مباني تكملة المنهاج‌ - ج42

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
564 /
1

الجزء الثاني و الأربعون

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

____________

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطّيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثاني من مباني تكملة المنهاج المشتمل على كتابي القصاص و الديات، و قد منّ اللّٰه سبحانه و تعالىٰ عليَّ بالتوفيق لإنجازه و إتمامه، إنّه وليّ التوفيق و له الحمد أوّلًا و آخراً.

2

كتاب القصاص

3

كتاب القصاص و فيه فصول

[الفصل الأوّل]

الفصل الأوّل

[فِي قصاص النفس]

فِي قصاص النفس

[مسألة 1: يثبت القصاص بقتل النفس المحترمة المكافئة عمداً و عدواناً]

(مسألة 1): يثبت القصاص بقتل النفس المحترمة المكافئة عمداً و عدواناً (1)، و يتحقّق العمد بقصد البالغ العاقل القتل و لو بما لا يكون قاتلًا غالباً فيما إذا ترتّب القتل عليه (2)، بل الأظهر تحقّق العمد بقصد ما يكون قاتلًا عادةً و إن

____________

(1) يأتي وجه جميع ذلك في شرائط القصاص إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

(2) لتحقّق قصد القتل حقيقةً، فيتحقّق القتل العمدي الذي هو الموضوع للقصاص.

و تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحة الحلبي، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «العمد: كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصاً أو بوكزة، فهذا كلّه عمد، و الخطأ:

4

لم يكن قاصداً القتل ابتداءً (1)، و أمّا إذا لم يكن قاصداً القتل و لم يكن الفعل قاتلًا عادةً، كما إذا ضربه بعود خفيف أو رماه بحصاة فاتّفق موته، لم يتحقّق

____________

من اعتمد شيئاً فأصاب غيره» (1).

(1) لأنّ قصد الفعل مع الالتفات إلى ترتّب القتل عليه عادةً لا ينفكّ عن قصد القتل تبعاً.

و تدلّ عليه مضافاً إلى ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحة الفضل بن عبد الملك على رواية الصدوق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد» قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية و الكفّارة، أ هو أن يعتمد ضرب رجل و لا يعتمد قتله؟ «فقال: نعم» قلت: رمىٰ شاة فأصاب إنساناً؟ «قال: ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه، عليه الدية و الكفّارة» (2).

فإنّها تدلّ على أنّ الضرب بالحديدة الذي يترتّب عليه القتل عادةً من القتل العمدي و إن لم يقصد الضارب القتل ابتداءً، و أمّا مع قصد القتل فلا خصوصيّة للحديدة.

و منها: صحيحة أبي العبّاس و زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إنّ العمد: أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، و الخطأ، أن يتعمّده و لا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ الذي لا شكّ فيه: أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه» (3).

فإنّ التقييد بقوله (عليه السلام): «بما لا يقتله» يدلّ على أنّ الآلة إذا كانت‌

____________

(1) الوسائل 29: 36/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 3.

(2) الوسائل 29: 38/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 9، الفقيه 4: 77/ 239.

(3) الوسائل 29: 40/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 13.

5

به موجب القصاص (1).

[ (مسألة 2): تحقّق القتل العمدي إذا ترتّب من دون أن يتوسّطه فعل اختياري من شخص آخر]

(مسألة 2): كما يتحقّق القتل العمدي فيما إذا كان فعل المكلّف علّة تامّة للقتل أو جزءاً أخيراً للعلّة بحيث لا ينفكّ الموت عن فعل الفاعل زماناً، كذلك .. يتحقّق فيما إذا ترتّب القتل عليه من دون أن يتوسّطه فعل اختياري من شخص آخر، كما إذا رمىٰ سهماً نحو من أراد قتله فأصابه فمات بذلك بعد مدّة من الزمن، و من هذا القبيل ما إذا خنقه بحبل و لم يرخه عنه حتّى مات، أو حبسه في مكان و منع عنه الطعام و الشراب حتّى مات، أو نحو ذلك، فهذه الموارد و أشباهها داخلة في القتل العمدي (1).

____________

قتّالة فليس هو من الخطأ و إن لم يقصد القتل ابتداءً.

(1) و ذلك لعدم تحقّق العمد في القتل، و لصحيحة الفضل بن عبد الملك و صحيحة أبي العبّاس و زرارة المتقدّمتين، و صحيحة أُخرى لأبي العبّاس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: قلت له: أرمي الرجل بالشي‌ء الذي لا يقتل مثله «قال: هذا خطأ» ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فأصيب رجلًا «قال: هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه، و العمد الذي يضرب بالشي‌ء الذي يقتل بمثله» (1).

(2) لأنّ العبرة في القصاص إنّما هو بتحقّق القتل العمدي، و ملاك العمد في القتل هو إيجاد عمل يقصد به القتل أو يترتّب عليه الموت غالباً، و هو متحقّق في جميع هذه الموارد.

____________

(1) الوسائل 29: 37/ أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 7.

6

[مسألة 3: لو ألقىٰ شخصاً في النار أو البحر متعمّداً فمات]

(مسألة 3): لو ألقىٰ شخصاً في النار أو البحر متعمّداً فمات، فإن كان متمكّناً من الخروج و لم يخرج باختياره فلا قود و لا دية (1)، و إن لم يكن متمكّناً من الخروج و إنجاء نفسه من الهلاك فعلى الملقي القصاص (2).

[مسألة 4: لو أحرقه بالنار قاصداً به قتله أو جرحه]

(مسألة 4): لو أحرقه بالنار قاصداً به قتله أو جرحه كذلك فمات فعليه القصاص و إن كان متمكّناً من إنجاء نفسه بالمداواة و تركها باختياره (3).

[مسألة 5: إذا جنى عمداً و لم تكن الجناية ممّا تقتل غالباً]

(مسألة 5): إذا جنى عمداً و لم تكن الجناية ممّا تقتل غالباً و لم يكن الجاني قد قصد بها القتل و لكن اتّفق موت المجني عليه بالسراية، فالمشهور بين الأصحاب ثبوت القود، و لكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه،

____________

(1) فإنّ الموت حينئذٍ مستند إلى نفسه لا إلى فعل الملقي، فلا يتحقّق موجب القصاص و لا موجب الدية.

(2) لتحقّق موضوعه و هو القتل العمدي.

(3) بلا خلاف بين الأصحاب، و ذلك لأنّ القتل مستند إلى فعله و هو الجرح و الإحراق و ترك المداواة و إن كان دخيلًا في تحقّق الموت إلّا أنّ الموت لم يستند إليه، فإنّه إنّما هو من آثار المقتضي و المداواة من قبيل المانع، فإذا لم يوجد و لو اختياراً استند الأثر إلى المقتضي، فإنّ الموجود إنّما ينشأ من الموجود و يترتّب عليه و لا يستند إلى أمر عدمي، فالقتل عند عدم المداواة يستند إلى المحرق أو الجارح دون المقتول، و ذلك نظير من قتل شخصاً و كان المقتول متمكّناً من الدفاع عن نفسه و لم يدفع حتّى قتل، فإنّه لا يشكّ في استناد القتل إلى القاتل دون المقتول. نعم، لا شكّ في أنّ المقتول في كلتا الصورتين قد ارتكب محرّماً، لأنّه لم يحفظ نفسه مع تمكّنه، و هذا لا ينافي استناد القتل إلى غيره.

7

فيجري عليه حكم القتل الشبيه بالعمد (1).

[مسألة 6: لو ألقىٰ نفسه من شاهق على إنسان عمداً قاصداً به قتله]

(مسألة 6): لو ألقىٰ نفسه من شاهق على إنسان عمداً قاصداً به قتله أو كان ممّا يترتّب عليه القتل عادةً فقتله، فعليه القود. و أمّا إذا لم يقصد به القتل و لم يكن ممّا يقتل عادةً فلا قود عليه (2). و أمّا إذا مات الملقي فدمه هدر على كلا التقديرين (3).

____________

(1) وجه المشهور هو أنّهم ذهبوا إلى أنّ السراية في الجناية العمديّة مضمونة و إن لم تكن مقصودة، فيثبت القصاص إذا سرت الجناية و ترتّب عليها الموت.

و لكنّه يندفع بأنّ ضمان الجناية إنّما هو بمقدارها المقصود، و أمّا الزائد المترتّب عليها اتّفاقاً فهو إذا لم يكن مقصوداً و لا ممّا يترتّب عليها غالباً لا يكون عمديّاً، بل هو شبيه بالعمد على ما يأتي من أنّه متقوّم بقصد الفعل المترتّب عليه القتل اتّفاقاً من دون قصده.

و تؤكّد ما ذكرناه رواية ذريح، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل شجّ رجلًا موضحة و شجّه آخر دامية في مقام واحد فمات الرجل «قال: عليهما الدية في أموالهما نصفين» (1).

و الرواية معتبرة على الأظهر، فإنّها تدلّ على أنّ الموت إذا ترتّب على الجناية اتّفاقاً فالواجب فيه الدية دون القصاص.

(2) ظهر وجه جميع ذلك ممّا تقدّم.

(3) لأنّ قتله مستند إلى نفسه.

____________

(1) الوسائل 29: 280/ أبواب موجبات الضمان ب 42 ح 1.

8

[مسألة 7: ليس للسحر حقيقة موضوعيّة]

(مسألة 7): ليس للسحر حقيقة موضوعيّة، بل هو إراءة غير الواقع بصورة الواقع، و لكنّه مع ذلك لو سحر شخصاً بما يترتّب عليه الموت غالباً أو كان بقصد القتل، كما لو سحره فتراءىٰ له أنّ الأسد يحمل عليه فمات خوفاً، كان على الساحر القصاص (1).

[مسألة 8: لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً يقتل عادةً]

(مسألة 8): لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً يقتل عادةً، فإن علم الآكل بالحال و كان مميّزاً، و مع ذلك أقدم على أكله فمات، فهو المعين على نفسه، فلا قود و لا دية على المطعم، و إن لم يعلم الآكل به أو كان غير مميّز فأكل فمات فعلى المطعم القصاص، بلا فرق بين قصده القتل به و عدمه (2)، بل الأظهر أنّ الأمر كذلك فيما لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل و كان السمّ ممّا يقتل عادةً فأكل صاحب المنزل جاهلًا بالحال فمات (3).

____________

(1) فإنّ العبرة في القصاص إنّما هي باستناد القتل العمدي إليه بأحد الوجهين المتقدّمين، و ذلك متحقّق في المقام و إن لم يكن للسحر واقع في نفس الأمر.

(2) لصدق القتل العمدي على ما عرفت و إن لم يكن القتل مقصوداً له ابتداءً.

(3) و ذلك لأنّه و إن لم يلجئه إلى الأكل من الطعام المسموم و لا قدّمه له إلّا أنّ القتل عرفاً مستند إلى فعله حقيقةً، و هذا المقدار كافٍ لتحقّق موجب القصاص.

9

[مسألة 9: لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمّداً]

(مسألة 9): لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمّداً، و كان الموت يترتّب على السقوط فيها غالباً، فسقط فيها المارّ و مات، فعلى الحافر القود، بلا فرق بين قصده القتل و عدمه. نعم، لو لم يترتّب الموت على السقوط فيها عادةً و سقط فيها أحد المارّة فمات اتّفاقاً فعندئذٍ إن كان الحافر قاصداً القتل فعليه القود و إلّا فلا، و كذلك يثبت القصاص لو حفرها في طريق ليس في معرض المرور، و لكنّه دعا غيره الجاهل بالحال لسلوكه قاصداً به القتل أو كان السقوط فيها ممّا يقتل عادةً، فسلكه المدعو و سقط فيها فمات (1).

[مسألة 10: إذا جرح شخصاً قاصداً به قتله]

(مسألة 10): إذا جرح شخصاً قاصداً به قتله، فداوى المجروح نفسه بدواء مسموم أو أقدم على عمليّة و لم تنجح فمات، فإن كان الموت مستنداً إلى فعل نفسه فلا قود و لا دية على الجارح. نعم، لوليّ الميّت القصاص من الجاني بنسبة الجرح أو أخذ الدية منه كذلك. و إن كان مستنداً إلى الجرح فعليه القود (2). و إن كان مستنداً إليهما معاً كان لوليّ المقتول القود بعد ردّ نصف الدية إليه و له العفو و أخذ نصف الدية منه (3).

____________

(1) يظهر الحال في جميع ذلك ممّا تقدّم.

(2) لما عرفت من أنّ العبرة في القصاص و عدمه إنّما هي باستناد القتل العمدي إلى الجاني و عدمه.

(3) الوجه في ذلك: أنّ مقتضى الآية المباركة و الروايات أنّ لوليّ المقتول ظلماً الاقتصاص، و لكن في كلّ مورد كان القصاص فيه مستلزماً لإعطاء وليّ المقتول شيئاً من الدية كان لوليّ المقتول المطالبة بالدية، كما إذا قتل رجل امرأة‌

10

[مسألة 11: لو ألقاه من شاهق قاصداً به القتل]

(مسألة 11): لو ألقاه من شاهق قاصداً به القتل أو كان ممّا يترتّب عليه القتل عادةً، فمات الملقى في الطريق خوفاً قبل سقوطه إلى الأرض كان عليه القود، و مثله ما لو ألقاه في بحر قاصداً به قتله أو كان ممّا يترتّب عليه الموت غالباً فالتقمه الحوت قبل وصوله إلى البحر (1).

[مسألة 12: لو أغرىٰ به كلباً عقوراً قاصداً به قتله]

(مسألة 12): لو أغرىٰ به كلباً عقوراً قاصداً به قتله أو كان ممّا يترتّب عليه القتل غالباً فقتله فعليه القود، و كذا الحال لو ألقاه إلى أسد كذلك و كان ممّن لا يمكنه الاعتصام منه بفرارٍ أو نحوه، و إلّا فهو المعين على نفسه فلا قود عليه و لا دية، و مثله ما لو أنهش حيّة قاتلة أو ألقاها عليه فنهشته فعليه القود، بلا فرق بين قصده القتل به و عدمه (2).

____________

فأراد وليّها الاقتصاص من الرجل القاتل، أو قتل شخصان واحداً فأراد وليّ المقتول الاقتصاص منهما، أو كان الأب شريكاً مع غيره في قتل ولده، أو كان القاتلان مختلفين فكان قتل أحدهما عمديّاً و الآخر خطأ فأراد وليّ المقتول القصاص من العامد، أو كان القاتل حيواناً و إنساناً، و نحو ذلك. ففي جميع هذه الموارد كان وليّ المقتول مخيّراً بين الاقتصاص و مطالبة الدية، و يأتي تفصيل ذلك في المسائل الآتية إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

(1) لاستناد القتل العمدي إلى فعله، و معه لا أثر لتخلّف القصد من ناحية اختلاف الخصوصيّات.

(2) ظهر وجه جميع ذلك ممّا تقدّم.

11

[مسألة 13: لو جرحه بقصد القتل ثمّ عضّه الأسد مثلًا]

(مسألة 13): لو جرحه بقصد القتل ثمّ عضّه الأسد مثلًا و سرتا فمات بالسراية كان لوليّ المقتول قتل الجارح بعد ردّ نصف الدية إليه، كما أنّ له العفو عن القصاص و مطالبته بنصف الدية (1).

[مسألة 14: لو كتّفه ثمّ ألقاه في أرض مسبعة مظنّة للافتراس عادةً]

(مسألة 14): لو كتّفه ثمّ ألقاه في أرض مسبعة مظنّة للافتراس عادةً، أو كان قاصداً به قتله فافترسه السباع، فعليه القود (2). نعم، لو ألقاه في أرض لم تكن مظنّة للافتراس عادةً و لم يقصد به قتله، فافترسه السباع اتّفاقاً، فالظاهر أنّه لا قود، و عليه الدية فقط (3).

____________

(1) أمّا جواز القصاص فلأنّه القاتل عمداً و إن لم يكن مستقلا في القتل، غاية الأمر أنّه إذا اقتصّ منه لا بدّ من ردّ نصف الدية إلى وليّه قبل الاقتصاص، كما إذا قتل رجلان رجلًا واحداً فإنّ لوليّ المقتول أن يقتصّ منهما جميعاً بعد أن يردّ إلى وليّ كلّ منهما نصف الدية.

و أمّا جواز مطالبته بالدية فلما تقدّم من أنّ كلّ مورد كان الاقتصاص موجباً للردّ جاز لوليّ المقتول إلزام القاتل بالدية، و بما أنّ القتل مستند في مفروض الكلام إلى أمرين، أحدهما: فعل الجارح، و الآخر: عضّ الأسد، فإذا أراد وليّ الدم الاقتصاص من الجارح فلا بدّ له من ردّ نصف الدية إليه، و له أن لا يقتصّ منه و يطالبه بنصف الدية.

(2) لصحّة الاستناد القتل العمدي إليه، و هو يوجب القود.

(3) أمّا عدم القود فلأنه ليس قاتلًا له عمداً، و أمّا وجوب الدية فلأنّ القتل مستند إلى فعله، فيدخل في القتل الشبيه بالعمد.

12

[مسألة 15: لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث]

(مسألة 15): لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث فالقاتل هو الدافع دون الحافر (1).

[مسألة 16: لو أمسكه و قتله آخر، قتل القاتل، و حبس الممسك مؤبّداً]

(مسألة 16): لو أمسكه و قتله آخر، قتل القاتل، و حبس الممسك مؤبّداً حتّى يموت بعد ضرب جنبيه و يجلد كلّ سنة خمسين جلدة (2). و لو اجتمعت

____________

(1) لاستناد القتل عرفاً إليه دون الحافر.

(2) تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها: معتبرة عمرو بن أبي المقدام: أنّ رجلًا قال لأبي جعفر المنصور و هو يطوف-: يا أمير المؤمنين، إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلًا، فأخرجاه من منزله فلم يرجع إليّ، و و اللّٰه ما أدري ما صنعا به، فقال لهما: ما صنعتما به؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله إلى أن قال: فقال لأبي عبد اللّٰه جعفر بن محمّد (عليه السلام): اقض بينهم إلى أن قال: «فقال: يا غلام، اكتب: بسم اللّٰه الرّحمٰن الرّحيم، قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم): كلّ من طرق رجلًا بالليل فأخرجه من منزله فهو ضامن إلّا أن يقيم عليه البيّنة أنّه قد ردّه إلى منزله. يا غلام، نحّ هذا فاضرب عنقه للآخر» فقال: يا ابن رسول اللّٰه، و اللّٰه ما أنا قتلته و لكنّي أمسكته، ثمّ جاء هذا فوجأه فقتله «فقال: أنا ابن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم)، يا غلام، نحّ هذا فاضرب عنقه للآخر» فقال: يا ابن رسول اللّٰه، ما عذّبته و لكنّي قتلته بضربة واحدة. فأمر أخاه فضرب عنقه، ثمّ أمر بالآخر فضرب جنبيه و حبسه في السجن و وقع على رأسه يحبس عمره و يضرب في كلّ سنة خمسين جلدة (1).

____________

(1) الوسائل 29: 51/ أبواب القصاص في النفس ب 18 ح 1.

13

جماعة على قتل شخص فأمسكه أحدهم و قتله آخر و نظر إليه ثالث، فعلى القاتل القود، و على الممسك الحبس مؤبّداً حتّى الموت، و على الناظر أن تقفأ عيناه (1).

[مسألة 17: لو أمر غيره بقتل أحد، فقتله، فعلى القاتل القود]

(مسألة 17): لو أمر غيره بقتل أحد، فقتله، فعلى القاتل القود، و على الآمر الحبس مؤبّداً إلى أن يموت (2). و لو أكرهه على القتل، فإن كان ما توعّد به دون القتل فلا ريب في عدم جواز القتل، و لو قتله و الحال هذه-

____________

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: قضىٰ علي (عليه السلام) في رجلين أمسك أحدهما و قتل الآخر، قال: يقتل القاتل و يحبس الآخر حتّى يموت غمّاً» (1)، و قريب منها معتبرة سماعة (2).

و منها: معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): واحد منهم أمسك رجلًا، و أقبل الآخر فقتله، و الآخر يراهم، فقضى في صاحب الرؤية أن تسمل عيناه، و في الذي أمسك أن يسجن حتّى يموت كما أمسكه، و قضى في الذي قتل أن يقتل» (3).

(1) تدلّ عليه معتبرة السكوني المتقدّمة.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل أمر رجلًا بقتل رجل فقتله «فقال: يقتل به الذي قتله، و يحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى يموت» (4).

____________

(1) الوسائل 29: 49/ أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 1.

(2) الوسائل 29: 50/ أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 2.

(3) الوسائل 29: 50/ أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 3.

(4) الوسائل 29: 45/ أبواب القصاص في النفس ب 13 ح 1.

14

كان عليه القود (1)، و على المكره الحبس المؤبّد (2)، و إن كان ما توعّد به هو القتل فالمشهور أنّ حكمه حكم الصورة الأُولىٰ، و لكنّه مشكل، و لا يبعد جواز القتل عندئذٍ، و على ذلك فلا قود و لكن عليه الدية (3)، و حكم المكرِه بالكسر في هذه الصورة حكمه في الصورة الأُولىٰ. هذا إذا كان المكرَه بالفتح بالغاً عاقلًا. و أمّا إذا كان مجنوناً أو صبيّاً غير مميّز فالقود على المكرِه بالكسر- (4)، و أمّا إذا كان صبيّاً مميّزاً فلا قود لا على المكرِه و لا على

____________

(1) و ذلك لما علم من ضرورة الشرع المقدّس أهمّيّة النفس المحترمة، فلا ترتفع حرمة قتلها بالإكراه على ما دون القتل، فلو أقدم على قتلها و الحال هذه فقد قتلها ظلماً و عدواناً، و حكمه القصاص و القود.

(2) لصحيحة زرارة المتقدّمة.

(3) أمّا وجه المشهور: فلأنّهم استدلّوا على أنّ الإكراه لا يتحقّق في القتل.

و فيه: أنّ ما ذكروه و إن كان صحيحاً، حيث إنّ حديث الإكراه الوارد مورد الامتنان لا يشمل المقام و أمثاله، إلّا أنّه مع ذلك لا يكون القتل محرّماً، فإنّ ذلك داخل في باب التزاحم، إذ الأمر يدور بين ارتكاب محرّم و هو قتل النفس المحترمة و بين ترك واجب و هو حفظ نفسه و عدم تعريضه للهلاك و حيث لا ترجيح في البين فلا مناص من الالتزام بالتخيير، و عليه فالقتل يكون سائغاً و غير صادر عن ظلم و عدوان، فلا يترتّب عليه القصاص، و لكن تثبت الدية، لأنّ دم امرئ مسلم لا يذهب هدراً.

(4) و ذلك لأنّه القاتل في الفرض، حيث إنّهما كالآلة بالنسبة إليه.

15

الصبي (1). نعم، على عاقلة الصبي الدية (2) و على المكرِه الحبس مؤبّداً (3).

[مسألة 18: المشهور جريان الحكم المذكور فيما لو أمر السيّد عبده بقتل شخص]

(مسألة 18): المشهور جريان الحكم المذكور فيما لو أمر السيّد عبده بقتل شخص فقتله، و لكنّه مشكل، بل لا يبعد أن يقتل السيّد الآمر و يحبس العبد (4).

____________

(1) أمّا على المكرِه بالكسر فلأنه في الفرض لم يكن قاتلًا، فإنّ القاتل إنّما هو الصبي المميّز. و أمّا على الصبي فلأنه لا قود عليه، و إنّما هو على القاتل البالغ متعمّداً.

(2) لأنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة على ما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى (1).

(3) لأنّ صحيحة زرارة المتقدّمة و إن كان موردها كون المأمور رجلًا إلّا أنّ من المعلوم أنّه لا خصوصيّة لذلك أصلًا، بل الحكم يجري في كلّ مورد يكون المتصدّي للقتل فاعلًا مختاراً، سواء أ كان رجلًا أم امرأةً أم صبيّاً مميّزاً.

(4) بيان ذلك: أنّ المشهور بين الفقهاء عدم الفرق بين ما إذا كان المأمور عبداً للآمر و ما إذا لم يكن، و يظهر من تعبير المحقّق (قدس سره) في النافع بقوله: و لو كان المأمور عبده قولان، أشبههما: أنّه كغيره (2)، وجود القائل بالفرق عندنا، بل يظهر من قول السيّد في شرحه أنّ القائل به كثير، حيث إنّه عطف على كلمة" أشبههما قوله:" و أشهرهما (3)، فيعلم أنّ القائل به كثير، إلّا أنّا لم نجد قائلًا بذلك غير ما نُسِبَ إلى الإسكافي (4) و مال إليه صاحب الوافي (5).

____________

(1) في ص 79.

(2) المختصر النافع: 293.

(3) رياض المسائل 2: 501 (حجري).

(4) حكاه في رياض المسائل 2: 502 (حجري).

(5) الوافي 16: 628/ 15838.

16

..........

____________

و كيف كان، فالأظهر أنّه يقتل السيّد و يحبس العبد.

و تدلّ على ذلك معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في رجل أمر عبده أن يقتل رجلًا فقتله، قال: «فقال: يقتل السيّد به» (1).

و معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في رجل أمر عبده أن يقتل رجلًا فقتله، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): و هل عبد الرجل إلّا كسوطه أو كسيفه؟ يقتل السيّد و يستودع العبد السجن» (2)، و رواها الشيخ الصدوق بسنده الصحيح إلى قضايا علي (عليه السلام) إلّا أنّه قال: «و يستودع العبد في السجن حتّى يموت» (3).

و قد نوقش في الاستدلال بهاتين الروايتين بوجهين:

الأوّل: ما في الرياض من أنّ ما دلّ على قتل السيّد قاصر سنداً (4).

و الجواب عن ذلك: أنّ الروايتين موثّقتان، على أنّ الثانية على طريق الصدوق صحيحة فكيف يصحّ دعوى القصور في السند؟! و أمّا دعوى قصورهما عن مكافأة ما دلّ على أنّ القود على العبد، فيدفعها: أنّه ليس هناك أيّ دليل على أنّ القود على العبد نفسه غير الإطلاقات الكتابيّة و غيرها، و من الظاهر أنّ المطلقات غير قابلة لمعارضة المقيّد.

و من الغريب أنّ الشيخ في التهذيب جعل الروايتين مخالفتين للكتاب و السنّة،

____________

(1) الوسائل 29: 47/ أبواب القصاص في النفس ب 14 ح 1.

(2) الوسائل 29: 47/ أبواب القصاص في النفس ب 14 ح 2.

(3) الفقيه 4: 88/ 282.

(4) رياض المسائل 2: 502 (حجري).

17

..........

____________

و قال: فينبغي أن يلغي أمرهما، و يكون العمل بما سواهما (4).

و ليت شعري كيف تكون الروايتان مخالفتين للكتاب مع أنّ تقييد إطلاقات الكتاب و السنّة بالروايات المعتبرة غير عزيز؟! أضف إلى ذلك أنّ معتبرة السكوني تدلّ على أنّ القاتل في مفروض الكلام هو السيّد، فإنّ العبد بمنزلة سوطه و سيفه، و عليه فلا تقييد لإطلاقات الكتاب، حيث إنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان أنّ القاتل هو السيّد فالقود عليه، و حينئذٍ كيف يمكن أن يقال: إنّ الروايتين مخالفتان للقرآن و الأخبار؟! و أمّا ما ذكره الشيخ في الخلاف من معارضة هاتين الروايتين لما دلّ من الأخبار على أنّ القود على العبد نفسه (1).

فلم يتحصّل له معنى، إذ لم يذكر الشيخ و لا غيره رواية تدلّ على أنّ القود على العبد نفسه، و إنّما الدالّ على ذلك هو المطلقات و قد عرفت حالها.

الوجه الثاني: أنّ الروايات الدالّة على قتل السيّد غير واجدة لشرائط الحجّيّة، فإنّ إعراض المشهور عنها أوجب سقوطها عن الحجّيّة.

و الجواب عن ذلك أوّلًا: أنّه لم يثبت إعراض المشهور عنها، و لذلك قد حمل الشيخ ما رواه من الروايتين على محامل اخرى. على أنّ المستفاد من كلام السيّد صاحب الرياض (قدس سره) عدم ثبوت الشهرة في المقام، غاية الأمر أنّ القول بأنّ القود على العبد نفسه هو الأشهر.

و ثانياً: أنّا قد ذكرنا في محلّه أنّ الإعراض و عدم عمل المشهور برواية‌

____________

(4) التهذيب 10: 220.

(1) انظر الخلاف 5: 168 169.

18

[مسألة 19: لو قال: اقتلني، فقتله]

(مسألة 19): لو قال: اقتلني، فقتله، فلا ريب في أنّه قد ارتكب محرّماً (1)، و هل يثبت القصاص عندئذٍ أم لا؟ وجهان، الأظهر: ثبوته (2). هذا إذا كان القاتل مختاراً أو متوعّداً بما دون القتل. و أمّا إذا كان متوعّداً بالقتل فالحكم فيه كما تقدّم.

[مسألة 20: لو أمر شخص غيره بأن يقتل نفسه، فقتل نفسه]

(مسألة 20): لو أمر شخص غيره بأن يقتل نفسه، فقتل نفسه، فإن كان المأمور صبيّاً غير مميّز فعلى الآمر القود (3)، و إن كان مميّزاً أو كبيراً بالغاً فقد

____________

لا يوجب سقوطها عن الاعتبار إذا كانت واجدة لشرائطه.

(1) فإنّ حرمة القتل لا ترتفع بإذن المقتول.

(2) خلافاً للشيخ في محكيّ المبسوط و الفاضل في التلخيص و الإرشاد و اختاره المحقّق في الشرائع و في المسالك أنّه الأشهر (1)، و استدلّ على ذلك بأنّ الآمر قد أسقط حقّه بالإذن فلا يتسلّط عليه الوارث.

و مورد كلام المحقّق و إن كان هو الإكراه إلّا أنّ تعليله يعمّ صورة الاختيار أيضاً.

و كيف كان، فلا يمكن المساعدة على ما ذكروه، فإنّ الإنسان غير مسلّط على إتلاف نفسه ليكون إذنه بالإتلاف مسقطاً للضمان كما هو الحال في الأموال، فعمومات أدلّة القصاص محكّمة.

(3) لأنّه القاتل عمداً حقيقةً، و الصبي المباشر بمنزلة الآلة له عرفاً، فيثبت عليه القود.

____________

(1) حكاه في الجواهر 42: 53، الشرائع 4: 204، المسالك 2: 363 (حجري).

19

أثم فلا قود على الآمر (2). هذا إذا كان القاتل مختاراً أو مكرهاً متوعّداً بما دون القتل أو بالقتل (3). و أمّا إذا كان متوعّداً بما يزيد على القتل من خصوصيّاته، كما إذا قال: اقتل نفسك و إلّا لقطّعتك إرباً إربا، فالظاهر جواز قتل نفسه عندئذٍ (4)، و هل يثبت القود على المكره؟ وجهان، الأقرب: عدمه (5).

____________

(1) لأنّ القتل في مفروض الكلام غير مستند إلى الآمر ليكون عليه القود، بل هو مستند إلى نفسه.

(2) فإنّ في جميع ذلك لا يسوغ له قتل نفسه، فإذا قتل نفسه فقد ارتكب محرّماً و هدر دمه، و لا يكون غيره مسؤولًا عنه.

(3) و ذلك لعدم قصور شمول دليل الإكراه لذلك، فترتفع به حرمة قتل النفس المحترمة.

(4) الوجه في ذلك هو أنّ إكراه شخص على قتله و توعيده بنوع من القتل أصعب من النوع الذي يقتل به نفسه لا يوجب خروج المكرَه بالفتح عن الاختيار، فإنّه باختيار قتل نفسه دفعاً للفرد الأشدّ و الأصعب. و عليه، فبطبيعة الحال يستند القتل إليه حقيقةً دون المكرِه بالكسر فلا موجب عندئذٍ للقود، نظير ذلك: من اضطرّ إلى قتل نفسه دفعاً للفرد الأشدّ، كما إذا علم بأنّه لو لم يقتل نفسه لقتله آخر بأشدّ ممّا قتل به نفسه، فلا شبهة في عدم صحّة استناده إلى الآخر، بل هو مستند إليه.

و دعوى أنّ السبب في مفروض الكلام أقوى من المباشر.

20

[مسألة 21: لو أكره شخصاً على قطع يد ثالث]

(مسألة 21): لو أكره شخصاً على قطع يد ثالث معيناً كان أو غير معين و هدّده بالقتل إن لم يفعل، جاز له قطع يده (1). و هل يثبت القصاص على المكرِه، أو أنّ القصاص يسقط و تثبت الدية على المباشر؟ وجهان، الظاهر هو الثاني (2).

____________

مدفوعة بأنّه لا دليل على ذلك، فإنّ العبرة في القصاص إنّما هي باستناد القتل عرفاً، و قد عرفت أنّه غير مستند إلى المكرِه بالكسر و من هنا لم يلتزم الأصحاب بذلك فيما لو اكره على قتل غيره، حيث إنّ هناك التزموا بأنّ القاتل هو المكرَه بالفتح دون المكرِه بالكسر مع أنّه لا فرق من هذه الناحية بين الإكراه على قتل غيره و الإكراه على قتل نفسه و لو قلنا بالفرق بينهما من ناحية الحرمة و عدمها في الصورتين، إذ لا دخل للحكم الشرعي من جهة الجواز و عدمه باستناد القتل إلى المكره و عدمه.

(1) لأنّ قطع يد الشخص و إن كان محرّماً إلّا أنّه في فرض مزاحمته بما هو أهمّ منه و هو حفظ النفس المحترمة في مفروض الكلام يجوز ذلك جزماً.

(2) أمّا عدم ثبوت القصاص على المكرِه بالكسر فلعدم كونه قاطعاً لليد حتّى يثبت عليه القود، و إنّما القاطع هو المكرَه بالفتح باختياره و لو من جهة دفع الضرر الأهمّ.

و أمّا عدم ثبوته على المكرَه بالفتح فلأنّ صدور القطع منه ليس عدواناً و ظلماً الذي هو الموضوع للقصاص.

و أمّا ثبوت الدية عليه فلأنّ قطع يد المسلم لا يذهب هدراً.

21

[مسألة 22: لو أكرهه على صعود جبل أو شجرة أو نزول بئر فزلّت قدمه]

(مسألة 22): لو أكرهه على صعود جبل أو شجرة أو نزول بئر فزلّت قدمه و سقط فمات، فإن لم يكن الغالبَ في ذلك السقوطُ المهلك و لا هو قصد به القتل فلا قود عليه و لا دية، و إلّا ففيه الوجهان، و الأقرب أنّه لا شي‌ء عليه (1). و كذلك الحال فيما إذا أُكره على شرب سمّ فشرب فمات.

[مسألة 23: إذا شهدت بيّنة بما يوجب القتل]

(مسألة 23): إذا شهدت بيّنة بما يوجب القتل، كما إذا شهدت بارتداد شخص أو بأنّه قاتل لنفس محترمة، أو نحو ذلك، أو شهد أربعة بما يوجب الرجم كالزنا، ثمّ بعد إجراء الحدّ ثبت أنّهم شهدوا زوراً، كان القود على الشهود (2)، و لا ضمان على الحاكم الآمر و لا حدّ على المباشر للقتل أو الرجم (3). نعم، لو علم مباشر القتل بأنّ الشهادة شهادة زور كان عليه القود دون الشهود (4).

[مسألة 24: لو جنى على شخص فجعله في حكم المذبوح و لم تبق له حياة مستقرّة]

(مسألة 24): لو جنى على شخص فجعله في حكم المذبوح و لم تبق له حياة مستقرّة، بمعنى: أنّه لم يبق له إدراك و لا شعور و لا نطق و لا حركة اختياريّة، ثمّ ذبحه آخر، كان القود على

____________

(1) يظهر الحال فيه و فيما بعده ممّا تقدّم.

(2) تقدّم الكلام في ذلك مفصّلًا في باب الشهادات (1).

(3) مرّ البحث عنه في باب الشهادات مفصّلًا (2).

(4) لأنّ المباشر للقتل و الحال هذه كان قاصداً القتل عدواناً و ظلماً‌

____________

(1) مباني تكملة المنهاج 1: 189.

(2) مباني تكملة المنهاج 1: 197.

22

الأوّل (1) و عليه دية ذبح الميّت (2)، و أمّا لو كانت حياته مستقرّة كان القاتل هو الثاني و عليه القود، و الأوّل جارح، سواء أ كانت جنايته ممّا يفضي إلى الموت كشقّ البطن أو نحوه، أم لا كقطع أنملة أو ما شاكلها (3).

[مسألة 25: إذا قطع يد شخص و قطع آخر رجله]

(مسألة 25): إذا قطع يد شخص و قطع آخر رجله قاصداً كلّ منهما قتله فاندملت إحداهما دون الأُخرى ثمّ مات بالسراية، فمن لم يندمل جرحه هو القاتل و عليه القود (4)، و من اندمل جرحه فعليه القصاص في الطرف أو الدية مع التراضي، و قيل: يرد الدية المأخوذة إلى أولياء القاتل، و لكنّه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد عدمه (5).

____________

فيثبت عليه القود.

(1) و ذلك لأنّه هو القاتل حقيقةً دون الذابح.

(2) لما سيأتي من أنّ من قطع رأس الميّت فعليه الدية (1)، و المفروض أنّه بمنزلة الميّت، فلا يجري عليه حكم الحيّ.

(3) الوجه في ذلك ظاهر، فإنّ الذابح بذبحه منع عن سراية الجناية الاولى و استناد الموت إليها، فهو القاتل حقيقةً.

(4) لاستناد القتل إليه، فيثبت القود عليه.

(5) و ذلك لعدم الدليل إلّا رواية سورة بن كليب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سئل عن رجل قتل رجلًا عمداً و كان المقتول أقطع اليد اليمنىٰ «فقال: إن كانت قُطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية‌

____________

(1) في ص 517.

23

[مسألة 26: لو جرح اثنان شخصاً جرحين بقصد القتل فمات المجروح بالسراية]

(مسألة 26): لو جرح اثنان شخصاً جرحين بقصد القتل فمات المجروح بالسراية، فادّعى أحدهما اندمال جرحه و صدّقه الولي، نفذ إقراره على نفسه و لم ينفذ على الآخر. و عليه، فيكون الولي مدّعياً استناد القتل إلى جرحه، و هو منكر له، فعلى الولي الإثبات (1).

[مسألة 27: إذا قطع اثنان يد شخص]

(مسألة 27): إذا قطع اثنان يد شخص، و لكن أحدهما قطع من الكوع و الآخر من الذراع فمات بالسراية، فإن استند الموت إلى كلتا الجنايتين معاً كان كلاهما قاتلًا، و إن استند إلى قاطع الذراع فالقاتل هو الثاني، و الأوّل جارح، نظير ما إذا قطع أحد يد شخص و قتله آخر، فالأوّل جارح و الثاني قاتل (2).

____________

يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده التي قيد منها إن كان أخذ دية يده و يقتلوه، و إن شاءُوا طرحوا عنه دية يد و أخذوا الباقي. قال: و إن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه و لا أخذ لها دية قتلوا قاتله و لا يغرم شيئاً، و إن شاءُوا أخذوا دية كاملة» (1).

و لكنّها ضعيفة بسورة بن كليب، فإنّه لم يثبت توثيقه و لا مدحه، فلا يمكن الاعتماد عليها.

(1) فإن تمكّن الولي من إثبات أنّ تمام القتل مستند إلى جرحه فله الاقتصاص منه بدون ردّ نصف الدية إليه، و إلّا فعلى المنكر الحلف، و إن ادّعى عدم العلم بذلك، فإن ادّعى الولي علمه بالاندمال فعليه اليمين على عدم العلم.

(2) تقدّم حكم الموت بالسراية في أوّل قصاص النفس (2).

____________

(1) الوسائل 29: 111/ أبواب القصاص في النفس ب 50 ح 1.

(2) في ص 6 7.

24

[مسألة 28: لو كان الجارح و القاتل واحداً]

(مسألة 28): لو كان الجارح و القاتل واحداً فهل تدخل دية الطرف في دية النفس أم لا؟ وجهان، و الصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان القتل و الجرح بضربة واحدة، و ما إذا كان بضربتين، فعلى الأوّل: تدخل دية الطرف في دية النفس فيما تثبت فيه الدية أصالةً (1). و على الثاني: فالمشهور

____________

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الإجماع.

و تدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلًا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتّى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله «قال: إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه و بين السنة أُقيد به ضاربه، و إن لم يمت فيما بينه و بين السنة و لم يرجع إليه عقله اغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ «قال: لا، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين، و هي الدية، و لو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان إلّا أن يكون فيهما الموت بواحدة و تطرح الأُخرى فيقاد به ضاربه، فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه، قال: فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات» (1).

فمورد الصحيحة و إن كان دخول دية الطرف في دية العقل إلّا أنّ مقتضى عموم التعليل هو دخول دية الطرف في دية النفس أيضاً في مفروض الكلام.

____________

(1) الوسائل 29: 366/ أبواب ديات المنافع ب 7 ح 1.

25

المدعى عليه الإجماع هو التداخل أيضاً و الاكتفاء بدية واحدة و هي دية النفس. و لكنّه لا يخلو من إشكال، و الأقرب عدم التداخل (1).

و أمّا القصاص فإن كان الجرح و القتل بجناية واحدة، كما إذا ضربه ضربة واحدة فقطعت يده فمات، فلا ريب في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، و لا يقتصّ منه بغير القتل (2)، كما أنّه لا ريب في عدم التداخل إذا

____________

(1) فإنّ التداخل خلاف الأصل فيحتاج إلى دليل، فإن تمّ إجماع عليه كما ادّعاه المحقّق و صاحب الجواهر (قدس سرهما) (1) فهو، و لكنّه لم يتحقّق، و لا اعتماد بنقله، فإنّ المسألة غير محرّرة في كلام غير واحد، و قد استشكل الأردبيلي في التداخل فيما إذا كان الفصل بين الضربتين كثيراً (2)، فإذن الأقرب هو التعدّد.

هذا، مضافاً إلى أنّ صحيحة أبي عبيدة الحذّاء المتقدّمة تدلّ على عدم التداخل، فإنّها تدلّ على أنّ كلّ جناية يلزم بها الجاني ما لم ينته إلى الاقتصاص، و معه يثبت القود و يطرح الباقي.

هذا فيما إذا كان الموت مستنداً إلى إحدى الضربتين.

و أمّا إذا كان مستنداً إلى كليهما فلا ينبغي الشكّ في التداخل، و الوجه فيه ظاهر.

(2) بلا خلاف و لا إشكال، و تدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن قيس عن أحدهما (عليهما السلام): في رجل فقأ عيني رجل و قطع اذنيه ثمّ قتله «فقال: إن كان فرق ذلك اقتصّ منه ثمّ يقتل، و إن كان ضربه ضربة واحدة ضربت عنقه‌

____________

(1) الشرائع 4: 206، الجواهر 42: 62.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 13: 446.

26

كان الجرح و القتل بضربتين متفرّقتين زماناً، كما لو قطع يده و لم يمت به ثمّ قتله (1)، و أمّا إذا كانت الضربتان متواليتين زماناً، كما إذا ضربه ضربة فقطعت يده مثلًا و ضربه ضربة ثانية فقتلته، فهل يحكم بالتداخل؟ فيه

____________

و لم يقتصّ منه» (1).

و صحيحة حفص بن البختري، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه و بصره و اعتقل لسانه ثمّ مات «فقال: إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتصّ منه ثمّ قتل، و إن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل و لم يقتصّ منه» (2).

هذا، مضافاً إلى أنّ القتل عادةً لا ينفكّ عن الجرح.

(1) كما تقتضي ذلك إطلاقات الأدلّة.

و أمّا صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة فلا تقيّد هذه الإطلاقات، لأنّ مورد الصحيحة وقوع ضربة بعد ضربة فلا تشمل صورة التفرّق بينهما زماناً، فهي على تقدير العمل بها و الإغماض عن معارضتها بصحيحتي محمّد بن قيس و ابن البختري على ما سيجي‌ء قاصرة عن الشمول لصورة تفرّق الضربتين زماناً، فلا مانع من التمسّك بالإطلاقات فيها.

____________

(1) الوسائل 29: 112/ أبواب القصاص في النفس ب 51 ح 1.

(2) الوسائل 29: 112/ أبواب القصاص في النفس ب 51 ح 2.

27

إشكال و خلاف، و الأقرب عدم التداخل (1).

[مسألة 29: إذا قتل رجلان رجلًا]

(مسألة 29): إذا قتل رجلان رجلًا مثلًا جاز لأولياء المقتول قتلهما بعد أن يردّوا إلى أولياء كلّ منهما نصف الدية، كما أنّ لهم أن يقتلوا أحدهما، و لكن على الآخر أن يؤدّي نصف الدية إلى أهل المقتصّ منه. و إن قتل ثلاثة واحداً كان كلّ واحد منهم شريكاً في قتله بمقدار الثلث. و عليه، فإن قتل وليّ المقتول واحداً من هؤلاء الثلاثة وجب على كلّ واحد من الآخرين أن يردّ ثلث الدية إلى أولياء المقتصّ منه. و إن قتل اثنين منهم وجب على الثالث أن يردّ ثلث الدية إلى أولياء المقتصّ منهما، و يجب على وليّ المقتول

____________

(1) منشأ الخلاف و الإشكال هو الاختلاف بين صحيحتي محمّد بن قيس و حفص بن البختري المتقدّمتين و بين صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة، فإنّ مقتضى الأولتين عدم التداخل، و مقتضى الثالثة هو التداخل، و الأظهر عدم التداخل، لأنّ الصحيحتين الأولتين موافقتان لإطلاق الكتاب دون الصحيحة الثالثة فتتقدّمان عليها.

ثمّ إنّه قد يتوهّم أنّ مورد صحيحة محمّد بن قيس هو تفرّق الضربتين زماناً، فلا تكون معارضة لصحيحة أبي عبيدة.

و لكنّه يندفع بأنّ المراد بالتفرّق فيها هو التعدّد، بقرينة قوله (عليه السلام): «و إن كان ضربه ضربة واحدة» فإنّه تصريح بمفهوم الجملة الأولىٰ، فإذن تكون معارضة لها. و مع الإغماض عن ذلك فصحيحة ابن البختري كافية في المعارضة.

28

المقتصّ أن يردّ إليهم تمام الدية ليصل إلى أولياء كلّ واحد من المقتولين ثلثا الدية قبل الاقتصاص، و إن أراد قتل جميعهم فله ذلك بعد أن يردّ إلى أولياء كلّ واحد منهم ثلثي الدية (1).

____________

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، و تدل على ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلًا «قال: إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية و يقتلوهما جميعاً قتلوهما» (1).

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في عشرة اشتركوا في قتل رجل «قال: يخيّر أهل المقتول، فأيّهم شاءُوا قتلوا، و يرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية» (2).

و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلًا «قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة و قتلوهما، و تكون الدية بين أولياء المقتولين، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه، و ادّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول، و إن لم يؤدّ دية أحدهما و لم يقتل أحدهما قبل الدية صاحبه من كليهما، و إن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما» (3).

و منها: معتبرة الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) عشرة قتلوا رجلًا «قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً و غرموا تسع ديات، و إن شاءُوا‌

____________

(1) الوسائل 29: 41/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 1.

(2) الوسائل 29: 42/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 3.

(3) الوسائل 29: 42/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 4.

29

..........

____________

تخيّروا رجلًا فقتلوه، و ادّى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدية كلّ رجل منهم، قال: ثمّ الوالي بعد يلي أدبهم و حبسهم» (1).

و لا يعارضها ما رواه القاسم بن عروة عن أبي العبّاس و غيره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيّهم شاءُوا، و ليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» (2) و إذا قتل ثلاثة واحداً خيّر الوالي أيّ الثلاثة شاء أن يقتل، و يضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول» (3).

لأنّها قاصرة سنداً، فإنّ القاسم بن عروة لم تثبت وثاقته، و لم يذكر بمدح.

و قد حملها الشيخ تارةً على التقيّة، و أُخرى على أنّ المراد أنّه ليس للولي أن يقتل أكثر من واحد من غير أن يؤدّي ما عليه من الدية (4).

و قد ذكر في الاستبصار: أنّ قوماً من العامّة ذهبوا إلى جواز قتل الاثنين و ما زاد عليهما بواحد من دون ردّ فضل ذلك، و قال: و هو مذهب بعض من تقدّم على أمير المؤمنين (عليه السلام) (5).

و لا بأس بما ذكره (قدس سره) لو صحّت الرواية، لأنّها مطلقة و قابلة للتقييد بصريح الروايات المتقدّمة.

____________

(1) الوسائل 29: 43/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 6.

(2) الإسراء 17: 33.

(3) الوسائل 29: 43/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 7 8.

(4) الاستبصار 4: 282/ 1068.

(5) الاستبصار 4: 282/ 1068.

30

[مسألة 30): تتحقّق الشركة في القتل بفعل شخصين معاً]

(مسألة 30): تتحقّق الشركة في القتل بفعل شخصين معاً و إن كانت جناية أحدهما أكثر من جناية الآخر، فلو ضرب أحدهما ضربة و الآخر ضربتين أو أكثر فمات المضروب و استند موته إلى فعل كليهما كانا متساويين في القتل. و عليه، فلوليّ المقتول أن يقتل أحدهما قصاصاً، كما أنّ له أن يقتل كليهما معاً على التفصيل المتقدّم (1).

[مسألة 31: لو اشترك إنسان مع حيوان بلا إغراء في قتل مسلم]

(مسألة 31): لو اشترك إنسان مع حيوان بلا إغراء في قتل مسلم، فلوليّ المقتول أن يقتل القاتل (2)

____________

(1) لإطلاق الروايات المتقدّمة، على أنّ فرض التساوي بين الجنايتين أو أزيد لعلّه فرض نادر في الخارج، و لا يمكن حمل الروايات على ذلك.

(2) بلا خلاف بيننا، و تدلّ على ذلك الآية الكريمة «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (1) بعد فرض صدق القاتل عليه عرفاً.

و يستفاد من الروايات الدالّة على أنّ لوليّ المقتول أن يقتل رجلين أو أكثر إذا اشتركا في قتله: أنّه يكفي في قتل رجل قصاصاً اشتراكه في القتل.

و من الظاهر عدم الفرق في ذلك بين أن يكون كلا الجرحين مضموناً أو يكون أحدهما مضموناً دون الآخر.

و تؤكّد ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل و غلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه، و إذا لم يكن‌

____________

(1) المائدة 5: 45.

31

بعد أن يردّ إلى وليّه نصف الدية (1)، و له أن يطالبه بنصف الدية (2).

____________

يبلغ خمسة أشبار قضىٰ بالدية» (1).

فإنّها ظاهرة في أنّ جواز الاقتصاص من الرجل مفروغ عنه، و أمّا الصبي فإن كان بالغاً اقتصّ منه، و إلّا فلا.

فما عن بعض العامّة من أنّه لا قصاص في مفروض المسألة، لأنّ القتل مستند إلى سببين أحدهما غير مضمون.

واضح الفساد، فإنّ عدم الضمان بالإضافة إلى الحيوان لا يلازم عدم الضمان بالإضافة إلى الإنسان.

(1) الوجه فيه ظاهر، و ذلك لعدم استقلاله في القتل، و إنّما كان شريكاً فيه، فلا بدّ عند قتله قصاصاً من تدارك الزيادة، كما هو كذلك فيما إذا قتل رجلان رجلًا واحداً على ما عرفت.

(2) و الوجه في ذلك: أنّ وليّ المقتول إذا لم يتمكّن من الاقتصاص إلّا بدفع نصف الدية لا يتعيّن فيه القصاص حتّى يلزم بدفع نصف الدية، كما إذا قتل رجل امرأة، فإنّ ولىّ المرأة إذا أراد الاقتصاص لزمه دفع نصف الدية إلى أولياء المقتصّ منه، و لكنّه لا يلزم بذلك، بل له مطالبة الدية من القاتل، و قد دلّت على ذلك عدّة روايات قد تقدّمت، مضافاً إلى أنّه لو لم يكن لوليّ المقتول في أمثال المقام مطالبة الدية لزم في بعض الموارد هدر دم المسلم، و ذلك كما إذا فرض‌

____________

(1) الوسائل 29: 90/ أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 1.

32

[مسألة 32: إذا اشترك الأب مع أجنبي في قتل ابنه]

(مسألة 32): إذا اشترك الأب مع أجنبي في قتل ابنه جاز لوليّ المقتول أن يقتل الأجنبي (1)، و أمّا الأب فلا يقتل (2)، بل عليه نصف الدية يعطيه لوليّ المقتصّ منه في فرض القصاص و لوليّ المقتول مع عدم الاقتصاص (3). و كذلك

____________

عدم تمكّن الولي من ردّ نصف الدية إذا اقتصّ من القاتل و لم يرض القاتل بدفع الدية، ففي مثل ذلك يلزم المحذور المتقدّم.

هذا، و يمكن الاستدلال على ذلك بإطلاق ما دلّ على ثبوت الدية في القتل العمدي، و أمّا ما دلّ على أنّ الثابت أوّلًا في القتل العمدي هو القصاص و الدية إنّما تثبت بالتراضي على ما سيجي‌ء فهو منصرف عن المقام و خاصّ بما إذا لم يستلزم الاقتصاص ردّ شي‌ء إلى وليّ المقتصّ منه.

(1) لما تقدّم من أنّ القاتل متعمّداً يجوز قتله و إن لم يكن مستقلا في القتل، بل كان شريكاً مع الغير.

(2) لما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ من أنّ الوالد لا يقاد بولده (1).

(3) أمّا أصل ثبوت الدية على الوالد فلأنّ دم المسلم لا يذهب هدراً، فإذا لم يجز القصاص وجبت الدية، كما في قتل الحرّ غير الحرّ، و فيما إذا كان القتل خطأ، و فيما إذا فرّ القاتل عمداً، فإنّه تؤخذ الدية من ماله إن كان له مال، و إلّا فمن الأقرب فالأقرب، و إن لم تكن له قرابة أدّاه الإمام (عليه السلام)، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم على ما في معتبرة أبي بصير (2).

و يؤكّد ذلك ما ورد في كتاب ظريف الثابت بطريق معتبر عن أمير المؤمنين‌

____________

(1) في ص 86.

(2) الوسائل 29: 395/ أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

33

إذا اشترك مسلم و ذمّي في قتل ذمّي (1).

[مسألة 33: يقتصّ من الجماعة المشتركين في جناية الأطراف]

(مسألة 33): يقتصّ من الجماعة المشتركين في جناية الأطراف حسب ما عرفت في قصاص النفس (2)، و تتحقّق الشركة في الجناية على الأطراف بفعل شخصين أو أشخاص معاً على نحوٍ تستند الجناية إلى فعل الجميع، كما لو وضع جماعة سكّيناً على يد شخص و ضغطوا عليها حتّى قطعت يده. و أمّا إذا وضع أحد سكّيناً فوق يده و آخر تحتها و ضغط كلّ واحد منهما على سكّينه حتّى التقيا، فذهب جماعة إلى أنّه ليس من الاشتراك في الجناية، بل عل كلّ منهما القصاص في جنايته، و لكنّه مشكل جدّاً. و لا يبعد تحقّق الاشتراك بذلك، للصدق العرفي.

____________

(عليه السلام) «قال: و قضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع و غيره، و يكون له الدية و لا يقاد» (1).

فإنّه إذا ثبتت الدية فيما دون النفس ثبتت في النفس بطريق أولىٰ.

و أمّا إعطاؤها لوليّ المقتصّ منه فلما تقدّم. و أمّا إعطاؤها لوليّ المقتول في فرض عدم القصاص فلما عرفت من أنّ في كلّ مورد امتنع الاقتصاص لزمت الدية.

(1) فإنّ المسلم لا يُقتَل بالذميّ فعليه نصف الدية يعطيه لأولياء المقتصّ منه أو لأولياء المقتول في فرض عدم الاقتصاص.

(2) و ذلك للأولويّة القطعيّة، حيث إنّ القصاص من الجماعة المشتركين في‌

____________

(1) الوسائل 29: 79/ أبواب القصاص في النفس ب 32 ح 10.

34

[مسألة 34: لو اشتركت امرأتان في قتل رجل كان لوليّ المقتول قتلهما معاً بلا ردّ]

(مسألة 34): لو اشتركت امرأتان في قتل رجل كان لوليّ المقتول قتلهما معاً بلا ردّ (1)، و لو كنّ أكثر كان له قتل جميعهنّ، فإن شاء قتلهنّ أدّى

____________

جناية النفس ثابت بالنصوص المتقدّمة، فإذا ثبت ذلك في النفس ثبت في الأطراف بطريقٍ أولىٰ.

و لصحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل «قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد أحد [فاقتسماها ثمّ يقطعهما، و إن أحبّ أخذ منهما دية يد] قال: و إن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية» (1).

ثمّ إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «و إن أحبّ أخذ منهما دية يد» و جعله عدلًا لقوله (عليه السلام): «إن أحبّ أن يقطعهما» هو أنّ المجني عليه مخيّر بين الاقتصاص منهما أو من أحدهما و مطالبة الدية منهما، و الالتزام بذلك هنا غير بعيد، و إن كنّا لا نلتزم به في قصاص النفس، لعدم الدليل.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب، حيث لا فاضل لهما عن دية المقتول.

و تدلّ على ذلك رواية محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلًا عمداً «قال: تقتلان به، ما يختلف في هذا أحد» (2).

و هي صحيحة على الأظهر، فإنّ محمّد بن عبد اللّٰه الواقع في سندها هو محمّد ابن عبد اللّٰه بن هلال، بقرينة روايته عن العلاء، و رواية محمّد بن الحسين عنه، و هو ثقة على الأظهر، لوروده في أسناد كامل الزيارات.

____________

(1) الوسائل 29: 186/ أبواب قصاص الطرف ب 25 ح 1.

(2) الوسائل 29: 84/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 15.

35

فاضل ديتهنّ إليهنّ ثمّ قتلهنّ جميعاً (1). و أمّا إذا قتل بعضهنّ، كما إذا قتل اثنتين منهنّ مثلًا وجب على الثالثة ردّ ثلث دية الرجل إلى أولياء المقتصّ منهما (2).

[مسألة 35: إذا اشترك رجل و امرأة في قتل رجل]

(مسألة 35): إذا اشترك رجل و امرأة في قتل رجل، جاز لوليّ المقتول قتلهما معاً، بعد أن يردّ نصف الدية إلى أولياء الرجل دون أولياء المرأة، كما أنّ له قتل المرأة و مطالبة الرجل بنصف الدية، و أمّا إذا قتل الرجل وجب على المرأة ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتصّ منه (3).

[مسألة 36: كلّ موضع وجب فيه الردّ على الولي عند إرادته القصاص]

(مسألة 36): كلّ موضع وجب فيه الردّ على الولي عند إرادته القصاص على اختلاف موارده لزم فيه تقديم الردّ على استيفاء الحقّ كالقتل و نحوه، فإذا كان القاتل اثنين و أراد وليّ المقتول قتلهما معاً وجب عليه أوّلًا ردّ نصف الدية إلى كلّ منهما، ثمّ استيفاء الحقّ منهما (4).

____________

(1) لما سيأتي من أنّه لا حقّ لوليّ المقتول في أمثال المسألة قتل الجميع إلّا بعد ردّ فاضل الدية.

(2) و الوجه في ذلك: هو أنّ الروايات المتقدّمة الدالّة على وجوب الدية على غير المقتصّ منه و إن كانت خاصّة بالرجل إلّا أنّ المتفاهم العرفي منها عدم اختصاص الحكم بالرجل، و من ثمّ يتعدّىٰ منها إلى صورة الاشتراك في قتل المرأة.

(3) ظهر وجه جميع ذلك ممّا تقدّم.

(4) تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه «قال: ذاك لهم إذا أدّوا إلى‌

36

[مسألة 37: لو قتل رجلان رجلًا و كان القتل من أحدهما خطأً]

(مسألة 37): لو قتل رجلان رجلًا و كان القتل من أحدهما خطأً و من الآخر عمداً، جاز لأولياء المقتول قتل القاتل عمداً بعد ردّهم نصف ديته إلى وليّه (1) و مطالبة عاقلة القاتل خطأً نصف الدية (2)، كما لهم العفو عن قصاص القاتل و أخذ الدية منه بقدر نصيبه (3)، و كذلك الحال فيما إذا اشترك صبي مع

____________

أهله نصف الدية» الحديث (1).

فإنّها ظاهرة في أنّ جواز القتل معلّق على أداء نصف الدية خارجاً، فما لم يؤدّوه ليس لهم قتله.

و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلًا «قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة و قتلوهما» الحديث (2).

فإنّها ظاهرة في أنّ جواز القتل معلّق على أداء الدية خارجاً، فما لم يؤدّوها ليس لهم قتله.

(1) تقدّم وجهه (3).

(2) سيأتي وجهه في محلّه (4).

(3) سبق وجهه (5).

____________

(1) الوسائل 29: 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 3.

(2) الوسائل 29: 42/ أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 4.

(3) في ص 27 28.

(4) في ص 242.

(5) في ص 28.

37

رجل في قتل رجل عمداً (1).

[مسألة 38: لو اشترك حرّ و عبد في قتل حرّ عمداً]

(مسألة 38): لو اشترك حرّ و عبد في قتل حرّ عمداً، كان لوليّ المقتول قتلهما معاً بعد ردّ نصف الدية إلى أولياء الحرّ (2)، و أمّا العبد فيقوّم، فإن كانت قيمته تساوي نصف دية الحرّ أو كانت أقلّ منه فلا شي‌ء على الولي، و إن كانت أكثر منه فعليه أن يردّ الزائد إلى مولاه (3)، و لا فرق في ذلك بين كون الزائد بمقدار نصف دية الحرّ أو أقلّ. نعم، إذا كان أكثر منه كما لو كانت قيمة العبد أكثر من تمام الدية لم يجب عليه ردّ الزائد على النصف، بل يقتصر على ردّ النصف (4).

____________

(1) فإن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.

(2) لما تقدّم من أنّ جواز القتل في أمثال هذه الموارد مشروط بأداء فاضل الدية (1).

(3) فإنّه ليس على رقبة العبد إلّا نصف الدية، فلا بدّ من ردّ الزائد إلى مولاه.

(4) و ذلك لعدّة روايات دالّة على أنّ دية العبد لا تزيد على دية الحرّ.

منها: صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: دية العبد قيمته، فإن كان نفيساً فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، و لا يجاوز به دية الحرّ» (2).

____________

(1) في ص 11 و 31.

(2) الوسائل 29: 207/ أبواب ديات النفس ب 6 ح 2.

38

[مسألة 39: إذا اشترك عبد و امرأة في قتل حرّ]

(مسألة 39): إذا اشترك عبد و امرأة في قتل حرّ، كان لوليّ المقتول قتلهما معاً بدون أن يجب عليه ردّ شي‌ء بالنسبة إلى المرأة (1)، و أمّا بالنسبة إلى العبد فقد مرّ التفصيل فيه. و إذا لم يقتل العبد كان له استرقاقه، فعندئذٍ إن كانت قيمته أكثر من نصف دية المقتول ردّ الزائد على مولاه و إلّا فلا (2).

____________

(1) و ذلك لأنّ دية المرأة نصف دية الرجل فلا فاضل حتّى يجب عليه ردّه.

(2) تدلّ على ذلك صحيحة ضريس الكناسي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة و عبد قتلا رجلًا خطأً «فقال: إنّ خطأ المرأة و العبد مثل العمد، فإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما، فإن كانت قيمة العبد أكثر من خمسة آلاف درهم فليردّوا على سيِّد العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم، و إن أحبّوا أن يقتلوا المرأة و يأخذوا العبد أخذوا، إلّا أن تكون قيمته أكثر من خمسة آلاف درهم، فليردّوا على مولى العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم، و يأخذوا العبد أو يفتديه سيِّده، و إن كانت قيمة العبد أقلّ من خمسة آلاف درهم فليس لهم إلّا العبد» (1).

و هذه الصحيحة تتضمّن أمرين:

الأوّل: أنّ خطأ المرأة و العبد مثل العمد.

الثاني: أنّ لوليّ المقتول استرقاق العبد عند عدم اختيار قتله على التفصيل المذكور فيها.

أمّا الأمر الأوّل: فلا يمكن الأخذ به، و لا بدّ من ردّ علمه إلى أهله.

و أمّا الأمر الثاني: فلا مانع من الأخذ به.

____________

(1) الوسائل 29: 88/ أبواب القصاص في النفس ب 34 ح 2.

39

[شروط القصاص]

شروط القصاص و هي خمسة:

[الأوّل: التساوي في الحرّيّة و العبوديّة]

الأوّل: التساوي في الحرّيّة و العبوديّة.

[مسألة 40: إذا قتل الحرّ الحرّ عمداً قُتِل به]

(مسألة 40): إذا قتل الحرّ الحرّ عمداً قُتِل به (1)، و كذا إذا قتل الحرّة، و لكن بعد ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتصّ منه (2).

____________

(1) بلا خلاف و لا إشكال كتاباً و سنّةً.

(2) من دون خلاف بين الأصحاب. و تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً، فأراد أهل المرأة أن يقتلوه «قال: ذاك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدية، و إن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، و إن قتلت المرأة الرجل قُتِلت به، ليس لهم إلّا نفسها» الحديث (1).

و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمّداً «قال: إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه و يؤدّوا إلى أهله نصف الدية، و إن شاءُوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم» و قال في‌

____________

(1) الوسائل 28: 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 3.

40

[مسألة 41: إذا قتلت الحرّة الحرّة قُتِلت بها]

(مسألة 41): إذا قتلت الحرّة الحرّة قُتِلت بها (1)، و إذا قتلت الحرّ فكذلك،

____________

امرأة قتلت زوجها متعمّدة «قال: إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها، و ليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه» (1).

و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا قتلت المرأة رجلًا قُتِلت به، و إذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل على دية المرأة و أقادوه بها، و إن لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة، و دية المرأة نصف دية الرجل» (2).

و لا تعارضها رواية السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل رجلًا بامرأة قتلها عمداً، و قتل امرأة قتلت رجلًا عمداً» (3).

فإنّها مضافاً إلى ضعف سندها لا تنافي لزوم الدية في قتل الرجل بالمرأة، فيقيّد إطلاقها بذلك بمقتضى الصحاح المتقدّمة.

و أمّا ما في معتبرة إسحاق بن عمّار عن جعفر (عليه السلام): «أنّ رجلًا قتل امرأة فلم يجعل علي (عليه السلام) بينهما قصاصاً و ألزمه الدية» (4).

فيحمل على عدم جعل القصاص مجرّداً من ردّ نصف الدية بقرينة الروايات المتقدّمة إن أمكن ذلك، و إلّا ردّ علمها إلى أهله.

(1) اتّفاقاً كتاباً و سنّةً.

____________

(1) الوسائل 28: 80/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 1.

(2) الوسائل 28: 81/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 2.

(3) الوسائل 28: 84/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 14.

(4) الوسائل 28: 84/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 16.

41

و ليس لوليّ المقتول مطالبة وليّها بنصف الدية (1).

[مسألة 42: إذا قتل الحرّ الحرّ أو الحرّة خطأ محضاً أو شبيه عمد]

(مسألة 42): إذا قتل الحرّ الحرّ أو الحرّة خطأ محضاً أو شبيه عمد فلا قصاص (2). نعم، تثبت الدية، و هي على الأوّل على عاقلة القاتل، و على الثاني في ماله، على تفصيل يأتي في باب الديات إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

[مسألة 43: إذا قتل الحرُّ أو الحرّةُ العبد عمداً فلا قصاص]

(مسألة 43): إذا قتل الحرُّ أو الحرّةُ العبد عمداً فلا قصاص (3)،

____________

(1) بلا خلاف ظاهر. و تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحتا الحلبي و عبد اللّٰه بن سنان المتقدّمتان.

و لا تعارضهما صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: في امرأة قتلت رجلًا «قال: تُقتَل و يؤدّي وليّها بقيّة المال» (1).

فإنّها رواية شاذّة، و تلك روايات مشهورة بين الأصحاب، و لا سيّما أنّها مخالفة للكتاب المجيد «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (2)، فتطرح لا محالة، على أنّها قاصرة دلالة، فإنّ المذكور فيها أنّ الوليّ يؤدّي بقيّة المال، و ليست ظاهرة في تأدية نصف الدية، فلا مناص عندئذٍ من ردّ علمها إلى أهله.

(2) فإنّ القصاص إنّما يثبت في القتل العمدي دون مطلق القتل، و بما أنّ القتل في مفروض المسألة ليس بعمدي فلا موضوع للقصاص.

(3) من دون خلاف و إشكال. و تدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: قلت له‌

____________

(1) الوسائل 29: 85/ أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 17.

(2) المائدة 5: 45.

42

..........

____________

قول اللّٰه عزّ و جلّ «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ» (1) قال: «فقال: لا يقتل حرّ بعبد، و لكن يضرب ضرباً شديداً و يغرم ثمنه دية العبد» (2).

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «قال: لا يقتل الحرّ بالعبد، و إذا قتل الحرّ العبد غرم ثمنه و ضرب ضرباً شديداً» (3).

و منها: معتبرة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «قال: يقتل العبد بالحرّ، و لا يقتل الحرّ بالعبد، و لكن يغرم ثمنه، و يضرب ضرباً شديداً حتّى لا يعود» (4).

و لا تعارضها معتبرة إسماعيل ابن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): «أنّه قتل حرّا بعبد قتله عمداً» (5).

فإنّها قضيّة في واقعة، و من المحتمل أنّ الحرّ كان معتاداً على قتل العبيد، و سيأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ أنّ الحكم في مثله القتل (6).

و أمّا ما في معتبرة زيد بن علي، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) «قال: ليس بين الرجال و النساء قصاص إلّا في النفس، و ليس بين الأحرار و المماليك قصاص إلّا في النفس، و ليس بين الصبيان قصاص في شي‌ء إلّا في النفس» (7).

____________

(1) البقرة 2: 178.

(2) الوسائل 29: 96/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 1.

(3) الوسائل 29: 96/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 2.

(4) الوسائل 29: 96/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 3.

(5) الوسائل 29: 98/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 9.

(6) في ص 48.

(7) الوسائل 29: 184/ أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 2.

43

و على القاتل قيمة المقتول يوم قتله (1) لمولاه إذا لم تتجاوز دية الحرّ (2)، و إلّا

____________

فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهله، فإنّ الجملة الأخيرة فيها مقطوعة البطلان، لأنّ الصبي ليس عليه قصاص حتّى في النفس، و إنّما اللازم في قتله الدية، و هي على عاقلته.

و كذلك الجملة الأُولى، فإنّ القصاص ثابت بين الرجال و النساء في غير النفس أيضاً، غاية الأمر أنّه لا بدّ من ردّ فاضل الدية فيما إذا جاوز الثلث إذا كان المقتصّ هي المرأة، كما هو الحال في النفس.

و أمّا الجملة الثانية فهي أيضاً كذلك، حيث إنّه لا يقتل الحرّ بالعبد بنصّ الآية الكريمة و الروايات المتظافرة التي تقدّم بعضها، فلا مناص عندئذٍ من طرح الرواية.

و من ذلك يظهر الحال في معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «قال: ليس بين العبيد و الأحرار قصاص فيما دون النفس، و ليس بين اليهودي و النصراني و المجوسي قصاص فيما دون النفس» (1).

على أنّه لا دلالة فيها على ثبوت القصاص في النفس إلّا بمفهوم القيد، و هو لا يثبت إلّا القصاص في الجملة، حيث لا إطلاق له، فإذن المتيقّن هو حمله على صورة الاعتياد.

(1) فإنّه يوم اشتغال الذمّة بالقيمة.

(2) بلا خلاف. و تدلّ عليه عدّة نصوص:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا قتل الحرّ‌

____________

(1) الوسائل 29: 184/ أبواب قصاص الطرف ب 22 ح 3.

44

فلا يغرم الزائد، و إذا قتل الأمة فكذلك (1)، و على القاتل قيمتها إذا لم تتجاوز دية الحرّة (2)، و لو كان العبد أو الأمة ذمّيّاً غرم قيمة المقتول إذا لم تتجاوز دية الذمّي أو الذمّيّة. و لا فرق فيما ذكرناه بين كون العبد أو الأمة قنّاً أو

____________

العبد غرم قيمته و أُدّب» قيل: فإن كانت قيمته عشرين ألف درهم؟ «قال: لا يجوز بقيمة عبد دية الحرّ» (1).

و منها: صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: دية العبد قيمته، فإن كان نفيساً فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، و لا يجاوز به دية الحرّ» (2).

(1) و السبب فيه: أنّ مورد الروايات المتقدّمة و إن كان هو قتل الحرّ العبد إلّا أنّ الظاهر منها هو أنّها في مقام بيان حكم المملوك من حيث كونه مملوكاً، بلا فرق بين كونه ذكراً أو أُنثى.

(2) نظراً إلى انّ دية المرأة نصف دية الرجل، فإذا لم تتجاوز قيمة العبد العشرة آلاف درهم لم تتجاوز قيمة الأمة الخمسة آلاف درهم.

و تدلّ على ذلك صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان المتقدّمة، و صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «دية المرأة نصف دية الرجل» (3).

و بما ذكرنا يظهر حال العبد و الأمة الذمّيّين، فإنّ ديتهما لا تزيد على دية الحرّ منهما.

____________

(1) الوسائل 29: 97/ أبواب القصاص في النفس ب 40 ح 4.

(2) الوسائل 29: 207/ أبواب ديات النفس ب 6 ح 2.

(3) الوسائل 29: 205/ أبواب ديات النفس ب 5 ح 1.

45

مدبّراً (1)، و كذلك إذا قتل الحرّ أو الحرّة مكاتباً مشروطاً أو مطلقاً و لم يؤدّ من مال الكتابة شيئاً (2). و لا فرق في ذلك بين الذكر و الأُنثىٰ (3). و مثل ذلك القتل الخطائي (4)، غاية الأمر أنّ الدية تحمل على عاقلة القاتل الحرّ إذا كان خطأً محضاً، و إلّا ففي مال القاتل نفسه على تفصيلٍ يأتي.

____________

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّ المستفاد من الروايات المتقدّمة: أنّ عدم تغريم قاتل العبد بأكثر من عشرة آلاف درهم إذا كانت قيمته أكثر منها إنّما هو من جهة القتل فقط، بمعنى: أنّ قاتل العبد عمداً يسقط عنه القصاص، و ينتقل الأمر إلى الدية، و هي لا تزيد على دية الحرّ.

و أمّا إذا كان هناك سبب آخر للضمان غير القتل، كما إذا غصب الحرّ عبداً ثمّ قتله، ففي مثل ذلك لا يبعد الالتزام بضمان تمام قيمته مهما بلغت، فإنّ الغصب أوجب ذلك.

و لا موجب لسقوط الضمان، فإنّ القتل العمدي إن لم يوجب الزيادة لم يوجب النقص، فلو فرضنا أنّ العبد المذكور قد مات بنفسه كان الغاصب ضامناً لقيمته مهما بلغت، فكيف به إذا قتله عمداً بعد غصبه؟! و قد نسب الشهيد الثاني ذلك إلى بعض الأصحاب و قوّاه (1).

(1) لإطلاق الأدلّة و عدم خصوصيّة في البين.

(2) فإنّه قنٌّ تترتّب عليه أحكامه المتقدّمة.

(3) ظهر وجهه ممّا تقدّم.

(4) و ذلك لما عرفت من أنّ الثابت في قتل الحرّ العبد عمداً هو الدية أي‌

____________

(1) المسالك 2: 366 (حجري).

46

[مسألة 44: إذا اختلف الجاني و مولى العبد في قيمته يوم القتل]

(مسألة 44): إذا اختلف الجاني و مولى العبد في قيمته يوم القتل، فالقول قول الجاني مع يمينه إذا لم تكن للمولى بيّنة (1).

[مسألة 45: لو قتل المولى عبده متعمّداً]

(مسألة 45): لو قتل المولى عبده متعمّداً، فإن كان غير معروف بالقتل ضرب مائة ضربة شديدة، و حُبِس و أُخذت منه قيمته يتصدّق بها، أو تدفع إلى بيت مال المسلمين (2)،

____________

قيمة العبد المقتول فلا قود و لا قصاص. و المفروض أنّ الأمر كذلك في قتله العبد خطأً، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلًا.

نعم، يفترق القتل الخطائي عن العمدي في نقطة اخرى، و هي أنّ القتل إذا كان خطأً فالدية على عاقلة القاتل لا في مال نفسه.

(1) لأنّ الجاني يدّعي الأقلّ فيكون قوله مطابقاً للأصل، فعلى مدّعي الزائد الإثبات.

و تؤيّد ذلك رواية أبي الورد، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل عبداً خطأً؟ «قال: عليه قيمته إلى أن قال: إن كان لمولاه شهود أنّ قيمته كانت يوم قتل كذا و كذا أُخذ بها قاتله، و إن لم يكن له شهود على ذلك كانت القيمة على من قتله مع يمينه» الحديث (1).

(2) هذا مقتضى الجمع بين صحيحة يونس و معتبرة السكوني.

ففي الأُولى: عنهم (عليهم السلام)، قال: سُئِل عن رجل قتل مملوكه «قال: إن كان غير معروف بالقتل ضُرِب ضرباً شديداً و أُخذ منه قيمة العبد، و يدفع‌

____________

(1) الوسائل 29: 208/ أبواب ديات النفس ب 7 ح 1.

47

..........

____________

إلى بيت مال المسلمين، و إن كان متعوّداً للقتل قتل به» (1).

ثمّ إنّه قد يناقش في الرواية بوقوع إسماعيل بن مرار في سندها و هو لم يوثّق، و لكنّه مندفع بما ذكرناه في معجم رجال الحديث من أنّه ثقة على الأظهر (2)، فإذن الرواية صحيحة.

و أمّا ما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) من أنّها مرسلة مقطوعة (3)، فلم يظهر لنا وجهه، فإنّ يونس و إن لم يرو عن غير الكاظم (عليه السلام) و الرضا (عليه السلام) بلا واسطة إلّا أنّه يصحّ له أن ينسب ما سمعه منهما أو من أحدهما إلى الأئمّة (عليهم السلام).

و في الثانية: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع إليه رجل عذّب عبده حتّى مات، فضربه مائة نكالًا، و حبسه و أغرمه قيمة العبد، فتصدّق بها عنه» (4).

ثمّ إنّ محمّد بن يعقوب و الشيخ رويا هذه الرواية بإسنادهما عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و فيها: «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حبسه سنة» (5).

و لكنّ الرواية ضعيفة بسهل بن زياد و محمّد بن الحسن بن شمون و عبد اللّٰه بن عبد الرحمن الأصمّ، فلا يمكن الاعتماد عليها.

____________

(1) الوسائل 29: 95/ أبواب القصاص في النفس ب 38 ح 2.

(2) معجم رجال الحديث 4: 96/ 1439.

(3) المسالك 2: 366 (حجري).

(4) انظر الوسائل 29: 92/ أبواب القصاص في النفس ب 37 ح 5.

(5) الكافي 7: 303/ 6، التهذيب 10: 235/ 933.

48

و إن كان متعوّداً على القتل قُتِل به (1). و لا فرق في ذلك بين العبد و الأمة (2)، كما أنّه لا فرق بين القنّ و المدبّر و المكاتب، سواء أ كان مشروطاً أم مطلقاً لم يؤدّ من مال كتابته شيئاً (3).

[مسألة 46: إذا قتل الحرّ أو الحرّة متعمّداً مكاتباً]

(مسألة 46): إذا قتل الحرّ أو الحرّة متعمّداً مكاتباً أدّى من مال مكاتبته شيئاً لم يقتل به (4) و لكن عليه دية الحرّ بمقدار ما تحرّر منه و دية

____________

(1) تدلّ على ذلك ذيل صحيحة يونس المتقدّمة.

و تؤيّدها رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام): في رجل قتل مملوكه أو مملوكته «قال: إن كان المملوك له أدّب و حبس، إلّا أن يكون معروفاً بقتل المماليك فيقتل به» (1).

ثمّ إنّ الظاهر أنّ صاحب الوسائل (قدس سره) سها قلمه الشريف حيث نسب الرواية إلى أبي الفتح الجرجاني.

(2) فإنّ مورد الروايتين و إن كان هو العبد إلّا أنّ المقطوع به أنّه لا خصوصيّة له و أنّ هذه الأحكام أحكام المماليك بلا فرق بين الذكر و الأُنثى.

(3) لإطلاق النصوص المتقدّمة.

(4) لأنّ الحرّ لا يُقتَل إلّا بالحرّ و المكاتب ليس بحرّ.

و أمّا الآية الكريمة «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (2) فهي مقيّدة بقوله تعالى «الْحُرُّ بِالْحُرِّ» (3)، فإنّه يدلّ على أنّ الحرّ لا يُقتَل إلّا بالحرّ.

____________

(1) الوسائل 29: 94/ أبواب القصاص في النفس ب 38 ح 1.

(2) المائدة 5: 45.

(3) البقرة 2: 178.

49

العبد بمقدار ما بقي (1)

____________

(1) و الوجه في ذلك: أنّه بعد ما عرفت من أنّ أدلّة القصاص لا تشمل المقام فبطبيعة الحال ينتهي الأمر إلى الدية، و حيث إنّه لا يمكن أن تكون الدية هنا قيمته لفرض أنّ مقداراً منه حرّ فلا يكون مشمولًا للروايات الدالّة على أنّ دية العبد قيمته. فإذن لا محالة تتقسّط الدية، و بالإضافة إلى مقدار ما تحرّر منه تكون الدية دية حرّ، و بالإضافة إلى مقدار ما بقي من الرقّ تكون الدية قيمته.

و يمكن استفادة ذلك من صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قال في مكاتب قتل رجلًا خطأً «قال: عليه ديته بقدر ما أعتق، و على مولاه ما بقي من قيمة المملوك» الحديث (1).

و لا يضرّ في صحّتها أن يكون في سندها إسماعيل بن مرار، فإنّه ثقة على الأظهر.

و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قتل، قال: يحسب ما أعتق منه فيؤدّى دية الحرّ و ما رقّ منه فدية العبد» (2).

بتقريب: أنّ موردهما و إن كان فرض المكاتب قاتلًا و لكن في تقسيط دية المقتول عليه فيؤدّى دية الحرّ بمقدار ما تحرّر و دية العبد بمقدار ما رقّ دلالة على أنّ ديته إذا كان مقتولًا أيضاً كذلك، نظراً إلى أنّ ذلك من خصوصيّة الحرّ و المملوك، فلا أثر لكونه قاتلًا أو مقتولًا من هذه الناحية.

____________

(1) الوسائل 29: 213/ أبواب ديات النفس ب 10 ح 1.

(2) الوسائل 29: 213/ أبواب ديات النفس ب 10 ح 2.

50

كما هو الحال في القتل الخطائي (1)، و لا فرق في ذلك بين كون المكاتب عبداً أو أمة (2)، كما لا فرق بين كونه قد أدّى نصف مال كتابته أو أقلّ من ذلك (3). و كذا الحال فيما لو قتل المولى مكاتبه عمداً (4).

____________

(1) يظهر الحال فيه ممّا تقدّم.

(2) لما عرفت من أنّ هذه الأحكام أحكام المماليك من دون خصوصيّة لكون المملوك ذكراً أو أُنثى.

(3) خلافاً للشيخ (قدس سره) في الاستبصار، حيث إنّه بعد ما روىٰ رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن مكاتب فقأ عين مكاتب أو كسر سنّه، ما عليه؟ «قال: إن كان أدّى نصف مكاتبته فديته دية حرّ، و إن كان دون النصف فبقدر ما أعتق، و كذا إذا فقأ عين حرّ» و سألته عن حرّ فقأ عين مكاتب أو كسر سنّه «قال: إذا أدّى نصف مكاتبته تفقأ عين الحرّ أو ديته إن كان خطأً هو بمنزلة الحرّ، و إن لم يكن أدّى النصف قوّم فأدّى بقدر ما أُعتق منه» الحديث (1).

جعلها مقيّدة لإطلاق صحيحة محمّد بن قيس، فحملها على صورة ما أُعتق منه ما دون النصف، و أمّا إذا كان المعتق بقدر النصف فديته دية الحرّ.

و ما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، لضعف رواية عليّ بن جعفر سنداً، فإنّ في سندها محمّد بن أحمد العلوي، و لم يرد فيه توثيق و لا مدح.

(4) يظهر الحال فيه ممّا تقدّم.

____________

(1) الوسائل 29: 213/ أبواب ديات النفس ب 10 ح 3، الاستبصار 4: 277/ 1049.