فقهيات بين السنة والشيعة

- عاطف سلام المزيد...
99 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المركز

في الوقت الذي توحد فيه الأصول الاعتقادية بين المسلمين جميعهم تتيح للعلماء المجتهدين منهم الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية استنادا إلى هذه الأصول الأمر الذي أدى إلى ظهور المذاهب الفقهية وتعدد وجهات النظر.

وإن يكن الاجتهاد هذا يفضي إلى اختلاف في وجهات النظر إلى أمور ليست من الأصول الاعتقادية فينبغي ألا يؤثر هذا الاختلاف على وحدة الأمة الإسلامية فهذه الوحدة يجب أن تبقى مصانة من تأثير أي عامل قد يؤدي إلى الخصومة والتفرق.

فالشريعة الإسلامية إذ تبيح التعدد فإنما تريده أن يكون اجتهادا يحقق مصلحة المسلمين العليا في إطار الوحدة الأمر الذي يمكنهم إن تحقق من مواجهة مختلف التحديات في كل زمان ومكان.

يدرك المؤلف هذه الحقيقة التي تنص عليها غير آية قرآنية وينطلق من هذا الإدراك في تأليف كتابه هذا فيبحث في مسائل فقهية خلافية كانت ولا تزال مثار جدل ونقاش بين الفقهاء السنة والشيعة وهي: الجمع بين الصلاتين، المسح على الأرجل في الوضوء، المسح على الخفين السجود على الأرض الأذان، زواج المتعة. ويسعى إلى أن يكون في بحثه موضوعيا متجردا فيعرض المسألة والآراء المتعددة التي قيلت في شأنها ويتقصى الأدلة التي قدمها كل طرف بغية الوصول مع القارئ إلى رأي يزيل سوء الفهم القائم.

والمؤلف في هذا الكتاب يواصل صنيعا في سبيل الوحدة كان قد بدأه عندما أصدر كتابه: " الوحدة العقائدية عند الشيعة والسنة ".

6

وإننا إذ نسعى إلى تحقيق الهدف نفسه وهو الإسهام في توحيد المسلمين في زمن هم أحوج فيه إلى الوحدة نرجو أن يوفقنا الله تعالى إلى ما يحب ويرضى والله الموفق في كل حال.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

بيروت             

7

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين وعلى آله الأطهار الطيبين وصحابته المنتجبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد

إن هذه الشرعة الغراء مثالية في غزارة عطائها وتواصل نمائها ولها من السعة والمرونة ما يجعلها صالحة - على نحو الضرورة - في جميع العصور وفي شتى البقاع.

وقد نشأ عن تلك المرونة والثراء في العطاء أن تعددت وجهات النظر وتفاوتت الأفهام في استنباط الأحكام الشرعية منها. ومن هنا ظهرت المذاهب والاجتهادات الفقهية لكنها لا تختلف في ما بينها حول الأصول الاعتقادية التي تشملهم جميعا، أمة واحدة متميزة منضوية تحت لواء الإسلام العظيم.

وينبغي أن نشير إلى أن الاجتهاد وتعدد النظر أمران لا غضاضة فيهما البتة من حيث المبدأ بيد أنه لا بد أن يكونا في إطارهما الصحيح حتى يؤديا دورهما البناء ولا يخرجا عن جادة الصواب وهذا الإطار تتلخص عناصره في ثلاث نقاط:

اولا: أن يكون مستندا إلى الدليل المنطقي المستنبط من مصادر التشريع المعتمدة.

ثانيا: أن لا يكون عن هوى أو تعصب أو تقليد أعمى بلا بينة واضحة.

8

ثالثا: أن يكون هادئا منصفا مقدرا لغيره من الاجتهادات وإن كانت مخالفة بحيث لا يوجب ذلك شقاقا أو تفرقا أو خصومة في الدين أو يورث شحناء أو بغضاء في النفوس الأمر الذي قد يشكل خطرا كبيرا على الدين ذاته ويفضي إلى ضعفه وزعزعة كيانه. هذا هو الإطار العام الذي يجب أن يسير الاجتهاد على ضوئه حتى يكون منطويا على مصداقية تعبر عن حقيقته وواقعه. أما إذا انحرف عن ذلك الإطار فإنه يتحول - حينئذ - إلى تخبط وعشوائية لا دخل لهما بواقع الاجتهاد وأبعاده الحقيقية.

ولذلك يجب أن نجعل هذا الإطار نصب أعيننا باعتباره أرضية مناسبة لقيام صرح الوحدة الإسلامية الكبرى بين جميع المذاهب على تعدد آرائها ووجهات نظرها.

ولا نعني بالوحدة الإسلامية أن يتخلى كل ذي مذهب عن فكره واجتهاده الذي يطمئن إليه بل نقصد من وراء ذلك إلى الوحدة في الموقف والتلاحم بين الصفوف والتنسيق في العمل وبذل الجهود في مواجهة التحديات التاريخية والحضارية التي تواجه الأمة وتكتنف مسيرتها وتحيط بها من كل جانب.

ويلزم التمهيد لذلك بعاملين:

الأول: استساغة تعدد النظر وتباين الآراء باعتبارهما أمرين فطريين ناشئين عن تفاوت الأفهام بين البشر ومحاولة إيجاد صيغة للالتقاء بينها.

الثاني: جعل المصلحة العليا للإسلام الهدف الأسمى من وراء كل تحرك ونشاط.

ومن هذا المنطق أردنا أن نسلك هذا الدرب الرسالي في إرساء دعائم التلاحم والتقارب بين المذهبين العريقين والأخوة المتحابين من الشيعة والسنة حتى تسير الأمة في إطارها الوحدوي المرسوم لها من قبل الله عز وجل.

(إن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [ الأنبياء / 92 ].

(وإن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) [ المؤمنون / 52 ].

9

وقد سار في هذه السبيل الراشدة - وبخاصة في المجال الفقهي - بعض السادة الفضلاء والأساتذة الأجلاء الذين آثروا بكتاباتهم القيمة الفكر الإسلامي وأخذوا على عاتقهم تبعة توحيد صفوف الأمة ونظم عقد اجتماعها وتقريب وجهات النظر في ما بينها فهذا الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت (رحمه الله) عندما كان شيخا للأزهر يقول في فتواه التاريخية التي أصدرها:

قيل لفضيلته: إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون - فضيلتكم - على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مثلا؟

فأجاب فضيلته:

1 - إن الإسلام لا يوجب على أحد من اتباع مذهب معين بل نقول: إن لكم مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة. ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك.

2 - إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير حق لمذاهب معينة فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب فالجميع مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

10

ولا شك أن هذه الفتوى التاريخية كان لها صدى واسع ودور بالغ في إصلاح ذات البين وفتح باب التقارب والتجاوب بين المسلمين.

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (الإمام الصادق ص 16): " وأن المسائل التي يتخلف فيها الفقه الإمامي نجد من بينها - حتما - ما يتفق مع رأي الجمهور ونجد ما لا يوافق الجمهور وليس فيه معارضة لكتاب أو سنة نجد له وجهة معقولة يقبلها الدارس الفاحص كقولهم بجواز إنهاء الوقف وتقسيمه بين المستحقين إذا طلبه بعضهم ولو كان الوقف مرتب الطبقات وقد ذكرنا في بعض بحوثنا أن القانون (رقم 180 لسنة 1952)) الذي أنهى الوقف الأهلي يتلاقى مع ذلك الرأي الذي نص عليه في فقه الإمامية وأن الأقوال التي نرى أنها تخالف إجماع جماهير المسلمين ليست كثيرة ولهذا نقرر أن الفقه الاثني عشريا ليس بعيدا كل البعد عن فقه أئمة الأمصار ".

ويقول - أيضا - عند حديثه عن البلاد التي ينتشر فيها التشيع (ص 567): " إن أكثر البلاد الإسلامية وخصوصا النائية عن البلاد العربية فيها تشيع بفئات كبيرة أو أعداد صغيرة ولكنه في مجموعه لا يكون كثرة إسلامية ولا عددا قريبا من الكثرة المطلقة وإن كان عددا كبيرا في جملته فالكثرة الكبيرة سنية بلا ريب وإننا نأمل أن يندمج الجميع في وحدة شاملة لا تكون فيها كثرة وقلة طائفية بل يكون فيها جمع موحد. وإن كانت فيه مذاهب مختلفة وتفسيرات للشريعة في دائرة المقررات الشرعية متعددة فتعدد التفسيرات في دائرة المقررات الإسلامية دليل على الحيوية الفكرية والانقسام إلى طوائف دليل على التفرق والانقسام، والفرق بين الأمرين عظيم ".

ويقول الأستاذ المستشار عبد الحليم الجندي في كتابه (الإمام الصادق ص 3): " فقد تأكد في كتابنا (توحيد الأمة العربية) أن " الوحدة القانونية " هي الطريقة المثلى لربط المسلمين في شتى أقطارهم بتشريع إسلامي شامل تضال دونه التشريعات المعاصرة في الغرب أو في الشرق. والفقه " الشيعي " واحد من النهرين اللذين تسقى منهما حضارة أهل الإسلام وإليه لجأ الشارع

11

المصري في هذا القرن لإجراء إصلاحات ذات بال في نظم الأسرة المصرية.

والإمام جعفر الصادق يقف شامخا في قمة فقه أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في الفقه إمام وحياته للمسلمين إمام. والمسلمون - اليوم - يلتمسون في كنوزهم الذاتية مصادر أصلية للنهضة مسلمة غير مخلطة ولا مستوردة ".

ويقول في (ص 6): " فالكتاب الحالي يبلغ غرضه إذا كان صوتا يدعو للوحدة والمسلمون تجمعهم أصول فكرية واحدة وإن اختلفت الفروع أو تعددت الآراء، وفي تعدد الآراء ثراء ".

هذا الاتجاه البناء الهادف إلى تقريب وجهات النظر بين المذاهب الفقهية المتعددة إن دل على شئ فإنما هو دليل على سعة الأفق وارتقاء درجة الوعي والفهم الحقيقي لطبيعة هذا الدين.

وخلال هذا البحث نود فحص بعض الأمور الفقهية البارزة التي كانت مثارا للجدال والنقاش لفترات عديدة حتى يومنا هذا وكانت تمثل موضع خلاف لا يرجي له نهاية. مع إننا إذا نظرنا إلى هذه المسائل بتجرد وموضوعية لوجدناها تستند إلى دلائل لا غبار عليها مستنبطة من مصادر التشريع المعتمدة لا سيما من كتب أهل السنة أنفسهم لكن الفجوة القائمة وانغلاق باب الحوار والعزلة الفكرية التي سادت بين الطرفين ردحا طويلا من الزمن أدت إلى طمس معالم هذه الدلائل وجعلتها خافية عن الأذهان.

وهذه المسائل قد تناولتها كثير من الرسائل والمصنفات ومن أهمها أبحاث سماحة الإمام العلامة السيد شرف الدين العاملي (قدس سره) وقد استقينا هذا البحث من عدة مصادر عند إخواننا الشيعة ذكرناها في آخره ولم نخصص موضعا لذكر المصادر السنية نظرا لإدراجها في ثنايا المواضيع مع تعيين كل منها.

وقد توخينا في هذا البحث أن نعرض وجهة نظر إخواننا كاملة وأدلتهم التي ساقوها واستندوا إليها بحذافيرها الواردة في كتب أهل السنة

12

المعتبرة وحرصنا على أن ننقلها كما هي من دون أن نمسها بشئ ولا يعدو دورنا في هذا المقام أن يكون بمثابة داعية خير قام بإزالة سوء الفهم القائم بين أخوين مسلمين أراد المغرضون أن يغرسوا بذور الشقاق والفرقة بينهما، بحيث يحول ذلك دون التقائهما.

ونلفت نطر القارئ الكريم إلى أننا قمنا قبل ذلك بتصنيف كتاب آخر بعنوان: (الوحدة العقائدية عند الشيعة والسنة) من أجل خدمة هذا الغرض النبيل نفسه، وهو وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم. فلا يفوتن الباحثين وكلاب الحقيقة مطالعته بالإضافة إلى مطالعة هذا البحث الذي بين يدي القارئ فإن في الإطلاع عليهما بغية الطالب ومنية الراغب في هذا المجال الحيوي، وهو توحيد صفوف المسلمين وطمس معالم الفرقة والتشتت التي دأب المستكبرون وأذنابهم على إشاعتها بينهم.

ونرجو أن نكون قد وفقنا في عرض رأي إخواننا وبيان نظرتهم بلا تزيد أو انتقاص حرصا على الأمانة العلمية التي أناطها الله بأعناق الدعاة إلى سبيله ورعاية لحقوق الأخوة التي أوجبها الله على المسلمين كافة.

والله تعالى من وراء القصد (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وعليه أنيب).

المؤلف

13

[ 1 ]

الجمع بين الصلاتين

إن الصلاة هي الركن الأعظم من الدين وعموده المتين وتحتل منه موقعا متميزا لم تشاركها فيه فريضة أخرى. وقد أوجب الله تعالى أداءها بانتظام والمحافظة عليها حتى في أوقات الشدة والخوف مثل الحرب والجهاد قال تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم..) [ النساء / 102 ].

وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " (1).

وبالرغم من هذا التشدد في أمر الصلاة والتأكيد على عدم التهاون في شأنها إلا أن الإسلام لم يزل دين اليسر والسهولة وما برح ينأى بأتباعه عن العنت والمشقة بل إنه يأبى التضييق في العبادة، لأن ذلك قد يفضي إلى تعسر أدائها ثم إلى تركها نهائيا.

ولذلك أدخل الإسلام تيسيرات كثيرة في الصلاة من أجل تسهيل القيام بها والمواظبة عليها تستوعب طبيعة أدائها وعدد ركعاتها وأوقاتها.

فأما ما يتعلق بطريقة الأداء فإن الإسلام قد أجاز لمن لا يستطيع أداءها قائما أن يؤديها قاعدا ومن لا يستطيع أن يؤديها قاعدا فلا حرج عليه أن يؤديها مضطجعا.

____________

(1) رواه مسلم وأحمد.

14

كذلك يمكن للجندي أثناء السير إلى الجهاد أن يؤديها وهو بداخل دبابته أو مصفحته على الوجه الذي يلائمه... وهكذا.

أما في ما يتعلق بعدد ركعاتها فإن الإسلام قد أجاز قصر الصلوات الرباعية بحيث يؤديها المسافر ثنائية وفق الشرائط المقررة لذلك وهذا - أيضا - من باب التيسير والتخفيف أثناء السفر.

أما في ما يخص أوقاتها فإن الإسلام قد أجاز الجمع بين الصلوات سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير تيسيرا لأدائها على المؤمنين ورفعا للضيق والحرج عنهم ولا خلاف بين أهل القبلة من المذاهب الإسلامية كلها في جواز الجمع أثناء الوقوف بعرفة بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم:

أي أداء العصر في وقت الظهر بعد أداء الأخيرة مباشرة كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير: أي أداء صلاة المغرب في وقت العشاء بدءا بصلاة المغرب ثم العشاء على الترتيب وهذا من المستحبات القطعية والسنن النبوية المؤكدة لكن الخلاف قد وقع في جواز الجمع في ما عدا هذين الموطنين.

فأما الحنفية فقد منعوا الجمع بين الصلاتين مطلقا في ما عدا الجمع في عرفة والمزدلفة بالرغم من توفر الأحاديث الصحيحة وتضافرها في جواز الجمع ولا سيما في السفر لكنهم تأولوها على صراحتها في ذلك وحملوها على محامل أخرى مثل الجمع الصوري، الذي هو عبارة عن تأخير الداء الصلاة إلى آخر وقتها ثم أدائها مع الصلاة التي تليها في أول وقتها.

وأما الشافعية والمالكية والحنبلية فقد أجازوا الجمع في السفر لكنهم اختلفوا في جوازه في عدة أعذار أخرى قد تبيحه مثل المطر والطين والمرض والمرأة المرضع أو المستحاضة وكذلك في شروط السفر المبيح له.

أما بالنسبة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فإنهم قالوا بجواز الجمع بين الصلاتين مطلقا وتبعهم في ذلك شيعتهم الآخذون بمذهبهم والعاملون

15

بفقههم فهم يجمعون غالبا بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء ولا فرق في ذلك إذا كان الجمع في سفر أو في حضر بعذر أو بغير عذر وكذلك الجمع عندهم جائز سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير بلا فرق. وكان هذا موضع خلاف بينهم وبين الجمهور. وقد احتجوا لذلك بالصحاح المتواترة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير أنهم احتجوا - أيضا - ببعض الصحاح المعتمدة عند أهل السنة التي تعضد رأيهم وتؤيدهم في ما ذهبوا إليه ونذكر هنا بعضا منها:

أخرج البخاري (في باب: تأخير الظهر إلى العصر من كتاب مواقيت الصلاة) بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة. قال: عسى " (1).

وأخرج أيضا (في باب: وقت المغرب) عن جابر بن يزيد عن ابن عباس قال: " صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعا جميعا وثمانيا جميعا " (2).

وأخرج الترمذي (في باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر) بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته " (3).

وأخرج مسلم في صحيحه (باب: الجمع بين الصلاتين):

- بسنده عن أبي زبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر قال أبو الزبير: فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟

____________

(1) صحيح البخاري: ج 1 ص 144.

(2) المصدر نفسه وأخرجه - أيضا - مالك في الموطأ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ص 125.

(3) صحيح الترمذي: ج 1 ص 355.

16

فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته ".

- بسنده عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

" جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟

قال: كي لا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته ".

- بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: " صليت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك ".

- بسنده عن عبد الله بن شقيق قال: " خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة.. الصلاة قال: فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة... الصلاة فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟! ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بم شقيق: فحاك في صدري من ذلك شئ فأتيت أبا هريرة فصدق مقالته ".

- بسنده - أيضا - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: " قال رجل لابن عباس: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! ".

قال النووي في شرحه على (صحيح مسلم): " هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب... " ثم قال: " منهم من تأوله على أنه جمع بعذر المطر وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين وهو ضعيف بالرواية الأخرى: " من غير خوف ولا مطر ". ومنهم

17

من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها وهذا أيضا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاهما فيه فلما فرغ دخلت الثانية فصلاهما فصارت صلاته صورة جمع وهذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل وفعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة ولأن المشقة فيه أشد من المطر " (1).

قلنا: إن هذا التأويل الأخير مردود من وجوه:

أولا: إن الأحاديث الواردة في الجمع مطلقة وليست مقيدة بمرض أو غيره.

ثانيا: إن الأحاديث جاءت بألفاظ متقاربة منها: " في غير خوف ولا مطر " والخوف يندرج تحته جميع الأسباب التي تدعو إليه من مرض وتعب وإرهاق وإرضاع وانشغال بأمر هام... إلى غير ذلك من الأعذار التي قد تسبب مشقة لصاحبها.

ثالثا: إنه لو فرض أن الجمع كان بعذر المرض ونحوه لكان قد جمع مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من يتوفر له العذر نفسه أما الباقون فلا يسوغ لهم الجمع.

وهذا يعارض ظاهر الأحاديث الواردة على إطلاقها.

رابعا: إن ابن عباس لم يكن يخطب في مستشفى بحيث يجبر غيره على الجمع بدليل أنه عنف الرجل الذي كان يلح في الصلاة قائلا له: " أتعلمني

____________

(1) مسلم بشرح النووي: ج 5 ص 218.

18

بالسنة لا أم لك..؟ " ثم قال: " رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ".

وهذا يدل بوضوح على أن ابن عباس قد أصاب السنة بعينها بدليل أن أبا هريرة - أيضا - أيده في فعله ولم يذكر عذرا واحدا لتقييد هذا الجمع وبالتالي تنتفي كافة الأعذار التي يمكن أن يتعذر بها المعارضون للجمع على إطلاقه.

ثم قال النووي في تكملة شرحه للأحاديث: " وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين واشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: " أراد أن لا يحرج أمته " فلم يعلله بمرض ولا غيره. والله أعلم ".

قلنا: بالرغم من أن هذا القول يشبه إلى حد كبير ما عليه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلا أننا لا ندري ما المقصود بقولهم: " للحاجة لمن لا يتخذه عادة " وبأي دليل جاؤوا بتلك العبارة: " لمن لا يتخذه عادة " وهل كان ابن عباس متكاسلا عن قولها حتى يفسح المجال لغيره كيما يقولها من بعده نيابة عنه؟!

وقال الحافظ في (الفتح) في شرح الحديث الوارد في (صحيح البخاري) عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

قال: " وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة.

وممن قال به: ابن سيرين وربيعة واشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال: فقلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج من أمته ". وللنسائي من طريق عمر وبن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما

19

شئ والمغرب والعشاء ليس بينهما شئ فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ثم جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه وما ذكره ابن عباس التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه: " جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج " (1).

مما تقدم يتبين لنا أن الجمع بين الصلاتين جائز على إطلاقه وأن الهدف من وراء ذلك هو رفع الحرج عن أفراد الأمة وإدخال اليسر والتوسعة عليهم بحيث يصبح في مقدور كل إنسان أن يؤدي الصلوات بانتظام من دون أدنى عسر أو مشقة.

قال تعالى: (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم..) [ الحج / 78 ].

ولا ريب أن هذا التيسير يساعد على المواظبة على أداء الصلوات والمحافظة عليها كما أن التشدد في وجوب التفريق على خمسة أوقات منفصلة قد أدى إلى تضييق نطاقها والتكاسل عن أدائها جملة لا سيما عند أهل المشاغل والمصالح وما أكثرهم.

ومما يدل - أيضا - على جواز الجمع مطلقا كتاب الله المجيد إذ يبين أن أوقات الصلوات المفروضة هي ثلاثة أوقات فحسب وهي وقت لفريضتي الظهر والعصر مشتركا بينهما ووقت لفريضتي المغرب والعشاء مشتركا بينهما ووقت ثالث لفريضة الصبح خاصة.

____________

(1) فتح الباري: ج 2 ص 20.

20

قال تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) [ الإسراء / 78 ].

قال الرازي حول تفسيرها: " فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب. وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت للزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر. وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا - أيضا - بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر لا يجوز من غير عذر فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر المطر وغيره " (1).

قلنا: لقد بحثنا في ما ذهب إليه بأن الجمع في الحضر لا يجوز من غير عذر فلم نجد له عينا ولا أثرا وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع في حال العذر وفي حال عدمه - أيضا - توسعة على أمته ورفعا للحرج عنها وتلك هي السنة العصماء التي جاء بها خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

____________

(1) التفسير الكبير للرازي: ج 21 ص 27.

21

[ 2 ]

المسح على الأرجل في الوضوء

إن الله - سبحانه - قد تعبد خلقه بعبادات كثيرة ومتنوعة وكل منها يؤدى بشكل معين وبترتيب محدد والعلة من وراء هذا الترتيب في أداء العبادة فضلا عن الغاية الكامنة في العبادة ذاتها غير معلومة على وجه التحديد ومن ثم تؤدى هذه العبادات بكل خضوع وإذعان وبشكل توقيفي دون البحث في الحكمة من كيفيتها أو الغاية من ورائها. ولا دخل للعقل في استكناه الحكمة من وراء الكيفية بل هو أمر يعتمد على الاستجابة الخالصة لما يمليه الشارع فحسب. ومن هنا اقتبس لفظ العبادة الذي يعبر عن الأمر الصادر من السيد المطلق - سبحانه وتعالى - إلى مخلوقة وما على هذا المخلوق إلا أن ينفذ هذا الأمر بحذافيره بوصفه عبدا خاضعا لسيده ومولاه.

والوضوء يمثل أحد الأعمال التعبدية التي يؤديها المسلم قبل الصلاة في حالة وجود الماء وتوفر القدرة على استعماله وله كيفية معينة قد ذكرها الله - سبحانه - في كتابه المجيد إذ يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين...) [ المائدة / 6 ].

قال الرازي عند بلوغه هذه الآية من (تفسيره الكبير) في المسألة الثامنة والثلاثين: " اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في (تفسيره) عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي والإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال الحسن

22

الأصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر بالحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل " (1). والذي عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو مسح الأرجل فرضا على سبيل التعيين وتبعهم في ذلك شيعتهم المتفقون أثرهم ولكن هل لهم من حجة تؤيدهم فيما ذهبوا إليه؟

هذا ما أورده الرازي في (تفسيره) حيث استطرد قائلا: " حجة من قال بوجوب المسح مبنية على القراءتين المشهورتين في (وأرجلكم) فقرا ابن كثير وحمزة وأبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب.

فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس كذلك وجب في الأرجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا الكسر على الجوار كما في قوله:

جحر ضب خرب أو: كبير أناس في بجاد مزمل؟

قلنا: هذا باطل من وجوه:

أولها: إن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يحتمل لأجل الضرورة في الشعر وكلام الله يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: إن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: جحر ضب خرب فإن المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: إن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

____________

(1) التفسير الكبير للرازي: ج 11 ص 161. وانظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري:

ج 2 ص 254: " واختلفوا في (وأرجلكم) فقرا نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بنصب اللام وقرأ الباقون بالخفض ".

23

وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا: إنها توجب المسح وذلك لأن قوله: (وامسحوا برؤوسكم) فرؤوسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء فإذا عطفت (الأرجل) على (الرؤوس) جاء في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس والجر عطفا على الظاهر وهذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله:

(وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) ويجوز أن يكون هو قوله: (فاغسلوا) لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى فوجب أن يكون عامل النصب في قوله (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) فثبت أن قراءة (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح أيضا. فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ".

نقول: هذه حجة من استدل بالآية المباركة - فحسب - على وجوب المسح على الأرجل في الوضوء.

ثم قال الرازي: " إن الأخبار وردت بإيجاب الغسل والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها ".

نقول: هذا القول الذي ذهب إليه الرازي بأن الغسل مشتمل على المسح وأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها لورود الأخبار بذلك هو قول مردود من وجوه:

أولا: القول بأن الغسل مشتمل على المسح يقتضي إدراج الرأس - أيضا - مع الأرجل لاشتراكهما في الحكم وهذا يستلزم غسل الرأس وذلك غير حاصل قط لأن التفريق بينهما يقتضي مصادرة الآية بالأخبار.

ثانيا: إن الله - عز وجل - قد أوجب شيئا اسمه (غسل) يختص بالوجوه

24

والأيدي وأوجب شيئا آخر اسمه (مسح) يختص بالرؤوس والأرجل وفرق بينهما. فما الذي خلط هذا بذلك وجعل هذا مشتملا على ذلك؟!

ثالثا: إن الغسل لغة له كيفية معينة وطريقة خاصة به كما هو معروف وكذلك المسح له كيفية مختلفة لغة وعرفا ولا يجوز أن يخلط بينهما أو أن يمتزج بعضهما ببعض.

رابعا: إن الاحتياط لا يتحقق إلا بالجمع بين المسح والغسل لكونهما حقيقتين مختلفتين كما ذهب إلى ذلك داود الأصفهاني والناصر بالحق من أئمة الزيدية حيث التبس الأمر عليهما وأوقعهما في حيرة بسبب التعارض بين الآية والأخبار فأوجبا الجمع بينهما عملا بهما معا. أما القول بأن الغسل مشتمل على المسح فهذه مغالطة واضحة.

خامسا: إذا تعارضت الأخبار مع النص القرآني الصريح فإنه يجب الأخذ بالقرآن قطعا والعمل به وأما الأخبار فإما أن تؤول بنحو من التأويلات ما أمكن لذلك سبيل أو تطرح نهائيا نظرا لتعارضها مع الكتاب القطعي.

ألا ترى أنه إذا جاء القرآن بقوله: (امسحوا) وجاءت الأخبار بقولها (اغسلوا) فبأيهما نأخذ؟

سادسا: ورد بعض الآثار الصحيحة الدالة على أن الواجب في الوضوء هو مسح الأرجل وفقا لكتاب الله تعالى.

قال الإمام الطبري في تفسيره لآية الوضوء:

" وقرأ ذلك آخرون من قراء الحجاز والعراق (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) بخفض (الأرجل) وتأول قارئو ذلك كذلك إن الله إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلها وجعلوا (الأرجل) عطفا على (الرؤوس) فخفضوها لذلك.

ثم روى الطبري عدة روايات في ذلك منها:

- عن ابن عباس قال: " الوضوء غسلتان ومسحتان ".

25

- عن حميد قال: " قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: خطب الحجاج فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم ظهورهما وبطونهما وعراقيبهما فإن ذلك أدنى إلى أخبثيكم. قال أنس: صدق الله وكذب الحجاج قال الله: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما " (1).

- عن عكرمة قال: " ليس على الرجلين غسل إنما أنزل فيهما المسح ".

- عن جابر عن أبي جعفر قال: " امسح رأسك وقدميك ".

- عن الشعبي قال: " نزل جبريل بالمسح " ثم قال الشعبي: " ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟! ".

- عن إسماعيل قال: " قلت لعامر (أي الشعبي): إن ناسا يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح ".

- عن قتادة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قال: " افترض الله غسلتين ومسحتين ".

ثم روي بعدة أسانيد عن علقمة ومجاهد والشعبي وأبي جعفر والضحاك أنهم كانوا يقرؤون (وأرجلكم) بالخفض (2).

قلنا: هذه جملة من الآثار الصحيحة تفرق بين الغسل والمسح وتثبت - صراحة - أن الواجب في الأرجل هو المسح لا غير والغريب - بعد هذا كله - أن هناك من يقول بأن الغسل مشتمل على المسح أو أن المقصود بالمسح هو الغسل الخفيف!!

____________

(1) هذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى: ج 1 ص 71. ونقول: الحمد لله أن قد علمنا أن الحجاج كان يرى غسل الأرجل ويأمر به!!

(2) تفسير الطبري: ج 10 ص 57.

26

وأخرج الحافظ ابن حجر في ترجمة تميم بن زيد من القسم الأول من (الإصابة): " قال ابن حبان: تميم بن زيد المازني له صحبة وحديثه عند ولده وروى البخاري في (تاريخه) وأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عمر والبغوي والطبراني والبارودي وغيرهم كلهم من طريق أبي الأسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوضأ ويمسح على رجليه. رجالة ثقات " (1).

وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في (مصنفه):

- عن قتادة عن عكرمة والحسن قالا في هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قالا: " نمسح الرجلين ".

- عن قتادة عن جابر بن يزيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: " افترض الله غسلتين ومسحتين ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين ". وقال رجل لمطر الوراق: من كان يقول المسح على الرجلين؟ فقال: " فقهاء كثيرون ".

- عن ابن جريج قال: " أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول:

قال ابن عباس: الوضوء مسحتان وغسلتان " (2).

نظرة في أخبار الغسل

والآن نلقي نظرة عابرة على بعض الأخبار التي استنبط منها الجمهور وجوب غسل الأرجل وهي تنقسم إلى قسمين:

أولا: منها ما هو غير دال صراحة على وجوب الغسل مثل الحديث الذي أخرجه الشيخان في (صحيحيهما) عن عبد الله بن عمرو وابن العاص

____________

(1) القسم الأول من الإصابة: ج 1 ص 307.

(2) المصنف: ج 1 ص 18.

27

قالا تخلف عنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر سافرناه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: " ويل للإعقاب من النار ".

وهذه الكلمة الأخيرة أي: " ويل للإعقاب من النار " قد وردت - أيضا - في حديث كل من أبي هريرة وعائشة.

وهذا لو صح فإنه يقتضي المسح لأنهم كانوا يعرفون كيفية الوضوء سلفا ومن ثم جعلوا يمسحون على أرجلهم كما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينكره عليهم بل أقرهم عليه وإنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم واختلاطها بالنجاسات ولا عجب من ذلك فإن فيهم أعرابا حفاة جهلة كثيرا ما يتبولون على أعقابهم ولا يلقون لذلك بالا لا سيما في السفر فتوعدهم بالنار لئلا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة.

ثانيا: ومنها ما هو دال على الغسل - كما في (الصحيحين) - عن حمران ابن أبان قال: " رأيت عثمان ابن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا... " إلى أن قال: " ثم غسل قدمه اليميني ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ نحو وضوئي هذا ".

ومثله حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري - الوارد في (الصحيحين) - وقد قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا... إلى أن قال: فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم فال: " هكذا كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... " إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت في هذا المعنى، وفيها نظر من وجوه:

أولا: إنها جاءت مخالفة للكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والإجماع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الموافق للكتاب في وجوب المسح.

28

ثانيا: إنها قد عورضت بما ذكرناه من أخبار صحيحة متعددة دلت على وجوب المسح وحسبك أن ابن عباس حبر الأمة ووعاء الكتاب والسنة كان يحتج في المسح فيقول: " افترض الله غسلتين ومسحتين ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين ".

وكان يقول: " الوضوء غسلتان ومسحتان ".

ولما بلغه أن الربيع بنت عفراء الأنصارية تزعم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضأ عندها فغسل رجليه أتاها يسألها عن ذلك وحين حدثته به قال - متعجبا -: " أن الناس أبوا إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح " (1).

ثالثا: إنها لو كانت حقا لفاقت حد التواتر ولم يكن ثمة معارض لها لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة لرجال الأمة ونسائها أحرارها ومماليكها وهي حاجة ضرورية فلو كان الواجب غير المسح المنصوص عليه في الآية لعلمه المكلفون في عهد النبوة وبعده ولكان مسلما بينهم ولتواترت أخباره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل عصر ومصر فلا يبقى مجال لإنكاره ولا للشك فيه ولما لم يكن الأمر كذلك فقد كانت تلك الأخبار موضع نظر وحيث إنها تعارضت مع أخبار أخرى توجب المسح فلا مناص من الرجوع إلى الكتاب الحكيم فهو الفيصل في الأمر وقد علمت أنه أوجب المسح.

نظرة في احتجاج الجمهور بالاستحسان

ربما احتج الجمهور على غسل الأرجل بأنهم رأوه أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل حيث إن القدمين لا ينقى دنسهما - غالبا - إلا بالغسل على عكس الرؤوس التي تنقى - غالبا - بالمسح.

____________

(1) أخرجه ابن ماجة في باب: ما جاء في غسل القدمين: ج 1 ص 156.

29

وقد قالوا إن المصالح المعقولة من الممكن أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع قد توخى فيها غايتين: إحداهما مصلحية والأخرى عبادية وأرادوا بالغاية المصلحية: الجانب الذي يتعلق بالأمور المحسوسة الظاهرة وبالغاية العبادية: الجانب الذي يتعلق بزكاة النفس وتطهيرها من الداخل.

والجواب عن ذلك: أن الشارع الحكيم قد لاحظ عباده وتوخى رشدهم في كل ما كلفهم به من أحكام الشريعة فلم يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم ولم ينههم إلا عما فيه مفسدة لهم لكنه - مع ذلك - لم يجعل تقرير المصلحة المتوخاة من وراء تلك الأحكام مرتبطا بآراء العباد وما تصل إليه أفكارهم بل تعبدهم بأدلة حكيمة قويمة قد انبثقت من منابع صافية عينها لهم فلم يترك لهم مجالا للعدول عنها إلى ما سواها.

وأول تلك الأدلة الحكيمة كتاب الله جل وعلا إذ هو المصدر الأول للتشريع المقدم على كل شئ وقد حكم بوجوب مسح الرؤوس والأرجل في الوضوء فلا محيص عن الإذعان لحكمه والتسليم لأمره.

أما نقاء الأرجل وخلوها من الدنس والقذر فلا بد من تحققه والتيقن منه قبل المسح عليها بأدلة خاصة قد أكدت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1) ولعل غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجليه الذي وردت به الأخبار إنما كان من هذه الناحية ولعله كان من باب التبرد أو كان تمهيدا لأعمال الوضوء أو بعد الانتهاء منها ولذلك عند ما رآه بعضهم ظن أن ذلك هو المفروض في الوضوء أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء والله - تعالى - أعلم.

____________

(1) ولذلك هناك الفلاحون والعمال من الشيعة الذين يسيرون حفاة ولا يهتمون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة فإنهم إذا أرادوا الوضوء قاموا بغسل أرجلهم وتنظيفا أولا ثم يتوضأون ويمسحون عليها نقية جافة.

30

ملاحظة هامة

أخرج ابن ماجة (في باب: ما جاء في غسل القدمين من سننه: ج 1 ص 155 حديث 456) عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: " رأيت عليا توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن أريكم طهور نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) ".

قال السندي - في تعليقه على الحديث -: " هذا رد بليغ على الشيعة القائلين بالمسح على الرجلين حيث الغسل من رواية علي ولذلك ذكره المصنف من رواية علي وبدا به الباب. ولقد أحسن المصنف وأجاد في تخريج حديث علي في هذا الباب جزاه الله خيرا قال: وظاهر القرآن يقتضي المسح كما جاء عن ابن عباس فيجب حمله على الغسل ".

وهذا الحديث لا تقوم به حجة حيث إنه ساقط من وجوه:

أولا: سند الحديث فقد رواه أبو حية الذي ترجمه الذهبي في باب الكنى من (ميزانه) فقال: " أبو حية بن قيس الخارفي الوادعي عن علي لا يعرف تفرد عنه أبو إسحاق بوضوء علي فمسح رأسه ثلاثا وغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ".

قال ابن المديني وأبو الوليد الفرضي: " مجهول " وقال أبو زرعة: " لا يسمى ". ثم إن هذا الحديث قد تفرد به أبو إسحاق وقد جاء في ترجمته من (الميزان) أنه ترك لأنه شاخ ونسي واختلط في آخر أيامه ولم يروه عنه سوى أبي الأحوص وزهير بن معاوية الجعفي فعابهما الناس بذلك ولا شك في أن المحدث إذ اختلط وجب طرح الأحاديث التي أم يتيقن صدورها عنه قبل اختلاطه سواء أعلم صدورها بعد الاختلاط كهذا الحديث أم جهل تاريخ صدوره لأن العلم الاجمالي في الشبهات المحصورة يوجب اجتناب الأطراف كلها كما هو مقرر في محله.

ثانيا: إن هذا الحديث يناقض القرآن المجيد القطعي وما عليه أئمة أهل

31

البيت (عليهم السلام) وأولهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من وجوب المسح ولذا فلا مندوحة عن طرحه جانبا.

معنى إلى الكعبين

الكعبان في آية الوضوء هما مفصلا الساقين عن القدمين كما هو وارد عن الإمام الباقر (عليه السلام). وجاء في (لسان العرب) (1): " أن ابن جابر سأل أحمد بن يحيى عن الكعب فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته فوضع السبابة عليه ثم قال: هذا قول المفضل ابن الأعرابي قال:

ثم أومأ إلى الناتئين وقال: هذا قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي قال:

وكل قد أصاب ".

وذهب الجمهور إلى أن الكعبين هنا إنما هما العظمان الناتئان في جانبي كل ساق وقد احتجوا لذلك بأنه لو كان الكعب مفصل الساق عن القدم لكان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا فكان ينبغي أن يقول: (وأرجلكم إلى الكعاب) كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا قال: (وأيديكم إلى المرافق).

والجواب: أنه لو قال هنا: (إلى المرفقين) لكان التعبير صحيحا بلا إشكال ويكون المعنى حينئذ: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى مرفقي كل منكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين من كل منكم) فتثنية الكلمتين في الآية وجمعهما على حد سواء في الصحة وكذلك جمع إحداهما وتثنية الأخرى ولعل بلاغة التعبير قد اقتضت ذلك.

____________

(1) لسان العرب لابن منظور الإفريقي مادة (كعب) ص 3888: " وسأل ابن جابر...

وقبله وفي المادة نفسها: قرأ ابن كثير وأبو عمر وأبو بكر عن عاصم وحمزة: (وأرجلكم) خفضا والأعشى عن أبي بكر بالنصب مثل حفص وقرأ يعقوب والكسائي ونافع وابن عامر: (وأرجلكم) نصبا وهي قراءة ابن عباس رده إلى قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) وكان الشافعي يقرأ: (وأرجلكم) بالنصب.

32

وقال الرازي - عند بلوغه آية الوضوء -: " وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم وهو قول محمد بن الحسن وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول: الطرفان الناتئان يسميان المنجمين. هكذا رواه القفال في تفسيره " (1).

____________

(1) التفسير الكبير للرازي: ج 11 ص 262.

33

[ 3 ]

المسح على الخفين

اختلف فقهاء الإسلام في المسح على الخفين والجور بين اختلافا كبيرا لا يتسع المجال لبحثه والإحاطة به في هذا المقام وبوجه عام فإن البحث عنه يتعلق بالنظر في جوازه أو عدم جوازه وفي شروطه وفي القدر المفروض مسحه وفي كيفية المسح المسنونة وفي مدة المسح عليهما وفي مكروهاته وفي نواقضه.

ويمكن الرجوع إلى بحث هذه الأمور تفصيلا في موضعها من كتب الفقه المقارن مثل: (موسوعة الفقه الإسلامي) و (الفقه على المذاهب الأربعة) وغيرهما وإنما الذي يعنينا هنا هو أصل الجواز لأنه يشكل مدار البحث ونطاقه الذي نقصد إليه. أما الجواز ففيه ثلاثة أقوال:

أولا: الجواز مطلقا سفرا وحضرا.

ثانيا: الجواز في السفر دون الحضر.

ثالثا: عدم الجواز مطلقا لعدم ثبوته وقد جاء ذلك في رواية عن مالك كما نقله عنه الفقيه ابن رشد في كتابه (بداية المجتهد: ج 1 ص 14).

وقد اتفق الجمهور على أصل جوازه - بغض النظر عن الشروط التي أخلفوا فيها لذلك - وذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى عدم جوازه وتمسك بذلك شيعتهم العاملون على منهجهم والروايات عندهم كثيرة جدا في هذا الموضوع تنفي جواز المسح على الخفين نفيا قطعيا سواء كان ذلك في الحضر أو في السفر.

34

وحجتهم في هذا كتاب الله تعالى إذ يقول: (... وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين...) وذلك يقتضي - صراحة - المسح على الأرجل مباشرة فمن أين جاء المسح على الخفين؟! أم أن هذه الآية منسوخة؟! أم هي من المتشابهات؟!

كلا بل هي - الإجماع - من المحكمات البينات وقد أطبق المفسرون على أن " سورة المائدة " المشتملة على آية الوضوء لا يوجد فيها منسوخ إلا آية واحدة هي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) [ المائدة / 2 ]، فقد ذهب بعضهم إلى نسخها دون ما سواها من آيات تلك السورة المباركة (1).

أما الأخبار الدالة على الترخيص بالمسح على الخفين فإنها موضوع نظر من وجوه:

أولا: أنها جاءت مخالفة لكتاب الله تعالى والمأثور عن الرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: " إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه " (2).

ثانيا: أنها جاءت متعارضة في نفسها ومتضاربة في دلالاتها ولذلك كثر الاختلاف بين مصححيها العاملين على مقتضاها فإنهم إنما تعارضوا في أقوالهم وتعددت آراؤهم نظرا لتعارض هذه الأخبار التي استندوا إليها في أقوالهم (3).

ثالثا: إجماع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على القول بعدم جواز المسح على حائل سواء في ذلك الخف والجورب والحذاء وغيرها من سائر الأجناس

____________

(1) التفسير الكبير للرازي: ج 11 ص 163.

(1) المصدر نفسه.

(3) نقل ابن رشد في بداية المجتهد: ج 1 ص 15 حيث ذكر اختلافهم في تحديد محل المسح على الخفين فقال: سبب اختلافهم تعارض الأخبار في ذلك. ونقل ذلك أيضا في ص 16 حيث ذكر اختلافهم في توقيت المسح إذ قال: والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك.

35

والأنواع التي تحول دون وصول الماء إلى العضو وأخبارهم المروية من طريق شيعة الإمامية صريحة في معارضة تلك الأخبار الواردة في الجواز والقاعدة المطردة في الأخبار المتعارضة هي تقديم ما وافق كتاب الله عز وجل وبخاصة إذا تكافأت سندا ودلالة.

رابعا: إنها لو كانت حقا لتواترت في كل عصر ومصر لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة - كما أومأنا إليه من قبل - لجميع رجال الأمة ونسائها وهي حاجة ضرورية لهم في كل يوم وليلة من أوقات سفرهم وإقامتهم فلو كانت غير المسح المنصوص عليه في الآية لعلمه المكلفون في عهد النبوة وبعده ولكان مسلما بينهم في كل جيل لا سيما إذا جاء على هذا النحو من حيث كونه عبادة محضة غير معقولة المعنى غريبة في باب العبادات تستوجب الشهرة بهذه الغرابة ولما لم يكن الأمر على تلك الدرجة المطلوبة من التواتر فإنه يسحب الثقة من هذه الأخبار.

خامسا: إنه لو فرض صحتها لوجب أن تكون منسوخة بآية " المائدة " لأنها آخر سورة نزلت وبها أكمل الله الدين وأتم النعمة ورضي الإسلام دينا فواجبها واجب إلى يوم القيامة وحرامها حرام إلى يوم القيامة.

وقد نصت على ذلك أم المؤمنين عائشة حيث قالت لجبير بن نفير - عندما حج فزارها: " يا جبير تقرأ " المائدة "؟ فقال: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه " (1). لكن الجمهور قد تشبثوا في بقاء حكم المسح على الخفين بعد نزولها بحديث جرير الذي رواه مسلم بسنده عن إبراهيم عن همام قال:

" بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له: تفعل هذا؟! فقال: نعم

____________

(1) أخرجه الحاكم في أول تفسير " سورة المائدة " من المستدرك: ج 2 ص 311 ثم أخرج حديثا نحوه عن عبد الله بن عمرو وقال بعد إيراد كل من الحديثين: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أورده الذهبي في التلخيص معترفا بصحته على شرط الشيخين وحديث جبير بن نثير رواه أحمد والنسائي أيضا.

36

رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بال ثم توضأ ثم مسح على خفيه ". قال إبراهيم: " كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة " (1).

والجواب عن ذلك: إن جرير بن عبد الله إنما أسلم قبل نزول " سورة المائدة " فقد جاء في ترجمته من (الإصابة): " ففي (الصحيحين) عنه (أي جرير) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: استنصت الناس في حجة الوداع وجزم الواقدي بأنه قد وفد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر رمضان سنة عشر وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك وأنه وافى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع من عامه قال الحافظ: وفيه عندي نظر لأن شريكا حدث الشيباني عن الشعبي عن جرير قال: قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أخاكم النجاشي قد مات - الحديث أخرجه الطبراني فهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر لأن النجاشي مات قبل ذلك " (2). ومعلوم أن موت النجاشي إنما كان قبل نزول " سورة المائدة " حيث أنه قد توفي السنة العاشرة بلا كلام في هذا.

وثمة تشبت؟؟؟ آخر اورده القسطلاني حيث يقول - عند شرح حديث المسح على الخفين من (إرشاد الساري) -: " وليس المسح بمنسوخ لحديث المغيرة الصريح بمسح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خفيه في غزوة تبوك وهي آخر غزواته و " المائدة " نزلت قبلها في غزوة المريسيع... " إلى آخر كلامه.

والجواب: أن غزوة المريسيع هي غزوة بني المصطلق كانت في شعبان سنة خمس وقيل: سنة أربع - كما نقله البخاري عن موسى بن عتبة عند ذكرها من كتاب (المغازي) - وقيل: سنة ست للهجرة وقد نزلت بعدها

____________

(1) قال النووي في تعليقه على هذا الكلام من شرحه لمسلم: ج 3 ص 164: " معناه أن الله تعالى قال في " سورة المائدة ": (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم...) فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول " المائدة " لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية " المائدة " فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به.. " إلى آخر ما ذكره.

قلنا: من أين لنا العلم بتأخر إسلامه وقد تبينا أنه كان قبل نزول " سورة المائدة "؟! كما في الجواب.

(2) الإصابة القسم الأول: ج 2 ص 76.

37

" المائدة " وكثير من السور وإنما نزلت فيها آية التيمم الواردة في " سورة النساء " في قوله تعالى: (... وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) [ النساء / 43 ].

والرواية في ذلك ثابتة عن عائشة أخرجها الواحدي في كتابه (أسباب النزول ص 113) فراجعه لتكون على بينة من أن القسطلاني قد اشتبهت عليه آية الوضوء بآية التيمم.

سادسا: إن عائشة أم المؤمنين كانت تنكر المسح على الخفين أشد الإنكار وابن عباس - وهو حبر الأمة ووعاء الكتاب والسنة - كان من المنكرين أيضا وقد اشتد كل منهما في رده ودفعه فهذه عائشة تقول: " لئن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين " وهذا ابن عباس يقول:

" لئن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على الخفين " وقد نقل هاتين الروايتين الرازي - عند تفسير آية الوضوء - من (تفسيره الكبير) (1). وإننا إذا تأملنا هذه اللهجة الشديدة من الإنكار وجدنا أنها لا تتناسب مع اعتبار هذه الأخبار بل لا تتناسب مع مجرد احترامها وإذا كانت هذه هي أقوال المعاصرين لتلك الأخبار العارفين بصحيحها وسقيمها فكيف يتسنى لنا الركون إليها على بعدنا المديد عنها قرونا طويلة؟! وأن من أمعن النظر - متجردا - في إنكار أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس وسائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فإنه يضطر إلى الشك في أمر تلك الأخبار. ومن هنا لا يمكن الايقان بتواترها بل إن القول بذلك يعد غلوا ومبالغة وإلا فكيف يجهلها هؤلاء الكرام البررة أو يتجاهلونها؟!

والذي يدل على مدى الشك والريب الذي كان يختلج في النفوس من جراء هذا العمل هو أن الناس كانوا يستغربونه ويرتابون في جوازه حتى أن

____________

(1) التفسير الكبير للرازي: ج 11 ص 163.

38

جريرا عندما توضأ ومسح على خفيه قيل له - في استغراب ودهشة -:

تفعل هذا؟!!

وكأنهم كانوه يستغربونه إذ أن معرفته لا بد من أن تكون بديهية لهم لأنها تتعلق بأمر الطهارة التي يطلبها المرء كل يوم وليلة على نحو الضرورة.

وكذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في (صحيحه) عن ابن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه مسح على الخفين وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: " نعم إذا حدثك سعد شيئا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تسأل عنه غيره " (1).

وهنا - أيضا - نجد أن ابن عمر استغرب هذا الأمر من سعد واندهش له ومن ثم ذهب إلى أبيه عمر كيما يسأله عنه وهذا يدل على أنه لم يكن مشهورا بل معروفا فكيف به متواترا؟!

وكذلك الإمام مالك في إحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين (2).

____________

(1) صحيح البخاري: ج 1 ص 62.

(2) تفسير الرازي: ج 11 ص 163 والقرطبي: ج 3 ص 2097.

39

[ 4 ]

السجود على الأرض

إن السجود يعد من أجل العبادات وأعظم الأعمال قربة عند الله حتى قال عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " (1).

وذلك لما فيه من التذلل والخضوع لله جل وعلا وأنه مظهر من مظاهر التواضع لعظمته سبحانه وأنه تعبير لما يكنه العبد من ولاء وتقديس لمولاه الجليل ولذلك قد ندب إليه الشرع في مواطن أخرى غير الصلاة مثل سجود التلاوة عند ذكر آيات معينة من القرآن المجيد وسجود الشكر.

والواجب في كل ركعة من الصلاة سجدتان وذهب إخواننا الشيعة الإمامية إلى أن السجود لا يصح إلا على الأرض مباشرة أو ما نبت منها شريطة أن لا يكون ماكولا أو ملبوسا لما دلت عليه الأخبار الصحيحة المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام). كما أنه يناسب الغاية من السجود فإن السجود على الأرض مباشرة أدعى إلى الشعور بالذل والصغار إمام الله عز وجل إذ أنه يذكر الإنسان بعنصره الحقيقي ومنبته الأصلي ويبعد عنه مظاهر الدنيا الزائفة التي يتعلق بها طيلة حياته.

حجة الإمامية

ولننظر - الآن - في ما احتج به الإمامية من أدلة على وجوب السجود على الأرض:

____________

(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.

40

أولا: الأخبار الدالة على السجود على الأرض:

- أخرج البخاري ومسلم في (الصحيحين) من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ".

- وفي لفظ الترمذي: " جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا ".

أخرجه عن علي وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وجابر وابن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر.

- وفي لفظ البيهقي: " جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ".

- أخرج النسائي عن أبي ذر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: الأرض لك مسجد فحيثما أدركت الصلاة فصل " (1).

- أخرج الحاكم في (مستدركه) عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سجد على الحجر (2).

قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي في (التلخيص).

- أخرج الشيخان في (صحيحيهما) في باب: التماس ليلة القدر من حديث أبي سعيد الخدري وفيه قال: " أقيمت الصلاة فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته ".

وأخرج البيهقي في (السنن الكبرى) عدة أحاديث منها:

- عن جابر بن عبد الله قال: " كنت أصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الظهر فآخذ قبضة من الحصى في كفي حتى تبرد واضعها بجبهتي إذا سجدت من شدة الحر " (3).

____________

(1) سنن النسائي: ج 2 ص 32.

(2) المستدرك: ج 3 ص 473.

(3) رواه أحمد أيضا في مسنده: ج 1 ص 327.

41

قال البيهقي: " قال الشيخ (رحمه الله): ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف ووضعها للسجود عليها ".

- عن خباب بن الإرث قال: " شكونا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شدة الرمضاء في جباهنا واكفنا فلم يشكنا " (1) (أي: لم يقم بإزالة شكوانا وقيل:

إنه منسوخ بحديث جواز الابراد بالصلاة).

- عن صالح بن حيوان السبائي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبهته.

- عن عبد الله القرشي - مرسلا - قال: " رأى رسول الله صلى الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: ارفع عمامتك فأومأ بيده: ارفع عمامتك وأومأ إلى جبهته ". (كور العمامة: محيطها الدائري).

- عن ابن أبي ليلى عن علي (عليه السلام) قال: " إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته ".

- عن نافع أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض.

- عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر عن جبهته.

- عن أنس بن مالك قال: " كنا نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في شدة الحر فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه ".

قال البيهقي: " قال الشيخ: وأما ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السجود على كور العمامة فلا يثبت شئ من ذلك وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذلك قال في الحديث

____________

(1) رواه مسلم أيضا في باب: استحباب الابراد بالظهر: ج 5 ص 121.

42

المروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل منهم على عمامته قال: وهذا يحتمل أن يكون أراد يسجد الرجل منهم على عمامته وجبهته والاحتياط بغرض السجود أولى " (1).

وأخرج الشافعي في كتابه (الأم) بسنده عن رفاعة بن رافع بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر رجلا إذا سجد أن يمكن وجهه من الأرض حتى تطمئن مفاصلة ثم يكبر فيرفع رأسه ويكبر فيستوي قاعدا يثني قدميه حتى يقيم صلبه ويخر ساجدا حتى يمكن وجهه بالأرض وتطمئن مفاصله فإذا لم يصنع هذا أحدكم لم تتم صلاته.

قال الشافعي: " ولو سجد على بعض جبهته دون جميعها كرهت ذلك ولم يكن عليه إعادة لأنه ساجد على جبهته ولو سجد على أنفه دون جبهته لم يجزه ذلك لأن الجبهة موضع السجود وإنما سجد - والله أعلم - على الأنف لاتصاله بها ومقاربته لمساريها ولو سجد على خده أو على صدغه لم يجزه السجود وإن سجد على رأسه فماس شيئا من جبهته الأرض أجزاه السجود إن شاء الله تعالى ولو سجد على جبهته ودونها ثوب أو غيره لم يجزه السجود إلا أن يكون جريحا فيكون ذلك عذرا ولو سجد عليها وعليها ثوب متخرق فماس شيئا من جبهته على الأرض أجزأه ذلك لأنه ساجد وشئ من جبهته على الأرض وأحب أن يباشر راحتيه الأرض في البرد والحر فإن لم يفعل وسترهما من حر أو برد وسجد عليهما فلا إعادة عليه ولا سجود سهو) (2).

نقول، هذا يدل بوضوح ظاهر على وجوب السجود على الأرض مباشرة.

وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في (مصنفه باب: الصلاة على الصفا والتراب) عدة أحاديث منها:

____________

(1) السنن الكبرى: ج 2 ص 105.

(2) الأم للشافعي: ج 1 ص 99.

43

- عن خالد الحذاء قال: " رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صهيبا يسجد كأنه يتقي التراب فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ترب وجهك يا صهيب " (1).

- عن عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متقيا وجهه بشئ ".

(تعني في السجود).

- عن عبد الكريم بن أمية قال: " بلغني أن أبا بكر كان يسجد أو يصلي على الأرض مفضيا إليها ".

- عن أبي عبيدة قال: " كان ابن مسعود لا يسجد إلا على الأرض " (2).

- عن الثوري قال: " أخبرني محل عن إبراهيم أنه كان يقوم على البردي ويسجد على الأرض قلنا: ما البردي؟ قال: الحصير " (3).

- عن ابن عيينة قال: " قلت لعطاء: أرأيت إنسانا يصلي وعليه طاق في برد فجعل يسجد على طاقه ولا يخرج يديه؟ قال: لا يضره قلت:

فلغير برد؟ قال: أحب إلي أن يسوي بينها وبين الأرض فإن لم يفعل فلا حرج قلت: أحب إليك أن لا يصلي على شئ إلا على الأرض ويدع ذلك كله؟ قال: نعم ". (الطاق: نوع من الثياب).

- عن ابن جريج قال: " قلت لعطاء: كان ينهي عن مسح التراب للوجه؟

قال: نعم. ويقال: إذا رأيت شيئا تكرهه فأخره قلت: أي شئ؟ قال: قد سمعنا ذلك وأحب إلي أن لا تمسحها قلت: أرأيت لو مسحت؟ قال: فلا تعد ولا تسجد سجدتي السهو ".

____________

(1) روى الترمذي من حديث أم سلمة قالت: رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال: " يا أفلح ترب وجهك ".

(2) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد: ج 2 ص 57.

(3) المصدر نفسه.

44

- عن أبي ذر أنه قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إذا قام أحدكم للصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسحن الحصى " (1).

- عن أبي ذر قال: " سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كل شئ حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة أو دع) (2).

- عن أبي ذر قال: " رخص في مسحة للسجود وتركها خير من مائة ناقة سود ".

وفي رواية أخرى عنه قال: (إذا دنت الصلاة فامش على هيئتك فصل ما أدركت وأتمم ما سبقك ولا تمسح الأرض إلا مسحة وأن تصبر عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدقة ".

وفي رواية عن محمد بن طلحة وعبد الله بن عياش أبي ربيعة قالا: " مر أبو ذر وأنا أصلي فقال: إن الأرض لا تمسح إلا مسحة ".

- عن أبي سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل له في مسح الحصى في الصلاة فقال: " إن كنت فاعلا فواحدة " (3).

- عن عبد الرحمن بن زيد قال: " كان عبد الله بن زيد يسوي الحصى بيده مرة واحدة إذا أراد أن يسجد ويقول في سجوده: لبيك اللهم لبيك وسعديك ".

- عن يحيى بن كثير قال: (سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلا يقلب الحصى في الصلاة في المسجد فلما انصرف قال: من الذي كان يقلب الحصى في الصلاة؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله قال: فهو حظك من صلاتك) (4).

____________

(1) رواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

(2) رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مسح الحصى في الصلاة فقال: " واحدة ولئن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق ".

(3) عن معيقب أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة تسوي الحصى رواه أصحاب الصحاح الستة.

(34) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد: ج 2 ص 86.

45

- عن ابن جريح قال: " قلت لعطاء: كانوا يشددون في المسح للحصى لموضع الجبين ما لا يشددون في مسح الوجه من التراب؟ قال: أجل ها الله إذا ". (ها: للتنبيه وأداة القسم محذوفة معناه: والله إذا).

وفي باب: متى يمسح التراب عن وجهه:

- عن ابن جريج قال: (قلت لعطاء: نفضت يدي من التراب قبل أن أفرغ من الصلاة قال: ما أحب ذلك ".

- عن قتادة أنه كان يمسح جبهته إذا فرغ من الصلاة قيل أن يسلم.

- عن ابن جريج عن عطا قال: " يقال: إن استطعت أن لا تمسح بوجهك من التراب حتى تفرغ من صلاتك فافعل وإن مسحت فلا حرج وأحب إلي أن لا تمسح حتى تفرغ قال عطاء: " وكل ذلك أصنع ربما مسحت قبل أن أفرغ من صلاتي وربما لم أمسح حتى أفرغ من صلاتي " (1).

نقول: كل هذه الأحاديث والآثار الصحيحة المتضافرة تدل دلالة قاطعة على أن المعمول به في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة (رضوان الله عليهم) والتابعين لهم بإحسان هو السجود على الأرض لا غير حتى أنهم كانوا يلاحظون تسوية الحصى قبل السجود على الأرض ويتوخون في جواز ذلك المقدار المسموح به كذلك الحرص على معرفة جواز مسح الوجه من التراب ومتى يكون.

كل ذلك يؤكد على أنه مدار العمل هو السجود على الأرض مباشرة وعدم العدول إلى ما سواها فما بالك بمن استبدل بذلك الفرش الوثيرة والسجاجيد الناعمة؟!

ثانيا: في ما ورد من السجود على الخمرة والحصير:

جاء في (لسان العرب): الخمرة: حصيرة أو سجادة صغيرة تنسج من

____________

(1) المصنف: ج 1 ص 391 و 392 وج 2 ص 38.

46

سعف النخل وترمل بالخيوط... قال الزجاج: سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض.

(اللسان) مادة (خمر) ص 1261.

- أخرج البخاري في باب الصلاة على الخمرة عن عبد الله بن شداد عن ميمونة أم المؤمنين قالت: " كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي على الخمرة " (1).

- أخرج مسلم - في كتاب الحيض - عن عائشة قالت: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ناوليني الخمرة من المسجد قالت: فقلت: إني حائض فقال:

إن حيضتك ليست في يدك " (2).

- أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي على الخمرة " (3).

- عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: (كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حصير وخمرة يصلي عليها) (4).

- عن أنس بن مالك قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي على الخمرة ويسجد عليها " (5).

- أخرج البخاري - في باب: الصلاة على الحصير - عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لطعام صنعته له فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث

____________

(1) البخاري: ج 1 ص 107.

(2) مسلم: ج 3 ص 209.

(3) الترمذي: ج 2 ص 126.

(4) أخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وعن أم حبيبة مثله صحيحا كما في مجمع الزوائد: ج 2 ص 57.

(5) أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير بأسانيد بعضها صحيح رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد: ج 2 ص 57.

47

فنضحته بماء فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واليتيم معي والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين (1).

نقول: هذه الأخبار الواردة وفي بعضها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل بيتا فيه فحل (2) فكسح ناحية منه ورش فصلى عليه (3).

فإنها تدل على جواز السجود على ما خرج من الأرض بحيث يكون غير ملبوس ولا مأكول ولا ريب أن الخمرة والفحل والحصير المصنوعة من سعف النخيل من موارد ذلك كما لا يخفى.

ولذلك قال الحافظ في (الفتح) في شرحه لحديث ميمونة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي على الخمرة: " قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع فلا يكون فيه مخالفة للجماعة وقد روى ابن أبي شيبة أن ابن الزبير كان يكره الصلاة على شئ دون الأرض وكذا روى عن غير عروة بن الزبير ويحتمل أن يحمل على كراهة التنزيه.

والله أعلم " (4).

ثالثا: في ما ورد من السجود على غير الأرض لعذر:

- أخرج البخاري - في باب: السجود على الثوب في شدة الحر - عن أنس بن مالك قال: (كنا نصلي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود " (5).

____________

(1) البخاري: ج 1 ص 107.

(2) الفحل: حصير معمول من سعف فحال النخل وقيل: حصيرة أصغر من المصلى وقيل:

الخمرة: الحصير الصغير الذي يسجد عليه.

(3) السنن الكبرى للبيهقي: ج 2 ص 436.

(4) فتح الباري: ج 1 ص 388.

(5) البخاري: ج 1 ص 107.

48

- أخرج مسلم - في باب: استحباب تقديم الظهر - عن أنس قال: " كنا نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه " (1).

قال الشوكاني في (نيل الأوطار): " الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء الحر وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل لتعليق بسط الثوب بعدم الاستطاعة وقد استدل بالحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة والجمهور " (2).

- أخرج ابن ماجة في (سننه) عن أنس بن مالك قال: " كنا إذا صلينا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر " (3).

قال السندي في شرحه: " الظهائر ": جمع ظهيرة وهي شدة الحر نصف النهار " سجدنا على ثيابنا ": الظاهر أنها الثياب التي هم لابسوها ضرورة أن الثياب في ذلك الوقت قليلة فمن أين لهم ثياب فاضلة؟ فهذا يدل على جواز أن يسجد المصلي على ثوب هو لابسه كما عليه الجمهور.

وعلى هذه الصورة يحمل ما جاء عن ابن عباس قال: " رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسجد على ثوبه " (4). وما جاء عن الحسن أنه قال: " كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه " (5). وراجع - أيضا - ما قاله البيهقي حوله في (سننه الكبرى) في ما مر عليك آنفا.

تنبيه:

هناك حديث مرفوع أخرجه أحمد في (مسنده):

____________

(1) مسلم: ج 5 ص 121.

(2) نيل الأوطار: ج 2 ص 289.

(3) ورواه النسائي في السنن: ج 2 ص 216.

(4) أخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير. (5) البخاري: ج 1 ص 107.

49

عن محمد بن ربيعة عن يونس بن الحرث الطائفي عن أبي عون عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي أو يستحب أن يصلي على فروة مدبوغة " (1).

والاستدلال بهذا الحديث ساقط من وجوه:

أولا: إن الحديث لا يدل على القدر الواجب من السجود المتعلق بالجبهة إذ لا يوجد ملازمة بين الصلاة على الفروة والسجود عليها فلربما قام للصلاة عليها حين كان يضع جبهته على ما يصح السجود عليه.

ثانيا: إنه لو فرض أن المقصود على الفروة هو السجود عليها فإن ذلك يعارض السنة القطعية القاضية بوجوب السجود على الأرض.

ثالثا: ضعف سند الحديث بحيث لا يقوم به حجة في مجال الأحكام ففيه يونس بن الحرث قال أحمد: " أحاديثه مضطربة ". وقال عبد الله بن أحمد:

" سألته عنه مرة فضعفه ". وعن ابن معين: " لا شئ ". وقال أبو حاتم: " ليس بالقوي ". وقال النسائي: " ضعيف ". وقال مرة: " ليس بالقوي ". وقال ابن أبي شيبة: " سألت ابن معين عنه فقال: كنا نضعفه ضعفا شديدا ". وقال الساجي: " ضعيف إلا أنه لا يتهم بالكذب " (2).

وفيه - أيضا - أو عون عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي. ترجمه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) فنقل عن أبيه قوله: " هو مجهول ". وقال ابن حجر: " حديثه عن المغيرة مرسل ".

صفوة القول

هذه خلاصة ما أوردناه من الصحاح والمسانيد مرفوعا وموقوفا في ما يصح السجود عليه وهي تدل على أن الأصل في ذلك - مع وجود القدرة

____________

(1) مسند أحمد: ج 4 ص 254.

(2) تهذيب التهذيب: ج 11 ص 437.

50

والاستطاعة - هو السجود على الأرض مباشرة أو على ما نبت منها غير مأكول ولا ملبوس أخذا بأحاديث الخمرة والفحل والحصير المصنوعة من سعف النخيل ولا يمكن العدول عنها إلى غيرها عن فقدان العذر أما في حالة وجود عذر مانع عنها فإنها يمكن السجود على الثوب المتصل بالمصلي فحسب دون الثوب المنفصل لعدم وروده في السنة وأما السجود على الفرش والسجاد والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير والثوب المنفصل وغيرها فإن ذلك مما أحدثه الناس واخترعوه ولا يوجد دليل يعتد به يسوغ السجود عليها ولم يرد أي مستند قوي يمكن الركون إليه والتعويل عليه فها هي الصحاح الستة الكفيلة ببيان الشرائع والأحكام ليس فيها حديث يمكن الأخذ به في هذه المسألة وكذلك سائر كتب الحديث والسنن المعتمدة في القرون الثلاثة الأولى وهي خير القرون لا يوجد بها أثر صحيح صريح يقم به الاستدلال وتنهض به الحجة على جواز ذلك.

وقد أخرج الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده في (مصنفه) الجزء الثاني عن سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين " أن الصلاة على الطنفسة محدث ". (الطنفسة: النمرقة فوق الرحل وقيل: هي البساط الذي له خمل رقيق).

السجود على تربة كربلاء

قد تبين - مما تقدم - أن السجود على الأرض مباشرة هو الأصل المعمول به على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان وهو الذي يلتزم به إخواننا الشيعة الإمامية حتى يومنا هذا ولا يحيدون عنه قيد أنملة فهم يسجدون على الأرض شريطة التأكد من عدم نجاستها وخلوها من الأقذار ويستحبون من بين تراب الأرض تربة كربلاء حيث استشهد بها أبو الأحرار وسيد الشهداء أبو عبد الله الحسين بن علي (عليه السلام) الذي خرج في ثلة من أهل بيت النبوة الأطهار (عليهم السلام) وصحابته الأبرار من أجل مقارعة الظلم والطغيان والإثم والعدوان المتمثل في طاغية

51

عصره وطاغوت دهره يزيد بن معاوية الذي تسلط على رقاب المسلمين بغير الحق وأذاقهم صنوفا وألوانا من المحن والمصائب من قتل وتشريد وانتهاك للحرمات والمقدسات وإهلاك للحرث والنسل وضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق وإحراقها وتدنيس حرمة المدينة المنورة واقتحامها وإباحتها وقتل الصحابة الأبرار فيها في وقعة الحرة وتخريب بيوتهم ونهب أموالهم وهتك أعراض بناتهم... إلى غير ذلك من الجرائم البشعة التي تقشعر الأبدان عند ذكرها وترعد الفرائص من مجرد سماعها وتشمئز النفوس من هؤلاء المجرمين الذين اقترفوها.

وقد سجل التاريخ أروع ملحمة بطولية على أرض كربلاء التي ارتوت بدماء الحسين (عليه السلام) وأهل بيته الأطهار وصحابته الأبرار تلك الدماء التي أريقت على صعيدها من أجل عزة الإسلام وإعلاء كلمة الله في يوم عاشوراء وقد دلت بعض الأحاديث على فضل هذه التربة الطاهرة ومكانتها السامية فترى الواحد منهم يحمل معه تربة نقية طاهرة منها كيما يسجد عليها لله رب العالمين.

ولا شك أنه أمر مستحسن فطريا أن يتخذ المصلي لنفسه تربة طاهرة طيبة يتأكد من طهارتها بخلوها من النجاسات ولا فرق في ذلك بين أن تكون من هذه الأرض أو تلك من حيث الأصل الواجب فهي كلها في الشرع سواء لا امتياز لإحداهن على الأخرى في جواز السجود عليها وما ذلك الحرص والاهتمام إلا لحفاظ المصلي على طهارة جسده وملبسه ومصلاه. وعليه فإن المسلم يقوم باتخاذ صعيد طيب لنفسه يسجد عليه في حله وترحاله وفي سفره وإقامته لا سيما في حال السفر لعدم الثقة بطهارة كل أرض ينزل بها ويتخذها مسجدا من المدن والفنادق وردهات المنازل والساحات العامة والمطارات ومحطات وسائل المواصلات المختلفة التي تشهد فئات من البشر من مختلف الملل والأجناس... من المسلمين وغيرهم من أخلاط الناس الذين لا يبالون ولا يكترثون لأمر الدين وبخاصة موضوع الطهارات والنجاسات.

52

فأي مانع - عندئذ - من أن يحتاط المسلم لدينه ويتخذ معه تربة طاهرة يطمئن بنقائها وطهارتها يسجد عليها في صلاته متوخيا الحيطة ومحترزا من السجود على الأرجاس والنجاسات التي لا تسوغ السنة الشريفة السجود عليها ولا تقبله الفطرة السليمة لا سيما وإن أوامر الشرع الحنيف تؤكد على الاهتمام بطهارة أعضاء المصلي ولباسه وتنهى عن الصلاة في أماكن معينة لمظنة اختلاطها بالنجاسات منها: المزابل والمجازر والمقابر وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وكذلك الأمر بضرورة تطهير المساجد وتطييبها.

ووفق هذه النظرة الصائبة جرى بعض فقهاء السلف الورعين والمحتاطين لدينهم من أهل القرون الأولى وحسبك أن التابعي الفقيه الكبير المتفق على جلالته مسروق بن الأجدع كان يأخذ في أسفاره لبنة (أي حجرا) يسجد عليها كما أخرجه عنه إمام السنة الحافظ الثقة في زمانه أبو بكر بن أبي شبة في (مصنفه) في المجلد الثاني باب: من كان يحمل في السفينة شيئا يسجد عليه فأخرج بإسنادين: " أن مسروقا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها ".

هذا في ما يتعلق بالسجود على الأرض مباشرة من حيث أصل الوجوب وأخذ الحيطة بحمل تربة طاهرة.

أما في ما يتعلق باستحباب السجود على تربة كربلاء فإن قاعدة التفضيل المطردة في هذه الحياة تدل عليه وتؤكده فضلا عن ورود بعض الأحاديث التي تعضده.

فلا شك أن الله - سبحانه - قد اصطفى مكة وانتجبها من بين الأماكن وجعلها مقرا لبيته الحرام الذي أوجب على الناس الحج إليه والطواف حوله وخصها بميزات معينة بوصفها حرما آمنا لا يجوز انتهاكه وما يرتبط من ذلك بشجرها ونبتها ومن نزل بها وكذلك اختار المدينة المنورة وجعلها حرما إلهيا - أيضا - يجب تعظيمه وعدم تجاوزه. وما ورد في السنة الشريفة في

53

إجلالها وفي فضائل أهلها وتربتها ومن حل بها ومن دفن بأرضها وجميع ذلك ليس إلا باعتبار الإضافة والنسبة إلى الله تعالى وكونها عاصمة لنبيه الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم).

بل إن قاعدة التفاضل وتفاوت الدرجات ممتدة ومطردة على الدوام حتى بين الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأولياء والشهداء والصالحين وأفراد المؤمنين. وكذلك بين الأوقات لاختصاص بعضها بفضائل وخصال معينة فشهر رمضان خير الشهور وليلة القدر أفضل ليالي ويوم عرفة أفضل الأيام.. وما إلى ذلك من الاختصاصات والتفاضلات بين الأعيان نتيجة تعلقها بالله سبحانه ونسبتها إليه.

وكانت تربة كربلاء هي التربة التي ضمت بين ثناياها أطهر الأجساد وأطيبها وهم أبناء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين سجلوا على صعيدها أعظم صفحات البذل والتضحية في سبيل الله سبحانه واختلطت ذراتها بدمائهم الزكية التي أهرقت قربة إليه جل وعلا فحري بها أن تلازم الإنسان المسلم في حله وترحاله وإقامته وتجاوله وتذكره دائما بما كتب عليها من معاني البطولة والفداء والبذل والعطاء وأن تكون نصب عينيه شاهدة عليه وكأنما تأخذ عليه البيعة كل يوم بالوفاء لتلك الدماء الطاهرة والالتزام بالخط الرسالي التضحوي الذي سلكه أصحابها الأبرار الذين قدموا أرواحهم قربانا إلى الله تبارك وتعالى.

إن تربة كربلاء هي رمز الجهاد الثوري الذي خاضه أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كفاحهم المرير ضد الظلم والاستكبار والفساد والانحراف.

وهي رمز الاعتزاز بالإسلام دينا ومنهجا للحياة في مواجهة القوى الشيطانية التي تسعى إلى استئصاله وإقصائه بعيدا عن ساحة الوجود.

كما أنها رمز الشجاعة والصمود في وجه الطغاة والمستبدين من أجل إحقاق الحق وتثبيت أركانه وإزهاق الباطل وتقويض بنيانه.

54

وما إلى ذلك من الدروس القيمة والعظات البالغة التي يجب إلى تغيب عن ذهن الإنسان المسلم أبد الدهر ومن هنا كانت قيمة تربة كربلاء المعنوية والعبرة من الارتباط بها والسجود عليها.

ولذلك جاءت الأحاديث الشريفة لتعظم تلكم التربة الطاهرة وتشيد بفضلها. ودونك ما أخرجه ابن حجر الهيتمي في (صواعقه المحرقة) في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ص 192 حيث قال:

- أخرج ابن سعد والطبراني عن عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل يعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه ".

- أخرج أبو داود والحاكم عن أم الفضل بنت الحرث أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " أتاني جبريل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا (يعني الحسين) وأتاني بتربة من تربة حمراء ".

- وأخرج أحمد: " لقد دخل على البيت ملك لم يدخل علي قبلها فقال لي: إن ابنك هذا حسينا مقتول وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ".

قال: " فأخرج تربة حمراء ".

- وأخرج البغوي في (معجمه) من حديث أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

" استأذن ملك القطر ربه أن يزورني فأذن له وكان في يوم أم سلمة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل أحد فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يلثمه ويقبله فقال الملك: أتحبه؟ قال: نعم. قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء ".

- وأخرجه - أيضا - أبو حاتم في (صحيحه) وروي أحمد نحوه وروى عبد الحميد وابن أحمد نحوه - أيضا - لكن فيه أن الملك جبريل فإن صح