فان ظهور الاموال فى الاعم من الماكول و غيره قرينة على التصرف، فى الاكل بارادة مطلق التصرف فافهم و اغتنم هذا.

و الذي يختلج بالبال ان الصحيحة لا تدل على جريان الاستصحاب فى غير مورد الشك فى وجود الرافع، لا لما ذكر بل لضيق دائرة القضية التعليلية، لاحتمال ان يكون المراد فى قوله (عليه السّلام): «و لا ينقض اليقين بالشك و لكنه ينقضه بيقين آخر (2)» هو اليقين بالطهارة و الشك فى النوم مثلا فيكون المعنى انه لا تنقض اليقين بالطهارة بالشك فى النوم و لكنه ينقضه بيقين آخر متعلقا بالنوم مثلا، كما انه يؤيّد هذا الاحتمال صدر الخبر و قوله «لا حتى يستيقن الخ» نعم لو كان المراد هو اليقين بالطهارة و الشك فيها لعمّ الدليل و تم كما

____________

(1)- سورة النساء الآية 298

(2)- التهذيب ج 1 ص 8 الباب 1؛ بحار الانوار ج 2 ص 274 الباب 33

29

هو الظاهر من الصحيحة الآتية، فافهم و تامل تعرف ان شاء اللّه.

هذا بالنظر الى هذه الصحيحة دون غيرها، فلو ثبت الاطلاق بدليل آخر لا تعارضه هذه لما تقدم. ثم انه لو قيل باختصاص الاستصحاب بالشك فى وجود الرافع اشكل الامر فى الشبهات الحكمية الا فى مورد الشك فى النسخ، من دون فرق بين اجراء الاستصحاب بلحاظ نفس الحكم او ملاكه، بل الامر فى الثانى اشكل، لانه لو كان الملاك مقصورا بحسب الواقع فى مورد لا يشمل غيره من الاول. و اما نفس الحكم فقد عرفت فى غير واحد من المقامات انه امر اعتباري يوجده المنشئ بالانشاء نظير الملكية و ساير الامور الاعتبارية فاذا وجد فى عالم الاعتبار لا يزول إلّا برافع. (1)

الرواية الثانية:

صحيحة اخرى لزرارة «قال قلت اصاب ثوبى دم رعاف او غيره او شي‏ء من المنى فعلّمت اثره الى ان اصيب له الماء فحضرت الصلاة و نسيت انّ بثوبى شيئا و صلّيت ثم انى ذكرت بعد ذلك قال (عليه السّلام) تعيد الصلاة و تغسله قلت فان لم اكن رايت موضعه و علمت انه اصابه فطلبته و لم اقدر عليه فلما صلّيت وجدته قال (عليه السّلام) تغسله و تعيد قلت فان ظننته انه قد اصابه و لم اتيقّن ذلك فنظرت فلم أر شيئا فصلّيت فرأيت فيه قال (عليه السّلام) تغسله و لا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا قلت فانى قد علمت انه قد اصابه و لم ادر اين هو فاغسله قال تغسل من ثوبك الناحية التى ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك قلت فهل على ان شككت فى انه اصابه شي‏ء ان انظر فيه قال لا و لكنك انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع فى نفسك قلت ان رايته فى ثوبى و انا فى الصلاة قال تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رأيته و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغى لك ان‏

____________

(1)- اقول هذا لو لم يصح التوقيت فيه و إلّا لاشترك مع الملاك فيما ذكر و نظيره الملكية الموقتة فانها ايضا امر اعتباري إلّا انها اذا وجدت موقتة تزول بانقضاء وقته من دون الاحتياج الى رافع فتدبر.

30

تنقض اليقين بالشك.» (1)

فقه الحديث‏

و تقريب الاستدلال بفقرتين من الصحيحة يعرف مما سبق فى الصحيحة السابقة، بل الامر هاهنا اوضح، لصراحة القضية فى التعليل فى الموردين، نعم دلالتها فى المورد الاول على الاستصحاب مبنى على ان يكون المراد باليقين هو قبل ظن الاصابة و الّا يكون مفاده قاعدة اليقين، و سيأتى توضيحه فى بيان محتملات الرواية.

عقد و حلّ‏

ثم انه اشكل على الرواية بان الاعادة ليس اثر النقض اليقين بالشك السابقين، بل انما هى اثر نقض اليقين باليقين بالخلاف، و اثر نقض اليقين بالشك الموجودين فى اول الصلاة انما هو جواز الدخول فيها. و اجيب عن هذا الاشكال بوجوه:

الاول ما حكى عن بعض الاجلة من حسن التعليل بملاحظة قاعدة الاجزاء، و توضيحه: ان الاعادة انما تكون لاحد امرين، الاول: عدم جريان قاعدة الاستصحاب لئلا يكون لنا امر ظاهري. الثانى عدم اجزاء الامر الظاهري عند كشف الخلاف، فاذا ثبت جريان الاصل و اجزاء الامر الظاهري للواقع لا يجب الاعادة قطعا و لو بعد كشف الخلاف، فعلى فرض مفروغية قاعدة الاجزاء ليس الاعادة و عدمها الا فرع عدم جريان الاصل و جريانه، كما انه على فرض مفروغية قاعدة الاستصحاب ليس بذلك الا فرع عدم الاجزاء و الاجزاء. اذا ظهر ذلك يقال حيث علّل عدم وجوب الاعادة فى الرواية بعدم جواز نقض اليقين بالشك مع انّا نرى انه ليس اثر له فقط فحفظا للكلام عن عروض ذلك نقول: ان التعليل انما هو مع مفروغية قاعدة الاجزاء، و لعل هذا مراد من قال: ان الرواية تدل على قاعدة الاجزاء ايضا هذا.

و اورد على ذلك شيخنا المرتضى (قدّس سرّه) بقوله و فيه ان ظاهر قوله فليس ينبغى يعنى ليس ينبغى لك الاعادة لكونه نقضا كما ان قوله (عليه السّلام) فى الصحيحة «لا ينقض اليقين‏

____________

(1)- التهذيب ج 1 ص 421 الباب 22؛ الاستبصار ج 1 ص 183 الباب 109؛ وسائل الشيعة ج 3 ص 402 الباب 7

31

بالشك ابدا» (1) عدم ايجاب الوضوء، فافهم فانه لا يخلو عن دقة، انتهى.

اقول: هذا يحتمل معنيين: الاول ان ظاهر الرواية ان علة عدم وجوب الاعادة عدم جواز النقض فقط بلا دخل لغيره فيه، و على ما ذكر يكون السبب له امرين كما لا يخفى.

الثانى ان ظاهر الرواية ان الاعادة مع قطع النظر عن حكم الشارع بعدم جواز نقض اليقين بالشك تكون نقضا، و على ما ذكره هذا القائل يكون من آثار الحكم بعد ثبوته فالاولى على ان يقال لا تعيد لانه كان لك حكم استصحابى من اول الصلاة و لازمه بضميمة قاعدة الاجزاء عدم وجوب الاعادة و الظاهر ان هذا المعنى مراده، و لا يخفى انه كلام دقيق جدّا، و لذا قال: فافهم فانه لا يخلو عن دقة.

الثانى ما اشار اليه الشيخ و حاصله: ان من آثار الطهارة الواقعية عدم وجوب الاعادة، و حيث ان مفاد قوله: لا تنقض اليقين بالشك، ترتيب جميع آثار الطهارة التى منها عدم وجوب الاعادة كان هذا داخلا فى مفاد الاستصحاب.

و فيه: اولا ما اشار اليه فى الرسالة و ان كان محل تامل و نظر بان الصحة الواقعية و عدم الاعادة للصلاة مع الطهارة المتحققة سابقا من الآثار العقلية الغير المجعولة للطهارة، و ثانيا انه يمكن ان يكون عدم الاعادة من آثار الطهارة ما لم ينكشف خلافها فاذا انكشف الخلاف لا دليل على عدم وجوبها، و ثالثا ان هذا ايضا خلاف ظاهر الرواية لما ذكر فى بيان مراد الشيخ فى احتمال الثانى، و هو ان الظاهر من الرواية ان الاعادة نقض و لا تنقض، و على ما ذكر هذا القائل يكون التعليل بملاحظة الاستصحاب الذي يكون جاري من قبل، و هو خلاف الظاهر و تأمل لعلك تعرف، رزقنا اللّه فهما اعطى لك‏ (2)

الثالث ما اشار اليه فى الكفاية: من ان الشرط فى الصلاة فعلا حين الالتفات الى الطهارة هو احرازها و لو باصل او قاعدة لانفسها، فيكون قضية استصحاب الطهارة حال الصلاة عدم اعادتها و لو انكشف وقوعها فى النجاسة بعدها، انتهى موضع الحاجة.

____________

(1)- التهذيب ج 1 ص 8 الباب 1؛ وسائل الشيعة ج 1 ص 245 الباب 1

(2)- اقول هذا غير وارد على هذا الوجه حيث ان المفروض ان عدم الاعادة من آثار الطهارة فتكون وجوبها نقضا للطهارة بالشك قبل مجي‏ء حكم الاستصحاب و متقدما عليه و بعبارة اخرى انه حيث فرض فى هذا الوجه ان عدم الاعادة اثر للطهارة الواقعية فإبقاؤه فى زمان الشك عدم نقض اليقين بالشك و عدمه نقض لذلك مع قطع النظر من حكم الشارع بابقاء ما كان فافهم.

32

و فساده يظهر بملاحظة ما ذكر و توضيحه: انه لو كان الامر كما ذكره لكان حسن التعليل بان يقال لا تعيد لانه كان لك حكم استصحابى فى السابق فكنت محرز الطهارة، و لهذا يمكن ان يقال: انه على هذا التقدير لا نحتاج الى قاعدة الاستصحاب لكفاية قاعدة الطهارة، حيث ان المفروض ان الشرط احراز الطهارة سواء حصل بالاستصحاب او قاعدة اخرى، فكان الانسب تعليل عدم الاعادة بحصول الشرط و هو احراز الطهارة.

و بالجملة ظاهر الرواية ان الاعادة مع قطع النظر عن حكم الشارع بابقاء ما كان كانت نقضا لليقين بالشك، فانّ هذا مما تفصّى به عن الاشكال، فانه على ما ذكره ليس الاعادة نقضا الا بعد حكم الشارع بعدم جواز نقض اليقين بالشك، فتدبر و تامل جيدا فانه دقيق. و من هذا تعرف انه لا فرق بين النقض عن الاشكال بالوجه الاول و بهذا الوجه فى انهما خلاف ظاهر التعليل، اذ هو بحسب الظاهر علة لعدم الاعادة و ظاهر التعليل كون المعلل بنفسه مندرجا تحت كلية الكبرى لا متفرعا على امر آخر متفرع على ما هو مندرج تحت هذه الكلية، و بذلك ظهر اجادة ما حققه المحقق الهمدانى (قدّس سرّه) فى هذا المقام فتدبر.

ثم لا يخفى ان هذا الاشكال وارد على الصحيحة على تقدير ان يكون المراد من المرئى هو النجاسة السابقة و توضيحه: ان فى الرواية بحسب مقام التصور يحتمل وجوه:

الاول ان يكون المراد من اليقين هو الحاصل من الفحص بعد ظن الاصابة، و يكون المراد من المرئى هو النجاسة المرددة بين ان تكون من الاول او حدثت بعد الصلاة، و هذا الوجه لا ينطبق على قاعدة الاستصحاب بل مفاده قاعدة اليقين. الثانى ان يكون المراد من اليقين هو الحاصل قبل ظن الاصابة و من المرئى هى النجاسة المرددة، و هذا ينطبق على المقام و يسلم عن اشكال المذكور. الثالث ان يكون المراد من اليقين هو الحاصل قبل ظن الاصابة ايضا و لكن يكون المراد من المرئى هى النجاسة السابقة، و هذا و ان كان منطبقا على قاعدة الاستصحاب إلّا انه يرد عليه هذا الاشكال، و يمكن دفعه بارجاع التعليل الى الفرق بين المسألتين لا الى عدم الاعادة. و توضيحه: انه لما اشترك هذا الفرع مع سابقه فى وقوع الصلاة فى النجس فسأل زرارة عن علة الفرق و بيّن الامام علته بقوله لانك كنت‏

33

على يقين (الخ) و حاصله: ان علة اختلاف الحكم فى المقامين اختلاف الموضوع فيها لجريان الاستصحاب فى الثانى دون الاول، و لا يخفى انه على هذا التقدير لم يتعرض فى الرواية لعلة عدم الاعادة فيمكن ان يكون ملاكه قاعدة الاجزاء او كون الشرط احراز الطهارة، و من هذا تعرف انه لا يمكن استفادة قاعدة الاجزاء كلية من الصحيحة، لاحتمال ان يكون ملاك عدم الاعادة اعمية شرط الصلاة من الطهارة الواقعية، فتامل.

عقد آخر و حلّه‏

بقى هنا اشكال آخر اشار اليه فى الرسالة بقوله: مع انه يوجب الفرق بين وقوع تمام الصلاة مع النجاسة فلا يعيد و بين وقوع بعضها معها فيعيد كما هو ظاهر قوله بعد ذلك و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رأيته، انتهى موضع الحاجة.

و اجاب عنه شارح الوافية بان مورد الاعادة انما هو ما لو علم بالاصابة اجمالا و شك فى موضعها و لم يغسلها نسيانا، و فيه: اوّلا انه مخالف لظاهر قوله: اذا شككت فى موضع منه لان ظاهره الشك فى اصل الاصابة لا موضعها (1). و ثانيا انه لا يدفع الاشكال حيث ان المفهوم من قوله لانك لا تدري لعله شي‏ء اوقع عليك الخ انه لو علم ان المرئى هى النجاسة السابقة لا الحادثة بعد الصلاة (فى اثناء الصلاة) يجب عليه الاعادة و ان كان شاكا من قبل‏ (2).

و الاولى فى حسم مادة الاشكال ان يحمل المورد الاول على تردد المرئى و عدم العلم بكونه هى النجاسة السابقة، و بناء على ذلك يدفع الاشكال الاوّل ايضا إلّا ان الامر يدور حينئذ بين ان يكون المراد من اليقين هو الحاصل قبل ظن الاصابة لينطبق على محل الكلام او بعده ليكون مفاده قاعدة اليقين، و يقرب الاول اولا ان الفحص و النظر لا

____________

(1)- اقول لو كان عوض قوله اذا شككت فى موضع منه اذا شككت فى موضعه امكن استظهار مورد العلم الاجمالى منه كما لا يخفى لكن هذه العبارة ظاهرة فى الشك البسيط.

(2)- و لعل هذا مراد الشيخ بقوله و هو مخالف لظاهر قوله بعد ذلك و ان لم تشك ثم رايته الخ و بيان ذلك ان الظاهر من قوله و ان لم تشك كون المنفى هو الشك الذي فرض وجوده فى قوله اذا شككت و حيث ان المفروض انه الشك المقرون بالعلم بالاصابة يكون المنفى هو هذا الشك المقيد و هو يشمل مورد العلم التفصيلى بالنجاسة و مورد الغفلة و مورد الشك البسيط و المورد الاول خارج عن الحكم بعدم الاعادة قطعا فيعود المحذور بالاخرة.

34

يوجب اليقين كلية فكيف اختص الجواب بمورد اليقين، و ثانيا انه اتى بهذه القضية فى غير واحد من المقامات التى لا تنطبق الا على مورد الاستصحاب، و ثالثا ان المورد الثانى غير قابل لارادة قاعدة اليقين حيث ان اليقين بنفسه ماخوذ فى هذه القاعدة و يكون من اركانها و قوله: و ان لم تشك، اعم من صورة اليقين بالطهارة و الشك فيها و الغفلة عنها و حينئذ يكون هذا المورد قرينة على ارادة الاستصحاب فى المورد الاول.

و بعبارة اوضح انه ان قلنا باستلزام الفحص و النظر اليقين بالطهارة يحتمل فى الفقرة الاولى وجهان: احدهما ان يكون المراد من اليقين هو الحاصل بالفحص بعد ظن الاصابة فيفيد قاعدة اليقين و ان الاستصحاب. الثانى ان يكون المراد منه اليقين الحاصل قبل ذلك فيفيد قاعدة الاستصحاب دون اليقين، و حيث دار الامر بينهما يكون الفقرة الثانية المتعيّنة فى الاستصحاب قرينة معينة للمراد من القضية فى الصدر، و قد تحصل من جميع ما ذكر ان الظاهر من اليقين فى الرواية هو الحاصل قبل ظن الاصابة و من المرئى هل النجاسة المرادة و لا اشكال فيه الا ما قد يقال: ان الظاهر من قوله فرأيت فيه كون المرئى هى النجاسة السابقة و فيه منع الظهور. نعم لو كان الفعل مع ضمير الغائب امكن دعوى هذا الظهور مع اشكال فيه ايضا حيث اتى بهذا الضمير فى قول السائل ان رأيت فى ثوبى و انا فى الصلاة و مع ذلك اطبقه الامام على النجاسة المرادة فيما انتفى الشك قبل الصلاة.

هذا اذا مكن القول بالاعادة فى الوقت فى الفرض و الّا فلا بدّ من حمله على المعنى الاولى و لشرح ذلك مقام آخر هذا تمام الكلام فى المورد الاول. و اما المورد الثانى فهو سالم مما يرد على الاول، إلّا انه قد يورد عليه بان تفريع عدم نقض اليقين على احتمال تاخّر الوقوع يابى عن حمل اللام على الجنس، و لعله من جهة استهجان تفريع العام على الخاص دون العكس، و دون تفريع المساوي على المساوي كما نقل عن الشيخ (قدّس سرّه)، و انت خبير بان الملاك فى عدم استهجان التفريع هو التلازم بين حكم المفرّع و المفرّع عليه بحيث اذا القى المفرّع عليه علم حكم المفرّع بالملازمة، كما فى قوله: الخمر حرام، فهذا حرام فانه اذا قيل: الخمر حرام، يعلم ان كلما صدق عليه عنوان الخمر فهو حرام، و كما فى قوله:

هذا حرام فيجب تركه، فلو لم يثبت الملازمة بينهما بدليل خارج او بحكم العقل او العرف يستهجن التفريع، كما اذا قيل هذا زيد فيجب اكرامه و هذا قائم فيحرم ضيافته و نحو

35

ذلك، من دون فرق فى ذلك بين تفريع الخاص على العام او العكس او المساوي على المساوي.

اذا عرفت ذلك نقول: حيث فرّع قوله: فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك، على احتمال تاخر الوقوع يستكشف وجود الملازمة بينهما، و هذه الملازمة اما ثابتة بحكم العقلاء كما قويناه، او بدليل آخر يكون حاضرا فى الذهن.

لا يقال: سلمنا ان التفريع كاشف عن ثبوت الملازمة إلّا انه لا يستكشف منه ازيد من ثبوتها فى خصوص المقام فلا يمكن التعدي. فانه يقال: ليس الامر كما ذكر اما على ثبوت الملازمة من جهة بناء العقلاء فواضح، و اما على ثبوتها بدليل آخر فلانا نقطع بعدم ورود ما يدل على حجية الاستصحاب فى خصوص هذا المورد الشخصى، فلا بد ان يكون الموجد لحسن التفريع فعلية اخرى بحيث يكون حاضرا فى الذهن، و هو الفقرة الاولى فيكون حسن التفرع بملاحظته فيكون دليلا على عدم اختصاصه بمورد دون مورد، و تأمّل فانه لا يخلو عن دقة. و كيف كان فالظاهر ان كلا الموردين سليمان عن الاشكال، و اللّه العالم بحقائق الامور.

الرواية الثالثة:

صحيحة ثالثة لزرارة «و اذا لم يدر فى ثلاث هو او فى اربع و قد احرز الثلاث قام فاضاف اليها اخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك فى اليقين و لا يخلط احدهما بالآخر و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين و يبنى عليه و لا يعتد بالشك فى حال من الحالات» (1) و قد تمسك بها على حجية الاستصحاب فى الوافية و قرّره الشارح و تبعه جماعة.

فقه الحديث‏

و تقريب الاستدلال: ان المراد باليقين و الشك على ما هو الظاهر هو اليقين بعدم الاتيان‏

____________

(1)- الكافى ج 3 ص 351؛ التهذيب ج 2 ص 186 الباب 10؛ الاستبصار ج 1 ص 373 الباب 216؛ بحار الانوار ج 2 ص 281 الباب 33

36

بالركعة الرابعة سابقا و الشك فى اتيانها، و هو مجرى الاستصحاب.

عقد و حلّ‏

و يشكل بان الظاهر و ان كان ما ذكر إلّا انه يلزم رفع اليد عنه، ضرورة ان قضيته اضافة ركعة اخرى موصولة، و المذهب قد استقر على خلافه فيكون المراد اليقين بالفراغ و البراءة و يفيد وجوب الاحتياط و تحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الاكثر و فعل ركعة اخرى مفصولة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه هذا.

اقول: بعد ما كان قوله و لا ينقض اليقين بالشك خصوصا بملاحظة ساير اخبار الباب ظاهرا فى ارادة الاستصحاب يذب عن الاشكال باحد وجهين: احدهما ان المراد من اليقين و الشك هو اليقين بالاشتغال و الشك فيه فيفيد استصحاب الاشتغال، و على ذلك يكون المراد من الركعة التى امر باضافتها هى الركعة المفصولة و لا اشكال. الثانى ان المراد باليقين و الشك هو اليقين بعدم اتيان المشكوكة سابقا و الشك فى اتيانها، فمعنى عدم نقض اليقين بالشك البناء على عدم الاتيان بالمشكوكة، و لازمه لو خلى و نفسه و ان كان لزوم الاتيان بالركعة المفصولة إلّا ان الامام لما القى الكلام الى مثل زرارة الذي كان عالما بمثل هذه الاحكام سلك فى مقام بيان الحكم الواقعى مسلك التقية، فاطبق الاستصحاب تقية على المورد الذي يجب فيه القيام الى الركعة المفصولة ليمكن حمله فى مقام الظاهر على مذهب اهل الخلاف و لا يكون الامام ماخوذا عندهم، و يؤيده ان كون الفقرات السّت لو البسه كلّما دالّا على معنى واحد بعيد فى الغاية، فيقوى ان يكون معنى قوله: و لا يدخل الشك فى اليقين و لا يخلط احدهما بالآخر، انه لا يجوز خلط الركعة المشكوكة بغيرها و ادخالها فيه بل يجب الاتيان به مفصولة، و لعمري انه اتم بيان فى مقام بيان الحكم الواقعى من دون ان يشتبه على اهل الحق شي‏ء فى ان المراد هو ما استقر عليه مذهبهم و لا على اهل الخلاف شي‏ء فيما جرت عليه طريقتهم.

وهم و دفع‏

لا يقال: كيف يمكن الالتزام بالتقية هنا مع انّ صدر الرواية دال على ان المقام لما كان‏

37

مقام التقية، حيث انه (عليه السّلام) امر فى جواب السائل عن الشك بين الاثنين و الاربع بان يركع ركعتين و اربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب، و هذا الكلام ظاهر فى وجوب ركعتين منفصلتين من جهة ظهور تعيين الفاتحة.

فانه يقال: هذا لو اتّفق كلمات اهل الخلاف بالتخيير فى الركعتين الاخيرتين بين الفاتحة و التسبيحة و ليس الامر كذلك، حيث يرى الاختلاف بينهم فى ذلك، فالامر باتيان ركعتين بفاتحة الكتاب تعيينا انما يحمل على الركعتين المفصولتين بناء على مذهب الخاصة المستقر على التخيير، فيدل على حكم الحق عندهم، و اما عند العامة فيمكن التفصّى عن التقية بان المراد ليس إلا ركعتين موصولتين و انما امر بفاتحة الكتاب تعيينا و فاقا لمن يرى منهم التعيين فتدبر، فانه لا يخلو عن دقة.

هذا و قد يتفصّى عن الاشكال بامور غير خال عن الاشكال، منها: ما افاده فى «الدرر» من ان الوجه لجعل المورد من صغريات القاعدة مع اقتضائها بحسب الظاهر اتيان الركعة المتصلة ان الصلاة فى نفس الامر يعتبر فيها امران: احدهما تحقق الركعات، و الثانى تقييدها بعدم الزائد، و مقتضى قولهم (عليه السّلام) لا ينقض اليقين بالشك البناء على عدم تحقق الركعة المشكوكة، و لا يثبت بهذا تحقق ذلك التقييد المعتبر لو اتى بالركعة المشكوكة موصولة، فالجمع بين مفاد القاعدة المزبورة و مراعاة ذلك التقييد لا يمكن إلّا باتيان الركعة المنفصلة.

و فيه: انه ليس فى ما بايدينا على ما تفحصنا ما يدل على اعتبار ان يكون الصلاة مقيدة بعدم الزيادة، غاية الامر اعتبار عدم الزيادة فيها حيث امر الشارع بها و منع من اتيان الزيادة فيها، و حينئذ فاستصحاب عدم الاتيان بالركعة المشكوكة يثبت عدم وقوع الزيادة فيها اذا اتى بالركعة الموصولة، و هذا واضح.

و منها: ان الحكم محمول على التقية، فهى انما اعملت فى حكم المورد و فى اجراء القاعدة فيه لا فى نفس القاعدة.

و فيه: ان ذكر الفقرات بكثرتها لا يناسب هذا الاحتمال، كما لا يخفى على المتامل.

و منها: ما افاده فى «الكفاية» من انّ اطلاق النقض حيث كان منافيا للاتيان‏

38

بالمشكوكة منفصلة فيقيد بما دل على وجوب الاتيان بها كذلك. هذا، و انت خبير بان الاولى فى التفصّى عن الاشكال ما ذكرناه من الوجهين‏ (1) فتامل تعرف ان شاء اللّه‏

الرواية الرابعة:

و من الاخبار موثقة عمّار عن ابى الحسن قال «اذا شككت فابن على اليقين، قلت: هذا اصل؟ قال: نعم». (2)

فقه الحديث‏

و يحتمل فيها بحسب مقام التصور وجوه: الاول ارادة البناء على الاحتياط و تحصيل اليقين، و عليه ان جعلنا موردها خصوص ركعات الصلاة، فالمراد تحصيل اليقين بالبناء على الاكثر و اتيان ما يحتمل نقصه منفصلا كما هو المذهب و ان لم نقل باختصاصها، فالمراد تحصيل اليقين بالاحتياط فى كل شبهة بدوية كانت او غيرها، و لا يخفى ان لازمه الالتزام بالتخصيص الكثير لو لم يكن باكثر، و هذا لا يناسب قوله هذا اصل و جواب الامام بكونه اصلا متبعا فى جميع الموارد، اللهم إلّا ان يحمل على الاستحباب. و كيف كان فهذا الاحتمال مخالف لظاهر قوله: فابن على اليقين، اذ الظاهر ارادة البناء على اليقين المفروض الوجود لا وجوب تحصيل اليقين.

الثانى ارادة قاعدة اليقين، و هى ايضا لخروج كثير من الموارد بل اكثرها عنها لا يناسب كونها اصلا، هذا مع ان الظاهر ارادة اليقين الموجود حين البناء لا الذي كان موجودا فى السابق و ارتفع بعروض الشك.

الثالث ارادة قاعدة الاستصحاب، و لا ضير فيه بل الظهور يوافقه كما عرفت، نعم بناء على اختصاص مورد الموثقة بالشكوك الواقعة فى الركعات يشكل الامر من جهة ان مقتضى الاستصحاب فيها البناء على الاقل و استقر المذهب على خلافه فلا بد من حمله على التقية، و هو فى غاية البعد بملاحظة سياق الموثقة و يتفصّى عنه بعدم الدليل‏

____________

(1)- لانّ هذا يتمّ بناء على كون الركعة المنفصلة مع الركعة المتّصلة موضوعا واحدا و حقيقة واحدة بنظر العرف و الّا فلا يجري لعدم اتحاد الموضوع كما لا يخفى.

(2)- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 351؛ وسائل الشيعة ج 8 ص 212 الباب 8

39

على اختصاصها بركعات الصلاة، و مجرد ذكر الاصحاب اياها فى طى ادلة تلك المسألة لا يدل على الاختصاص، و اللّه العالم.

الرواية الخامسة:

و منها ما عن الخصال «عن ابيه عن سعد بن عبد اللّه عن محمد بن عيسى اليقطينى عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن ابى بصير عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه قال حدثنى ابى عن جده عن آبائه ان امير المؤمنين علّم اصحابه فى مجلس واحد اربعمائة باب مما يصلح للمؤمن فى دينه و دنياه الى ان قال من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فان الشك لا ينقض اليقين الحديث» (1)

سند الحديث‏

و يقع الكلام فيها تارة من جهة السند، و اخرى من جهة الدلالة، اما من حيث السند فلان فيه قاسم بن يحيى و قد ضعّفه العلّامة فى الخلاصة، و يقال تضعيفه و ان كان مستندا الى تضعيف ابن غضائري و لا وثوق به إلّا انه ما وجد فى علم الرجال توثيقه. اقول:

يشهد قرائن كثيرة على صحة الاعتماد بالرواية بل بمطلق روايات قاسم بن يحيى، فان المجلسى (قدّس سرّه) نقل الحديث بطوله فى الجلد الرابع من البحار و قال فى ذيله: و هذا الخبر فى غاية الوثاقة و الاعتبار على طريقة القدماء و ان لم يكن صحيحا بزعم المتاخرين، و اعتمد عليه الكلينى و ذكر اكثر اجزائه متفرقة فى ابواب الكافى و كذا غيره من اكابر المحدثين انتهى.

و قال فى التعليقة: ان هذا (يعنى) تضعيف العلامة فى الخلاصة من كلام ابن غضائري و لا وثوق به، و راوية الاجلة سيما مثل احمد بن محمد بن عيسى (و هو الذي اخرج احمد بن خالد البرقى عن القم لروايته عن الضعفاء فكيف يروي نفسه عنهم) تشير الى الاعتماد عليه بل الوثاقة و كثرة روايته و الافتاء بمضمونها يؤيده، و يؤيده ايضا عدم تضعيف شيخ من المشايخ العظام الماهرين باحوال الرجال اياه و عدم طعن من احد ممن ذكره فى‏

____________

(1)- وسائل الشيعة ج 1 ص 246 الباب 1؛ بحار الانوار ج 10، ص 98 الباب 7؛ الخصال ج 2 ص 618

40

مقام ذكره فى ترجمته و ترجمة جده و غيرها انتهى.

و قال فى «المستدرك»: و اما الكتاب المذكور فهو بعينه الحديث المعروف بالاربعمائة كما لا يخفى على من نظر الى سنده فى الخصال و تلقاه الاصحاب بالقبول و وزعوا احكامه و آدابه على الابواب المناسبة لها، و لو لا حذف الاطالة لذكرت جملة منها انتهى موضع الحاجة. و انت خبير بان هذا كله يوجب القطع بوثوق الراوي او بكون الرواية موثوقا بها، و يؤيده بل يدل عليه انه يروي عنه احمد بن محمد بن عيسى على ما ذكره الشيخ فى رجاله و محمد بن عيسى و ابراهيم بن هاشم و محمد بن خلف و ابراهيم بن إسحاق و امثالهم، فالانصاف ان المناقشة فى سند الرواية فى غير محله. و ذبّ المحقق الخراسانى (قدس) عن اشكال ضعف السند بان ضعف سند الرواية لا يضر بالاستدلال بها بعد وقوع مورد الاستدلال منها فى الصحاح. و فيه: ان الكلام فى هذه الرواية و مفادها مع قطع النظر عن غيرها، و إلّا ففى غيرها غنى و كفاية، فتدبر.

فقه الحديث‏

و اما من حيث الدلالة فقد يقال: انه حيث لا يجتمع الشك و اليقين لا بد من اختلافها اما فى زمان نفسهما و اما فى زمان متعلقهما و ان اتحد زمانهما، و الثانى هو الاستصحاب و ليس منوطا بتعدد زمان نفس الشك و اليقين، و حيث ان صريح الرواية اختلاف زمانهما تعيّن حملها على قاعدة اليقين الذي ملاكه كون زمان اليقين فى السابق و زمان الشك فى اللاحق، و قد يذبّ عن هذا الاشكال بان المتداول فى التعبير عن مورد الاستصحاب هو مثل هذه العبارة، و لعلّه بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين و سرايته الى الوصفين لما بينهما نحو من الاتحاد، هذا.

اقول: سلمنا ان صريح الرواية اختلاف زمان اليقين و الشك و اعتبار هذا المعنى فى الحكم إلّا انها تدل مع ذلك على اعتبار الاستصحاب لكن لا مطلقا بل فى الجملة، و بيان ذلك ان المعتبر فى قاعدة اليقين امران: احدهما تقدم زمان اليقين على الشك، الثانى اتحاد متعلق الوصفين من جميع الجهات، و منها الزمان فيعتبر لحاظ زمان واحد قيدا فى متعلق اليقين و الشك بان يتيقّن مثلا بعدالة زيد فى يوم الجمعة ثم شك فى عدالته فى هذا اليوم.

41

اذا عرفت ذلك نقول: ظاهر الرواية او صريحه و ان كان تقدم زمان وصف اليقين على الشك إلّا انه لم يقيد متعلق اليقين و الشك بزمان واحد لينطبق على قاعدة اليقين و لحاظه فى متعلقهما غير معلوم بل الظاهر على خلافه فلا يمكن حمله على قاعدة اليقين فينطبق على الاستصحاب بالاخرة، إلّا انه لما كان مورده تقدم زمان وصف اليقين على الشك و يحتمل دخالته فى الحكم لا يمكن التعدي عن المورد و لو كان غالبيّا، لما عرفت من ان القيود الغالبية و ان لم تكن بصالحة لتقييد المطلقات إلّا انها ليست بحيث امكن استفادة الاطلاق منها، اللهم إلّا ان يتشبث بعموم التعليل او بالاجماع المركب و نحوهما.

وهم و دفع‏

ثم انه قد يقال: ان الضابط فى ان يكون المراد قاعدة اليقين تعلق اليقين و الشك بالحدوث لا بالبقاء.

و فيه: انّه قد يتيقّن ببقاء عدالة زيد الى يوم السبت ثم يشك فى بقائه الى هذا الزمان، و لا اشكال فى انه مجرى قاعدة اليقين و ان كان مجرى الاستصحاب ايضا، حيث انه من جهة تعلق اليقين ببقاء العدالة الى يوم السبت ثم الشك فى مطابقة هذا اليقين للواقع و عدمها يكون مجرى قاعدة اليقين، و من حيث تعلق اليقين بحدوث العدالة قبل يوم السبت و الشك فى بقائه الى هذا الزمان يكون مجرى الاستصحاب، فمثل هذا المورد محل اجتماعهما و قد يتخلف كل منهما عن الآخر، و مثاله واضح. و كيف كان ليس الملاك فى قاعدة اليقين تعلق اليقين و الشك بحدوث شي‏ء بل الملاك كون متعلق الوصفين واحدا من جميع الجهات حتى الزمان سواء تعلق الوصفان بالحدوث او بالبقاء، فافهم و اغتنم.

الرواية السادسة:

و منها مكاتبة على بن محمد القاسانى قال «كتبت اليه و انا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام ام لا؟ فكتب: اليقين لا يدخله الشك صم للرؤية و افطر للرؤية» (1) فان تفريع تحديد الصوم و الافطار برؤية هلالى رمضان و شوال على عدم‏

____________

(1)- التهذيب ج 4 ص 159 الباب 41؛ الاستبصار ج 2 ص 64 الباب 33؛ وسائل الشيعة ج 10 ص 255 الباب 3. توضيح: لا يكون‏

42

دخول الشك فى اليقين لا يستقيم إلّا بارادة الاستصحاب و لذا قال الشيخ: و الانصاف ان هذه الرواية اظهر ما فى الباب من اخبار الاستصحاب، إلّا ان سندها غير سليم انتهى.

اقول: نوقش فى الرواية تارة من جهة الدلالة و اخرى من جهة السند.

فقه الحديث‏

اما من جهة الدلالة فلما افاد فى الكفاية بقوله: و ربما يقال ان مراجعة الاخبار الواردة فى يوم الشك يشرف القطع بان المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان و انه لا بد فى وجوب الصوم و وجوب الافطار من اليقين بدخول شهر رمضان و خروجه، و اين هذا من الاستصحاب انتهى. لا يخفى على من راجع الاخبار الواردة فى يوم الشك انها على طوائف: منها: ما دل على عدم وجوب الصوم الا للرؤية او مضى ثلاثين، و عدم جواز الافطار إلّا بذلك، مثل قوله: فاذا رايت الهلال فصم و اذا رايته فافطر، و هذه الطائفة لا تنافى ارادة الاستصحاب من قوله: اليقين لا يدخله الشك، كما لا تصير قرينة على ارادة اليقين بدخول شهر رمضان. و منها: ما دل على عدم جواز الصوم الا برؤية الهلال مثل قوله لا تصم إلّا ان تراه و نحو ذلك، و هذه الطائفة و ان تنافى بظاهرها ارادة اليقين الاستصحاب من قوله «اليقين لا يدخله الشك» فتصير قرينة على ارادة اليقين بدخول رمضان لان الاستصحاب لا ينافى الاحتياط إلّا ان المراد منها بقرينة ساير الروايات عدم جواز الصوم بنية كونه من رمضان لا مطلقا فتصير كالطائفة الثالثة. و منها: ما دلّ على عدم جواز صوم يوم الشك بنية الفرض، و هذه الطائفة هى التى يمكن استظهار ما افاده المحقق منها بتقريب ان مفادها عدم جواز صوم يوم الشك و لو برجاء كونه من رمضان، فلو اراد المكلف ان يصوم فيه لا بد له من نية الندب على انه من شعبان و لو بان كونه من رمضان أجزأه بقيام غير المامور به مقامه. و بهذا يستكشف ان فى الصوم بنية الفرض يعتبر اليقين بدخول رمضان، هذا إلّا ان الذي يرد فى المقام ان الامام فرّع على قوله اليقين لا يدخله الشك امرين: احدهما وجوب الصوم للرؤية، و الآخر جواز الافطار للرؤية. و

____________

فى الرواية «لا يدخله» بل كان «لا يدخل فيه»

43

من المعلوم ان اليقين بدخول شوال ليس له موضوعية كى لا يكون مدخولا بالشك، فالمراد منه فى طرف الآخر هو اليقين برمضان، فيقوى ان يكون المراد منه فى طرف الاول ايضا هو اليقين بشعبان، و هذا عين الاستصحاب. و لا يخفى انه بعد ظهور الكلام فى ذلك لا ينافيه ما دل على عدم جواز الصوم بنية الفرض، لان مفاده شي‏ء زائد على ما اقتضاه الاستصحاب، و هذا واضح.

سند الحديث‏

و اما من جهة السند فلوقوع على بن محمد القاسانى فيه و لم يعلم هل هو راوي هذا الخبر ام على بن محمد القاشانى بالشين المعجمة؟ و على بن محمد بن شيرة القاسانى بالسين المهملة كان محل اعتماد كثير من الاصحاب دون على بن محمد القاشانى الغير المعروف جده الذي ضعفه عدة من علماء الرجال، و عدم العلم بان فى السند هل هو ذا او ذاك كاف فى عدم صحة الاعتماد على الرواية. فتدبر. و التمسك بالشهرة لجبر السند فى غير محله لعدم العلم باستنادهم بهذه الاخبار، لورود الاخبار الكثيرة فى المسألة، كما لا يخفى على من راجع.

و قال الشيخ (قدّس سرّه) بعد ذكر روايات العامة و بيان مفادها ما لفظه: هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المستدل بها للاستصحاب، و قد عرفت عدم ظهور الصحيح منها و عدم صحة الظاهر منها، فلعل الاستدلال بالمجموع باعتبار التجابر و التعاضد انتهى موضع الحاجة. و يشكل بان الخبر الضعيف كيف يتجابر به ضعف خبر آخر، و الخبر الغير الدال كيف يتعاضد به ضعف دلالة الآخر، نعم يمكن الالتزام بتعاضد الروايات الصحيحة بان يقال: ان كل منها و ان ليس بحيث امكن استفادة العموم منه إلّا انها لما وردت فى موضوعات شتّى يتلقى العموم منها جميعا، هذا فافهم.

الرواية السابعة:

و ربما يؤيد المطلب بالاخبار الواردة فى الموارد الخاصة مثل رواية عبد اللّه بن سنان الواردة فيمن يعير ثوبه الذّمى و هو يعلم انه يشرب الخمر و ياكل لحم الخنزير قال فهل‏

44

علىّ ان اغسله فقال: «لا لانك اعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن انّه نجسه» (1) و فيها دلالة واضحة على ان وجه البناء على الطهارة هو سبق طهارته و عدم العلم بارتفاعها، و لو كان المستند قاعدة الطهارة لم يكن معنى لتعليل الحكم بسبق الطهارة، بل كان المناسب تعليله بعدم العلم بالنجاسة، اذ هو الملاك فى القاعدة.

و اورد المحقق الخراسانى فى حاشيته على هذا الاستظهار باحتمال ان يكون عدم الاستيقان تمام العلة للحكم، و ينبغى اولا ذكر ما افاده فى «الكفاية» و بيان ما يرد عليه ليكون الورود فى بيان ضعف مختاره فى «الحاشية» على بصيرة.

ما ذكره المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) و نقده‏

قال فى «الكفاية» ما ملخصه: ان تقريب دلالة الموثقة و نحوها ان يقال: ان الغاية انما هى لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعا فى ظرف الشك ظاهرا الا لتحديد الموضوع كى يدل على قاعدة الطهارة و ذلك لظهور المغيا فى بيان الحكم للاشياء بعناوينها الاولية لا بما هى مشكوكة الحكم، و هذا و ان ليس له مساس بالاستصحاب الّا انّه بغايته دلّ عليه لظهورها فى استمرار ذلك الحكم الواقعى ظاهرا حيث جعل الغاية العلم بالقذارة لا امرا واقعيا كى يدل على استمرار حكم المغيّا واقعا، و لا يخفى انّه لا يلزم على ذلك استعمال اللفظ فى معنيين و انّما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع غاية لاستمرار حكمه ليدلّ على القاعدة و الاستصحاب من غير تعرض لبيان الحكم الواقعى للاشياء مع ظهور مثل كل شي‏ء طاهر و نحوه فى بيان الحكم للاشياء بعناوينها الاوليّة انتهى موضع الحاجة.

و ظاهر ما افاده هنا تسليم عدم دلالة الرواية على القاعدة و عدم امكان الجمع بين قاعدة الطهارة و استصحابها، بل انما جمع فيها بين بيان الحكم للاشياء بعناوينها و بين استصحاب الطهارة. و فيه ما عرفت من ان ارادة الاستصحاب لا بد من لحاظ الاستمرار

____________

(1)- بحار الانوار ج 2 ص 282 الباب 33. هكذا موجود فى البحار «سال ابى أبا عبد اللّه و انا حاضر انى اعير الذمىّ ثوبى و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده على فأغسله قبل ان اصلى فيه فقال ابو عبد اللّه (عليه السّلام) فيه و لا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجسه فلا بأس أن تصلى فيه حتى تستيقن انه نجسه»

45

استقلالا فى جانب المحمول بان يكون المعنى كل شي‏ء مستمر طهارته، حيث ان الاستصحاب عبارة عن ابقاء ما كان فى ظرف الشك، فحكم الشارع به يكون حكما بالابقاء و الاستمرار، و من المعلوم ان فى الكلام ليس إلّا نسبة واحدة، فاذا اريد من المحمول استمرار الطهارة لانفسها فاي نسبة تدل على اثبات نفسها للموضوع، و اذا اريد منه الطهارة لا استمرارها فاي شي‏ء يدل على اثبات استمرارها، و القول بان احدهما مستفاد من النسبة و الآخر من الغاية، يرده ان الغاية انما هى غاية لما استفيد من النسبة، و هذا واضح.

ان قلت: يستفاد حكم الاشياء بعناوينها من المغيّا و الغاية و ان كانت غاية لهذا الحكم الّا ان المستفاد من جعل هذا الحكم مغيّا هو استمراره الى زمان حصول الغاية، و هذا عين مفاد الاستصحاب.

قلت: على هذا يكون الاستمرار ملحوظا آلية، و لازمه ان يكون عين ما حكم به فى النسبة مستمرا، و المحكوم فى النسبة انما هو حكم واقعى مجعول للاشياء بعناوينها الاولية، و لا يعقل ان يكون هذا الحكم بعينه مستمرا فى زمان الشك، فلا بد من لحاظ نسبة اخرى و هى استمرار هذا الحكم ظاهرا الى حصول زمان العلم، و هذه النسبة مما لا يفيدها نسبة الاولى، لعود محذور المتقدم، هذا محصل ما يرد على ما افاده فى «الكفاية».

و قال فى «الحاشية» ما محصّله: ان قوله كل شي‏ء طاهر يدل بعمومه على طهارة الاشياء بعناوينها، و باطلاقه بحسب حالات الشي‏ء التى منها كونه مشتبها طهارته و نجاسته بالشبهة الحكمية او الموضوعية يدل على قاعدة الطهارة و ان منع عن شمول اطلاقها لمثل هذه الحالة، لكونها فى الحقيقة من حالات المكلف و ان كانت لها اضافة اليه ايضا، فهو بعمومه لما اشتبهت طهارته لشبهة لازمة له غير منفكة عنه يدل على طهارته، و بضميمة عدم القول بالفصل بينه و بين ساير المشتبهات يدل على طهارة كل مشتبه، و على هذا يكون الحكم بالنسبة الى الاشياء بعناوينها الاولية واقعيا، و بالنسبة الى المشتبهات ظاهريا، و لا ضير فى اختلاف الحكم بالنسبة الى افراد العام، لانه انما هو من اختلاف افراد الموضوع لا اختلاف معنى الحكم، فلا مجال لتوهم لزوم استعمال اللفظ فى‏

46

المعنيين من هذه الجهة اصلا، فعلى ذلك يكون دليلا بعمومه على طهارة الاشياء بعناوينها الاولية و بما هى مشتبه حكمها مطلقا بضميمة عدم الفصل بين ما يلزمه الاشتباه و ما لا يلزمه فلا حاجة فى دلالته على قاعدة الطهارة الى ملاحظة غايته. نعم بملاحظتها يدل على الاستصحاب لان جعل العلم بالقذارة غاية للطهارة دليل على بقائها و استمرارها ما لم يعلم بالقذارة كما هو الشأن فى كل غاية، غاية الامر ان قضيتها لو كانت من الامور الواقعية هو استمرار المغيّا و بقاؤه واقعا الى زمان تحققها و يكون الدليل عليها دليلا اجتهاديا على البقاء و لو كان هى العلم بانتفاء المغيّا هو بقاؤه تعبدا، فيكون الدليل بملاحظتها دليلا تعبديا، و لا نعنى بالاستصحاب الا ذلك، و لا يلزم منه محذور استعمال اللفظ فى المعنيين، اذ منشأ توهم لزومه ليس إلّا توهم ارادة ذلك من قوله: «كل شي‏ء طاهر» (1) لا تكاد إلّا ان تكون بارادة الحكم على كل شي‏ء بثبوت اصل الطهارة. و الحكم باستمرار طهارته المفروغ عنها و ارادتهما منه غير ممكن. و قد عرفت ان استفادة الاستصحاب ليس من المغيّا بل هو من الغاية و لا محذور فيه، و إلّا يلزم المحذور فى كل غاية و مغيّا مثلا الماء كله طاهر حتى يلاقى النجس، لا بد ان يراد منه على هذا طاهر بمعنى ثبوت الطهارة و بمعنى استمرارها فيلزم المحذور، مع انه ليس يلازم قطعا. انتهى موضع الحاجة.

و فيه مواقع للنظر، اما ما ذكره فى توجيه افادة قوله كل شي‏ء طاهر لقاعدة الطهارة: من ان الشي‏ء باطلاقه او عمومه يشمل حال اشتباه الشي‏ء من حيث الطهارة و النجاسة بالشبهة الحكمية او الموضوعية، ففيه: ان اثبات الطاهرة للشي‏ء فى حال كونه مشتبها غير اثباتها له بعنوان كونه كذلك، و المفيد لقاعدة الطهارة هو الثانى دون الاول، هذا مع انه على فرض افادة قوله: كل شي‏ء طاهر، طهارة الاشياء بعناوينها الاولية لا يبقى شي‏ء اشتبه حكمه بشبهة حكمية، كما لا يخفى.

و اما ما افاده فى توجيه ارادة القاعدة و الاستصحاب معا من الرواية، ففيه: انه على تقدير لحاظ استمرار الحكم استقلالا بان كان المراد كل شي‏ء مستمرّ طهارته ظاهرا الى‏

____________

(1)- المستدرك ج 2 ص 583 الباب 30؛ بحار الانوار ج 63 ص 505 الباب 3.

47

زمان العلم بالقذارة لا مجال لارادة القاعدة، لما عرفت من ان معنى لحاظه استقلالا هو الحكم باستمرار الطهارة بعد الفراغ عن ثبوته، و معنى قاعدة الطهارة هو الحكم بثبوت اصل الطهارة، و هذان المعنيان لا يجتمعان فى كلام واحد. و على تقدير لحاظه آليّا يكون المراد قاعدة الطهارة فقط، لان معنى لحاظ الاستمرار آليا هو استمرار عين ما حكم به فى النسبة، و هو ان كان الطهارة الواقعية يلزم محذور سراية الحكم الواقعى فى مورد الشك و هو غير معقول، و ان كان الطهارة الظاهرية يكون المراد قاعدة الطهارة لا غير، و ارادة استمرار الطهارة الواقعية ظاهرا تحتاج الى لحاظ آخر و نسبة اخرى، و المفروض عدمها.

هذا محصل ما يرد عليه و عليك بالتدبر التام لئلا يشتبه عليك الامر.

و قد يقال: ان قوله: «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر» (1) اخبار لا انشاء، و من المعلوم انه يصح ان يخبر عن جعل الاستصحاب و قاعدة الطهارة و جعل الطهارة للاشياء بعناوينها الاولية بكلام واحد، لعدم لزوم المحذور حينئذ اصلا، ضرورة ان جعل كل واحد من القواعد الثلاثة كان بكلام واحد إلّا انه اخبر عن وقوع جميعها بكلام واحد.

و يرد عليه انه على هذا التقدير لا يصح التمسك بالرواية بشي‏ء من القواعد الثلاثة لعدم العلم حينئذ بان هذا الشي‏ء الخاص المعلوم اجمالا انه حكم عليه بالطهارة هل حكم عليه بها بعنوانه الاوّلى او بعنوان كونه مشتبه الحكم او بعنوان سبق طهارته؟ و هذا واضح فتامل تعرف.

فى حقيقة الأحكام الوضعية و أقسامها

ثم انه بعد ما حقق مفاد اخبار الاستصحاب فلا حاجة فى اطالة الكلام فى بيان سائر الاقوال و النقض و الابرام فيما ذكر لها من الاستدلال، فالاولى صرفه الى تحقيق حال الاحكام الوضعية، و انها هل كانت مجعولة بالاستقلال او كانت لا محالة منتزعة من التكاليف؟

قال الشيخ (قدّس سرّه) فى رسالته فى الاستصحاب عند ردّ القول السابع الذي ذهب‏

____________

(1)- المستدرك ج 2 ص 583 الباب 30.

48

اليه الفاضل التونى (قدّس سرّه) و هو التفصيل بين التكليف و الوضع ما حاصله: ان الخطاب الوضعى مرجعه الى الخطاب الشرعى، و ان كون الشي‏ء سببا لواجب هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشي‏ء، فمعنى قولنا: اتلاف الصبىّ سبب لضمانه، انه يجب عليه غرامة المثل و القيمة اذا اجتمع فيه شرائط التكليف، و لم يدّع احد ارجاع الحكم الوضعى الى التكليف المنجز حال استناد الحكم الوضعى الى الشخص كى يشكل بتحقق الوضع فى مورد غير قابل للتكليف، و كذا الكلام فى الشرطية و المانعية و الجزئية، هذا. مع انه لا معنى لكون السببية فيما نحن فيه مجعولة كى يتكلم فى انه بجعل مستقل اولا؛ لان السببية ليست صفة قائمة بذوات مثل الدلوك و لو فرض كونها كذلك لم تكن مجعولة بجعل الشارع؛ لانا لا نعقل ان يكون جعل الشارع موجدا لصفة فى ما يكون اسبابا للتكاليف، هذا كله فى السبب و الشرط و مثله الصحة و الفساد، لانهما فى العبادات عبارة عن مخالفة الماتى به للمامور به و موافقته، و من الواضح انهما ليسا بجعل جاعل، و اما فى المعاملات فهما ترتيب الاثر عليها و عدمه، فان لوحظ الاثر حكما تكليفيا فالكلام فيه يعرف مما سبق، و ان لوحظ اثر كالملكية و نحوها، فهذه الامور اما منتزعة من الاحكام كما يقال: الملكية كون الشي‏ء بحيث يجوز الانتفاع به و بعوضه و عليه فيكون اسبابها ايضا كذلك، و اما امور واقعية فيكون اسبابها كنفس المسببات امورا واقعية، انتهى محصل كلامه (قدّس سرّه).

و قال فى «الكفاية» ما محصله: ان الاحكام الوضعية على أنحاء، منها: ليس بمجعول لا استقلالا و لا تبعا، و منها: كان مجعولا تبعا، و منها: ما كان مجعولا استقلالا و تبعا و مثّل للاوّل بالسببية و الشرطية و المانعية و الرافعية للتكليف و علّل عدم امكان جعله اصلا بمثل ما عرفت فى كلام الشيخ، و مثّل للثانى بالشرطية و الجزئية و نحوهما للمامور به، و للثالث بالحجية و القضاوة و الولاية و نحوها، و من شاء تفصيل كلامه فليراجع الى مقامه.

اقول: لا اشكال فى ان مثل الشرطية و الجزئية للمامور به ليس مجعولة الّا تبعا للامر بالمركب، فان الطهارة او السورة لا تتصف بالشرطية او الجزئية، إلّا اذا امر بجملة امور

49

مقيدة بها او مركبة منها و من غيره، و بدونه ليست شرطا او جزءا، و ان انشاء الشارع لها الشرطية او الجزئية و قوله بان الطهارة شرط او السورة جزء معناه ان الامر بالمركب مقيدة بها او مركبة منها، و لو لا ذلك لما صح الكلام بلا اشكال.

و اما مثل الضمان و الدّين و الحريّة و الرقية و الزوجية و الملكية و نحوها فلا اشكال فى صحة تعلق الجعل بها استقلالا من دون لزوم ان تكون منتزعة من احكام تكليفية، بل لا يصح انتزاعها منها فى بعض الموارد، كما فى الصّبى الذي اتلف مال الغير، فانه لا اشكال فى انه ضامن فى الصغر مع انه غير مكلف فى هذا الحال.

وهم و دفع‏

و ما يقال: من ان الضمان فى المثال منتزع من التكليف الغير المنجز فعلا، يدفعه ان الامور الانتزاعية تابعة لمنشا انتزاعها وجودا و عدما، بمعنى انه كلما تحقق امر واقعى كان منشأ لانتزاع امر واقعى آخر يتحقق ذلك الامر الانتزاعى، و كلما ارتفع يرتفع بتبعه، و ذلك مثل الفوقية و التحتية، فانه اذا وجد سقف واقع فوق قوائم البيت ينتزع من وجوده بهذه الهيئة فوقيته له، و هذه الصفة الانتزاعية متحدة وجودا مع منشأ انتزاعها، و كلما فقد يفقد الصفة.

و كيف كان فالامور الانتزاعية هى التى كانت فى قبال الامور الاعتبارية عبارة عن امور واقعية منتزعة عن امور واقعية أخر، بحيث لو لا هذه الامور لما كانت هى بموجودة قطعا، و لا ينافى ما ذكرناه كون مثل الشرطية و الجزئية من الامور الانتزاعية، لانها انما منتزع من الامر بالمقيد و المركب، و لا ريب فى ان هذا الامر حيث كان فعلا من الافعال الصادرة من المكلف بالكسر كان امرا واقعيا.

اذا عرفت ذلك نقول: حيث لا تكليف فى حال الصغر لما صح انتزاع امر منه، لاستحالة وجود ما كان وجوده بتبع وجوده بتبع وجود امر آخر قبل وجود ذلك الامر، فالصحيح ان الضمان الموجود فى حال عدم البلوغ ليس إلّا مجعولا استقلاليا.

و كيف كان فالالتزام بان الضمان و الدين و الحرية و الزوجية و نحوها امور منتزعة من التكاليف يؤدي الى ما لا يلتزم به احد، مثلا لو فرض ان مديونا مات كان مقتضى هذا القول براءة ذمته بمجرد الموت لعدم ثبوت التكليف فى حق الميت، و مما يشعر بما

50

ذكرنا ورود التكاليف على هذه العناوين مثل الدين و الزوجية و نحوهما، فيقال: يحل لك وطء الزوجة او يجب عليك رد الدين و نحو ذلك.

بقى الكلام فى مثل السببية و الشرطية لنفس التكاليف، و التحقيق امكان تعلق الجعل بها ايضا استقلالا، و توضيح ذلك يستدعى رسم مقدمة و هى ان نفس التكاليف التى لا يكاد يشك احد فى امكان تعلق الجعل بها مستقلا هل المراد منها الارادة او الكراهة الموجودة فى نفس المكلف بالكسر؟ لا اشكال فى انه لو كان المراد منها ذلك لم يصح جعلها لا استقلالا و لا تبعا، لان الارادة او الكراهة الموجودة فى النفس امر واقعى تكوينى لا تناله يد الجعل التشريعى اصلا، و لا يخفى ذلك على من راجع وجدانه فيجد نفسه مريدا لهذا مكرها لذاك و هذا الامر الحاصل فى نفس المريد و المكره سواء كان تابعا للمصالح او المفاسد المستدعية لها اولا كان حصوله بيد التكوين بحيث لولاه لما يكاد يحصل و لو فرض ان المولى انشاه الف مرة.

و بالجملة فما يصل اليه يد التشريع ليس الارادة و الكراهة بل هو الامر الاعتباري الذي يوجد بالاعتبار و لا يوجد بعدمه، و هو الذي يعبر عنه تارة بالوجوب الاعتباري و اخرى بالحرمة الاعتبارية.

و الحاصل ان للاحكام الخمسة التكليفية فردان: احدهما ما كان اعتبارا محضا ليس ما بازائه فى الخارج شي‏ء آخر، نعم انشاء هذا الامر الاعتباري من حيث كونه فعلا صادرا من الحكيم يكشف عن وجود الارادة و الكراهة فى نفسه لعدم صدور فعل اختياري من الحكيم الا لغرض، و ظاهر هذا الفعل كون الغرض وجود الارادة و الكراهة فى نفسه. الثانى ما كان امرا واقعيا حاصلا فى نفس المولى الذي لاجله يبعث و يزجر، و ما يعقل التشريع فيه هو المعنى الاول لا الثانى.

اذا عرفت ذلك نقول: بعد ما كان نفس التكليف المنشأ امرا اعتباريا لم لا يصح اعتبار امر آخر سببا له، فكما كان هو اعتبارا محضا كان سببية السبب له ايضا كذلك.

و لعل ما اوجب الاشتباه فى المقام توهم ان مورد البحث هو السببية الحقيقة للتكاليف الحقيقية غفلة عن ان مثل هذه التكاليف مما لا يصل اليه الجعل التشريعى بنفسها فضلا عن سببية اسبابها، و عليك بالتدبر التام فان المقام من مزالّ الاقدام، و ينبغى التنبيه على امور:

51

الفصل الثالث: تنبيهات الاستصحاب‏

[التنبيه الاوّل: فى اعتبار فعليّة الشك و اليقين و عدمه‏]

هل المعتبر فى تحقق اركان الاستصحاب تحقق اليقين و الشك الفعليين، او يكفى وجودهما الشأنى، او بين اليقين و الشك تفصيل؟ فى ذلك وجوه: قال الشيخ (رحمه اللّه) ما حاصله: ان المستفاد من تعريف الاستصحاب تقوّمه بامرين: احدهما: وجود الشي‏ء فى زمان سواء علم به فى ذلك الزمان اولا، نعم لا بد من احرازه حين ارادة الحكم بالبقاء.

الثانى: الشك فى وجوده في زمان لاحق، و المعتبر فى هذا الشك هو الفعلى الموجود حال الالتفات فلا يكفى الشك التقديري.

ثم انه (قدّس سرّه) فرّع على ذلك مسألتين، الاولى: ان المتيقن للحدث اذا التفت الى حاله فى اللاحق فشك جرى الاستصحاب فى حقّه، فلو غفل عن ذلك و صلّى بطلت صلاته لسبق الامر بالطهارة، و لا يجري فى حقه حكم الشك فى الصحة بعد الفراغ عن العمل، لان مجراه الشك الحادث بعد الفراغ لا الموجود من قبل. الثانية: لو غفل المتيقن للحدث عن حاله و صلّى ثم التفت و شك فى كونه محدثا حال الصلاة او متطهرا جرى فى حقه قاعدة الشك بعد الفراغ، لحدوث الشك بعد العمل و عدم وجوده قبله حتى يوجب الامر بالطهارة و النهى عن الدخول فى الصلاة بدونها.

ثم قال: نعم هذا الشك اللاحق يوجب الاعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة لو لا

52

حكومة قاعدة الشك بعد الفراغ عليه انتهى.

و قريب من ذلك ما فى «الكفاية». قال (قدّس سرّه) فيها بعد ما ذهب الى اعتبار الشك الفعلى و عدم كفاية التقديري ما لفظه: فيحكم بصحة صلاة من احدث ثم غفل و صلى ثم شك فى انه تطهّر قبل الصلاة لقاعدة الفراغ بخلاف من التفت قبلها و شك ثم غفل و صلى فيحكم بفساد صلاته فيما اذا قطع بعدم تطهيره بعد الشك، لكونه محدثا قبلها بحكم الاستصحاب مع القطع بعدم رفع حدثه الاستصحابيّ.

لا يقال: نعم و لكن استصحاب الحدث فى حال الصلاة بعد ما التفت بعدها يقتضى ايضا فسادها، فانه يقال: نعم لو لا قاعدة الفراغ المقتضية لصحتها المقدمة على اصالة فسادها، انتهى.

تحقيق‏

اقول: يقع الكلام فى مقامين، الاول: فى عدم اعتبار الشك الفعلى و كفاية الشك التقديري.

الثانى: فى عدم تفرّع هذا الاثر المذكور على هذا النزاع.

اما المقام الاول: فملخص الكلام فيه ان المستفاد من قوله فى صحيحة الاولى لزرارة بعد ما سأل عن حكم من حرّك فى جنبه شي‏ء لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بين» و كذا من قوله: «لا تنقص اليقين إلّا باليقين و لا تنقص اليقين بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر» (1) ان الضابط فى رفع اليد عن الحالة السابقة تعلق اليقين بخلافها، فما لم يحصل هذا اليقين تعبد الشارع ببقاء ما كان، و لذا كان الاستصحاب حجة فيما يظن بخلاف الحالة السابقة ايضا، و اذا كان الامر كذلك كان الاستصحاب حجة فى مورد الشك التقديري، لعدم تعلق اليقين بالخلاف فى مورده. و بالجملة ظاهر بعض ادلة الاستصحاب ان الناقض للحالة السابقة لا يكون إلّا اليقين بخلافها، فبذلك يستكشف ان الشك الماخوذ فى بعض الآخر ليس ملحوظا بذاته، بل انما هو من جهة انه مصداق‏

____________

(1)- التهذيب ج 1 ص 8 الباب 1؛ وسائل الشيعة ج 1 ص 245 الباب 1.

53

لهذا الكلّى فتدبر.

هذا كله مضافا الى امكان ان يقال: انه فيما فرض المكلف لو التفت لشك يصدق فى حقه انه شاك فعلا و يكشف عن ذلك بملاحظة التامل فى نظائر المقام، فانه لا اشكال فى جواز اكل الانسان مال من دعا الى داره للضيافة مع القطع بانه غافل عند ارادة الاكل عن رضاه بذلك، و يستدل على ذلك فى العرف بانه راض بذلك مع ان المفروض غفلته بالكلية، و مثله الصلاة فى دار من دعاه الى الضيافة مستدلا عليه برضاء المضيف، مع ان المضيف لا يتوجه بذلك اصلا، و هذا هو الذي يعبر عنه فى العرف بشاهد الحال، و كيف كان المراجعة الى اهل العرف فى محاوراتهم تفيد القطع بصدق تلبس المكلف فعلا ببعض العناوين مع ذهوله عنها بالكلية و لكن كان بحيث لو التفت لتوجه اليها و يصدق العنوان فى حقها.

وهم و دفع‏

و قد يتراءى من عبارة بعض الاعلام على ما نسب اليه بعض مقرري بحثه الاستناد فى عدم كفاية الشك التقديري و اعتبار الشك الفعلى بان الجوامد لا تطلق على ما انقضى عنه المبدا بالاتفاق، و الخلاف انما وقع فى خصوص المشتقات.

و فيه: ان المقام ليس مبتنيا على مسألة الجوامد و المشتقات، و لا يشك احد فى عدم اطلاق الجوامد على ما انقضى عنه المبدا، فالاشكال كله فى ان الشك الماخوذ فى ادلة الاستصحاب هل اريد به خصوص الشك الفعلى او الاعم منه و من التقديري؟

و قد حقّقنا انه- مضافا الى ان الشك فى الادلة ليس ملحوظا بنفسه، بل انما لوحظ من جهة انه فرد من افراد عدم اليقين بالخلاف بقرينة بعض الاخبار الظاهر فى ان الضابط فى بقاء ما كان عدم اليقين بخلافه- يمكن ان يقال: يصدق الشك الفعلى فى مورد غفل المكلف عنه و لكن كان بحيث لو التفت لشك، هذا و لو منع الا من اعتبار فعلية الشك وجب الالتزام بما لا يمكن الالتزام به فى موارد:

منها: مسألة الجماعة، فانه لو فرض ان اماما تيقّن بالحدث ثم شك فيه فورد فى الصلاة باستصحاب الطهارة لا يجوز الصلاة معه، للقطع بذهوله فى اثناء الصلاة عن كونه‏

54

شاكا بحسب العادة، فيصير غير محكوم بالطهارة، و معلوم ان الماموم لو علم ان امامه غير محكوم بالطهارة ليس له الصلاة معه، و هذا مما لا يفتى به احد فيستكشف ان الشك التقديري بحكم الفعلى.

و قال المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) فى حاشيته عند كلام الشيخ (قدّس سرّه):

ثم ان المعتبر هو الشك الفعلى (الى آخره) ما حاصله: ان الوظيفة المقررة فى حال الجهل تارة على نحو يكون هو المطلوب فى هذا الحال، و اخرى على نحو يكون المطلوب هو الواقع إلّا ان جعلها لاجل ان يكون موجبا لتنجز الواقع عند الاصابة و عذرا عنه عند المخالفة، و على الاول يمكن ان يكون لها ما للحكم من المراتب الاربع، و على الثانى لا يكاد ان يكون لها بعد مرتبة الانشاء الا مرتبة التنجز فلا يترتب عليها بدون هذه المرتبة ما هو المرغوب منها من تنجز الواقع عند الاصابة و العذر عنه عند المخالفة، ضرورة ان هذه الآثار لا تكاد ان يترتب عليها الا بعد الاطلاع عليها باطرافها تفصيلا، و لا يترتب اثر على مجرد انشائه، و حيث ان الاستصحاب من قبيل الثانى فلا محالة يعتبر فى ترتيب الاثر عليه من الشك الفعلى فلا يكفى الشك التقديري الموجود فى حال الغفلة، انتهى ملخصا.

اقول: قد ثبت فى محله ان مجرد انشاء الاحكام الظاهرية يوجب رفع فعلية الاحكام الواقعية اذا كانت مخالفة لها وصل الى المكلف او لم يصل، لعدم اجتماع الارادة الاكيدة و الترخيص بخلافها، فنفس الترخيص بالخلاف ينافى وجود الارادة الاكيدة او الكراهة كذلك.

نعم لا يكفى مجرد الخطاب فى تنجيز الاحكام الواقعية اذا صادفها ما لم يصل الى المكلف، كما فى الاحكام الواقعية التى لم تصل اليه.

و كلامنا هاهنا فى وجود الحكم الاستصحابيّ فى مورد الشك الفعلى، و إلّا فمن المعلوم انه ما لم يلتفت اليه المكلف ليس حجة فى حقه، كما انه لو غفل عن حكم الخمر او موضوعه ليس دليل حرمة شربه حجة فى حقه.

و قد تحصل من جميع ما ذكرناه جريان الاستصحاب فى مورد الشك التقديري، و